الشرح الممتع على زاد المستقنعصفحات 45-84
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ النِّكَاحِ

صفحات 45-84
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
الشرح الممتع على زاد المستقنع
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
الطبعة
الأولى، 1422 - 1428 هـ
عدد الأجزاء
15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

والإشارة المفهومة لا بد أن يعرفها الشاهدان حتى يشهدا على ما وقع.
فَإِنْ تَقَدَّمَ القَبُولُ لَمْ يَصِحَّ، ...........

قوله: «

فإن تقدم القبول لم يصح

»، لو قال: قبلت قبل أن يقول: زوجتك، لم يصح؛ لأن العقد لا يكون إلا به، ولأن القبول قَبولُ شيءٍ بُذِلَ، فكيف يتقدم القبول على الإيجاب، ولم يبذل شيء حتى الآن؟! فلا بد أن يتقدم الإيجاب على القبول، فإن تأخر فإنه لا يصح، والطريق إلى تصحيحه أن يعاد القبول بعد الإيجاب؛ لأن القبول المتقدم وقع في غير محله، فإذا جاء الإيجاب وأردفناه بالقبول صح، والقول الراجح أنه إذا تقدم القبول على وجه يحصل به فإنه يصح.
وظاهر كلام المؤلف سواء وقع القبول بلفظ الماضي أو الأمر، مع أنه في باب البيع تقدم أنه يصح إذا كان بلفظ الأمر، مثل: بعني هذا البيت بعشرة آلاف، فقال: بعتك، صح البيع، فهنا لو قال: زوجني ابنتك، فقال: زوجتك بنتي، ظاهر كلام المؤلف أنه لا يصح، وأنه لا بد أن يتقدم الإيجاب.
وبناء على ما قررناه من أن المعتبر في كل العقود ما دلت عليه بالعرف الخاص، نقول: إنه يصح، بل إنه وقع في حديث الرجل الذي قال: «زوِّجنيها»، فقال: «زوَّجتكها بما معك من القرآن» 1، وما ورد أن الرجل قال: قبلت، فهذا دليل على أنه إذا تقدم القبول على وجه يتضح به القبول فإنه يصح، كما لو وقع ذلك بلفظ الطلب: زوِّجني، فقال: زوَّجتك.

مسألة: متى يسقط القبول، أي: متى ينعقد النكاح بالإيجاب فقط؟ الجواب: إذا كان الولي هو ابن العم مثلاً، وأراد أن يتزوجها فليحضر شاهدين، ويقول: أشهدكما أني تزوجت موليتي بنت عمي، فلانة بنت فلان، وينعقد النكاح، ولا حاجة أن يقول: وقبلت؛ لأن كلمة «تزوجتها» وهو وليها كافية.

وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنِ الإِيجَابِ صَحَّ مَا دَامَا فِي المَجْلِسِ، وَلَمْ يَتَشَاغَلاَ بِمَا يَقْطَعُهُ،

........ قوله: «وإن تأخر عن الإيجاب صح ما داما في المجلس»، أي: إن تأخر القبول عن الإيجاب، بأن قال الولي: زوجتك بنتي، وبعد مدة قال: قبلت، يصح ما داما في المجلس.
قوله: «ولم يتشاغلا بما يقطعه»، كذلك ـ أيضاً ـ لو لم يتشاغلا بما يقطعه، فإن تشاغلا بما يقطعه ما صح، كأن يقول: زوجتك بنتي، ثم قال: أحضروا الطعام، وحين انتهوا من الأكل قال: قبلت.
كذلك ـ أيضاً ـ لو أنه أوجب العقد، بأن قال: زوجتك ابنتي، ثم قال: سمعت في الأخبار اليوم أنه حصل كذا وكذا، وصار يتكلم عن الأخبار، ثم لما انتهى قال الرجل: قبلت النكاح، فلا يصح؛ لأنهما تشاغلا بما يقطعه، فلا بد أن يكون الإيجاب غير مفصول بينه وبين القبول بفاصل أجنبي.
فإن تشاغلا بما يقطعه بغير اختيار، مثل أن قال له: زوجتك بنتي، فمن شدة الفرح قام يبكي وأطال البقاء حتى قال: قبلت، فإنه يصح؛ لأن هذا بغير اختياره، أو أصابته سعلة ثم قال: قبلت، فهذا لا بأس به؛ لأن هذا الانفصال كان لعذر.

وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَهُ بَطَلَ ............

قوله: «

وإن تفرقا قبله بطل

»، «قبله» أي: قبل القبول، مثلاً لما قال: زوجتك ابنتي، قاموا وتفرقوا ثم رجعوا، وقال الخاطب: قبلت النكاح، فلا يصح؛ وذلك لأن الإيجاب والقبول صيغة عقد واحد، فلا بد أن يتقارنا.
فصار يشترط في القبول شرطان: الأول: أن يكون في المجلس.
الثاني: ألا يتشاغلا بما يقطعه.
وهناك شرط ثالث ما ذكره المؤلف؛ لأنه معلوم، أن يكون القبول لمن أوجب له، فلو قال: زوجتك بنتي فلانة، فقال: قبلت نكاح ابنتك فلانة الثانية فإن العقد لا يصح، لعدم التطابق بين الإيجاب والقبول.
قال في الروض 1: «وكذلك لو جُنَّ أو أغمي عليه قبل القبول»، أي: يشترط ألا يزول عقل القابل قبل قبوله، فإن زال عقله فإنه يبطل الإيجاب، ويكون القبول إذا أفاق، لكن لا بد من إعادة الإيجاب، وكذلك لو أغمي عليه بطل الإيجاب ولا بد من إعادته.
قال في الروض: «لا إن نام» مثلاً أوجب الولي العقد فقال: زوجتك بنتي، فألقى الله عليه النوم، وبعد ساعة استيقظ فقال: قبلت، يصح على المذهب؛ لأنهما لم يتشاغلا بما يقطعه ولم يتفرقا فهو كالساكت.

فَصْلٌ

وَلَهُ شُرُوطٌ: أَحَدُهَا: تَعْيِينُ الزَّوْجَيْنِ،

.......... قوله: «وله شروط»، أي: للنكاح شروط.
واعلم أن من حكمة الشرع أن جميع العبادات والمعاملات لا بد فيها من شروط؛ لأجل أن تتحد الأمور وتنضبط وتتضح، ولولا هذه الشروط لكانت هذه الأمور فوضى، كل يتزوج على ما شاء، وكل يبيع على ما شاء، وكل يصلي كيف شاء، لكن هذه الشروط التي جعلها الله ـ تعالى ـ في العبادات، وفي المعاملات هي من الحكمة العظيمة البالغة؛ لأجل ضبط الشريعة وضبط العقود، كما أنه لا بد من انتفاء الموانع، ولذلك من القواعد المشهورة: أن الشيء لا يتم إلا بوجود شروطه، وانتفاء موانعه.
ثم هناك فرق بين شروط النكاح، والشروط في النكاح: أولاً: شروط النكاح قيود وضعها الشرع ولا يمكن إبطالها، والشروط في النكاح شروط وضعها العاقد ويمكن إبطالها.
ثانياً: شروط النكاح يتوقف عليها صحته، والشروط في النكاح يتوقف عليها لزومه.
قوله: «أحدها: تعيين الزوجين»، لأن عقد النكاح على أعيانهما، الزوج والزوجة؛ والمقام مقام عظيم يترتب عليه أنساب، وميراث، وحقوق، فلذلك لا بد من تعيين الزوجين، فلا يصح أن يقول: زوجت أحد أولادك، أو زوجت أحد هذين الرجلين، أو زوجت طالباً في الكلية، بل لا بد أن يعين، وكذلك الزوجة فلا بد أن يعيِّنها فيقول: زوجتك بنتي.
والأدلة الواردة في الكتاب والسنة تدل على التعيين، قال الله

تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: 25]، وقال: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37]، وقال: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: 12] وإن كان هذا حكاية عن عقد تام.
ولأن النكاح لا بد فيه من الإشهاد، والإشهاد لا يكون على مبهم، بل لا يكون إشهاد إلا على شيء معين.

فَإِنْ أَشَارَ الوَلِيُّ إِلَى الزَّوْجَةِ، أَوْ سَمَّاهَا، أَوْ وَصَفَهَا بِمَا تَتَمَيَّزُ بِهِ، أَوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي وَلَهُ وَاحِدَةٌ لاَ أَكْثَرَ صَحَّ.

