كتاب القطع [في السرقة]
[1893] مسألة: لا يجب القطع إلا في نصاب، خلافاً لمن قال: يقطع في سرقة القليل والكثير؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً»، وروي: «القطع في ربع دينار فصاعدًا»، وقالت عائشة رضي الله عنها: كان النبى صلى الله عليه وسلم لا يقطع في التافه.
[1894] مسألت: والنصاب ربع دينار من الذهب أو ثلاثة دراهم من الورق، وقال أبو حنيفة: النصاب عشرة دراهم، وقال الشافعي: النصاب ربع دينار، ولا نصاب من الورق.
فدليلنا على أبي حنيفة قوله تعالى: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" ولم يفرق، والأخبار التى رويناها، وهي نصوص، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم.
ودليلنا على الشافعي الظاهر، وهو عام، وما يروى أنه صلى الله عليه وسلم قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم، وذلك يفيد الاعتبار بالدراهم إذا بلغت هذا القدر، ولأنه أصل مال يعتبر في الأثمان وقيمة المتلفات، فوجب أن تكون سرقته معتبرة بمقدار في نفسه لا يعتبر بغيره، أصله الذهب، ولأنه كل حكم تعلّق على الذهب والورق اعتبر فيه نصاب من الورق أصله الزكاة.
[1895] مسألة: قراضة الذهب إذا بلغ المسروق منها نصاباً قطع فيه وإن كانت قطعاً كثيرة، وحكى الإسفرائيني عن بعض أصحابهم: أنه لا يقطع فيه إلا أن يكون المسروق قطعة واحدة؛ ودليلنا قوله: «لا قطع إلا في ربع دينار»، ولأنه سارق للربع كالقطعة الواحدة، ولأنه لو سرق عروضاً قيمة الجميع ربع دينار أو ثلاثة دراهم لقطع وإن كان كل واحد بانفراده لا قطع فيه إذا كان تفرق أجزاء المسروق المقوم في نقصانه عن القدر المعتبر لا يؤثر في تفرق أجزاء الأصل الذي يعتبر لنفسه أولى أن لا يؤثر، مع أنّه خرق الإجماع.
[1896] مسألة: إذا سرق ربع دينار قطع، وحكى الإسفرائيني عن أصحابهم أنّه لا قطع فيه؛ فدليلنا الظاهر والأخبار، ولأنه سرق ذهباً يكون وزنه ربع دينار كالمسكوك.
[1897] مسألة: الاعتبار بقيمة السّرقة حال إخراجها من الحرز لا حال القطع؛ خلافاً لأبي حنيفة؛ للظاهر والأخبار، ولأن النقص الحادث بعد انفصال المسروق من الحرز لا يؤثر في سقوط القطع، أصله نقصان عين المسروق، ولأنه سارق لنصاب من حرز مثله لا شبهة له فيه، كما لو
اتصلت قيمته إلى وقت القطع، ولأن اعتبار الحدود بحال وجوبها دون حال استيفائها.
[1898] مسألة: إذا ملك السّارق السرقة لم يسقط القطع عنه بهبة أو شراء أو ميراث أو أي شيء كان قبل الترافع أو بعده، وقال أبو حنيفة: يسقط القطع متى وهبها المسروق منه من السارق، وفرق قوم بين قبل الترافع وبعده، فقالوا: يسقط القطع قبل الترافع ولا يسقط بعده، ودليلنا قوله تعالى: "والسارق والسارقة فأقطعوا أيديهما" ولم يفرق، وسائر الأخبار، وفي حديث صفوان ة لقأ جاء بسارق ردائه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بقطع يده، فقال صفوان: هو عليه صدقة، فقال: «هلا قبل أن تأتيني» فهذا صريح في أن الهبة لا تسقط القطع، ولأنه انتقال عن ملك المسروق منه بعد السرقة فلم يسقط معه القطع، أصله إذا وهبها لغير السّارق، ولأن الاعتبار في وجوب القطع وسقوطه بحال السرقة دون تنقل الملك بعدها، أصله لو سرق ملكاً له عند السارق ولا يعلمه له ثم ملكه، كذلك الإيسار بعد أن سرقه منه فإن انتقال الملك لا يغير القطع عما كان عليه من الانتقال، ولأنّه سارق لنصاب لا شبهة له فيه من حرز، فوجب أن يقطع، أصله إذا بقي على ملك المسروق منه.
