ونحوها1من السور؟».2
فالتخفيف الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم معاذا، وغيره من الأئمة، هو ما كان يفعله - بأبي هو3وأمي - صلى الله عليه وسلم، فإنه4كما قال أنس: " كان أخف الناس صلاة في تمام ". وقد5قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي».6
ثم إن عرض حال عرف منها إيثار المأمومين للزيادة على ذلك فحسن، فإنه صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب: بطولى الطوليين7وقرأ فيها بالطور.
وإن عرض ما يقتضي التخفيف عن ذلك فعل، كما قال في بكاء الصبي ونحوه.
فقد تبين1أن حديث أنس تضمن مخالفة من خفف الركوع والسجود، تخفيفا كثيرا، ومن طول القيام تطويلا كثيرا.
وهذا الذي وصفه أنس،2ووصفه سائر الصحابة.
فروى3مسلم في صحيحه، وأبو داود في سننه4عن هلال بن أبي حميد5عن عبد الرحمن بن أبي ليلى6عن البراء بن عازب7قال: " رمقت الصلاة مع محمد صلى الله عليه وسلم فوجدت قيامه، فركعته، فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته بين السجدتين، فجلسته ما بين التسليم والانصراف: قريبا من السواء ".8
وروى مسلم أيضا في صحيحه، عن شعبة1عن الحكم2قال: " غلب على الكوفة رجل - قد سماه - زمن ابن الأشعث3قال: فأمر أبا عبيدة بن عبد الله4أن يصلي بالناس، فكان يصلي، فإذا رفع رأسه من الركوع قام قدر ما أقول: اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ". قال الحكم: " فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن أبي ليلى، فقال: " سمعت البراء بن عازب يقول: كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وركوعه، وإذا رفع رأسه من
الركوع1وسجوده، وما بين السجدتين، قريبا من السواء ". قال شعبة: " فذكرته لعمرو بن مرة.2
فقال: قد رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى، فلم تكن صلاته هكذا.3
وروى البخاري4هذا الحديث - ما خلا القيام والقعود - قريبا من السواء.5
وذلك لأنه6لا شك أن القيام - قيام القراءة - وقعود التشهد يزيد على بقية الأركان، لكن لما كان صلى الله عليه وسلم يوجز القيام، ويتم بقية الأركان، صارت قريبا من السواء.
فكل واحدة من الروايتين تصدق الأخرى، وإنما البراء: تارة قرب ولم يحدد، وتارة استثنى وحدد، وإنما جاز أن يقال في القيام مع بقية الأركان: قريبا، بالنسبة إلى الأمراء الذين7يطيلون القيام، ويخففون الركوع والسجود، حتى يعظم التفاوت.
ومثل هذا: " أنه صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الكسوف، فقرأ في الركعة1بنحو من سورة البقرة وركع.
فكان ركوعه نحوا من قيامه، وكذلك سجوده ".2 ولهذا نقول في أصح القولين: إن ركوع صلاة الكسوف وسجودها يكون قريبا من قيامه بقدر معظمه، أكثر من النصف. ومن أصحابنا وغيرهم من قال: إذا قرأ البقرة، يسبح في الركوع والسجود، بقدر قراءة مائة آية.3
وهو ضعيف مخالف للسنة.
وكذلك4روى مسلم في صحيحه، عن أبي سعيد5وغيره6أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: بعد الرفع من الركوع من الذكر7ما يصدق حديث أنس والبراء.8
وكذلك صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التطوع: فإنه كان إذا صلى بالليل9
وحده طول لنفسه ما شاء، وكان1يقرأ في الركعة بالبقرة وآل عمران والنساء، ويركع2نحوا من قيامه، ويرفع نحوا من ركوعه، ويسجد نحوا من قيامه، ويجلس نحوا من سجوده.3
ثم هذا القيام الذي وصفه أنس وغيره بالخفة، والتخفيف الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم قد فسره النبي4صلى الله عليه وسلم بفعله وأمره وبلغ ذلك أصحابه فإنه لما صلى على المنبر قال: «إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي»5وقال لمالك بن الحويرث6وصاحبه7«صلوا كما رأيتموني أصلي».8
وذلك: أنه ما من فعل في الغالب إلا وقد يسمى خفيفا بالنسبة إلى ما هو أطول منه، ويسمى طويلا بالنسبة إلى ما هو أخف منه، فلا حد له في اللغة، وليس الفعل9من العادات: كالإحراز، والقبض، والاصطياد، وإحياء الموات، حتى
يرجع في حده إلى عرف اللفظ، بل هو من العبادات، والعبادات1يرجع2في صفاتها ومقاديرها إلى الشارع، كما يرجع في أصلها إلى الشارع.
ولأنه لو جاز الرجوع فيه إلى عرف الناس في الفعل، أو في مسمى التخفيف، لاختلفت الصلاة الشرعية الراتبة، التي يؤمر3بها في غالب الأوقات، عند عدم المعارضات المقتضية للطول أو للقصر، اختلافا متباينا4لا ضبط له، ولكان لكل أهل عصر ومصر، ولكان لكل أهل حي وسكة، بل لأهل كل مسجد عرف في معنى اللفظ، وفي عادة الفعل، مخالفا لعرف الآخرين، وهذا مخالف لأمر الله ورسوله حيث قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»5ولم يقل: كما يسميه أهل أرضكم خفيفا، أو كما يعتادونه، وما أعلم أحدا من العلماء يقول ذلك فإنه؛ يفضي إلى تغيير الشريعة، وموت السنن، إما بزيادة وإما بنقص، وعلى هذا دلت سائر روايات الصحابة.
