كتاب البيع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- الشرح الممتع على زاد المستقنع
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
- الطبعة
- الأولى، 1422 - 1428 هـ
- عدد الأجزاء
- 15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
أحمد ـ رحمه الله ـ من هذا الشرط، ولكن ما يقع قربة بالقصد وينتفع به الغير فلا بأس أن يأخذ الإنسان عليه أجرة من أجل نفع الغير، كالتعليم، إنسان قال لآخر: أريد أن تعلمني باب شروط الصلاة، فقال: ليس عندي مانع، لكن بشرط أن تعطيني أجرة، فنقول: هذا لا بأس به؛ لأن العوض هنا ليس عن التعبد بالعمل ولكن عن انتفاع الغير به.
لو أن شخصاً طُلب منه أن يعلم آخر سورة البقرة فقال: لا أعلمه إلا بأجرة فإنه يجوز؛ لأن هذا للتعليم لا للتلاوة، وفرق بين أن يكون للتعليم الذي يتعدى نفعه للغير وبين التلاوة.
ولو أن إنساناً قال لمريض: أنا لا أرقيك إلا بأجرة، وهو يريد أن يرقيه بالقرآن، فهذا يجوز؛ ولهذا لما بعث النبي صلّى الله عليه وسلّم سرية، فنزلوا على قوم ضيوفاً، فأبى القوم أن يضيفوهم، بعث الله على سيدهم عقرباً فلدغته ـ وكانت والله أعلم شديدة ـ فطلبوا من يعالجه، قالوا: لعل هؤلاء القوم فيهم من يرقي، يعنون بذلك الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ الذين تنحوا عنهم لمَّا لم يضيفوهم، فجاؤوا إلى الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وقالوا: إن سيدهم قد لُدغ، فهل منكم من راقٍ؟ قالوا: نعم، منا من يرقيه، ولكن لا نرقيه إلا بطائفة من الغنم؛ لأنكم ما أكرمتمونا، ولا ضيفتمونا، فقالوا: لا بأس، فقرأ عليه القارئ، فقام كأنما نشط من عقال بإذن الله، ولم يقرأ عليه إلا سورة الفاتحة فقط، التي يقرأها بعض الناس اليوم ألف مرة ولا يستفيد المريض، فقرأ عليه سورة الفاتحة وبرأ بإذن الله، فأعطوهم الطائفة من الغنم ولكن أشكل
عليهم الأمر، فقالوا: لا نأكل حتى نسأل النبي صلّى الله عليه وسلّم فلما قدموا المدينة وأخبروا الرسول صلّى الله عليه وسلّم بهذا قال: «نعم: كلوا واضربوا لي معكم بسهم» ـ عليه الصلاة والسلام ـ، فأفتاهم بالقول وبالفعل من أجل أن تطمئن قلوبهم، وإلا فالفتوى القولية تكفي، وهو ـ عليه الصلاة والسلام ـ لا يسأل أحداً لكنه سأل هذا لمصلحتهم لا لمصلحته هو، فهو ليس بحاجة ولا ضرورة إلى لحمهم، لكنه فعل ذلك لمصلحتهم لتطيب قلوبهم قال: «خذوا واضربوا لي معكم بسهم فإن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله» 1 فدل هذا على أنه لا بأس إذا كانت العبادة ذات نفع متعدٍّ، وأراد الإنسان النفع المتعدي فلا بأس أن يأخذ عليه أجراً، ولو كانت من جنس الأشياء التي لا تقع إلا قربة؛ لأن هذا القارئ ما قصد التعبد لله بالقراءة بل قصد نفع الغير، إما التعليم أو الاستشفاء أو غير ذلك فهذا لا بأس به.
أشكل على بعض الإخوة المستقيمين ما يأخذه بعض الناس على الأذان والإقامة والتدريس والدعوة، وقالوا: إن هذا نقص وخلل في التوحيد؛ لأن هذا الذي يأخذ المكافأة لا شك أنه يجنح إليها، يعني ليس أخذها وعدمه عنده سواء، وأكثر الناس على هذا، بل ربما بعض الناس يصرِّح يقول: أنا أريد أن أكون إماماً لأني أريد أن أتزوج، أو لأني تزوجت وأحتاج إلى نفقة.
فيقول بعض الناس: إن هذا شرك؛ لأنه أراد بهذا العمل الصالح الدنيا، فيقال لهؤلاء: هذا الذي تأخذونه ليس أجرة،
ولكنه حق تستحقونه من بيت المال، وغاية ما عند الحكومة أن توزع بيت المال على المستحقين، فمثلاً: هذا مدرس فله ما يليق بعمله، وهذا مؤذن فله ما يليق بعمله، وهذا إمام فله ما يليق بعمله، وهذا داعية فله ما يليق بعمله، وهكذا، يعني ليس من الحكومة في هذا إلا التوزيع والتنظيم، أما أنت فلك حق، وكل من عمل عملاً متعدياً في المسلمين فله حق من بيت المال على حسب نتيجة هذا العمل وثمرته، وحتى من لم يعمل له حق من بيت المال، كالفقراء واليتامى ومن أشبههم، على كل حال هذه المسألة اشتبهت على بعض المستقيمين ولهذا يسألون عنها كثيراً، حتى إن بعضهم يكون أهلاً للإمامة تماماً، قارئاً وفقيهاً ولا يرغب؛ لأنه سوف يعطى مكافأة من بيت المال، فنقول: الحمد الله، أنت الآن لست مستأجراً ولكنك مستحق لهذا العمل الصالح ونفع المسلمين، فليس عليك أي بأس، فينبغي إذا أورد أحد هذا الإشكال أن يبيَّن له.
بقي علينا الحج، هل يجوز الاستئجار على الحج، مثل أن يستأجر شخصاً ليحج عنه أو لا؟
نقول: أولاً: إذا كان الحج فريضة والمستأجر قادر، فالإجارة لا تصح؛ لأن هذا يجب عليه أن يؤدي الفرض بنفسه؛ لأنه قادر بدنياً ومالياً، وإذا كان عاجزاً عجزاً لا يرجى زواله وحجه فريضة، قد سبق لنا في الوكالة أنه يجوز أن ينيب عنه، واستدللنا لذلك بحديث الخثعمية التي قالت: إن أبي أدركته فريضة الله على عباده بالحج شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة،
أفأحج عنه؟ فأذن لها 1، فهل تجوز الأجرة على ذلك أو نقول: اتفق مع الذي أراد أن ينيبك، ولا تبحث عن المقدار سواء أعطاك عشرة أو ألفاً؟ أما إذا كان الحج نفلاً فقد سبق لنا في الوكالة ـ أيضاً ـ أنه إن كان مريضاً مرضاً لا يرجى برؤه، فإنه يمكن أن يقال بالجواز قياساً على الفريضة، وإن كان صحيح البدن قوياً فالذي نرى أنه لا يصح؛ لأن العبادات مطلوب من الإنسان أن يشعر بأنه عابد لله ذليل، لا أن يعطي دراهم لشخص ويحج عنه، هل قال الذي أنابه: لبيك اللهم لبيك؟! لم يقل، هل طاف بالبيت أو سعى بين الصفا والمروة؟! هل وقف بعرفة؟! فأين الحج؟! كيف نقول: إن هذا حاج؟! وكيف نقول: إن له أجر الحج؟! ولهذا قلنا: إن مثل هذا ينبغي أن يُعِينَ من يؤدي الحج عن نفسه أفضل له من أن يقول: حج عني، على كل حال، في الحال التي يجوز فيها أن يستنيب أحداً في الحج، هل يجوز أن يعقد عقد إجارة على هذه النيابة أو لا؟ المذهب لا يجوِّزون هذا ويقولون: الإجارة على الحج حرام؛ لأن الحج عبادة بدنية لا تقع إلا قربة، ليس كتعليم الفقه والحديث وما أشبه ذلك، فلا يجوز، وفيه وجه 2 أنه يجوز عقد الإجارة على الحج، وعمل الناس الآن على الثاني ولا يسع الناس إلا هذا، يعني لو قلنا: بأن
الإجارة حرام سددنا باب النيابة نهائياً، من يُوفَّق فيقول: أنا أريد أن أقضي حاجة أخي وأقوم عنه بالحج وما أعطاني فأنا راضٍ به؟! هذا نادر أن يكون.
وقال بعض العلماء: إن ذلك جائز للحاجة فقط، وأما مع عدم الحاجة فلا يجوز، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ وجعل المدار على حاجة المستَأجَر ـ الذي أجر نفسه ـ إن كان محتاجاً جاز أخذ الأجرة، وإلا فلا.
وهل يجوز إعطاء الجائزة عليه؟ نعم يجوز، ولهذا يجوز أن تعطي من يحفظ عشرة أجزاء من القرآن ـ مثلاً ـ كذا وكذا ولا مانع.
والقاعدة: أن كل عمل لا يقع إلا قربة فلا يصح عقد الإجارة عليه، وما كان نفعه متعدياً من القرب صح عقد الإجارة عليه، بشرط أن يكون العاقد لا يريد التعبد لله ـ تعالى ـ بهذه القربة، وإنما يريد نفع الغير الذي استأجره لاستيفاء هذه المنفعة.
ما هو العمل الذي يشترط أن يكون فاعله من أهل القربة، ومن هم أهل القربة؟ أهل القربة يقولون: هو المسلم؛ لأن الكافر لا يكون من أهل القربة إطلاقاً، إذ إنه مهما عمل فإنه لا يقرِّبه عمله إلى الله، فكل عمل يصح إيقاعه من الكافر فعقد الإجارة عليه صحيح ولا بأس به حتى بناء المسجد، فلو أنك استأجرت إنساناً يبني لك مسجداً فلا بأس؛ لأن بناء المسجد يجوز أن يكون من الكافر، يعني يجوز أن يبني الكافر المسجد، إلا أننا نرى أنه لا بد أن يكون عليه قيم يراقب تنفيذه، البناء وأساسات البناء حتى لا يخون.
