كتاب البيع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- الشرح الممتع على زاد المستقنع
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
- الطبعة
- الأولى، 1422 - 1428 هـ
- عدد الأجزاء
- 15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
الموكل؛ من أجل أن يعرف الموكل كيف يتصرف؟ أو يقال يجوز الفسخ مع ضمان الضرر، فنقول: الوكالة عقد جائز، لكن إذا تضمن ضرراً فتنفسخ الوكالة، وعليك ضمان الضرر.
وقوله: «تبطل بفسخ أحدهما» ظاهره سواء علم الوكيل أم لم يعلم، فإذا وكلت هذا الرجل على أن يبيع بيتي ثم في اليوم التالي أشهدت رجلين بأني فسخت الوكالة، ثم باع الوكيل البيت في اليوم الثالث ولم يعلم، فالمذهب أن البيع غير صحيح؛ لأني فسخت وكالته قبل أن يبيع، فباع وهو لا يملك العقد عليه.
والقول الثاني: أنه لا ينفسخ إلا بعد العلم؛ لأن تصرفه مستند إلى إذن سابق لم يعلم زواله فكان تصرفاً صحيحاً، ويقال للموكل أنت الذي فرطت، لماذا لم تخبره بفسخ الوكالة من فوره؟ وهذا القول هو الراجح وهو رواية عن أحمد، لا سيما وهو في هذه الحال تعلق به حق المشتري، أما إذا لم يتعلق به حق أحد فقد يقال بفسخ الوكالة.
وقوله: «تبطل بفسخ أحدهما» يشمل الفسخ بالقول والفسخ بالفعل، بالقول بأن يقول: فسخت الوكالة، وبالفعل بأنه يفعل فعلاً ينافي تصرف الوكيل، مثل أن يوكله في بيع عبد ثم أَعْتَقَ العَبْدَ، فإعتاقه إياه يتضمن فسخ التوكيل في البيع؛ لأنه لا يمكن بيعه بعد عتقه، وكذلك لو وكله في بيع شيء ثم رهنه تنفسخ الوكالة؛ لأن بيع المرهون لا يصح فعلم أنه عَدَلَ عن بيعه.
قوله: «وموته» أي: إذا مات الوكيل بطلت الوكالة، وإذا مات الموكل بطلت الوكالة.
وجه ذلك أنه إذا مات الموكل انتقل المال إلى ورثته، فلا بد من تجديد الوكالة إذا شاؤوا أن يستمروا مع الوكيل، أما الوكيل فتبطل بموته؛ لأن الموكل إنما رضيه بعينه فإذا مات فإن المعقود عليه قد زال وفات، فتبطل بذلك الوكالة.
مثال ذلك: رجل وكل شخصاً في بيع بيته، قال: وكلتك أن تبيع بيتي، ثم قدر الله على الموكل أن يموت، فحينئذ لا يحل للوكيل أن يبيع البيت، ولا أن يتصرف فيه، بل يجب أن يبلغ الورثة أنه قد انتهت الوكالة؛ لأن الملك الآن انتقل إلى الورثة.
مثال آخر: رجل وكَّل شخصاً في بيع ثم قدَّر الله أن يموت الوكيل فتنفسخ الوكالة، ولا يحل للوكيل أن يوكل شخصاً بعد موته يتولى البيع؛ لأن الوكالة انفسخت بموته.
وهنا يجب أن ننبه إلى مسألة يكتبها إخواننا الكُتَّاب الذين يكتبون وصايا للناس، إذا كانت الوصية وقال: أوصيت بثلث مالي يُتصدق به على الفقراء، كثير من الكتَّاب يكتب: والوكيل على ذلك فلان، والصواب أن يقول: الوصي على ذلك فلان؛ لأن هناك فرقاً بين الوكيل والوصي، الوصي من أذن له بالتصرف بعد الموت، والوكيل من أذن له بالتصرف في حال الحياة، وإذا قال: الوكيل على ثلثي فلان، فلو أخذنا باللفظ لقلنا: إذا مات هذا الرجل انفسخت الوكالة، لكن الحكام ـ القضاة ـ يفتون بأن هذا اللفظ من العامة بمعنى الوصية، وإن كان بلفظ الوكالة، ولكننا نقول للكتاب: ينبغي أن تحرروا الكتابة، وإذا ذكرتم وصية فلان بشيء لا تقولوا: والوكيل فلان، قولوا: الوصي.
لكن لو قال: «الوكيل بعد موتي»، ارتفع الإشكال؛ لأنه لو قيد الوكالة بعد الموت فإننا نعلم علم اليقين أنه أراد الوصية.
قوله: «وعزل الوكيل» هذه العبارة لم نرها في المنتهى، ولا في الإقناع، ولا في المقنع ـ أيضاً ـ الذي هو أصل الكتاب، وهي في الحقيقة زائدة، لأن عزل الوكيل يغني عنه قوله: «بفسخ أحدهما»؛ لأن فسخ الموكل يعني عزل الوكيل، إذاً ليس هناك حاجة إلى أن يقول: «وعزل الوكيل»، لكن لعل هذا من المؤلف ـ رحمه الله ـ سبق قلم.
على كل حال تبطل الوكالة بعزل الوكيل، وعزل الوكيل هو فسخ الموكل للوكالة.
مسألة: لو أنه وكَّل إنساناً أن يبيع بيته، وبعد انصراف الوكيل باع الموكل نفسه البيت، ثم إن الوكيل باعه، فالمالك باعه على زيد، والوكيل باعه على عمرو، فالوكيل انعزل؛ لأن بيع المالك للشيء الذي وكل شخصاً في بيعه، يعني أنه عزله، وهذا عزل بالفعل، وحينئذ الوكيل باع على عمرو، والمالك باع على زيد، إن أبطلنا بيع الوكيل فقد تعلق به حق عمرو، وإن أبطلنا تصرف المالك أبطلنا حق زيد، فنقدم الآن صاحب الأصل وهو المالك، وحينئذ نقول: إن بيع الوكيل وقع على شيء انتقل ملكه عن صاحبه، حتى صاحبه الآن لا يمكن أن يتصرف فيه، فنقول في بيع الوكيل: إنه باطل؛ لأن هذه المسألة تعلق بها حق ثالث، ثم إن الموكَّل فيه انتقل عن ملك الموكِّل إلى ملك آخر، فلا يمكن أن يبطل هذا الانتقال، وإن صححنا تصرف الوكيل لزم من ذلك إبطال تصرف المالك.
مسألة: إذا تصرف الموكل تصرفاً لا يمنع تصرف الوكيل مثل: أن يقول وكلتك في بيع بيتي ثم بعد ذهاب الوكيل، أجّرَهُ الموكل؛ فهل تبطل الوكالة ونقول: إن هذا عزل؟
الجواب: لا؛ لأن التأجير لا ينافي البيع، إذ يجوز بيع المؤجر، فإذا كان يجوز بيع المؤجر، فإن تصرف الموكل الآن لا يعتبر فسخاً للوكالة؛ لأنه لا منافاة بين ما وَكَّل فيه وتصرفه.
إذاً إذا تصرف تصرفاً ينافي الوكالة فهو عزل، وإذا تصرف تصرفاً لا ينافي الوكالة فليس بعزل.
قوله: «وبحجر السفه» لم يقل المؤلف: الصِّغَر؛ لأن الكبير لا يصغر فهو غير وارد أبداً، وأما الحجر للجنون ففيه تفصيل:
إن كان مطبِقاً انفسخت الوكالة، وإن كان غير مطبِق كأن يكون ساعة ويذهب لم تنفسخ، فثلاثة أسباب للحجر، الصغر والجنون والسفه، إذا حُجر على الوكيل أو الموكل حجر سفه انفسخت الوكالة.
وفي قول المؤلف: «وبحجر السفه» منطوق وله مفهوم، ومفهومه حجر الفلس، فمن كان لا يحسن التصرف فالحجر عليه حجر سفه، ومن كان يحسن التصرف لكنه غريم مدين، دينه أكثر من ماله، فالحجر عليه حجر فلس، فالوكالة تبطل بحجر السفه.
مثال هذا: الوكيل قال لشخص: بع بيتي، ثم إن الرجل الذي وكَّله في البيع ـ أي: مالك البيت ـ أصيب بخلل في عقله أفسد تصرفه، فلا تستمر الوكالة بل تنفسخ؛ لأن الموكل الآن لو
أراد أن يتصرف بنفسه لم يتمكن، فبوكيله من باب أولى، ويمكن أن تقع بأن يحصل لإنسان حادث يختل به فكره، فنقول الآن: انفسخت الوكالة، ونقول للذي وُكِّلَ في البيع: لا تبع؛ لأن الوكالة انفسخت، فالموكل نفسه لو أراد أن يتصرف لا يمكنه، فكيف بفرعه وهو الوكيل؟
إذاً كلمة «السفه» إنما تعود إلى العقل، بحيث يكون فيه جنون أو سوء تصرف، بحيث يختل فكره وعقله ويبدأ لا يعرف شيئاً.
والحجر لفلس هل تبطل به الوكالة أو لا؟
فيه تفصيل: إن كانت في أعيان مال الموكل انفسخت، وإن كانت في ذمته لم تنفسخ.
أما الوكيل فإنه إذا حجر عليه لفلس لا تنفسخ الوكالة بذلك؛ لصحة تصرفه في مال غيره، إذن إذا حجر عليه لفلس فبالنسبة للوكيل لا تتأثر الوكالة ولا تنفسخ، وبالنسبة للموكل ففيه تفصيل.
