فصل في الشِّجاج
الشَّجُّ: القطعُ، ومنه: شجَجْتُ المفازةَ، أي: قَطعتُها.
وهي: اسمٌ للجُرح في الرَّأس والوجه خاصَّةً؛ سُمِّيت بذلك؛ لأنَّها تقطع الجلد، وقد تستعمل في غير ذلك من الأعضاء.
- مسألة: الشجَّة باعتبار تسميتها المنقولة عن العرب عَشْرٌ، وهي على قسمين: القسم الأول: شِجاج مُقدَّرة، وهي على مراتب:
الجزء: 3 - الصفحة: 361
الأولى: ما أشار إليها بقوله: (وَفِي المُوضِحَةِ)، سميت بذلك؛ لأنها تُوضِح العظم، أي: تُبرِزه، ولو بقدر رأس إبرة، فلا يُشترط وضوحه للناظر، والوضح: البياض: (خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ)، ؛ لما في حديث عمرو بن حزم المتقدم، وفيه: «وَفِي المُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ».
وسواء كانت الموضحة في الرأس أو الوجه؛ لما ورد عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما: «الْمُوضِحَةُ فِي الوَجْهِ وَالرَّأْسِ سَوَاءٌ» [ابن أبي شيبة: 26823].
(وَ) الثانية: (الهَاشِمَةُ)، وهي التي تُبرز العظم وتَهْشِمه، أي: تكسره، وفيها: (عَشْرٌ) من الإبل؛ لقول زيد بن ثابت رضي الله عنه: «وَفِي الهَاشِمَةِ: عَشْرٌ، وَفِي المَنْقُولَةِ: خَمْسَ عَشْرَةَ، وَفِي المَأْمُومَةِ: ثُلُثُ الدِّيَةِ» [عبد الرزاق: 17321]، ولا يعرف له مخالف من الصحابة.
(وَ) الثالثة: (المُنَقِّلَةُ)، وهي التي تُوضِح العظم وتَهشِمه وتنقله: وفيها (خَمْسَةَ عَشَرَ) بعيرًا؛ إجماعًا، لكتاب عمرو بن حزم رضي الله عنه السابق، وفيه «وَفِي المُنَقِّلَةِ: خَمْسَ عَشْرَةَ فَرِيضَةً»، ولقول زيد بن ثابت رضي الله عنه السابق.
(وَ) الرابعة: (المَأْمُومَةُ)، وتسمى الآمّة، وأم الدماغ، وهي التي تصل إلى جلدة الدماغ، وفيها: (ثُلُثُ الدِّيَةِ)؛ لما في كتاب عمرو بن حزم السابق، وفيه: «وَفِي المَأْمُومَةِ: ثُلُثُ الدِّيَةِ»، (كَالجَائِفَةِ)؛ أي: فيها ثُلث الدية؛ لكتاب عمرو بن حزم: «فِي الجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ»، وهي التي تصل باطن
الجزء: 3 - الصفحة: 362
الجوف؛ كبطن وظهر وصدر.
(وَ) الخامسة: (الدَّامِغَةُ)، وهي التي تخرق جلدة الدماغ، وفيها: ثُلُث الدية؛ لأنها أبلغ من المأمومة، وصاحبها لا يسلم غالبًا.
واختار ابن عثيمين: أن فيها ثلث الدية والأرش لخرق الجلدة؛ لأنها أعظم خطرًا من المأمومة.
(وَ) القسم الثاني: شِجاج غير مُقدَّرة؛ لعدم ورود تقديرها من الشرع، وهي:
الأولى: ما أشار إليها بقوله: (فِي الحَارِصَةِ)، وهي التي تحرص الجلد، أي: تشقه ولا تُسيل دمه، سميت بذلك؛ لوصول الشق إليه.
(وَ) الثانية: (البَازِلَةُ)، وتسمى الداميةَ، والدامعةَ؛ لقلة سيلان دمها، تشبيهًا بخروج الدمع من العين.
(وَ) الثالثة: (البَاضِعَةُ)، وهي التي تبضع اللحم، أي: تشقه بعد الجلد.
(وَ) الرابعة: (المُتَلَاحِمَةُ)، وهي الغائصة في اللحم، أي: دخلت فيه دخولًا فيه كثيرًا، فوق الباضعة ودون السمحاق.
(وَ) الخامسة: (السِّمْحَاقُ)، وهي التي بينها وبين العظم قشرة رقيقة.
فهذه الخمس لا مقدر فيها، بل فيها (حُكُومَةٌ)؛ لأنَّه لا توقيفَ فيها في
الجزء: 3 - الصفحة: 363
الشرعِ، ولا قياس يقتضيه، فكانت كجِراحات بقيَّة البدن.
- فرع: الحكومة أن يُقوَّم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به، ثم يُقوَّم والجناية به قد برئت، فما نقص من القيمة فللمجني عليه مثل نسبته من الدية.
قال في المغني: (وهذا الذي ذكره الخرقي في تفسير الحكومة قول أهل العلم كلهم، لا نعلم فيه خلافًا).