الشرح الممتع على زاد المستقنعصفحات 195-234
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الأَيْمَانِ

صفحات 195-234
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
الشرح الممتع على زاد المستقنع
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
الطبعة
الأولى، 1422 - 1428 هـ
عدد الأجزاء
15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

ولو قال: والله لأطأن زوجتي، فقالت له زوجته: ما فعلت شيئاً، فقال: ألم أطأ على قدمك؟ نقول: ما بر بيمينه؛ لأن الحكم يتعلق بالجماع؛ إذ إن الحقيقة وهي الوطء بالقدم هُجِرت، وصار العرف أن وطء الزوجة جماعها.
ووطء الدار دخولها، والظاهر أنه كذلك حتى في اللغة العربية، فمتعذر أن يطأ الإنسان الدارَ كلها بقدمه؛ لأن الدار أكبر من القدم، فإذا قال: والله لا أطأ هذه الدار، ثم دخلها فإنه يحنث.
وإذا دخلها محمولاً فإنه يحنث، أما إذا كان له نية فهذا شيء آخر لكن إذا لم يكن له نيةً فنقول: إذا دخلتها، سواء دخلت برجلك، أو محمولاً، أو على أي وجه كنت فإنك تحنث؛ لأن هذا هو معنى وطء الدار، وهذا مشهور عند الناس، يقول أحدهم: والله ما أطأ هذا المحل، والله ما أطأ دار فلان، والله ما أطأ دكان فلان، فيتعلق بدخوله.

وَإِنْ حَلَفَ لاَ يَأْكُلُ شَيْئاً فَأَكَلَهُ مُسْتَهْلَكاً فِي غَيْرِهِ، كَمَنْ حَلَفَ لاَ يَأْكُلُ سَمْناً فَأَكَلَ خَبِيصاً فِيهِ سَمْنٌ لاَ يَظْهَرُ فِيهِ طَعْمُهُ، أَوْ لاَ يَأْكُلُ بَيْضاً فَأَكَلَ نَاطِفاً لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ ظَهَرَ طَعْمُ شَيْءٍ مِنَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ حَنِثَ.

قوله: «وإن حلف لا يأكل شيئاً فأكله مُسْتَهْلَكاً في غيره» لم يحنث، وهذا فيه فائدة عظيمة، قال: والله لا آكل شيئاً، فخُلِط هذا الشيء في شيء آخر، لكن اسْتَهْلَكَ واضمحل ولم يبقَ له أثر، ولا طعم، ولا ريح، ولا تأثير، فإنه لا يحنث، مثل أن يُجعل جزءاً من مائة جزء، أو جزأين من مائة، أو ثلاثة من مائة، أو ما أشبه ذلك، بحيث لا يؤثر فإنه لا يحنث، ولنفرض أنه قال: والله لا أشرب هذا الشيء، فخلطه بماء، واضمحل هذا

الشيء في الماء؛ لأن الشيء قليل والماء كثير، فاضمحل ولم يصر له أثر إطلاقاً فلا يحنث؛ لأنه استهلك وزال أثره وطعمه ولونه، ودليل ذلك قول الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء، إلا ما غلب على طعمه، أو لونه، أو ريحه بنجاسة تحدث فيه» 1. ومن هنا نعرف أن ما يقال عنه من الأطياب: إنه قد خُلط بكحول ـ بأشياء مسكرة ـ أنه إذا كان هذا الخلط جُزءاً يسيراً فإنه لا أثر له، فلا يجعله خمراً ولا نجساً ـ على رأي من ينجسه ـ وإن كان الصواب أن الخمر أصلاً ليس بنجس.
فإذا قال قائل في المسألة الأخيرة: ماذا نصنع بقول الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «ما أسكر كثيرهُ فقليله حرام» 2، وقوله: «ما أسكر منه الفَرَقُ فملء الكف منه حرام» 3.

نقول: معنى الحديث: أنه لو كان هناك شراب، إن شربت قليلاً منه لم تَسكر، وإن شربت كثيراً سكرت، فإنه يحرم عليك القليل والكثير، حتى القليل الذي لا يسكرك يحرم عليك؛ لأن شرب هذا القليل الذي لا يسكر يتدرج به الإنسان إلى أن يشرب كثيراً فيسكر، وليس معنى الحديث ما اختلط فيه قليل من مسكر فإنه يحرم، ولا يمكن أن يفهم الحديث على هذا الوجه، بل معنى الحديث أن هذا الشراب إن كنت إذا أكثرت منه سكرت فقليله حرام، فإن كان إذا شربت منه القليل سكرت فمن باب أولى.
يقال: إن البيرة الموجودة بالسوق فيها خلط من الكحول، فنبنيها على هذه المسألة، إن كان الخلط يسيراً بحيث يستهلك في الشعير الذي فيها فإنه لا يؤثر، وإن كان كثيراً فإنه يحرم قليلها وكثيرها، ولو قال قائل: إن الإنسان لو شرب منها خمسة قوارير تسترخي أعصابه.
نقول: هذا ليس دليلاً على أنه يسكر؛ لأن الإنسان إذا شرب كثيراً حتى من الماء تسترخي أعصابه، وعلى كل حال الميزان لهذه المسألة هو أنه إذا اختلط شيء بآخر واستهلك فيه، ولم يظهر له أثر فوجوده كعدمه.
قوله: «كمن حلف لا يأكل سمناً فأكل خبيصاً فيه سمن لا يظهر فيه طعمه» خبيص بمعنى مخبوص، وهو شيء يخبص من القرصان أو شبهه يجعل فيه السمن، لكن لا يظهر فيه أثر السمن، فإن قال: والله لا آكل سمناً، فأكل خبيصاً فيه سمن لا يظهر فيه طعمه، لم يحنث.

قوله: «أو لا يأكل بيضاً فأكل نَاطِفاً لم يحنث» والناطف طعام أضيف إليه بيض، فإذا صار أكثره طحيناً وانغمس فيه البيض واستهلك فإنه لا يحنث؛ لأنه لا يسمى بيضاً، وأما إذا كان أكثره بيضاً، أو ظهر فيه أثره، فإنه يحنث.
قوله: «وإن ظهر طعم شيء من المحلوف عليه حنِث» لأنه فعل ما حلف عليه فيكون حانثاً.
وإذا حلف رجل أن لا يكلم فلاناً، فكلمه بغضب، ولم ينو؟ فإنه حسب نيته، إن كانت نيته أن لا يكلمه برضى فإن كلام التوبيخ لا يحنث به، ولهذا فإن أهل النار ـ نعوذ بالله من حالهم ـ يكلمهم الله عزّ وجل، يقول: ﴿اخْسَأُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 108] مع أنه لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم يعني لا يكلمهم كلام رحمة ورضى.
خلاصة هذا الفصل: أنه إذا لم توجد مرتبة من المراتب الثلاث السابقة في الفصل الأول، نرجع إلى ما يتناوله الاسم في حقيقته، وهو ثلاثة أقسام: شرعي، وعرفي، ولغوي، فيقدم الشرعي، ثم العرفي، ثم اللغوي.


فَصْلٌ

وَإِنْ حَلَفَ لاَ يَفْعَلُ شَيْئاً، كَكَلاَمِ زَيْدٍ، وَدُخُولِ دَارٍ وَنَحْوِهِ، فَفَعَلَهُ مُكْرَهاً لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَقْصُدُ مَنْعَهُ كَالزَّوْجَةِ، وَالْوَلَدِ، أَلاَّ يَفْعَلَ شَيْئاً، فَفَعَلَهُ نَاسِيَاً، أَوْ جَاهِلاً حَنِثَ فِي الطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ فَقَطْ.