مثال ذلك بالنسبة للوكيل: وكل إنساناً يبيع بيته، ثم إن هذا الوكيل صار مديناً دينه أكثر من ماله فحجر عليه؛ فالآن الوكيل لا يمكن أن يبيع شيئاً من ماله؛ لأنه محجور عليه، لكن هل يبيع بيت من وكله؟
الجواب: نعم؛ لأن من حجر عليه لفلس إنما يحجر عليه في أعيان ماله لا في أعيان مال غيره، فتبقى الوكالة.
مثال ذلك بالنسبة للموكل، قال: وكلتك أن تبيع بيتي، ثم
إن الموكل لَحِقَهُ الدينُ وصار دينه أكثر من ماله، فحجرنا عليه، هل يملك الوكيل أن يبيع البيت؟
الجواب: لا، وتنفسخ الوكالة؛ لأن الموكل الآن لا يملك بنفسه بيع بيته، فإذا كان الأصل لا يملك البيع، فالفرع من باب أولى.
فصار الحجر لفلس فيه تفصيل، والحجر لسفه ليس فيه تفصيل، فتبطل به الوكالة سواء حجر على الوكيل، أو حجر على الموكل.
وَمَنْ وُكِّلَ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ لَم يَبِعْ وَلَمْ يَشْتَرِ مِنْ نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَلاَ يَبِيعُ بَعَرَضٍ وَلاَ نَسَاءٍ وَلاَ بِغَيْرِ نَقْدِ البَلَدِ
......
قوله: «من وُكِّل في بيع أو شراء لم يبع ولم يشتر من نفسه وولده» إذا وكل في بيع فإنه لا يبيع على نفسه، ولا يبيع على ولده، ولا على والده، ولا على من لا تقبل شهادته له؛ لأنه متهم في ذلك، ولأنه لو أراد أن يبيعه على فلان لقال: اشتر مني هذا، واستغنى بذلك عن توكيله.
مثال ذلك: وكلت إنساناً أن يبيع البيت، قلت: وكلتك في بيع بيتي، باعه على ابنه، فإنه لا يصح البيع؛ لأنه متهم، فإذا كان لا تقبل شهادته لولده بالمال لاتهامه بذلك، فكذلك بيعه ما وكل فيه لولده فهو متهم، وإذا كان الوكيل الذي باع على ابنه ثقة عدلاً مرضياً، نقول: ولو كان؛ سداً للباب، ولئلا يقول قائل: لماذا صححتم بيع فلان على ولده ولم تصححوا بيع فلان؟ فنسد الباب، بل لا يبيع على أحد من الأصول كالأب والجد أو الفروع كولد الولد أو ولد البنت؛ لأنه متهم، والأمر في هذا سهل، وهو أن يستأذن من الموكل، فيقول له: إن ابني يريد البيت أتأذن أن أبيعه؟ إذا قال: نعم، انتهى الإشكال، واستثنى بعض العلماء من ذلك مسألتين:
الأولى: إذا كان البيع في المزايدة وانتهى الثمن على ولده أو نفسه فإن البيع يصح؛ لأنه ليس فيه تهمة.
مثاله: أعطاه ليبيع السيارة مزايدة بالحراج علناً، زادت ثم زادت ثم زادت، وآخر السعر صار على ولده وباعها عليه، فهذا ليس فيه اتهام، ولهذا استثنى بعض العلماء هذه المسألة، قال: في المناداة إذا انتهى السعر على ولده فلا بأس أن يبيع؛ وذلك لأنه لا تهمة.
الثانية: إذا حدد الموكل الثمن للوكيل وقال: بعها، قال: بكم أبيعها؟ قال: بعها بعشرة آلاف، وباعها على ولده بعشرة آلاف، فهذا يجوز؛ لأن الموكل حدد الثمن، فهو لا يريد أكثر من ذلك، فيصح أن يبيعها على ولده لانتفاء التهمة حينئذ.
ولكن لو أن الموكل قال للوكيل: بعها بعشرة آلاف بناءً على أن هذا أعلى سعر، وكانت السلع قد زادت لكن الموكل لم يعلم، فهل يجوز في هذه الحال أن يبيعها الوكيل على ولده؟
الجواب: لا؛ لأن هذا غش، والواجب أن يخبره إذا كان الوكيل يعلم أن قيمة الأشياء قد زادت، والموكل رجل جاهل بالأسعار، فعليه أن يبين له ويخبره بأن السلعة تساوي أكثر وجوباً؛ لأنه لو كتم وجعلها تباع بعشرة آلاف لكان غاشّاً، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من غش فليس منا» 1؛ لأن بعض الناس ـ والعياذ بالله ـ يستغل سذاجة الموكل وجهله بالواقع ولا يخبره به فهذا
حرام، هذا غش، عامِلْ الناسَ بما تحب أن يعاملوك به، لا تغشهم ولا تخدعْهم.
وإذا باع على بنته، فهي من الولد؛ لقوله ـ تعالى ـ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]، فجعل الله الأنثى من الولد وهو كذلك.
وقال بعض العلماء: إنه يجوز أن يبيع على ولده ووالده وأمه وجدته وبنته وبنت بنته إلا إذا ظهرت المحاباة؛ لأنه وكله في البيع ولم يقل: لا تبع على هؤلاء، فاللفظ يشمل هؤلاء وهؤلاء، وهذا القول هو الصحيح إلا إذا كان شريكاً لهم؛ لأن حقيقة الأمر أنه باع على نفسه، وبناء عليه يجوز أن يبيع على إخوته وأعمامه وبني إخوته ما لم يكن شريكاً لهم.
مسألة: إذا كان لا يبيع على نفسه، فهل يجوز أن يوكل شخصاً يشتريها له؟
مثاله: أعطاه هذه السيارة لبيعها، قلنا: لا يصح البيع على نفسه، لكن قال: يا فلان لا يجوز أن أشتريها لنفسي، لكن وكلتك أن تشتريها لي، وصار الذي يزيد وكيله حتى انتهت عليه واشتراها، فهذا لا يجوز؛ لأنه حيلة، ووكيله قائم مقام نفسه.
وبناءً على أنه لا يجوز للوكيل أن يشتري السلعة لنفسه، فإنه لا يجوز أن يزيد في ثمنها.
مثاله: أخرجها أمام الناس وقال: من يريد أن يسوم بعشرة آلاف، أو باثني عشر ألفاً، وأراد هو أن يزيد لما قال واحد باثني عشر قال: بثلاثة عشر ألفاً أي: الوكيل وهو الذي يسمى الدلال،
فهذا لا يجوز؛ لأنه لو زاد لا يمكن أن يشتريها، فيكون في زيادته هنا إضرار بالمشترين، وتضييق عليهم، فما دمت تعرف أنك لا يمكن أن تشتريها فإنه لا يجوز أن تزيد.
فإن أذن الموكل للوكيل أن يشتري فهنا يجوز أن يزيد؛ لأنه إذا أذن الموكل للوكيل أن يشتري فلا بأس، وحينئذ فإذا زاد في الثمن فقد زاد زيادة أذن له فيها، فصار ذلك صحيحاً.
قوله: «ولا يبيع بعرض» مثاله، قال: وكلتُك أن تبيع السيارة فبعتَها بعمارة، فالسيارة تساوي عشرة آلاف، والعمارة تساوي خمسة عشر ألفاً، فهذا لا يجوز، لأني إذا قلت: بعها يعني بدراهم، لا أقول: بعها ببيت.
مثال آخر: قال: بع هذه السيارة، فذهب وباعها بسيارة أخرى فهذا لا يجوز؛ لأني إذا قلت: بعها يعني بعها بدراهم ليس بعرض، وهلم جرّاً.
والفلوس من العَرَض عند الفقهاء، والأوراق النقدية من العرض؛ لأن النقد عندهم هو الدرهم والدينار فقط يعني الذهب والفضة، وعلى هذا فالأوراق النقدية عند الفقهاء عرض، فهل نقول: كلام المؤلف يدل على أني إذا قلت بع هذا البيت ـ مثلاً ـ وباعه بعشرة آلاف من الأوراق النقدية لم ينعقد البيع؛ لأنه باع بعرض نقول: هذا مقتضى كلام المؤلف؛ لأنهم صرحوا أنه لا يبيعها بالفلوس، ولكننا نقول: أصبحت النقود الورقية الآن عند الناس نائبة مناب الدينار والدرهم، فإذا باعها بالفلوس التي هي الأوراق صح البيع.
ولو قال الموكل: أنا قلت الدراهم والدنانير هي النقود، أما الأوراق هذه فتأتي بها عندي، وتأكلها الأرضة، والنار تحرقها، لا أريد هذا، لا بد أن تعطيني ذهباً أو فضة فلا يملك هذا؛ لأن العرف الآن المطرد أن هذه الأوراق قائمة مقام الذهب والفضة، بدل الدينار والدرهم.
قوله: «ولا نَسَاء» أي: بثمن مؤخر، سواء كان مؤجلاً أم غير مؤجل، فلا بد أن يكون نقداً يداً بيد، فعلى كلام المؤلف إذا باع شيئاً أذنت له في بيعه، ولم يقبض الثمن فإنه يكون ضامناً، لكن كلام المؤلف هنا ينبغي أن يقيد بما إذا لم يدل العرف على التأخير، والآن عند الناس لو بعت عليك شيئاً اليوم، يمكن أن تذهب به ولا آخذ الثمن منك إلا بعد يوم أو يومين، حسب كثرة الثمن وقلته، وحسب حال المشتري، إلا إذا كان المشتري لا يُعرف، فإنه إذا لم يبعه نقداً يداً بيد فهو ضامن؛ لأنه مفرِّط.
