الشرح الممتع على زاد المستقنعصفحات 134-173
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيع

صفحات 134-173
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
الشرح الممتع على زاد المستقنع
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
الطبعة
الأولى، 1422 - 1428 هـ
عدد الأجزاء
15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

آخر، فيقبل بالنسبة للمدة الماضية ولا يقبل بالنسبة للمدة المستقبلة، لو قال المالك في هذه الصورة: أنا أجرتك إياها لمدة أربعة أيام، وحصل الاختلاف بعد مضي يومين، فنقبل قول المالك فيما مضى من المدة، ولا نقبله فيما يستقبل؛ لأن خصمه ينكره، ويقول: ما أخذتها بأجرة، ولكن بإعارة.
وبهذا نعرف أن الأحكام تتبعض، وهذه قاعدة فقهية، بمعنى أنه إذا وُجد ما يثبت أحدها من وجه دون الآخر، حكمنا بالوجه الثابت وتركنا الوجه الذي لم يثبت، وهذه قاعدة مفيدة تنفعك في مسائل عديدة، ونظير ذلك رجل ادعى على آخر أنه سرق منه مالاً من بيته وأتى بشاهد على ذلك رجل وامرأتين، فهذه الصورة تضمنت حكمين ضمان المال، وقطع اليد، الحد لا يثبت برجل وامرأتين، وإنما يثبت بشهادة رجلين، والمال يثبت بشهادة رجل وامرأتين، ففي هذه الحال نقول: يضمن السارق المال ولا تقطع يده، فهذه صورة واحدة تضمنت حكمين مختلفين لوجود مقتضي أحدهما دون الآخر، فتتبعض الأحكام.
وقوله: «أو بالعكس» قال المالك: أعرتك، قال: بل أجرتني، نقول: إن كان عقب العقد فالقول قول مدعي الإعارة، ومدعي الإعارة في هذه الصورة هو المالك؛ لأن الأصل عدم عقد الإجارة، فإذا قال المالك: أعطني إياها، أعطاه إياها.
أما لو كان ذلك بعد مضي مدة، فالقول قول المالك ـ أيضاً ـ وإن كان مدعي الإعارة، لكنه إذا كان هو مدعي الإعارة فإنه لا أجرة له إذا مضت المدة، يعني بعد أسبوع قال المالك: إني

معيرك إياها، وقال من هي بيده: بل هي بالإجارة، وهنا قد يقال: كيف يدعي من هي بيده أنها بالإجارة والمالك يدعي الإعارة؟ نقول: نعم، إذا تلفت فالأحظ للمالك أن يقول: هي عارية؛ من أجل أن تضمن سواء تعدى أو فرط أو لم يتعدَّ ولم يفرط، لكن لو ثبت أنها إجارة لا يضمن إلا بتعدٍّ أو تفريط.

وَإنْ قَالَ: أَعَرْتَنِي، أَوْ قَالَ: أَجَّرْتَنِي، قَالَ: بَلْ غَصَبْتَنِي، أَوْ قَالَ: أَعَرْتُكَ، قَالَ: بَلْ أجَّرْتَنِي وَالبَهِيمَةُ تَالِفَةٌ، أَوْ اخْتَلَفَا فِي رَدٍّ فَقَوْلُ المَالِكِ.

قوله: «وإن قال» أي: من هي بيده.
قوله: «أعرتني أو قال: أجرتني قال: بل غصبتني» أي: أخذتها مني غصباً، يقول المؤلف: القول قول المالك: أنها غصب، وإنما يقول المالك: إنها غصب؛ من أجل أن يضمن الغاصب المنفعة والعين؛ لأنه لو كان مُعِيراً فالمنفعة غير مضمونة على من هي بيده، ولو كان مُؤجِّراً فالمنفعة ـ أيضاً ـ للمستأجر وهي مضمونة عليه بالأجرة، وقد سلَّمها، لكن لو تلفت العين بلا تعدٍّ أو تفريط لم يضمنها، والغاصب يضمن سواء تعدى أم فرط، أو لم يتعدَّ ولم يفرط، ويضمن العين والمنفعة وكل ما يترتب على الغصب من نقص.
قوله: «أو قال» أي: المالك.
قوله: «أعرتك، قال: بل أجرتني والبهيمة تالفة» يعني أو غير تالفة في مسألة الإجارة فالقول قول المالك، فلو قال المالك: أعرتك، قال من هي بيده: بل أجرتني، والبهيمة تالفة، وإذا كانت تالفة وثبت أنها عارية فضمانها يكون على المستعير سواء فرَّط أم لم يفرِّط، وهذا على المذهب، وإذا كانت إجارة لم يضمن إذا لم يتعدَّ أو يفرط، فيقول المؤلف: إن القول قول

المالك، وإن لم تكن تالفة؛ لأن الأصل فيمن قبض مال غيره ـ كما سبق ـ الضمان.
قوله: «أو اختلفا في رد فقول المالك» «اختلفا» يعني المعير والمستعير في رد العارية فالقول قول المالك، مثاله: أعار إناء لشخص، ثم جاء يطلبه منه، فقال المستعير: رددته، وقال المعير: لم ترده، فالقول قول المالك؛ لأن الأصل عدم الرد، وبناء على القاعدة المعروفة عند الفقهاء: أن من قبض العين لمصلحة نفسه لم يُقبل قوله في الرد، والمستعيرُ العينُ في يده لمصلحته، فإذا قال: رددتها عليك، قلنا: لا نقبل قولك إلا إذا أتيت ببيِّنة بأنك رددتها، فلو أتى المستعير ببينة أنه رد العارية فإنه يقبل قوله بالبينة، وكل كلام المؤلف في هذه الخلافات فيما إذا لم يكن هناك بينة، أما إذا كان هناك بينة فالبينة قاضية على كل شيء.
وهل هذه هي مسألة المخزومية 1؟ لا، المخزومية تجحد، تقول: ما أعرتني، وهذا يقول: أعرتني ولكن رددتها عليك، وبينهما فرق؛ فإذا ثبت أن هذا لم يردها فإننا لا نقطع يده، لكن الجحد يقتضي أن لا يُطالَب هذا الذي ادُّعِي عليه العارية إلا إذا ثبت أنه مستعير، فبينهما فرق واضح.
ويتفرع على القاعدة السابقة: «أن من قبض العين لمصلحة

نفسه لم يقبل قوله في الرد»، أنه إذا كانت المنفعة لصاحب العين لا لمن هي بيده، فهل يُقبل قوله في الرد؟ نعم يقبل، مثل: الوديعة، كرجل أودع عند إنسان شيئاً ثم جاء يطلبه، فقال المُودَع: إني قد رددته عليك، فهنا القول قول المُودَع؛ لأنه إنما قبض العين لمصلحة مالكها، فهو كالوكيل له في حفظها.
أما إذا كانت المنفعة لمصلحتهما جميعاً كالعين المستأجرة، فإن العين المستأجرة بيد المستأجر لمصلحته ومصلحة مالكها، فهي لمصلحته من أجل استيفاء المنفعة التي تم العقد عليها، ولمصلحة مالكها من أجل الأجرة المتفق عليها، فهل نقول: القول قول المستأجر، أو نقول القول قول المُؤجِّر؟ الفقهاء ـ رحمهم الله ـ يغلبون جانب الاحتياط، يقولون: إذا كانت العين بيد الإنسان لمصلحة الطرفين، وادعى ردها فإنه لا يُقبل إلا ببيِّنة، وظاهر كلامهم في هذا: أنه لا فرق بين الرجل المعروف بالصدق والأمانة والحفظ، والرجل المعروف بالكذب والخيانة والنسيان، ولكن لو قيل بأنه يجب النظر إلى القرائن أولاً، فإذا لم يكن قرينة فالقول ما ذهب إليه الفقهاء ـ رحمهم الله ـ، أما مع القرينة فلا ينبغي أن يُقال: إن القول قول المالك، أو قول من هي بيده، بل يرجع إلى ما تقتضيه القرينة، وهذا هو الأقرب للصواب؛ لأن قرائن الأحوال شواهد بمنزلة البينة، فلو أن شخصاً أعار رجلاً أميناً صدوقاً حافظاً، ثم جاء يطلبه فقال المستعير: قد رددته عليك، وقال المعير: لم ترده عليّ، والمعير معروف بالنسيان، فهنا لا يسوغ أن نقول: إن القول قول المعير؛ لأن هذا الذي

ادعى الرد ثقة صدوق حافظ، فيكون القول قوله لكن لا بد من اليمين.
والقرائن تعمل عملها، أرأيتم الحاكم الذي حكم بين يوسف ـ عليه السلام ـ وبين امرأة العزيز، ماذا قال حينما دافع يوسف ـ عليه السلام ـ عن نفسه؟ ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ [يوسف: 26] وهي ادعت أنه أراد بها سوءاً؟ فهنا الحاكم حكم بالقرينة، ولم يحكم بالبراءة للمرأة، ولا ليوسف ـ عليه الصلاة والسلام ـ ولكن قال: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ *﴾ [يوسف] لأنه إذا كان من دبر فمعناه أن الرجل هرب منها ولَحِقَته فأمسكت بقميصه، وإذا كان من قُبُل فالمرأة هي المدافعة عن نفسها حتى مزقت القميص، فهذه قرينة.
كذلك القسامة: في القتل يُحكم فيها بالقرينة، ويُهدر الأصل، والقسامة أن يدعي جماعة على قبيلة أنهم قتلوا صاحبهم، وكان بينهم عداوات، وأولياء القتيل ليس عندهم بينة، لكن حلفوا أن فلاناً من هذه القبيلة هو الذي قتل قتيلهم، فالأصل عدم ذلك وهذا قتل نفس، لكن لوجود القرينة وهي العداوة الظاهرة بين القبيلتين تُجرى القسامة، وإذا حلف أولياء المقتول خمسين يميناً أن هذا الرجل هو الذي قتل صاحبهم قُتِل، فهذا حكم بالقرينة، فينبغي أن يقال: إن إطلاق الفقهاء في مثل هذا ما لم تقم قرينة قوية تغلب على الأصل، فإذا وجد قرينة قوية تغلب على الأصل فإنه يُعمل بها.

