كتاب البيع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- الشرح الممتع على زاد المستقنع
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
- الطبعة
- الأولى، 1422 - 1428 هـ
- عدد الأجزاء
- 15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
إن كان قد أقبضه إياه، وإن كان لم يقبضه إياه سقط عن ذمته.
وَإِذَا بَدَا مَا لَهُ صَلاحٌ فِي الثَّمَرَةِ واشتَدَّ الحَبُّ جَازَ بَيْعُهُ مُطْلَقاً وَبِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ
وللمشتَري تبقِيَتُهُ إِلى الحَصادِ والجَذَاذِ ويَلْزَمُ البائِعَ سَقْيُهُ إِن احْتاجَ إِلى ذلكَ وإنْ تَضَرَّرَ الأَصْلُ
قوله: «وإذا بدا ما له صلاح في الثمرة» يعني بالثمرة ثمرة النخل، وثمرة العنب، وكل ما يسمى ثمراً، وهو ما تخرجه الأشجار؛ لأن ما يخرج من الشجر ثمر، وما يخرج من الأرض زرع.
قوله: «واشتد الحب» أي: حب الزرع
قوله: «جاز بيعه مطلقاً» يعني بدون شرط، ودليل الجواز أن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه 1، وعن بيع الحب حتى يشتد 2؛ وجه الدلالة أن (حتى) للغاية، وما بعد الغاية مخالف لما قبلها، فإذا كان ما قبل بدو الصلاح واشتداد الحب محرماً كان ما بعده جائزاً.
وقوله: «جاز بيعه مطلقاً» يبين إطلاق قوله:
«وبشرط التبقية» وبشرط القطع من باب أولى، وعلى هذا فنقول في بيع الثمار بعد بدو صلاحها والحب بعد اشتداد حبه: له ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن يبيعه بشرط القطع، فإنه يصح البيع ويقطعه.
الحال الثانية: أن يبيعه بشرط التبقية، فهذا جائز.
الحال الثالثة: أن يبيعه ويسكت، فهذا جائز، والدليل نهي النبي صلّى الله عليه وسلّم عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها وعن بيع الحب حتى يشتد.
قوله: «وللمشتري تبقيته إلى الحصاد والجذاذ» للمشتري أن يبقيه إلى «الحصاد» وهذا في الزرع، «والجذاذ» وهذا في الثمر، وله أن يجذه قبل ذلك؛ لأنه ملكه، المشتري الآن ملك الثمرة فله أن يجذها قبل أن يأتي أوان جذها، وله أن يبقيها حتى يأتي أوان جذها، وكذلك في الزرع له أن يحصده قبل وقت الحصاد، وله أن يبقيه إلى وقت الحصاد؛ لأنه ملكه.
لكن هذا ليس على إطلاقه بل يقال بشرط ألا يتضرر الأصل بعد تأخيره عن وقت الحصاد والجذاذ، فإن تضرر فليس له ذلك، ويقال: إن ثمرة النخل إذا لم تجذ في أوان جذها ضرَّ النخلة، فإذا ثبت قلنا للمشتري: إذا جاء وقت الجذاذ لا بد أن تجذ ولا يمكن أن تؤخر؛ لما في ذلك من الضرر، كذلك وفي الحصاد إذا جاء وقت الحصاد وقال: ليس عندي آلة تحصد، نقول: لا بد أن تحصد؛ لأن الحق للبائع.
إذاً قول المؤلف: «تبقيته إلى الحصاد والجذاذ» يفهم منه أنه ليس له أن يبقيه إلى ما بعد ذلك إلا برضا البائع، وهو كذلك.
قوله: «ويلزم البائع سقيه» أي سقي الزرع، وسقي الثمر، والمراد سقي الشجر لكنه قيد ذلك بقوله:
«إن احتاج إلى ذلك وإن تضرر الأصل» بأن يكون الوقت حارًّا وتيبس أصوله فيضمر الثمر ويتغير، فنقول: يلزم البائع أن يسقيه حتى وإن الأصل.
فإن قال قائل: كيف نقول إنه يلزمه سقيه وإن تضرر
الأصل، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا ضرر ولا ضرار» (1)؟ قلنا: ليس هنا مضارة، البائع باعه والعادة جرت أنه يلزمه حفظه والقيام عليه إلى الجذاذ، فهو الذي ألزم نفسه بذلك، وهو الذي رضي لنفسه بالضرر فيلزمه.
وقوله: «إن احتاج إلى ذلك» مفهومه إن لم يحتج فإنه لا يلزمه، وهذا هو الصحيح، خلافاً للمذهب في هذه المسألة، حيث قالوا: يلزمه سقيه سواء احتاج أم لم يحتج، والصواب أنه لا يلزمه إلا إذا احتاج.
وَإِنْ تَلِفَتْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ رجَعَ عَلى البَائِعِ
قوله: «وإن تلفت بآفة سماوية» الضمير يعود على الثمرة، أي: إذا تلفت الثمرة بعد أن بيعت بعد بدو الصلاح بآفة سماوية مثل حر شديد أفسد الثمر، أو بَرَدٍ أسقط الثمر، أو جرادٍ أكلها، فالآفة السماوية أعم مما يظهر من لفظها، إذ إن المراد بها ما لا يمكن المشتري تضمينه، سواء كان بآفة سماوية لا صنع للآدمي فيه، أو بصنع آدمي لا يمكن أن يضمن، إما لسلطته أو لجهالته كما لو نزل الجند ـ الأعداء ـ فيما حول البلد وأتلفوا البساتين فهؤلاء لا يمكن تضمينهم، فيكون إتلافهم كالتلف بالآفة السماوية، وهذا قول وجيه.1
قوله: «رجع على البائع» أي: يرجع المشتري، على البائع بكل الثمن الذي دفعه له، والدليل قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا بعت من أخيك ثمراً فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حق» 1؟ وثبت عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه أمر بوضع الجوائح 2، واللفظ الأول مفصل: «إذا بعت من أخيك ثمراً فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حق».
فإن قال البائع: كيف أضمن وهو في ملك المشتري الآن؟
قلنا: لأن بيعك إياه التزام منك بحفظه والقيام عليه حتى يأتي وقت الجذاذ، فهي الآن في حفظك وإن كان المشتري قد ملكها وله أن يجذها، وله أن يبيعها، لكنها مضمونة عليك؛ لكونك أنت المطالب بحفظها إلى وقت الجذاذ.
يستثنى من ذلك ما إذا أخَّر المشتري جذها عن العادة فإن الضمان عليه لا على البائع، فإذا قدر أن المشتري تهاون في جذها في وقت الجذاذ حتى جاء المطر فأفسدها فهل يرجع على البائع؟ لا يرجع؛ لأنه هو الذي فرط، فإذا قال المشتري: أنا لي سيارات أجذ النخل وأحمله ولم تأت السيارات بعد، وتركها حتى فات وقت الجذاذ وتلفت بآفة سماوية، فهنا لا يرجع؛ لأن هذا التفريط من نفس المشتري فلا يرجع على البائع بشيء.
مسألة: إذا كان الذي حصل على الثمر ليس تلفاً ولكنه نقص، بمعنى أن بعض القنوان تغير، صار حشفاً فهل يضمن البائع النقص؟ نعم يضمن النقص؛ لأنه إذا ضمن الكل ضمن البعض.
فهذا التمر الذي حشف وصار لا يأكله إلا البهائم هو كالتالف في الواقع، فضمان النقص على البائع، فإن كان النقص بسبب المشتري، كأن يكون المشتري لا يعرف الجني والخراف ففسد الثمر، فهل يضمنه البائع؟ الجواب: لا؛ لأنه من فعل المشتري.
وإنْ أَتْلَفَهُ آدمِيٌّ خُيِّرَ مُشْتَرٍ بَيْنَ الفَسْخِ والإِمْضَاءِ ومُطَالَبَةِ المُتْلِفِ
وصَلاحُ بَعْضِ الشَّجَرةِ صَلاَحٌ لَها ولِسَائِرِ النَّوْعِ الَّذِي فِي البُسْتانِ
قوله: «وإن أتلفه آدمي خُيِّرَ مشتر بين الفسخ والإمضاء ومطالبة المتلف» إذا أتلف الثمر آدمي معين يمكن تضمينه، فللمشتري الخيار إن شاء فسخ البيع وحينئذ يكون الضمان على البائع، وإن شاء أمضى البيع وطالب المتلف؛ ولهذا قال: «والإمضاء ومطالبة المتلف».
ومن المعلوم أنه إذا كان الخيار له فسوف يختار ما هو أنفع له، فإذا قدر أن ثمن الثمرة زاد والمتلف تسهل مطالبته فما الذي يختاره؟ يختار الإمضاء ومطالبة المتلِف، فمثلاً إذا قدر أنه اشترى الثمرة بمائة، ثم جاء إنسان وأتلفها وصارت تساوي مائتين، أيهما أحسن أن يفسخ البيع ويأخذ مائة من البائع، والبائع يرجع على المتلف بمائتين؟ أو أن يأخذ من المتلف مائتين؟ الثاني لا شك، والعكس بالعكس، إذا كانت الثمرة قد نقصت فسيختار الفسخ ويرجع على البائع، وكذلك لو كان المتلف مماطلاً أو فقيراً والبائع غنياً فسيختار الفسخ، والعكس بالعكس، يختار الإمضاء.