قوله: «فإن أشار الولي إلى الزوجة، أو سماها، أو وصفها بما تتميز به» التعيين له طرق: الأول: الإشارة، بأن يقول زوجتك ابنتي هذه، فيقول: قبلت.
الثاني: التسمية باسمها الخاص، بأن يقول: زوجتك بنتي فاطمة، وليس له بنت بهذا الاسم سواها.
الثالث: أن يصفها بما تتميز به، مثل أن يقول: ابنتي التي أخذت الشهادة السادسة هذا العام، أو ابنتي الطويلة، أو ابنتي القصيرة، أو البيضاء، أو السوداء، أو العوراء، أو ما أشبه ذلك.
الرابع: أن يكون التعيين بالواقع، مثل أن يقول: زوجتك ابنتي، وليس له سواها، ما سمَّاها، ولا وصفها، ولا أشار إليها، فالذي عيَّنها الواقع، ولهذا قال: «أو قال: زوجتك بنتي وله واحدة لا أكثر صح».
وهل يلحق به ما إذا كان له بنت واحدة لم تتزوج، والباقيات متزوجات؟ نعم يشمل هذا.

فإذا قال قائل: هذا الشرط كيف تجمعون بينه وبين قوله تعالى عن موسى ـ عليه السلام ـ أنه قال له صاحب مدين: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِي حِجَجٍ﴾ [القصص: 27].
فالجواب: لا تعارض بين هذا وبين الآية؛ لأن الرجل ما قال: إني زوجتك بإحدى ابنتي، بل قال: إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين، فهذا ليس عقداً، هذا خبر عن الإرادة، يعني فتخير من شئت منهما أزوجك.
على أنه لو فرض أن هناك معارضة صريحة، وورد شرعنا بخلافها، فالعبرة بما في شرعنا؛ لأن شرعنا نسخ ما سواه من الشرائع، فلا يعارض شرعنا بشرع من قبلنا.

فَصْلٌ

الثَّانِي: رِضَاهُمَا .........

قوله: «

الثاني: رضاهما

»، أي: الشرط الثاني: رضا الزوجين، والدليل على هذا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا تنكح البكر حتى تستأذن، ولا تنكح الأيِّم حتى تستأمر»، قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها ـ أي: البكر ـ؟ قال: «أن تصمت» 1، حتى لو كان الأب هو الذي يزوج، والدليل العموم «لا تنكح البكر» لم يستثن الأب، وهناك رواية في صحيح مسلم 2 خاصة بالأب حيث قال صلّى الله عليه وسلّم: «والبكر يستأذنها أبوها» فنص على البكر ونص على الأب، ولأن هذا العقد من أخطر العقود.
وإذا كان الإنسان لا يمكن أن يجبر في البيع على عقد البيع ففي النكاح من باب أولى؛ لأنه أخطر وأعظم؛ إذ إن البيع إذا لم تصلح لك السلعة سهل عليك بيعها، لكن الزواج مشكل، فدل هذا على أنه لا أحد يجبر البنت على النكاح، ولو كانت بكراً، ولو كان الأب هو الولي، فحرام عليه أن يجبرها ولا يصح العقد.
وقول النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «لا تنكح»، لو قال قائل: هذا ليس نهياً، هذا خبر، فما الجواب؟ نقول: هذا الخبر بمعنى النهي، واعلم أن الخبر إذا جاء في موضع النهي فهو أوكد من النهي المجرد، فكأن الأمر يكون مفروغاً منه، ومعلوم

الامتناع؛ لأن النفي دليل على الامتناع، والنهي توجيه الطلب إلى المكلف، فقد يفعل وقد لا يفعل، ولهذا قلنا في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: 228] إنه أبلغ مما لو قال: وليتربَّص المطلقات؛ لأن قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ كأن هذا أمر واقع لا يتغير.