وقد تكون القرينة أقوى من البينة، ففي المثال السابق المستعير رجل أمين صدوق حافظ، وادعى أنه رد العارية، وصاحب العارية بالعكس، فهنا يكاد الإنسان يشهد أن القول قول المستعير، فقد تكون هذه القرينة أقوى من أن يأتي بشاهد واحد ويحلف معه، أو يأتي بشاهدين أو شاهد وامرأتين، فعلى كل حال ما ذكروه ـ رحمهم الله ـ في هذه المسائل ينبغي أن يُقيد بما إذا لم توجد قرينة قوية تؤيد أحد المدعيين فيُعمل بها.
مسألة: متى يجب على المستعير أن يرد العارية؟ الجواب: يجب على المستعير أن يرد العارية في أحوال منها: الأولى: إذا انتهت المدة إذا كان قد قدر لها مدة.
الثانية: إذا طلبها صاحبها.
الثالثة: إذا خاف عليها من سراق أو غيرهم.
الرابعة: إذا سافر المستعير.
الخامسة: إذا تم انتفاعه بها لما استعارها من أجله، كأن يستعير شخص كتاباً؛ لأن عنده اختباراً فإنه يلزمه رده بمجرد أن ينتهي اختباره.

بَابُ الغَصْبِ

وَهُوَ الاسْتِيلاَءُ عَلَى حَقِّ غَيْرِهِ قَهْراً بِغَيْرِ حَقٍّ مِنْ عَقَارٍ وَمَنْقُولٍ

.......... قوله: «الغصب» مصدر غَصَب يغصِب غصباً بمعنى قهر، وفي الاصطلاح عرَّفه المؤلف بقوله: «وهو الاستيلاء على حق غيره قهراً بغير حق».
فقوله: «حق غيره» سواء كان مِلكاً أو اختصاصاً، فالملك كالدراهم والسيارات وغيرها، والاختصاص كالشيء الذي لا يُملك ولكن صاحبه أخص به، مثل كلب الصيد فإن كلب الصيد لا يملك ولذلك لا يباع ولا يشترى، ومثل السرجين النجس كرَوث الحمير مثلاً، فإن صاحبه أخص به وليس بمال؛ ومثل خمر الذمي، فإنه أخص بها وهي بالنسبة للمسلمين ليست بمال وبالنسبة للذميين مال.
وقوله: «قهراً» خرج به السرقة، والاختلاس، والانتهاب، وما أشبه ذلك؛ لأن السرقة، والاختلاس، والانتهاب ليست قهراً.
وخرج به ـ أيضاً ـ ما لو استولى على مال الغير باختيار الغير، ولكن إن كان الغير مختاراً على سبيل الإكراه كأن يوليه على ملكه على سبيل الإكراه، فإن هذا لا يُعد إذناً.
وقوله: «بغير حق» خرج به ما إذا استولى عليه بحق، فإذا استولى عليه بحق فإنه ليس بغاصب، مثال ذلك: أَخْذُ الولي

أموال اليتامى وحفظها والقيام عليها والاتجار بها وما أشبه ذلك، هذا حق، فلا يُعد الولي إذا أخذ مال اليتيم وتصرف فيه ببيع وشراء لمصلحة اليتيم، لا يعد غاصباً، وكاستيلاء الحاكم على مال المفلس ليبيعه ويوفي الغرماء فإن هذا بحق.
إذاً فقوله: «الاستيلاء على حق غيره» جنس، وقوله: «بغير حق» فصل.
قوله: «من عقار ومنقول» هذا بيان للحق، يعني سواء كان الحق عقاراً، كالأراضي، والأشجار، والبيوت، أو كان منقولاً، وهو ما يُنقل عادة مثل السيارات، والأثاث من فُرُش وغيرها، وكذلك الأغراض اليدوية كالساعة، والقلم، وغيرها.
وأشار المؤلف بقوله: «ومنقول» إلى رد قول من يقول: إن الغصب خاص بالعقار، والصواب أنه يكون في العقار والمنقول.
ولم يُفصِح المؤلف ـ رحمه الله ـ بحكمه الشرعي، وحكمه الشرعي أنه حرام، لقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ *﴾ [البقرة] وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29] وإذا كان في حق اليتامى ونحوهم من القُصَّار صار أشد إثماً كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا *﴾ [النساء].
والدليل من السنة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم خطب المسلمين في أوسع

تجمع لهم في حجة الوداع حيث قال: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» 1 وثبت عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» 2 وثبت عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوَّقه الله به يوم القيامة من سبع أرضين» 3 والعلماء مجمعون على تحريمه في الجملة، أي على أنه يحرم على الإنسان أن يأخذ مال أخيه بغير حق، والمصلحة تقتضي تحريمه لما يحصل به من العدوان على أموال الناس والفوضى.
وهل هو من كبائر الذنوب؟ الجواب: ليس هناك نص عام على أن الغصب من كبائر الذنوب، لكن هناك أشياء من الغصب جعلت شرعاً من كبائر الذنوب، مثل اقتطاع الأرض وأكل أموال اليتامى، فهل نقتصر على ما ورد فيه الوعيد ونقول: الباقي يدخل في عموم التحريم؟ أو نقول: إن ما ذكر على سبيل المثال، ويكون هذا عاماً؟ فيه

احتمال، قد لا نجزم أنه من كبائر الذنوب ونقتصر على ما ورد فيه الوعيد، وما لم يرد فيه الوعيد يكون من المحرمات على وجه العموم، فهذا حكمه الشرعي، أما الأحكام الوضعية من ضمان ونحوه فبيَّنه المؤلف بقوله:

وَإِنْ غَصَبَ كَلْباً يُقْتَنَى، أَوْ خَمْرَ ذِمِّيٍّ رَدَّهُمَا، وَلاَ يَرُدُّ جِلْدَ مَيْتَةٍ

..... «وإن غصب كلباً يقتنى أو خمر ذمي ردهما» قوله: «كلباً يقتنى» أي: يحل اقتناؤه، وهو كلب الحرث، والصيد، والماشية، هذه هي الكلاب التي تقتنى وما عداها يحرم اقتناؤه، فإذا غصب كلباً يقتنى وطلبه صاحبه وجب رده، وإن لم يكن مالاً، لكن لصاحبه حق الاختصاص به؛ لأنه أولى الناس به، وأحق الناس بمنفعته.
وإن غصب كلباً لا يقتنى فهدر؛ لأن صاحبه ليس له حق اقتنائه، فهو عند غير مستحق.
مسألة: ما حكم اقتناء الكلب الذي يحرس الإنسان؟ نقول: إن الكلب الذي يحرس الإنسان يجوز اقتناؤه؛ لأنه إذا كان اقتناء الكلب لحراسة الماشية جائزاً فحراسة الإنسان أولى وأحرى، كذلك إذا كان اقتناء الكلب للصيد جائزاً ـ والصيد ليس أمراً ضرورياً؛ لأن الإنسان بإمكانه أن يعيش بدون صيد ـ فإن اقتناءه للأمور الضرورية من باب أولى.
وأما اقتناء الكلب تشبهاً بالكفار وتفاخراً به فإن هذا لا شك حرام، ويَنقص من أجر الإنسان كل يوم قيراط أو قيراطان، مع ما في ذلك من إثم التشبه وتقليد الكفار، ومع ما في ذلك من الدناءة؛ لأن الكلب أخبث الحيوانات من حيث النجاسة، فإن نجاسته لا تطهر إلا بسبع غسلات إحداها بالتراب، ولا توجد

نجاسة أغلظ من نجاسة الكلب، مع ما في ذلك من إلف الإنسان للأشياء الخبيثة، وقد قال الله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور: 26].
وقوله: «أو خمر ذمي» الذمي هو الكافر الذي أقام في بلاد الإسلام مُؤَمَّنَاً على مالِهِ ونفسه ويعطي الجزية، إذا غصب خمر ذمي وجب عليه رده وجوباً، فإن قيل: أليس الخمر حراماً؟ فالجواب: بلى، لكنه بالنسبة للذمي حلال، فإن قال قائل: أنا إذا أعطيته هذا الخمر فإني كما لو صنعت له تمثالاً يعبده؟ قلنا: هذا ليس بصحيح، فالتمثال الذي يعبده محرم حتى في شريعته، لكن الخمر عنده حلال.
وقوله: «أو خمر ذمي» خرج به ما لو غصب خمر حربي فإنه لا يضمنه ويكون هدراً.
ومتى يكون الذمي حربياً؟ يكون حربياً إذا نقض العهد.
وإن غصب خمر مسلم فهدر، ولو طلب المسلم رده فلا يرده، ولكن يريقه، هذا إذا كان له السلطة في التغيير باليد، وأما إذا لم يكن له ذلك فإنه لا يحل له أن يتجرأ على حق السلطان ويفتات عليه.
وبهذا التقرير الذي ذكره المؤلف ـ رحمه الله ـ يتبين خطأ أولئك الذين يعتدون على الذميين في بيوتهم ويدخلون عليهم ويريقون خمورهم، فإن هذا لا يجوز؛ لأن الذمي له حق، فيُباح له ما يعتقد إباحته لكنه لا يُعلنه، وإذا أعلنه نمنعه ولنا الحق أن نأخذه ولا نرده.