[1899] مسألة: يقطع فى سرقة الثمار الرطبة وكل طعام رطب، خلافاً لأبي حنيفة؛ لعموم الظاهر والأخبار، وحديث عبد الله بن
عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: «من سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع»، لأنها إحدى حالتيه كحال الجفاف، ولأنه جنس يتمول في العادة فجاز أن يتعلّق القطع بسرقته كاللباس.
[1900] مسألة: الحرز معتبر في القطع، خلافاً لداود وغيره ممّن لم يعتبره؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا قطع في تمر معلق ولا حريسة جبل إلا إذا آواه المراح والجرين، والقطع فيما بلغ ثمن المجن»، وقوله: «ليس على المنتهب قطع ولا على المختلس».
[1901] مسألة: إذا سرق حرًا صغيرًا فعليه القطع، وقال عبد الملك: لا يقطع، وهو قول أبي حنيفة والشافعي؛ فدليلنا الظاهر، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر له أن رجلاً يسرق الصبيان! بالمدينة، فأمر بقطعه، ولأنه سرق نفساً مضمونة، فجاز أن يقطع فيها اعتبارًا بالبهيمة، ولأنّه حيوان غير مميز سرق من حرز مثله يجب منه البدل عند الإتلاف كالبهيمة.
[1902] مسألة: يقطع سارق المصحف، خلافاً لأبي حنيفة؛ للظاهر والخبر، ولأن كل ما جاز بيعه وأَخْذُ العوض عليه جاز أن يقطع في سرقته كسائر الأموال.
[1903] مسألة: يقطع في جميع المتمولات التي تتمول في العادة، ويجوز أخذ الأعواض عليها، كان أصلها مباحاً أو غير مباح، وقال أبو حنيفة: كل ما كان أصله مباحاً فلا يقطع فيه كالصيد والماء والحجارة وغيرها؛ فدليلنا الظاهر والخبر، لأنه جنس مال يتمول في العادة كالثياب وسائر العروض ولأن القطع أريد لحفظ الأموال وليس بعضها بأولى في ذلك من بعض.
[1904] مسألة: إذا اشترك جماعة في سرقة شيء قيمته ربع دينار قطعوا إذا كان مما يحتاج إلى التعاون عليه فإن كان مما يمكن الواحد الانفراد بحمله ففيه خلاف بين أصحابنا وقال أبو حنيفة والشافعي: لا قطع على واحد منهم؛ فدليلنا الظاهر والخبر ولأنهم اشتركوا فيما لو انفرد كل واحد منهم به لوجب الحد فكان اشتراكهم بمنزلة انفرادهم لو انفرد كل واحد منهم به أصله اشتراكهم في القتيل، ولأن الجنايات التي يستحق بها تناول الأعصاب يجب على الجماعة إذا اشتركوا فيها ما يجب على المنفرد من إتلاف الأعضاء، أصله الجماعة إذا قطعت يد رجل أو قطعوا منه غير اليد، ولأن اشتراكهم في إخراج السرقة من الحرز يقتضي قطع الجميع ولا يعتبر انفرادهم بالإخراج بدليل أنهم لو سرقوا متاعاً فحملوه على دابة إلى خارج الحرز فإن الكل يقطعون.
[1905] فصل: وإن انفرد كل واحد بشيء أخذه لم يقطع واحد منهم إلا أن يكون قيمة ما أخرجه نصاباً ولا يضم إلى ما أخرجه غيره، وقال أبو حنيفة: يضم ما أخرجوه بعضه إلى بعض ويقسط على جميعهم فإذا بلغ ما يخص كل واحد منهم نصاباً لزمهم القطع، وإن قصر عن ذلك لم يلزمه
القطع؛ فدليلنا الخبر، ولأن كل واحد منهم لم تبلغ سرقته نصاباً فلم يلزمه القطع كما لو انفرد.