فأهل القربة هم المسلمون؛ وذلك لأن الكفار مهما خشعوا وبكوا وذلوا أمام صنمهم فإن ذلك ليس بقربة، ولهذا يذكر أن النصارى في كنائسهم يخشعون خشوع المسلمين في مساجدهم، بكاء، ونياح، وعويل، لكن لا ينفعهم هذا، حتى قال بعضهم في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ *عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ *تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً *﴾ [الغاشية] إن هؤلاء هم النصارى في كنائسهم، لكن هذا على كل حال غير صحيح؛ لأن الآية صريحة بأن ذلك يوم القيامة: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ *﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ [الغاشية: 1ـ 2]. على كل حال الكافر لا يمكن أن يكون من أهل القربة، فإن قال قائل: أرأيتم لو أن كافراً بنى مسجداً للمسلمين أتجوز الصلاة فيه؟ هو لا يقبل منه ولا ينفعه حتى لو صلينا فيه ليس له أجر، لكن نحن لا نمتنع من الصلاة فيه؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «جعلت لي الأرض مسجداً» 1 نعم إن خفنا أن يريد هذا الكافر أن يصطاد بالماء العكر، أو أن يضفي مِنَّةً على المسلمين ويقول يوماً من الدهر: نحن الذين بنينا لكم المساجد، فهنا يجب علينا أن نهجر هذا المسجد، ويجب على المسلمين أن يتعاونوا في هذا وأن لا يخون بعضهم بعضاً، أما إذا كان هذا الرجل الكافر معروفاً بالكرم وأنه يعطي هذا وهذا ولا يبالي ولا يمن، ولا يرى أن له فضلاً فلا بأس ولا مانع.
ومن ذلك ـ أيضاً ـ ما أشكل على بعض الناس يأتي إنسان يتعامل بالبنك أو يتعامل بأشياء أخرى محرم كسبها، ثم يبني مسجداً أو يصلح طريقاً فيقول: هل يجوز أن أصلي في هذا المسجد الذي أصلحه مَنْ مَالُهُ حرامٌ أو أمشي في الطريق؟ نرى أنه لا بأس أن يصلي في هذا المسجد ولو كان من مال ربوي أو من كسب محرم آخر؛ لأن إثمه على كاسبه، ثم نقول: هذا الرجل الذي بنى المسجد، لعله أحدث توبة وبنى هذا من أجل أن يتخلص من الإثم والكسب الحرام، فنكون إذا صلينا في ذلك وشجعناه نكون عوناً له على التوبة، والإنسان يجب أن ينظر إلى الأمور بمقياس الشرع والعقل لا بمقياس العاطفة العمياء؛ لأنه ما ضرَّ المسلمين حتى في عهد الصحابة ـ رضي الله عنه ـ إلا هذا، العاطفة العمياء، ما الذي أوجب للخوارج أن يخرجوا إلا العاطفة العمياء، ودعواهم أن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ قد خان وأنه يجب أن يقاتَل، وأنه كفر برضاه بالتحكيم وما أشبه ذلك.
ولو غصب أرضاً وبنى عليها مسجداً فلا نصلي فيها، أما على قول من قال: إن الصلاة في الأرض المغصوبة باطلة فلا نصلي فيه؛ لأننا لا نتقرب إلى الله ـ تعالى ـ بشيء باطل، لكن على قول من يرى أن الصلاة في الأرض المغصوبة جائزة فنقول: أيضاً لا نصلي، ولا نقول: إن الصلاة لا تصح لكننا نقول: إن هذا تشجيع لهذا الغاصب الظالم أن يغصب أموال المسلمين، ثم يتبجح بأنه بنى عليها مسجداً.
وَعَلَى المُؤَجِّرِ كُلُّ مَا يُتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ النَّفْعِ كَزِمَامِ الْجَمَلِ، وَرَحْلِهِ، وَحِزَامِهِ، وَالشَّدِّ عَلَيْهِ، وَشَدِّ الأَحْمَالِ وَالمَحَامِلِ، وَالرَّفْعِ وَالحَطِّ، وَلُزُومِ البَعِيرِ، وَمَفَاتِيحِ الدَّارِ وَعِمَارَتِهَا.
قوله: «وعلى المؤجر كل ما يتمكن به من النفع كزمام الجمل ورحله وحزامه والشد عليه وشد الأحمال والمحامل والرفع والحطِّ ولزوم البعير ومفاتيح الدار وعمارتها»، إنسان أجر شخصاً بعيراً ليحج به، نقول: عليك كل ما يتمكن به المستأجر من النفع «كزمام الجمل» والزمام هو الحبل الذي تقاد به الناقة أو الجمل.
وقوله: «ورحله» وهو ما يقعد عليه الراكب.
وقوله: «وحزامه» وهو ما يشد به الرحل.
وقوله: «والشد عليه» يعني يشد هذا الرحل والحزام جيداً، ويحتمل أنه إذا نزلوا في مكان، ونزلوا الرحل عن البعير، أن المؤجر هو الذي يحمل الرحل ويشده على البعير.
وقوله: «وشد الأحمال والمحامل» الأحمال يعني الحمل الذي يكون على البعير كالأكياس والأواني وما أشبه ذلك، والمحامل هي التي تكون على جنب الرحل يركب عليها الناس وهذا شاهدناه قديماً، تكون البعير عليها من اليمين ومن الشمال مقاعد يقعد عليها الراكب وتسمى المحامل، والوسْط يسمى الشِّداد.
وقوله: «والرفع والحط» يعني يرفع المحامل وينزلها عند الاحتياج إليها، فلو أنه ـ مثلاً ـ أنزلها وبقوا في هذه الأرض لمدة يوم أو يومين، ولما أرادوا أن يسيروا قال المستأجر للمؤجر: ارفع الرحل وشده، قال: لا، أنت الذي ترفعه؛ لأن الحاجة لك
أنت، فهذا لا يستقيم؛ لأن الحاجة له، لكن هذه الحاجة عُوِّضَ عنها بالأجرة فيقال للمؤجر: عليك هذا.
وقوله: «ولزوم البعير» أي: أن يكون ملازماً لها لئلا تشرد، أو يأتيها شيء يعيقها فيلزم المؤجر البعير.
وهذا فيما إذا كان المؤجر مع الرحل والإبل، أما إذا آجر البعير وحدها وقال: خذ هذه البعير سافر عليها وارجع بها، فمعلوم أن هذه الأشياء لا تلزم المؤجر؛ لأنه غير مصاحب لها، لكن مراد الفقهاء ـ رحمهم الله ـ فيما جرت به العادة أن المؤجر يكون مع الإبل ويسمى عندنا الجمَّال نسبة إلى الجمل، فإذا كان الجَمَّال مع الجِمَال فإنه يلزمه ما قال المؤلف، أما إذا أجر الدابة فقط فلا يلزمه شيء من ذلك.
وقوله: «ومفاتيح الدار» مفاتيح الدار على المؤجر، وعلى هذا فإذا ضاعت من المستأجر بدون تعدٍّ ولا تفريط، وجب على المؤجر أن يصنع له بدلها، ويعطيها إياه؛ لأنها على المؤجر، وهي أمانة في يد المستأجر.
وقوله: «وعمارتها» بمعنى لو أن الدار تهدم منها شيء لا يتمكن به المستأجر من استيفاء المنفعة فإن على المؤجر عمارتها، وأما ما زاد على ذلك فإنه لا يلزمه إلا بشرط، كالذي يسمونه: (الديكور) فهذا لا يلزم المؤجر إلا إذا شُرِطَ عليه.
أما المراوح والمكيف فإنها على المؤجر، بخلاف الدفايات فإنها على المستأجر؛ وذلك لأن كل ما كان ثابتاً فإنه على المؤجر، وأما الشيء المتنقل فإنه يكون على المستأجر.
فَأَمَّا تَفْرِيغُ البَالُوعَةِ وَالكَنِيفِ، فَيَلْزَمُ المُسْتَأْجِرَ إِذَا تَسَلَّمَهَا فَارِغَةً.
قوله: «فأما تفريغ البالوعة والكنيف فيلزم المستأجر إذا تسلمها فارغة»، «البالوعة» هي الحفرة التي يصب فيها الماء الفاضل من غسيل ونحوه وسمِّيت بالوعة؛ لأنها تبلع الماء، وأما الكنيف فهو مجمع العذرة، وكانوا فيما سبق يحفرون حفرة لتكون فيها العذرة، والبيت الذي يكون فيه هذه الحفرة يسمى الكنيف؛ لأن صاحبه يكتنف فيه أي يستتر عن الغير، والبالوعة والكنيف هل على المستأجر إفراغها أو على المؤجر؟ على المستأجر؛ لأنه هو الذي ملأها، ولهذا اشترط المؤلف وقال: «إذا تسلمها فارغة» تكون عليه؛ لأنه تسلمها فارغة فلزم أن يردها فارغة، فإن تسلمها وفيها النصف فعليه النصف وهلم جراً، يعني بحسب ما أدرك من ملئها فيكون عليه.
