الدلائل والإشارات على أخصر المختصراتفصل في تصرفات المريض
أهل الأثرالأرشيف العلمي
  • مسألة: تصرفات المريض تنقسم إلى قسمين: 1 - التصرفات التي ليست من قبيل التبرعات: مثل: البيع، والشراء، والشركة، والإجارة ونحو ذلك: فتصح من رأس المال إن كانت بثمن المثل، ولو كان المرض مَخُوفاً ما دام عقله باقيًا؛ لأنه ليس وصية؛ لأن الوصية تبرع، وليس هذا تبرعاً.
    فإن حابى المريض في تلك العقود؛ دخل قدر المحاباة في حكم التبرعات؛ لأنها كالهبة، وصحت في الباقي؛ لأن المانع من الصحة المحاباة، وهي في غير قدرها مفقودة.

الجزء: 2 - الصفحة: 482

2 - التبرعات: بأن يتصدق، أو يقف، أو يهب، أو يحابي؛ بأن يبيع بدون ثمن المثل، أو يشتري بأكثر، فهي المرادة هنا، ولا يخلو ذلك من ثلاثة أقسام: القسم الأول: أن يكون المرض غيرَ مخوف، وأشار إليه بقوله: (وَمَنْ مَرَضُهُ غَيْرُ مَخُوفٍ)؛ كصداع يسير، ووجع ضرس، ونحوهما: فـ (تَصَرُّفُهُ) لازم؛ (كَـ) تصرف إنسان (صَحِيحٍ)؛ لكونه لا يخاف منه الموت في العادة، ولو صار مخوفًا ومات منه؛ اعتبارًا بحال العطية؛ لأنه إذ ذاك في حكم الصحيح.
القسم الثاني: (أَوْ) كان المرض (مَخُوفـ) ـًا؛ (كَبِرْسَامٍ) وهو بخار يرتقي إلى الرأس يؤثر في الدماغ فيختل به العقل، (وَإِسْهَالٍ مُتَدَارِكٍ) أي: الإسهال الذي لا يستمسك ولو كان ساعة؛ لأن من لحقه ذلك أسرع في هلاكه، وكذا إسهال معه دم؛ لأنه يضعف القوة.
(وَمَا قَالَ طَبِيبَانِ، مُسْلِمَانِ، عَدْلَانِ)، لا ما قال واحد ولو لعدم غيره؛ لأنه يتعلق به حق الوارث، واشترطت العدالة والإسلام؛ لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]، فإذا كان هذا خبر الفاسق فخبر الكافر من باب أولى، (عِنْدَ إِشْكَالِهِ) أي: المرض: (إِنَّهُ مَخُوفٌ)، فيرجع إلى قولهما؛ لأنهما من أهل الخبرة.

الجزء: 2 - الصفحة: 483

واختار ابن عثيمين: المعتبر حذق الطبيب، والثقة بقوله، والأمانة، ولو كان غير مسلم؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم استأجر رجلاً - عبد الله بن أُريقط، وكان مشركاً- ليدله على الطريق في سفره في الهجرة [البخاري 2263]، وهذا ائتمان على المال وعلى النفس.

  • فرع: قال شيخ الإسلام: (ليس معنى المرض المخوف الذي يغلب على القلب الموت منه، أو يتساوى في الظن جانب البقاء والموت ... ، وإنما الغرض أن يكون سببًا صالحًا للموت، فيضاف إليه، ويجوز حدوثه عنده، وأقرب ما يقال: ما يكثر حصول الموت منه).
  • مسألة: من مرضه مخوف لا يخلو تبرعه من أمرين: 1 - أن يتبرع لوارث: فقال رحمه الله: (لَا يَلْزَمُ تَبَرُّعُهُ لِوَارِثٍ بِشَيْءٍ)؛ لأن التبرع بمرض الموت المخوف في حكم الوصية كما سيأتي، ولا وصية لوارث.
    2 - أن يتبرع لغير وارث: وأشار إليه بقوله: (وَلَا) يلزم تبرعه (بِمَا فَوْقَ الثُّلُثِ لِغَيْرِهِ) أي: لغير وارث (إِلَّا بِإِجَازَةِ الوَرَثَةِ)؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ، زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ» [ابن ماجه 2709]، فمفهومه: ليس لكم أكثر من الثلث، ويؤيد ذلك: ما روى عمران بن حصين رضي الله عنه: «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ فِي

الجزء: 2 - الصفحة: 484

مَرَضِهِ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَاسْتَدْعَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً» [مسلم 1668]، لأن هذه الحال الظاهر منها الموت، فكانت عطيته فيها كالوصية.