فإذا قال قائل: كيف تخيِّرونه بين الفسخ والإمضاء، والثمرة ملكه، وقد تلفت على ملكه فإذا تلفت فليطالب من أتلفها؟
قلنا: هذا سؤال وجيه ووارد، لكن لما كانت الثمرة في ضمان البائع فعليه حفظها وحراستها، فكأنه هو المفرط في ذلك حتى أتلفه من أتلفه من الآدميين، فصح أن نقول للمشتري: إن شئت فافسخ البيع؛ لأنها وإن كانت في ملكك أيها المشتري لكنها في ضمان البائع، فهذا وجهه.
لكن لو قيل: بأنه لا يستحق الفسخ لكان له وجه؛ لأن حقيقة الأمر أن الثمرة تلفت في ملكه، ومطالبة المتلف ممكنة فلا يرجع على البائع، نعم لو تبين أن البائع مفرط كما سبق ورأى الرجل قد صعد الشجرة ليجذ الثمرة، فحينئذ نقول: القول بأنه يخير بين الفسخ وبين الإمضاء ومطالبة المتلف قول وجيه.
قوله: «وصلاح بعض الشجرة صلاح لها ولسائر النوع الذي في البستان» مثال ذلك: البستان فيه أنواع من التمر كالسكري والبرحي وأم حمام، بدا الصلاح في واحدة من البرحي يقول المؤلف: إن بدو الصلاح في هذه الشجرة صلاح لها ولسائر النوع، الذي هو البرحي، أما السكري وأم الحمام فلا يكون صلاح البرحية صلاحاً لهما؛ لأن النوع مختلف.
وظاهر كلام المؤلف أنه سواء بيع النوع جميعاً أو بيع تفريداً، بأن بعنا التي بدا صلاحها وانتقل ملكها إلى المشتري، ثم بعنا البقية من نوعها على آخرين، فالكل صحيح حيث ذكر
المؤلف أن صلاح بعض الثمرة صلاح لها ولسائر النوع الذي في البستان، وهذا أحد القولين في مذهب الإمام أحمد: أنه إذا بدا صلاح في شجرة فهو صلاح لها ولسائر النوع الذي في البستان.
أما المذهب فإنه إذا بِيعَ النوع جميعاً فصلاح بعض الشجرة صلاح للنوع؛ لأنه لما بيع جميعاً صار كأنه نخلة واحدة، وصلاح بعض النخلة صلاح لجميعها، فالعقد يقع عليها جميعاً، أما إذا أفرد فإنك إذا بعت ما بدا صلاحه ثم جددت عقداً لِمَا لم يبد صلاحه، صدق عليك أنك بعت ثمرة قبل بدو صلاحها، وقد نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها 1، والمذهب أصح مما هو ظاهر كلام المؤلف.
وقال بعض العلماء: إن صلاح بعض الشجرة صلاح لها ولنوعها ولجنسها، فمثلاً إذا كان عند إنسان بستان فيه عشرة أنواع من النخل، وبدا الصلاح في نوع منها جاز بيع الجميع صفقة واحدة، الذي من نوعه والذي ليس من نوعه، لكن المذهب لا يعتبرون ذلك، يعتبرون النوع، والمذهب أحوط وإن كان هذا القول قوياً جداً؛ لأن الصفقة واحدة واختلاف الأنواع لا يخرجها عن الجنس، والتمر جنس واحد كما في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه «التمر بالتمر مثلاً بمثلٍ» 2، فلما اعتبره النبي صلّى الله عليه وسلّم شيئاً واحداً قلنا: إنه إذا بيع جميعاً وقد لوَّن منه واحدة
كفى، لكن هل يجوز بيع العنب لأنه بدا صلاح ثمر النخل؟ الجواب: لا؛ لأنه ليس من جنسه فلكل واحدة حكم نفسها.
وبُدُوُ الصَّلاحِ في ثَمَرِ النَّخْلِ أَنْ تَحْمَرَّ أَوْ تَصْفَرَّ، وفي العِنَبِ أَنْ يَتَمَوَّهَ حُلْواً
وَفِي بَقِيَّةِ الثَّمَرِ أَنْ يَبْدُوَ فِيهِ النُّضْجُ ويَطِيبَ أَكْلُهُ، ومَنْ بَاعَ عَبْداً لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِبائِعِهِ
قوله: «وبدو الصلاح في ثمر النخل أن تحمر أو تصفر» وذلك للحديث المتقدم 1، ولأن ذلك علامة على نضجها، يعني أن تلون، ولون النخل إما أحمر وإما أصفر، ولا نعلم لوناً غير الأحمر والأصفر، ولو فرض أنه وجد بعض النخل أخضر، ثم إذا قارب النضوج صار أسود مثلاً، فالحكم يدور مع العلة، وتقييد ذلك بالاحمرار والاصفرار بناء على الغالب، وما جرى بناءً على الغالب فليس له مفهوم.
قوله: «وفي العنب أن يتموَّه حلواً» شرط شرطين: أن يتموَّه، وأن تظهر فيه الحلاوة، ومعنى يتموَّه يعني يلين، يصير ماءً؛ لأن العنب ما دام حصرماً فهو قاسٍ، فإذا لان فهذا هو التموُّه، لكن لا بُد مع ذلك أن يكون حلواً، احترازاً مما لو تموه بآفة كقلة الماء ـ مثلاً ـ فإنه لا يكون ذلك صلاحاً بل لا بد أن يتموه حلواً.
وعبر بعض العلماء بقولهم: «العنب أن يسود» قياساً على تلوين النخل، وهذا صحيح بالنسبة لما صلاحه باسوداده، لكن هناك عنب لا يسود، ولو بلغ الغاية في النضوج.
وربما يوجد ـ أيضاً ـ عنب لا يتموه، عنب قاسٍ ولو كان قد بدا صلاحه، ولهذا عبر بعض أهل العلم بعبارة جامعة قال:
«أن يطيب أكله» كما ذكره المؤلف في بقية الثمار، ولذلك يوجد الآن عنب موجود في الأسواق ليس متموهاً ولا مسوداً، بل أخضر قاس، ومع ذلك هو حلو يطيب أكله.
قوله: «وفي بقية الثمر أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله» هذا في بقية الثمر مثل البرتقال والخوخ والتفاح وغير ذلك، وكلها تدور ـ حتى ثمار النخيل وثمار العنب وغيرهما ـ على إمكان أكله واستساغته؛ لأنه إذا وصل إلى هذا الحد أمكن الانتفاع به، وقبل ذلك لا يمكن الانتفاع به إلا أحياناً، وهو ـ أيضاً ـ إذا وصل لهذه الحال من النضج قلّتْ فيه الآفات والعاهات.
ويستفاد من هذا النهي 1 أن الشارع ينهى عن كل ما يوجب الخصومة والبغضاء والعداوة؛ لأنه إذا حصل اختلاف ومنازعات صار هناك عداوة وبغضاء وخصومة، فلهذا نهى عنه النبي صلّى الله عليه وسلّم.
قوله: «ومن باع عبداً له مال فماله لبائعه» مناسبة ذكر هذه المسألة في باب بيع الأصول والثمار؛ لأن العبد أصل والمال فرع، فماله كالثمرة وهو نفسه كالأصل، فلهذا ذكروها في هذا الباب.
وقوله: «عبداً» هنا تشمل العبيد والإماء، يعني من باع مملوكاً له مال فماله لبائعه، قد يبدو للإنسان أن هناك تناقضاً في العبارة، «له مال» ثم قال: «فماله لبائعه»، فعلى هذا يرد على
المال الواحد مالكان وهذا غير ممكن، أن يرد على مال واحد مالكان من جهة واحدة، لكن قوله: «ومن باع عبداً له مال» اللام هنا ليست للملك ولكنها للاختصاص، كما تقول: للفرس لجام وللدابة مقود، وما أشبه ذلك، فاللام هنا للاختصاص.
إذاً ما هو المال الذي يكون للعبد؟ هو المال الذي اختصه سيده به، وقال له: خذ أيها العبد هذا المال اتجر به، سُكَّراً أو أرزاً أو سيارات أو غير ذلك أعطاه إياه، قال له: هذا بيدك أنت بعه واتجر به، نقول: هذا المال للسيد ملكاً وللعبد اختصاصاً.
إذاً قوله: «عبداً له مال» إضافة المال للعبد هنا إضافة اختصاص.
وقوله: «فماله لبائعه» هذه اللام في بائعه لام الملك يعني للتملك، فالمال للبائع، والدليل قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من باع عبداً له مال فماله للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع» 1، وهنا نسأل هل العبد يملك بالتمليك أو لا؟ يعني لو أن إنساناً رأى عبداً عليه ثياب رثة ويحتاج إلى ثياب تقيه البرد، فملَّكه ثوبه فقال: خذ هذا ثوباً لك، هل يملك هذا الثوب؟ الجواب: عموم قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «فماله للذي باعه» يشمل ما كان بيده اختصاصاً أو تملكاً وأنه لا يملك.
