فصل في كفارة الظهار
- مسألة: (وَهِيَ) أي: كفارة الظهار على الترتيب:
المرتبة الأولى: (عِتْقُ رَقَبَةٍ)، فمتى ملكها، أو ملك ثمن مثلها: لزمه العتق بالإجماع، إذا كان ذلك فاضلًا عن كفايته دائمًا، وكفاية من يمونه؛ كزوجته وولده، وفاضلًا عما يحتاجه من مسكن، ومركب، وعن وفاء دينه ولو لم يكن مطالبًا به، ونحو ذلك.
المرتبة الثانية: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) رقبة يُعتقها، أو وجدها ولم يجد ثمنها، أو وجدها لكن لا تباع إلا بزيادة كثيرة تجحف بماله، أو وجدها ولكن احتاجها لخدمة ونحوه: (فَـ) ـعليه (صِيَامُ شَهْرَيْنِ) إن قَدَر عليه، بشرط أن يكونا (مُتَتَابِعَيْنِ)، إجماعًا.
المرتبة الثالثة: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ) الصومَ لكِبَرٍ، أو مرض - ولو رجي زواله -، أو لخوف زيادته، أو تطاوله، أو لشَبَقٍ لا يصبر فيه عن جماع الزوجة إذا لم يقدر على غيرها، أو لضعف عن معيشته التي يحتاجها: (فَـ) يلزمه (إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً)؛ إجماعًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 213
والدليل على المراتب الثلاثة: قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) الآيات [المجادلة: 3].
- مسألة: (وَيُكَفِّرُ كَافِرٌ) ظاهر من زوجته (بِمَالٍ) أي: بإطعام، ولا يكفر بعتق؛ لأنه لا يصح منه شراء الرقبة المؤمنة؛ لقوله تعالى ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ [النساء: 141]، ولا بصوم؛ لعدم صحته منه.
ويستثنى من ذلك حالتان: 1 - إن كان بملكه رقبة مؤمنة، أو ورثها فأعتقها؛ صح، وأجزأت عنه.
2 - إن قال الكافر لمسلم: أعتق عبدك المسلم عني، وعلي ثمنه؛ فيصح عتقه عنه، ويجزئه؛ لأنه إنما يملكه زمنًا يسيرًا ولا يستلمه، فاغتفر يسير هذا الضرر، لتحصيل الحرية للأبد. - فرع: (وَ) يكفِّر (عَبْدٌ) ظاهر من زوجته؛ (بِالصَّوْمِ) أي: بصوم شهرين متتابعين؛ كالحر، ولا يكفر بالعتق أو الإطعام؛ لأن ماله لسيده.
- مسألة: (وَشُرِطَ فِي) إجزاء عتقِ (رَقَبَةٍ) في (كَفَّارَةٍ) يجب فيها عتق رقبة؛ وهي كفارة الظهار، والقتل، والوطء في نهارِ رمضانَ، واليمين باللهِ سبحانه، (وَ) في (نَذْرِ عِتْقٍ مُطْلَقٍ) أي: غير مقيد برقبة معينة، شرطان: الشرط الأول: (إِسْلَامٌ)، وحكاه ابن المنذر إجماعًا؛ لقوله تعالى: {وَمَنْ
الجزء: 3 - الصفحة: 214
قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}، وألحق بذلك سائر الكفَّارات، حملًا للمطلق على المقيد، ولحديث معاوية بن الحَكَم رضي الله عنه لما أراد أن يعتق جارية، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» [مسلم: 537]، فإذا كان العتق المطلق يشترط فيه أن تكون مسلمة، ففي الكفارة من باب أولى.
(وَ) الشرط الثاني: (سَلَامَةُ) الرقبة (مِنْ عَيْبٍ مُضِرٍّ بِالعَمَلِ ضَرَراً بَيِّناً)؛ كالشلل، والمرض الميؤوس منه، ونحو ذلك؛ لأن المقصود تمليك العبد منافعه، وتمكينه من التصرف لنفسه، ولا يحصل هذا مع ما يضر بالعمل ضررًا بينًا.
- مسألة: (وَلَا يُجْزِئُ التَّكْفِيرُ) بالإطعام (إِلَّا بِمَا يُجْزِئُ) في (فِطْرَةٍ)؛ مِن بُرٍّ، وشعيرٍ، وتمرٍ، وزبيبٍ وأقطٍ، ولا يُجزئُ غيرُها ولو كان قوتَ بلده؛ لأن الخبر ورد بإخراج هذه الأصناف في الفطرة، فلم يجز غيرها.
وفي وجه، اختاره ابن قدامة، وشيخ الإسلام: يجزئ التكفير بقوت بلده ولو كان من غير هذه الأصناف؛ لقول الله تعالى: ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾، ولقوله: ﴿فإطعام ستين مسكينا﴾ [المجادلة: 4]، فذكر الإطعام، ولم يذكر نوعه، فيرجع في ذلك إلى العرف.
الجزء: 3 - الصفحة: 215
- فرع: (وَيُجْزِئُ) في الكفارات كلها: (مِنَ البُرِّ: مُدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ؛ وَ) إن أخرج (مِنْ غَيْرِهِ) أي: غير البرِّ: (مُدَّانِ)؛ لما روى أبو يزيد المدني رحمه الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّ مُدَّيْ شَعِيرٍ مَكَانَ مُدِّ بُرٍّ» [ذكره في المغني (8/ 31) بإسناد أحمد به، ولم نقف عليه في المسند، وهو مرسل]، وحكاه الإمام أحمد عن زيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر رضي الله عنهم [عبد الرزاق 8/ 506، وما بعدها].
وذكر شيخ الإسلام: أن قَدْر ما يُخرَج في الكفارة المطلقة غير محدد، بل المرجع فيه إلى العرف، من غير تقدير ولا اشتراط تمليك؛ لأن الإطعام في آية الظهار ورد مطلقًا دون تحديد بمقدار معين، وما ليس له حد في الشرع ولا في اللغة رجع فيه إلى العرف، وآثار الصحابة في ذلك مختلفة.