[1906] مسألة: إذا اشترك جماعة في ثقب ودخلوا الحرز فأخرج واحد منهم المتاع ولم يخرج الباقون شيئاً ولم يكن له منهم معاونة في إخراجه قطع المخرج وحده، وقال أبو حنيفة القياس هذا، ولكن المتاع إن بلغ ما يقسط على كل واحد نصابًا قطعت يد كل واحد استحساناً؛ فدليلنا قوله تعالى: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما"، وهذا ليس بسارق، ولأن كل من لم يكن له تأثير في المسروق لم يلزمه القطع كما لو نقب ولم يدخل الحرز.
[1907] مسألة: إذا اشترك اثنان في ثقب فدخل أحدهما وأخذ المسروق من الحرز فرمى به إلى خارج، فأخذه الذي لم يدخل وبقي هو في الحرز، فعلى الرامي القطع وحده، وقال أبو حنيفة: لا قطع على واحد منهما؛ فدليلنا قوله تعالى: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" الآية، ولأنه مسروق لو لم يوجد من السارق بعد إخراجه من الحرز للزمه القطع، فإذا أخذ منه بعد إخراجه فيجب أن يلزمه القطع، أصله إذا خرج هو من الحرز ومعه المتاع فأخذ منه.
[1908] مسألة: إذا قرب الداخل المتاع إلى الثقب وتركه فأدخل الخارج يده فأخذه من الحرز فعلى الذي أخرجه من الحرز القطع، وقال ابن الجلاب: ويحتمل أن يقال في الداخل يقطع ويحتمل أن يقال لا يقطع، وقال أبو حنيفة: لا يقطع واحد منهما؛ فدليلنا أن القطع يجب بهتك حرمة الحرز وإخراج الشيء منه، وقد وجد ذلك من الثاني فيجب أن يلزمه القطع.
[1909] مسألة: يقطع الآبق إذا سرق، خلافاً لقوم؛ للظاهر والخبر، ولأنّه مكلّف سرق نصاباً من حرز مثله لا شبهة له فيه كغير الآبق.
[1910] مسألة: يقطع النباش، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنّه سارق بدليل أن السّرقة أخذ الشيء على طريق الاستخفاء، وهذا قد وجد، وقالت عائشة رضي الله عنها: سارق أمواتنا كسارق أحيائنا، وعن عمر بن عبد العزيز قال: كيف يقطع سارق أحيائنا ولا يقطع سارق أمواتنا، وإذا ثبت بما ذكرناه كونه سارقاً يتناوله عموم قوله تعالى: "والسارق والسارقة" والخبر، ولأن كل حكم تعلّق بسرقة مال الحي جاز أن يتعلّق بسرقة إخراج كفن الميت من القبر، أصله الضمان، ولأنه سارق لمال مقدّر من حرز مثله مع ارتفاع الشبهة عنه، فلزمه القطع إذا كان من أهله كسائر السراق، ويتبين أن القبر حرز للكفن أن حرز كل شيء على حسب العرف فيه، والحرز في إحراز الكفن أن يكون على الميت في القبر.
[1911] مسألة: إذا تكررت سرقة للمال الواحد قطع كل مرة، كان في ملك الأول أو ملك غيره، وقال أبو حنيفة: إن كان في ملك الأول لم يقطع فيه؛ ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم في السارق: «إذا سرق فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رجله»، فعلّق استحقاق القطع بالعود، ولم يفرق بين أن يتكرر على مال واحد أو على أموال مختلفة، ولأن تكرر السرقة على المال الثاني الذي يستحق فيه القطع، لا يسقط القطع أصله إذا انتقل إلى ملك آخر، ولأنه مكلّف سرق نصاباً من حرز مع عدم الشبهة فاستحق بسرقته
القطع اعتبارًا بما لم يقطع فيه، ولأنها سرقة لهذا المال كالأول ولأنه حدّ لزم بارتكاب كبيرة في عين تجوز تكرر تلك الكبيرة فيها فوجب تكرر الحدّ بتكررها، أصله الزنا.
[1912] مسألة: إذا سرق متاعاً فأحرزه فسرقه منه آخر فعلى الثاني القطع كما على الأول، وقال أصحاب الشافعي: ليس للأول مطالبة بقطع الثاني؛ فدليلنا الظاهر والخبر، ولأنه مكلف سرق نصاباً من حرز مع عدم الشبهة، كما لو سرقه من مالك.