وقال بعض أهل العلم: إنه يملك بالتمليك، وفصَّل آخرون فقالوا: يملك بتمليك سيده دون غيره؛ لأن تمليك سيده إياه يعني رفع ملكه عن هذا الذي ملَّكه إياه، والحق للسيد، وعلى هذا يكون ما ملكه سيده ملكاً له، ليس لسيده، فيما بعد أن يرجع فيه
على سبيل الرجوع في الهبة، وللعبد أن يتصرف فيه كما شاء بدون إذن السيد؛ لأنه ملكه.
وظاهر الحديث العموم «فماله للذي باعه» حتى لو قلنا يملك بالتملك، صار الذي ملَّكه السيد له، وإذا كان له دخل في عموم قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فماله للذي باعه».
مسألة: إذا مات العبد وبيده مال أعطاه له السيد ليتجر به، وللعبد ابن حر، فمن الذي يرث هذا المال؟ إن قلنا: بأنه يملك بالتمليك فماله لابنه، وإن قلنا: لا، فماله للسيد، وقد ذكر ابن رجب في القواعد هذه المسألة وفرع عليها مسائل كثيرة، وهو اختلاف العلماء هل العبد يملك بالتمليك أو لا يملك؟
إلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَهُ المُشْتَري فإِنْ كانَ قَصْدُهُ المالَ اشتُرِطَ علمُهُ وسائِرُ شُرُوطِ البَيْعِ وإلاَّ فلا وثيابُ الجَمَالِ للبَائِعِ، والعَادَةِ للمُشْتَرِي.
قوله: «إلا أن يشترطه المشتري» «الهاء» في «يشترطه» تعود على المال، فإذا اشترط المشتري المال فهو له للحديث: «إلا أن يشترطه المبتاع» فهو نص في ذلك، وحتى لو لم يرد النص في هذا فإن عموم قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] يشمله؛ لأن الوفاء بالعقود يشمل الوفاء بأصل العقد ووصف العقد، والشروط المشروطة في العقد أوصاف له، ولحديث: «المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً» 1. لكن هنا يشكل علينا إذا قدرنا أن هذا العبد عنده عشرة آلاف ريال نقداً، واشتراه المشتري بمائة ألف، واشترط أن المال الذي معه يتبعه فتكون هذه المسألة من مسألة (مد عجوة ودرهم)؛
لأنه فيه دراهم ومع أحد العوضين من غير الجنس، فهل يصح هذا أو لا؟ الجواب: فيه تفصيل يقول المؤلف:
«فإن كان قصده المال اشتُرط علمه وسائر شروط البيع وإلا فلا» يعني إذا كان قصده المال فلا بد من علمه بالمال وسائر شروط البيع، أي: كل شروط البيع الثمانية، ولا بد أن يكون خالياً من الربا وإلا فلا.
إذاً كيف نعلم أن قصده المال أو أن قصده العبد؟ نعلم ذلك بالقرائن، إذا كان هذا الرجل محتاجاً إلى خادم ـ أعني المشتري ـ ويبحث عن رقيق يملكه ويجعله خادماً له، لكنه اشترط أن يكون ماله تبعاً له؛ لأنه لا يحب أن يصرف هذا العبد عن تصرفه الذي كان عليه من قبل؛ لأن المال لو أخذه البائع الأول ربما يتأثر العبد، فاشترط أن يكون ماله تبعاً له من أجل راحة العبد فهنا: لا يشترط علمه بالمال، ولا يشترط ألاّ يكون بينه وبين عوضه ربا، ولا يشترط أي شيء من الشروط، فلو قيل للمشتري: أنت اشترطت أن يكون ماله تبعاً له، فهل تعلم ماله؟ قال: لا، ما أعلمه، لكنني لا يهمني المال، يهمني العبد، قلنا: لا يضر أن تجهل المال؛ لأن قصدك العبد، لكن لو قال المشتري: قصدي المال، حيث إني رأيت هذا العبد يتجر في محل تجارة وهو ناجح، والمحل فيه أنواع من التجارة، فنقول: إنما الأعمال بالنيات، فما دام قصدك المال لا بد أن تجرد المال كله، حتى علبة الكبريت، ولا بد أن يكون هذا المال لا يجري
فيه الربا بينه وبين الثمن، فليفرد المال بعقد والعبد بعقد آخر، حتى لا ترد علينا مسألة «مد عجوة»، ولا بد أن يكون المبيع مشاهداً معلوماً، المهم أنه يشترط جميع شروط البيع.
فإذا قال قائل: ما الدليل؟ قلنا: عندنا حديث عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ هذا الحديث العظيم الذي تنبني عليه كل مسائل الدين وهو: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» 1، فإن كان يريدهما جميعاً فلا بد من علمه وسائر شروط البيع.
قوله: «وثياب الجمال للبائع، والعادة للمشتري» أي: ثياب الجمال للبائع؛ لأنها خارجة عن حاجة العبد، وأما ثياب العادة فهي للمشتري.
وهل تختلف الأعراف في هذا، بمعنى أن ثياب جمال في عُرف ثياب عادة في عرف آخر وبالعكس؟ الجواب: نعم لا شك أن هذا يتبع العادة في ذلك، فيقال: إن عُدَّ هذا من ثياب الجمال فهو للبائع، وإن عد من ثياب العادة فهو للمشتري.
فإن كان معه ساعة وقلم فهي للبائع؛ لأنها ليست من الثياب لكن على الأقل من المال.
بَابُ السَّلَمِ
قوله: «باب السَّلَمِ» السَّلمُ مأخوذ من التسليم والإسلام، ويقال: السلف، فزعم بعض العلماء أن السلف لغة الحجاز، وأن السلم لغة العراق.
وقال آخرون: بل هما بمعنى واحد، ويستعمل هذا هنا وهناك، وهذا هو الصحيح، والدليل على هذا أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم من الحجازيين، بعث في مكة وهاجر إلى المدينة وكلاهما من الحجاز، ومع ذلك يقول: «من أسلم في شيء فليسلم» 1، فالصواب الذي عليه المحققون من أهل اللغة أنه لا فرق بينهما، وأنّ أسلف وأسلم بمعنى واحد في لغة الحجاز والعراق، فهو إذن مأخوذ من التسليم؛ وذلك لأن المسلِم يقدم الثمن إلى المسلَم إليه، وأما السلف فهو مأخوذ من التقديم.
وصورة ذلك: أن تأتي لرجل فلاح وتقول: يا فلان خذ هذه عشرة آلاف ريال بمائة كيلو من التمر تحل بعد سنة، فهذا هو السلم؛ لأن المشتري قدم الثمن، والمثمن مؤخر.
والسّلم جائز بالكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح:
أما الكتاب فقوله ـ تعالى ـ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ
باب السلم
في وزن معلوم (2240)، ومسلم في البيوع/ باب السلم (1604) عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ واللفظ للبخاري.
بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282]. وقد استدل ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ بهذه الآية على جوازه 1؛ لأن قوله: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ يعم ما إذا كان الدين هو الثمن أو المثمن، فإن كان الدين هو المثمن فهذا هو السلم.
وأما السنَّة، ففي الصحيحين عن عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من أسلم في شيء فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم»، أو «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» 2.
وأما الإجماع فقد انعقد الإجماع على ذلك.
وجواز السلم هو القياس الصحيح الموافق للأصول خلافاً لمن قال: إن السلم على خلاف الأصول؛ لأنه بيع معدوم والواقع أنه ليس بيع معدوم في الحقيقة؛ لأنه بيع موصوف في الذمة، أنا لم أبع عليك شيئاً معدوماً ليس في ملكي حتى يدخل في الجهالة والغرر، هذا موصوف في الذمة، وأيضاً القاعدة أن كل ما ثبت بالشرع ليس مخالفاً للقياس، بل كل قياس يخالف ما جاء به الشرع فهو قياس باطل، لكنه قد يخفى دخول ذلك في القياس على بعض الناس فيظنه مخالفاً للقياس، فالصواب أن السلم على وفق القياس؛ لأن فيه مصلحة للبائع وللمشتري، أما المشتري فمصلحته أنه يحصل على أكثر، وأما البائع فمصلحته أنه يتعجل له الثمن.
ونقول فيما ادعي أنه على خلاف القياس: إنه على وفق القياس، ونبين ذلك، أو نقول: خالف القياس لمصلحة راجحة، والمحظور الشرعي إذا قابلته مصلحة راجحة أرجح منه أصبح جائزاً بمقتضى ترجح المصلحة، وإذا كان الشرع يحرم الشيء؛ لأن إثمه أكبر، فإنه يبيح الشيء إذا كانت مصلحته أكبر، ولهذا العبارة المشهورة (درء المفاسد أولى من جلب المصالح) هذه يجب أن تكون مقيدة بما إذا تساوت المفاسد والمصالح، أو غلب جانب المفاسد، وإلا فإنه قد يكون في بعض الأشياء مصلحة ومضرة فترجح المصلحة، فيحلل من أجل هذا الرجحان.