في الوقت الحاضر ليس هناك بالوعة ولا كنيف في أكثر البلاد، فيقال: على المؤجر إصلاح المواسير أي المجاري؛ لأن هذا يبقى، لكن لو تسددت هذه المجاري فإنها على المستأجر؛ لأنها تسددت بفعله، وكل هذا الذي قاله الفقهاء ـ رحمهم الله ـ يمكن أن يقال: إنه يرجع إلى العرف فيما جرت العادة أنه على المستأجر أو على المؤجر، فإن تنازع الناس فربما نرجع إلى كلام الفقهاء، وأما بدون تنازع وكون العرف مطرداً بأن هذا على المؤجر وهذا على المستأجر، فالواجب الرجوع إلى العرف لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] وهذا أمر بالوفاء بالعقد بأصله وصفاته وشرطه.
فَصْلٌ
وَهِيَ عَقْدٌ لاَزِمٌ، فَإِنْ آجَرَهُ شَيْئاً وَمَنَعَهُ كُلَّ المُدَّةِ أَوْ بَعْضَهَا فَلاَ شَيْءَ لَهُ.
قوله: «وهي» الضمير يعود على الإجارة.
قوله: «عقد لازم» أي لا يمكن فسخه إلا لسبب؛ وذلك أن العقود تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عقود جائزة من الطرفين، وعقود لازمة من الطرفين، وعقود لازمة من طرف جائزة من طرف آخر، وذلك إذا كان العقد حقاً لأحدهما على أحدهما، فهو لمن هو له جائز، ولمن هو عليه لازم.
فالبيع لازم؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فقد وجب البيع» 1 والوكالة عقد جائز من الطرفين لكل من الوكيل أو الموكل الفسخ، والكتابة أي: كتابة العبد وهو شراء نفسه من سيده عقد لازم من جهة السيد وجائز من جهة العبد، والرهن عقد جائز من جهة المرتهن، ولازم من جهة الراهن.
والإجارة عقد لازم؛ وذلك لأنها نوع من البيع، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا» ثم ذكر أنهما إذا تفرقا ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع.
ثم فرع على هذا الضابط وهو أن الإجارة عقد لازم بقوله:
«فإن آجره شيئاً ومنعه» أي: المؤجر، والضمير «الهاء» يعود على المستأجر، أي: منع المؤجرُ المستأجرَ.
قوله: «كل المدة أو بعضها فلا شيء له»، أي: لا شيء للمؤجر.
مثال ذلك: أجره هذه الدار لمدة سنة، فجاء المستأجر يطلبها فمنعه، ومضت السنة كلها وهو قد منعها، فهل له أجرة؟ لا شيء له؛ لأنه هو الذي منعها، ولكن هل يلزمه الفرق بين الأجرتين أي: أجرة المثل والأجرة التي تم العقد عليها لو اختلفت، أو لا يلزمه؟ فمثلاً لو كان قد أجرها بعشرة آلاف وارتفعت الأجور حتى صارت تساوي في هذه السنة عشرين ألفاً، فهل يلزم المؤجر أن يسلم للمستأجر الفرق وهو عشرة آلاف؟
الجواب: على ما مشى عليه المؤلف ـ رحمه الله ـ نقول: الإجارة انتهت ولا شيء للمؤجر ولا شيء على المستأجر، وعلى القول الثاني يلزمه؛ لأن الإجارة لا تنفسخ، والمنفعة من حين العقد ملك للمستأجر فإذا منعه إياها يكون غاصباً، والغاصب عليه الضمان.
وإن كانت الأجرة نزلت فهل يلزمه النقص؟ لا؛ لأننا إذا قلنا بذلك صار فيه ضرر على المستأجر، فإن بقيت الأجرة كما هي فالأمر واضح.
ولو أجره إياها لمدة سنة باثني عشر ألفاً، ثم منعه ستة أشهر، ثم فَرَّغ البيت له وسكن المستأجر بقية المدة، فهل على المستأجر شيء؟ المؤلف يقول: لا شيء عليه؛ لأن المؤجر فوَّت على المستأجر منفعة الدار؛ إذ قد يكون من غرض المستأجر أن يبقى فيها مدة سنة كاملة.
فإن قال قائل: لماذا لا تعطونه القسط من الأجرة إذا منعه بعض المدة؟
فالجواب: أن الإجارة وقعت على صفة معينة وهي سنة كاملة، وهذا الرجل لم يسلم له العين المؤجرة على هذه الصفة فلم يستحق الأجرة، هذا وجه.
الوجه الثاني: أنه ظالم معتدٍ، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ليس لعرق ظالم حق» 1، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: 42].
الوجه الثالث: أن نقول للمؤجر: الأمر بيدك أنت الذي منعت وأنت الذي تمكن، فلما منعت كنت أنت الذي أسقطت حقك بنفسك فلا حق لك.
ومثل ذلك لو أجره البعير ليسافر عليها، ومنعه إياها، وفي أثناء الطريق سلمها له، فهل له أجرة فيما بقي؟ المؤلف يقول: ليس له أجرة؛ لأنه منع المستأجر حقه فسقط حقه، أي: المؤجر.
وظاهر كلامه ـ أيضاً ـ أنه لا فرق بين أن يمنعه بعض المدة
لعذر أو لغير عذر؛ وذلك لأن حقوق الآدميين لا يفرق فيها بين العذر وغيره، وقد يقال: إنه إذا كان لعذر فإنه يلزم المستأجر أجرة بقية المدة، والعذر مثل أن يُمْنَعَ صاحبُ الدار من الاستيلاء عليها، فحينئذٍ نقول: له ما بقي من المدة، وللمستأجر أن يطالب الذي منعه بمقدار المدة التي منعه إياها.
مثال ذلك: رجل أجَّر شخصاً البيت لمدة سنة تبتدئ من الآن، لكن سُلط على هذا البيت جنود استحلُّوه غصباً، ولم يُسلَّمْ إلى صاحبه إلا بعد نصف سنة فصاحب البيت معذور، له نصف الأجرة؛ لأنه سُلِّم البيت عند انتصاف المدة، والمستأجر يطالب الجنود الذين منعوا صاحب البيت منه، فإن تعذر عليه طلبهم فلا يرجع على المؤجر؛ لأن المؤجر يقول: هذا حصل بغير اختياري.
وَإِنْ بَدَأَ الآخَرُ قَبْلَ انْقِضَائِهَا فَعَلَيْهِ وتَنْفَسِخُ بِتَلَفِ العَيْنِ المُؤْجَرَةِ، وَبِمَوْتِ المُرْتَضِعِ وَالرَّاكِبِ إِنْ لَمْ يُخَلِّفْ بَدَلاً، وَانْقِلاَعِ ضِرْسٍ أَوْ بُرْئِهِ وَنَحْوِهِ،
...
قوله: «وإن بدأ الآخر» أي: المستأجر.
قوله: «قبل انقضائها فعليه» يعني امتنع من سكناها فعليه الأجرة كاملة، ولا يقال: إنه ليس عليه إلا مقدار المدة؛ لأن المؤجر يقول: أنا الآن سلَّمتك البيت بأجرة فوجب لي في ذمتك الأجرة ووجب لك أنت النفع، وأنت قد استلمت النفع.
مثال ذلك: رجل استأجر بيتاً مدة الإجازة وهي ثلاثة شهور كل شهر بألف ريال، ثم إن المستأجر تأخر ولم يقدم البلد إلا بعد أن مضى شهرٌ، فيلزمه للمؤجر ثلاثة آلاف، يعني الأجرة كاملة؛ لأن المؤجر لم يحصل منه منع ولا غيره، فقد بذل العين المؤجرة ولكن التأخير من المستأجر، ولهذا قال: «وإن بدأ الآخر قبل انقضائها» أي: قبل انقضاء المدة «فعليه» أي: عليه الأجرة.
مثال آخر: استأجر هذا البيت لمدة ثلاثة أشهر وسكن فيه شهرين، ثم بدا له أن يرجع إلى بلده وقد بقي شهر، فهل عليه أجرة الشهر الباقي؟ نعم؛ لأن المؤجر يقول: أنا لا أمنعك استيفاء المنفعة.
فالإجارة عقد لازم، إن فسخت من قبل المؤجر فلا شيء له، وإن فسخت من قبل المستأجر فعليه الأجرة، وإن فُسِخت باختيارهما فعلى المستأجر مدة سكناه، ولا شيء عليه أكثر من ذلك، فإن استأجرها بألف لمدة ثلاثة شهور ولما مضى شهر اتفق هو والمؤجر على فسخ الإجارة، فهنا ليس عليه شيء، لكن عليه الشهر الذي سكنه، وأما الباقي فلا شيء عليه؛ لأنهما اتفقا على ذلك.
ثم قال المؤلف مبيِّناً ما تنفسخ به الإجارة:
«وتنفسخ» أي الإجارة.
قوله: «بتلف العين المؤجرة» لتعذر الاستيفاء، فلو آجره داراً فانهدمت فإن الإجارة تنفسخ، وعلى المستأجر أجرة ما سبق من المدة بالقسط، فلو استأجرها لمدة سنة بألف ومائتين، وانهدم البيت بعد تمام ستة أشهر يلزمه ستمائة، فإن قدر أن الزمن الذي انهدمت فيه زمن موسم تكون فيه العقارات أغلى، كأن تكون أربعة الأشهر الأخيرة تساوي ثلثي الأجرة، وهذا يوجد في بيوت مكة والمدينة، يكون قسط الأجرة باعتبار قيمة المنفعة لا باعتبار قيمة الزمن، فقد تكون ستة أشهر إذا وزعنا الأجرة عليها مع بقية
السنة لا تساوي إلا ربع الأجرة، فنعطيه ثلاثمائة.