إِلاَّ البَالِغَ المَعْتُوهَ، وَالمَجْنُونَةَ، وَالصَّغِيرَ، وَالبِكْرَ وَلَوْ مُكَلَّفَةً،

....... قوله: «إلا البالغ المعتوه، والمجنونة، والصغير»، هؤلاء ثلاثة لا يشترط رضاهم: الأول: البالغ المعتوه لا يشترط رضاه؛ لأنه لا إذن له، ولا يعرف ما ينفعه وما يضره.
والبالغ من بلغ خمس عشرة سنة، أو أنبت الشعر الخشن حول القبُل، أو أنزل باحتلام، أو غيره.
والمعتوه هو الذي نسميه باللغة العامية الخِبْل، وليس مجنوناً، فهذا يزوجه أبوه، ولكن بماذا نعلم أنه يريد النكاح؟ نعرف ذلك بميله إلى النساء، وتحدثه في النكاح، وظهور علامات الرغبة عليه، فهذا نزوجه ولا يحتاج أن نستأذن منه.
الثاني: المجنونة، أيضاً يزوجها أبوها، وهي أبعد من المعتوه، ولم يقيدها المؤلف بالبلوغ ولا بالصغر؛ لأن الأب يجبر ابنته عاقلة كانت أو مجنونة إذا لم تكن ثيباً، وهل يزوج المجنونة مطلقاً؟ ظاهر كلام المؤلف الإطلاق، ولكن ينبغي أن يقيد بما إذا علمنا رغبتها في النكاح، فإذا لم نعلم رغبتها في النكاح صار تزويجها عبثاً، وربما يحصل نزاع من زوجها ومفسدة، فربما تكون في حالة جنون شديد وتقتل أولادها كما قد يقع، لكن إذا

علم أنه لا بد من تزويجها بقرائن الأحوال فلا بد من ذلك، كذلك المجنون لا يشترط رضاه، وعلامة رغبته في النكاح القرائن، فإذا رأينا القرائن تدل على أن هذا المجنون يريد الزواج زوَّجناه، ولا حاجة أن نقول له: هل ترغب في الزواج؟ الثالث: الصغير، وهو من دون البلوغ، كذلك لا يشترط رضاه؛ لأنه إن كان دون التمييز فهو كالمجنون لا تمييز له، وإن كان دون البلوغ فإن رضاه غير معتبر، وسخطه غير معتبر، وعلى هذا فالمراهق يزوجه أبوه بدون رضاه، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
وفي هذه المسألة نظر، صحيح أن الصغير لا إذن له معتبر؛ لأنه يحتاج إلى ولي، لكن هل هو في حاجة إلى الزواج؟ غالباً ليس بحاجة، والصغر علة يرجى زوالها بالبلوغ، فلننتظر حتى يبلغ، أما المجنون والمعتوه فعلتهما لا ينتظر زوالها.
لكن إذا قال قائل: ربما يحتاج الصغير إلى زوجة، كأن تكون أمه ميتة، والزوجة ستقوم بحاجاته ومصالحه، فهل نقول في مثل هذه الحال: إننا نزوجه؟ نقول: نعم، وهذا في الحقيقة فيه مصلحة، ومن مقاصد النكاح القيام بمصالح الزوج، غير الجماع وما يتعلق به، وقد مر علينا قصة جابر ـ رضي الله عنه ـ في أنه تزوج ثيباً لتصلح من شؤون أخواته 1، فعلم من ذلك أن للنكاح مقاصد غير مسألة الجماع، فإذا قلنا بهذا، فهل نقول في مثل هذه الحال: يجوز أن يعقد الأب له الزواج على هذه المرأة لتقوم بمصالحه؟

المذهب يقولون: نعم يعقد له النكاح لتقوم بمصالحه، ولو قلنا بعدم الصحة، وأن هذه المصالح يمكن إدراكها باستئجار هذه المرأة لتقوم بمصالحه، ولا نلزمه بزوجة يلزمه مؤونتها، والإنفاق عليها، وترثه لو مات، ويترتب عليه أمور أخرى، فلو قلنا بذلك لكان له وجه، فكوننا نلزم هذا الصغير بأمر لا يلزمه مع أنه يمكن أن نقوم بمصالحه على وجه آخر، محل نظر.
فإن كان قريباً من البلوغ فله إذن؛ لأنه إذا صار يعرف مصالح النكاح فيمكن أن يستأذن، وسيأتينا ـ إن شاء الله ـ أن ابن تسع وبنت تسع في باب النكاح لهم إذن؛ لأنهم يعرفون مصالح النكاح.
مسألة: إذا زوج الأب ابنه الصغير لمصلحته، فهل له الخيار إذا بلغ؟ الجواب: هناك قول في المذهب بأن له الخيار في الفسخ، وحينئذٍ يلزم الأب المهرُ، وهذا هو الفرق بين قولنا له الخيار وله الطلاق، فإذا طلق فالمهر يلزمه هو، والصحيح أنه لا خيار له؛ لأن تصرف الأب صحيح بمقتضى الشرع، فإن أراد الابن أن يفارق هذه الزوجة فله أن يطلق.
قوله: «والبكر ولو مكلفة»، أي: أنه يجوز لأب البكر أن يزوجها، ولو بغير رضاها، ولو كانت مكلفة، أي: بالغة عاقلة.
وقوله: «ولو مكلفة» إشارة خلاف، فإذا قال لها أبوها: أنا أريد أن أزوجك فلاناً، فقالت: لا، أنا ما أريد فلاناً صراحة، يقول: أزوجك ولا أبالي، ويغصبها غصباً ولو كانت لا تريده؛