مثاله: إنسان عرض سيارة للمزايدة، فجاء أجنبي لا يعرفه وقال: السيارة تساوي عشرة، وأنا آخذها منك بأحد عشر ألفاً، فأخذها وذهب، فلا يمكن للوكيل أن يدعه يذهب بدون نقد، ولو فعل لكان ضامناً؛ لأنه مفرط.
وهل يبيع مؤجلاً؟ المؤجل غير النسأ، والنسأ هو تأخير القبض ولو كان غير مؤجل، والمؤجل تأخير الوفاء.
مثال ذلك: قلت: بعتك هذا الشيء بثمن يحل بعد شهر فهذا مؤجل، وبعتك هذا الشيء ولم أقبض الثمن فهذا نسأ؛ لأن فيه تأخيراً، وبعتك هذا الشيء بعشرة وأعطيتني إياها وأخذته فهذا يداً بيد.
فإن باع مؤجلاً فإن ذلك لا يصح ولو كان الثمن المؤجل أكثر.
قوله: «ولا بغير نقد البلد» نقد البلد عندنا الآن الريال السعودي، فهذا الرجل أخذ السلعة، وذهب وباعها بدولار، فهنا لا يصح البيع؛ لأنني إذا أذنت لك في البيع فبعت بالدولار فقد بعت بغير ما ينصرف الإطلاق إليه، والدولار عندنا ليس نقداً ولكنه سلعة، يزيد وينقص فإذا باع بالدولار لا يصح، وإذا باع بالجنيه المصري ـ مثلاً ـ فهذا لا يصح، وإذا وكله في مصر، وباع بالجنيه المصري فهنا يصح؛ لأنه نقد البلد.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يبيع بغير نقد البلد ولو باع بنقد أغلى.
مثاله: وكلتك أن تبيع هذه السيارة وهي تساوي بنقد البلد مائة مليون وبالدولار ألف دولار وباعها بألف دولار، فهنا على كلام المؤلف لا يصح البيع؛ لأنه غير نقد البلد، مع أنه أغلى من نقد البلد، فهل نقول: إن كلام المؤلف مقيد بما إذا لم يكن النقد الذي باع به أغلى من نقد البلد؟ ربما يقال: إن الرجل إذا باعها بنقد أغلى فإننا نقول: هذا يصح؛ لأنه زاده خيراً، وكما لو قلت: بعها بدراهم فبعتها بدنانير، أليس عروة بن الجعد ـ رضي الله عنه ـ وكَّله الرسول صلّى الله عليه وسلّم يشتري له أضحية فأعطاه ديناراً، فاشترى أضحيتين وباع واحدة بدينار فرجع إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم بأضحية ودينار 1، لم يخسر شيئاً، فأقره النبي صلّى الله عليه وسلّم على ذلك؟ فهذا يدل
على أنه إذا كان تصرف الوكيل فيه خيرٌ للموكل فينبغي أن ينفذ؛ لأن مطالبة الموكل بنقد البلد مع أن ما باع به أغلى، ما هو إلا إضرار، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا ضرر ولا ضرار» (1).
وإِنْ بَاعَ بِدُونِ ثَمَنِ المِثْلِ أَوْ دُونِ ما قَدَّرَهُ لَهُ أَوْ اشْتَرَى لَهُ بِأكثَرَ مِنْ ثَمَنِ المِثْلِ أَوْ ممَّا قَدَّرَهُ لَهُ صَحَّ وَضَمِنَ النَّقْصَ والزِّيادَةَ
.....
قوله: «وإن باع بدون ثمن المثل» هذا تصرف مخالف للوكالة لكنه ليس مخالفاً لها في أصل العقد، بل في وصف العقد، ولهذا يصح ويضمن.
مثاله: قال له: بع سيارتي، وكانت هذه السيارة يُباع مثلها بأربعين ألفاً، فباعها بخمسة وثلاثين ألفاً.
يقول المؤلف: إن البيع صحيح؛ لأنه تعلق به حق لإنسان وهو المشتري فلا نبطل حقه بسوء تصرف غيره، ولأن الوكالة لم تتعد البيع، أي: لم يهبه لأحد أو يعطه إياه مضاربة أو يوقفه؛ بل باعه لكنه خالف في الوصف؛ لأنني من حين أقول: بع السيارة إنما أريد أن تبيعها بثمن المثل، فعلى هذا يصح البيع ويضمن الوكيل النقص؛ لأنه من المعلوم أن الإذن المطلق ينصرف إلى ما تعارف عليه الناس وهو ثمن المثل، فالوكيل باعها بخمسة وثلاثين ألفاً وقيمتها في السوق أربعون ألفاً، إذاً تبقى السيارة مع المشتري؛ لأن البيع صحيح، وعلى الوكيل أن يضمن لصاحب السيارة خمسة آلاف ريال، التي هي قيمة النقص، فإن عفا عنه فالحق له.
وظاهر كلام المؤلف أنه ضامن مطلقاً حتى وإن اجتهد1
وتصرف تصرفاً تاماً، لكن تبين أن السلع قد زادت وهو لا يعلم، والصحيح أنه لا يضمن في هذه الحال لأنه مجتهد وحريص، بل لو باع الموكل في هذه الحال لَعَذَرَ نفسه، كذلك ـ أيضاً ـ الوكيل، ولو قلنا بأنه يضمن في هذه الحال ما استقامت الوكالة أبداً؛ لأن كل وكيل يقول: يحتمل أن تكون القيمة قد زادت ولم أدرِ، فإذا كان الرجل قد اجتهد وتحرى ولكن أتى أمرٌ بغير اختياره ولا يحتمل تفريطه، فالصواب أنه لا ضمان عليه.
قوله: «أو دون ما قدره له» هذه الصورة الثانية بأن قال: بع هذه السيارة بأربعين ألفاً، ومثلها في السوق بخمسة وثلاثين ألفاً، فباعها بخمسة وثلاثين، كما هو سعرها في السوق، يقول المؤلف: إن البيع صحيح، وعليه ضمان النقص بكل حال وهو خمسة آلاف؛ لأن صاحب السيارة حدد الثمن فقال: بع بأربعين، وهذا باع بخمسة وثلاثين، فإذا قال الوكيل: أنا بعت بثمن المثل ولا تساوي أكثر من هذا، قلنا: لكن الموكل حدد لك.
فإذا قال قائل: لماذا لا يبطل العقد من أصله؟
قلنا: لأن هذا الرجل لم يخالف في أصل العقد؛ لأن الوكيل أراد أن يبيعها فباعها، ولا ضرر عليه إلا في النقص وسوف يُضمن.
قوله: «أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل» هذه الصورة الثالثة، مثاله قلت لرجل: اشترِ لي مسجلاً فذهب واشترى مسجلاً بأربعمائة ريال وهو يساوي مائتين يصح الشراء؛ لأنه تعلق به حق ثالث، لكن الوكيل يضمن الزيادة.
قوله: «أو مما قدره له صح» هذه الصورة الرابعة، قال له: اشتر لي ـ مثلاً ـ ساعة ماركة كذا، وهي تباع بأربعين ريالاً، لكن صاحب الساعات صاحب للوكيل، فاشتراها بخمسة وأربعين، فنقول: الشراء صحيح؛ لأنه حصل مقصود الموكل، والزيادة عن ثمن المثل نُضمِّنُها الوكيلَ وهي خمسة الريالات.
لو قال الوكيل: الموكل قَدَّرَ لي أربعين لكن السعر زاد، واشتريتها بما تساويه كما هو معلوم في جميع محلات بيع الساعات أن قيمتها تساوي خمسة وأربعين؟
نقول: لكن الموكل حدد لك، لماذا لم ترجع إليه وتخبره أن القيمة زادت ثم تنظر، هل يستمر في التوكيل أو لا؟
قوله: «وضمن النقص» هذا فيما إذا باع بدون ثمن المثل، أو دون ما قدره له، ضمن النقص.
قوله: «والزيادة» هذا فيما إذا اشترى بأكثر من ثمن المثل، أو مما قدره له، وهذا يسمى عند البلاغيين (اللف والنشر المرتب)، وأحياناً يكون اللف والنشر غير مرتب، فيبدأ بالثاني ثم الأول.
مثاله قال الله ـ تعالى ـ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: 106]، هذا لف ونشر غير مرتب، وقوله ـ تعالى ـ: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾، ثم قال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ [هود: 105 ـ 108] هذا لف ونشر مرتب.
فإذا قال قائل: ما هو الأصل أن يكون اللف والنشر مرتباً أو أن يكون غير مرتب؟
قلنا: الأصل أن يكون مرتباً؛ لكنه يأتي أحياناً غير مرتب لنكتة بلاغية تظهر عند التأمل، فالمؤلف هنا مشى على اللف والنشر المرتب.
وإِنْ بَاعَ بِأَزْيَدَ أَوْ قَالَ: بِعْ بِكَذَا مُؤَجَّلاً فَبَاعَ بِهِ حَالًّا، أو اشْتَرِ بِكَذَا حالًّا فَاشْتَرى بِهِ مُؤَجَّلاً، ولا ضَررَ فِيهِمَا صَحَّ وإِلاَّ فَلاَ.
قوله: «وإن باع بأزيد» أي: أزيد من ثمن المثل فإنه يصح، كما لو عَيّن واحداً واشترى اثنين، والثاني قد جاءت به السنة، فالنبي صلّى الله عليه وسلّم طلب من الجعد بن عروة ـ رضي الله عنه ـ أن يشتري أضحية بدينار فاشترى شاتين، ثم باع واحدة بدينار وأقره الرسول صلّى الله عليه وسلّم 1، وقد يقال: إن هذا يمكن فيه المنازعة؛ لأن هذا أقره الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فنقول: إقرار الرسول صلّى الله عليه وسلّم له وعدم قوله: لا تَعُد، يدل على أن مثل ذلك جائز.
