فصل في شروط من تقبل شهادته
والحكمة في اعتبار هذه الشروط: حفظ الأموال، والأعراض، والأنفس أن تنال بغير حق، فاعتبرت أحوال الشهود بخلوهم عما يوجب التهمة فيهم، ووجوب ما يوجب تيقظهم؛ ليغلب على الظن صدقه.
- مسألة: (وَشُرِطَ فِي شَاهِدٍ) ستة شروط: الشرط الأول: (إِسْلَامٌ)، فلا تقبل شهادة كافر، ولو شهد على كافر مثله؛ لقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: 2]، والكافر ليس منا، ولو قبلت شهادة غير المسلمين لم يكن لقوله: (منكم) فائدة، ولأن الكافر غير مأمون.
الجزء: 3 - الصفحة: 540
وأما حديث جابر رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَجَازَ شَهَادَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ» [ابن ماجه 2374] فضعيف؛ لأنه من رواية مجالد بن سعيد، وهو ضعيف، ولو سُلِّم؛ فيحتمل أنه أراد اليمين؛ لأنها تسمى شهادة، قال الله تعالى: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله﴾ [النور: 6].
- فرع: يستثنى من شرط الإسلام: شهادة رجلين كتابيين في سفر على وصية مسلم أو كافر عند عدم مسلم؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءٍ، فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامًا مِنْ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا مِنْ ذَهَبٍ، فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلم، ثُمَّ وُجِدَ الجَامُ بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: ابْتَعْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ، فَقَامَ رَجُلانِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ فَحَلَفَا لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وَإِنَّ الجَامَ لِصَاحِبِهِمْ، قَالَ: وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ [المائدة: 106]» [البخاري 2780]، وقضى بذلك أبو موسى الأشعري [أبو داود 3605]، وابن مسعود رضي الله عنهما [الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد 289]. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: تقبل شهادة الكفار في موضعين: 1 - قبول شهادة الكافر -ولو من غير أهل الكتاب- في الشهادة لمسلم في كل موضع ضرورة إذا لم يوجد غيره، حضراً وسفراً؛ قياساً على الوارد في حديث ابن عباس رضي الله عنهما السابق.
الجزء: 3 - الصفحة: 541
2 - قبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، وإن اختلفت مللهم، فتقبل شهادة اليهودي على النصراني، والعكس؛ لقوله تعالى: (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض)، فتقبل شهادة بعضهم على بعض؛ لأن بعضهم يلي على بعض، ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما: «أَنَّ اليَهُودَ جَاؤُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا، فَأَمَرَ بِهِمَا، فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ مَوْضِعِ الجَنَائِزِ عِنْدَ المَسْجِدِ» [البخاري 1329، ومسلم 1699]، وفي حديث جابر عند أبي داود [4452]: «فَدَعَا رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشُّهُودِ، فَجَاؤُوا بِأَرْبَعَةٍ، فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ»، وفي رواية: «ائْتُوا بِأَرْبَعَةٍ مِنْكُمْ يَشْهَدُونَ» [شرح معاني الآثار 6096].
(وَ) الشرط الثاني: (بُلُوغٌ)، فلا تقبل شهادة من صغير، ذكر أو أنثى، ولو كان في حال أهل العدالة؛ بأن كان متصفًا بما يتصف به المكلف العدل؛ لقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: 282] والصبي لا يسمى رجلًا؛ ولأنه غير مقبول القول في حق نفسه، ففي حق غيره أولى.
واختار شيخ الإسلام: تقبل شهادة الصبيان فيما لا يطلع عليه الرجال؛ لما روى مسروق: «أَنَّ سِتَّةَ غِلْمَةٍ ذَهَبُوا يَسْبَحُونَ، فَغَرِقَ أَحَدُهُمْ، فَشَهِدَ ثَلَاثَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ أَنَّهُمَا غَرَّقَاهُ، وَشَهِدَ اثْنَانِ عَلَى ثَلَاثَةٍ أَنَّهُم غَرَّقُوهُ، فَقَضَى علي رضي الله عنه عَلَى الثَّلَاثَةِ خُمُسَيِ الدِّيَةِ، وَعَلَى الِاثْنَيْنِ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ الدِّيَةِ» [ابن أبي شيبة 27873]، ولما روى ابن أبي مليكة: «أَنَّهُ كَانَ قَاضِيًا لِابْنِ الزُّبَيْرِ، فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنْ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ، فَلَمْ يُجِزْهُمْ وَلَمْ يَرَ شَهَادَتَهُمْ شَيْئًا،
الجزء: 3 - الصفحة: 542
فَسَأَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: إِذَا جِيءَ بِهِمْ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ» [البيهقي 20612]، ولأنه لو لم تقبل شهادتهم في هذه الحال لضاعت الحقوق مع غلبة الظن بصدقهم أحياناً.