لأنها بكر، ولو كانت بالغة عاقلة ذكية، تعرف ما ينفعها وما يضرها، وعقلها أكبر من عقل أبيها ألف مرة؛ ودليلهم أن عائشة بنت أبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ زوجها أبوها النبيَ صلّى الله عليه وسلّم وهي بنت ست، وبنى بها الرسول صلّى الله عليه وسلّم وهي بنت تسع سنوات 1. فنقول لهم: هذا دليل صحيح ثابت، لكن استدلالكم به غير صحيح، فهل علمتم أن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ استأذن عائشة ـ رضي الله عنها ـ وأبت؟! الجواب: ما علمنا ذلك، بل إننا نعلم علم اليقين أن عائشة ـ رضي الله عنها ـ لو استأذنها أبوها لم تمتنع، والنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ خيَّرها مثل ما أمره الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَِزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً *﴾، أي: بلطف وحسن معاملة وشيء من المال، ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا *﴾ [الأحزاب].
فأول من بدأ بها عائشة ـ رضي الله عنها ـ وقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: «استأمري أبويك في هذا وشاوريهم»، فقالت: يا رسول الله أفي هذا أستأمر أبواي؟! إني أريد الله والدار الآخرة 2، فمن هذه حالها لو استؤذنت لأول مرة أن

تتزوج الرسول صلّى الله عليه وسلّم هل تقول: لا؟! يقيناً لا، وهذا مثل الشمس، فهل في هذا الحديث دليل لهم؟! ليس فيه دليل.
فإذا قال قائل: إذا كانت صغيرة فلا يشترط إذنها، بخلاف الكبيرة.
قلنا: أنتم تقولون: «ولو مكلفة»، أي: هي بالغة عاقلة من أحسن الناس عقلاً، ولها عشرون سنة، أو ثلاثون سنة، فلا يشترط رضاها، فأنتم لا دليل لكم في هذا الحديث.
ثم نقول: نحن نوافقكم إذا جئتم بمثل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومثل عائشة ـ رضي الله عنها ـ وهل يمكن أن يأتوا بذلك؟! لا يمكن، إذن نقول: سبحان الله العظيم، كيف نأخذ بهذا الدليل الذي ليس بدليل؟! وعندنا دليل من القرآن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: 19] وكانوا في الجاهلية إذا مات الرجل عن امرأة، تزوجها ابن عمه غصباً عليها 1. ودليل صريح صحيح من السنة، وهو عموم قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «لا تنكح البكر حتى تستأذن» 2، وخصوص قوله: «والبكر يستأذنها أبوها» 3، فإذا قلنا: لأبيها أن يجبرها صار الاستئذان لا فائدة منه، فأي فائدة في أن نقول: هل ترغبين أن نزوجك بهذا، وتقول: لا أرضى، هذا رجل فاسق، أو رجل كفء لكن لا أريده، فيقال: تجبر؟! هذا خلاف النص.