مثال ما إذا باع بأزيد مما قدره له: قال: يا فلان بِعْ هذه الساعة بأربعين درهماً، فذهب وباعها بخمسة وأربعين، وجاء وقال له: خذ الخمسة والأربعين، فهذا يصح وإن عين، فإن أبى قال له الوكيل: أعطني الخمسة، وقدِّرْ أنك بعتها بأربعين.
لكن لو عَيّن من يبيعها عليه فقال: بعها على فلان بأربعين، ثم باعها عليه بخمسة وأربعين، فهنا لا يصح؛ لأن تعيين الموكل للشخص يدل على أنه أراد بذلك محاباة الشخص، وهذا لما باعها بأزيد فوت على الموكل غرضه، وحينئذ نقول: لا يصح، ارجع إليه ورد عليه الخمسة، أو نقول بأسوأ الأمرين: إن البيع غير صحيح.
قوله: «أو قال بع بكذا مؤجلاً فباع به حالًّا، أو اشتر بكذا حالًّا فاشترى به مؤجلاً ولا ضرر فيهما صح وإلا فلا» هاتان مسألتان:
الأولى: «بع بكذا مؤجلاً فباع به حالًّا» قال: يا فلان خذ هذه الساعة بعها بأربعين درهماً لكنها مؤجلة إلى سنة، فذهب الوكيل وباعها بأربعين نقداً وجاء بالأربعين، فقال له الموكل: أنا قلت لك: بعها بأربعين مؤجلة إلى سنة، قال: هذا أحسن لك، أنا أتيت لك بالأربعين وبدلاً من أن تنتظر الوفاء لمدة سنة، الآن حصل الوفاء، فيقول المؤلف: يصح بشرط ألا يكون هناك ضرر.
وعُلِمَ من كلامه أنه إذا كان هناك ضرر فالبيع غير صحيح، وصورة الضرر أن يكون هذا الموكل يريد السفر، وليس راجعاً إلى البلد إلا بعد سنة، ويعلم أنه لو أخذ الدراهم الآن ضاعت منه، فله غرض في التأجيل، فالغرض هو ألا يضيع ماله، فنقول: في هذه الحال لا يصح البيع؛ لأن الموكل له غرض في التأجيل وأنت فوت عليه غرضه.
مثال آخر: أن يكون هذا الموكل في بلد فيه ولاة ظلمة يسطون على الناس، ومن وجدوا عنده مالاً ضربوا عليه ضرائب، أو أخذوا ماله، وهو يقول: لو أخذت الثمن حالًّا، ووضعته عندي، فجاءت أعين الظلمة وقالوا: هذا الرجل عنده مال وتسلطوا عليه، فهذا غرض صحيح، قال: أنا قلت لك بعه مؤجلاً؛ لأن الولاة الظلمة قد نشروا أعينهم في البلد، ومن رأوا
عنده مالاً أخذوه أو جعلوا عليه ضريبة، وأنا لا أريد ذلك، نقول: هذا فيه ضرر فَبَيْعُهُ نقداً فيه ضرر على الموكِّل.
الخلاصة: أنه إذا قال: بع بكذا مؤجلاً فباع به حالاً فالبيع صحيح، ويُلزم الموكل بقبض الثمن، إلا إذا كان في ذلك ضرر فالبيع غير صحيح ولا يلزم الموكل بقبض الثمن، وضربنا مثالين للضرر.
الثانية: «اشتر بكذا حالًّا فاشترى به مؤجلاً» مثاله: قال: يا فلان هذه أربعون درهماً ـ والدرهم هو النقد من الفضة ـ اشتر لي ساعة بأربعين درهماً وعيَّن الساعة، فذهب الوكيل واشترى ساعة مؤجلة إلى سنة بأربعين درهماً، ورد الأربعين درهماً إلى الموكل، وقال ـ الحمد الله ـ جاءك ساعة بأربعين درهماً مؤجلة، وانتفع بدراهمك الآن، وإذا جاءت السنة فأوف، فهذا يصح بشرط ألا يكون هناك ضرر، والأحسن للناس التعجيل، حتى لو كان لك حق على شخص مؤجل، وقلت: يا فلان عندي لك عشرة آلاف إلى سنة، يكفيني منك ثمانية آلاف نقداً فأعطني ثمانية آلاف، فهذا يجوز، مع أنه أخذ عن العشرة ثمانية، فكُلٌّ يرغب التعجيل إلا أن يكون هناك ضرر.
الضرر أن هذا الموكل يقول: إذا جاءت الفلوس عندي فأنا رجل يدي خرقاء لا تمسك الدراهم، فيمكن أن أعمل وليمة لأصدقائي اليوم بأربعين ريالاً وأخسرها، فهذا ضرر علي، وهذا غرض صحيح، وكثير من الناس إذا كانت الدراهم عنده يضيعها.
فالخلاصة: أنه إذا باع بأقل من ثمن المثل أو مما قدر له فالبيع صحيح، وعليه ضمان النقص.
وإذا اشترى بأكثر مما قدر له أو بأكثر من ثمن المثل فالشراء صحيح، وعليه ضمان الزيادة.
وهذا إذا كانت المخالفة في الكمية، أما في الكيفية بأن قال: بع بكذا مؤجلاً فباع به حالًّا أو اشتر بكذا حالًّا فاشترى به مؤجلاً، فإننا نقول: يصح؛ لأنه هنا ليس فيه زيادة ولا نقص، إلا إذا كان في ذلك ضرر على الموكل فإنه لا يصح، والذي يقدر الضرر أهل الخبرة، فإذا قالوا: إن هذا الغرض الذي ذكره الموكل صحيح، وأن في التعجيل ضرراً، أو في التأخير ضرراً عمل به.
فصل
ٌ
وَإِنِ اشْتَرَى مَا يَعْلَمُ عَيْبَهُ لَزِمَهُ إِنْ لَمْ يَرْضَ مُوَكِّلُهُ، فَإِنْ جَهِلَ رَدَّهُ
........
قوله: «وإن اشترى» الفاعل هنا الوكيل.
قوله: «ما يعلم عيبه لزمه إن لم يرض موكله» وذلك أن الموكِّل إنما وكله في شراء شيء سليم، لا في شراء شيء معيب، وكلٌّ يعرف أنه لا أحد يقول: اشتر لي شيئاً معيباً.
مثاله: وكله في شراء سيارة، واشترى سيارة معيبة بثمن المثل ليس فيها زيادة ولا نقص، فنقول: يلزمك أنت أيها الوكيل، وتضمن للموكل الدراهم التي أعطاك، فإن رضي الموكِّل، بأن قال: هذا رجل محسن إلي وتعب في تحصيل السيارة وأنا راضٍ وإن كان فيها عيب، فإننا نقول: يصح ولا يلزم الوكيل شيء؛ لأن الحق له وقد رضي به.
لكن يبقى النظر إذا قلنا: إنه يلزم الوكيل هذا المبيع المعيب، وأن الموكل ليس له إلا مبيع سالم، هل يملك الوكيل أن يرد السلعة على من اشتراها منه؟
الجواب: لا يملك؛ لأن المؤلف يقول: «وإن اشترى ما يعلم عيبه».
فالوكيل الآن عالم بالعيب داخل على بصيرة وليس له حق الرد، إلا أنه يستثنى من ذلك ـ أي: في حق الرد ـ إذا قال الوكيل: أنا مشتريها لفلان بالوكالة، وأنا راض بالعيب، لكن إن لم يرض موكلي فهو على خياره، فإننا نقول: له الرد؛ وذلك لأن البائع دخل على بصيرة وقبل هذا الشرط.
قوله: «فإن جهل رده» الفاعل يعود على الوكيل، يعني إن
جهل العيب ولم يَدْرِ به رده، ولم يقل هنا: إنه يخير بين الرد وبين الأرش، والذي قرأ في باب الخيار يمر عليه أنه يخير إذا وجد العيب، بين إمضاء البيع مجاناً أو إمضائه بالأرش أو رده، وهنا يقول المؤلف: «إن جهل رده» فقط ولا يملك أخذ الأرش؛ لأن أخذ الأرش معاوضة جديدة إذ أن الأرشَ عوض عن الجزء الفائت بالعيب، ولا يملك أن يعاوض هو لأنه ليس أصيلاً بل هو وكيل وفرع، إلا إذا قال الموكل: لا بأس أن تأخذ الأرش.
إذن إذا اشترى معيباً وهو لا يعلم بعيبه ثم وجد العيب، نقول الآن: لك الخيار بين الرد والإمضاء، لكن الإمضاء لا بد أن يرضي الموكِّل، ولا نقول: لك الخيار بين الرد والإمضاء مع الأرش.
مثال ذلك: إنسان اشترى سيارة على أنها سليمة بأربعين ألفاً؛ ولما ذهب بها وجد أن فيها عيباً ينقص من قيمتها عشرة آلاف، فتكون قيمتها في الواقع ثلاثين ألفاً، نقول للمالك: أنت الآن بالخيار، إما أن ترد السيارة على البائع وتأخذ الأربعين، وإما أن تبقيها، وتأخذ عشرة عن العيب، أما الوكيل فقد سبق أنه لا يملك الأرش.
وعند شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ أن لا أرش وأنه يقال لمن اشترى المبيع المعيب: إما أن ترد وإما تأخذه معيباً ولا أرش إلا برضا البائع، والبائع يقول للمشتري: خذ السلعة بعيبها وإلا ردها، وخذ دراهمك، أما أن تلزمني أن أخصم من الثمن فهذا لا يلزمني.
