فصل في عدم جواز سائر العبادات عند القبور
] فصل قد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذها1مساجد وعن الصلاة عندها، وعن اتخاذها عيدا، وأنه دعا الله أن لا يتخذ قبره وثنا يعبد.
وقد تقدم أن اتخاذ المكان عيدا هو: اعتياد إتيانه للعبادة عنده أو غير ذلك، وقد تقدم النهي الخاص عن الصلاة عندها أو إليها، والأمر بالسلام عليها والدعاء لها.
وذكرنا ما في دعاء المرء لنفسه عندها، من الفرق بين قصدها لأجل الدعاء، أو الدعاء ضمنا وتبعا.
وتمام الكلام في ذلك، بذكر سائر العبادات، فالقول فيها جميعا2كالقول في الدعاء، فليس في ذكر الله هناك، أو القراءة عند القبر، أو الصيام عنده، أو الذبح عنده، فضل على غيره من البقاع، ولا قصد ذلك عند القبور مستحبا.
وما علمت أحدا من علماء المسلمين يقول إن الذكر هناك، أو الصيام أو القراءة، أفضل منه في غير تلك البقعة.
فأما ما يذكره بعض الناس، من أنه ينتفع الميت بسماع القرآن3بخلاف ما إذا قرئ في مكان آخر - فهذا4إذا عني به أن يصل الثواب إليه، إذا قرئ
عند القبر خاصة، فليس عليه أحد من أهل العلم المعروفين، بل الناس على قولين: أحدهما: أن ثواب العبادات البدنية: من الصلاة والقراءة وغيرهما، يصل إلى الميت، كما يصل إليه ثواب العبادات المالية1بالإجماع.2
وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد وغيرهما، وقول طائفة من أصحاب الشافعي، ومالك.3
وهو الصواب لأدلة كثيرة، ذكرناها في غير هذا الموضع.4
والثاني: أن ثواب البدنية لا يصل إليه بحال، وهو المشهور عند أصحاب الشافعي5ومالك.
وما من أحد من هؤلاء6يخص مكانا بالوصول7أو عدمه، فأما استماع الميت للأصوات، من القراءة أو غيرها - فحق.
لكن الميت ما بقي يثاب بعد الموت على عمل يعمله8هو بعد الموت من استماع أو غيره، وإنما ينعم أو يعذب بما كان عمله9هو، أو بما يُعمل عليه10بعد الموت من أثره، أو بما يعامل به.
كما قد اختلف في تعذيبه بالنياحة عليه،
وكما ينعم بما يهدى إليه، وكما ينعم بالدعاء له وإهداء العبادات المالية بالإجماع.1
وكذلك ذكر طائفة من العلماء، من أصحاب أحمد وغيرهم، ونقلوه عن أحمد، وذكروا فيه آثارا أن الميت يتألم بما يفعل عنده من المعاصي، فقد يقال أيضا: إنه ينعم بما يسمعه من قراءة وذكر.
وهذا - لو صح - لم يوجب استحباب القراءة عنده، فإن ذلك لو كان مشروعا لسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته، وذلك لأن هذا، وإن كان من نوع مصلحة، ففيه مفسدة راجحة، كما في الصلاة عنده، وتنعم الميت بالدعاء له، والاستغفار والصدقة عنه2وغير ذلك من العبادات3يحصل له به4من النفع أعظم من ذلك، وهو مشروع ولا مفسدة فيه، ولهذا لم يقل أحد من العلماء بأنه يستحب قصد القبر دائما للقراءة عنده، إذ قد علم بالاضطرار من دين الإسلام، أن ذلك ليس مما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته.
لكن اختلفوا في القراءة عند القبور: هل تكره، أم لا تكره؟ والمسألة مشهورة، وفيها ثلاث روايات عن أحمد: إحداها أن ذلك لا بأس به.
وهي اختيار الخلال وصاحبه، وأكثر المتأخرين من أصحابه.