كذلك فإن السلم ينضبط بالصفات، ولهذا لا يصح فيما لا ينضبط بالصفات، فكيف يصح أن يكون مخالفاً للأصول وعلى خلاف القياس؟! بل هو القياس والأصول؛ وذلك لأن الشريعة الإسلامية واسعة سهلة ميسرة، والعقود فيها من هذه الجهة أربعة أنواع:
حالّ بحالٍّ، ومؤجّل بمؤجلٍ، ومؤجّل ثمنه معجّل مثمنه، ومعجّل ثمنه مؤجّل مثمنه.
الأول: الحال بالحال كأن تقول: اشتريت منك هذا الكتاب بعشرة ريالات، هذا حال بحال ولا إشكال فيه.
الثاني: المؤجل بمؤجل أن تقول اشتريت منك كتاباً صفته كذا وكذا تسلمنيه بعد سنة بعشرة ريالات مؤجلة إلى ستة أشهر، وهذا لا يصح؛ لأنه بيع كالئ بكالئ أي مؤخر بمؤخر.
الثالث: أن يعجل الثمن ويؤخر المثمن وهذا هو السلم.
الرابع: أن يعجل المثمن ويؤخر الثمن وهذا كثير في المعاملات.
ذكرنا الصورة الثانية: أن يكون كل من الثمن والمثمن مؤجلاً، وقلنا: هذا لا يصح، وهذا يقع كثيراً بين الناس اليوم، لكنهم لا يعلمون عن حكمه، فيشتري منه الشيء مؤجلاً ـ مثلاً ـ إلى سنة ثم يعطيه شيكاً مؤجلاً لمدة ستة أشهر، يعني لا يقبضه إلا بعد ستة أشهر.
فالثمن مؤجل والمثمن مؤجل، فهذا لا يصح؛ لأن كلًّا منهما مؤجل ولا بد أن يكون أحدهما أو كلاهما مقبوضاً، أما مع تأجيلهما فلا يصح.
فإن تأخر القبض بدون تأجيل، مثل أن يقول: اشتريت منك مائة صاع بر بمائة ريال ولم يسلمه، على أن يأتي به العصر أو الغد أو بعد غد لكن الثمن غير مؤجل هل يصح أم لا؟
المذهب: لا يصح، قالوا: لأن هذا بيع دَين بدين، إذ أنه ليس واحد منهما معيناً، لا عُيّن الثمن، ولا عُين المثمن.
ولكن الصحيح أن هذا صحيح، والمحظور أن يكون كل منهما مؤجلاً، أما إن لم يكن فيه تأجيل فإنه لا يشترط القبض، إلا شيئاً واحداً لا بد فيه من القبض، وهو بيع الربوي بجنسه.
فما السلم؟ هل هو بيع مستقل، أو نوع من البيع؟ الصحيح أنه نوع من البيع، لا يخرج عن كونه بيعاً.
وَهُوَ عَقْدٌ عَلَى مَوْصوفٍ فِي الذِّمَّةِ مُؤَجَّلٍ بِثَمَنٍ مَقْبُوضٍ بِمَجْلِسِ العَقْدِ وَيَصِحُّ بِأَلفَاظِ البَيْعِ والسَّلَمِ والسَّلَفِ
...
قوله: «وهو عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض بمجلس العقد» التعريف لا بد أن يكون جامعاً مانعاً وهو الحدّ، يعني يقال: تعريف، ويقال: حدّ، فهنا يصلح أن نقول: عَرَّفَ السَّلَم، ويصلح أن نقول: حَدَّ السلم، ويصلح أن نقول: تعريف السَّلَم كذا، وحدّ السلم كذا، والتعريف لا بدّ أن يكون جامعاً مانعاً، جامعاً لجميع أفراد المحدود، مانعاً لدخول غيره، فإن لم يكن مانعاً أو لم يكن جامعاً فإنه لا يصح.
فلننظر الآن إلى حد السلم:
قوله: «عقد على موصوف» احترازاً من المعين، فلا يصح السلم في المعين؛ لأنه لا حاجة إلى الإسلام فيه، ما دام حاضراً يباع بيعاً بدون أن يكون سلماً.
مثال ذلك: رجل عنده مائة صاع برٍّ في أكياس، فقال له آخر: أسلمت إليك مائة ريال بهذا البر، فهذا لا يصح؛ لأنه ليس على موصوف، فهذا على معين، إذاً لا يصح، حتى وإن كانا قد اتفقا على أن البائع لا يسلم هذا البر إلا بعد سنة فإنه لا يصح ولا يكون سلماً.
وقوله: «في الذمة» احترازاً من الموصوف المعين؛ لأن هناك شيئاً موصوفاً معيناً ليس في الذمة، مثل أن يقول: أسلمت إليك أربعين ألفاً بسيارتك التي في الكراج، صفتها كذا وكذا، فهذا موصوف معين فلا يصح السلم فيه؛ لأن هذا كالمعين الحاضر، فالمؤلف اشترط أن يكون موصوفاً في الذمة.
أما إن قال: أسلمت إليك هذه الأربعين ألفاً بسيارة بعد سنة فهذا يصح؛ لأنه موصوف في الذمة، ولم يعينه وليست موصوفة معينة في مكان معين.
وقوله: «مؤجل» أيضاً لا بد فيه من التأجيل، فإن لم يكن مؤجلاً فإنه لا يصح سلماً.
مثال ذلك: أن يقول: أسلمت إليك مائة الريال التي بيدي الآن بمائة صاع بر، فحكم هذا العقد لا يصح سلماً؛ لأن السلم لا بد أن يكون مؤجلاً، والدليل قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «فليسلف في شيء معلوم إلى أجل معلوم» 1. فهل قوله: «إلى أجل معلوم» الشرط في الأمرين جميعاً أن يكون أجلاً وأن يكون معلوماً، أو الشرط عائد إلى المعلوم فقط؟
إن قلنا بالأول فلا بد أن يكون مؤجلاً، وإن قلنا بالثاني فلا يشترط التأجيل، ولكن إن أجلت فليكن الأجل معلوماً.
ومن ثم اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ فمنهم من قال لا بد أن يكون له أجل، ومنهم من قال: لا بأس أن يكون بدون أجل.
والذي يظهر لي أنه يصح بدون أجل، ونقول: سمّه ما شئت: سلماً أو بيعاً؛ لأن هذا ليس فيه غرر ولا ربا ولا ظلم، ومدار المعاملات المحرمة ـ أي: معاملات المعاوضة ـ على هذه الثلاثة، الرّبا والظلم والغرر، وهذا ليس فيه غرر، وليس فيه ظلم، وليس فيه ربا.
وقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم «إلى أجل معلوم» يعود إلى علم الأجل، يعني لا إلى أجل مجهول، وهو الراجح.
وقوله: «بثمن مقبوض» يعني لا بد أن يكون الثمن مقبوضاً، فإن لم يقبض بطل ولم يصح، وإن أجل فمن باب أولى أنه يبطل.
وقوله: «بمجلس العقد» يعني لا بد أن يقبض المسلم إليه الثمن بمجلس العقد، فإن قبضه بعد التفرق فلا يصح، وهل يشترط أن يكون في المجلس الذي وقع فيه العقد، أو المراد ألا يتفرقا قبل القبض؟
الجواب: الثاني، فالمراد ألا يتفرقا قبل القبض، فلو اتفقا على السلم في السوق، ثم اصطحبا إلى بيت المُسْلِم وأعطاه الثمن من بيته وهما لم يتفرقا فالسلم صحيح؛ لأنه حصل القبض قبل التفرق، فمراد المؤلف بقوله: «في مجلس العقد» أي: ما لم يتفرقا، كما قلنا في خيار المجلس يمتد إلى أن يتفرقا ولو فارقا مجلس العقد، فالمهم ألا يتفرقا.
وجواز السلم من محاسن الإسلام، ويدل على هذا أن الفلاحين فيما سبق يحتاجون إلى دراهم، فيأتي الفلاح إلى التاجر فيقول: أعطني ـ مثلاً ـ مائة ريال، فيقول: لا أعطيك، فيقول: أعطيك بعد تمام ستة أشهر أو سنة بالمائة ريال مائة صاع برّ، فينتفع هذا وهذا، المسلم إليه ـ أي: البائع ـ منتفع بالثمن الذي قدم له، والمُسْلِمُ انتفع بأنه سوف يكون الثمن أقل من بيع الحاضر، يعني إذا كانت مائة الصاع بر تساوي خمسين سيسلم إليه أربعين؛ لأنه لا بد أن ينتفع، ولو أراد أن يُسلم إليه بالثمن العادي
ما قبل؛ لأنه لو أسلم إليه بالثمن الحاضر صار كأنه قرض، فيقول: بدلاً من أن أعقد السلم وأتعب معك خذ قرضاً.
فصار كل من المسلِم والمسلَم إليه مستفيداً منتفعاً، أما المسلم إليه فينتفع بالدراهم التي حصل عليها، وأما المسلم فينتفع بنقص الثمن؛ لأنه سيأخذها بثمن أقل، فهو من محاسن الشريعة في الحقيقة.
قوله: «ويصح بألفاظ البيع» يصح السلم بألفاظ البيع بأن يقول: اشتريت منك مائة صاع بر بعد سنة بهذه الدراهم، وإذا أراد المسلَم إليه أن يعقده فقال: بعتك مائة صاع بر تحل بعد سنة بمائة ريال، فيصح بألفاظ البيع.
