في موقف الإمام والمأمومين
- مسألة: موقف المأموم من الإمام ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يكون الإمام ذكراً، فلا يخلو من أحوال:
الجزء: 1 - الصفحة: 322
الحالة الأولى: أن يكون المأموم ذكراً، اثنين فأكثر: فقال رحمه الله: (وَسُنَّ وُقُوفُ المَأْمُومِينَ) اثنين فأكثرَ (خَلْفَ الإِمَامِ)؛ لحديث أنس رضي الله عنه، وفيه: «فَقَامَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاليَتِيمُ مَعِي وَالعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ» [البخاري 860، ومسلم 658].
- فرع: يستثنى من ذلك: إمام العراة، فيقف بينهم وجوباً؛ لأنه أستر من أن يتقدم عليهم، ما لم يكونوا عُمْيًا أو في ظلمة.
- فرع: إن خالفوا في موقفهم من الإمام، فلا يخلو من أقسام:
1 - أن يقفوا عن يمين الإمام: صحَّت صلاتهم؛ لأنه موقف الواحد مع الإمام، فصح أن يكون موقفَ أكثرَ مِن واحد أيضاً.
2 - أن يقفوا عن جانبي الإمام: صحت كذلك؛ لأن «ابن مسعود - رضي الله عنه - صلى بين علقمة والأسود، فجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله» [مسلم 534]. 3 - أن يقفوا عن يسار الإمام مع خلو يمينه: فلا تصح إن صلى الإمام ركعة فأكثر؛ لإدارة النبي صلى الله عليه وسلم جابراً [مسلم 3010]، وابنَ عباس رضي الله عنهم [البخاري: 117، ومسلم: 763]، وهو من المفردات.
وعنه وفاقاً للثلاثة: تصح، قال في الفروع: (وهو الأظهر)؛ كما لو كان عن يمينه، وكون النبي صلى الله عليه وسلم أدار جابراً وابن عباس رضي الله عنهم لا يدل على عدم الصحة؛ لأنه مجرد فعل، بدليل ردِّه جابرًا وجَبَّارًا إلى ورائه [مسلم: 3010]،
الجزء: 1 - الصفحة: 323
مع صحة صلاتهما عن جانبيه.
الحالة الثانية: أن يكون المأموم ذكراً واحداً فقط، فقال رحمه الله: (وَ) المأمومُ (الوَاحِدُ) يقف (عَنْ يَمِينِهِ) أي: الإمام (وُجُوباً)، لإدارة النبي صلى الله عليه وسلم ابن عباس وجابراً إلى يمينه لمَّا وقفا عن يساره.
فإن وقف عن يساره، ففيه الخلاف السابق فيما إذا وقفوا عن يساره، خلافاً ومذهباً.
الحالة الثالثة: أن يكون المأموم أنثى فأكثر، فقال رحمه الله: (وَالمَرْأَةُ) تقف (خَلْفَهُ) أي: خلف الإمام (نَدْباً)؛ لحديث أنس رضي الله عنه السابق، وفيه: «وَالعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا»، فلو وقفت عن يمينه صحت، وإن وقفت عن يساره مع خلو يمينه، ففيه الخلاف السابق.
- مسألة: (وَمَنْ صَلَّى) مأمومًا (عَنْ يَسَارِ الإِمَامِ مَعَ خُلُوِّ يَمِينِهِ)، لم تصح صلاته، وسبق.
القسم الثاني: أن يكون الإمام أنثى، فلا تخلو من أحوال: الحالة الأولى: أن تكون أنثى مع أنثى واحدة: فحكمها كذَكَرٍ مع ذكر، وقد سبق.
الحالة الثانية: أن تكون أنثى مع إناث، ، فحكمها: كذكر مع ذكور،
الجزء: 1 - الصفحة: 324
لكن تقف إمامة النساء وسطهن استحبابا، ورد عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما [عبد الرزاق 3/ 140 - 141].
