فصل في التأويل في الحلف بالطلاق أو غيره
التأويل في الحلف: هو أن يريد الحالف بلفظه ما يخالف ظاهره.
- مسألة: إذا حلف وتأوَّل في يمينه لم يخل من ثلاثة أقسام: الأول: أن يكون ظالماً؛ كالذي يستحلفه الحاكم على حق عنده: لم ينفعه تأويله، قال في المبدع: (بغير خلاف نعلمه)، وكانت يمينه منصرفة إلى ظاهر الذي عنى المستحلف؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ» [مسلم 1653]. الثاني: أن يكون مظلومًا؛ كالذي يستحلفه ظالم على شيء لو أخبره به على وجه الصدق لظلمه أو ظلم غيره أو نال منه ضرراً: فينفعه تأويله؛ لحديث سويد بن حنظلة رضي الله عنه قال: خرجنا نريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا وائل بن حُجْر، فأخذه عدو له، فتحرَّج القوم أن يحلفوا، فحلفت أنه أخي، فخلى سبيله، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرنا له ذلك فقال: «صَدَقْتَ، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ» [أبو داود 3256].
الجزء: 3 - الصفحة: 188
الثالث: ألا يكون الحالف ظالمًا ولا مظلومًا: فينفعه تأويله، وأشار إلى القسم الثاني والثالث بقوله: (وَيَنْفَعُ غَيْرَ ظَالِمٍ تَأَوُّلٌ بِيَمِينِهِ)، ولو كان التأويل بلا حاجة إليه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يمزح ولا يقول إلا حقًّا [أحمد 8481، والترمذي 1990]، ومُزاحه: أن يوهم السامع بكلامه غير ما عناه، وهو التأويل، ولحديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعجوز: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَجُوزٌ» [البيهقي في البعث والنشور 346]، يعني: أن الله ينشئهن أبكارًا عربًا أترابًا، ولقول عمر رضي الله عنه: «إِنَّ فِي الْمَعَارِيضِ مَا يَكُفُّ أَوْ يُعِفُّ الرَّجُلَ عَنِ الْكَذِبِ» [ابن أبي شيبة 26095]. وعنه، واختاره شيخ الإسلام: لا يجوز إلا إن ترتبت عليه ضرورة أو مصلحة؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه السابق: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ»، ولأن التدليس لغير المظلوم كتدليس المبيع، ولأن المعاريض نوع من الكذب.