وَوَكِيلُ البَيْعِ يُسَلِّمُهُ وَلاَ يَقْبِضُ الثَّمنَ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ وَيُسَلِّمُ وَكِيلُ المُشْتَري الثَّمَنَ، فَلَوْ أخَّرَهُ بِلاَ عُذْرٍ وتَلِفَ ضَمِنَهُ
......
قوله: «ووكيل البيع» أي: الذي وُكل في بيع.
قوله: «يسلِّمه» أي: يسلم المبيع؛ لأن هذا من مقتضى العقد.
مثاله: أعطيت رجلاً ساعة يبيعها لك فباعها، فسلمها إلى المشتري مع أن الموكل لم يقل: بعها وسلمه إياها، إنما أمرك بالبيع، فنقول: التسليم من مقتضى العقد؛ لأنه إذا تم البيع مَلَكَ المشتري السلعة، ووجب أن تسلمها له.
وهل يقبض الثمن؟
قال المؤلف: «ولا يقبض الثمن» وجه ذلك أمران:
الأول: أنه وُكل في البيع دون قبض الثمن، وقبض الثمن ليس من مقتضى البيع.
الثاني: أنه قد يرضى أن يبيع له، ولا يرضى أن يقبض الثمن؛ لأنه غير أمين عليه عند الموكل، فلهذا قالوا: إنه يملك تسليم المبيع، ولا يملك تسلُّم الثمن؛ لهذين الوجهين.
وهذا أحد الأقوال الثلاثة، فالقول الأول: أنه لا يقبض الثمن مطلقاً إلا بتوكيل خاص، والقول الثاني: أنه يقبضه مطلقاً، والقول الثالث أنه يقبضه بالقرينة، والذي عليه عمل الناس أن الوكيل وكيل في البيع وقبض الثمن وهذا هو القول الراجح.
قوله: «بغير قرينة» يعني فإن وُجدت قرينة فإنه يقبض الثمن وجوباً، والقرينة نوعان: شرعية، وعُرفية.
فالقرينة الشرعية هي ما إذا كان البيع يشترط فيه التقابض، فإنه لا بد أن يقبض الثمن.
مثاله: أعطاه حُليًّا من الذهب وقال: بعه، فهنا لا يمكن أن يبيع الذهب بدراهم دون قَبض؛ بل لا بد من القبض، وحينئذ نقول: هذه القرينة، قرينة شرعية.
والقرينة العرفية لها صورتان:
الأولى: مثل أن يبيعه على رجل، غريب لا يُعرف، فإذا لم يقبض الثمن منه فإنه سوف يضيع، فهنا القرينة تدل على أنه لا بد أن يقبضه.
والثانية: مثل ما لو باعه على من عُرِفَ بالمماطلة، فهنا يقبض الثمن؛ لأنه من مصلحة الموكل.
فإن قال قائل: لماذا لا تمنعونه من الأصل، بأن يبيع على غريب، أو على مماطل؟
قلنا: إنه قد تقتضي المصلحة وزيادة الثمن أن يبيع على الغريب والمماطل، وإذا كان سيُسلم له الثمن فلا ضرر.
وإذا أذن الموكل للوكيل أن يقبض الثمن فهل يقبضه؟
الجواب: نعم يقبضه من باب أولى.
وإذا قال: لا تقبض الثمن، فلا يقبضه ولو وجدت قرينة؛ لأنه نهاه وقال له: لا تقبض الثمن.
لكن إذا قال قائل: إذا نهاه أن يقبض الثمن، فمن المعلوم أن الموكل ليس غبياً، بحيث لا يأذن له إذا دلت القرينة على أنه يقبضه.
فيقال: إذا كنا نعلم هذا من حال الموكل، أنه لو باعه على
من يخشى ألا يُسَلِّم الثمن، فحينئذ نقول: هذه قرينة فليقبضه.
قوله: «ويسلم وكيل المشتري الثمن» أي: إذا أعطاه دراهم، وقال: اشتر لي بها سلعة، فاشترى السلعة، نقول: يجب أن يسلم الثمن، حتى وإن لم يقل له: سَلِّمهُ للبائع؛ لأن هذا من مقتضى العقد، كما أن وكيل البيع يُسَلِّم المبيع، فوكيل الشراء يُسَلِّم الثمن، وهل يقبض المبيع أم لا؟ المذهب لا يقبضه إلا بإذن أو قرينة، والصحيح أنه يستلمه مطلقاً، والعرف عندنا الآن أنني إذا وكلت في شراء شيء فإنه يتضمن الإذن في قبضه، بل لو اشترى الوكيل من صاحب الدكان وأعطاه الدراهم ورجع بدون استلام السلعة لعد هذا مفرطاً بلا شك.
إذاً نقول: إن استلام الوكيل في الشراء للسلعة المشتراة أقوى من استلام الثمن بالنسبة للوكيل في البيع، ومع ذلك فالصحيح أن العرف يقتضي استلام الثمن من الوكيل في البيع، واستلام السلعة من الوكيل في الشراء.
قوله: «فلو أخره بلا عذر وتلف ضمنه» أي: لو أخر الوكيل تسليم الثمن بلا عذر ضمنه إذا تلف.
مثاله: أعطيت رجلاً أربعين درهماً يشتري بها سلعة، واشترى السلعة في أول النهار وقال للبائع: آتي لك بالثمن في آخر النهار، أو سكت ولم يأت به إلا آخر النهار، لكنه فيما بين الشراء وآخر النهار تلف الثمن، فإن المشتري يضمنه؛ لأنه مفرط، إذ أن الواجب عليه أن يُسَلِّم الثمن مباشرة، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
ولكن الصواب أن يقال: الحكم يدور مع علته، والناس إذا اشترى منهم الإنسان سلعة في أول النهار وأتى بالثمن في آخره، لا يعدُّونه مفرطاً؛ لأن هذا مما جرت به العادة.
فالصواب أن يقال: إن أخر تسليم الثمن تأخيراً يُعَدُّ به مفرِّطاً فهو ضامن، وإلا فلا.
وتعليل الفقهاء ـ رحمهم الله ـ يدل على هذا، وليس من المتيسر أن تكون الدراهم في جيبه، بل ربما يمر بالشارع ويجد السلعة التي وكل في شرائها ويشتريها، ثم إذا صار في آخر النهار أتى له بالثمن، وهذا أمر شائع ومعروف.
وقوله: «فلو أخره بلا عذر وتلف ضمنه» أي: لو أخره بإذن البائع وتلف هل يكون من ضمان البائع أو من ضمان الموكل؟
الجواب: من ضمان البائع؛ لأن الموكل بمجرد الشراء صار الثمن مستحقّاً للبائع، والبائع قال للوكيل: يمكن أن تعطيني الدراهم اليوم أو غداً أو بعد غد ولا مانع، وفي هذه الأثناء تلف الثمن بدون تعدٍّ ولا تفريط من الوكيل فضمانه على البائع؛ لأن الوكيل إنما أبقاه بإذن مستحقه وهو البائع.
وَإِن وكَّلَهُ فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ فَبَاعَ صَحِيحَاً، أَوْ وَكَّلَهُ فِي كلِّ قَلِيلٍ وكَثِيرٍ، أَوْ شِرَاءِ ما شَاءَ، أو عَيْناً بِمَا شَاءَ وَلَمْ يُعَيِّنْ لَمْ يَصِحَّ.
........ قوله: «وإن وكله في بيع فاسد فباع صحيحاً، أو وكله في كل قليل وكثير، أو شراء ما شاء، أو عيناً بما شاء ولم يعين لم يصح» تضمن كلام المؤلف أربع مسائل: المسألة الأولى: إذا وكله في بيع فاسد، فباع بيعاً صحيحاً، مثل أن يوكله في بيع جمل شارد فالتوكيل لا يصح؛ لأن البيع
حينئذ فاسد، فلو حضر الجمل فباعه بدون توكيل جديد لم يصح؛ لأن أصل الوكالة فاسد؛ إذ إن الموكل لا يملك بيع الجمل الشارد حتى يحضر، فإن علق الوكالة بحضوره فقال: متى حضر فأنت وكيل في بيعه، صحت الوكالة؛ لأنها تصح معلقة.
مثال ثانٍ: إذا وكله في بيع خمر، بأن كان عنده قلة خمر، فقال له: بعها، فبيعُ الخمر بيع فاسد، لكن الخمر تخللت بنفسها، وإذا تخللت بنفسها صارت حلالاً، فهل يملك الوكيل بعد أن تخللت بنفسها أن يبيعها؟
الجواب: لا؛ لأن أصل الوكالة غير صحيح، فلا يبيعها بعد ذلك.
مثال ثالث: باع شيئاً مجهولاً، بأن قال: وكلتك في بيع ما في بيتي من المتاع وهو مجهول، حتى الموكل لا يعلمه، لكن الوكيل ذهب وباعه قبل أن يعلم، فالوكالة تكون غير صحيحة والبيع غير صحيح، لكن لو ذهب ورآه، فهذا يأتي ـ إن شاء الله ـ الكلام عليه في كلام المؤلف إذا وكله في شيء مجهول.
المسألة الثانية: «أو وكله في كل قليل وكثير» هذا ـ أيضاً ـ لا يصح، إذا وكله في كل قليل وكثير، على أنه يشمل جميع الأجناس، وجميع الأنواع وجميع الأفراد، فهذا لا يصح، قال: اذهب إلى السوق وأنت وكيلي في كل شيء، في كل قليل وكثير، فوجد سيارات فاشترى له السيارات، ووجد إبلاً فاشتراها، ووجد بقراً فاشتراها، ووجد حميراً فاشتراها، أو طلق نساءه الأربع أو أعتق جميع عبيده؛ فهذا لا يصح؛ لأن هذا يعظم به الضرر، وفيه
جهالة عظيمة، هذه هي العلة؛ إذن نقول: الوكالة غير صحيحة، فليس للوكيل أن يتصرف.
