في صلاة الكسوف
يقال: كَسَفَتْ بفتح الكاف وضمها، ومثله خَسَفَتْ: وهو ذهاب ضوء الشمس أو القمر أو بعضه.
- مسألة: كسوف الشمس والقمر له سببان:
الجزء: 1 - الصفحة: 396
1 - سبب شرعي: وهو تخويف العباد ليرجعوا إلى الله.
2 - سبب كوني: توسط القمر بين الأرض والشمس في كسوف الشمس، وتوسط الأرض بين الشمس والقمر في خسوف القمر.
- مسألة: (وَتُسَنُّ صَلَاةُ كُسُوفٍ) عند وجود سببها؛ لحديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: كَسَفَتِ الشمسُ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات إبراهيم، فقال الناس: كَسَفَتِ الشمسُ لموت إبراهيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ فَصَلُّوا، وَادْعُوا الله» [البخاري: 1043]، وصارف الأمر إلى الاستحباب حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، لما جاء رجل يسأل عن الإسلام قال صلى الله عليه وسلم: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ».
فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» [البخاري: 46، ومسلم: 11]، وحكاه النووي إجماعاً.
واختار أبو عوانة، وقواه ابن القيم وابن عثيمين: أنها واجبة على الكفاية؛ للأمر الوارد في الحديث، وأما حديث طلحة فالمراد به الصلوات التي تجب يوميًّا، أما التي تجب عند وجود سبب فلا تدخل في الحديث، بدليل الصلاة المنذورة والجنازة. - فرع: يسن أن ينادى لها: (الصلاةَ جامعةً)؛ لحديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: «لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُودِيَ: إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ» [البخاري: 1045، ومسلم: 910].
الجزء: 1 - الصفحة: 397
- فرع: وقت صلاة الكسوف: من ابتداء الكسوف إلى حين التجلي؛ لحديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه مرفوعاً: «فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَادْعُوا الله وَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ» [البخاري: 1060]، فإن تجلى الكسوف وهو في الصلاة أتمها خفيفة، على صفتها؛ لحديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه مرفوعاً: «فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَصَلُّوا، وَادْعُوا الله حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ» [البخاري: 1041، ومسلم: 911]، ولا يقطعها؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ [محمد: 33]، وشرع تخفيفها؛ لزوال السبب، والحكم يدور مع علته.
- مسألة: صفة صلاة الكسوف: أن يصلي (رَكْعَتَيْنِ)، على أن تكون (كُلُّ رَكْعَةٍ بِقِيَامَيْنِ وَرُكُوعَيْنِ) وصفة ذلك: أن يقرأ في الأولى بعد الاستفتاح والتعوذ والبسملة الفاتحةَ، ثم سورةً طويلة من غير تعيين، ثم يركعَ ركوعاً طويلاً من غير تقدير، ثم يرفعَ رأسه ويسمِّعَ ويَحْمَدَ، ثم يقرأَ الفاتحة وسورةً طويلةً دون الأولى، ثم يركعَ فيطيلَ الركوعَ، وهو دون الركوع الأول، ثم يرفعَ فيسمِّعَ ويحمدَ ولا يُطيلَ، ثم يسجدَ سجدتين طويلتين، ولا يُطيلَ الجلوسَ بين السجدتين، ثم يصلي الركعة الثانية كالركعة الأولى، لكن دونها في كل ما يفعلُ فيها، ثم يتشهَّدَ ويسلِّمَ؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَلَّى رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ قِيَاماً طَوِيلاً نَحْواً مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَاماً طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَاماً طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ
الجزء: 1 - الصفحة: 398
رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَاماً طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ» [البخاري: 1052، ومسلم: 907].
- فرع: لا يُطيلُ القيامَ بعد الرفع من الركوع الثاني، ولا الجلوسَ بين السجدتين؛ لعدم وروده.
وقيل: يسن تطويلهما كباقي الأركان؛ لوروده في حديث جابر رضي الله عنه، وفيه: «فَأَطَالَ الْقِيَامَ، حَتَّى جَعَلُوا يَخِرُّونَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ» [مسلم: 904]. - فرع: الأفضل أن يصلي في كل ركعة ركوعين، وإن أتى مصلي الكسوف في كل ركعة بثلاثِ ركوعات أو أربعٍ أو خمسٍ جاز؛ لحديث جابر رضي الله عنه، وفيه: «فَصَلَّى بِالنَّاسِ سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» [مسلم: 904]، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما: «صَلَّى رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ، ثَمَانَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» [مسلم: 908]، وعن أبي بن كعب رضي الله عنه: «فَقَرَأَ بِسُورَةٍ مِنَ الطُّوَلِ، وَرَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ الثَّانِيَةَ، فَقَرَأَ سُورَةً مِنَ الطُّوَلِ، وَرَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ» [أبو داود: 1182]. واختار شيخ الإسلام: أنه لا يزيد على ركوعين في كل ركعة؛ لضعف الصفات الواردة غير هذه، وذلك أن الشافعي وأحمد والبخاري وغيرهم
الجزء: 1 - الصفحة: 399
رجحوا رواية الركوعين على باقي الروايات، ولأن جميع الروايات الواردة تشير إلى موت إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم، مما يدل على أنه صلاها مرة واحدة، قال شيخ الإسلام: (وهذا أصح الروايتين عن أحمد، وروي عنه أنه كان يجوز ذلك قبل أن يتبين له ضعف هذه الأحاديث).
- مسألة: (وَ) يسن (تَطْوِيلُ) قراءة الـ (سُورَةِ) في كل الركعات من غير تقدير؛ لحديث ابن عباس السابق، وفيه: «فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ».
- مسألة: يسن أن يقرأ في صلاة الكسوف جهراً ولو نهاراً، وهو من المفردات، واختاره شيخ الإسلام؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قال: «جَهَرَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلاةِ الخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ» [البخاري: 1065، ومسلم: 901].
- مسألة: (وَ) يسن تطويل الـ (تسْبِيحِ) في الركوع والسجود؛ لما تقدم في الحديث.
- مسألة: (وَ) يسن (كَوْنُ أَوَّلِ كُلِّ) ركوع من الركوعين (أَطْوَلَ) من الركوع الذي بعده، وسبق بيانه.
- مسألة: لا يشرع لصلاة الكسوف خطبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها دون الخطبة، وإنما خطب بعد الصلاة ليعلمهم حكمها، وهذا مختص به.
وقيل: يخطب خطبة واحدة من غير جلوس؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم في الأحاديث، حيث خطب خطبة واحدة، ولم يَرِدْ أنه خطب كخطبتي الجمعة.
الجزء: 1 - الصفحة: 400
- مسألة: لا يصلي لغير الكسوف من الآيات؛ لعدم نقله عنه وعن أصحابه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مع أنه وجد في زمانهم انشقاق القمر وهبوب الرياح والصواعق، إلا الزلزلةَ فيصلى لها إن دامت؛ لثبوته عن ابن عباس [عبد الرزاق: 4929]، وعن علي رضي الله عنهم [البيهقي: 6382]. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: أنه يُصلى لكل آية؛ لحديث أبي بَكْرَةَ رضي الله عنه مرفوعاً: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ الله تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ» [البخاري: 1048]، فدل على أن كل آيةِ تخويفٍ يصلى لها، وأما ما حصل في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - من رياح وصواعق فقد تكون معتادة.