قوله: «ولا يرد جلد ميتة» مثال هذا: شخص رأى شاة ميتة فسلخ جلدها وأخذه، فطالبه مالكها به، فهل يرده؟ المؤلف يقول: «ولا يرد جلد الميتة»؛ لأن جلد الميتة ليس بمال، وهو داخل في عموم قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله حرم بيع الخمر والميتة» 1 فلا قيمة له شرعاً، ولكن إذا قال صاحب الجلد: أنا أريد أن آخذ الجلد لأدبغه، فإذا دبغ صار على القول الراجح طاهراً، فهو كالثوب النجس إذا غصبه غاصب يرده على صاحبه، فيقول: الشاة التي ماتت مُلكي، والجلد يمكنني أن أنتفع به بدبغه، ولهذا كان القول الراجح في هذه المسألة أنه يجب عليه أن يرد جلد الميتة؛ وذلك لإمكان معالجته حتى يصبح طاهراً.
فإذا قال قائل: كيف يرده وهو نجس؟ قلنا: لأن الله إنّما حرم من الميتة أكلها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: 145] ولم يقل: على مستعمل يستعمله.
ثانياً: أن جلد الميتة يمكن الانتفاع به إذا دبغ؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم مر على شاة ميتة يجرونها فقال: «هلاَّ انتفعتم بإهابها»، قالوا: إنها ميتة، فقال: «يطهِّره الماء والقَرَظ» 2 وإذا طهر جلد

الميتة بالدباغ جاز استعماله في كل شيء من الجامدات والمائعات، فيمكن أن يجعل سقاء للماء أو اللبن، ويمكن أن يجعل حذاء أو خُفّاً، فالصواب أنه لا يجوز غصب جلود الميتة، وإذا غصبها وجب عليه ردها لما ذكرنا.
وَإِتْلاَفُ الثَّلاَثَةِ هَدَرٌ .............

قوله: «

وإتلاف الثلاثة هدر

» الثلاثة يعني الكلب وخمر الذمي وجلد الميتة، يعني لو أتلفها متلف فإنها لا تضمن، ودليل ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ثمن الكلب خبيث» 1 وهذا يدل على أن الكلب لا قيمة له شرعاً، فإذا أتلفه متلف فليس عليه ضمان، والخمر ـ أيضاً ـ دليله أن النبي صلّى الله عليه وسلّم حرم بيعه 2، وهذا يدل على أنه لا عوض له شرعاً، فإذا أُتلف فلا ضمان، أما جلد الميتة فيدخل في قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله حرَّم بيع الميتة» وهذا يدل على أن الميتة ليس لها قيمة شرعاً، فإذا أتلفها متلف فإنه لا يضمن.
بالنسبة للكلب والخمر الأمر فيهما واضح فليس لهما قيمة شرعاً، أما بالنسبة لجلد الميتة إن كان قد دبغ فإن بيعه يجوز، وحينئذ يضمنه متلفه بالقيمة أو بالمثل إن كان له مثل؛ لأنه إذا دبغ صار طاهراً، فيجوز الانتفاع به في كل شيء، أما قبل الدبغ فمحل نظر قد نقول: إنه يضمنه؛ لأنه إذا كان يمكن تطهيره فهو كالثوب النجس، والثوب النجس يجوز بيعه، وقد نقول: إنه لا

يضمنه؛ لأنه إلى الآن ليس مما يباح استعماله، وصاحبه قد يدبغه وقد لا يدبغه، فيرجع في هذا إلى نظر القاضي.
ولكن هل يعاقب على تعديه على حقوق الغير المحترمة؟ الجواب: نعم، يعاقب ويؤدب حيث أتلف شيئاً محترماً، وإنما ذكر المؤلف هذه الثلاثة في باب الغصب لقوله: «وإتلاف الثلاثة هدر» أما غيرها مما يُتلف ففيه الضمان وسيأتي إن شاء الله.

وَإِنِ اسْتَوْلَى عَلَى حُرٍّ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَإِنِ اسْتَعْمَلَهُ كُرْهاً أَوْ حَبَسَهُ فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهُ

... قوله: «وإن استولى على حر لم يضمنه» يعني أخذ حراً واستولى عليه حتى جعله كالرقيق له، ثم مات الحر ويد الغاصب عليه، فإنه لا يضمنه؛ لأنه حر وليس بمال، والحر لا تثبت عليه اليد، وإن استولى على عبد ضمنه؛ لأن العبد مال، كما لو استولى على سيارة، أو على بيت، أو ما أشبه ذلك فإنه يضمنه.
لكن سيأتينا ـ إن شاء الله ـ في باب الديات أنه لو غصب حراً صغيراً فأصابته صاعقة فإنه يضمنه، وأنه إذا مات بمرض ففي ضمانه قولان، وهذا يقتضي أن اليد تستولي على الحر الصغير؛ لأنه لا يملك الدفاع عن نفسه بخلاف الكبير، وهذه المسألة فيها ثلاثة أقوال في مذهب الإمام أحمد: القول الأول: أن الحر لا يُستولى عليه أبداً وحينئذ لا يضمن، وهذا هو المذهب.
القول الثاني: أن الحر يمكن الاستيلاء عليه، وعليه فيضمن المستولي عليه عينه ومنفعته.
القول الثالث: التفريق بين الصغير والكبير، فإذا استولى على صغير فإنه يضمنه؛ لأنه لا يمكنه الدفاع عن نفسه، وإذا

استولى على كبير فإنه لا يضمنه؛ لأن الكبير يمكنه الدفاع عن نفسه ويتخلص.
قوله: «وإن استعمله كُرهاً أو حبسه فعليه أجرته» يعني إن أكرهه على أن يخدمه، أو أكرهه على أن يبقى في الدكان «فعليه أجرته»؛ لأنه أتلف منفعته ظلماً وعدواناً.
فإذا قال قائل: وهل يمكن أن يستولي على حر ولا يستعمله؟ نقول: نعم، يمكن، فيستولي على حر حتى إذا جاءه الضيوف وجدوا عنده هؤلاء على أنهم عبيده أو أولاده أيضاً؛ لأن الإنسان يفخر بالأولاد، ولكنه لا يستعملهم، بل يكرمهم، إنما يريد أن يكون أمام الضيوف عنده أولاد أو خدم، فهؤلاء لا يضمنهم؛ لأنه لم يستعملهم بل كان يكرمهم، أما لو استعمله بأن قال له مثلاً: خذ العصا واذهب إلى الماشية وكن راعياً فيها، أو خذ الحراثة واذهب إلى الأرض احرثها، أو خذ الدفاتر وقيد الداخل والخارج، فهنا يقول المؤلف: إن عليه أجرته.
فإن استعمله طوعاً فليس عليه أجرة، وظاهر كلام المؤلف سواء كان هذا الحر صغيراً أو كبيراً فيما إذا استعمله طوعاً، وهو مُسَلَّم في الكبير، وأما الصغير ففيه نظر؛ لأن الصغير ربما يطيع وهو لا يدري عن الأمور، فكيف نقول: إنه لا يُضمن مع أن تصرفه لا يعتبر تصرفاً معتبراً شرعاً؟! فينبغي أن يقال: إن استعمله طوعاً فإن كان كبيراً فلا أجرة له وإن كان صغيراً فله الأجرة.
وقوله: «أو حبسه» إذا حبسه فعليه أجرته، وظاهر كلامه

ـ رحمه الله ـ أن عليه أجرته مطلقاً حتى وإن كان حبسه في وقت لا ينتفع فيه، كما لو حبسه في الليل؛ لأن الليل ليس محلاً للعمل ومع ذلك نقول: عليه الأجرة، أو كان عاطلاً لا يعمل، وفي المسألة نظر؛ لأنه إذا حبسه وهو عاطل فإنه لم يفوت عليه شيئاً، فالصواب أن يقيد بما إذا كان هذا الرجل يعمل، أو في وقت ينتفع فيه.
وإذا حبسه فمات من الحبس فهل يضمنه بدية؟ نعم، يضمنه بدية؛ لأنه مات بحبسه.
فإن حبسه فنزلت عليه صاعقة من السماء؟ هذه المسألة اختلف فيها الفقهاء ـ رحمهم الله ـ، منهم من قال: إنه يضمنه؛ لأنه لولا أنه حبسه في هذا المكان ما نزلت عليه الصاعقة، ومنهم من قال: لا يضمنه، إلا إذا عُرف أن هذا الموضع عادة تكثر فيه الصواعق، فإذا كان كذلك فإنه يضمنه.
ومثل ذلك لو لدغته حية ومات في مكان الحبس، فإننا نقول: لا يضمن، إلا إذا عُرف أن هذا المكان تكثر فيه الحيات.

وَيَلْزَمُ رَدُّ المَغْصُوبِ بِزِيَادَتِهِ، وَإِنْ غَرِمَ أَضْعَافَهُ، وَإِنْ بَنَى فِي الأَرْضِ أَوْ غَرَسَ لَزِمَهُ القَلْعُ، وَأَرْشُ نَقْصِهَا، وَتَسْوِيَتُهَا، وَالأُجْرَةُ.

...... قوله: «ويلزم رد المغصوب» أفادنا المؤلف أنه يجب شرعاً على الغاصب رد المغصوب، ومؤونة رده على الغاصب؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ليس لعرق ظالم حق» 1. قوله: «بزيادته» يعني لو زاد المغصوب فإن الزيادة لمالكه، سواء كانت متصلة أم منفصلة؛ لعموم قول المؤلف: «بزيادته».