أما لو عيّن نوعاً وقال ـ مثلاً ـ: اشتر لي أرزاً قليلاً كان أو كثيراً، ولو أتيت لي بكل ما في السوق، فهنا الخطر قليل، فالصحيح أنه جائز؛ لأن الموكل أراد أن يشتري جميع ما في السوق؛ لأجل أن يوزعه على الفقراء في وقت الحاجة.
المسألة الثالثة: «أو شراء ما شاء» قال: اشتر ما شئت، أنت وكيل عني، فلا يصح هذا؛ لأنه لو أتى له بقلم بخمسة ريالات وقال له: أنت وكلتني وقلتَ: اشتر ما شئت، وأنا اشتريت لك قلماً بخمسة ريالات، وهذا الرجل ممن يقتني الأقلام التي بمائتي ريال، أو ذهب واشترى له سيارة قيمتها مليون ريال، فهذا فيه خطر، ولا يصح.
أما لو عين النوع وقال ـ مثلاً ـ: أنا وكلتك لتشتري شاة لوليمة، فيشمل الصغيرة والكبيرة والسمينة والهزيلة، فهذا الخطر فيه قليل، ويتسامح فيه؛ لأنه مما جرت به العادة، لكن اشتر ما شئت بدون أن يذكر نوعاً، فهذا خطره عظيم ولا تصح الوكالة فيه.
المسألة الرابعة: «أو عيناً بما شاء ولم يعين لم يصح» كلام المؤلف فيه نظر.
مثاله: قال: اشتر لي الساعة الفلانية موديل كذا وصفتها كذا وكذا، فقال له: بكم؟ قال: بما تشاء، يقول بأن هذا لا يصح؛ لأنه ربما لا تساوي إلا عشرة، ويقول للبائع: أخذتها
بخمسين، فإذا جاء بها إلى الموكل قال: خذ هذه الساعة بخمسين، فقال: هذه لا تساوي إلا عشرة، قال: أنت قلت لي: اشتر بما شئت وأنا شئت أن أشتريها بخمسين، فهنا المؤلف يقول: لا يصح، لكن نحن نعلم علم اليقين أن الموكل لما قال للوكيل: بما شئت، فإنما وَكَلَهُ إلى أمانته، وليس من الأمانة أن يشتري ما يساوي عشرة بخمسين.
ولو عين له عيناً، وقال: اشترها، قال: بكم؟ قال: بما ترى أنه مناسب، فهذا يصح، وقد يقال: إنها داخلة في كلام المؤلف، وأنها لا تصح، وقد يقال: إنها غير داخلة؛ لأنه هنا لم يقيده بالمشيئة المطلقة، وإنما قيده بما يرى أنه مناسب، وهذا نوع من التخصيص فلا يكون كالمشيئة المطلقة.
مثال آخر: قال: اشتر للوفد الذين يحضرون إليَّ أو الضيوف شاة، فقال: بكم؟ قال: بما ترى أنه مناسب، فهذا جائز؛ لأن هذا وإن كان فيه شيء من الجهالة وربما يشتريها بثمن لم يخطر على بال الموكل، لكن مثل هذا يكون قليلاً، ومما يتسامح الناس فيه عادة، وحقيقة الأمر أن هذه مسائل فردية لكن ينبغي أن نعرف لها ضابطاً.
والضابط في ذلك: «أن كل ما دل عليه العُرف أو القرينة مما يحتمله كلام الموكل، وليس فيه محظور شرعي، فإنه صحيح»؛ وذلك لأن الأصل في المعاملات الحل، فإذا لم تخالف الشرع، ولم تخالف العُرف، ولم تخالف لفظ المتعامِلَيْنِ فإن الأصل فيها الصحة.
وَالوَكِيلُ في الخُصُومَةِ لا يَقْبِضُ وَالعَكْسُ بِالعَكْسِ وَاقَبِضْ حَقِّي مِنْ زَيْدٍ لا يَقْبِضُ مِنْ وَرَثَتِهِ إِلاَّ أَنْ يَقُولَ: الذي قِبَلَهُ وَلاَ يَضْمنُ وَكيلُ الإيداعِ إِذا لَمْ يُشْهِدْ.
قوله: «والوكيل في الخصومة لا يقبض» أفادنا المؤلف أولاً أنه يجوز التوكيل في الخصومة، يعني يجوز أن توكل شخصاً أن يخاصم عنك.
وهل يجوز قبول هذه الوكالة أو لا؟ في ذلك تفصيل فلا يخلو من أحوال ثلاثة: إما أن تعلم أنه محق، أو تعلم أنه مبطل، أو تتردد.
فإن علمت أن الموكل محق لكن خصمه خَصِمٌ جَدِلٌ، فهنا يجوز لك أن تقبل الوكالة في الخصومة، بل قد نقول: إنه يُشرع أو يجب؛ لأن في هذا استنقاذاً لحق أخيك، ونصرة له وللظالم ـ أيضاً ـ أما نصرته؛ فلأنك سبب لوصول الحق إليه، وأما نصرة الظالم؛ فلمنعه من الظلم.
وإذا علمت أنه مبطل لكنه اختار هذا الوكيل؛ لأنه وكيل جدلي يستطيع أن يقلب الباطل حقّاً، والحق باطلاً، فهنا لا يجوز أن تقبل هذه الوكالة؛ لقوله ـ تعالى ـ: ﴿وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
وإذا ترددت فالسلامة أولى، أي: لا تقبل الوكالة، فالإمام أحمد ـ رحمه الله ـ لا يعدل بالسلامة شيئاً، ولا سيما في أوقاتنا هذه عند تغير الزمان واختلاف الذمم.
فالذين يتوكلون ويسمون (بالمحامين)، فالمحامي إذا قال: هل يجوز أن أشتغل بالمحاماة؟
نقول: في هذا تفصيل، إن كنت تحامي عن شخص عاجز عن دفع الظلم عن نفسه فهذا خير، وهو دائر بين الوجوب أو
الاستحباب، وإن كنت تحامي من أجل أن تحصل على المال، سواء كان صاحبك محقاً أو مبطلاً، فهذا لا يجوز، وإن علمت أنه مبطل صار ذلك أشد تحريماً.
نرجع الآن ونقول: هل يجوز أن يوكل من يخاصم عنه؟
الجواب: نعم، يجوز.
فإذا قيل: ما الدليل؟ قلنا: لا حاجة لطلب الدليل؛ لأن الأصل في المعاملات الحل، فأي إنسان يطالبك بدليل أي معاملة، فقل: الدليل عليك أنت، هات الدليل على التحريم وأنا ألتزم به.
فإذا وكله في الخصومة فيقول المؤلف: إنه لا يملك القبض، فإذا وكل زيد عمراً أن يخاصم عنه خَصْمَه، فخاصمه وحكم القاضي للموكل، فهل للوكيل أن يقبض ما حصلت فيه الخصومة؟
يقول المؤلف: لا؛ لأن اللفظ لا يتناول القبض، ولأنه ربما يرضى في وكالة الخصومة من لا يرضاه في وكالة القبض، فربما يكون هذا الرجل قويّاً في الخصومة لكنه غير أمين، وربما لو قبض المال ذهب وأفسده، أو ادعى التلف، أو يؤذي صاحب المال في تخليصه منه، فقد أوكِّل في الخصومة من لا أرضاه في القبض.
وقال بعض أهل العلم: يُنظر في ذلك إلى قرائن الأحوال، فإذا كان الوكيل في الخصومة في بلد غير الموكل، فهنا القرينة تقتضي أن يقبض؛ لأن الموكل ليس حاضراً حتى يُقال: إن الموكل هو الذي يقبض، وقد جرت العادة في مثل هذا أن الوكيل
في الخصومة يقبض، إلا إذا نهاه وقال: أنت وكيلي في الخصومة ولكن لا تقبض شيئاً، فهنا لا يقبض على كل حال.
وحينئذ نقول: على القول الراجح لا تخلو المسألة من ثلاث حالات:
الأولى: أن يقول: أنت وكيلي في الخصومة والقبض، فهنا يملك الخصومة والقبض.
الثانية: أن يقول: أنت وكيلي في الخصومة لا في القبض، فيكون وكيلاً في الخصومة ولا يقبض.
الثالثة: أن يسكت، فالمؤلف يرى أنه لا يقبض.
والراجح أنه يرجع في ذلك إلى قرائن الأحوال، فإن دلت القرينة على أنه يقبض قبض، وإلا فلا، وإذا قلنا بهذا القول ولم يقبض صار مفرطاً فيكون عليه الضمان.
قوله: «والعكس بالعكس» الوكيل في القبض له أن يخاصم، يعني لو قلت: يا فلان أنت وكيلي، اقبض حقي من زيد، فإذا طلب الحق من زيد، وقال زيد: ليس له عندي شيء فأنكر، فهنا نحتاج إلى خصومة، فهل يملك الوكيل في القبض أن يخاصم؟
نعم والتعليل؛ لأنه قد لا يتأتى القبض إلا بخصومة، فالخصومة قد تكون أحياناً هي التي يتمكن بها من القبض، فلهذا إذا وكله في القبض فله أن يخاصم، هكذا قال المؤلف ـ رحمه الله ـ وأطلق، ولكن في الإطلاق نظر؛ لأنني قد أثق به في القبض لكنني لا أعتمد عليه في الخصومة؛ لكونه رجلاً ضعيفاً لا يمكنه
أن يحاج ولا يعرف أن يخاصم، وصاحبي الذي أنا أطلب منه رجل قوي في الخصومة، فيقول له: ما عندي لك شيء، ولا عندي لموكلك شيء، وإذا خاصم وكيلي في القبض غلبه، فهذا الكلام الذي قاله المؤلف فيه نظر.
