فصل في الكتابة
مشتقة من الكَتْب، وهو الجمع؛ لأنها تجمع نجومًا.
وشرعًا: بيع سيد عبدَه نفسَه بمال معلوم، يصح السلم فيه، مؤجل في ذمته بأجلين فأكثر.
والأصل في الكتابة قوله تعالى: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾ [النور: 33]، وقصة بَرِيرَةَ رضي الله عنها [البخاري 2156، ومسلم 1504]، وأجمع المسلمون على مشروعيتها.
الجزء: 2 - الصفحة: 567
- مسألة: (وَ) حكم الكتابة لا يخلو من ثلاثة أقسام:
الأول: (تُسَنُّ كِتَابَةُ مَنْ عَلِمَ فِيهِ خَيْراً)؛ لقوله تعالى: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾ [النور: 33]، (وَهُوَ) أي: الخير: (الكَسْبُ وَالأَمَانَةُ)، والآية محمولة على الندب؛ لحديث أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ» [الدارقطني 2886]، ولأنه دعاء إلى إزالة ملكه بعوض، فلم يجبر السيد عليه؛ كالبيع.
وعنه: تجب، إذا ابتغاها من سيده أجبر عليها بقيمته؛ لظاهر الآية، لأن الأصل في الأمر الوجوب، وعن قتادة قال: «سَأَلَ سِيرِينُ أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ الْكِتَابَةَ، فَأَبَى أَنَسٌ، فَرَفَعَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ الدِّرَّةَ، وَتَلَا: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾، فَكَاتَبَهُ أَنَسٌ» [عبدالرزاق 15577]، ولأن الشارع يتشوف إلى تكثير الأحرار، قال ابن عثيمين: (وهذا القول قوي جدًّا، بشرط أن نعلم فيه خيراً).
(وَ) الثاني: (تُكْرَهُ) الكتابة (لِمَنْ لَا كَسْبَ لَهُ)؛ لئلا يصير كَلًّا على الناس ويحتاج إلى السؤال.
وعنه: لا تكره؛ لأن بَرِيرَةَ كاتبت ولا حرفة لها، فلم ينكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن قدامة: (وينبغي أن ينظر في المكاتب؛ فإن كان ممن يتضرر
الجزء: 2 - الصفحة: 568
بالكتابة ويضيع لعجزه عن الإنفاق على نفسه ولا يجد من ينفق عليه؛ كرهت كتابته، وإن كان يجد من يكفيه مؤنته؛ لم تكره كتابته؛ لحصول النفع بالحرية من غير ضرر).
- مسألة: (وَيَجُوزُ بَيْعُ المُكَاتَبِ)، وهبته، والوصية به، ذكراً كان أو أنثى؛ لما روت عائشة رضي الله عنها: أن بَرِيرَةَ جاءتها تستعينها في كتابتها، ولم تكن قضت من كتابتها شيئًا، فقالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك، فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك ويكون ولاؤك لي فعلتُ، فذكرتْ ذلك بريرة لأهلها فأبوا، وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل، ويكون لنا ولاؤك، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» [البخاري 2156، ومسلم 1504].
- فرع: (وَمُشْتَرِيه) أي: مشتري المكاتب، ومن انتقل إليه المكاتب بوصية وهبة (يَقُومُ مَقَامَ مُكَاتِبِهِ)، فيؤدي إليه المكاتَب ما بقي من كتابته، (فَإِنْ أَدَّى) المكاتب للمشتري ما بقي من مال الكتابة؛ (عَتَقَ، وَوَلَاؤُهُ) أي: المكاتَب (لِمُنْتَقِلٍ إِلَيْهِ)؛ لأن الكتابة عقد لازم، فلم تنفسخ بنقل الملك في المكاتب.
وإن عَجَزَ عن الأداء لمن انتقل إليه؛ عاد قنًّا؛ لأن حكمه مع بائعه ونحوه كذلك، ولقول عائشة رضي الله عنها: «هُوَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ» [علقه البخاري 3/ 162]، وقال الترمذي: (هو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم).
الجزء: 2 - الصفحة: 569