ولو استأجر سيارة فانحرقت، فإن الإجارة تنفسخ، وعلى المستأجر قسط المدة التي استأجرها لها.
قوله: «وبموت المرتضع» لو أن شخصاً استأجر امرأة لترضع ولده لمدة سنة فمات الولد، فإن الإجارة تنفسخ؛ لأن العين المعقود عليها ـ وهو الراضع ـ قد تلفت، فلا يمكن استيفاء المنفعة مع تلفها.
قوله: «والراكب إن لم يخلِّف بدلاً» مثال ذلك: لو استأجر شخص في النقل الجماعي من مكة إلى المدينة، وفي أثناء الطريق مات فهل تنفسخ الإجارة؟ المؤلف يقول: في ذلك تفصيل، إن خلف بدلاً ـ والبدل هو الوارث أو الموصى له ـ فلا تنفسخ، وإن لم يخلف بدلاً انفسخت؛ وذلك لأنه إذا خلف بدلاً فإنه يقوم مقامه، وإذا لم يخلف بدلاً فقد تعذر استيفاء المنفعة من قبل العاقد.
قوله: «وانقلاع ضرس» يعني تنفسخ ـ أيضاً ـ بانقلاع ضرس، فلو أن شخصاً استأجر طبيباً ليقلع ضرسه، فانقلع الضرس قبل أن يأتي الطبيب، فإن الإجارة تنفسخ، لتعذر الاستيفاء؛ لأن المعقود عليه ـ وهو الضرس الذي استؤجر لقلعه ـ انقلع، فلو أصرَّ الطبيب وقال: لا بد أن أقلع الضرس الثاني، فإنه لا يُمَكَّن من ذلك؛ لأنه استؤجر على قلع ضرس معين، والضرس المعين قد انقلع فلا شيء له.
قوله: «أو برئه» يعني لو برئ الضرس فإن الإجارة تنفسخ، مثال ذلك: رجل التهب ضرسه وتورَّم، واستأجر طبيباً لقلعه، ثم إن الله ـ سبحانه ـ مَنَّ عليه بالشفاء وزال الورم وسكن الألم فإن الإجارة تنفسخ؛ لأنه قد استأجره لقلع ضرسه من أجل ألمه ومرضه، لا لأنه لا يريد الضرس، فتنفسخ، ولو وقع خلاف بين الطبيب الذي أتى بآلاته واستعد وفرغ زمناً من وقته لقلع هذا الضرس، فقال صاحب الضرس: إنه قد سكن الألم وبرئ، فقال الطبيب: لم يبرأ، فمن نصدق؟ صاحب الضرس بيمينه.
وإذا ادَّعى صاحب الضرس أن الألم قد سكن؛ لأنه علم أن الطبيب سيأخذ أجرة كثيرة، هذا فيه احتمال، لكن ولو كان وارداً فلا نقبله؛ لأن معرفة كونه برئ أو لم يبرأ لا يعلم إلا من جهته، فإذا قال الطبيب: أنا سوف أسقيه ماءً بارداً فإن تغير وجهه، أو شد لحييه عرفنا أنه لم يبرأ وإلا فهو بارئ، فإذا قيل: إن هذا الاختبار يؤدي إلى المقصود اختبرناه، كما قال العلماء في الجنايات فيمن جُني عليه فادعى أنه فقد السمع، ومعلوم أن الرجل إذا جُني عليه حتى فقد السمع، فعلى الجاني دية كاملة مائة بعير، والجاني يقول: أبداً ما فقد السمع وهو يقول: فقدتُ السمع، قالوا: يُختبر بأن يؤتى على غفلة ويصاح به فإن أحس فإنه كاذب في دعواه أنه ذهب السمع، وإن لم يحس فهو صادق، وهذا لا شك أنه من الأسباب التي تدل، ومثله البصر قالوا: إذا ادعى أن بصره فُقد في الجناية فإنه يُختبر، بأن يغتفله إنسان ثم يضع يده عند عينه فإن رمش فهو مبصر وإلا فلا.
هذا الذي قاله الفقهاء ـ رحمهم الله ـ لكن ربما يوجد الآن وسائل أدق من هذا يختبر بها ذلك.
قوله: «ونحوه» مثل أن يستأجر طبيب لمداواة مريض، فلما وصل لمداواة المريض وإذا المريض قد مات، فإن الإجارة تنفسخ، ولو كان في البيت مريض آخر فقال الطبيب: مات المريض الذي دعوتموني له فأنا أداوي الثاني ولا تنفسخ الأجرة، فلا يُوافَق؛ لأن المعقود عليه عين المريض وقد فاتت.
لاَ بِمَوْتِ المُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، وَلاَ بِضَيَاعِ نَفَقَةِ المُسْتَأْجِرِ وَنَحْوِهِ.
وَإِنِ اكْتَرَى دَاراً فَانْهَدَمَتْ، أَوْ أَرْضاً لِزَرْعٍ فَانْقَطَعَ مَاؤُهَا، أَوْ غَرِقَتْ، انْفَسَخَتْ الإِجَارَةُ فِي البَاقِي.
قوله: «لا بموت المتعاقدين أو أحدهما» يعني لا تنفسخ الإجارة بموت المتعاقدين أو أحدهما؛ وذلك لأن المعقود عليه باقٍ، فلو أجر بيته شخصاً ثم مات المؤجر أو المستأجر لم تنفسخ الإجارة؛ لأنها عقد لازم، وكما هو معلوم الناس يستأجرون البيوت وهذا يموت وهذا يولد له، وهكذا، وكذلك لو ماتا جميعاً لم تنفسخ أيضاً؛ لأنهما إذا ماتا انتقل إلى ورثتهما.
وسبق في كلام المؤلف أنه إذا مات الراكب ولم يخلف بدلاً فإنها تنفسخ، والراكب أحد المتعاقدين، فهل نقول: إن في كلامه تناقضاً، أو نقول: إنه مشى فيما سبق على قول، وفي الثانية على قول آخر؟ مشى صاحب الإنصاف على هذا، وقال: إن صاحب المقنع ـ رحمه الله ـ مشى في أول كلامه على قول، وفي الثاني على قول آخر، ولكن عندي أن الجمع بينهما هو أنه في الأول عُيِّن الراكب، قال: أنا أستأجر البعير إلى مكة ثم مات، وهنا المتعاقدان عقدا على شيء معين لا على شخص معين، وحينئذٍ لا تنفسخ الإجارة بموت المتعاقدين أو أحدهما.
وسبق ـ أيضاً ـ أن مؤجر الوقف إذا مات فإن الإجارة تنفسخ إذا كان المؤجِّر هو الموقوف عليه بأصل الاستحقاق، وسبق لنا الخلاف في هذه المسألة، وأن عمل الناس على أن إجارة الوقف لا تنفسخ.
قوله: «ولا بضياع نفقة المستأجر ونحوه» إنسان ـ مثلاً ـ استأجر دكاناً من أجل أن يبيع فيه أموالاً، فاحترقت الأموال، المؤلف يقول: لا تنفسخ الإجارة، ويُلزم هذا الذي احترق ماله بدفع الأجرة؛ لأنه بإمكانه إذا لم ينتفع هو بالدكان أن يؤجره، وربما تكون الأسعار قد ارتفعت بعد، فلهذا لا تنفسخ باحتراق متاع مستأجر الدكان، واختار شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ أنها تنفسخ؛ لأن هذا عذر لا حيلة فيه، والدكان قد يؤجر وقد لا يؤجر، وقاسه ـ رحمه الله ـ على وضع الجوائح، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا بعت من أخيك ثمراً فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟» 1 وهذا الرجل الذي احترق متاعه لم يقبض المنفعة؛ لأن المنفعة في الإجارة تأتي شيئاً فشيئاً، وهو لم يقبضها وتعذر قبضه إياها بأمر لا قِبَلَ له به، فيكون كالثمر الذي أصابته جائحة، وما ذهب إليه الشيخ ـ رحمه الله ـ أولى، لا سيما إذا كان المؤجر يعلم أن هذا إنما استأجر البيت لبيع هذا المتاع الذي احترق، أما إذا كان لا يدري، مثل لو جاءه إنسان واستأجر منه الدكان ولم يقل له شيئاً، فهنا قد يتوجه ما قاله المؤلف ـ رحمه الله ـ أن الإجارة لا تنفسخ؛ لأن المؤجر لا يعلم.
مثله ـ أيضاً ـ ضياع نفقة المستأجر، مثل لو استأجر رجلٌ بعيراً ليحج عليه، فأراد الله ـ عزّ وجل ـ أن تضيع نفقته، وإذا ضاعت النفقة لا يمكن أن يحج، اللَّهم إلاّ بقرض، والقرض لا يلزمه، يقول المؤلف: إن الإجارة لا تنفسخ؛ لأن العذر هنا لا يتعلق بنفس المعقود عليه، ونقول لهذا الذي ضاعت نفقته وترك الحج: بإمكانك أن تؤجر البعير.
والقول الراجح في هذه المسألة أن الإجارة تنفسخ؛ لأن صاحب البعير حيث علم أن الرجل استأجرها ليحج عليها، وأن نفقته ضاعت فالعذر هنا واضح ولا قِبَلَ له به، فهو كوضع الجوائح.