بل نقول: إذا وكله في القبض، فإنه لا يملك الخصومة، إلا إذا قال: وإن احتجت إلى خصومة فخاصم، فإذا وكله في القبض ثم ذهب إلى الغريم، وقال: ليس عندي شيء، فهنا يرجع إلى موكله ويقول: الرجل أنكر، فهل توكلني أن أخاصم أو توكل غيري؟ لأن الإنسان ليس ملزماً، إذا وكل في شيء أن يتمه؛ لأن الوكالة عقد جائز، فإذا طلب الحق وقال المحقوق: ليس عندي لموكلك شيء، يجب أن يتوقف ولا يخاصم؛ لأنه قد يخاصم فَيُغْلَبُ والحقُ معه؛ لأن صاحبه خصم لدود، وهو ضعيف، فنقول: الوكيل في القبض لا يملك الخصومة، إلا بإذن خاص.
قوله: «واقبض حقي من زيد لا يقبض من ورثته» إذا وكله في قبض حقه من زيد، قال: يا فلان لي عند زيد عشرة آلاف ريال، فأنت وكيلي في قبضها، فذهب الوكيل إلى زيد ووجده قد توفي، فإن المال ينتقل إلى ورثته، فهل يقبض من الورثة؟
يقول المؤلف: لا يقبض من الورثة؛ لأن الوكالة تتقيد بما قيدها به الموكل، والموكل قال: اقبض
حقي من زيد، فوجد زيداً قد توفي، فإننا نقول: لا تقبض من الورثة، حتى لو قال الورثة: يا فلان أنت وكيل فلان؟ قال: نعم، قالوا: عند أبينا له كذا وكذا، تفضل وخذه، فإنه لا يتسلمه؛ لأن الموكل قال: اقبض حقي من زيد، وقد تتغير حال الموكل إذا علم أن غريمه قد توفي، ويكون قد ترك صغاراً وأيتاماً وعجائز، فيريد أن يبرئهم منه، وعلى هذا فماذا يصنع إذا كان لا يريد أن يأخذ من ورثته؟ يخبر الموكل، فيقول: إني وجدته قد توفي، فهل توكلني في أن أقبض من ورثته أو لا؟ فهو الآن بالخيار.
قوله: «إلا أن يقول الذي قِبله» الضمير يعود على الموكل أي: إلا إذا قال: اقبض حقي الذي قِبَلَ زيد ـ أي: من جهته ـ فاقبض حقي من زيد، هذا لا يقبض من الورثة، واقبض حقي الذي قِبَلَ زيد، فهنا يقبض من الورثة؛ لأنه وكله في قبض حقه دون تعيين من يقبضه منه.
فهنا فرق بين العبارات مع أن أكثر الناس لا يميز الفرق بين اقبض حقي من زيد، واقبض حقي الذي قبل زيد أو عند زيد، وما أشبه ذلك، لكن الواقع أن بينهما فرقاً واضحاً؛ لأن اقبض حقي من زيد عَيَّنَ المقبوض منه، واقبض حقي الذي قِبَلَ زيد لم يُعَيَّن المقبوض منه لكنه عيّن الجهة، لكن هذه المسائل الدقيقة لا أظن أن العوام يفرقون بينها، فالعامي إذا قال: اقبض حقي من زيد، فهو بمنزلة قوله: اقبض حقي الذي قبل زيد، فإذا علمنا يقيناً أن هذا هو المراد فإن الوكيل يقبض من الورثة، وإذا شككنا فالسلامة.
ومتى شككنا في ملك الشيء فخذوا بالسلامة، وكان الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ لا يعدل بالسلامة شيئاً، وأنت الآن إذا قبضت من الورثة وأنت شاك فقد أخذت ما ترددت فيه، لكن إذا
لم تقبض فليس عليك لوم، فأنت سالم، وعليه فمتى تردد الإنسان في الإمضاء أو التوقف فالسلامة التوقف.
قوله: «ولا يضمن وكيل الإيداع إذا لم يُشهد» وكيل الإيداع، مثاله: وكلتك أن تودع شيئاً عند شخص، فقلت: يا فلان هذه عشرة آلاف ريال اذهب بها إلى فلان وديعة عنده، ومعنى وديعة، أي: يكون حافظاً لها، فأخذها الوكيل وذهب بها إلى فلان، وأعطاها إياه بدون شهود.
يقول المؤلف: إنه لا يضمن الوكيل؛ لأنه لو فرض أن المُوْدَع أنكر فقال: ما أعطيتني وديعة، فقال له الوكيل: يا رجل جئت إليك في البيت وأعطيتك عشرة آلاف ريال، وقلت: هذه وديعة من فلان، احفظها له حتى يرجع من سفره، فأنكر، فهل يضمن الوكيل في الإيداع؟ أي: الذي وكلته أن يودعها عند زيد؟
يقول المؤلف: لا يضمن؛ لأن المُودَع يقبل قوله في الرد، فلو أن إنساناً ادعى أنه أودع شخصاً مالاً، وقال: رددته، فهل يلزمه شيء؟
الجواب: لا يلزمه؛ لأن الأصل براءة ذمته، فالوكيل لما لم يُشْهِدْ لم يكن مفرِّطاً؛ إذ لو قدر أنه أشهد وثبتت الوديعة عند المودَع، ثم ادعى ردَّها وقال: صحيح أنت أودعتني لفلان عشرة آلاف ريال لكنني رددتها عليه، فإنه يقبل قوله، فيكون إذن الإشهاد لا فائدة منه، سواء أشهد أو لم يشهد، فإن المودَع يقبل قوله في رد الوديعة، هكذا قال المؤلف ـ رحمه الله ـ.
ولكن في كلامه نظر، والصحيح أنه يضمن، إلا في حالين:
الأولى: إذا كان المُودَعُ شيئاً زهيداً، لم تجر العادة بالإشهاد عليه.
الثانية: إذا كان المُودَعُ رجلاً مبرِّزاً في العدالة، جرت العادة ألا يُشْهَدَ عليه إذا أودع؛ لأنه أمين عند الناس كلهم، فهنا نقول: إن المودِع الذي وكل في الإيداع لا يضمن؛ لأن الناس كلهم لا يقولون: هذا مفرط.
مثال ذلك: رجل أعطى شخصاً عشرة ريالات، وقال: أنا سوف أسافر وهذه الريالات العشرة، خذها واجعلها وديعة عند فلان وأعطاها إياه، فهل يضمن إذا لم يُشهد؟
الجواب: لا؛ لأنها شيء زهيد، فلو أن هذا الوكيل، ذهب وأتى بشاهدين، وقال: اشهدا أني أعطيت هذا الرجل عشرة ريالات وديعة، فإن الناس يستخفون به لا شك، ولا يعدون هذا مناسباً.
مثال آخر: رجل أعطى شخصاً دراهم، وقال: دعها أمانة عند شخص يحفظها لي، فذهب الرجل إلى رجل مبرز في العدالة، أمين عالم عابد حافظ، ليس كثير النسيان حتى نقول: خرف ونسي، ثم أودعها عنده، فإن العادة لم تجر أن يُشْهَدَ على مثل هذا.
فالصواب أن يقال: إن الوكيل، في الإيداع إذا لم يُشهد إن عُدّ مفرّطاً فهو ضامن وإلا فلا، ولكن كيف يعد مفرطاً؟
نقول: هو مفرط إذا لم يشهد مطلقاً إلا في حالين: إما لزهادة الوديعة، وإما لاعتبار المودَع.
وإذا قال قائل: ما الفائدة من الإشهاد إذا كان قول المُودَع مقبولاً في الرد؟
الجواب: الفائدة هو أنه قد لا يدعي الرد، فقد يكون عنده من الإيمان، ما يمنعه أن يدعي الرد وهو لم يرد، لكن ينسى فينكر الوديعة، فيقول: ما أودعتني، فحينئذ إذا لم يكن شهود فإن الوديعة تضيع، وإذا كان هناك شهود فلا تضيع؛ لأن الشهود سيثبتونها، وحينئذ يكون عدم الإشهاد فيه تفريط من الوكيل، فيضمن.
وتعليل كلام المؤلف أن الوديعة يقبل فيها قول المودَع إذا ادعى الرد فلا فائدة من الإشهاد، حتى لو أقر بأن قال: أودعتني ولكني رددتها.
فنقول: هذا التعليل صحيح من جهة؛ لكنه عليل من جهة أخرى، فنقول: يُشهد خوفاً من النسيان كما سبق.
فالمذهب إذاً أن لا يضمن مطلقاً، والقول الثاني يضمن مطلقاً، وهذا قول ذكره صاحب الرعاية، والقول الثالث التفريق بين ما يعد عدم الإشهاد عليه تفريطاً وما لم يُعَد، فما عد تفريطاً وجب عليه الضمان، وما لم يعد فلا، وهذا هو القول الراجح.
فصل
ٌ
والوَكِيلُ أَمِينٌ لاَ يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بيدِهِ بِلا تَفْرِيطٍ ويُقْبَلُ قَوْلُهُ في نَفْيِهِ وَالهَلاَكِ مَعَ يَمِينِهِ.