قوله: «وإن حلف لا يفعل شيئاً، ككلام زيد، ودخول دار، ونحوه ففعله مكرهاً لم يحنث» قال: والله لا أدخل هذه الدار، فأكره على دخولها، سواء حُمل فأدخل، أو قيل له: ادخل، وإلا حبسناك، أو قتلناك، أو أخذنا مالك، أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يحنث؛ لأنه سبق أن من شروط وجوب الكفارة أن يحنث مختاراً، وهذا مبني على قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: 106]، فإذا كان هذا الذي أُكره على الكفر ففعله أو قاله، وقلبه مطمئن بالإيمان لا يكفر، فكذلك هذا الذي أُكره على الحنث؛ لأن الحنث مبني على الإثم في الأصل، فإذا كان لا يأثم بالإكراه، فكذلك لا يحنث بالإكراه.
وقوله: «ودخول دار ونحوه» هذه أمثلة، مثل: حلف ألا يلبس ثوباً، حلف ألا يخرج إلى السوق، حلف ألا يذهب إلى المدرسة، وفُعل به هذا مكرهاً فلا حنث عليه، ولهذا قال: «لم يحنث».
قوله: «وإن حلف على نفسه أو غيره ممن يقصد منعه، كالزوجة والولد، ألا يفعل شيئاً، ففعله ناسياً، أو جاهلاً حنث في الطلاق والعتاق فقط» إذا حلف على نفسه ألا يفعل شيئاً، ففعله

ناسياً أو جاهلاً فلا حنث عليه؛ لأنه لو فعل المحرم ناسياً أو جاهلاً فلا إثم عليه، فكذلك إذا فعل المحلوف عليه ناسياً أو جاهلاً فلا حنث عليه؛ لأن الحنث مبني على التأثيم، فمتى كان الإنسان يأثم في الحكم الشرعي حَنِثَ في اليمين، وإذا كان لا يأثم لم يحنث، فهذا رجل حلف على نفسه، قال: والله لا ألبس هذا الثوب، ثم جاء في الليل فلبسه وهو لا يدري أنه المحلوف عليه، فلا يحنث، فليس عليه كفارة؛ لأن من شروط وجوب الكفارة كما سبق أن يحنث عالماً ذاكراً مختاراً، وأصله قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]. كذلك لو فعله ناسياً، كأن لبس الثوب الذي حلف أن لا يلبسه ناسياً أنه حلف، فإنه لا كفارة عليه ولم يحنث، والدليل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ والحنث مبني على التأثيم بالفعل، ولأن من شرط وجوب الكفارة أن يحنث عالماً ذاكراً مختاراً.
وإذا حلف على نفسه في طلاق، بأن قال: إن لبست هذا الثوب فزوجتي طالق، فهذا يمين، ثم لبسه ناسياً.
فعلى كلام المؤلف تطلق؛ لأنه قال: «حنث في الطلاق».
أو قال: إن فعلت كذا فعبدي حر، وقصده أن يلزم نفسه بعدم الفعل، فهذا يمين، ففعله ناسياً فالعبد يعتق.
وكذلك لو قال: إن لبست هذا الثوب فعبدي حر، فلبسه جاهلاً أنه الثوب الذي حلف عليه، فإنَّ العبد يعتق، وإن كان طلاقاً فالمرأة تطلق، يقولون: لأن هذا يتضمن حقاً لآدمي،

وحقوق الآدميين لا تسقط لا بالجهل، ولا بالنسيان، وأما الإكراه ففيه تفصيل.
نقول: أما كون العتق حقاً للآدمي فهذا قد يُسلم؛ لأن العبد يحب أن يتحرر، ويعتق، ويسلم من الرق، لكن كون الطلاق حقاً لآدمي! فقد تقول المرأة: أنا لا أحب أن أطلق، وتبكي من الطلاق، ويكون الطلاق عندها أكره من كل شيء، فكيف نلزمه أن يفعل ما تكره؟! ولذلك كان القول الراجح أننا متى أجرينا الطلاق والعتاق مجرى اليمين صار لهما حكم اليمين، إذ كيف نجريهما مجرى اليمين في الكفارة، ثم لا نجريهما مُجرى اليمين في الحنث؟! فهذا تناقض، فالصواب أنه لا حنث عليه، لا في الطلاق، ولا في العتق، ولا في النذر ولا في اليمين، والمؤلف قد أسقطه لكن حكمه حكم اليمين، فلو قال: إن لبست هذا الثوب فزوجتي طالق، ثم لبسه ناسياً فلا حنث عليه، ولا تطلق الزوجة.
ولو قال: إن لبست هذا الثوب فعبدي حر، ثم لبسه ناسياً فالعبد لا يعتق؛ لأننا لما أجرينا هذا الأمر مجرى اليمين، فالواجب أن لا يحنث بالجهل والنسيان، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو رواية عن الإمام أحمد، قال شيخ الإسلام: إن رواتها عن الإمام أحمد كرواة التفرقة، يعني أن الإمام أحمد تساوت عنه الروايات في ذلك.
فإذا حلف على نفسه يميناً، وحلف على نفسه بالطلاق، وحلف على نفسه بالعتق، فالمذهب يفرقون بين اليمين والطلاق

والعتق، فيما إذا فعل الشيء المحلوف عليه ناسياً، أو جاهلاً، فيقولون «في الطلاق والعتق»: يحنث، فيقع الطلاق والعتق، ويقولون في اليمين بالله: لا يحنث، والصحيح أنه لا فرق، وأنه لا يحنث فيهما، كما لا يحنث في اليمين؛ هذا إذا حلف على نفسه.
فإذا حلف على غيره ألا يفعل شيئاً بيمين، أو طلاق، أو عتق أو نذر فلا يخلو ذلك الغير من حالين: الأولى: أن يكون المحلوف عليه ممن جرت العادة أن يمتنع بيمينه أي إذا حلف عليه بَرَّ بيمينه؛ لقرابة، أو زوجية، أو صداقة.
الثانية: أن يكون هذا الغير ممن لا يمتنع بيمينه، ولا يهتم بها وسيأتي.
فإذا كان هذا الغير ممن يمتنع بيمينه ويبر بها، ولا يخالفه بسبب قرابة أو زوجية أو صداقة، كأن حلف على زوجته ألا تفعل شيئاً ففعلته ناسيةً، أو جاهلةً، أو حلف على ولده، ابن أو بنت، ألا يفعل شيئاً، ففعله ناسياً أو جاهلاً، فهذا الغير حكمه حكم نفس الحالف، يعني كأنه نفسه، فإذا فعله ناسياً أو جاهلاً في اليمين بالله لم يحنث، وأما في العتق والطلاق فيحنث.
أمثلة: قال لابنه: إن فعلت كذا فأمك طالق، ففعله الولد ناسياً، فهل تطلق؟ نعم، تطلق على المذهب.
قال لولده: إن فعلت كذا فعبدي حر، ففعله ناسياً، يحنث ويعتق العبد، كما لو كان ذلك في نفسه.

والصحيح أنه لا يحنث كما لو كان هذا يميناً بالله عزّ وجل.

وعَلَى مَنْ لاَ يَمْتَنِعُ بِيَمِينِهِ مِنْ سُلْطَانٍ وَغَيْرِهِ فَفَعَلَهُ حَنِثَ مُطْلَقاً، وَإِنْ فَعَلَ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ مِمَّنْ قَصَدَ مَنْعَهُ بَعْضَ مَا حَلَفَ عَلَى كُلِّهِ لَمْ يَحْنَثْ، مَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ.

قوله: «وعلى من لا يمتنع بيمينه من سلطان وغيره ففعله حنِثَ مُطلقاً» هذه هي الحال الثانية، أن يحلف على شخص لا يمتنع بيمينه، ولا يهتم بها، ولا يحاول أن يرضيه بالبر بيمينه، ففعل المحلوف عليه، فإنه يحنث مطلقاً.
وقوله: «مطلقاً» يقول العلماء: إذا قيل: مطلقاً فإن الإطلاق يفهم معناه مما سبق، أو مما لحق، وهنا نفهمه مما سبق، يعني حنث مطلقاً في اليمين، والطلاق، والعتق، عالماً، أو جاهلاً، ذاكراً، أو ناسياً، ولا فرق.
مثال ذلك: رأى إنسان في السوق واحداً يريد أن يحمل على رأسه حزمة علف، فقال: والله لا تحملها، وكل واحد منهما لا يعرف الآخر، ثم إن الرجل المحلوف عليه نسي فحملها، فيحنث الحالف؛ لأن الأصل أن هذا الحالف ليس له إلزام هذا المحلوف عليه، فيكون اليمين بمنزلة الشرط المحض، فمتى وجد الشرط وجد المشروط؛ لأن حقيقة الأمر أن اليمين تشبه الشرط، فإذا قال له: والله لا تحمله، وهو ممن لا يمتنع بيمينه ولا يهتم بها فحمله ناسياً، قلنا للحالف: عليك الحنث والكفارة؛ لأنه ليس لك حق الإلزام، فصار يمينك بمنزلة الشرط المحض، فإذا وجد الشرط وهو حمله هذا العلف وجد المشروط وهو الكفارة.
وظاهر كلام المؤلف أنه يحنث مطلقاً، سواء قصد الإلزام أو قصد الإكرام؛ لأنه أحياناً يقصد إكرامه، فيقول: والله ما