وأما النظر فإذا كان الأب لا يملك أن يبيع خاتماً من حديد لابنته بغير رضاها، فكيف يجبرها أن تبيع خاتم نفسها؟! هذا من باب أولى، بل أضرب مثلاً أقرب من هذا، لو أن رجلاً طلب من هذه المرأة أن تؤجر نفسها لمدة يومين لخياطة ثياب، وهي عند أهلها ولم تقبل، فهل يملك أبوها أن يجبرها على ذلك، مع أن هذه الإجارة سوف تستغرق من وقتها يومين فقط وهي ـ أيضاً ـ عند أهلها؟ الجواب: لا، فكيف يجبرها على أن تتزوج من ستكون معه في نكد من العقد إلى الفراق؟! فإجبار المرأة على النكاح مخالف للنص المأثور، وللعقل المنظور.
فإذا قال قائل: قوله: «يستأذنها» يدل على أن المرأة لها رأي، فلا نجعل الحكم خاصاً بالصغيرة، ونقول: المكلفة لا تجبر، لكن الصغيرة تجبر.
قلنا: أي فائدة للصغيرة في النكاح؟! وهل هذا إلا تصرف في بضعها على وجه لا تدري ما معناه؟! لننتظر حتى تعرف مصالح النكاح، وتعرف المراد بالنكاح ثم بعد ذلك نزوجها، فالمصلحة مصلحتها.
إذاً القول الراجح أن البكر المكلفة لا بد من رضاها، وأما غير المكلفة وهي التي تم لها تسع سنين، فهل يشترط رضاها أو لا؟ الصحيح ـ أيضاً ـ أنه يشترط رضاها؛ لأن بنت تسع سنين بدأت تتحرك شهوتها وتحس بالنكاح، فلا بد من إذنها، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ وهو الحق.
وأما من دون تسع سنين، فهل يعتبر إذنها؟ يقولون: من

دون تسع السنين ليس لها إذن معتبر؛ لأنها ما تعرف عن النكاح شيئاً، وقد تأذن وهي تدري، أو لا تأذن؛ لأنها لا تدري، فليس لها إذن معتبر، ولكن هل يجوز لأبيها أن يزوجها في هذه الحال؟ نقول: الأصل عدم الجواز؛ لقول النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «لا تنكح البكر حتى تستأذن» 1، وهذه بكر فلا نزوجها حتى تبلغ السن الذي تكون فيه أهلاً للاستئذان، ثم تستأذن.
لكن ذكر بعض العلماء الإجماع على أن له أن يزوجها، مستدلين بحديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ، وقد ذكرنا الفرق، وقال ابن شبرمة من الفقهاء المعروفين: لا يجوز أن يزوج الصغيرة التي لم تبلغ أبداً؛ لأننا إن قلنا بشرط الرضا فرضاها غير معتبر، ولا نقول بالإجبار في البالغة فهذه من باب أولى، وهذا القول هو الصواب، أن الأب لا يزوج بنته حتى تبلغ، وإذا بلغت فلا يزوجها حتى ترضى.
لكن لو فرضنا أن الرجل وجد أن هذا الخاطب كفء، وهو كبير السن، ويخشى إن انتقل إلى الآخرة صارت البنت في ولاية إخوتها أن يتلاعبوا بها، وأن يزوِّجوها حسب أهوائهم، لا حسب مصلحتها، فإن رأى المصلحة في أن يزوجها من هو كفء فلا بأس بذلك، ولكن لها الخيار إذا كبرت؛ إن شاءت قالت: لا أرضى بهذا ولا أريده.
وإذا كان الأمر كذلك فالسلامة ألا يزوجها، وأن يدعها

إلى الله ـ عزّ وجل ـ فربما أنه الآن يرى هذا الرجل كفئاً ثم تتغير حال الرجل، وربما يأتي الله لها عند بلوغها النكاح برجل خير من هذا الرجل؛ لأن الأمور بيد الله ـ سبحانه وتعالى ـ. وهذا أمر ينبغي للإنسان أن يسلكه في أقواله وتصرفاته، فمتى دار الأمر بين السلامة والخطر فالأولى السلامة، وذكر عن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ أنه كان لا يعدل بالسلامة شيئاً، ولعل هذا مأخوذ من قوله صلّى الله عليه وسلّم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» 1، يعني إذا لم يتبين لك الخير فيما تقول فوظيفتك السكوت، وجرب تجد، كم من إنسان أخرج كلمة، فقال: ليتني لم أخرجها، لكن لو كان مالكاً لها في قلبه يكون له التحكم، ويصبر حتى إذا وجد أنه لا بد من الكلام تكلم، وكذلك التصرفات إذا دار الأمر بين أن تفعل أو لا تفعل، ولم يترجح عندك أن الإقدام خير، فإن الأولى الانتظار والتأني حتى يتبين، وما أحسن حال الإنسان إذا استعمل ذلك، فإنه يجد الراحة العظيمة.
والفرق بين قولنا: إن الصغير يجوز لأبيه تزويجه لمصلحته، وقولنا: إن الصغيرة لا يزوجها، أن الصغير يستطيع أن يتخلص من الزوجة بالطلاق، لكن الزوجة لا تستطيع التخلص.
لكن هاهنا مسألة، وهي أن المرأة إذا عيَّنت من ليس بكفء فإن الأب لا يطيعها، ولا إثم عليه، ويقول: أنا لا أزوجك مثل