إذا قال قائل: كيف يصح بألفاظ البيع؟
نقول: نعم؛ لأنه نوع من البيع، فالبيع أعم منه.
قوله: «والسَّلَم والسَّلَف» أي: يصح بألفاظ السلم والسلف مع أن السلف يُطلق أحياناً على القرض، لكن لما كان العقد على هذا الوجه تعين أن يكون سلماً لا قرضاً.
والصواب أن جميع العقود تنعقد بما دل عليه اللفظ عرفاً وأنها لا تتقيد بشيء؛ لأن هذه الأمور لم يرد الشرع بتعيينها وتقييدها، وليست من أمور العبادة التي يتقيد الإنسان فيها باللفظ، ويستثنى من ذلك على المذهب عقد النكاح، فإنه لا يصح إلا بلفظ إنكاح وتزويج، أو قول السيد لأمته: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك، ولكن الصواب ما ذكرناه، وأن جميع العقود تنعقد بكل ما دل عليها من قول أو فعل.
بِشُرُوطٍ سَبْعَةٍ: أحَدُهَا: انْضِبَاطُ صِفاتِهِ بِمَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ وَمَذْرُوعٍ وَأَمَّا المَعْدُودُ المُخْتَلِفُ كَالفَوَاكِهِ وَالبُقُولِ وَالجُلُودِ والرُّؤُوسِ والأوَانِي المُخْتَلِفَةِ الرُّؤُوسِ والأوْسَاطِ، كالقُماقِمِ والأَسْطَالِ الضَّيِّقَةِ الرُّؤُوسِ، والجَوَاهِرِ وَالحَامِلِ مِن الحَيَوَانِ، وكُلِّ مغْشُوشٍ،
.....
قوله: «بشروط سبعة» هذه الشروط قال بعض أهل العلم: إنها زائدة على الشروط التي للبيع؛ لأن هذه الشروط السبعة تشترط مع شروط البيع السابقة، فتكون زائدة على ذلك، ولكن الصحيح أن هذه الشروط بعضها داخل في شروط البيع السابقة وبعضها زائد عليها، وهي شروط للصحة ليست للزوم؛ لأن شروط اللزوم إنما هي الشروط في العقد، وأما شروط العقد فهي شروط لصحته.
قوله: «أحدها انضباط صفاته» أي: أن يكون انضباط صفاته ممكناً، وأما ما لا يمكن انضباطه فلا يصح السلم فيه لوجود الغرر والجهالة، ويحصل الانضباط بما ذكره المؤلف في قوله:
«بمكيل وموزون ومذروع» فقوله: «بمكيل» إما أن نجعل الباء بمعنى الكاف يعنى كمكيل وموزون ومذروع، وإما أن نجعل بمكيل، أي: بكيل مكيل؛ لأن انضباط صفاته بكيل ليس بمكيل، والمكيل هو الذي وقع عليه العقد، وانضباط الصفات يكون بالكيل والوزن والذرع، والظاهر أن المعنى الأول أحسن، وهو أن الباء بمعنى الكاف؛ لأنه سيأتي أن الصفات يمكن أن تنضبط بغير ذلك.
وقوله: «بمكيل» مثل البر.
وقوله: «وموزون» كاللحم، والسكر، وما أشبه ذلك.
وقوله: «ومذروع» كالأقمشة والفرش والحبال وما أشبهها.
وقد تقدم أنه يمكن الانضباط بالكيل وبالوزن وبالذرع؛ لأن
المكيال معروف، والصنجة التي يوزن بها معروفة، والذراع الذي يذرع به معروف.
لكن المعدود هل يصح فيه السلم؟
نقول فيه تفصيل: إذا أمكن انضباطه صح وإن لم يمكن فلا، فالبرتقال لا يمكن انضباطه؛ لأن بعضه صغير وبعضه كبير، والبطيخ لا ينضبط، وهلم جرّاً.
قوله: «وأما المعدود المختلف كالفواكه» فلا يصح السلم فيه؛ لأنه مختلف اختلافاً عظيماً، فبعض البرتقال مثل الأترج وبعضه مثل اليوسفي فتختلف اختلافاً عظيماً، فإذا قلت: أسلمت إليك مائة ريال بألف برتقالة فهذا لا يصح، إذ كيف نضبطها؟ لذلك لا يصح.
قوله: «والبقول» جمع بقل وهو الذي ليس له ساق من الزورع، مثل: البصل والكراث وما أشبه ذلك، فهذه ـ أيضاً ـ لا تصح؛ لأنها لا يمكن انضباطها، فأسلمت إليك مائة ريال بمائة حزمة من البصل، فهذا لا يصح؛ لأنه لا يمكن انضباطه، لكن لو جعلتها وزناً صح؛ لأنها لا تختلف.
قوله: «والجلود» أيضاً لا يمكن انضباطها، إذا قلت: أسلمت إليك ألف ريال بمائة جلد شاة فهذا لا يصح؛ لأنها تختلف اختلافاً عظيماً بالكبر والصغر والقوة وحسن السلخ؛ لأن بعض الذين يسلخون يأتي الجلد وكأنه منخل؛ لأنه لا يعرف أن يسلخ؛ وبعضهم يكون سلخه جيداً، وبعضه يُلحِقُ اللحم بالجلد، فالمهم أنه لا يصح في الجلود، وقال بعض الفقهاء: إنه يصح في
الجلود، إذا قال مثلاً: جلد رَباعية أو ثنية وعين السن، فإن هذا لا بأس به؛ لأن الاختلاف فيه يسير.
قوله: «والرؤوس» أي: إذا أسلمت إليك ألف ريال بمائة رأس شاة بعد سنة، فهذا لا يصح؛ لأن الرؤوس تختلف لا شك، حتى لو قلت: مائة رأس شاة رباعية ـ مثلاً ـ فهنا لا يصح؛ لأنه يختلف، فبعض الضأن إذا رأيت رأسه تقول: هذا رأس بقرة تقريباً، وبعضه يكون صغيراً جداً، فالمذهب لا يصح، لكن لو بعتها وزناً يجوز؛ لأن الوزن يضبطها.
قوله: «والأواني المختلفة الرؤوس والأوساط كالقُماقم» القُماقم نوع من الأواني يكون أسفلها واسعاً وأعلاها ضيقاً، فالأواني قسمان: قسم مختلف الرؤوس والأوساط وهي التي تكون منتفخة في الوسط ورأسها مضموم، فهذه لا يصح السلم فيها؛ لأن الصناعة فيما سبق صناعة باليد وقل أن تنضبط الصفة، أما الآن فالصناعة بالآلات، فإذا قلت: أسلمت إليك بأوانٍ من طراز كذا وكذا فيمكن ضبطه، بل وأشد ضبطاً من المكيل والموزون، أما فيما سبق فلما كانت الأواني تصنع باليد كان ضبطها صعباً.
وفهم من قوله ـ رحمه الله ـ: «المختلفة الرؤوس والأوساط» أنه لو كانت رؤوسها وأوساطها سواءٌ لجاز عقد السلم عليها؛ لأنه يمكن ضبطها، فمثلاً إذا كانت مثل العمود يمكن ضبطها بالمتر، فإذا ضبطنا أعلاها انضبط أسفلها؛ لأنها لا تختلف، أما التي تختلف فلا يجوز السلم فيها لما سبق.
هذا فيما كان في زمانهم، وأما في زماننا فإنه يمكن ضبطها، لكن يحدد من أي شيء هي.
وقوله: «والأسطال الضيقة الرؤوس» الأسطال جمع سطل، وهو معروف، والأسطال بعضها ضيق الرأس بمعنى أن أسفلها أوسع، وبعضها بالعكس أعلاها أوسع، وبعضها متساوٍ أعلاها وأسفلها، أما التي تساوى أعلاها وأسفلها فالسلم فيها جائز وصحيح؛ لأنها تنضبط بالصفة وليس فيها غرر، وأما ضيقة الرؤوس فلا يصح السلم فيها لعدم انضباطها؛ لأنه قد يكون رأسها ضيقاً والنسبة بينه وبين أسفلها العشر ـ مثلاً ـ وقد يكون الخمس، وقد يكون أكثر فهي مختلفة، فإذا كانت الأسطال متساويةً أعلاها وأسفلها فالسلم فيها جائز، وكل هذا كما قلت فيما كانت الصناعة فيه باليد، أما إذا كانت الصناعة بالآلات كما هو الموجود الآن، فإنه يمكن انضباطها ولو كانت ضيقة الرؤوس، ولهذا فالأباريق المعروفة الآن يمكن أن تحكم عليها بالدقة إذا قلت: من نوع كذا حجم كذا فإنها سوف تنضبط تماماً.
قوله: «والجواهر» وهي ما يلقط من البحر، وهي لا يمكن أن يسلم فيها؛ لأنها لا يمكن انضباطها؛ لأن من الجواهر ما يصل إلى الآلاف، ومنها ما لا يساوي العشرات؛ ولذلك لا تباع بالصفة، فلا يمكن أن تباع الجواهر إلا بالمعاينة؛ لأن انضباطها بالصفة غير ممكن.