تحمله أنا أحمله، فإذا حمله المحلوف عليه فإنه يحنث على المذهب، وإن كان قصدُه الإكرام.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه إذا قصد الإكرام فإنه لا يحنث بالمخالفة، بناءً على أن الحنث في اليمين مبني على الحنث في الحكم، وإذا قصد الإكرام وحصلت المخالفة، فإن المخالف لا يعد عاصياً؛ لأنه لم يقصد إلزامه، بل قصد إكرامه واحترامه، وهذا حصل بمجرد الحلف؛ لأن حلفه «أن لا يحمل» إكرام له، وقد حصل وظهر، ولأن أصل الحنث مبني على المخالفة في الحكم، فكما لا يكون عاصياً من خالف في باب الإكرام، لا يكون حانثاً من خالف في الإكرام في اليمين، واستدل لذلك بأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما أمر أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ حين جاء وهو يصلي بالناس، وأراد أن يتأخر، فأمره أن يبقى، ولكنه تأخر 1، فهل كان أبو بكر عاصياً في هذه الحال؟ لا، فهو لا يريد أن يعصي الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ بل يريد أن يعظم النبي صلّى الله عليه وسلّم وإن حلف على شخص لم تجر العادة أن يمتنع بيمينه لكونه لا سلطة عليه فإنه إذا فُعِل المحلوفُ عليه حنث الحالف، لأن من لا يمتنع باليمين لا يصح توجيه المنع إليه وأصل اليمين قد بنيت على المنع والحث أو التصديق أو التكذيب.
قوله: «وإن فعل هو أو غيره ممن قصد منعه بعض ما حلف

على كله لم يحنث، ما لم تكن له نية» إذا فعل بعض ما حلف عليه فلا حنث عليه، قال: والله لا آكل هذا الرغيف، فأكل بعضه، لا يحنث؛ لأنه لم يأكل الرغيف، إلا إذا كان له نية، يعني لو نوى أن لا يذوقه، فأكل بعضه، فإنه يحنث؛ لأنه سبق في أول باب الأيمان أنه يرجع أولَ ما يرجع إلى نية الحالف، إذا احتملها اللفظ، وهنا يحتملها اللفظ، مثال ذلك: أعطاك رجلٌ رغيفاً، وقال: كل هذا الرغيف، فقلت: والله لا آكله، ونيتك أنك لا تذوقه، فحينئذ إذا أكلت منه قليلاً أو كثيراً حنثت.
كذلك إذا كان هناك قرينة تدل على أنه أراد البعض، فإنه يحنث، مثل أن يقول: والله لا أشرب ماء هذا النهر، فأخذ بكأس صغيرة وشرب، يحنث؛ لأن القرينة تدل على ذلك، ولا يمكن أن يريد بقوله: والله لا أشرب ماء هذا النهر، أنه يشرب كل ماء النهر! إذاً فالقرينة تدل على أنه لا يشرب منه، لا قليلاً ولا كثيراً.
ولو قال: والله لا أشرب هذه القربة، فصب منها كأساً وشرب لا يحنث؛ لأنه يمكن أن يشربها في أيام، بخلاف النهر فإنه لا يمكن أن يشربه، وعلى هذا فنقول: إذا كان له نية أنه لا يشرب أو لا يأكل الكل أو البعض فعلى نيته، وإذا كان هناك قرينة فعلى حسب القرينة.
قال: والله لا آكل خبز هذا البلد فأكل خبزة منه، فإنه يحنث؛ لأن القرينة تدل على ذلك؛ لأنه من المعلوم أنه لن يأكل خبز البلد كله! فالقرينة تدل على أن المعنى لا يأكل منه.
ولو قال: والله لا آكل خبز هذا الخباز، كذلك إذا أكل

خبزة واحدة يحنث؛ لأن القرينة تدل على ذلك؛ لأنه عين هذا الخباز؛ لأنه ما يجيد الخَبْز، فيجعله نِيّاً، أو لا يجعل فيه ملحاً، أو ما أشبه ذلك من الأسباب التي جعلته يحلف أن لا يأكل خبزه.
قال: والله لآكلن هذا الرغيف، فأكل بعضه فإنه يحنث؛ لأنه يمكن أكله.
وهذه المسألة في الحقيقة فرع عما سبق، وهي أنه يرجع إلى نية الحالف إذا احتملها اللفظ، ثم إلى سبب اليمين، ثم إلى التعيين، ثم إلى ما يتناوله الاسم، فهذه أربع مراتب تنبني أيمان الحالفين كلها عليها.

بَابُ النَّذْرِ

لاَ يَصِحُّ إِلاَّ مِنْ بَالِغٍ عَاقِلٍ وَلَوْ كَافِراً، والصَّحِيحُ مِنْهُ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ.
الْمُطْلَقُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: للهِ عَلَيَّ نَذْرٌ، وَلَمْ يُسَمِّ شَيْئاً فَيَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.

قوله: «النذر» لغة: الإيجاب، يقال: نذرت هذا على نفسي، أي: أوجبت، أما في الشرع فهو إيجاب خاص، وهو إلزام المكلف نفسه شيئاً يملكه غير محال.
وينعقد بالقول، وليس له صيغة معينة، بل كل ما دل على الالتزام فهو نذر، سواء قال: لله عليّ عهد، أو لله عليّ نذر، أو ما أشبه ذلك مما يدل على الالتزام، مثل: لله عليّ أن أفعل كذا، وإن لم يقل: نذر، أو عهد.
وحكم النذر مكروه، بل مال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ إلى تحريمه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن النذر، وقال: «إنه لا يأتي بخير» 1، وأنه لا يرد قدراً، ولو شاء الله أن يفعل لفعل، سواء نذرت أم لم تنذر، وإذا كان الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ نهى عنه، وبيَّن أنه ليس فيه فائدة لا شرعية ولا قدرية، لا شرعية فهو لا يأتي بخير، ولا قدرية فهو لا يرد قدراً، فإن القول بتحريمه قوي.
فإن قيل: كيف يثني الله ـ عزّ وجل ـ على الموفين بالنذر وهم قد ارتكبوا مُحرَّماً؟

فالجواب: أن الله لم يثنِ على الناذرين، وإنما أثنى على الموفين، وفرق بين الأمرين، فقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: 7]، معناه أنهم إذا نذروا لله شيئاً لم يهملوه، بل قاموا به، وفيها قول آخر: أن المراد بالنذر كل الواجبات، فهي نذر لقوله تعالى في الحج: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29]، مع أنهم ما نذروا، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: 270]، والمعنى أوفيتم نذراً نذرتموه.
أما الوفاء به فإنه ينقسم إلى خمسة أقسام وسيأتي بيانها.
وقولنا: «إلزام المكلف» المكلف هو البالغ العاقل، فلو قال الصبي الذي لم يبلغ: لله علي نذر أن أفعل كذا، وكذا، فإنه لا ينعقد النذر؛ لأن الصغير ليس أهلاً للإيجاب شرعاً؛ لأنه قد رفع عنه القلم.
وقولنا: «شيئاً يملكه غير محال» فلو نذر شيئاً لا يملكه فإن النذر لا ينعقد؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا نذر لابن آدم فيما لا يملك» 1، ولو نذر أن يعتق الحر، فإنه لا ينعقد؛ لأن هذا شيء لا يملكه، ولو نذر أن يطير فإنه لا ينعقد؛ لأنه محال.
قوله: «لا يصح إلا من بالغ عاقل» والدليل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «رفع

القلم عن ثلاثة: الصغير حتى يكبر، والمجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ» 1. قوله: «ولو كافراً» «لو» هذه إشارة خلاف وقد سبق شرحها يعني ولو كان الناذر كافراً فإن نذره ينعقد، فإن وفى به في حال كفره برئت ذمته، وإن لم يفِ به لزمه أن يوفي به بعد إسلامه؛ لأن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ سأل النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: «إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام في الجاهلية» فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أوفِ بنذرك» 2، والأمر هنا للوجوب، وإيجاب الوفاء عليه لنذره فرع عن صحته؛ لأنه لو كان غير صحيح ما وجب الوفاء به.
وقوله: «ولو كافراً» إشارة خلاف، ولكن الصحيح ما ذهب إليه المؤلف ـ رحمه الله ـ لحديث عمر رضي الله عنه.
قوله: «والصحيح منه خمسة أقسام» مراده الذي ينعقد من النذر خمسة أقسام، وأما الذي لا ينعقد فهو ما عدا هذه الخمسة، وإن شئت فقل: هو ما لم تتم شروط انعقاده، فمثلاً لو قال قائل: لله علي نذر أن أصوم أمسِ، فهذا لا ينعقد؛ لأنه