(وَ) الشرط الثالث: (عَقْلٌ)، فلا تقبل الشهادة من معتوه ولا مجنون؛ لأنه لا يمكنه تحمُّل الشهادة ولا أداؤها؛ لاحتياجها إلى الضبط، وهو لا يعقله.
(وَ) الشرط الرابع: (نُطْقٌ)، أي: كون الشاهد متكلمًا، فلا تقبل شهادة أخرسَ ولو فهمت إشارته؛ لأن الشهادة يعتبر فيها اليقين، ولذلك لا يكتفى بإشارة الناطق، وإنما اكتفي بإشارة الأخرس في أحكامه المختصة به للضرورة، (لَكِنْ تُقْبَلُ مِنْ أَخْرَسَ) إذا أداها (بِخَطِّهِ)؛ لدلالة الخط على الألفاظ.
واختار ابن عثيمين: أن شهادة الأخرس تقبل إذا فهمت إشارته؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «صَلَّى رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٍ، فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا» [البخاري 688، ومسلم 412]، فدل على أن الإشارة طريق يحصل به العلم.
الجزء: 3 - الصفحة: 543
- فرع: (وَ) تقبل الشهادة (مِمَّنْ) أي: من مجنون (يُفِيقُ) أحياناً إذا شهد (حَالَ إِفَاقَتِهِ)؛ لأنها شهادة من عاقل، أشبه من لم يجن.
والشرط الخامس: الحفظ، فلا تقبل شهادةٌ من مغفَّل، ولا من معروفٍ بكثرة غلط ونسيان؛ لأن الثقة لا تحصل بقوله؛ لاحتمال أن تكون شهادته مما غلط فيها وسها؛ ولأنه ربما شهد على غير من استشهد عليه، أو بغير ما شهد به، أو لغير من أشهده.
وعُلِمَ منه: أنها تقبل ممن يقِلُّ منه ذلك؛ لأنه لا يسلم أحد من الغلط والنسيان.
(وَ) الشرط السادس: (عَدَالَةٌ)، ظاهرًا وباطنًا؛ لقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: 2]، وقوله: ﴿إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا﴾ [الحجرات: 6]، ولأن غير العدل لا يؤمن منه أن يتحامل على غيره، فيشهد عليه بغير حق.
والعدالة لغة: الاستقامة والاستواء، وشرعاً: استواء أحواله في دينه، واعتدال أقواله وأفعاله. - مسألة: (وَيُعْتَبَرُ لَهَا) أي: للعدالة (شَيْئَانِ): (الأَوَّلُ مِنْهُمَا: الصَّلَاحُ فِي الدِّينِ، وَهُوَ):
الجزء: 3 - الصفحة: 544
1 - (أَدَاءُ الفَرَائِضِ)، أي: الصلوات الخمس، والجمعة، وما وجب من صوم، وحج، وزكاة، وغيرهم، (بِرَوَاتِبِهَا) أي: سنن الصلاة الراتبة، فلا تقبل الشهادة إن داوم على ترك الرواتب 1؛ لأن تهاونه بها يدل على عدم محافظته على أسباب دينه.
2 - (وَاجْتِنَابُ المَحَارِمِ)؛ لأن من أدى الفرائض واجتنب المحارم عُدَّ صالحاً عرفاً، فكذا شرعًا، وذلك: (بِأَلَّا يَأْتِيَ كَبِيرَةً)؛ لأن الله تعالى نهى عن قبول شهادة القاذف، وقيس عليه كل مرتكب كبيرة، (وَ) أن (لَا يُدْمِنَ) أي: لا يداوم (عَلَى صَغِيرَةٍ)؛ لأن من لم يرتكب كبيرة وأدمن على الصغيرة لا يعد مجتنبًا للمحارم.
أما مجرد ارتكاب الصغيرة فلا يؤثر؛ لأنه يؤدي إلى عدم قبول شهادة أحد.
(الثَّانِي) مما يعتبر للعدالة: (اسْتِعْمَالُ المُرُوءَةِ، بِفِعْلِ مَا يُزَيِّنُهُ وَيُجَمِّلُهُ) عادة؛ كالسخاء وحسن الخلق، (وَتَرْكِ مَا يُدَنِّسُهُ وَيَشِينُهُ) أي: يعيبه عادة من
الجزء: 3 - الصفحة: 545
الأمور المزرية؛ كمتمسخر، ومتزين بزيٍّ يُسخر منه، ونحو ذلك؛ لأن من فقدهما فقد اتصف بالدناءة والسقاطة، فلا تحصل الثقة بكلامه.
وقال شيخ الإسلام: (يعتبر العدل في كل زمن ومكان وطائفة بحسبها؛ لئلا تضيع الحقوق).