قوله: «وإن اكترى داراً فانهدمت أو أرضاً لزرع فانقطع ماؤها، أو غرقت انفسخت الإجارة في الباقي» إذا اكترى داراً فانهدمت إما بالسيول أو بزلزال ـ والعياذ بالله ـ أو بغير ذلك من أسباب الهدم أو أنها هدمت لصالح شارع للمسلمين، فإن الإجارة تنفسخ لتعذر استيفاء المنفعة في المعقود عليه، وما قبل ذلك لا ينفسخ، ولهذا قال: انفسخت الإجارة في الباقي، وأما ما استوفاه من قبل فهو على ما استوفاه، ولكن هل يؤخذ من الأجرة بقسط المدة أو بقسط المنفعة؟
إذا قلنا بقسط المدة معناه يلزمه ربع الأجرة؛ لأنه ذهب ثلاثة من اثني عشر، وإذا قلنا: إنه بقسط المنفعة قلنا: إن أجرتها في هذه الأشهر الثلاثة قد تقابل أجرتها كل السنة، انظر ـ مثلاً ـ
إلى بيوت مكة، إجارتها في الحج أكثر من إجارتها بقية السنة، فنقول: لا نعتبر القسط بالمدة وإنما نعتبره بالمنفعة.
وقوله: «أو أرضاً لزرع فانقطع ماؤها أو غرقت» استأجر أرضاً لزرع وقد نص في عقد الإجارة أنها لزرع، وانقطع الماء يقول المؤلف: إن الإجارة تنفسخ؛ والسبب تعذر استيفاء المنفعة؛ لأن الزرع لا يمكن أن يقوم إلا بماء، وكذلك بالعكس لو غرقت الأرض، بأن كانت هذه الأرض روضة، وتداركت الأمطار عليها وصارت بحراً كل مدة الزرع، فهنا تنفسخ الإجارة؛ لتعذر استيفاء المنفعة من غير أحد الطرفين.
فإن قال قائل: ألا يؤيد هذا ما سبق ـ وقلنا: إنه الصحيح ـ فيما إذا استأجر دكاناً لبيع سلعة ثم تلفت فإن الإجارة تنفسخ؟
الجواب: إن هذا يؤيد ذلك من بعض الوجوه، ولكن الفرق أن هذا لخلل في المعقود عليه لا في المعقود له، في المسألة الأولى تعذر الانتفاع في المعقود له، وهنا تعذر الانتفاع في المعقود عليه وهو الأرض أو الدار، ومع ذلك فقد نقول: إن هذا الفرق غير مؤثر؛ لأن الانتفاع قد تعذر في هذا وفي هذا بغير إرادة الإنسان.
وَإِنْ وَجَدَ العَيْنَ مَعِيبَةً، أَوْ حَدَثَ بِهَا عَيْبٌ فَلَهُ الفَسْخُ، وَعَلَيْهِ أجْرَةُ مَا مَضَى. وَلاَ يَضْمَنُ أَجِيرٌ خَاصٌّ مَا جَنَتْ يَدُهُ خَطَأً،
............
قوله: «وإن وجد العين معيبة أو حدث بها عيب فله الفسخ وعليه أجرة ما مضى».
إذا وجد عيناً معيبة، والعيب هنا ما تنقص به الأجرة، فليس كل عيبٍ يعتبر عيباً، وقد يقال: إن العيب ما يفوت به غرض
المستأجر سواء نقصت الأجرة أم لم تنقص، لكن على قياس قولهم في عيب المبيع، أن العيب هو ما ينقص الأجرة، فإذا وجدها معيبة يقول المؤلف: «فله الفسخ وعليه أجرة ما مضى» (له) الضمير يعود على المستأجر، (الفسخ) يعني فسخ الإجارة «وعليه أجرة ما مضى»؛ لأنه استوفى ما مضى من المنفعة فلزمه عوضها.
وهل له أن يبقيها بالأرش، بمعنى أن يقول: أنا أصبر على العيب الذي فيها، لكن أريد الفرق بين أجرتها سليمة وأجرتها معيبة، فهل له ذلك؟ ظاهر كلام المؤلف: لا، وأنه لا يخير، ويقال له: إما أن تأخذها بما فيها من العيب وإلا فاتركها، وتنفسخ الإجارة وهو المذهب.
وقيل: له الأرش قياساً على العيب في المبيع، والأقرب أنه ليس له أرش، حتى العيب في المبيع سبق لنا أن شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ يقول: إن الأرش معاوضة جديدة لا يجبر عليه أحد إلا برضاه.
هذا فيما إذا كان المؤجر غير مدلس، فإن كان مدلساً، فإنه على الصحيح ليس له شيء من الأجرة؛ لأنه غاش، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من غش فليس منا» 1 وهو ظالم، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ليس لعرق ظالم حق» 2.
والقول الثالث: أنه إذا كان مدلساً ألزم بالأرش وإلا فلا.
مثال ذلك: استأجر بيتاً، فجاء المطر وأصاب البيت وخرَّ السقف وأفسد بعض ما فيها، فنقول: للمستأجر أن يفسخ، لكن لو قال المؤجر: أنا أزيل العيب الآن بدون ضرر عليك، فهنا نقول: ليس له الفسخ، ما دام العيب سيزال بدون ضرر عليه فإنه لا فسخ له؛ لأنه لن يفوته شيء.
مسألة: إذا اتفق رجل مع جمّال ليُرْكِبَه إلى مكة ليحج ويرجع ـ مثلاً ـ ثم هلك البعير في الطريق، فهل تنفسخ الإجارة، أو نقول: يلزم صاحب البعير أن يؤمن له بعيراً؟
الجواب: الثاني؛ لأن العقد ليس على عين البعير، وإنما على العمل فيلزم صاحب البعير أن يؤمن له بعيراً.
قوله: «ولا يضمن أجير خاص ما جنت يده خطأ» أفادنا المؤلف ـ رحمه الله ـ أن الأجراء نوعان: أجير خاص، وأجير مشترك.
فما الفرق بينهما؟
ما كان مستأجراً بالزمن فهو أجير خاص، وما كان مستأجراً على عمل فهو أجير مشترك، ويظهر ذلك بالمثال:
استأجرتَ عاملاً يعمل عندك في البيت، أو في الدكان، أو في المزرعة، فهذا أجير خاص؛ لأن عمله مقدر بالزمن، فالشهر بكذا وكذا، والأسبوع بكذا وكذا، واليوم بكذا وكذا.
استأجرت خياطاً يخيط لك ثوباً، فهذا مشترك؛ لأن نفعه مقدَّر بالعمل، وإنما سُمِّي الأول خاصاً؛ لأن زمنه خاص
بالمستأجر، لا يملك الأجير أن يتصرف فيه، فهو لا يملك أن يعمل عند رجل آخر في هذه المدة؛ لأن المدة خاصة بالمستأجر، والمشترك ليس خاصاً بالمستأجر، فقد فتح بابه لكل أحد، فتجد الخياط ـ مثلاً ـ يأتيه فلان وفلان وفلان، كل واحد منهم يريد أن يخيط له ثوباً.
إذاً الفرق بين الخاص والمشترك:
أن ما قدِّر نفعه بالزمن فهو خاص، وما قُدِّر بالعمل فهو مشترك.
فرق آخر: أن الأجير الخاص منفعته مملوكة مدة الأجرة، والأجير المشترك منفعته غير مملوكة.
هل يمكن أن يجتمعا، بمعنى أن أستخدم هذا الرجل عندي على عمل معين، أقول له مثلاً: أنا أريد أن أستأجرك لمدة خمسة أيام تخيط لي كذا وكذا ثوباً؟
الجواب: لا؛ لأن الخاص يقضي على العام، ما دمت قد قدَّرت مدته بالزمن فهو خاص، وإن كنت قد عيَّنت له عملاً معيناً، وتكون الإجارة فاسدة، هذا هو المذهب.
والصواب: أنه يجوز الجمع بين مدة العمل والعمل؛ لأن فيه مصلحة، ويستعمل هذا بعض الناس في المقاولات فيقول: تنفذ هذا البيت في خلال سنة، فإن تمت السنة فعليك لكل يوم خصم كذا وكذا، فالصحيح أنه جائز بشرط أن تكون المدة المقدرة معقولة، بحيث إن هذا البيت يبنى في هذه المدة، أما إذا كان يبنى في سنة وقال: في ستة شهور فإن هذا لا يجوز؛ لأنه غرر.
وانتبه للفرق بينهما من حيث الحكم، فقوله: «ولا يضمن أجير خاص ما جنت يده خطأ»؛ وذلك لأن الأجير الخاص يعمل كالوكيل عن المستأجر.
مثال ذلك: استأجرت عاملاً عندك شهراً بكذا وكذا ليعمل، وفي يوم من الأيام أخطأ في العمل وصار في هذا الخطأ ضرر عليك؟ يقول المؤلف: لا يضمن؛ لأنه يشتغل عندك بالوكالة عنك، والوكيل لا يضمن ما تلف من فعله بلا تعدٍّ ولا تفريط.
مثال آخر: استأجرت خياطاً عندك، وقلت له: أنا أريد أن أستأجرك لمدة شهر للخياطة ولم تعين له ثوباً معيناً ولا شيئاً، فأعطيته ثوباً أو أي شيء يخيطه، وأخطأ في التفصيل، فلا يضمن؛ لأنه لم يتعد، وهو يتصرف بالوكالة عنك، والوكيل لا يضمن ما لم يتعد أو يفرط.
وَلاَ حَجَّامٌ، وَطَبِيبٌ، وَبَيْطَارٌ لمْ تَجْنِ أَيْدِيهِمْ، إِنْ عُرِفَ حِذْقُهُمْ، وَلاَ رَاعٍ لَمْ يَتَعَدَّ.
قوله: «ولا حجام» يعني لا يضمن حجام، والحجامة هي استخراج الدم من الإنسان بطرق معينة، ولها أحوال وأوقات، أحياناً يطلب فيها من الإنسان أن يحتجم، وأحياناً ينهى أن يحتجم فيها.