محال، إذ إن صوم يوم أمس قد مضى، ولو قال صغير: لله علي نذر أن أصوم، لم ينعقد ـ أيضاً ـ فلا يدخل في الصحيح، فقول المؤلف: «والصحيح منه» يحترز به عما لم ينعقد؛ لأن ما لم ينعقد لا حكم له.
قوله: «المطلق مثل أن يقول: لله عليَّ نذر، ولم يسم شيئاً، فيلزمه كفارة يمين» هذا هو القسم الأول، المطلق يعني الذي لم يُعين فيه شيء، بأن يقول: لله علي نذر فقط، وسميناه مطلقاً؛ لأنه لم يعين فيه شيء.
كرجل قال: لله علي نذر، سواء هَمَّ أن يعين أم لم يهم؛ لأنه قد يقول: لله علي نذر، وفي نفسه أن يعين شيئاً ثم يتراجع ولا يتكلم، وقد لا يَهُم بشيء من الأصل، يقول: لله علي نذر، فقط، نقول: يلزمه كفارة يمين؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم في حديث عقبة بن عامر ـ رضي الله عنه ـ: «كفارة النذر إذا لم يُسمَّ كفارة يمين» رواه ابن ماجه 1، وأخرجه مسلم بدون ذكر «إذا لم يسم» بلفظ: «كفارة النذر كفارة اليمين» 2، وكفارة اليمين هي إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعة.

الثَّانِي نَذْرُ اللِّجَاجِ وَالْغَضَبِ، وَهو تَعْلِيقُ نَذرِهِ بِشَرْطٍ يَقْصِدُ الْمَنْعَ مِنْهُ، أَوِ الْحَمْلَ عَلَيْهِ، أَوِ التَّصْدِيقَ أَوِ التَّكْذِيبَ، فَيُخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ، وكَفَّارَةِ يَمِينٍ.

قوله: «الثاني نذر اللجاج والغضب» هذا النذر من باب إضافة الشيء إلى سببه، يعني النذر الذي سببه اللجاج، أي: الخصومة، أو المنازعة، أو ما يشبه ذلك، والغضب غليان دم القلب وفورانه، فينفعل الإنسان، وينذر، لكن ما تعريفه؟ قال: «وهو تعليق نذره بشرط يقصد المنع منه» يعني أن يعلق الإنسان نذره بشرط يقصد المنع منه، مثل أن يقول: إن فعلت كذا فللَّه علي نذر أن أصوم سنة، وغرضه أن يمنع نفسه من ذلك؛ لأنه إذا تذكر صيام السنة امتنع.
أو يقول إنسان لمن يمتنع بيمينه ـ كابنه مثلاً ـ: إن فعلت كذا فلله علي نذرٌ أن أصوم سنة، فهذا ـ أيضاً ـ يسمى نذر اللجاج والغضب، فقصده بذلك المنع.
قوله: «أو الحمل عليه» عكس المنع منه، يعني ينذر ليحملَ نفسه على الفعل، مثل أن يقول: إن لم أفعل كذا فعبيدي أحرار، وأملاكي وقف، ونقودي هبة، والمقصود حمل نفسه على الفعل، فهذا يُسميه العلماء نذر اللجاج والغضب، وإن لم يكن فيه لجاج أو غضب، ولا مشاحة في الاصطلاح، فما دام سموه نذر اللجاج والغضب، فنحن نقول ما قالوا، ونسميه بما سموه.
قوله: «أو التصديق» بأن يحدثنا بحديث فقلنا: هذا ليس بصحيح، فقال: لله علي نذر إن كان كذباً أن أصوم سنة، لماذا قال هذا الكلام؟ قاله تصديقاً لقوله.

قوله: «أو التكذيب» بالعكس، بأن يحدثه شخص بشيء، فيقول: أنت كذاب، إن كان ما تقوله صدقاً فعبيدي أحرار، فالمقصود التكذيب، يعني يؤكد أنه يكذِّب هذا الرجل بهذا القول.
قوله: «فَيُخَيَّرُ بين فعله وكفارة يمين» كاليمين، يعني كما لو حلفت على شيء، فإن فعلته فلا كفارة، وإن لم تفعله فعليك الكفارة، المهم نقول: هذا النذر إن شئت فافعل ما نذرت، وإن شئت فكفر كفارةَ يمين.
ودليل هذا الحديث الذي رواه سعيد في سننه 1: «لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين»، أما من جهة التعليل فقالوا: إن هذا بمعنى اليمين؛ لأنه لم يقصد بهذا النذر إلا المنع، أو الحمل، أو التصديق، أو التكذيب، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» 2، ولنضرب مثالاً لذلك: رجل قال: لله عليَّ نذر إن فعلت كذا أن أصوم ثلاثة أيام، ففعل، فهل يلزمه صيام ثلاثة أيام أو كفارة يمين؟ الجواب: يخير، إن شاء صام ثلاثة أيام، وإن شاء كفر كفارة يمين؛ لأن هذا النذر حكمه حكم اليمين.
وإذا قلنا: إن حكمه حكم اليمين، فهل الأولى أن يفعل أو الأولى أن يكفِّر؟

نقول: سبق أن المسألة بحسب المحلوف عليه، إن كان خيراً فالأفضل أن يفعل، وهنا في الغالب أنه خير؛ لأنه نذر، لكن مع ذلك لئلا نلزمه نقول: أنت مخير بين فعلك، وكفارة اليمين.

الثَّالِثُ نَذْرُ الْمُبَاحِ كَلُبْسِ ثَوْبِهِ، وَرُكُوبِ دَابَّتِهِ فَحُكْمُهُ كَالثَّانِي، وَإِنْ نَذَرَ مَكْرُوهاً مِنْ طَلاَقٍ أَوْ غَيْرِهِ اسْتُحِبَّ أَنْ يُكَفِّرَ وَلاَ يَفْعَلُهُ،

.......... قوله: «الثالث نذر المباح، كلبس ثوبه وركوب دابته فحكمه كالثاني» أي: يخير بين فعله وكفارة اليمين، مثاله: قال رجل: لله علي نذر أن ألبس هذا الثوب، نقول له: أنت بالخيار، إن شئت البس الثوب، وإن شئت فكفر كفارة يمين.
ومن هذا النوع ما يفعله بعض الناس يقول: إذا نجحت فللَّه علي نذر أن أذبح شاة، فهل يلزمه أن يذبح الشاة، أو نقول: يخيَّر بين ذبحها وكفارة اليمين؟ في ذلك تفصيل، إذا كان قصد بذبح الشاة التصدق بها شكراً لله على النعمة فهذا طاعة، ويجب عليه أن يوفي به، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وإذا قصد بذلك إظهار الفرح، ودعوة إخوانه وأصدقائه فهو يخير بين فعله وكفارة اليمين؛ لأن هذا من باب المباح وليس من باب الطاعة، أما لو قال: إن نجحت فللَّه علي نذر أن أصوم ثلاثة أيام، فهذا طاعة؛ لأن الصوم قربة، لكن ذبح الشاة، وأكل لحمها، والعزيمة عليها، هذا من قسم المباح.
وقوله: «وركوب دابته» كذلك، قال: لله علي نذر أن أركب هذا البعير، أو أن أركب هذه السيارة، نقول: هذا نذر مباح، إن شئت فاركب، وإن شئت فلا تركب، وعليك كفارة يمين.

والقاعدة أنه إذا نذر شيئاً مباحاً، فعلاً له أو تركاً له، فهو يخير بين أن يوفي بنذره، أو يكفر كفارة يمين.
قوله: «وإن نذر مكروهاً من طلاق أو غيره استحب أن يكفر ولا يفعله» الأصل في الطلاق الكراهة، ولكنه قد يستحب، وقد يجب، وقد يحرم، وقد يباح، فتجري فيه الأحكام الخمسة، لكن الأصل فيه الكراهة، فإذا نذر إنسان أن يطلق زوجته، قال: لله علي نذر أن أطلق هذه الزوجة، نقول له: الأفضل أن تكفر كفارة يمين ولا تطلق.
وقوله: «أو غيره» أي: غير الطلاق، مثل لو قال: لله علي نذر أن آكل بصلاً، وأكل البصل مكروه، فنقول: الأفضل ألا تأكل وتكفِّر.
ولو قال: لله عليَّ نذر أن آكل ثوماً، فمثله.

الرَّابِعُ نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ كَشُرْبِ خَمْرٍ، وَصَوْمِ يَوْمِ الْحَيْضِ، وَالنَّحْرِ، فَلاَ يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ وَيُكَفِّرُ.

