كتاب اللقطة
[1210] مسألة: إذا جاء طالب اللقطة وأعطى علامة العفاص والوكاء دفعت إليه بغير بينة، وقال أبو حنيفة والشافعي لا تدفع إلا ببينة؛ فدليلنا قوله -صلى الله عليه وسلم- للذي سأله عن اللقطة: " اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها ووكاءها فادفعها إليه " وروي: " فإن جاء باغيها فادفعها إليه "، ولأن البينات تترتب في الأصول على حسب الأحوال المشهود فيها وما تدعو الحاجة إليه، فيجوز في الضرورة ما لا يجوز في غيرها، وفي هذا الموضع تدعو الضرورة إلى ذلك لأن البينة لا تقوى على ما يضيع، ولا على صفة أموالهم في كل حال، فلو كلفناهم البينة لأدى إلى ترك انتفاع الناس بأموالهم.
[1211] مسألة: يكره للملتقط بعد التعريف تملك اللقطة، فإن فعل ذلك جاز، وقال أبو حنيفة لا يحل للغني؛ فدليلنا قوله -صلى الله عليه وسلم-: " فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها "، ولأن كل من صح أن يملك بالعوض صح أن يملك باللقطة كالفقير.
[1212] مسألة: فإذا ملكها أو تصدق بها بعد السنة ثم جاء صاحبها رد قيمتها، خلافاً لداود؛ لما روي أن علياً رضي الله عنه وجد ديناراً على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فأمره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يعرفه فلم يعترف، فأمره أن يأكله، فجاء صاحبه، فأمره بغرمه، ولأنه مال لمسلم لا يخاف عليه لو تركه التلف إذ له قيمة حيث وجده، فلم يجز له تملكه عليه بغير إذنه كسائر الأموال.
[1213] مسألة: إذا وجد شاة في فلاة أو بمفازة بحيث لا قرية يضمّها إليها جاز له أكلها، ولا غرم عليه، وقال أبو حنيفة والشافعي عليه غرمها، وذكر الشيخ أبو بكر أنّه رواية بعض المدنيين؛ فدليلنا على أنه لا غرم عليه قوله -صلى الله عليه وسلم- وسئل عن ضالة الغنم فقال: " هي لك أو لأخيك أو للذئب "، وروي: " خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب " وهذا تنبيه يدل على أنها في حكم المتلفة، وذلك ينفي تعلق الضمان بها، ولأنّه لما جاز له أخذها [و] لم يكلف سوقها لم يجز أن يشترط عليه الضمان، ولأنّ الضمان إنما يكون في مَالَهُ قيمة حال وجوده بعد التعريف، فلم يبق إلا سقوط الضمان.
[1214] مسألة: حكم اللقطة في الحرم وغيره سواء، وقال الشافعي له أخذها ليعرفها ولا يملكها بعد السنة؛ ودليلنا قوله: " وإلأ فشأنك بها "،
فعم، ولأنه يأخذها ابتداء على وجه الأمانة فلا يختلف [الحكم] باختلاف الأماكن كالوديعة، ولأنها لقطة ملكت كلقطة الحل، ومعنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: " لا يحل لقطتها إلا لمنشد " يريد أنه لا يخفى صاحبها وقت الحج، فلا معنى لتمليكها مع أن المغلب وجود صاحبها.
[1215] مسألة: إذا تلفت اللقطة في يد الملتقط فلا ضمان عليه، وقال أبو حنيفة وزفر إن أشهد حين أخذها ليردها لم يضمن، وإن لم يشهد بذلك ضمنها؛ فدليلنا ما روي في بعض الحديث: " فإن جاء صاحبها فادفعها إليه، وإلا فهي عندك وديعة إن جاء صاحبها يومًا من الدهر أديتها إليه "، ولأن كل ما تلف وقد أخذ بإشهاد لم يضمنه، فإذا تلف وقد أخذ بغير إشهاد لم يضمنه، أصله الوديعة.
[1216] مسألة: إذا رد آبقاً على صاحبه، وكان ممن شأنه الخروج لطلب الإباق والتعيش بذلك لزمه جعل المثل وإن لم يشترط في الابتداء، وقال الشافعي يكون متطوعًا لا شىء له؛ فدليلنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- جعل لمن جاء باَبق من خارج الحرم ديناراً، وروي: أربعين درهمًا، وهذا يفيد
أن له الجعل وإن لم يشترط، ولأنه فعل ما على صاحبه أن يفعله، وما لو امتنع منه لسفه به فصار بمنزلة من ضمن عين رجل رآه يعرف شيئاً لمن أخرجه، ولأنه لو لم يجعل له الرجوع عليه لأدى إلى تلف أموال الناس، ولكان من وجد آبقًا في طريق لم يأخذه إذا لم يكن وافق سيده عليه.
[1217] فصل: ولا فرق بين قليل المسافة وكثيرها في أن له جعل المثل من غير تقدير، وقال أبو حنيفة في مسافة ثلاثة أيام وأكثر أربعون درهمًا، وفيما قل بحسابه؛ فدليلنا أنّه عمل لم يشترط على مقدار الجعل فيه، فلم يكن له شيء مقدر، أصله الإجارة.