قوله: «وطبيب» معروف وهو الذي يعالج البشر.
قوله: «وبيطار» وهو الذي يعالج البهائم.
وهؤلاء الثلاثة أجراء عامّون من وجه، خاصّون من وجه آخر، إن أتيت بهم إلى البيت فإنهم يشبهون الخاص ومع ذلك هم عامّون.
قوله: «لم تجنِ أيديهم إن عُرف حذقهم» اشترط المؤلف
ـ رحمه الله ـ في عدم ضمان خطأ الحجام والطبيب والبيطار شرطين:
الأول: أن لا تجني أيديهم، ومعنى تجني أي: تزيد على قدر الحاجة، سواء عن عمد أو عن خطأ.
الثاني: إن عُرف حذقهم، أي: إجادتهم للصنعة ومعرفتهم بها، فإذا اجتمع هذان الشرطان فلا ضمان.
مثال ذلك:
أولاً الحجام: هذا حجام معروف بالحذق لكنه أخطأ وقطع عرقاً لا يقطع مثله في الحجامة، فهلك الرجل المحجوم فإنه يضمن؛ لأن يده تعدت موضع الحاجة، وإن كان خطأً؛ لأن ضمان الأنفس والأموال لا يشترط فيه القصد، ولهذا يجب الضمان على المجنون إذا أتلف المال وإذا أتلف البهيمة وإذا أتلف النفس إلا أن عمده خطأ.
ثانياً الطبيب: أراد أن يعمل عملية ـ ولتكن عملية الزائدة ـ أجرى العملية لكن المشرط تجاوز موضع الحاجة، بأن فتح أكثر مما يحتاج إليه فهلك المريض فهنا يضمن؛ لأنه جنت يده.
وكذلك في وصف الدواء: طبيب وصف الدواء لشخص فقال له مثلاً: خذ خمسة أقراص من هذا الدواء ويكفيه ثلاثة، وهذا المريض أخذ خمسة الأقراص فهلك، يضمن؛ لأنه جنت يده في الواقع، وأخطأ في التقدير فيكون ضامناً وإن كان غير آثم.
الشرط الثاني: «إن عرف حذقهم» يعني بأن يكون مجرباً في
الإصابة عارفاً، فإن لم يعرف فإنه يضمن بكل حال، حتى وإن لم يتعد موضع الحاجة، رجل لا يعرف الجراحة، فأجرى عملية جراحية لشخص وشق البطن، لكنه عجز أن يخيطه، فهذا يضمن لا شك؛ لأنه يحرم على الإنسان أن يتعاطى الطب وهو لا يعرف، فكما أن المسائل الدينية يحرم على الإنسان أن يفتي فيها بلا علم، كذلك ـ أيضاً ـ المسائل غير الدينية لا يجوز للإنسان أن يتقدم إليها بلا علم، فيكون ضامناً.
مثال آخر: إنسان قلنا له: هذا الصبي نحب أن تختنه وهو غير خَتَّان، فمن اجتهاده قال: أنا أريد أن أبالغ في الختن؛ لأنه أطهر وأحسن، فقطع الحشفة مع القلفة فإنه يضمن؛ لأنه غير حاذق وتعدى، وهذا من الأصل يمنع؛ لأنه غير حاذق.
ومثال عدم الحذق بدون التعدي: لو أن هذا الخاتن ختن وقطع القلفة فقط قطعاً تاماً، بمعنى أنه ليس فيه نقص لكن الجرح تعفن حتى أدى إلى هلاك الصبي فهنا يضمن؛ لأنه غير حاذق، لا لأن يده جنت، لكن لأنه غير حاذق.
فصار يمكن أن نقول: يجتمع الضمان في عدم الحذق وحده، وفي جناية اليد وحدها، وفيهما جميعاً حسب الأمثلة التي ذكرنا.
لو قال قائل: إذا قلتم باشتراط الحذق، معناه أنه لا يمكن أن يتقدم الطب؛ لأننا إذا قلنا: إنه لا يتطبب بوصف الدواء أو الجراحة أو غير ذلك إلا من كان حاذقاً، فمتى يتعلم الإنسان؟!
نقول: يمكن أن يتعلم بالدراسة والتطبيق العملي، قبل أن يباشر هو المعالجة، أما أن يأتي إنسان متعلم ولم يكن حاذقاً ليجري التجارب على الأصحاء حتى يموتوا، فهذا لا يجوز.
وهناك شرط ثالث لعدم ضمانهم لم يذكره المؤلف، وهو أن يكون عملهم بإذن مكلَّف، أي: بالغ عاقل، أو ولي غير مكلف، فلو أن صبياً ذهب إلى ختَّان، وقال له: اختني فختنه خِتاناً طبيعياً، ولكن الصبي مات لتعفن الجرح، فهنا يضمن.
قوله: «ولا راع لم يتعد» الراعي يعني راعي الماشية سواء رعى إبلاً أو غنماً أو ظباء أو غيرها.
والراعي قد يكون أجيراً خاصاً، وقد يكون مشتركاً، فإن كان عمله قدِّر بالزمن، بأن كان يعمل عندك لمدة شهر يرعى غنمك فهو خاص، وإن كان يرعى لنفسه يأخذ غنمك وغنم غيرك فهو مشترك.
الراعي لا يضمن إذا لم يتعد أو يفرِّط؛ لأنه أمين مؤتمن، والبهائم حصلت في يده بإذن مالكها فيده يد أمانة، هذا الراعي عَدَتْ عليه ذئاب وأكلت ما أكلت من الماشية، فهل عليه الضمان؟
ليس عليه ضمان، لكن عليه أن يدافع.
مثال ثانٍ: راعٍ فرَّط، أوقف الماشية في بطن الوادي والسماء مغيمة والمطر حريٌّ بالنزول، فأنزل الله المطر ومشى الوادي واجترف الماشية، فعليه الضمان؛ لأنه مفرط.
مثال ثالث للمتعدي: راع كان بينه وبين الأرض التي يريد
أن يذهب إليها وادٍ يمشي، فجازف وخاض الوادي بالماشية فهلكت فإنه يضمن؛ لأنه متعدٍّ، ومنهي عن أن يعمل عملاً يضر بالماشية.
ومن ذلك ـ أيضاً ـ لو نزل بَرَدٌ من السحاب ولم يُدْخِل الماشية تحت سقف حتى ماتت فعليه الضمان؛ لأنه مفرط والواجب أن يدخلها في محل تنجو به.
وَيَضْمَنُ المُشْتَرَكُ مَا تَلِفَ بِفِعْلِهِ، وَلاَ يَضْمَنُ مَا تَلِفَ مِنْ حِرْزِهِ، أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، وَلاَ أُجْرَةَ لَهُ.
قوله: «ويضمن المشترك» يعني الأجير المشترك وهو الذي قدر نفعه بالعمل، ويتقبل العمل من كل أحد كالغسال والخياط ونحوهما.
قوله: «ما تلف بفعله» ولو خطأ، لأنه ورد عن بعض الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أنهم ضمنوه مطلقاً 1، وثانياً: لأن العمل مضمون عليه؛ لأنه قدر نفعه بالعمل، فإذا أخطأ ولم يؤد العمل الذي هو مضمون عليه لزمه الضمان.
وقال بعض أهل العلم: إنه لا يضمن ما تلف بفعله خطأ؛ لأنه مؤتمن، فلا فرق بينه وبين الأجير الخاص، فكما أن الأجير الخاص لا يضمن ما تلف بفعله خطأ فكذلك هذا؛ إذ لا فرق فكل منهما مؤتمن.
وقيل: ما تلف بفعله الذي يفعله هو بنفسه اختياراً يضمنه،
وأما ما كان بغير إرادته كالزلق وشبهه فلا يضمنه، ولكن الصحيح أنه لا ضمان مطلقاً إذا لم يتعد أو يفرط، والعمل على ما مشى عليه المؤلف.
مثال ذلك: خياط مشترك، أتى له شخص بقطعة من القماش وقال خطها لي قميصاً، فأخطأ وخاطها سراويل فعليه الضمان.
ولو قال: أنا نسيت وتوهمت أنك تريدها سراويل، فإننا نقول: لا يسقط الضمان؛ لأنك أنت الذي تعديت، نعم يسقط الإثم، وأما الضمان الذي هو حق آدمي فإنه لا يسقط، وهذا معنى قوله: «ما تلف بفعله».
كذلك ـ أيضاً ـ لو أنه قال له: خِط هذا الثوب قميصاً واسعاً، والقطعة تكفي، لكن اجتهاداً منه قال: أجعله معقولاً؛ لأوفر قطعة القماش على صاحب الثوب ففعل، فإنه يضمن؛ لأنه فعل غير ما أذن له فيه.
وإذا قلنا: إنه يضمن فهل له أجرة؛ لأنه تعب وخاط، وأمضى وقتاً وخيوطاً واستعمالاً للآلة أو لا؟ ليس له أجرة.
وإذا قلنا في هذه الحال: إنه يضمن، فهل نقول: يأخذ السراويل ويرد بدلها قطعة القماش، أو نقول: يأخذ صاحب القطعة السراويل ويعطى الفرق بين القميص والسروال؟
الأول هو الواجب، لكن إذا اصطلحا على شيء فلا بأس، لو قال: أنا آخذ السراويل ولكن أعطني الفرق بين السراويل والقميص فلا بأس إذا اتفقا.