قوله: «الرابع نذر المعصية» أن ينذر معصية لله ـ عزّ وجل ـ، مثل المؤلف لذلك بقوله: «كشرب خمر» نذر إنسان أن يشرب الخمر ـ نعوذ بالله ـ فهذا نذر معصية، فجاء ليشرب الخمر فقلنا له: اتق الله! فهذا حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة 1، قال: إني نذرت، نقول له: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من نذر أن يعصي الله

فلا يعصه» 1، إذاً لا يجوز الوفاء به.
ولو قال: لله علي نذر أن أضرب فلاناً، بدون سبب، نقول: كَفِّرْ، ولا تفعل، فإن قال له فلان: اضربني، فيصير مباحاً، ويكون أسقط حقه، لكن في الأصل هو من نذر المعصية.
ولو نذر رجل أن يتعامل بالربا، قلنا: حرام عليه، وعليه كفارة يمين، حرام عليه؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من نذر أن يعصي الله فلا يعصه»، وعليه كفارة يمين؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين» 2. قوله: «وصوم يوم الحيض» كامرأة قالت: لله علي نذر أن أصوم أول يوم من الحيض، نقول: هذا حرام؛ لأن الحائض يحرم عليها الصوم بإجماع المسلمين، استناداً إلى قول الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم» 3، فهذه المرأة لا يمكن أن تصوم يوم الحيض.

قوله: «والنحر» قال: لله عليَّ نذر أن أصوم يوم النحر، نقول: هذا حرام ومعصية، وهل هناك عبارة أعم من قول المؤلف: «يوم النحر»؟ الجواب: نعم، يوم العيدين؛ لأن يوم الفطر كيوم النحر، وهناك ـ أيضاً ـ أيام أخرى يحرم صومها، وهي أيام التشريق، المهم إذا نذر صوم يوم يحرم صومه، فهذا نذر معصية لا يجوز الوفاء به.
ولو نذر أن لا يكلم عمه فهذا نذر معصية يحرم الوفاء به.
قوله: «فلا يجوز الوفاء به» لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من نذر أن يعصي الله فلا يعصه» 1؛ ولأنه لو جاز أن يوفي بهذا النذر لكان كل من أراد أن يفعل معصية نذرها، وهذا يؤدي إلى انتهاك حرمات الله.
قوله: «ويكفِّر» أي: يكفر كفارة يمين؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين» 2، وهذا الحديث احتج به الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ، وإسحاق بن راهويه، وصحَّحه الطحاوي، خلافاً لقول النووي ـ رحمه الله ـ: إنه ضعيف باتفاق المحدثين، لكن الإمام أحمد احتج به، واحتجاجه به يدل على صحته عنده، وكذلك صححه الطحاوي، وهو من الأئمة الذين يعتبر تصحيحهم، وعلى هذا فالحديث صحيح ويحتج به.

لكن جمهور أهل العلم قالوا: إن نذر المعصية لا كفارة فيه، ويحرم الوفاء به، واحتجوا بحديث عائشة رضي الله عنها الذي أشرنا إليه آنفاً، وهو قول الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «من نذر أن يعصي الله فلا يعصه»، ولكن نقول: إنه ما دام قد ورد حديث فيه زيادة وهو صحيح، فإنه يجب الأخذ بهذه الزيادة، وهي كفارة اليمين.
والمعنى يقتضي ذلك؛ لأن هذا الرجل نذر ولم يفعل، ونحن نقول: نذره انعقد؛ لأنه ألزم نفسه به، ولا يمكن أن يوفي به؛ لأنه معصية، وحينئذ يكون نذر نذراً لم يوفِه فعليه الكفارة، كما لو حلف أن يفعل معصيةً، فإننا نقول له: لا تفعلها، وعليك كفارة يمين، فما ذهب إليه الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ وإن كان من مفرداته أقرب إلى الصواب؛ أنه لا يفعل المعصية، وعليه كفارة يمين.
فلو نذر صيام يوم يحرم صومه، فهل يقضي ذلك اليوم ويكفر لفوات محله، أو لا يقضي؟ ظاهر الحديث أنه لا يقضي وأن عليه الكفارة فقط، فلو قال: والله لأصومن يوم العيد، وقلنا: لا يجوز أن تصوم، فهل يلزمه أن يصوم يوماً بدله مع الكفارة، كما هو المذهب، أو لا يلزمه؟ ظاهر النص أنه لا يلزمه؛ لأن أصل التعيين كان محرماً ومعصية.
والفقهاء ـ رحمهم الله ـ يفرقون فيقولون: إذا كان المنع لمعنى يتعلق بالفاعل فإنه لا قضاء، وإن كان لمعنى يتعلق بالزمان أو المكان فإن عليه القضاء.

فلو نذرت امرأة أن تصوم يوم الحيض فنقول: لا تصوم، وعليها كفارة يمين، وهل تقضي؟ لا تقضي؛ لأنه لمعنى يتعلق بالفاعل فلا قضاء عليها.
أما لو نذرت أن تصوم يوم العيد فإنها لا تصوم لا لمعنى فيها، ولكن لمعنى يتعلق بالزمان.
المكان أيضاً، لو نذر إنسان أن يصلي في المقبرة، قلنا: لا تصلِّ؛ لأن هذا حرام، ولكن هل تقضي أو لا تقضي؟ فيه الخلاف، فعلى المذهب تقضي وعليك كفارة يمين؛ لأن هذا المعنى يتعلق بالمكان.
والراجح أنه لا يقضي، سواء تعلق بالزمان، أو المكان، أو الفاعل، وعليه كفارة يمين؛ لأن الأصل أن هذا النذر لم ينعقد.

الْخَامِسُ نَذْرُ التَّبَرُّرِ مُطْلَقاً أَوْ مُعَلَّقاً، كَفِعْلِ الصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَنَحْوِهِ، كَقَوْلِهِ: إِنْ شَفَى اللهُ مَرِيضِي أَوْ سَلَّمَ مَالِيَ الْغَائِبَ، فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا، فَوُجِدَ الشَّرْطُ لَزِمَهُ الوَفاءُ بِهِ، إِلاَّ إِذَا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ كُلِّهِ، أَوْ بِمُسَمَّى مِنْهُ يَزِيدُ عَلَى ثُلُثِ الْكُلِّ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ قَدْرُ الثُّلْثِ.

قوله: «الخامس نذر التبرر مطلقاً أو معلقاً» التبرر فعل البر، كالتطوع فعل الطاعة، والتنسك فعل النسك، فنذر التبرر هو بمعنى قولنا: نذر الطاعة؛ لأن الطاعة بر.
قوله: «كفعل الصلاة والصيام والحج ونحوه» مثل: الصدقة، والعمرة، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، ونحوها، فنذر الطاعة يجب الوفاء به؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» 1. وظاهر كلام المؤلف أنه يشمل الواجب وغير الواجب،

فالصلاة منها فرض ومنها تطوع، فإذا قال: لله علي نذر أن أصلي الظهر، صارت واجبة عليه من وجهين: الواجب بأصل الشرع، والواجب بالنذر، ولو قال: لله علي نذر أن أؤدي زكاة مالي، كذلك، صار واجباً عليه من وجهين الشرع، والنذر، فإذا لم يزكِّ وجب عليه كفارة يمين مع الإثم، ولو لم ينذر لم يجب عليه كفارة اليمين، لكنه يأثم بترك الزكاة، هذا هو فائدة قولنا: إن النذر يتعلق بالواجب.
وليس هذا تحصيل حاصل ولكن بالنسبة للصلاة يمكن أن يقال إنها لا ترد علينا لانه لو تركها كفر.
فالمهم أن نذر الواجب صحيح.
وقوله: «مطلقاً» المطلق مثل قوله: لله علي نذر أن أصلي ركعتين، أو: لله علي نذر أن أقرأ جزءاً من القرآن.
وقوله: «أو معلقاً» مَثَّلَ له المؤلف بقوله: «كقوله: إن شفى الله مريضي» أي: إن شفى الله مريضي فللَّه عليَّ نذر أن أتصدق بمائة ريال، فمتى شفي وجبت عليه، وإن مات لم يجب عليه شيء، وإن بقي مريضاً كذلك لم يجب عليه شيء، وإن شُفي بعد موت الناذر فليس عليه شيء؛ لأن الشرط لم يوجد في حياته، والأصل براءة الذمة.
لكن لو شفي، والناذر في حال جنون ـ نسأل الله العافية ـ فهل يلزمه شيء أو لا يلزمه؟ عندنا سبب وشرط، سبب وجوب الصدقة بهذه الدراهم وهو النذر، وشرط الوجوب وهو الشفاء، فسبب الوجوب وُجد من الإنسان في حال هو فيها مكلف، وشرط الوجوب وُجد في حال هو فيها غير مكلف، لكنه أهل للضمان،