قوله: «والوكيل أمين» أمين بمعنى مؤتمن، فهو فعيل بمعنى مفعول؛ لأن المال حصل بيده بإذن مالكه، أفادنا المؤلف ـ رحمه الله ـ أن الناس الذين بأيديهم أموال الناس منهم أمناء ومنهم غير أمناء، فما هو الضابط للأمين من غير الأمين؟
نقول الضابط: (كل من كان المال بيده بإذن من الشارع أو بإذن من المالك فهو أمين، ومن كان في يده بغير إذن من الشارع أو من المالك فليس بأمين)، فلننظر ولي اليتيم: أمين، أذن له الشرع، ناظر الوقف: أمين، أذنَ له الواقف، المُوصَى إليه: أمين، أذن له الموصِي، المستأجر الذي تحتَ يده العين مؤجرة: أمين، أذن له المُؤجر وهلم جَرّاً.
والوكيل أمين؛ لأن العين حصلت بيده بإذن من الموكِّل، ومتى ترتفع الأمانة؟
ترتفع الأمانة إذا تعدى أو فرط، وصارت يده غير أمينة.
مثال ذلك: أودعت شخصاً عشرة آلاف ريال، وجعلها أمام عينه في الصندوق وبقيت في الصندوق لم يتصرف فيها، فهو الآن أمين؛ لأن الدراهم تحت يده بإذن من المالك، هذا الرجل احتاج يوماً من الأيام واستقرض هذه الدراهم، واشترى بها حاجة ثم ردها في يومها إلى الصندوق، فتزول أمانته؛ لأن يده صارت غير أمينة؛ لأنه تصرف في المال بغير إذن مالكه، وهذا من التعدي.
فإذا قال قائل: هو أخذ عشرة آلاف وردها في اليوم نفسه، وفي الصندوق نفسه؟
نقول: لكن ليس له حق أن يتصرف في عين مال الغير إلا بإذنه، وهذا لم يُؤذن له.
ولو فرض أن هذا الصندوق احترق وتلفت الأموال التي فيه، ومن جملتها عشرة الآلاف، وذلك بعد أن تصرف فيها وردها فإنه يضمنها؛ لأنه صار غير أمين بتصرفه فيها، أما لو أبقاها ولم يتصرف فيها، ثم احترق الصندوق فليس عليه ضمان؛ لأنه أمين، انتبه لهذه القواعد لأنها مفيدة جدّاً.
وقوله: «والوكيل أمين» ثم بين الحكم الذي يترتب على كونه أميناً فقال:
«لا يضمن ما تلف بيده» أي: من المال الذي ائتمن عليه.
قوله: «بلا تفريط» أي: ولا تعدٍ، وإنما لم يذكر المؤلف التعدي؛ لأنه إذا كان يضمن بالتفريط فضمانه بالتعدي من باب أولى، ولكن مع هذا الأولى أن يذكر، فشَرْطُ عدمِ الضمان ألا يفرط ولا يتعدى، والفرق بين التفريط والتعدي:
التعدي أن يفعل ما لا يجوز، والتفريط أن يترك ما يجب.
فما طُلب فعله فتركه يسمى تفريطاً، وما طلب الامتناع منه ففعله يسمى تعدياً.
ففي المثال الذي ذكرنا من قبل في مسألة الوديعة، إذا أخذ الدراهم التي أودعَها وتصرف فيها فهذا تعدٍّ، وإذا وضع الدراهم فوق سطح الصندوق، وغفل ثم سُرقت فهذا تفريط؛ لأنه ترك ما يجب، إذ إن الواجب عليه أن يحفظها فوراً بما تحفظ فيه عادة.
مثال آخر: الوكيل وكله في شراء ساعة، واشترى الساعة، ثم وضعها في بيته على رف يتناوله الصبيان، فأخذ الصبيان الساعة وخرَّبوها، فإنه يضمن؛ لأنه فرَّط.
مثال آخر: وكلته أن يشتري لي ساعة فاشتراها، ثم إنه نسي ساعته في البيت فوضع الساعة التي اشتراها لي في يده ـ يعني استعملها ـ فجاءها شيء وكسرها، فإنه يضمن؛ لأن هذا من التعدي.
مثال آخر: اشترى الساعة ووضعها في رف عال لا يتناوله الصبيان، ولكن أحد الصبيان كان بذيّاً، أتى بسلم، وصعد على الرف وأخذ الساعة وكسرها، فهنا لا يضمن؛ لأن هذا ليس تعدياً ولا تفريطاً، إذ إنه جرت العادة أن الناس يحفظون مثل الساعة وشبهها في الرفوف العالية عن الصبيان، وهذا الصبي خرج عن العادة.
فعلى كل حال، إذا تلف الشيء الذي تحت يده بتعدٍّ أو تفريط فهو ضامن، وبلا تعدٍّ ولا تفريط فهو غير ضامن.
قوله: «ويقبل قوله» أي: الوكيل.
قوله: «في نفيه» أي: في نفي التفريط.
قوله: «والهلاك مع يمينه» أي: ويقبل قوله في التلف، لكن «مع يمينه»؛ لأن كل من قلنا القول قوله فيما يتعلق بحق العباد فلا بد فيه من اليمين، أي: لو قال الموكل: إنك قد فرطت، فقال: لم أفرط، فالقول قول الوكيل لوجهين:
الأول: أن الأصل عدم التفريط.
الثاني: أن الموكل قد ائتمنه على ذلك، وإذا ائتمنه فإنه لا يصح أن يعود فَيُخَوِّنَهُ بدون سبب أو ثبوت شرعي.
وكذلك يقبل قوله في الهلاك، أي: تلف المال، مثل أن يقول: أخذت منك هذه السلعة لأبيعها لك لكن تلفت، فإنه يقبل قوله.
وهل يقبل قول الموكل في طلب التفصيل، بمعنى أن يقول الموكل: بأي شيء تلفت؟
الجواب: لا يلزم الوكيل أن يبين بماذا تلفت، ويكفي أن يقول قد تلفت، وإذا قال تلفت فهو أمين، لكن لا بد من اليمين كما سيأتي، لكن لو ادعى الوكيل الهلاك بسبب ظاهر، مثل أن يقول: المال تلف؛ لأن دكاني احترق، فالسبب الآن ظاهر، فيقال: هات بينة على أنه احترق، ولا بد، فإذا أتى ببينة قُبِلَ قوله أن المال الذي وُكِّلَ فيه مع المال الذي تلف.
وكذلك ـ أيضاً ـ لو قال: إنه انهدم عليه الدكان، نقول: هات بينة؛ لأن انهدام الدكان سبب ظاهر، فإذا أتى ببينة، وقال: إن المال الذي وكل فيه مع المال الذي تلف بانهدام الدكان، فإنه يقبل قوله.
فالخلاصة الآن أنه يقبل قوله في التلف، وهو الذي ذكره المؤلف بلفظ الهلاك ولا يُلزم بالتفصيل، فلا يقال له: بماذا تلف؟ وكيف تلف؟ ومتى تلف؟ لكن لو أنه ادعاه بسبب ظاهر، وقال: الدكان احترق أو الأمطار هطلت وهدمت البناء، أو ما
أشبه ذلك، نقول: أقم بينة على أنه حصل الحريق، أو أقم بينة أنه حصل الهدم.
فإذا ادعى الموكِّل أن المال لم يكن مع ما احترق، فالقول قول الوكيل؛ لأنه مؤتمن.
وَمَنْ ادَّعى وَكَالةَ زَيْدٍ فِي قَبْضِ حَقِّهِ مِنْ عَمْروٍ، لَم يلزَمْهُ دفعُهُ إِنْ صَدَّقَهُ وَلاَ اليمينُ إِنْ كَذَّبَهُ فَإِنْ دَفَعَهُ فَأَنْكَرَ زَيْدٌ الوَكَالةَ حَلَفَ وضَمِنَهُ عَمْرٌو، وَإِنْ كَانَ المُدْفوعُ وَدِيعةً أَخَذَهَا فإِنْ تَلِفَتْ ضَمَّنَ أيُّهما شَاءَ.
قوله: «ومن ادعى وكالة زيد في قبض حقه من عمرو، لم يلزمه دفعه إن صدقه» «وكالة» هنا مصدر مضاف إلى الفاعل، يعني ادعى أن زيداً وكَّلَه «في قبض حقه»، أي: حق زيد من عمرو، فأركان المسألة ثلاثة: زيد هو الطالب، وعمرو هو المطلوب، وعبد الله هو الوكيل، فجاء عبد الله إلى عمرو وقال: إن زيداً وكلني في قبض حقه منك، قال: أنت رجل صدوق دَيِّنٌ ورع، ولكن لا أعطيك، ولذا قال المؤلف: «لم يلزمه دفعه إن صدقه» أي: لم يلزم عمراً «دفعه» أي: الحق، «إن صدقه» أي: إن صدق مدعي الوكالة وهو عبد الله، فعمرو قال لعبد الله: أنا لا أقول لك إنك كاذب، فأنت رجل صدوق، وكأني أسمعه وهو يوكلك من أمانتك عندي وصدقك، لكن لن أسلمك، فنقول: لا يلزمه؛ لاحتمال أن زيداً ينكر التوكيل، ويقول: أنا ما وكلته، حتى لو كان صادقاً أنه وكله فزيد قد يكون ظالماً، فينكر الوكالة، فإذا قال: ما وكلته، فإنه يضيع حق عمرو، فيؤخذ الحق من عمرو مرتين؛ لأن زيداً الذي هو صاحب الحق سيقول لعمرو: حقي لم يصلني؛ لأني لم أوكل عبد الله، فإن له الحق.