قوله: «والحامل من الحيوان» فلا يمكن السلم فيه؛ لأنه يندر
جداً أن تجد حاملاً يمكن ضبط صفاتها مع حملها، وإن أطلقت فقلت: حامل فقط فلا صفة؛ لأن الحامل إن أردت أن تصفها وتصف حملها فهذا متعذر، وإن أطلقت فهذا فيه غرر؛ لأن هناك فرقاً بين الحامل الكبير حملها والحامل الصغير حملها.
وعُلمَ من قوله: «والحامل من الحيوان» أنه يصح السلم في الحيوان؛ لأنه يمكن انضباط صفاته، ولهذا أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ: «أن يأخذ على إبل الصدقة البعير بالبعيرين والبعيرين بالثلاثة» 1، وهذا عكس السلم، لكن يدل على جواز البيع بالصفة بالنسبة للحيوان.
وهل يشمل الحاملُ من الحيوان الأنثى من بني آدم إذا كانت حاملاً؟ نعم يشمل؛ لأن الإنسان يسمى حيواناً، لكنه حيوان ناطق، إذ أن الحيوان ما فيه الروح، لكن لا بد أن تقيّده بالنسبة للآدمي بقولك ناطق، ولهذا يعتبر قول القائل: يا حيوان، لواحد من البشر سبّاً يعزر عليه؛ لأن الإنسان ليس بحيوان مطلقاً.
قوله: «وكل مغشوش» لا يصح السلم فيه، وهذا ـ أيضاً ـ يقال فيما سبق، فإنه كانت توجد فضة مغشوشة وذهب مغشوش، ولا يعلم قدر الغش، أما الآن فإن قدر الغش معلوم يحكم عليه
بأدق ما يكون، فيقال: هذا الذهب من عيار كذا، وهذا من عيار كذا، وهذه الفضة فيها غش ونسبته كذا.
لكن إذا وجد مغشوشات أخرى لا يمكن انضباطها فلا يصح السلم فيها.
وَما يَجْمَعُ أخْلاَطاً غَيْرَ مُتَمَيِّزَةٍ كَالغَالِيَةِ وَالمعَاجِينِ فَلاَ يَصحُّ السَّلَمُ فِيهِ، وَيَصِحُّ فِي الحَيَوَانِ والثِّيَابِ المنْسُوجَةِ مِنْ نَوْعَيْنِ، وَمَا خِلْطُهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ كَالجُبْنِ وَخَلِّ التَّمْرِ والسَّكَنْجَبِينِ وَنَحْوِهَا.
قوله: «وما يجمع أخلاطاً غير متميزة كالغالية» الغالية أنواع من الطيب تخلط وتجمع، وكذلك ما يجمع من الأدوية أخلاطاً غير متميزة، قالوا: لا يصح السلم فيه؛ لأن الخلط غير المتميز مجهول، فإذا كان مجهولاً فإنه لا يصح.
وعلم من كلامه أنه إذا كانت متميزة فلا بأس، مثل أن يقال: هذه الأخلاط عشرة في المائة من كذا، وعشرة في المائة من كذا، وعشرة في المائة من كذا، فهنا تكون متميزة، وكذلك لو تميزت بالرؤية لا بالنسبة، بحيث تكون أخلاطاً لكن معروفٌ أنها متميزة فتظهر حبات وما أشبه ذلك، وكل هذا يعود إلى ما سبق من إمكان انضباط الصفة، فالبيع بالصفة أضيق من البيع بالرؤية.
قوله: «والمعاجين فلا يصح السلم فيه» وهذه المعاجين يستعملها الناس للمرضى، فلا يصح السلم فيها والعلة الجهل؛ لأننا لا ندري ما قدر المخلوط في هذه المعاجين من هذا النوع ومن هذا النوع، فلا يصح السلم فيه؛ لأنه لا يمكن انضباط صفاته، والصحيح أنه يصح السلم فيها؛ لأنه وإن كانت النسبة مجهولة لكنها قليلة والغرض من ذلك منفعتها.
قوله: «ويصح في الحيوان» هذا مطلق، فيشمل أي حيوان
من إبل أو بقر أو غنم أو حُمُر أو ظباء أو أرانب، والدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلّم استسلف من رجل بَكراً 1، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ قد أمره النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يجهز جيشاً فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ على إبل الصدقة البعير بالبعيرين والبعيرين بالثلاثة 2، فهذا دليل على جواز السلم في الحيوان، لكن لا بد من ضبطه، فيقال: ثني أو رباع أو جذع، سمين، ضعيف، متوسط، فلا بد أن يضبط، بكل وصف يختلف به الثمن.
وهل يستثنى من الحيوان شيء؟ نعم، الحامل كما سبق، فعليه يصح في الحيوان بشرط ألا يكون حاملاً.
قوله: «والثياب المنسوجة من نوعين» يصح السلم فيها مثل الخز منسوج من الحرير ومن القطن أو من الصوف، فيصح؛ لأن هذا معلوم وينضبط بالصفة فيصح السلم فيها.
قوله: «وما خِلطه غير مقصود كالجبن» الجبن فيه خلط وهو الإِنْفِحَّةُ، وهذه الإنفحة توضع في اللبن فيكون جبناً.
والإنفحة هي التي تكون في معدة الرضيع، الذي رضع أول مرة ثم ذبح، فهذا الذي في معدته جُبْن يجبِّن الأشياء، فلو وضعت منه شيئاً قليلاً في ماء وجدته يجمد، فهذا الجبن نقول: لا بأس به؛ لأن ما خلط فيه من الإنفحة غير مقصود.
قوله: «وخل التمر» يعني الماء الذي يوضع فيه التمر ليكون
خلاً فيصح السلم فيه، مع أن التمر غير معلوم لكنه غير مقصود، فالذي اشترى خل التمر إنما أراد الشراب (الخل) ولم يرد التمر، لكن قد يكون هناك فرق بين ما إذا كان التمر كثيراً فيزداد حلاوة، أو قليلاً فتنقص حلاوته.
قوله: «والسكنجبين» الظاهر أنه لغة غير عربية (1)، وهو نوع من الشراب، وعلى كل حال الضابط: (ما خلطه غير مقصود).
وكذلك ـ مثلاً ـ الخبز فيه الملح غير مقصود، فنأخذ بالضابط، وأما الأمثلة فلا عبرة بها.
قوله: «ونحوها» يعني فهذه السلم فيها صحيح؛ لأن خلطها غير مقصود.
الثَّانِي: ذِكْرُ الجِنْسِ والنَّوْعِ وَكُلِّ وَصْفٍ يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ ظَاهِرَاً وَحَدَاثَتِهِ وقِدَمِهِ
قوله: «الثاني» أي: من شروط السلم.
قوله: «ذكر الجنس والنوع» لا بد من معرفة الفرق بين هذه الأمور الثلاثة: الجنس والنوع والواحد بالعين.
الجنس: ما له اسم خاص يشمل أنواعاً.
والنوع: واحد الجنس.
والواحد بالعين: واحد النوع.
فالحب: جنس، والبر: نوع، وزنبيل من البر: واحد بالعين.
ففي السلم لا بد من أن نذكر الجنس والنوع، فإذا أسلمت1
إليك في بر وقلت: هذه مائة ريال بمائة صاع بر توفيني إياه بعد سنة، فإن ذلك لا يكفي؛ لأنك لم تذكر الجنس، بل لا بد أن تقول: أسلمت إليك مائة ريال بمائة صاع حب بر، حَبٌّ: هذا جنس، وبر: هذا نوع، فلا بد أن تقول هكذا، فإن قلت: بمائة صاع بر لا يصح، هذا ما ذهب إليه المؤلف وهو قول ضعيف.
والصواب: أنه لا يشترط ذكر الجنس؛ لأن ذكر النوع كاف، إذ أن مَنْ ذكر النوع فقد ذكر الجنس؛ لأن النوع أخص، والأخص يدخل في الأعم، فلا حاجة من ذكر الأعم، وهذا القول هو الراجح، بل هو ظاهر المذهب؛ لأن صاحب المنتهى ـ وهو العمدة في مذهب الإمام أحمد عند المتأخرين ـ لم يذكر ذكر الجنس، وعلى هذا فإذا قلت: أسلمت إليك مائة ريال بمائة صاع بر فلا بأس، لكن هذا البر يحتاج إلى ذكر نوع أخص؛ لأن البر في الواقع أنواع كما أن التمر أنواع، فنذكر النوع فنقول: بر حنطة، أو بر معية، أو بر لقيمي، كما هو معروف من هذه الأنواع في القصيم، وبناء على ذلك نقول: هل لا بد من ذكر الجنس الأعلى ثم الأوسط ثم النوع؟ أو نكتفي بالجنس الأوسط؟
الجواب: الثاني، وعلى هذا فلا يحتاج أن نقول: حب؛ لأن هذا هو الجنس الأعلى، فإذا قال: أسلمت إليك مائة ريال بمائة صاع حنطة، فإنه يكفي على القول الذي رجحناه.
بهذا نعرف أن الجنس قد يكون نوعاً باعتبار ما فوقه، ففي المثال الذي ذكرناه حَبٌّ جنس أعلى، بُرٌّ جنس أدنى، حنطة نوع،
فالمقصود ذكر الجنس الأدنى، يعني أقرب جنس للنوع هو الواجب ذكره، وأما الأعلى فلا حاجة لذكره.