فالظاهر أنه يلزم وليه أن يتصدق بها عنه، كالزكاة تماماً، فإن الزكاة تجب على المجنون وتجب على الصغير.
ولو قال: لو شفى الله مريضي فللَّه علي نذر أن أصوم، ثم شُفي المريض في حال جنون الناذر، هذا هو محل الإشكال في الحقيقة.
فهذه تحتاج إلى نظر، فهل نقول: إن هذا الرجل لما أوجب على نفسه الصوم في حال عقله وجب أن يقضى عنه، أو يقال: إنه وجب عليه في حال ليس من أهل الصوم، بخلاف المال فإن المجنون تجب عليه الأموال إذا وجدت شروط الوجوب، كالزكاة، وضمان الأموال التي يتلفها، وما أشبهها؟ مسائل: الأولى: هل الوفاء بالنذر على الفور؟ وهل حديث لا تدر في معصية يدل مفهومه على جواز النذر مع أنه قد صح النهي عنه؟ إذا كان مقروناً بشرط فهو على الفور، من حين يوجد الشرط يجب الوفاء به، وإذا كان مطلقاً ففيه خلاف، والصحيح وجوب الوفاء به فوراً.
والحديث يدل على انعقاده أو أن المعنى لا نذر يوفى.
الثانية: هل هناك فرق بين اليمين وبين النذر؟ نعم، بينهما فرق، لو نذر أن يصلي ركعتين وجب عليه أن يصلي ركعتين، ولو حلف أن يصلي ركعتين لم يجب عليه، واستحب أن يفعل.

الثالثة: إذا عجز عن نذر الطاعة فإن كان له بدل فعل بدله، وإن لم يكن له بدل فإنه يبقى معلقاً في ذمته حتى يشفيه الله، فإن لم يكن يرجى زوال العجز فينظر فيه، إذا كان ـ مثلاً ـ صياماً يُكفر عنه، كالواجب بأصل الشرع، وإن كان صلاة فالعجز عنها فيما يظهر لا يتصور؛ لأنه يصلي على حسب حاله.
الرابعة: لو علق النذر بالمشيئة فقال: لله علي نذر أن أفعل كذا إن شاء الله.
ففي النذر الذي حكمه حكم اليمين ليس عليه حنث، وإذا كان فعلَ طاعة، نظرنا إذا كان قصده التعليق فلا شيء عليه، وإذا كان قصده التحقيق أو التبرك وجب عليه أن يفعل، حسب نيته.
فائدة: إذا قال صاحب الفروع: (على الأصح) يعني أن المسألة التي يتكلم عليها فيها روايتان عن الإمام أحمد، أصحهما هي التي قال فيها: (على الأصح).
ويعني أصحهما في المذهب وليس أصحتهما عن الإمام أحمد.
وإذا قال: (في الأصح) يعني الوجهين عن أئمة أصحاب الإمام أحمد.
الخامسة: إذا نذر الإنسان نذراً معيناً بيوم أو بشهر، ثم جن قبل أن يصل إلى ذلك اليوم، يعني صادف ذلك اليوم أنه مجنون، فلا قضاء عليه بالنسبة للعبادات البدنية، وأما بالنسبة للعبادات المالية، كأن يقول: إن قدم زيد فللَّه علي نذر أن أتصدق بكذا، فقدم وهو مجنون، ذكرنا فيما سبق أنه تلزمه الصدقة؛ لأن

الواجب هنا في المال، فهو كالزكاة، تجب على المجنون، ولا تجب عليه الصلاة ولا الصيام.
أما لو مات الناذر قبل أن يوجد الشرط فليس عليه شيء لا عبادة مالية ولا بدنية يعني لا صدقة ولا صوم ولا يقضى عنه شيء.
السادسة: فلما آتاهم من فضله أخلفوا الأمرين كليهما الصدقة والصلاة فقوله: ﴿بَخِلُوا بِهِ﴾ هذا ضد الصدقة، وقوله: ﴿بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة: 76] هذا ضد الصلاة ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ *﴾ نعوذ بالله إلى الموت ﴿يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77] يقال: إن هذه الآية نزلت في رجل من الصحابة يقال له ثعلبة بن حاطب لكن هذا ليس بصواب بل هو باطل وضعيف وقد كتب في هذا طالب من الجامعة الإسلامية رسالة علمية بَيَّنَ فيها أن هذا كذب وأن هذا الصحابي لم يقع منه هذا الأمر.
قوله: «أو سلَّم ماليَ الغائب فللَّه عليَّ كذا» أو يقول: إن نجحت فللَّه عليّ نذر كذا.
قوله: «فوجد الشرط لزمه الوفاء به» والدليل قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» 1، وهذا يشمل الطاعة سواء كانت معلقة بشرط، أو مطلقة.
قوله: «إلا إذا نذر الصدقةَ بماله كله، أو بمسمَّى منه يزيد على

ثلث الكل، فإنه يجزئه قدر الثلث» استثنى المؤلف من قوله: «لزمه الوفاء به» إذا نذر الصدقة بماله كله فإنه يجزئه قدر الثلث، مثل أن يقول: إن شفى الله مريضي فللَّه عليّ نذر أن أتصدق بجميع مالي، وهذا نذر تبرر معلق، أو يقول: لله عليّ نذر أن أتصدق بجميع مالي، وهذا نذر تبرر مطلق، فيجزئه قدر الثلث، واستدل الأصحاب ـ رحمهم الله ـ لهذا بحديث كعب بن مالك ـ رضي الله عنه ـ، وحديث أبي لبابة بن عبد المنذر ـ رضي الله عنه ـ. أما كعب بن مالك فتخلف عن غزوة تبوك بدون عذر، ولما رجع النبي صلّى الله عليه وسلّم من تبوك جاء المنافقون يعتذرون إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فكان يعذرهم ويستغفر لهم ويكل سرائرهم إلى الله، ويفرحون بهذا؛ لأنهم أهل ظاهر، فيفرحون بالظاهر، ويقولون: يكفينا استغفار النبي صلّى الله عليه وسلّم لنا، وما علموا أن الله قال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80]ـ والعياذ بالله ـ أما كعب بن مالك، ـ رضي الله عنه ـ وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع رضي الله عنهم فصدقوا، وقالوا: ما لنا عذر، وكعب بن مالك ـ رضي الله عنه ـ تكلم بين يدي النبي صلّى الله عليه وسلّم بكلام فصيح عجيب؛ لأنه أشب القوم وأجلدهم، وقال: إني أوتيت جدلاً، يعني أقدر أن أخاصم، وأعرف أن أتخلص، ولكن لا يمكن أن أتقدم إليك بعذر اليوم فتعذرني، ثم يفضحني الله ـ تعالى ـ غداً ـ الله أكبر ـ انظر الإيمان واليقين، المنافقون قال الله فيهم: {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا

عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ *} [التوبة]، أما هذا فلإيمانه أعطى الصدق، وقال: ما لي عذر، وما ملكت راحلتين قط في غزوة كهذه، ولكن أخذه التسويف، لما خرج الناس أول يوم، قال: أنتظر غداً ألحقهم، في اليوم الثاني قال: غداً ألحقهم، حتى ذهب الوقت، فهجره النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ وصار لا يكلمه، حتى أنه يقول: آتي وأسلم على النبي عليه الصلاة والسلام، وأقول: أَحَرَّكَ شفتيه بردِّ السلام أم لا؟ مع حسن خلق النبي عليه الصلاة والسلام، لكن لكل مقام مقال، ومع ذلك كان الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ يلاحظه، إذا كبَّر للصلاة لاحظه النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ونظر إليه، فإذا أقبل عليه كعب أعرض؛ لأن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان يراعي أصحابه خير رعاية، بقي على هذه الحال يخرج إلى السوق يكلم الناس وما يكلمونه، حتى أبو قتادة ابن عم كعب بن مالك وأحب الناس إليه، دخل عليه في بستانه وسلم عليه، فلم يرد عليه السلام، فقال له: أنشدك الله، أتعلم أني أحب الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم يريد أن يتكلم، فلما ناشده الله لم يكلمه، ولكن قال: الله أعلم، وهذه كلمة تصلح خطاباً، وغير خطاب، فلما مضى عليهم أربعون ليلة أرسل النبي صلّى الله عليه وسلّم إليهم أن يفارقوا زوجاتهم، فيتركونهن يذهبن لأهلهن، فقال كعب ـ لما جاءه رسول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يأمرك أن تعتزل امرأتك ـ قال: هل أطلقها أم أعتزلها؟ فلو قال: طلقها، لطلَّقَها، لكن قال: بل تعتزلها، فذهبت المرأة إلى أهلها، وبقوا خمسين