مثال الزيادة المتصلة: إنسان غصب شاة صغيرة ثم قام عليها بالإرضاع والإعلاف، وشَبَّت ونمت، فهل يرجع الغاصب على مالك الشاة بما زاد من قيمتها؟ لا، الزيادة للمالك.
أما الزيادة المنفصلة: فكما لو غصب هذه الشاة وولدت عنده، وأنتجت وصار يبيع من ألبانها وألبان نَتاجها، فإن هذه الزيادة تكون لمالكها.
فقول المؤلف ـ رحمه الله ـ: «بزيادته» يشمل الزيادة المتصلة وهي التي لا يمكن انفكاكها كالسِّمَن وتعلم الصنعة وما أشبه ذلك، والمنفصلة كالولد واللبن وما أشبه ذلك.
ولو غصب عبداً، وهو غلام صغير، فعلَّمه الكتابة وعلَّمه علوماً عظيمة، فازدادت قيمته عشرة أضعاف هل يرجع على مالك الغلام بالتعليم؟ لا؛ لأنه غاصب ودليل ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ليس لعرق ظالم حق» فأيُّ عرق ظالم فليس له حق، فلو تلف فعليه الضمان بزيادته؛ لأن زيادة المغصوب تحدث على مُلك المالك، فيجب عليه إذا أتلفه أن يضمنه بزيادته.
قوله: «وإن غرم أضعافه» يعني لو غصب شعيراً فخلطه ببُر، عشرة آصع من الشعير غصبها وخلطها في عشرة آصع من البر، فطالب المالك، وقال: أعطني شعيري، فقال: أنا خلطته بالبر، ولو بقيت أخلصه لغرمت أضعاف القيمة، فنقول: يلزمك تخليصه، فأحضر أناساً يخلصون الشعير من البر، ولو كانت قيمة البر والشعير خمسين ريالاً، وأجرة التخليص خمسمائة ريال، ولهذا قال: «وإن غرم أضعافه».

وقال بعض أهل العلم: إذا كان الضرر كثيراً وليس لصاحبه غرض صحيح بعينه فإنه يعطى مثله أو قيمته، خصوصاً إذا علمنا أن قصد المالك المضارَّة بالغاصب، وهذا القول له وجه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: «لا ضرر ولا ضرار» 1 ويقول: «من ضارَّ ضارَّ الله به» 2، لكن لو كان هذا التضمين سبيلاً لتقليل الغصب والعدوان على الناس فالقول بالمذهب أقوى من القول الثاني، وهذا هو الراجح.
قوله: «وإن بنى» أي: الغاصب.
قوله: «في الأرض» أي: المغصوبة.
قوله: «أو غرس» أي: في الأرض المغصوبة.
قوله: «لزمه القلع، وأرش نقصها، وتسويتها، والأجرة» هذا مع الإثم.
فيلزمه أولاً: «القلع» وهذا إذا طالبه صاحب الأرض، وقال: اقلع الذي غرسته في أرضي، فإنه يلزمه.
وقوله: «أو بنى فيها» لو قال له المالك: اهدم البناء، فإنه يلزمه أن يهدم البناء، وهذا مقبول إذا كان لصاحب الأرض غرض

في تخليتها من الغراس والبناء، لكن إذا كان يريد أن يبني عليها، فهل نلزم الغاصب بالهدم؟ الجواب: لا نلزمه، فلو قال الغاصب: أنا لا أريد البناء والشجر، فالشجر لك، والبناء لك، ولا تكلفني أن آتي بالمعاول، وآتي بالرجال يقلعون الشجر ويهدمون البناء؟ فنقول: إن كان يفوت بذلك غرضُ صاحب الأرض، بأن يقول صاحب الأرض: أنا أريد أن أغرسها نخلاً وهي الآن مغروسة برتقالاً، أو قال: أنا أريد أن أغرسها من نوع معين من النخل دون النوع الموجود فيها، فهنا له الحق بأن يُلزم الغاصبَ بقلع الغرس.
كذلك في البناء، لو قال: أنا أريد أن أبنيها بيتاً لكن ليس على هذا الوجه، فهذا البناء لا يطيب لي، إما من حيث رداءة البناء، أو من حيث تصنيف البناء ـ مثلاً ـ فهل له الحق أن يجبره؟ نعم، لكن إذا علمنا أنه ليس له غرض إلا المضارة، وأن صاحب الأرض يريد أن يبنيها على هذه الصفة، أو يريد أن يغرسها بهذا النوع من الشجر، لكن يريد أن يضار بالغاصب ويكلفه، فهنا نمنعه، ونقول: ليس لك أن تجبر الغاصب على إزالة البناء أو الغراس، والدليل: أولاً: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا ضرر ولا ضرار» 1 وهذا لا شك أنه أضر صاحبه وأضر بنفسه أيضاً.
ثانياً: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن إضاعة المال 2، وهذا فيه

إضاعة مال عليهما جميعاً، أما على الغاصب فواضح، وأما على المالك؛ فلأنه يريد أن ينشئ هذا البناء من جديد، وكان البناء أو الغراس موجوداً، فقد أضاع المال، وسيخسر مرة ثانية بإنشائه.
فصار كلام المؤلف ليس على إطلاقه، بل نقيده بما إذا لم يتبين أن المقصود به المضارة، فإن تبين ذلك فإنه يمنع، فلا ضرر ولا ضرار.
مسألة: لو طالب رب الأرض أن يبقى الغراس ويدفع القيمة، ففيه تفصيل، إن كان للغاصب غرض صحيح في قلعه فإنه لا يجبر على إبقائه، كأن يقلع النخل ويجعله في أرض يملكها، وإن لم يكن له غرض صحيح في امتناعه، وإنما سيقلع هذا الغرس ويرميه في الشمس حتى يتلف، فإننا لا نمكنه من ذلك لوجوه: الأول: أن هذا من الفساد، والله لا يحب الفساد.
الثاني: أن هذا إضاعة مال، وقد نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن إضاعة المال 1. الثالث: أن في إبقائه وإعطاء الغاصب القيمة منفعة له، ورغبته عن المنفعة يعتبر سفهاً، وقد قال تعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: 5]، فإذا مُنعنا أن نعطي هؤلاء أموالهم فكيف لا نلزم هذا بأخذ زيادة على ماله؟! الرابع: أن لصاحب الأرض حقاً حيث يقول: لولا هذه

الأشجار التي غرسها الغاصب لكنت أنا قد غرست وصار شجري كشجر الغاصب الآن، فقد فوَّت عليَّ منفعة الأرض طيلة هذه المدة، وهو لا ينتفع بغراسه إذا قلعه.
ثانياً: «أرش نقصها» وهل تنقص الأرض بالبناء عليها؟ نعم، ربما تنقص، بأن يكون ـ مثلاً ـ أخذ من تربتها وهي صلبة أو ما أشبه ذلك، وأما في الغرس فواضح أنها تنقص؛ لأن الفلاحين يسمُّون الأرض إذا لم تغرس أرضاً بكراً، وإذا غرست صارت غير جيدة، فهنا فيها نقص فيلزمه أرش نقصها، وكيف ذلك؟ نقول: نقدر الأرض مغروسة وغير مغروسة، يعني نقدرها بكراً أو مغروسة قد نُزع غرسها، فالفرق بين القيمتين هو أرش النقص، فَيُلزم الغاصب بأرش النقص.
ثالثاً: «تسويتها» أي: تسوية الأرض، ومعلوم أن الأرض بعد أن يهدم البناء الذي عليها لا بد أن يكون فيها حُفَر، وبقية الأنقاض كالجُدر وأساسات الحيطان، فنقول: نُلزم الغاصب بأن يسوي الأرض ويردها على ما كانت عليه.
رابعاً: «الأجرة» أي: أجرة الأرض مدة استيلاء الغاصب عليها، فإذا قدرنا أنه استولى عليها لمدة أربع سنوات ألزمناه بأجرتها لمدة أربع سنوات، لكن هل نلزمه بأجرتها مسكونة ومعمورة، أو بأجرتها بيضاء ليس فيها عمران؟ ما دمنا قلنا: إن الزيادة تكون لصاحب الملك فإنها تُقَوَّم على أنها مسكونة معمورة، وهو جعلها عمارات تُسكن فالأجرة للمالك.
ويحتمل أن يقال: إن الأجرة هذه حصلت ببناء الغاصب

وبأرض المالك فتجعل الأجرة بينهما نصفين؛ لأننا الآن سنعطي المالك أكثر من أجرة الأرض، فأجرة الأرض بيضاء يمكن أن تكون ـ مثلاً ـ عشرة آلاف في السنة كأن تكون مستودعات، أو مواقف وما أشبه ذلك، لكن إذا كانت مبنية فأجرتها ـ مثلاً ـ مائة ألف في السنة، لكن من أين حصلنا مائة الألف في السنة؟ من بناء الغاصب، ومن أرض المالك، فهنا لو قال قائل: بأن لكل من الغاصب والمالك قسطه من الأجرة لكان جيداً.

وَلَوْ غَصَبَ جَارِحاً، أَوْ عَبْداً، أَوْ فَرَساً، فَحَصَّلَ بِذَلِكَ صَيْداً فَلِمَالِكِهِ.