  • فرع: يستثنى من ذلك: الكتابة لرقيقه أو بعضه بمحاباة، فلو حاباه سيده المريض مرض الموت في الكتابة؛ جاز، وتكون المحاباة حينئذ من رأس المال 1. (وَ) القسم الثالث: (مَنِ امْتَدَّ مَرَضُهُ بِجُذَامٍ وَنَحْوِهِ)؛ كالسِّلِّ لا في حال انتهائه، والفالج في دوامه، فلا يخلو من أمرين: 1 - إن لزم الفراش: فعطاياه كوصيته؛ لأنه مريض صاحب فراش يخشى من التلف، أشبه صاحب المرض المخوف.

الجزء: 2 - الصفحة: 485

2 - (وَ) إن (لَمْ يَقْطَعْهُ بِفِرَاشٍ) أي: لم يلزمه الفراش؛ (فَكَصَحِيحٍ) في نفوذ عطاياه كلها من كل ماله؛ لأنه لا يخاف تعجيل الموت منه؛ كالهَرِم.

  • فرع: (وَيُعْتَبَرُ عِنْدَ المَوْتِ) أي: موت المتبرع (كَوْنُهُ) أي: كون من وُهب له أو وصى له (وَارِثاً أَوْ لَا)؛ لأن الموت وقت لزوم الوصايا أو استحقاقها، والعطية ملحقة بالوصية في ذلك.
    فمن أوصى لأخيه أو وهبه في مرض موته، ثم حدث له ولد؛ صحت الوصية أو الهبة إن خرجت من الثلث؛ اعتبارًا بحالة الموت، وإن أوصى لأخيه، وللموصي ولد فمات قبله؛ وقفت على إجازة بقية الورثة؛ لما تقدم.
  • مسألة: (وَ) تفارق العطيةُ في مرض الموت الوصيةَ في أربعة أحكام: الأول: (يُبْدَأُ بِالأَوَّلِ فَالأَوَّلِ بِالعَطِيَّةِ)؛ لوقوعها لازمة، والوصية يسوى بين متقدمها ومتأخرها؛ لأنها تبرع بعد الموت، فوجد دفعة واحدة.
    فلو أعطى زيداً ألف ريال، وأعطى عَمْراً ألف ريال، وأعطى خالداً ألف ريال، ثم مات، وكان ثُلُثُه ألف؛ فإنه يعطى زيد ألفاً ولا شيء للبقية، وأما في الوصية فإنهم يشتركون فيها.
    (وَ) الثاني: (لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهَا) أي: في العطية بعد القبض؛ لأنها

الجزء: 2 - الصفحة: 486

لازمة في حق المعطي، ولو كثرت، وإنما منع من التبرع بزيادة على الثلث لحق الورثة، بخلاف الوصية؛ فإنه يملك الرجوع فيها؛ لأن التبرع فيها مشروط بالموت، فقبل الموت لم يوجد، فهي كالهبة قبل القبول.
(وَ) الثالث: (يُعْتَبَرُ قَبُولُهَا) أي: قبول العطية (عِنْدَ وُجُودِهَا)؛ لأنها تصرف في الحال، فاعتبرت شروطه وقت وجوده، بخلاف الوصية، فلا حكم لقبولها ولا ردها قبله؛ لأنها تبرع بعد الموت.
(وَ) الرابع: (يَثْبُتُ المِلْكُ فِيهَا) أي: في العطية (مِنْ حِينِهَا) أي: حين وجودها بشروطها؛ كالهبة، لكن يكون الملك مراعًى؛ لأنا لا نعلم هل هذا مرض الموت أو لا، ولا نعلم هل يستفيد مالًا أو يتلف شيء من ماله؟ فإذا مات وخرجت العطية من ثُلُثِه عند موت تبيَّنَّا أن الملك كان ثابتًا من حين العطية؛ لعدم المانع منه، فلو أعتق رقيقًا في مرضه، فكسب الرقيق، ثم مات سيده فخرج الرقيق من الثُلُث؛ كان كسبه له إن كان معتقًا؛ لأنا تبيَّنَّا حريته من حين العتق، (وَالوَصِيَّةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ كُلِّهِ)؛ فلا تملك قبل الموت؛ لأنها تمليك بعده فلا تتقدمه.