وقالوا: هي الرواية المتأخرة عن أحمد، وقول جماعة من أصحاب أبي حنيفة، واعتمدوا على ما نقل عن ابن عمر5رضي الله
عنهما، أنه أوصى أن يقرأ على قبره وقت الدفن بفواتيح1البقرة، وخواتيمها.
ونقل أيضا عن بعض المهاجرين قراءة سورة البقرة.
والثانية: أن ذلك مكروه.
حتى اختلف هؤلاء: هل تقرأ الفاتحة في صلاة الجنازة إذا صُلِّيَ عليها في المقبرة؟ وفيه عن أحمد روايتان، وهذه الرواية هي التي رواها أكثر أصحابه عنه، وعليها قدماء أصحابه الذين صحبوه، كعبد الوهاب الوراق2وأبي بكر المروزي، ونحوهما، وهي3مذهب جمهور السلف، كأبي حنيفة ومالك وهشيم بن بشير وغيرهم، ولا يحفظ عن الشافعي نفسه في هذه المسألة كلام، وذلك لأن ذلك كان عنده بدعة.
وقال مالك: " ما علمت أحدًا يفعل ذلك "، فعلم أن الصحابة والتابعين ما كانوا يفعلونه.
والثالثة: أن القراءة عنده وقت الدفن لا بأس بها، كما نقل عن ابن عمر4رضي الله عنهما، وبعض المهاجرين، وأما القراءة بعد ذلك - مثل الذين ينتابون5القبر للقراءة عنده - فهذا مكروه، فإنه لم ينقل عن أحد من السلف مثل ذلك أصلا.
وهذه الرواية لعلها أقوى من غيرها، لما فيها من التوفيق بين الدلائل.
والذين كرهوا القراءة عند القبر، كرهها بعضهم، وإن لم يقصد القراءة هناك، كما تكره الصلاة، فإن أحمد نهى عن القراءة في صلاة الجنازة هناك.
ومعلوم أن القراءة في الصلاة ليس المقصود بها القراءة عند القبر، ومع هذا فالفرق بين ما يفعل ضمنا وتبعا، وما1يفعل لأجل القبر، بُيِّنَ كما تقدم.
والوقوف2التي وقفها الناس على القراءة عند قبورهم، فيها من الفائدة أنها تعين على حفظ القرآن، وأنها رزق لحفاظ القرآن، وباعثة لهم على حفظه ودرسه وملازمته، وإن قدر أن القارئ لا يثاب على قراءته فهو مما يحفظ به الدين، كما يحفظ بقراءة الفاجر3وجهاد الفاجر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر».4
وبسط الكلام في الوقوف وشروطها، قد ذكر في موضع آخر5وليس هو المقصود هنا.
فأما ذكر الله هناك فلا يكره، لكن قصد البقعة للذكر هناك بدعة مكروهة، فإنه نوع من اتخاذها6عيدا، وكذلك قصدها للصيام عندها.
ومن رخص في القراءة فإنه لا يرخص في اتخاذها عيدا، مثل أن يجعل له وقت معلوم، يعتاد فيه القراءة هناك، أو يجتمع عنده للقراءة ونحو ذلك، كما أن من يرخص في الذكر والدعاء هناك، لا يرخص في اتخاذه عيدا كذلك1كما تقدم.
وأما الذبح2هناك فمنهي عنه مطلقا، ذكره أصحابنا وغيرهم.
لما روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا عقر في3الإسلام».
رواه أحمد4وأبو داود، وزاد: قال عبد الرزاق: " كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة "5قال أحمد في رواية المروزي: " قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا عقر في الإسلام» كانوا إذا مات لهم الميت نحروا جزورا على قبره، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وكره أبو عبد الله أكل لحمه.
قال أصحابنا: وفي معنى هذا ما يفعله كثير من أهل زماننا في التصدق عند القبر بخبز أو نحوه.
فهذه أنواع العبادات البدنية، أو المالية، أو المركبة6منهما.
[