- مسألة: إذا وقف المأموم قُدَّام الإمام -ولو بقدر تكبيرة الإحرام- لم تصح صلاة المأموم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِه» [البخاري 378، ومسلم 411]، والمخالفة في الأفعال مبطِلة؛ لكونه يحتاج في الاقتداء إلى الالتفات خلفه؛ ولأنه لم يُنقل عنه صلى الله عليه وسلم ولا هو في معنى المنقول.
- فرع: الاعتبار بالتقدم والتأخر بمؤخر القدم، فلو تقدم عَقِبُ المأموم على عقب الإمام؛ لم تصح صلاة المأموم.
وقال في الفروع: ويتوجه العرف.
ص 322 مطبوع ملف 1 بي دي اف. - فرع: يستثنى من ذلك:
1 - داخلَ الكعبة في نفل، بأن كان وجه الإمام إلى وجه المأموم، أو كان ظهر المأموم إلى ظهر الإمام؛ لأنه لا يعتقد خطأه، ولا تصح إن جعل المأمومُ ظهره إلى وجه الإمام؛ لتقدمه على إمامه.
2 - إذا استدار الصف حول الكعبة، فلا بأس بتقدم المأموم إذا كان في غير جهة الإمام؛ لأنه لا يتحقق تقدمه عليه، قال المجد: (لا أعلم فيه خلافاً)، دون جهة الإمام، فلا تصح إن تقدم عليه فيها.
3 - في شدة الخوف إذا أمكن المتابعة؛ لدعاء الحاجة إليه، فإن لم
الجزء: 1 - الصفحة: 325
تمكن المتابعةُ لم يصح الاقتداء.
وفي وجه، واختاره شيخ الإسلام: أنه تصح الصلاة قُدام الإمام مع العذر، كما في شدة الزحام إذا لم يمكنه أن يصليَ الجمعة أو الجنازة إلا قُدام الإمام؛ لأن تَرْكَ التَقدُّمِ غايتُه أن يكون واجباً من واجبات الصلاة في الجماعة، والواجبات كلها تسقط بالعذر.
- مسألة: (أَوْ) صلى مأمومٌ خلف الإمام، أو خلف الصف (فَذًّا) أي: منفرداً (رَكْعَةً) كاملة؛ (لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ)، عامدًا أو ناسيًا، عالمًا أو جاهلاً، وهو من المفردات؛ لحديث وابِصَةَ بن مَعْبَدٍ رضي الله عنه قال: «صَلَّى رَجُلٌ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعِيدَ» [أحمد 18002، وأبو داود 682، والترمذي 231، وابن ماجه 1004]، ولأنه خالف الموقف، أشبه ما لو وقف قدام الإمام.
ويستثنى من ذلك: 1 - أن يكون الفذ الذي خلف الإمام أو الصف امرأةً خلف رجل، فتصح صلاتها؛ لحديث أنس السابق، وفيه: «وَالعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا»، فإن صلت المرأة منفردة في جماعة النساء لم تصح صلاتها؛ كالرجل.
2 - أن تزول فَذِّيَّتُه، ولا يخلو من حالين: أ) أن يركع فذًّا لعذر- وهو خوف فوت الركعة- ثم يدخل الصف أو يقف معه آخر قبل سجود الإمام: صحت صلاته؛ لحديث
الجزء: 1 - الصفحة: 326
أبي بَكْرَةَ رضي الله عنه: أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «زَادَكَ الله حِرْصاً وَلا تَعُدْ» [البخاري 783].
ب أن يركع فذًّا لغير عذر، بأن كان لا يخاف فوت الركعة: فإن دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل رفع الإمام رأسه من الركوع صحت صلاته، وإلا لم تصح؛ لأن الرخصة وردت في المعذور.
وعنه، واختاره شيخ الإسلام وابن القيم: صحة صلاة المنفرد خلف الصف للعذر، كما لو لم يجد موقفاً في الصف؛ لحديث أنس رضي الله عنه، وفيه: «وَالعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا»، ولأن غاية المصافَّة أن تكون واجبة، فتسقط للعذر.