قوله: «ولو غصب جارحاً أو عبداً أو فرساً فحصَّل بذلك صيداً فلمالكه» هذه المسائل مبنية على قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ليس لعرق ظالم حق» 1 فإذا غصب جارحاً، والجارح يطلق على الكاسب مثل كلب الصيد، وطير الصيد فهذا يسمى جارحاً، قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: 4] فإذا غصب إنسان كلب صيد، وصاد به فإن الصيد يكون للمالك؛ لأن الكلب لمالكه، ولم يكن من الغاصب إلا أنه أشلاه بالصيد فصاد.
وقوله: «أو عبداً» فلو غصب عبداً وقال له: اذهب وصِدْ لنا طيوراً، صِدْ لنا حُمُر وحش، صِدْ لنا ظباء، فذهب وصاد، فيكون الصيد للمالك؛ لأنه كسب ملكه فيكون له.
وقوله: «أو فرساً» الفرس ليس هو الذي يصيد، العبد يصيد، والجارح يصيد، أما الفرس فلا يصيد، بل يُصاد عليه،

والصائد هو الغاصب؛ لأن الغاصب صاده بسهمه، أو صاده بوثبه، أما الفرس فليس منه إلا العدو فقط، ولهذا ينبغي أن يفرق بينه وبين الجارح والعبد؛ لأن الجارح والعبد حصل الصيد من فعلهما، وأما الفرس فليس من فعله.
ولهذا نقول: الراجح في مسألة الفرس أن الصيد للغاصب؛ لأنه هو الذي باشر الصيد، لكن عليه أجرة الفرس، وربما تكون أجرة الفرس أكثر من قيمة الصيد، فقد يصيد حمامة قيمتها خمسة ريالات، ولكن استعمال الفرس بخمسين ريالاً مثلاً.

وَإِنْ ضَرَبَ المَصُوغَ، وَنَسَجَ الغَزْلَ، وَقَصَّرَ الثَّوْبَ، أَوْ صَبَغَهُ، وَنَجَرَ الخَشَبَ وَنَحْوَهُ، أَوْ صَارَ الحَبُّ زَرْعاً، أو البَيْضَةُ فَرْخاً، وَالنَّوَى غَرْساً، رَدَّهُ وَأَرْشَ نَقْصِهِ، وَلاَ شَيْءَ لِلغَاصِبِ، وَيَلْزَمُهُ ضَمَانُ نَقْصِهِ.

قوله: «وإن ضرب المصوغ، ونسج الغزل، وقصَّر الثوب، أو صبغه، ونجر الخشب ونحوه، أو صار الحَبُّ زرعاً، أو البيضة فرخاً، والنوى غرساً، ردَّه وأرشَ نقصه، ولا شيء للغاصب».
جواب: «إن» في هذه المسائل كلها قوله: «رده وأرش نقصه».
وقوله: «ضرب المصوغ» يعني الحلي، وضربه يعني جعله نقداً، يعني غصب حليّاً من ذهب وضربه وجعله دنانير، أو غصب حلي فضة وضربه وجعله دراهم، فيجب عليه أن يرد هذه الدنانير والدراهم إلى المالك وعليه أرش النقص، فيقال مثلاً: هذه الدنانير تساوي مائة ريال، والمصوغ الذي حوَّله إلى دنانير يساوي مائتين فيرد الدنانير ومائة ريال.

في الفضة ـ أيضاً ـ الحلي الذي حوله إلى دراهم كان يساوي ـ مثلاً ـ مائة ريال، فيرد الدراهم وخمسين ريالاً، فإذا قال: أنا أرد له مثل مصوغه وأطيب منه، وقال المالك: أنا أريد عين مالي، فالقول قول المالك؛ لأن عين ماله موجود، وهو هذه الدنانير والدراهم.
فإذا قال الغاصب: أنا تعبت وخسرت، قلنا له: لكنك ظالم وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: 42].
وكذلك لو غصب مثقالاً من الذهب وحوَّله إلى حلي، أو مثقالاً من الفضة وحوَّله إلى حُلي، فلمن تكون هذه الزيادة التي زادت بالصنعة؟ تكون لمالك المصوغ وليس للغاصب شيء؛ لأنه ظالم.
وقوله: «ونسج الغزل» لو نسج الغزل وهو خيوط، كما لو غصب غزلاً من صوف أو وبر أو شعر ثم حوله إلى نسيج، فهو لمالكه وليس للغاصب شيء؛ لأنه ظالم.
وقوله: «وقصَّر الثوب» أي: غسله بعد أن كان وسخاً، ومن المعلوم أن قيمته ستزداد لكن الزيادة لمالك الثوب وليس للغاصب شيء؛ لأنه ظالم.
فهنا لا نقص، ولذلك قال في «الروض» 1 عند قول المؤلف: «وأرش نقصه»: «إن نقص».
لكن لو فرض أنه نقص بهذا، وأنه كان في الأول جديداً

لكن فيه وسخ ثم لما غسله صار غسيلاً، ومعلوم أن قيمة الغسيل أنقص من قيمة الجديد ولو كان وسخاً؛ لأن الذي يرى الجديد الوسخ يعلم أن استعماله قليل، والذي يرى الغسيل يُقدر أنه استعمل استعمالاً كثيراً ثم غُسِل فعليه أرش النقص.
وقوله: «أو صبغه» إذا صبغ الثوب إلى صبغ مرغوب عند الناس بعد أن كان أبيض غير مرغوب فيه، فإن الصبغ يكون لمالك الثوب، هكذا قال المؤلف هنا، لكن فيه نظر؛ لأن الصبغ لا بد فيه من شيء يصبغ به، والشيء الذي صبغ به ملك للغاصب، فكوننا نقول: إن الصبغ يكون لمالك الثوب مع أن في هذا الثوب عيناً للغاصب فيه نظر، وينبغي أن يقال: للغاصب قيمة صبغه، لكن لو نقص الثوب بالصبغ بأن حوله إلى صبغ تنقص به القيمة فعلى الغاصب ضمان النقص.
وقوله: «ونجر الخشب» مثاله: إنسان أخذ أعمدة من الخشب ونجرها أبواباً، فهنا لا بد أن تتغير القيمة وتزداد، فقيمته للمالك؛ لأن هذا ناتج عن فعل ظالم، والنجارة التي تتساقط عند النجر لتسوية الباب وما أشبه ذلك، قد يكون لها قيمة ويضمنها الغاصب؛ لأنه ظالم، والنجارة كان الناس فيما سبق يتخذونها حطباً ويشترونها من النجار.
وقوله: «ونحوه» كما لو حول الحديد إلى أبواب، فإذا غصب صاجات من الحديد وحولها إلى أبواب فتكون للمالك والغاصب لا يستحق شيئاً.
وقوله: «أو صار الحب زرعاً» إذا صار الحب زرعاً فهو

لمالك الحب لا للغاصب؛ لأن هذا الزرع هو عين ملكه لكنه تحول بإرادة الله ـ عزّ وجل ـ إلى هذا.
وقوله: «أو صارت البيضة فرخاً» كذلك إذا صارت البيضة فرخاً، فلو أن رجلاً غصب بيضة ووضعها تحت طائر وصارت فرخاً، فالفرخ لمالك البيضة؛ لأنه عين ماله.
وقوله: «والنوى غرساً» النوى معروف وهو نواة التمرة، فإذا غصب نوى ووضعه في الأرض فصار غرساً، فالغرس لصاحب النوى، فهذا الذي غصب مائة نواة ودفنها في الأرض فصارت مائة نخلة، فإنها تكون لصاحب النوى وليس للغاصب شيء؛ لأنه ظالم، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ليس لعرق ظالم حق» 1. وهل يستحق الغاصب في هذه المسائل أجراً؟ الجواب: لا؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ليس لعرق ظالم حق».
وقوله: «رده وأرش نقصه، ولا شيء للغاصب» أما وجوب رده فظاهر؛ لأنه ملك لغيره فيجب رده إليه، وأما كونه لا شيء له فلأنه ظالم، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ليس لعرق ظالم حق».
قوله: «ويلزمه ضمان نقصه» هذه مسألة مستقلة، يعني يلزم الغاصب ضمان نقص ما غصب من أي شيء كان، إن كانت أرضاً فنقصت بحرثه وتغييره إياها فهو ضامن، وإن كان كتاباً فاستعمله ونقص فإنه يلزمه ضمان نقصه، فهذه مسألة مستقلة وليست مفرعة على المسائل التي ذكرها؛ لأن المسائل الذي ذكرها قال فيها: «رده وأرش نقصه» وهنا قال: «ويلزمه ضمان

نقصه» أي نقص المغصوب مطلقاً، فلو غصب حبراً واستعمله فنقص فيلزمه ضمان نقصه.
وقوله: «ويلزمه ضمان نقصه» حتى ولو كان بغير فعله، كرجل غصب عبداً شاباً وبقي عنده عشر سنين، فظهرت لحيته وذهبت نضارة شبابه، فإن قيمته تنقص، فنقول: عليك ردَّه وردَّ ما نقص من قيمته ولو كان بغير فعلك؛ لأنه نقص تحت استيلائه، ولو مات وجب عليه ضمانه، فكل نقص يكون تحت يد الغاصب فهو من ضمانه سواء كان بسببه أو بغير سببه.

وَإِنْ خَصَى الرَّقِيقَ رَدَّهُ مَعَ قِيمَتِهِ وَمَا نَقَصَ بِسِعْرٍ لَمْ يُضْمَنْ، وَلاَ بِمَرَضٍ عَادَ بِبُرْئِهِ.

قوله: «وإن خصى الرقيق رده مع قيمته» مثال ذلك: رجل غصب رقيقاً وخصاه؛ من أجل أن تزيد قيمته؛ لأن الرقيق إذا كان خصياً كانت قيمته أكثر؛ لأنه أقل خطراً على النساء من الفحل، يقول المؤلف: «رده مع قيمته» أي: رده مع قيمته خصياً؛ لأن هذا الخصاء زادت به القيمة وهو فعل من ظالم وليس له فيه حق، والقاعدة أن الزيادة للمالك والنقص على الغاصب.
مثال هذا: غصب رقيقاً فحلاً يساوي عشرة آلاف، فخصاه فصار يساوي عشرين ألفاً، فيرده ويرد معه عشرة آلاف؛ لأنه أتلف منه ما فيه دية كاملة بالنسبة للحر، فلو خصى حراً وجب عليه دية كاملة، والرقيق ديته قيمته، فهذا الرجل خصى الرقيق، فنقول له: عليك قيمته؛ لأنك أتلفت منه ما فيه دية كاملة بالنسبة للحر، وما فيه دية كاملة بالنسبة للحر ففيه قيمة العبد كاملة، فصار هذا الغاصب قد زاد صاحب العبد بضمان القيمة، وزيادة قيمته بالخصاء ويرد العبد أيضاً؛ لأنه ليس ملكاً له.