قوله: «ولا يضمن ما تلف من حرزه أو بغير فعله»، «ولا يضمن» أي: الأجير المشترك، «ما تلف من حرزه» فهذا الخياط ـ مثلاً ـ لما كان الليل أغلق الدكان بما جرت العادة أن يغلق به، ولم يقصِّر في الإغلاق، ولكن أتت السرَّاق وسرقوا الدكان، ومن جملته الثياب التي استأجره صاحبها لخياطتها.
فلا يضمن؛ لأن التلف بغير فعله، وهو لم يتعد ولم يفرط، فهو قد وضعها في حرزها.
ولو علق الثوب خارج الدكان ليتذكر صاحبه إذا مر، فيقف ويأخذه ويعطيه الأجر فنسي أن يدخله في الدكان، فأُخذ الثوب فإنه يضمن؛ لأنه تلف في غير حرزه، والمؤلف يقول: «ولا يضمن ما تلف من حرزه» وهذا لا شك أنه ليس حرزاً أن يعلقه عند باب الدكان من الخارج.
وقوله: «أو بغير فعله» كذلك ـ أيضاً ـ ما تلف بغير فعله فإنه لا يضمن، كما لو احترق الدكان فتلف الثوب الذي استؤجر لخياطته، فهذا التلف ليس من فعله، إذاً لا ضمان عليه؛ وذلك لأنه لم يتعد ولم يفرط، لكن يقول:
«ولا أجرة له» يعني ما تلف بفعله يضمنه ولا أجرة له، وما تلف بغير فعله أو من حرزه فلا يضمنه ولا أجرة له، مع أنه خاط الثوب ـ كما في المثال السابق ـ وعمل فيه وأمضى زمناً في خياطته وأتى بكل ما استؤجر عليه، يقول المؤلف: «ولا أجرة له»؛ لأنه لم يسلم الثوب لصاحبه، وصاحبه إنما استأجره ليعمل له ثوباً يلبسه وينتفع به، وقد فاتت هذه المنفعة فلا يكون لهذا الأجير أجرة، وهذا هو المذهب.
والصحيح أن له الأجرة؛ لأنه وفى بما استؤجر عليه، وما دام لا يضمن لك الثوب فإنه لا يضمن لك العمل في الثوب؛ لأننا إذا قلنا: ليس له أجرة، فمعناه أننا ضمَّنَّاه العمل في الثوب وذهب عليه خسارة، ولأنه غير متعدٍّ ولا مفرط وقد قام بالعمل الذي عليه، وتلف الثوب ـ مثلاً ـ على حساب صاحبه ـ المالك ـ، أما الأجير، فقد أدى ما عليه، فكيف نقول: لا أجرة له؟!
فإن قال صاحب الثوب: إنك لم تعمل فيه شيئاً ولم تخطه، وقال الخياط: إني خطته، فمَن القول قوله؟ قول المالك؛ لأن الأصل عدم الخياطة، حتى لو فرض أنه مضى مدة يمكنه أن يخيط هذا الثوب فيها، ثم ادعى أنه خاطه، ولكن مَنْ قلنا القولُ قولُهُ، فلا بد من اليمين.
وهل اليمين هنا على البت، أو على نفي العلم؟
نقول: على البت، فإذا قال: أنا لا أحلف على البت، قلنا: إذاً نأخذ بقول الخياط، وإن قال: أنا أحلف على نفي العلم، قلنا: هذا لا يدفع به قول الخصم؛ لأن الأصل أن دعواه إذا لم يعارضها ما هو أقوى منها فهي حق.
مسألة: إذا كان القماش من الخياط وتلف عنده، فليس له شيء لا قيمة ولا أجرة، فصار الفرق بين الأجير الخاص والمشترك من حيث التعريف، ومن حيث الضمان، ومن حيث الأجرة.
وَتَجِبُ الأُجْرَةُ بِالعَقْدِ إِنْ لَمْ تُؤَجَّلْ، وَتُسْتَحَقُّ بِتسْلِيمِ العَمَلِ الَّذِي فِي الذِّمَّةِ.
وَمَنْ تَسَلَّمَ عَيْناً بِإِجَارَةٍ فَاسِدَةٍ، وَفَرَغَتْ المُدَّةُ لَزِمَهُ أُجْرَةُ المِثْلِ.
قوله: «وتجب الأجرة بالعقد» لما ذكر المؤلف أحكام الإجارة، وهي تتعلق بالعين المؤجرة في كل ما سبق، ذكر ما يتعلق بالأجرة، والأجرة هي العوض الذي اتفق عليه المتعاقدان،
وهو ما يصح عقد البيع عليه، سواء كانت دراهم نقداً، أو عيناً، أو منفعة، ولهذا يجوز استئجار منفعة بمنفعة، واستئجار عين بمنفعة، واستئجار عامل يعمل بمنفعة.
وقوله: «وتجب الأجرة بالعقد» أي: بمجرد العقد تجب الأجرة للأجير؛ وذلك كما أن المستأجر ملك المنفعة بالعقد فالمؤجر يملك عوضها بالعقد، ويتفرع على ذلك لو استأجرتك لعمل بهذه الشاة، فالشاة تكون للأجير من حين العقد، لبنها وصوفها له، وولدها الذي نشأ بعد عقد الإجارة له؛ لأن الأجرة تجب بمجرد العقد، لكنها لا تستحق إلا بتسليم العمل الذي في الذمة، أو تسليم العين مع مضي المدة.
قوله: «إن لم تؤجل» لأنها إذا أُجِّلت فقد رضي كلا الطرفين ألا تجب إلا بعد تمام الأجل، مثل أن أقول: أجرتك بيتي هذا بعشرة آلاف تحل في شهر محرم عام ثماني عشر، فالأجرة الآن لم تجب؛ لأن الطرفين اتفقا على أن تكون مؤجلة إلى محرم.
قوله: «وتستحق بتسليم العمل الذي في الذمة» أي: وتستحق الأجرة سواء كانت معينة أو غير معينة بأمور منها:
أولاً: بتسليم العمل الذي في الذمة، فإذا استأجرت عاملاً على أن يحرث لك هذه الأرض، وحرثها، فإنه يستحق الأجرة الآن، بكل حال؛ لأنه أدى ما عليه فاستحق ماله، ولا يملك المطالبة بتسليمها له قبل تمام العمل؛ لأنه من الجائز أن لا يتم العقد الذي بيني وبينه.
ثانياً: بتسليم العين المؤجرة التي وقع عليها العقد إذا مضت
المدة، سواء انتفع بها المستأجر أم لا، فإذا استأجرتَ بيتاً من شخص وسلَّمك المفتاح، ثم مضت المدة وأنت لم تسكنه، ولم تؤجره، ولم تسكنه أحداً تبرعاً فإن الأجرة ثابتة عليك؛ لأنه سلَّمك العين التي وقع العقد عليها، وتسليم العين التي وقع عليها العقد بمنزلة تسليم العمل الذي في الذمة.
لكن لو منعه من هذه العين يد ظالمة قادرة على منعه، فهل نقول: إن الأجرة ترد على صاحب العين؟ أو نقول: إن الظلم وقع على المنفعة التي استأجرها الأجير لها؟
الجواب: الثاني، يعني أن المنفعة تذهب على المستأجر، فمثلاً لو أن شخصاً استأجر بيتاً من آخر وسلَّمه المفتاح، ثم سُلط على هذا المستأجر يد ظالمة أخذت منه البيت قهراً وسكنته، فالضمان هنا على مستأجر البيت؛ لأن المستأجر لما قبض العين المؤجَّرة ملك المنفعة الآن، فالظلم وقع عليه هو وليس على المؤَجِّر، أما لو تسلَّطت هذه اليد الظالمة على العين المؤجَّرة قبل أن يسلِّمها المؤَجِّر، فهنا تفوت على المُؤَجِّر؛ لأن الأجرة لم تُستحق بعد، إذ لا يستحقها إلا إذا سلَّم العين.
قوله: «ومن تسلم عيناً بإجارة فاسدة وفرغت المدة لزمه أجرة المثل» يعني لو عقد إنسان عقد إجارة فاسدة، وتسلم العين، ومضت المدة، فإنه يلزمه أجرة المثل دون الأجرة التي وقع عليها العقد؛ وذلك لأن الأجرة التي وقع عليها العقد أجرة فاسدة؛ لعدم صحة العقد، وظاهر كلام المؤلف سواء كانت أجرة المثل أقل مما وقع عليه العقد أو أكثر؛ لأنه لما ارتفع العقد الفاسد ارتفعت جميع متعلقاته.
فإن لم تبتدئ المدة لم يلزمه شيء ولزمه رد العين إلى صاحبها، فإن مضى شيء من المدة لزم ردها إلى صاحبها، وأجرة ما استعملها فيه بقسطها من أجرة المثل.
وقوله: «بإجارة فاسدة» تفسد الإجارة إما بفوات شرط أو وجود مانع.