هذا الرجل أبداً، ولكن إذا عينت كفؤاً فعلى العين والرأس.
وإذا عيَّن كفؤاً وأبت، ثم جاءه كفء آخر وأبت، ثم جاءه ثالث وأبت، وكلما جاء كفء أبت، فهل عليه إثم إذا لم يزوجها؟ لا؛ لأنها هي التي تأبى، فيقال لها: أنت إن رضيت الكفء الذي أمرنا الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ بتزويجه، وهو من نرضى دينه وخلقه فعلى العين والرأس، أما إذا عينت من ليس بكفء في دينه وخلقه ـ وأهم شيء الدين ـ فإننا لا نقبل منك ولا نزوجك.

لاَ الثَّيِّبَ، فَإِنَّ الأَبَ، وَوَصِيَّهُ فِي النِّكَاحِ يُزَوِّجَانِهِمْ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، كَالسَّيِّدِ مَعَ إِمَائِهِ،

.... قوله: «لا الثيب»، أي: لا تستثنى الثيب، بل الثيب يشترط رضاها، ولو زوجها أبوها، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ولا تنكح الأيم حتى تستأمر» 1، أي يؤخذ أمرها، والثيب هي التي زالت بكارتها بجماع في نكاح صحيح، أو بزنا مع رضا، أو بزنا مع إكراه ـ أيضاً ـ على المذهب؛ وذلك لأن الثيب التي جومعت عرفت معنى الجماع، فتستطيع أن تقبل أو ترد، ولكن هذا بالنسبة لمن تزوجت وجومعت واضح، وكذلك من زنت ـ والعياذ بالله ـ برضاها واضح؛ فإنها تتلذذ بالجماع وتعرفه، لكن بالنسبة لمن زني بها كرهاً، هل نقول: إن حكمها حكم الثيب التي زالت بكارتها بالجماع في النكاح الصحيح، أو بالزنا المرضي به؟ الجواب: هذا لا يظهر، والمذهب أن حكمها حكم الأولين، ولكن الصحيح خلاف ذلك، وأن المزني بها ـ ولو زالت بكارتها ـ فإنها إذا كانت مكرهة فلا بد من إذنها، ولا عبرة

بثيوبتها، المهم أن الثيب لا بد أن ترضى حتى ولو زوجها أبوها، فإن زوَّجها بغير رضاها فلها الخيار؛ لأنه ثبت في الصحيح أن امرأة زوجها أبوها في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم وهي ثيب فخيرها النبي صلّى الله عليه وسلّم 1، فلا بد من استئمارها، أي: أن تشاور وتراجع، والفرق بين البكر والثيب ظاهر، فالبكر حيية تستحي من الكلام في هذه الأمور، والثيب قد عرفت الأزواج والرجال، ويمكنها أن تقبل أو ترفض، فلذلك لا بد من استئمارها، فإن ردت من أول الأمر، بأن رفضت فلا حاجة للاستئمار، لكن لنا أن نشير عليها إذا كان الرجل كفؤاً لعلها تقبل؛ لأن بعض النساء قد ترد لأول وهلة، وبعد المراجعة تقبل.
قوله: «فإن الأبَ، ووصيَّه في النكاح يزوِّجانهم بغير إذنهم»، «الأبَ» بالتخفيف، أما «الأبّ» بالتشديد فهو نبات ينبت في الأرض، قال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا *﴾ [عبس]، وأما الأبُ بالتخفيف فهو الوالد، والمراد به الوالد الأدنى الذي خرجوا من صلبه.
وقولنا: «الوالد الأدنى» احترازاً من الجد فإنه لا يزوجهم، فهو هنا كغيره من بقية الأولياء.
وقوله: «ووصيه» الوصي من عهد إليه الولي بتزويج بناته بعد موته، فإن عهد إليه بالتزويج في الحياة فهو وكيل.
إذاً الأب، ووكيله، ووصيه يزوجونهم بغير إذنهم.