وقال بعض أهل العلم: إن الجناية على العبد تقوم بما نقص، وبناء على هذا الرأي نقول: ما دام العبد زاد بالخصاء فإن الغاصب لا يضمن شيئاً، وسيأتي ـ إن شاء الله ـ في القصاص أن القول الراجح أن الجناية على العبد كالجناية على البهيمة تقدر بما نقص، وأنه لو قطعت يده اليمنى يعطى السيد أكثر مما لو قطعت يده اليسرى، بخلاف الحر فإن اليمنى كاليسرى في الدية.
فإن قال قائل: هل خصاء الآدميين جائز؟ فالجواب: لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى قطع النسل، إذ إن الخصي لا ينجب، وأما خصاء غير الآدميين فإذا كان لمصلحة البهيمة فهو جائز ولو كان من أجل زيادة الثمن، ولا شك أن خصاء البهيمة يجعل لحمها أحسن وأطيب، وهذا في المأكول ظاهر، فلو خصى خروفاً أو ثوراً أو جملاً أو فرساً أي: ذكراً من الخيل، فهذا لا شك أنه يُستفاد منه؛ لأنه يطيب اللحم، لكن إذا كان لا يؤكل كالحمار ـ مثلاً ـ فإن الفائدة من خصائه اتقاء شره؛ لأن الفحل من الحمير يتعب صاحبه إذا رأى أنثى من الحمير ركض إليها وربما يسقط صاحبه، وكذلك ـ أيضاً ـ يأخذ بالنهيق فيُتعِب، فإذا خصي بردت شهوته ولم تحصل منه هذه المفسدة.
قوله: «وما نقص بسعر لم يُضمن» يعني أن هذا الغاصب إذا غصب هذه العين وهي تساوي عشرة آلاف، ثم نزل السعر حتى صارت لا تساوي إلا خمسة آلاف، فهل يضمن الخمسة أو لا يضمن؟ المؤلف يقول: إنه لا يضمن، وهو المذهب؛ لأن هذا

النقص ليس عائداً إلى عين المغصوب بل لأمر خارج وهو قيمته عند الناس، ومعلوم أن القيمة ترتفع أحياناً وتنخفض أحياناً، فلو غصب شاة قيمتها مائتا ريال وبقيت عنده ولم تنقص عينها بل ربما زادت، ثم نقص السعر حتى صارت لا تساوي إلا مائة ريال، فهل يرد الشاة ومائة الريال؟ على كلام المؤلف: يرد الشاة ولا يضمن نقص السعر، مع أنه حين غصبها من مالكها كانت تساوي مائتين، وحال بينه وبينها حتى نقص السعر فلم تبلغ قيمتها إلا مائة، فالمذهب ـ وهو ما مشى عليه المؤلف ـ أنه لا يضمن، وعللوا ذلك بأن عين المغصوب لم تنقص، وإذا كانت لم تنقص فزيادة القيمة ونقصها لأمر خارج وهو الطلب أو الجلب، فإذا كثر الطلب لزم من ذلك ارتفاع القيمة، وإذا كثر الجلب لزم من ذلك نقص القيمة، أما عينها فلم تتغير وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» 1. قالوا: ونظير ذلك لو استقرض من شخص صاعاً من بر يساوي ثلاثة دراهم، ثم رده عليه وهو يساوي درهمين، فهل يعطيه درهماً؟ لا؛ لأنه رد عليه مثل ماله، وكذلك بالعكس لو استقرض صاعاً من البر يساوي درهمين، ثم ارتفعت القيمة فصار يساوي ثلاثة دراهم، فهنا يرد الصاع ولا يأخذ من صاحبه درهماً، فالنقص أو الزيادة في السعر لأمر خارج.
واستثنوا من ذلك ما لو تلفت وقيمتها عند التلف مائتان، ثم أراد أن يردها لصاحبها وقد نزلت قيمتها، فعليه ضمان مائتين اعتباراً

بحال التلف قولاً واحداً؛ لأن العين لم ترد الآن فننظر إلى وجوب قيمتها متى وجبت؟ وقد وجبت حين التلف، وهي حين التلف تساوي مائتين، وإن كانت لو كانت موجودة قيمتها تساوي مائة.
لكن يقال: إن هذا الغاصب حال بين المالك وملكه حتى نزل السعر فهو ظالم، ونقص السعر في الواقع نقص صفة؛ لأن السعر قيمة السلعة، والقيمة تعتبر صفة في الواقع، ولهذا كان القول الصحيح أنه إذا نقص السعر فإن الغاصب يضمن النقص، فنقول: رد العين إلى صاحبها ومعها نقص السعر.
ولو غصب رجل كتاباً يساوي خمسين ريالاً، ثم بعد شهر أو شهرين رده وهو يساوي أربعين ريالاً، فهنا ـ على المذهب ـ لا يضمن نقص السعر، لكن إن كان الكتاب نقص بالاستعمال يضمن النقص، وعلى القول الصحيح يضمن نقص السعر فيرد الكتاب ويرد معه عشرة ريالات، ويرد ـ أيضاً ـ أرش النقص الذي حصل باستعمال الكتاب، وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام وشيخنا عبد الرحمن السعدي ـ رحمهما الله ـ وهو الصواب، وهذا القول ينبغي أن يكون هو المتعين؛ لأننا إذا قلنا: إن السعر لا يُضمن ربما يعتدي المعتدي على شخص، فيغصبه ماله ويحبسه عنده يريد أن تنقص الأسعار ثم يسلمه إلى صاحبه، وهذا لا شك في أنه يضمن؛ لأنه تعمد إدخال الضرر على المالك فيضمن، فهو ليس كالذي غصبه وحبسه ليستعمله أو لغير ذلك، ولم يخطر بباله أنه يريد إضرار المالك بنقص السعر، فهذا أهون.
قوله: «ولا بمرض عاد ببُرئه» يعني ولا يُضمن نقص بمرض

«عاد» يعني النقص «ببرئه» أي: ببرء المرض، مثال ذلك: غصب شاة، ثم مرضت الشاة فنقص لبنها، ثم شُفيت الشاة وعاد لبنها على طبيعته، فهل يضمنها أو لا؟ يقول المؤلف: لا يضمنها؛ لأن النقص الذي حصل عنده عاد ورجعت إلى حالها الأولى، لكن لو فُرِض أنه كان رده إياها حين مرضها فإنه يضمن، أما بعد أن شُفيت فإنه لا يضمن؛ لأنه عاد على ما كان عليه حين الغصب، ولهذا قال: «ولا بمرض عاد ببرئه» أي برء المرض، لكن ليعلم أن كل ما أخذه من لبن فإنه يضمنه؛ لأن المنافع مضمونة على الغاصب، والكلام الآن على ضمان الأعيان.

وَإِنْ عَادَ بِتَعْلِيمِ صَنْعَةٍ ضَمِنَ النَّقْصَ، وَإِنْ تَعَلَّمَ أَوْ سَمِنَ فَزَادَتْ قِيمَتُهُ ثُمَّ نَسِيَ أَوْ هُزِلَ فَنَقَصَتْ ضَمِنَ الزِّيَادَةَ كَمَا لَوْ عَادَتْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الأَوَّلِ، وَمِنْ جِنْسِهَا لاَ يَضْمَنُ إِلاَّ أَكْثَرَهُمَا.

قوله: «وإن عاد بتعليم صنعة ضمن النقص» «إن عاد» يعني النقص لا ببرء المرض، ولكن بتعليم صنعة ضمن النقص؛ لأن عَوْدَه هنا ليس هو عود النقص الذي حصل.
مثاله: غصب عبداً ثم مرض العبد وهُزِل فهنا تنقص قيمته ولا شك، لكنه علَّمه صنعة ارتفعت بها قيمته، فلو كان هذا العبد يساوي قبل أن يمرض عشرة آلاف، وبعد أن مرض صار يساوي خمسة آلاف، ثم بعد ذلك تعلم صنعة فصار يساوي عشرة آلاف ـ فعاد الآن إلى القيمة الأولى ـ فهل يضمن نقصه؟ الجواب: نعم؛ لأن الغاصب ضامن النقص، والزيادة للمالك، فنقول: العبد يساوي وهو غير متعلم للصنعة نصف قيمته قبل أن ينقص، فيرد العبد ونصف قيمته؛ وما زاد بتعلم الصنعة فإنه للمالك.
وكذلك لو غصب عبداً كاتباً فنسي الكتابة لكنه تعلم صنعة الآلات الكهربائية ـ مثلاً ـ وصار ما نقصه بنسيان الكتابة مجبوراً

بما تعلمه من الصناعة الكهربائية، فهل نقول: هذا يجبر هذا؟ لا، نقول: اضمن نقصه بالكتابة، وزيادة قيمته بالصناعة الكهربائية لمالكه.
قوله: «وإن تعلم أو سمن فزادت قيمته ثم نسي» في مسألة التعلم.
قوله: «أو هُزِل» في مسألة السمن.
قوله: «فنقصت» أي: قيمته.
قوله: «ضمن الزيادة»، مثال ذلك: رجل غصب عبداً جاهلاً لا يعرف، فعلَّمه فتعلَّم فزادت القيمة، ثم نسي فنقصت، فلو كانت قيمته قبل أن يتعلم عشرة، ولما تعلم صارت قيمته عشرين، ولما نسي عاد إلى عشرة، يقول المؤلف: «فإنه يضمن الزيادة» التي حصلت بالتعلم؛ لأنه لما زادت قيمته بالتعلم وهو على ملك مالكه، نقصت الزيادة وهو في ضمان الغاصب، فيضمن الزيادة.
ومثله ـ أيضاً ـ لو أنه سمن بعد غصبه، كأن يكون غصب شاة هزيلة ثم أعلفها حتى صارت سمينة ثم عادت وهزلت، فهل يضمن الزيادة التي زادت؟ نعم، يضمنها؛ لأن زيادتها كانت في ملك صاحبها، والنقص صار في ضمان الغاصب.
قوله: «كما لو عادت من غير جنس الأول» يعني كما لو عادت الصنعة من غير جنس الأول، بأن غصب عبداً جاهلاً لا يعرف الصناعة، فتعلم النجارة وصار ماهراً جيداً في النجارة، ثم نسي فتعلم الحدادة وصار متقناً لها، فهل يضمن نقصه حين نقص

بنسيان النجارة؟ نعم يضمنه؛ لأن الجنس الآن مختلف، نجارة وحدادة.
قوله: «ومن جنسها لا يضمن إلا أكثرهما» كما لو تعلم الحاسب الآلي في شيء معين، ثم تعلمه في شيء آخر، ونسي العلم الأول، فهنا الزيادة من جنس ما نسيه فلا يضمن إلا أكثرهما، فإذا كانت الزيادة بعد النقص فلا ضمان عليه؛ لأنه زاده خيراً، لكن إن كان ما نسيه أكثر فإنه يضمن الأكثر؛ لأنهما من جنس واحد.

فَصْلٌ

وَإِنْ خُلِطَ بِمَا لاَ يَتَمَيَّزُ كَزَيْتٍ، أَوْ حِنْطَةٍ بِمِثْلِهِمَا، أَوْ صَبَغَ الثَّوْبَ، أَوْ لَتَّ سَوِيقاً بِدُهْنٍ، أَوْ عَكْسُهُ وَلَمْ تَنْقُصِ القِيمَةُ وَلَمْ تَزِدْ، فَهُمَا شَرِيكَانِ بِقَدْرِ مَالَيْهِمَا فِيهِ، وَإِنْ نَقَصَتْ القِيمَةُ ضَمِنَهَا

........ قوله: «وإن خُلِط بما لا يتميز» الضمير في قوله: «إن خلط» يعود على المغصوب، فإذا خلط المغصوب، فإما أن يخلط بما يتميز، وإما أن يخلط بما لا يتميز، فهنا قسمان: الأول: إذا خلط بما لا يتميز «كزيت أو حنطة بمثلهما» مِثْلُ الزيت زيت، ومثلُ الحنطة حنطة، فمثلاً لو غصب إناء من الزيت وخلطه بإناء عنده من الزيت، فهنا لا يمكن تمييز المغصوب من غيره؛ لأنه اختلط، وكذلك لو خلط حنطة بحنطة فلا يمكن تمييزه؛ لأنه اختلط، فلا يمكن تمييز الحبة التي للغاصب من الحبة التي للمغصوب منه، فماذا يكون الحكم؟ قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: «ولم تنقص القيمة ولم تزد فهما شريكان بقدر ماليهما فيه، وإن نقصت القيمة ضمنها» مثال ذلك: لو غصب صاعاً من البر وخلطه بصاع من البر من جنسه، فهنا يكونان شريكين بشرط أن لا تنقص القيمة ولا تزد، فإن نقصت القيمة بالخلط بأن كان الناس يختارون أن يشتروا شيئاً قليلاً من البر، وهو قد خلط مائة صاع بمائة صاع فتنقص القيمة، فإذا نقصت فعلى الغاصب ضمان النقص، وأما إذا لم تنقص ولم تزد فهما شريكان بقدر ماليهما، فإذا كان للغاصب صاعان

وللمغصوب منه صاع فتكون القيمة بينهما أثلاثاً، وهلم جراً.
والمذهب يلزمه مثل المغصوب من غير المشترك، فيقال: اشتر مثل الذي غصبت، والفرق بين القولين أنه إذا قلنا: إنهما شريكان، لزم أن يدخل في ملك المالك ما كان ملكاً للغاصب، هذه واحدة.
ثانياً: إذا كانا شريكين، فإن الشركة تكون أحياناً نكدة، ويتنازعان في البيع أو القَسم، وإذا قلنا: هات بدله، ذهب الغاصب إلى السوق واشترى بدله.
ثالثاً: أنه يندر أن تتفق أوصاف المخلوطات، فيندر أن يكون البر الذي غصبه الغاصب مثل الذي خلطه به، وحينئذٍ يدخل على ملك المالك ما هو دون ملكه، ولكن إذا قلنا: يلزمك مثله، فسوف يشتري مثله نوعاً ووصفاً ونسلم من الاختلاف؛ ولهذا نقول: إن ما ذهب إليه الأصحاب أقرب إلى الصواب مما ذهب إليه المؤلف.
وقوله: «أو صبغ الثوب» أي: غَصَبَ الثوب وصبغه بلون ولم تزد القيمة ولم تنقص فهما شريكان، فللغاصب قيمة الصِّبْغ، ولمالك الثوب قيمة الثوب، فإذا قُدِّر أن قيمة الصبغ عشرة ريالات، وقيمة الثوب عشرة، وبِيعَا بعشرين ريالاً فلكل واحد منهما ثمن ملكه، وهذا يتناقض مع ما سبق من أنه إذا صبغ الثوب فهو لمالك الثوب وقد أشرنا إليه فيما سبق 1.

فإن أمكن إزالة الصبغ وطالب المالك بثوبه وجبت إزالته ويضمن الغاصب النقص.
وقوله: أو لَتَّ سويقاً بدهن» فلو غصب سويقاً ولتَّه بدهن، ومعنى لتَّه يعني صب عليه الدهن، ومعلوم أن الدهن الآن لا يمكن أن يتميز فهما شريكان.
وقوله: «أو عكسه» أي: غصب صبغاً وصبغ به ثوباً عنده، أو غصب دهناً وأضاف إليه السويق ولم تنقص القيمة ولم تزد، فهما شريكان بقدر ماليهما فيه، وعند التنازع فالأصل أن الغارم يُقبل قوله.
وقوله: «ولم تنقص القيمة ولم تزد» مراده قيمتهما مجموعة، بحيث يقال: السويق يساوي عشرة والدهن يساوي خمسة، والقيمة الآن ملتوتاً خمسة عشر، فإذا لم تنقص القيمة ولم تزد نقول: إنهما شريكان بقدر ماليهما، يكون لصاحب السويق عشرة ولصاحب الدهن خمسة.
وقوله: «وإن نقصت القيمة ضمنها» الضامن هو الغاصب، فلو أن هذا السويق الذي لتَّه بدهن نقصت قيمته؛ لأن الناس لا يرغبون الدهن، أو لَتَّه بدهن له رائحة كريهة أو ما أشبه ذلك، فعلى الغاصب ضمان النقص؛ لأنه ظالم.

وَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا فِلِصَاحِبِهِ. وَلاَ يُجْبَرُ مَنْ أَبَى قَلْعَ الصِّبْغِ.

...... قوله: «وإن زادت قيمة أحدهما فلصاحبه» فلو كان الدهن يساوي عشرة، والسويق يساوي عشرة، والدهن للغاصب لكنه لما لُتَّ بالسويق زادت قيمته؛ لأنه صار فيه نفع، فتكون الزيادة لصاحبه.

فإن قال المالك: دهنك لم يزد إلا حيث كان في شعيري فأنا وأنت شريكان في هذه الزيادة.
فالجواب: أن المالك إذا طلب ذلك وجبت إجابته خلافاً لظاهر كلام المؤلف، ولو لم نقل بهذا لكان كل إنسان يكون الدهن عنده كاسداً يغصب سويقاً ويلته به وتزيد قيمته، وهذا هو الصحيح؛ لأن الزيادة حصلت بضم الدهن إلى السويق، أما لو نقصت قيمة السويق بلتِّه بالدهن، والسويق هو المغصوب فعلى الغاصب ضمان النقص.
والخلاصة أن القاعدة: أن كل نقص يترتب على فعل غاصب أو على غير فعله في المغصوب فإنه مضمون على الغاصب.
والمؤلف ـ رحمه الله ـ لم يذكر القسم الثاني فيما إذا خلط بما يتميز، فإذا خلط بما يتميز وجب على الغاصب تخليصه ولو ضاع عليه مال كثير، فإذا غصب براً وخلطه بشعير، فإن البر يتميز من الشعير، فهنا نقول للغاصب: خلِّص البر من الشعير ولو بقي وقتاً طويلاً؛ لأن عين المال المغصوب موجودة فيجب ردها إلى صاحبها، فإذا قال: هذا إضرار بي؟ فالجواب أن نقول له: أنت الذي جنيت على نفسك، لماذا تغصب أولاً؟ ولماذا تخلطه ثانياً؟ وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ليس لعرق ظالم حق» 1 إذن يلزمه التخليص ولو غرم أضعافه.