مثال فوات الشرط: رجل استأجر من شخصٍ حرّاً ليعمل عنده، ومعلوم أن تأجير الحر لا يجوز، كما جاء في الحديث الصحيح: «رجل باع حرّاً فأكل ثمنه» 1 فكذلك لو أجره فأكل أجرته فإنه لا يحل، فهذا إنسان ـ مثلاً ـ قال لشخص: أنت تريد عاملاً عندك؟ قال: نعم قال: هذا غلامي، خذه، الشهر بمائة ريال، وهو حر، فالإجارة هنا فاسدة؛ لأنه لا يصح عقد الإجارة على الحر؛ لأن من شرط الإجارة أن يكون المؤجر مالكاً للعين المؤجرة، فأخذ المستأجر الغلام واستعمله حتى تمت المدة، يقول المؤلف: إنه يلزمه ـ أي المستأجر ـ أجرة المثل؛ وذلك لأن عقد الإجارة كان فاسداً، والفاسد وجوده كالعدم، ولكن كيف يقول المؤلف: «أجرة المثل» وهو حر لا يصح تأجيره؟ نقول: يُقدر كأنه قن ـ أي: عبد ـ فيقال: كم أجرة هذا العبد؟ قالوا: أجرته ـ مثلاً ـ مائتا ريال، وهو قد استأجره بمائة ريال، نقول: سلِّم مائتي ريال؛ لأن الأجرة فاسدة، وهذا فيما إذا كان المستأجر عالماً بأن هذا
الغلام ليس مملوكاً له، فهنا يلزمه أجرة المثل، وهي في المثال الذي ذكرنا مائتا ريال، مع أن العقد وقع على مائة، لكن هذا العقد فاسد، فالقول بأنه يلزم المستأجر أجرة المثل قول صحيح؛ لأن المستأجر دخل على بصيرة وعلم بأن الإجارة غير صحيحة.
لكن إذا كان لا يدري، وقد عقد الأجرة على مائة، فكيف نلزمه بمائتين؟
يقول الفقهاء ـ رحمهم الله ـ في التعليل: إن إتلاف مال الآدمي لا فرق في ضمانه بين العالم والجاهل، كما لو استعمل الإنسان شخصاً يظنه عبده، واستعمله في عمل، فعليه ضمانه، وإن كان لا يدري، ولكن في هذا نظر؛ لأن هذا الذي استعمله بالأجرة التي يظنها صحيحة كان مغروراً، غره المؤجر، وإذا كان مغروراً فيجب أن يكون الضمان على الغار، وهذا هو مقتضى القياس والنظر الصحيح، وعليه فنقول: يجب على المستأجر في المثال الذي ذكرنا مائة ريال، ويضمن الآخر الذي أجره المائة الثانية، ويكون لهذا الغلام الحر مائتا ريال، وهذا هو العدل، وأما أن نُضَمِّن شخصاً ما لم يلتزمه مع أن العقد حسب رأيه واعتقاده عقد صحيح، فهذا فيه نظر.
فالصواب إذاً أنه يلزمه أجرة المثل، لكن إن كان مغروراً فما زاد على الأجرة التي تم العقد عليها فعلى من غره.
فإذا قدرنا أن أجرة المثل أقل، مثلاً أجره بمائتين، وأجرة مثله مائة، فهل نلزمه بالمائتين؟
نقول: إن كان عالماً بأن الإجارة فاسدة ألزمناه بمائتين؛ لأنه دخل على بصيرة، ثم ما زاد على أجرة المثل يكون لهذا الغلام؛
لأنه مظلوم، ولا يكون للذي أجره؛ لأن الذي أجره لا يملكه، فليس له شيء، وإن كان غير عالم فعليه أن يضمن لهذا الحر ما وقع عليه العقد؛ لأنه رضي به واعتبره صحيحاً، فيلزم بما ظنه، وإذا رأى القاضي أن يأخذ هذه الزيادة ويصرفها في بيت المال فلا حرج عليه؛ لأنه مال في الحقيقة ليس خالصاً لمن استحقه، وما اشتُبِه فيه فإنه يُلحق ببيت المال، وإن كانت أجرة المثل بمقدار ما وقع عليه العقد فلا إشكال؛ لأنه ليس فيه زيادة ولا نقص.
مثال آخر: استأجر شخصاً على عمل محرم، مثل أن يستأجر شخصاً ليبيع له خمراً، أو يحمل له خمراً، أو ما أشبه ذلك، فالإجارة فاسدة، لكن العامل الآن هل نقول: ليس له شيء؛ لأن الإجارة فاسدة، والعمل المحرم لا قيمة له؟ أو نقول: يُلزم المستأجر بالأجرة التي وقع عليها العقد؟
الجواب: يجب أن يلزم بالأجرة التي وقع عليها العقد، ثم إن كان العامل يعلم أن هذا شيء محرَّم فإنها تصرف في بيت المال، وإن كان لا يعلم فإنه يعطى إياها ويؤمر بالتوبة والاستغفار، والله أعلم.
مثال وجود مانع: اتفق زيد مع عمرو على أن يؤجره بيته والبيت ملك لزيد، ولكنهما عقدا الإجارة في المسجد، والإجارة في المسجد لا تصح؛ لأنها حرام، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، فإن المساجد لم تبن لهذا» 1 فالإجارة إذاً لا تصح لوجود مانع، فإذا تمت المدة، ألزمناه بأجرة المثل، فإذا تعاقدا على عشرين ألفاً،
وأجرة المثل عشرة آلاف، لزمه عشرة آلاف، وهذا فيما إذا كانا جاهلين واضح، فإن كانا عالمين فينبغي أن نعاملهما، بما يقتضيه العقد والزائد نجعله في بيت المال؛ لئلا يحصل التلاعب.
فإن قال قائل: إذا تسلم العين بإجارة فاسدة فلماذا لا نلغي العقد والأجرة، ونقول: لا شيء له، لا أجرة المثل ولا الأجرة المتفق عليها؟
فالجواب: هذا لا يمكن؛ لأنه ظلم، فالمالك فُوِّتَت عليه منفعة ملكه مدة الإجارة، فإذا قلنا: لا أجرة لك، فإننا نظلمه بذلك، والمستأجر قد استوفى المنفعة، فإذا قلنا له: لا أجرة عليك، أبحنا له أن يأكل أموال الناس بالباطل، وحينئذٍ نقول: يلزمك أجرة المثل.
والخلاصة: أن كل من تسلَّم عيناً بإجارة فاسدة فإنه لا عبرة بما حصل عليه العقد، تُفسَخ الإجارة ويُرجع إلى أجرة المثل، فإن كانت أجرة المثل مساوية لما وقع عليه العقد فلا إشكال، وإن كانت أجرة المثل أكثر، ألزمنا المستأجر بها، ثم إن كان عالماً فالزيادة عليه، وإن كان جاهلاً مغروراً فالزيادة على من غره، وإن كانت أجرة المثل أقل، فإن كان عالماً ألزمناه بما التزم به؛ لأنه دخل على بصيرة، فهو يعلم أن العقد فاسد، والتزم الزيادة على أجرة المثل، وإن كان جاهلاً لم يلزمه أكثر من أجرة المثل، وإن رأى القاضي قضاءً أن يلزمه بما التزم به ـ ولو كان جاهلاً ولكن يُجعل في بيت المال ـ فلا حرج.
بَابُ السَّبْقِ
قوله: «باب السَّبْق» بسكون الباء، وأما «السَّبَق» فهو العِوض، فالسبْق معناه فَوْت لا يدرك، بمعنى أن يفوتك الإنسان على وجه لا تدركه، فالسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، لا يمكن لمن بعدهم أن يلحقهم في هذا الوصف، ومن سابقك جرياً على الأقدام حتى وصل المنتهى قبل أن تصله فقد سبقك على وجه لا تدركه.
فالسبْق فوت لا يدرك، سواء كان معنوياً أو كان حسياً، وسواء كان في الزمان أو كان في المكان، فالصحابة ـ رضي الله عنهم ـ سبقونا بالزمان، وهذا سبق حسي، وكذلك سبقونا سبقاً معنوياً بالعلم والإيمان والجهاد والعمل الصالح.
والسبق ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
قسم لا يجوز لا بعوض ولا بغيره.
وقسم يجوز بعوض وغيره.
وقسم يجوز بلا عوض، ولا يجوز بعوض.
والأصل فيه منع العوض؛ لأنه من باب الميسر، فإن الإنسان إما أن يكون غانماً وإما أن يكون غارماً، فإذا جعلنا مائة ريال لمن سبق، وتسابق اثنان في الجري على الأقدام، فأحدهما إما غانم وإما غارم، إما أن يأخذ مائة الريال من صاحبه فيغنم،
أو تؤخذ منه المائة فيغرم، فهو في الحقيقة ميسر، ولذلك فالأصل هو منع العوض في المسابقة، ولا يجوز إلا لسبب كما سيأتي إن شاء الله.
يَصِحُّ عَلَى الأَقْدَامِ، وَسَائِرِ الحَيَوَانَاتِ، وَالسُّفُنِ، وَالمُزَارِيقِ،
.......
قوله: «يصح على الأقدام» هذا هو القسم الذي يجوز بغير عوض، وهو ما لا مضرة فيه شرعية، وليس فيه منفعة تربو على مفسدة المراهنة فيه، فهذا القسم يجوز بلا عوض، ولا يجوز بعوض، سواء كان هذا العوض نقداً أو عروضاً أو منفعة، مثل أن يتسابق رجلان أيهما أسرع وصولاً إلى الغرض الذي عيَّنَّاه، وهو جائز بين الرجلين، وبين المرأتين، وبين الرجل وزوجته، كما سابق النبي صلّى الله عليه وسلّم عائشة ـ رضي الله عنها ـ 1؛ لأن في ذلك ترويحاً عن النفس، وتنشيطاً وتقوية للبدن، وتحريضاً على المغالبة.
وظاهر كلام المؤلف وغيره أنه لا فرق بين أن يتسابقا استقبالاً أو استدباراً؛ لأن المسابقة على الاستدبار تقع بين كثير من الناس، أيهما أشد عزيمة أن يرجع إلى الوراء بسرعة تفوق صاحبه فهذا جائز، وهل يجوز على اليمين وعلى الشمال؟ نعم يجوز، ويقع هذا ـ أيضاً ـ من بعض الناس يتسابقون أيهما أسبق ذهاباً، يميناً أو شمالاً.