[1913] مسألة: إذا استعار من رجل بيتاً فأحرز فيه لنفسه متاعاً وأغلق بابه فنقب المالك وسرق المتاع فإنه يقطع، خلافاً لبعض الشافعية؛ للظاهر والخبر، ولأنه مال سرق نصاباً لا شبهة له فيه من حرز مثله فلزم القطع كالأجنبي، ولأن كون الحرز ملكاً له لا ينفي القطع كما لو أجر داراً ثم سرق من المستأجر شيئاً أحرزه فيها.
[1914] مسألة: إذا ربط أحدهما المتاع بحبل في الحرز وجره الآخر حتى أخرجه فعليهما القطع، وقال الشافعي: القطع على المخرج وحده؛ فدليلنا أن الداخل سارق لأنه هتك الحرز وأخرج الشيء، فإذا ربطه ثم أخذه الآخر فهو كما لو تركه على ظهر دابة، فلا يخرج عن أن يكون هو سارقاً فيلزمه القطع.
[1915] مسأله: يقطع الأقارب إذا سرق بعضهم من بعض سوى الآباء، وقال أبو حنيفة: إذا سرق من ذي رحم محرَّم لم يقطع كالأخ والعم؛ فدليلنا الظاهر والخبر، ولأنها قرابة لا تقتضي شبهة للسارق في مال المسروق فلم يمنع القطع اعتبارًا بقرابة بني العمومة.
[1916] مسألة: يقطع الولد إذا سرق من مال أبويه، خلافاً للشافعي لما ذكرناه، ولأن الابن لا شبهة له في مال أبيه؛ بدليل أنّه لو زنى بأمته لحدّ، فكان كالأخ.
[1917] مسألة: يقطع أحد الزوجين إذا سرق من مال الآخر، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي؛ للظاهر والخبر، ولأنه مكلف سرق ما لا شبهة له فيه
من حرز مثله كالأجنبي، ولأن الزوجية لا تقتضي شركة في المال، ولا شبهة فيه، وإنّما هي عقد على منافع كالأجيرين.
[1918] مسألة: يقطع المعاهد والمستأمن إذا سرقا، وللشافعي قولان؛ ودليلنا الظاهر والخبر، ولأن القطع في السرقة في معنى الحرابة والفساد في الأرض، فوجب أن يقام على المعاهد، ولأنه حق لله تعالى يتعلّق بحق الآدمي فوجب أن يقام على أهل الذمة والعهد كالقذف.
[1919] مسألة: يقطع السّارق من المغنم وإن كان من أهله، وقال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه: لا يقطع؛ فدليلنا الظاهر والخبر، ولأنه سرق نصاباً من مال تقبل فيه شهادته فوجب قطعه إذا كان من أهل القطع، أصله إذا سرق من غير المغنم، ولأنه سرق مالاً من حرز لا شبهة له في عينه، فلزمه القطع اعتبارًا بما ذكرناه.
[1920] مسألة: القطع في السرقة لا يفتقر إلى مطالبة المسروق منه به، وقال أصحاب الشافعي: يحبس إلى أن يحضر؛ فدليلنا الظاهر والخبر، ولأنه قد ثبت كونه سارقاً بالإقرار والبينة، فوجب أن يقطع اعتبارًا به إذا حضر المسروق منه فصدق البينة وقال: لست أطالب بالقطع، ولأنه حدّ لله تعالى، فوجب أن يقام على من ثبت عليه من غير انتظار حضور من له الحق متعلق به، أصله حد الزنا فإنه يقام عليه وإن لم يحضر المزني بها.