فروى مسلم في صحيحه عن زهير6عن سماك بن حرب7قال:
" سألت جابر بن سمرة عن صلاة النبي1فقال: كان يخفف الصلاة، ولا يصلي صلاة هؤلاء "، قال: " وأنبأني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بقاف والقرآن المجيد، ونحوها ".2 وروى أيضا عن شعبة، عن سماك، عن جابر بن سمرة3قال: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى، وفي العصر بنحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك ".4 وهذا يبين ما رواه مسلم أيضا، عن زائدة5حدثنا سماك، عن جابر بن سمرة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بقاف والقرآن المجيد وكانت6صلاته بعد تخفيفا "7أنه أراد - والله أعلم - بقوله: " وكانت صلاته بعد "، أي بعد الفجر، أي أنه يخفف الصلوات التي بعد الفجر، عن الفجر.8
فإنه في الرواية الأولى جمع بين وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتخفيف، وأنه كان يقرأ في الفجر بقاف.1
وقد ثبت في الصحيح عن أم سلمة2«أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر بالطور في حجة الوداع، وهي طائفة من حول الناس تسمع قراءته»3وما عاش بعد حجة الوداع إلا قليلا، والطور من نحو4سورة قاف.
وثبت في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما5أنه قال: " إن أم الفضل.6................
سمعته وهو يقرأ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: 1]1فقالت: يا بني، لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة، إنها لآخر ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقرأ بها في المغرب.2
فقد أخبرت أم الفضل: أن ذلك آخر ما سمعته يقرأ بها في المغرب، وأم الفضل لم تكن من المهاجرات، بل هي من المستضعفين، كما قال ابن عباس:3كنت أنا وأمي4من المستضعفين، الذين عذرهم الله ".5 فهذا السماع كان متأخرا.
وكذلك في الصحيح عن زيد بن ثابت6" أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بطولى الطوليين.7
وزيد من صغار الصحابة.
وكذلك1صلى بالمؤمنين2في الفجر بمكة، وأدركته سعلة عند ذكر موسى وهارون3فهذه الأحاديث وأمثالها، تبين أنه صلى الله عليه وسلم كان في آخر حياته يصلي في الفجر بطوال المفصل، وشواهد هذا كثيرة4؛ ولأن سائر الصحابة اتفقوا على أن هذه كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ما زال يصليها، ولم يذكر أحد أنه نقص5صلاته في آخر عمره عما6كان يصليها، وأجمع7الفقهاء على أن السنة أن يقرأ في الفجر بطوال المفصل.
وقوله: " ولا يصلي صلاة هؤلاء " إما أن يريد به: من كان يطيل الصلاة على8هذا أو9من كان ينقصها عن ذلك، أي إنه كان صلى الله عليه وسلم يخففها، ومع ذلك: فلا يحذفها حذف هؤلاء الذين يحذفون الركوع والسجود، والاعتدالين، كما دل عليه حديث أنس والبراء، أو كان أولئك الأمراء ينقصون القراءة، أو القراءة وبقية الأركان، عما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله.
كما روى أبو قزعة10قال:
" أتيت أبا سعيد الخدري1وهو مكثور2عليه، فلما تفرق الناس عنه، قلت: إني لا أسألك عما سألك هؤلاء عنه، قلت: أسألك عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما لك في ذلك من خير فأعادها عليه، فقال: كانت صلاة الظهر تقام، فينظلق أحدنا إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ، ثم يرجع إلى المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى ". وفي رواية " مما يطولها "3رواه مسلم في صحيحه.4
فهذا يبين لك أن أبا سعيد رأى صلاة الناس أنقص من هذا.
وفي الصحيحين عن أبي برزة5قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الصبح فينصرف الرجل، فيعرف جليسه، وكان يقرأ في الركعتين، أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة " هذا لفظ البخاري.6
وعن عبد الله7بن عمر رضي الله عنهما قال: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأمرنا بالتخفيف، وإن كان ليؤمنا بالصافات، رواه أحمد
والنسائي.1
وعن الضحاك بن عثمان2عن بكير بن عبد الله3عن سليمان بن يسار4عن أبي هريرة قال: " ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من فلان " قال سليمان: " كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر، ويخفف الأخيرتين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل ويقرأ في الصبح بطوال المفصل5"، رواه النسائي وابن ماجه، وهذا إسناد على شرط مسلم.
والضحاك بن عثمان قال فيه أحمد ويحيى6" هو ثقة "7وقال فيه
ابن سعد: " كان ثبتا ".1 ويدل على ما ذكرناه: ما روى مسلم في صحيحه عن عمار بن ياسر2قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته، مئنة3من فقهه، فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة4وإن من البيان لسحرا».5
فقد جعل طول الصلاة علامة على فقه الرجل، وأمر بإطالتها، وهذا الأمر إما أن يكون عاما في جميع الصلوات، وإما أن يكون المراد به صلاة الجمعة.
فإن كان اللفظ6عاما فظاهر، وإن كان المراد7صلاة الجمعة8فإذا أمر بإطالتها، مع كون الجَمْع فيها يكون9عظيما، فيه من الضعفاء والكبار وذوي
الحاجات ما ليس في غيره1ومع كونها تفعل في شدة الحر، مسبوقة بخطبتين: فالفجر ونحوها التي تفعل وقت البرد، مع قلة الجمع: أولى وأحرى.
والأحاديث في هذا كثيرة.
وإنما ذكرنا هذا تفسيرا2لما في حديث أنس، من تقدير صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ قد يحسب من يسمع هذه الأحاديث: أن فيها نوع تناقض، أو يستمسك3بعض الناس ببعضها دون بعض، ويجهل معنى ما تمسك به.
[