ليلة، والناس هاجرون لهم، ولا يتكلمون معهم، وفي أثناء هذه المدة جاء خطاب من ملك غسان إلى كعب بن مالك ـ فتنة عظيمة ـ قال له: إنه بلغنا أن صاحبك قد جفاك، وطلب حضوره إليه حتى يكرمه ويعزه، فلما قرأ الكتاب لم يحتفظ به، بل مباشرة جعله في التنور وأوقد به؛ لئلا تخدعه نفسه فيستجيب، فنزلت توبتهم من الله ـ عزّ وجل ـ في ليلة من الليالي وبعد خمسين ليلة، جاء الفرج من الله ـ عزّ وجل ـ الله أكبر ﴿وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ *﴾ [التوبة: 118]. فلما أصبح النبي صلّى الله عليه وسلّم أخبر الناس بتوبة الله عليهم ـ الله أكبر ـ وكان كعب لا يصلي مع الجماعة؛ لأنه مهجور، فذهب رجل من المسلمين إلى سلع ـ جبل في المدينة معروف ـ ونادى بأعلى صوته: أبشر يا كعب بخيرِ يومٍ مَرَّ عليك منذ ولدتك أمك! أبشر بتوبة الله عليك! وذهب رجل على فرس يبشره، وانظر إلى الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ كيف فرحهم بتوبة الله تعالى على إخوانهم، وعلى أصحابهم، لكن كان صاحب الصوت أسرع، فصارت البشارة لصاحب الصوت، فأعطاه كعب بن مالك حلته، فلما جاء إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم ودخل المسجد قام إليه طلحة بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ يهنئه بتوبة الله عليه، قال: فكنت لا أنساها لطلحة أن كان أول الصحابة يهنئه ـ رضي الله عنهم ـ، أما النبي ـ عليه الصلاة والسلام فإنه لما رآه كعب وجد وجهه يتهلل، كأنه

قطعة قمر فرحاً بنعمة الله عزّ وجل بتوبته على هؤلاء الثلاثة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم ـ لا شك أنه أشفق الناس على أمته وأصحابه، وأشدهم حباً للخير لهم، فكانت هذه القضية مما نزل فيها قرآن يتلى إلى يوم القيامة، وانظر المحنة تعقبها المنحة! كل محنة من الله ـ عزّ وجل ـ إذا صبرت عليها فأبشر بعقباها منحة، فبعد هذا قال الله ـ عزّ وجل ـ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ *﴾ [التوبة]، فجعلهم أسوة لغيرهم في الصدق، ولما تاب الله عليهم، قال كعب: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة، فقال: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» متفق عليه 1، وعند أبي داود 2 «أنه يجزئه الثلث»، وقد سمى النبي صلّى الله عليه وسلّم الثلث كثيراً، فقال لسعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ: «الثلث والثلث كثير» 3. وكذلك أيضاً: أبو لبابة بن عبد المنذر ـ رضي الله عنه ـ قال: إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة لله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يجزئك منه الثلث» 4 وقصة أبي لبابة ذكرها

بعض الناس في قصة تخلفه عن غزوة تبوك، وليس هذا بصحيح، والصحيح أنها كانت في قصة إشارته لحلفائه بني قريظة حين استشاروه: هل ينزلون على حكم النبي عليه الصلاة والسلام؟ فأشار إلى حلقه، يعني أنه الذبح، فعرف ـ رضي الله عنه ـ أن في ذلك خيانة، فربط نفسه بسارية المسجد، وقال: لا أطلقها حتى يحلها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد أن يتوب الله عليه، فتاب الله عليه، وحلها الرسول صلّى الله عليه وسلّم لما عرف صدق توبته، ثم قال: إن من توبتي أن أنخلع من مالي، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يجزئك الثلث»، ففي هذا دليل على أنه إذا نذر الصدقة بماله فإنه يجزئه الثلث.
وذهب بعض العلماء إلى أنه يجب عليه أن يتصدق بجميع ماله؛ لأن الصدقة بجميع المال لمن علم من نفسه التوكل جائزة، بل هي سنة فعلها أبو بكر رضي الله عنه 1، فتدخل في عموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» 2، وأجابوا عن حديث كعب بن مالك وأبي لبابة رضي الله عنهما بأنه ليس فيهما التصريح بالنذر، بل قد يكون ذلك من باب شكر النعمة، وهي توبة الله عليهما، وليس فيه أن كلاًّ منهما قال: إن لله عليَّ نذراً، بل قال: إن من توبتي ـ أي: من شكر توبتي ـ أن أفعل كذا وكذا، فهو من

باب نية الخير شكراً لله عزّ وجل، وفرق بين من يلتزم بالنذر، وبين من يريد بدون التزام.
والحقيقة أن هذه المناقشة قوية، بمعنى أنه ليس في الحديثين دلالة صريحة على أنهما نذرا لله بذلك، فلا شك أن الإنسان إذا أوفى بنذره وتصدق بجميع ماله مع حسن ظنه بربه، وصدق اعتماده عليه، وأن له جهات يُمكن أن يقوم بواجب كفايته وكفاية عائلته، لا شك أن صدقته بجميع ماله أبرأ لذمته وأحوط، وأما الاقتصار على الثلث مطلقاً ففي النفس منه شيء.
وقوله: «أو بمسمى منه يزيد على ثلث الكل» (مسمى منه) يعني مُعَيَّناً من ماله يزيد على ثلث الكل.
وقوله: «فإنه يجزئه قدر الثلث» يعني ثلث الكل، مثال ذلك قال: لله عليَّ نذر أن أتصدق بهذه السيارة، فنظرنا ما عنده من المال فإذا السيارة تساوي عشرين ألفاً، وعنده عشرة آلاف فقط، فيجزئه ثلث الكل وهو عشرة آلاف، وتبقى السيارة له، أو نقول: بعها ثم تصدق بنصف قيمتها، ولا يلزمه أن يبيعها؛ لأنه لو باعها سوف يأخذ نصف القيمة، لكن إذا باعها فهو أحسن من جهة؛ لأنه أخرجها لله وطابت نفسه بها، فكونها لا تدخل ملكه أحسن.
وقوله: «أو بمسمى منه يزيد على ثلث الكل فإنه يجزئه قدر الثلث» هذا أحد القولين في مذهب الإمام أحمد، ولكن المذهب المشهور عند المتأخرين أنه يلزمه أن يتصدق بالمسمى، وإن زاد على الثلث، ففي مثالنا هذا يلزمه أن يتصدق بالسيارة كلها، ويقولون: إن الفرق بينه وبين الكل، أن الكل عبارة عن كل

المال، وليس ذلك بالأمر المشروع؛ بخلاف الصدقة بشيء معين فإنه مشروع ولو كان أكثر من الثلث، فالمسألة فيها ثلاثة أشياء: أولاً: أن ينذر الصدقة بجميع ماله، فمذهب الحنابلة يجزئه الثلث، وقول أكثر أهل العلم أنه لا بد أن يتصدق بماله كله.
ثانياً: أن ينذر الصدقة بشيء معين يزيد على الثلث، فالمذهب يلزمه أن يتصدق به ولو زاد على الثلث، والذي مشى عليه المؤلف أنه لا يلزمه أكثر من الثلث.
ثالثاً: أن ينذر الصدقة بشيء من ماله مشاع، مثل أن يقول: ثلث مالي، نصف مالي، وما أشبه ذلك، فيتعين ما قاله على ظاهر المذهب، وعلى كلام المؤلف لا يلزمه أكثر من الثلث.
وهل إذا تصدق بالثلث عليه كفارة؟ ليس عليه كفارة؛ لأنه يقول: «يجزئه»، وما دام يجزئه فقد أوفى بنذره فلا كفارة عليه.

وَفِيمَا عَدَاهَا يَلْزَمُهُ الْمُسَمَّى، وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ لَزِمَهُ التَّتَابُعُ، وَإِنْ نَذَرَ أَيَّاماً مَعْدُودَةً لَمْ يَلْزمْهُ إِلاَّ بِشَرْطٍ أَوْ نِيَّةٍ.