فمثلاً: أسلمت إليك في بهيمة الأنعام، وأنواعها ثلاثة: إبل، وبقر، وغنم.
بهيمة الأنعام جنس، ثم الإبل جنس أدنى، ثم كونها بخاتي ـ ذات سنامين ـ أو ذات سنام، أو ما أشبه ذلك، هذا نوع.
والغنم جنس، وكونها ضأناً أو ماعزاً نوع، قد يقال: إنه ربما ينشأ من هذه الأنواع أنواع أخرى، فقد يكون الماعز ـ أيضاً ـ أنواعاً، والمهم أنه لا بد أن تذكر الجنس الأدنى، والنوع الذي يليه وهو أخص شيء.
والصواب الذي لا شك فيه أنه يُكتفى بذكر أخص شيء.
فمثلاً عندما نريد أن نسلم في تمر، فعلى كلام المؤلف لا بد أن نقول: تمر سكري، أي: أسلمت إليك مائة ريال بمائة صاع تمر سكري.
والصحيح أنه يكفي أن نقول: أسلمت إليك مائة ريال بمائة صاع سكري؛ لأنك إذا ذكرت النوع لزم منه ذكر الجنس.
قوله: «وكل وصف يختلف به الثمن ظاهراً» فمثلاً إذا كان ذا ألوان فتقول: أبيض، أو أحمر، أو أسود، وكذلك ـ أيضاً ـ إذا كان النسج في الثياب مختلفاً، يذكر الوصف الذي يختلف به الثمن اختلافاً ظاهراً، أما الاختلاف اليسير فإنه يعفى عنه؛ لأنه قل أن ينضبط الموصوف على وجه لا اختلاف فيه إطلاقاً،
ولهذا قال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ: كل سلم يختلف لا بد؛ لأنه مهما كان الإنسان في دقة الوصف لا يمكن أن يدرك كل الأوصاف، فمثلاً نسلم في سيارة فنحتاج إلى ذكر اللون؛ لأن الثمن يختلف به، ونذكر الموديل (الطراز)؛ لأن الثمن يختلف به، وهل هي غمارة أو غمارتان؟
ومما لا يختلف فيه الثمن ـ مثلاً ـ المسجل، فالسيارات تختلف فيه كأن يكون في بعض السيارات بالوسط، وفي البعض الآخر إلى جانب السائق، وكذلك يكون الحال في الساعة، بعضها يكون ـ مثلاً ـ فوق، وبعضها يكون أسفل، وبعضها يكون مائلاً للجانب الأيمن، وبعضها مائلاً إلى الجانب الأيسر، فهذه الأوصاف لا نذكرها؛ لأنها ليست ذات أهمية، ولا يرفع الإنسان بها رأساً، وكذلك بقية الأوصاف التي لا يختلف بها الثمن اختلافاً ظاهراً فإنه لا يجب ذكرها؛ لأن الإحاطة بها متعسرة.
قوله: «وحداثته وقدمه» يعني لا بد أن يذكر أنه جديد أو أنه قديم وهذا حق لا بد منه؛ لأن الثمن يختلف اختلافاً ظاهراً بين الجديد والقديم، فلا بد أن نقول في التمر؛ من تمر هذا العام، أو من تمر العام الماضي؛ لأنه يختلف اختلافاً ظاهراً، لكن كيف يكون من تمر العام الماضي؟!
الجواب: بأن يكون عنده مجبناً ـ يعني مكنوزاً في التنك ـ ويكون عنده قديم من العام الماضي، إذاً لا بد أن يذكر أنه جديد أو قديم.
ولا بد أن تذكر جودته ورداءته؛ لأن الجودة والرداءة يختلف بها الثمن اختلافاً ظاهراً.
وَلاَ يَصِحُّ شَرْطُ الأرْدَأ وَالأجْوَدِ بَلْ جَيِّدٌ وَرَديءٌ، فَإنْ جَاءَ بِمَا شَرَطَ أو أجْوَدَ منه مِنْ نَوْعِهِ وَلَوْ قَبْلَ مَحِلِّهِ وَلاَ ضرَرَ فِي قَبْضِهِ لَزِمَهُ أخْذُهُ.
قوله: «ولا يصح شرط الأردأ والأجود» أي: لو قال: من أجود ما يكون أو أردأ ما يكون، يقولون: إنه لا يصح.
مثاله: أسلمت إليك مائة ريال بمائة صاع حنطة أجود ما يكون، يقول المؤلف: لا يصح؛ لأنه ما من جيد إلا ويوجد أجود منه، وأجود ما يكون في هذا البلد قد يكون أردأ ما يكون في البلد الآخر، فماذا نعمل وهو يقول: أجود ما يكون؟! ثم حتى أجود ما يكون في البلد، قد يكون ما عرض في السوق أجود ما يكون في السوق، لكن في البيوت ما هو أجود منه، فاشتراط الأجود لا يصح.
والأردأ كذلك؛ لأنه ما من رديء إلا ويوجد أردأ منه، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ما قاله المؤلف أنه لا يصح شرط الأردأ ولا الأجود 1؛ والعلة هي أنه ما من جيد إلا ويوجد أجود منه، والأردأ نفس الشيء فما من رديء إلا ويوجد أردأ منه، إذاً فهذه الصفة لا يمكن تحقيقها، فلما لم يمكن تحقيقها صار كالذي لا يمكن انضباط صفاته كالجواهر وغيرها.
القول الثاني: يصح شرط الأردأ دون الأجود بأن يشترطه المسلم إليه، فإذا اشترط البائع الذي هو المسلم إليه أنه أردأ ما
يكون ورضي المسلم، وقال: نجري العقد على أردأ ما يكون صحَّ، وهذا هو القول الصحيح؛ لأنه إذا قال: أردأ، وقال: هذا أردأ ما يكون، وقبل المسلم فالحق له، إذ أن المسلم لا يمكن أن يقول للمسلم إليه: اذهب فابحث عن أردأ من هذا، وإلا لا أقبل، وحتى لو أمكن أن يقول هكذا فقد قال الفقهاء ـ رحمهم الله ـ: لو جاء إليه بأجود من حقه لزمه القبول، وإذا كان كذلك فأي مانع يمنع من صحة هذا الشرط؟ مع أن هذا الشرط في نظري حسب الواقع لا يقع؛ لأن المسلم إليه لا يقول: أردأ ما يكون، بل سيقول: سأبيعك طعاماً ليس بأجود شيء.
القول الثالث: أنه يصح شرط الأردأ أو الأجود ويحمل على ما يكون في سوق البلد، أي أجود ما يكون في السوق وأردأ ما يكون في السوق، وهذا معروف عند أهل العرف، والاختلاف الذي يمكن أن يقع فيه اختلاف لا يضر؛ لأنه ما من سلم إلا ويختلف كما قال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ.
فالمسألة فيها ثلاثة أقوال أقطعها للنزاع وأقربها للصواب هو الثاني، الذي هو شرط الأردأ دون شرط الأجود؛ لأن شرط الأردأ لو أراد المسلم أن يلزم المسلم إليه بطلب ما هو أردأ فإنه لا يلزمه حتى على المذهب، وإذا كان لا يلزمه فما المانع؟!
قوله: «بل جيد ورديء» أي: يصح أن يقول: جيد أو يقول: رديء.
ولو قال قائل: إن كلمة «جيد ورديء» قد تكون أشد جهالة
من الأجود والأردأ؛ لأن المسلم إذا جاءه المسلم إليه بما عقدا عليه البيع، قال: هذا ليس بجيد هذا رديء، وذاك يقول: جيد فيحصل النزاع لكن مع ذلك قالوا: إن هذا يصح؛ لأن هذه الأوصاف يمكن الإحاطة بها، وإذا اختلفا في كونه جيداً أو رديئاً يرجع إلى أهل الخبرة في ذلك.
قوله: «فإن جاء بما شرط» يعني من جيد أو رديء.
«إن جاء» الفاعل يعود على المسلم إليه، وقوله: «بما شَرَط» أي: المسلم، لزمه أخذه.
قوله: «أو أجود منه من نوعه» يعني كان المشروط عليه تمراً وسطاً، فَحَلَّ الأجل وجاء المسلم إليه بتمر جيد، فقال المسلم: بيني وبينك تمر وسط والآن جئتني بجيد فأنا لا أقبل، فهنا يقول المؤلف: يلزمه القبول.
فإذا قال المسلم: كيف تجبرونني أن أقبل هبة بدون رضاي؟
قلنا: إن هذا المسلم إليه لم يأت إليك بعين زائدة، يعني ليس الذي عليه مائة صاع جاء بمائتين إنما جاء بزيادةِ وصفٍ، فالمشروط عليه وسط فجاء بجيد، فلم يأت بأكثر مما وجب عليه، وهذا عبارة عن هبة وصف فيلزمك قبوله، كما قلنا بأن المُبْرأ لا يشترط رضاه، إذاً يلزمه.