لو قال الغاصب: الآن أنا خلطت البر بالشعير، والبر الذي خلطته خمسة أصواع، وأنا أعطيك أيها المالك عشرة أصواع، فهل يجبر المالك أو لا؟ يقولون: لا يجبر، بل يقال: خَلِّص البر ولو دفع أكثر من مثله.
وهذا في الحقيقة من جهة قد نقول: إنه قول جيد؛ لأن في ذلك ردعاً للغاصبين، فإذا علم الغاصب أنه سوف يضمن إلى هذا الحد فإنه لا يغصب، وإن نظرنا إلى أن فيه إضراراً، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا ضرر ولا ضرار» 1 قلنا: هنا يتوجه القول بأن المغصوب منه يجبر على قبول مثل بره الذي غُصِب، ويعد البر الآن كالتالف، وإذا أتلف شخص براً ضمنه بمثله، فالمسألة فيها تردد، وحينئذٍ ننظر ـ في مسألة القضاء والحكم بين الغاصب والمغصوب منه ـ إلى المصلحة، فإذا رأى القاضي أن من المصلحة أن يُلزِم الغاصِبَ بتخليص مال المغصوب منه فليفعل، وإن رأى العكس فلا حرج؛ لأن المضارة في هذا واضحة.
قوله: «ولا يُجبر من أبى قلع الصِّبغ» من الذي يأبى، هل هو الغاصب أو المغصوب منه؟ لا ندري هل المغصوب الصبغ، أو المغصوب الثوب؟ على كل حال سواء هذا أو هذا، إذا قيل: اقلع الصبغ، فلا يمكن هذا؛ لأن الصبغ بعد أن صار في الثوب صار من جنس الصفة ولا يمكن فصله عن الموصوف، وكيف يمكن أن يقلعه؟! لا يمكن، اللهم إلا أن يجعل في الماء ثم يخرج الماء ملوناً بلون هذا الصبغ، ويعود الثوب على ما كان عليه،

وهذا فيه إفساد، حتى الثوب يتضرر بهذا، فلا يجبر من أبى قلع الصبغ.
إذن كيف تكون الحال؟ تكون الحال كما قال بالأول: إذا صبغ الثوب صار شريكاً لصاحب الثوب، فهما شريكان.
فإن قال صاحب الثوب: أنا لا أريد مشاركته؛ لأنني لو شاركته في هذا الثوب وأردت أن أبيعه امتنع من البيع، وإذا أردت أن أبقيه قال: بل يباع، فهنا يحصل نزاع لا شك، فنقول: إذا طلب صاحب الثوب أن يثمَّن ويدفع قيمة الصبغ، ويكون له الثوب مصبوغاً فإنه يتعين إجابته؛ لما في عدم الإجابة من الإضرار بالجميع، وربما يحصل نزاع لا ينتهي.

وَلَوْ قُلِعَ غرْسُ المُشْتَرِي أَوْ بِنَاؤُهُ لاسْتِحْقَاقِ الأَرْضِ، رَجَعَ عَلَى بَائِعِهَا بِالغَرَامَةِ. وَإِنْ أَطْعَمَهُ لِعَالِمٍ بِغَصْبِه، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ

........ قوله: «ولو قُلع غرس المشتري أو بناؤه لاستحقاق الأرض رجع على بائعها بالغرامة» مثال ذلك: رجل باع أرضاً مغصوبة والمشتري غرس فيها أو بنى، ثم أقام مالك الأرض بَيِّنة على أن هذا غاصب، فالأرض مستحقة الآن للذي أقام البيِّنة على أنها ملكه، وتبين أن الأرض التي باعها الغاصب مغصوبة لا يصح العقد عليها، وصاحب الأرض قال للمشتري، الذي غرس أو بنى: اقلع الغرس، أو اهدم البناء، فهنا المشتري يرجع على البائع؛ لأنه غره، حيث أظهر أنه مالك.
وقوله: «رجع على بائعها بالغرامة» أي: بغرم ما تلف عليه، فهو يقول: أنا تعبت في شراء الشجر وتعبت في غرسه، فأرجع

عليك بقيمة الشجر الذي تلف علي وبأجرة الغارس، وكذلك يقال في البناء.
ولو علم المشتري أن الأرض مغصوبة، لكنه تجاهل الأمر وطمع في الأرض وقال: لعل مالكها لا يكون عنده بينة وغرس أو بنى، فهل يرجع على الغاصب أو لا يرجع؟ لا يرجع؛ لأنه دخل على بصيرة.

وَإِنْ أَطْعَمَهُ لِمَالِكِهِ أَوْ رَهَنَهُ أَوْ أَوْدَعَهُ أَوْ آجَرَهُ إِيَّاهُ لَمْ يَبْرَأْ إِلاَّ أَنْ يَعْلَمَ وَيَبْرَأُ بِإِعَارَتِهِ.

قوله: «وإن أطعمه» أي: الغاصب أطعم المغصوب قوله: «لعالم بغصبه فالضمان عليه» أي: على الآكل؛ لأنه أكل مال غيره وهو يعلم بغير حق.
قوله: «وعكسه بعكسه» أي: أطعمه لغير عالم بغصبه فالضمان على الغاصب لا على الآكل؛ لأنه أكل استناداً إلى أن الذي يتصرف في المال هو المالك أصلاً.
مثال ذلك: رجل غصب شاة وذبحها وأطعمها شخصاً آخر، يعلم أنها مغصوبة فالضمان على الآكل؛ لأنه مباشر للإتلاف والغاصب متسبب، والقاعدة الشرعية في المتلفات: (أنه إذا اجتمع متسبب ومباشر فالضمان على المباشر) فإن كان لا يعلم فالضمان على الغاصب الذي أطعمه.
بقي علينا أن نقول: صاحب الشاة في هذه الحال، هل له أن يرجع على الغاصب مع أن الآكل قد علم أنها مغصوبة؟ الجواب: نعم، له ذلك فهو مخير بين أن يرجع على الغاصب أو على الآكل، لكن قرار الضمان يكون على الآكل إن كان عالماً بالغصب، وإن لم يكن عالماً بالغصب فالقرار على

فصول الكتاب · 31 فصل · 4021 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الممتع على زاد المستقنع · 4021 صفحة
ـ[الشرح الممتع على زاد المستقنع]ـمقدمة المؤلف
كِتَابُ الطَّهارة
كتابُ الصَّلاة
كِتَابُ الجَنَائِزِ
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتابُ المَنَاسِكِ
كتاب الجهاد
كتاب البيع
وَإنْ قَالَ: أَعَرْتَنِي، أَوْ قَالَ: أَجَّرْتَنِي، قَالَ: بَلْ غَصَبْتَنِي، أَوْ قَالَ: أَعَرْتُكَ، قَالَ: بَلْ أجَّرْتَنِي وَالبَهِيمَةُ تَالِفَةٌ، أَوْ اخْتَلَفَا فِي رَدٍّ فَقَوْلُ المَالِكِ.بَابُ الغَصْبِوَهُوَ الاسْتِيلاَءُ عَلَى حَقِّ غَيْرِهِ قَهْراً بِغَيْرِ حَقٍّ مِنْ عَقَارٍ وَمَنْقُولٍوَإِنْ غَصَبَ كَلْباً يُقْتَنَى، أَوْ خَمْرَ ذِمِّيٍّ رَدَّهُمَا، وَلاَ يَرُدُّ جِلْدَ مَيْتَةٍوإتلاف الثلاثة هدروَإِنِ اسْتَوْلَى عَلَى حُرٍّ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَإِنِ اسْتَعْمَلَهُ كُرْهاً أَوْ حَبَسَهُ فَعَلَيْهِ أُجْرَتُهُوَيَلْزَمُ رَدُّ المَغْصُوبِ بِزِيَادَتِهِ، وَإِنْ غَرِمَ أَضْعَافَهُ، وَإِنْ بَنَى فِي الأَرْضِ أَوْ غَرَسَ لَزِمَهُ القَلْعُ، وَأَرْشُ نَقْصِهَا، وَتَسْوِيَتُهَا، وَالأُجْرَةُ.وَلَوْ غَصَبَ جَارِحاً، أَوْ عَبْداً، أَوْ فَرَساً، فَحَصَّلَ بِذَلِكَ صَيْداً فَلِمَالِكِهِ.وَإِنْ خَصَى الرَّقِيقَ رَدَّهُ مَعَ قِيمَتِهِ وَمَا نَقَصَ بِسِعْرٍ لَمْ يُضْمَنْ، وَلاَ بِمَرَضٍ عَادَ بِبُرْئِهِ.فَصْلٌوَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا فِلِصَاحِبِهِ. وَلاَ يُجْبَرُ مَنْ أَبَى قَلْعَ الصِّبْغِ.وَلَوْ قُلِعَ غرْسُ المُشْتَرِي أَوْ بِنَاؤُهُ لاسْتِحْقَاقِ الأَرْضِ، رَجَعَ عَلَى بَائِعِهَا بِالغَرَامَةِ. وَإِنْ أَطْعَمَهُ لِعَالِمٍ بِغَصْبِه، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِوَإِنْ أَطْعَمَهُ لِمَالِكِهِ أَوْ رَهَنَهُ أَوْ أَوْدَعَهُ أَوْ آجَرَهُ إِيَّاهُ لَمْ يَبْرَأْ إِلاَّ أَنْ يَعْلَمَ وَيَبْرَأُ بِإِعَارَتِهِ.
كِتَابُ الوَقْفِ
كِتابُ الوَصَايَا
كتاب الفرائض
كِتَابُ العِتْقِكتاب النكاح
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الطَّلاَقِ
كِتَابُ الإِيلاَءِ
كِتَابُ الظِّهَارِ
كِتَابُ اللِّعانِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ
كِتَابُ الْحُدُودِ
كِتَابُ الأَْطْعِمَةِ
كِتَابُ الأَيْمَانِ
كِتَابُ القَضَاءِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الإِقْرَارِ
جارٍ التحميل