قوله: «وفيما عداها يلزمه المسمى» أي: في ما عدا المسألة المذكورة، وهي إذا نذر الصدقة بماله كله، أو بمسمى منه يزيد على الثلث، فإنه يلزمه المسمى؛ أي: المعين ولو كثر، فلو فرضنا أن رجلاً عنده مليون ريال، وقال: لله عليّ نذر أن أتصدق بثلاث مائة ألف، فهل يلزمه أو لا؟ يلزمه؛ لأنه أقل من الثلث، ودليله عموم قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» 1.

قوله: «ومن نذر صوم شهر لزمه التتابع» يعني لزمه أن يصوم متتابعاً، ونذر صوم الشهر على قسمين: الأول: أن ينذر شهراً بعينه، كربيع الأول ـ مثلاً ـ فهذا يلزمه التتابع؛ لضرورة التعيين فما يمكن أن يصومه إلا متتابعاً.
الثاني: أن ينذر شهراً مطلقاً، فيقول: لله علي نذر أن أصوم شهراً، فالمؤلف يرى أنه يلزمه التتابع، وهو المذهب، وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يلزمه التتابع، وهذه المسألة فيما إذا لم يكن له نية، أما إن كان له نية فعلى ما نوى، أو يكون له شرط، فعلى ما شرط، يعني لو قال: أنا من نيتي أن أصوم شهراً متتابعاً، قلنا: يلزمك التتابع، أو صرح بالشرط فقال: لله علي نذر أن أصوم شهراً متتابعاً، فيلزمه التتابع.
والصحيح في القسم الثاني أنه لا يلزمه التتابع، ودليل ذلك أنه لو كان الشهر عند الإطلاق يستلزم التتابع لكان اشتراط التتابع في قوله تعالى: ﴿شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ لغواً لا حاجة إليه، فلما اشترط الله التتابع في الشهرين علمنا بأن الشهر عند الإطلاق لا يستلزم التتابع، وهذا هو الصحيح، فإذا نذر قال: إن شفى الله مريضي فلله علي نذر أن أصوم شهراً، وشفى الله مريضه، فإننا نقول له: صم شهراً، فإذا سألنا: هل أتابع الصوم؟ قلنا: لا يلزمك إلا إن كنت نويت أو اشترطت.
وقوله: «لزمه التتابع» هل يلزمه أن يصوم ثلاثين يوماً، أو لا يلزمه إلا تسعة وعشرون يوماً؟ نقول: إن ابتدأ الصوم من أول يوم من الشهر لم يلزمه إلا الشهر، سواء كان تسعة وعشرين يوماً

أم ثلاثين يوماً؛ لقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185]، فسماه الله شهراً مع أنه قد يكون تسعة وعشرين، وقد يكون ثلاثين يوماً، وإن ابتدأه من أثنائه، مثل أن يبتدئ الصوم في الخامس عشر، فقيل: يلزمه ثلاثون يوماً؛ لتعذر البناء على الشهر، وقيل: بل يلزمه ما كان عليه الشهر ولا يلزمه ثلاثون يوماً، وعلى هذا القول فإذا ابتدأ الصوم في اليوم الخامس عشر من هذا الشهر انتهى في اليوم الرابع عشر من الشهر الذي يليه، فإذا فرضنا أن هذا الشهر الذي ابتدأ فيه الصوم كان ناقصاً فإنه يصوم تسعة وعشرين يوماً، وهذا القول هو الصحيح، أنه لا يلزمه إلا شهر هلالي، سواء ابتدأ من أثناء الشهر، أو من أول الشهر.
وإذا قلنا بلزوم التتابع، يعني في الحال التي يلزمه التتابع إذا قطع التتابع، بأن أفطر يوماً من الشهر، فهل يستأنف أو يتم؟ الجواب: فيه تفصيل، إن كان لعذر لم يستأنف وبنى على ما مضى، مثل رجل شرع في الصوم فصام عشرة أيام ثم مرض مرضاً يبيح له الفطر، فأفطر خمسة أيام، فيكمل على العشرة الأولى؛ لأنه أفطر لعذر، وكذلك لو سافر بعد أن صام عشرة أيام وأفطر في السفر، ثم عاد من السفر، فإنه يبني على ما مضى؛ لأن السفر عذر يبيح الفطر حتى في الصيام الواجب بأصل الشرع، وهو رمضان، فإن سافر ليفطر، نقول: يحرم عليك أن تفطر؛ لأنه يلزمك التتابع، ولا تتابع مع الفطر؛ فإذا أفطر يلزمه الاستئناف؛ لأنه أفطر لعذر لا يبيح الفطر.

في مثل هذه الحال، لو أن أحداً استفتاك: هل يلزمك الاستفصال؟ أو تقول: ابنِ؟ أو تقول: استأنف؟ هنا يجب على المفتي الاستفصال؛ لأنه لا يتم الحكم إلا بمعرفة الحال، كما لو سألك سائل فقال: هلك هالك عن بنت، وأخ، وعم شقيق، فالبنت ما يحتاج أن نستفصل عنها، والأخ نستفصل، نقول: هل هو لأم أو لغير أم؟ والعم معروف أنه شقيق؛ لأنه إذا قال: الأخ لأم، قلنا: ليس له شيء، والذي أسقطه البنتُ، الفرعُ الوارثُ، والباقي للعم؛ لأنه عاصب وهو «أولى رجل ذكر»، وإن قال: إن الأخ شقيق، أو لأب، قلنا: المال الباقي للأخ، والعم يسقط.
ولو سألني سائل قال: هلك هالك عن ابن وأب، فما يحتاج أن أستفصل: هل الابن رقيق، أو حر، أو قاتل، أو غير قاتل؟ إذن نأخذ من هذا قاعدة: أنه لا يلزمني السؤال عن وجود المانع، لكن يلزمني السؤال عن تحقق الشرط؛ لأن المانع الأصل عدمه، والشرط الأصل عدمه، ولهذا أتحقق من وجوده، وهذه مسألة في الحقيقة يحتاج إليها طالب العلم عند الفتوى، فنقول: السؤال عن وجود المانع ليس بواجب، والسؤال عن وجود الشرط واجب؛ لأن الأصل فيهما العدم.
قوله: «وإن نذر أياماً معدودة لم يلزمه» أي: التتابع «إلا بشرط أو نية» الدليل على أنه يلزمه إذا اشترط قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وإن لم يتضح

لك ذلك، فقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء: 34]، وهذا شيء عاهدت الله عليه أن يكون متتابعاً، فتابعه.
فإذا قال قائل: لماذا لا تجوِّزون لي التفريق؛ لأنه أسهل؟ ومن الذي قال لكم: إن التتابع من البر حتى تلزموني به؟ فالجواب: لو راعيت أيها الناذرُ الأسهلَ لم تنذر أصلاً، أنت الذي ألزمت به نفسك، وأما التتابع فإنه من البر؛ لأن الله تعالى اشترطه في الكفارة، ولولا أنه محبوب إلى الله ـ عزّ وجل ـ ما اشترطه، ثم على فرض أنه ليس من البر فأنت نذرت لله ـ عزّ وجل ـ عبادة موصوفة بصفة غير محرمة، فتكون الصفة تابعة للموصوف، فإذا نذرت شهرين متتابعين، والتتابع غير محرم، وصوم الشهرين مشروع بالنذر فالتتابع مشروع، فيلزمك الوفاء به على ما شرطت.
والدليل على أنه يلزمه التتابع إذا كان بنية الحديث الأصل الذي يعتبر عمدة وعماداً لكل الأعمال الصالحة، وهو قول الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» 1.

صفحة فارغة

فصول الكتاب · 31 فصل · 4021 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الممتع على زاد المستقنع · 4021 صفحة
ـ[الشرح الممتع على زاد المستقنع]ـمقدمة المؤلف
كِتَابُ الطَّهارة
كتابُ الصَّلاة
كِتَابُ الجَنَائِزِ
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتابُ المَنَاسِكِ
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كِتَابُ الوَقْفِ
كِتابُ الوَصَايَا
كتاب الفرائض
كِتَابُ العِتْقِكتاب النكاح
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الطَّلاَقِ
كِتَابُ الإِيلاَءِ
كِتَابُ الظِّهَارِ
كِتَابُ اللِّعانِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ
كِتَابُ الْحُدُودِ
كِتَابُ الأَْطْعِمَةِ
كِتَابُ الأَيْمَانِ
كِتَابُ القَضَاءِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الإِقْرَارِ
جارٍ التحميل