[1921] مسألة: إذا أتلف الشيء المسروق وهو موسر قطع واتبع بقيمته، وقال أبو حنيفة: لا يجتمع عليه الغرم والقطع، والمالك مخير إن شاء أغرمه ولم يقطعه وإن شاء قطعه ولم يغرمه؛ فدليلنا قوله تعالى: "فمن اعتدى عليكم"، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفسه منه» ولأن الغرم والقطع لا يتنافيان لاختلاف أسبابهما، لأن الموجب
للغرم إتلاف مال آدمي، والقطع حق لله تعالى في هتك حرمة الحرز، فإذا لم يتنافيا جاز أن يجتمعا كالصيد المملوك، كان فيه الجزاء والقيمة، ولأنها عين يتعلّق عليه من أجلها حق لله تعالى وغرم لآدمي فجاز أن يجتمعا كما لو غصب أمة فوطئها وتلفت، فإن الحد يلزمه والقيمة، ولأنّ الغرم استيفاء حق آدمي فلم يسقط حد الله، كالمهر في المغصوبة، لأن كل حق لزمه في العين المسروقة لآدمي فإنه لا يتنافى لزومه ولزوم القطع، أصله رد العين.
[1922 - مسألة]: وإن كان معسرًا قطع ولم يتبع بشيء، خلافاً للشافعي؛ لما روى عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أقمتم على السارق الحد فلا ضمان عليه»، ولأن إتلاف المال لا يجب به عقوبتان، والاتباع بالغرم عقوبة فلما عدمت بالقطع لم يجب عليه عقوبة أخرى.
[1923] مسألة: القطع من مفصل الكف، خلافاً لمن قال: يقطع الأصابع؛ لقوله تعالى: "فاقطعوا أيديهما"، وقطع الأصابع لا يقال فيه قطع يد، فأول ما يقال فيه ذلك الكوع، ولأن العمل بذلك جرى من النبي صلى الله عليه وسلم والسلف.
[1924] مسألة: يقطع في الثانية رجله اليسرى، وفي الثالثة يده
اليسرى، وفي الرابعة رجله اليمنى، وحكي عن عطاء: أنه لا يقطع في الثالثة، وقال أبو حنيفة: لا يقطع في الثالثة والرابعة؛ فدليلنا ما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بسارق ثالثة فقطع يده اليسرى، ثم أتي به رابعة فقطع رجله اليمنى، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فأقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله»، ولأن كل عضو يؤخذ قصاصاً فلها مدخل في قطع السرقة كاليمنى، ولأنها سرقة حصلت مع وجود بعض أطرافه، فوجب القطع لها كالأولى والثانية.
[1925] مسألة: إذا سرق وقتل، قتل، إلا أن يعفو عنه الولي فيقطع، وقال الشافعي: يقطع ثم يقتل؛ فدليلنا أن الغرض الذي يطلب بالقطع داخل في القتل وهو إتلاف منفعة العضو، فوجب دخوله فيه، كما لو زنى وهو بكر، فلم يحدّ حتى أحصن وزنى فإنه يرجم ولا يجلد.
تداخل حد القدف وحد الشرب
: [1926] مسألة: إذا وجب عليه حد القذف وحدّ الشرب تداخلا، وقال الشافعي: لا يتداخلان؛ ودليلنا أنهما حدّان موجبهما واحد، فإذا اجتمعا تداخلا كحد القذف إذا تكرر، وذلك أن الحد في الشرب لأنه يؤدي إلى القذف، وكذلك روي عن الصحابة.
الغلط في قطع اليد
: [1927] مسألة: إذا غلط القاطع فقطع اليد اليسرى أجزأ، ولا يعاد القطع، ولا دية على القاطع، ولأصحاب الشافعي في إعادة القطع وجهان وفي الدّية وجه واحد؛ فدليلنا على أن القطع لا يعاد، أن القطع بالسرقة الواحدة قطع واحد، فلو قلنا: إنّه يعاد لكان يوجد فيها قطعان وذلك غير جائز، ودليلنا أنّه لا دية، أنا إذا أنزلناه كان القطع وقع في محله امتنع لذلك أن يكون على القاطع دية، كما لو قطع اليمنى.
دعوى السارق أن المسروق له
: [1928 مسألة]: إذا ادعى السارق أنّ المال المسروق له قطع، ولم تقبل دعواه، وقال أصحاب الشافعي: لا يقطع؛ ودليلنا الظاهر والخبر، ولأن القطع شرع لصيانة الأموال وحفظها، وفي قبول دعوى السارق ذريعة إلى إسقاط هذا المعنى، لأن كل سارق يمكن أن يدّعي المسروق لنفسه ليتخلّص من القطع.