الجزء: 2 - الصفحة: 487

فصول الكتاب · 219 فصل
فصول الدلائل والإشارات على أخصر المختصرات
المقدمة(فَصْلٌ) في أحكام الآنية(فَصْلٌ) في آداب دخول الخلاء وأحكام الاستنجاءفصل في أحكام الاستنجاء(فَصْلٌ) في السواك وما ألحق به من الادهان وسنن الفطرة(فَصْلٌ) في فروض الوضوء(فَصْلٌ) في المسح على الخفين وغيرهما من الحوائل(فَصْلٌ) في نواقض الوضوء(فَصْلٌ) في الغسل(فَصْلٌ) في التيمم(فَصْلٌ) في النجاسات وكيفية تطهيرها(فَصْلٌ فِي الحَيْضِ) والاستحاضة، والنفاسفصل في أحكام النفاس(كِتَابُ الصَّلَاةِ)(فَصْلٌ)(فَصْلٌ)فصل في مكروهات الصلاة(فَصْلٌ) في أركان الصلاة وواجباتها وسننها(فَصْلٌ)(فَصْلٌ)فصلفصل(فَصْلٌ)(فَصْلٌ)فصلٌفصلٌفصلٌ(فَصْلٌ) في صلاة أهل الأعذار(فَصْلٌ)فصل في الجمعفصل في صلاة الخوف(فَصْلٌ) في صلاة الجمعةفصلفصل(فَصْلٌ) في صلاة العيدين(فَصْلٌ)فصل(كِتَابُ الجَنَائِزِ)(فَصْلٌ)فصل(فَصْلٌ)فصل في حمل الميت ودفنهفصل(كِتَابُ الزَّكَاةِ)فصلفصلفصل(فَصْلٌ)(فَصْلٌ)فصل(فَصْلٌ) في زكاة الفِطْر(فَصْلٌ) في إخراج الزكاة، وما يتعلق بهفصل في أهل الزكاةفصل في موانع الزكاة(كِتَابُ الصِّيَامِ)(فَصْلٌ)فصل في الجماع في نهار رمضانفصل(فَصْلٌ)(فَصْلٌ) في الاعتكاف(كِتَابُ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ)فصل في الإحرام(فَصْلٌ) في المواقيتفصل في محظورات الإحرام(فَصْلٌ في الفِدْيَةِ)فصل في جزاء الصيدفصل في حكم صيد الحرم(فَصْلٌ في صِفَةِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ)فصل(فَصْلٌ) في أركان وواجبات الحج والعمرة(فَصْلٌ)فصل(كِتَاب الجِهَادُ)(فَصْلٌ)فصل(كِتَابُ البَيْعِ وَسَائِرِ المُعَامَلَاتِ)فَصْلٌ(فَصْلٌ)(فَصْلٌ) في الخيار(فَصْلٌ)(فَصْلٌ)فَصْلٌ فِي الصَّرْفِ(فَصْلٌ)(فَصْلٌ)(فَصْلٌ) في القرض(فَصْلٌ) في الرهن(فَصْلٌ) في الضمانفصل في الكفالةفصل في الحوالة(فَصْلٌ) في الصلح(فَصْلٌ) في أحكام الجوار(فَصْلٌ) في الحَجْرِ(فَصْلٌ) في المحجور عليه لحظ نفسه(فَصْلٌ) في الوكالة(فَصْلٌ) في الشركة(فَصْلٌ) في المساقاة(فَصْلٌ)فَصْلٌ(فَصْلٌ) في السَّبَق(فَصْلٌ) في العارية(فَصْلٌ) في الغصب(فَصْلٌ)(فَصْلٌ) في الشُّفْعَة(فَصْلٌ) في الوديعة(فَصْلٌ) في إحياء المَوَات(فَصْلٌ) في الجعالة(فَصْلٌ) في اللُّقَطةفصل في اللَّقِيط(فَصْلٌ) في الوقف(فَصْلٌ) في الهبة والعطيةفصلفصل في تصرفات المريض(كِتَابِ الوَصَايَا)فصل في الموصى لهفصل في الموصى بهفصل في الوصية بالأنصاء والأجزاء(فَصْلٌ) في الموصى إليه(كِتَابُ الفَرَائِضِ)(فَصْلٌ) في الجد والإخوة(فَصْلٌ) في الحجب(فَصْلٌ) في العصبات(فَصْلٌ) في أصول المسائل والعولفصل في الردفصل في قسم التركات(فَصْلٌ) في ذوي الأرحام(فَصْلٌ) في ميراث الحَمْلفصل في ميراث القاتل والمبعض(كِتَابُ العِتْقِ)فصل في التدبيرفصل في الكتابةفصل في حكم أمهات الأولاد(كِتَابُ النِّكَاحِ)(فَصْلٌ) في أركان النكاحفصل في شروط النكاح(فَصْلٌ) في المحرمات في النكاحفصل(فَصْلٌ) في الشروط في النكاح(فَصْلٌ) في العيوب في النكاحفصل في نكاح الكفار، وما يتعلق بهفصل في التفويض وغيره(فَصْلٌ) في وليمة العرس(فَصْلٌ) في عشرة النساءفصل في أحكام الجماع والمبيتفصل في القَسْمفصل في النشوزفصل في تعليق طلاقها أو خلعها أو تنجيزه(كِتَابُ الطَّلَاقِ)فصل في سنة الطلاق وبدعتهفصل في صريح الطلاق وكنايتهفصلفصل فيما يختلف به عدد الطلاقفصل في الاستثناء في الطلاقفصل(فَصْلٌ) في تعليق الطلاق بالشروطفصل في تعليق الطلاق بالكلام، والإذن، ونحو ذلكفصل في تعليق الطلاق بالمشيئةفصل في مسائل متفرقةفصل في التأويل في الحلف بالطلاق أو غيرهفصل في الشك في الطلاق(فَصْلٌ) في الرجعةفصل(فَصْلٌ) في الإيلاء(فَصْلٌ) في الظهارفصل في كفارة الظهار(فَصْلٌ) في اللعانفصل فيما يلحق من النسبفصل في الإحدادفصل في الاستبراء(فَصْلٌ) في الرضاعفصل(فَصْلٌ)(فَصْلٌ) في الحضانةفصل في تخيير المحضون بين أبويه(كِتَابُ الجِنَايَاتِ)فصل(فَصْلٌ) في شروط وجوب القصاصفصل في استيفاء القصاص(فَصْلٌ) في العفو عن القصاصفصل فيما يوجب القصاص فيما دون النفس(فَصْلٌ) في الدياتفصل(فَصْلٌ) في مقادير ديات النفس(فَصْلٌ) في دية الأعضاء ومنافعهافصل في دية المنافعفصل في الشِّجاج(فَصْلٌ) في العاقلةفصل في كفارة القتلفصل في القَسَامة(كِتَابُ الحُدُودِ)فصل في حد الزنىفصل في حد القذففصل في التعزير(فَصْلٌ) في حد المسكر(فَصْلٌ) القطع في السرقة(فَصْلٌ) في حد قطَّاع الطريقفصل في دفع الصائلفصل في قتال أهل البغي(فَصْلٌ) في حكم المرتد(فَصْلٌ) في الأطعمة(فَصْلٌ) في الذكاة(فَصْلٌ) في الصيد(فَصْلٌ)فصل في كفارة اليمينفصل جامع الأيمان(فَصْلٌ) في النذر(كِتَابُ القَضَاءِ)فصل في آداب القاضي(فَصْلٌ) في طريق الحكم وصفتهفصل في كتاب القاضي إلى القاضي(فَصْلٌ) في القسمة(كِتَابُ الشَّهَادَاتِ)فصل في شروط من تقبل شهادتهفصل في موانع الشهادة(فَصْلٌ) أقسام المشهود به(فَصْلٌ) في الشهادة على الشهادة(كِتَابُ الإِقْرَارِ)فصل فيما يحصل به الإقرارفصل فيما إذا وصل بإقراره ما يغيِّرهفصل في الإقرار بالمجمل
جارٍ التحميل