وقوله: «من نوعه» أي: بأجود منه من نوعه، فلو كان الإسلام في سكري وأتى إليه ببرحي، والبرحي أكثر قيمة من السكري فهل يلزمه قبوله؟
الجواب: لا يلزمه؛ لأنه ليس من نوعه، فهنا ليس الاختلاف اختلاف صفة بل اختلاف ذات؛ لأنه أتى بنوع آخر فهنا لا يلزمه، وإذا أتى بغير جنسه ـ مثلاً ـ كان الإسلام في بر، ثم أتى إليه بتمر فهذا لا يجوز.
إذن الأقسام ثلاثة:
الأول: إذا أتى بأجود منه من نوعه لزمه القبول.
الثاني: إذا أتى بأجود منه من جنسه لم يلزمه القبول، لكن يجوز له القبول.
الثالث: إذا أتى بغير جنسه حرم القبول.
الأمثلة:
الأول: أسلم إليه في سكري فجاء بسكري أجود، يلزمه القبول.
الثاني: أسلم إليه في سكري فجاء إليه ببرحي لا يلزمه القبول، ولكن يجوز له القبول.
الثالث: أسلم إليه في تمر سكري وجاء إليه ببر، فلا يجوز القبول، حتى لو رضي؛ والسبب قالوا: إنه إذا أخذ عنه بدلاً من غير الجنس صار ذلك بيعاً، وبيع المسلم فيه لا يصح قبل قبضه وهذا على قاعدة المذهب وسيأتي.
أما القسم الأول: فإننا نرى أنه لا يلزمه قبوله إذا جاء بأجود من نوعه؛ لأن ذلك قد يُفضي إلى منَّة عليه في المستقبل، فيقول: أنا لا أريد أن أتحمل قبول الطيب عن الرَديء؛ لأني أعرف هذا الرجل، غداً يقطع رقبتي في المجالس، فيقول: أنا
أوفيته بأحسن من حقه وهذا جزائي، فأنا أحسن إليه وأعطيه أحسن من حقه ثم هو يسيء إلي! وهذا واقع؛ لأن كثيراً من الناس الآن يبطلون صدقاتهم بالمن والأذى، ولذلك يقول المسلِم: أنا أريد أن يعطيني حقي ولا أريد غيره.
فنرى أنه لا يلزمه إلا إذا علم أن هذا الرجل لا يمكن أن يمن عليه في المستقبل بذلك، فربما نقول: يلزمه؛ لأن هذا من باب التيسير على أخيك؛ لأنه إذا قال: أنا لا أقبل هذا، فسيذهب يبيعه في السوق، ثم يشتري له حسب شرطه، وقد يحصل بهذا تعب، وقد تحصل فيه ـ أيضاً ـ أجور تربو على الفرق بين الجيد والوسط، فإذا لم يكن عليه ضرر بالمنة لزمه الأخذ وإلا لم يلزمه.
وأما القسم الثالث: فنرى ـ أيضاً ـ أنه إذا جاءه بشيء من غير جنسه ورضي الآخر فإنه لا بأس به، مثل أن يقول: هذه مائة صاع من البر بمائة صاع تمر سكري ورضي المسلم إليه، فنرى أنه لا بأس بهذا؛ لأن البر والتمر ليس بينهما ربا فضل، وهنا إذا أحضره هو وسلمه إياه انتفى ربا النسيئة، فأي محظور في هذا؟ فليس فيه ربا ولا ظلم ولا غرر.
فنحن نخالف الآن المؤلف في مسألتين:
الأولى: وجوب قبول الجيد عن الوسط من النوع.
الثانية: جواز أخذ غير الجنس إذا أحضره وصار القبض قبل التفرق؛ لأنه لا يتضمن رباً ولا ظلماً ولا غرراً.
قوله: «ولو قبل محله ولا ضرر في قبضه لزمه أخذه» محِله بكسر الحاء بمعنى حلول، ومحَل بفتح الحاء بمعنى موضع أي: مكان، يعني: ولو قبل حلوله، فإذا قدرنا أنه يحل في رمضان وجاء إليه في رجب، لزمه قبوله، لكن اشترط المؤلف شرطاً وهو ألا يكون عليه ضرر في قبضه، والذي عليه الضرر هو المسلم، فإن كان عليه ضرر مثل أن يسلم إليه بتمر، أي: أعطاه دراهم على أن يأتيه بتمر في رمضان وجاءه بالتمر في رجب، فهنا جاء به قبل محله، فقال المسلم: لا أقبله، وقال المسلم إليه: تقبله؛ لأن هذا ثبت في ذمتي والتأجيل إرفاق بي، وأنا مسقط لهذا الإرفاق فلا بد أن تأخذه.
فقال المسلم: التمر الآن يملأ السوق، والتمر يكون رائجاً في رمضان، حيث يحتاج الناس إلى التمر في الإفطار، فالآن السعر نازل فعلي ضرر، ففي هذه الحال للمسلم أن يمتنع من قبضه؛ لأن عليه ضرراً.
وكذلك لو حدث خوف في البلد قبل حلول أجله، ـ مثلاً ـ حلول الأجل في رمضان، وحدث خوف في البلد في رجب، فجاء المسلم إليه بما أسلم فيه، فقال المسلم: أنا لا أقبله، البلد الآن مخوف وأخشى أن يُسطَى عليه ويؤخذ، فلا أقبله إلا في رمضان، فهل يلزم بقبضه؟
الجواب: لا؛ لأن عليه ضرراً، إذاً إذا جاء المسلم إليه بما وقع عليه العقد قبل حلوله لزم المُسلِمَ قبولُه، إلا أن يكون عليه
ضرر في قبضه، فلا يلزمه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا ضرر ولا ضرار» (1). وما هي العلة في وجوب القبول؟ الجواب: العلة: أن التأجيل إرفاق بالمسلم إليه، فإذا أسقط حقه من الإرفاق وقال: أنت جعلت الأجل إلى رمضان رفقاً بي، والآن أنا حصلت ما أسلمت إلي فيه فخذه، فهنا يلزم ذاك قبوله إذا لم يكن هناك ضرر؛ لأن في ذلك مصلحتين، مصلحة للمسلم ومصلحة للمسلم إليه، أما المسلم إليه فمصلحته تخلصه من هذا الدين وإبراء ذمته منه، وأما المسلم فلأنه عُجل له حقه، وما من أحد يعجل له حقه إلا كانت المصلحة له.
الثَّالِثُ: ذِكْرُ قَدْرِهِ بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ ذَرْعٍ يُعْلَمُ، وَإِنْ أَسْلَمَ فِي المَكِيْلِ وَزْنَاً، أوْ فِي المَوزُونِ كَيْلاً لَمْ يَصِحَّ.
قوله: «الثالث: ذكر قدره بكيل أو وزن أو ذرع يُعْلَم» يعني لا بد أن يذكر قدره بكيل في المكيل، ووزن في الموزون، وذرع في المذروع ولم يقل: أو عدٍّ؛ لأن العد فيه تفصيل، إن كان المعدود يختلف فإنه لا يصح الإسلام فيه، وإن كان لا يختلف صح الإسلام فيه.
قوله: «يعلم» يعني يعلم بين الناس ويكون معهوداً بينهم، لا أن يعلم بين الطرفين مثل الصاع والمد والرطل والوزنة والكيلو وما أشبه ذلك، فقوله: «يعلم» احترازاً مما لو قيد بشيء لا يعلم، مثل أن يقول: ملء هذا الإناء عشر مرات ـ مثلاً ـ لا يجوز؛ لأن هذا غير معلوم بين الناس؛ لأن هذا الإناء ربما يضيع، وحينئذ لا1
يبقى لنا شيء نرجع إليه، فلو قال ـ مثلاً ـ المسلم للمسلم إليه: أسلمت إليك بمائة ملء هذا الإناء، فإنه لا يصح؛ لأنه ليس معهوداً وقد يضيع، وحينئذ يحصل النزاع، والشرع جاء بسد كل ما يوجب النزاع.
مسألة: لو عينه بصاع فلان؟ يقول الفقهاء: يجوز لكن يبطل التعيين، فما دام أن صاع فلان هو صاع الناس فلا فرق، إلا أن بعضهم قال: إذا كان صاع فلان معروفاً فإنه يلزم الأخذ بالتعيين، ولكن الصواب أنه لا يلزم التعيين؛ لأن صاع فلان هذا ربما يتلف.
قوله: «وإن أسلم في المكيل وزناً، أو في الموزون كيلاً لم يصح»؛ لأنه يجب أن يقدر بالمعيار الشرعي، فالبر ونحوه يقدر بالكيل، والسكر واللحم وما أشبه ذلك يقدر بالوزن، فلو أسلم في المكيل وزناً، أو في الموزون كيلاً لم يصح، وهذا ما ذهب إليه المؤلف ـ رحمه الله ـ وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد.
والصواب: أنه يصح أن يسلم في المكيل وزناً، وفي الموزون كيلاً؛ لأنه معلوم، والتساوي هنا ليس بشرط، وإنما وجب في بيع الربوي بجنسه أن يقدر بالمعيار الشرعي؛ لأنه يشترط فيه المساواة، فلهذا لا يصح أن أبيع عليك وزن عشرة كيلوات من البر بعشرة كيلوات من البر؛ وذلك لأنه لا بد من التساوي في المعيار الشرعي، والمعيار الشرعي للحبوب ونحوها هو الكيل، وأما السلم فالمقصود انضباط الصفات والقدر، وهذا