وعلم من قول المؤلف: «ووصيه»، أن ولاية النكاح تستفاد بالوصية، أي: أن من أوصى أن يزوجوا مولياته بعد موته، فإن وصيه يقوم مقامه، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد.
فالأب إذا مات يكون الولي بعده العم أو الأخ إن كان كبيراً، فإذا أوصى الأب إلى أحدٍ يزوجها صار الذي يزوجها الوصي دون الأخ، هذا معنى قولنا: إن ولاية النكاح تستفاد بالوصية، وعللوا ذلك بأن الأب له شفقة، وله نظر بعيد بالنسبة للبنات، فقد يرى أن الأولياء ليسوا أهلاً ولا ثقة عنده بهم فيوصي إلى شخص آخر.
والصحيح أنها لا تستفاد بالوصية، وأنها تسقط بموت صاحبها، فإذا مات الأب فإنه لا حق له في الوصية بالتزويج، بل إن الوصية في الأصل لم تنعقد؛ لأن ولاية النكاح ولاية شرعية تستفاد من الشرع، ونحن إذا قلنا باستفادة الولاية بالوصية ألغينا ما اعتبره الشرع، فكما أن الأب لا يوصي بأن يرث ابنَه وصيُه، فكذلك لا يوصي بأن يزوج بنتَه وصيُه.
فلو أن إنساناً قال: أوصيت بنصيب بنتي أن يملكه فلان، ومات الأب ثم ماتت البنت، فهل يرثها الوصي؟ لا يرثها؛ لأنه لا يملك بالوصاية، كذلك الولاية لا تملك بالوصاية، فإذا مات الأب وقد أوصى بطلت الوصية، وهذا هو القول الصحيح؛ لأن الولاية متلقاة من الشرع، نعم له أن يوكل ما دام حياً، أما بعد الموت فولايته ماتت بموته.
قوله: «كالسيد مع إمائه» السيد مالك العبد؛ ولهذا قال:

«مع إمائه» أي: مملوكاته، فالسيد الذي له مملوكات ولو كن كباراً يزوجهن بغير إذنهن؛ لأنه مالك لهن ملكاً مطلقاً، ويدل لهذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ [النور: 33]، فمفهومه أن إكراههن على غير البغاء كالنكاح الصحيح لا بأس به، وهو كذلك، ولقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: 25] فأهلهن هم الذين يزوجونهن، فالسيد مالك لأمته، لرقبتها ومنفعتها ملكاً تاماً، ولهذا لو قالت: زوجني، وقال: لا أنا أريد أن أتسرَّاك، لا نلزمه بالتزويج، فالمالك له أن يزوج إماءه رضين أم لم يرضين، لكن على كل حال يجب عليه أن لا يشق عليهن، وألا يزوجهن من لا يرضينه.
وقوله: «كالسيد مع إمائه»، فهل يجوز إطلاق السيد على المالك؟ الجواب: إطلاق السيد من حيث هو ـ لا على المالك ـ كثير، كما في قصة يوسف عليه الصلاة والسلام: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: 25]، كذلك قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «أنا سيد ولد آدم» 1، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «قوموا إلى سيدكم» 2.

وَعَبْدِهِ الصَّغِيرِ، وَلاَ يُزَوِّجُ بَاقِي الأَوْلِيَاءِ صَغِيرَةً دُونَ تِسْعٍ، وَلاَ صَغِيراً، وَلاَ كَبِيرَةً عَاقِلَةً، وَلاَ بِنْتَ تِسْعٍ إِلاَّ بِإِذْنِهِمَا، وَهُوَ صُمَاتُ البِكْرِ، وَنُطْقُ الثَّيِّبِ،.

قوله: «وعبده الصغير» احترازاً من الكبير، أي: فللسيد أن يجبر عبده الصغير الذي لم يبلغ على أن يتزوج، فالسيد مع مملوكه كالأب مع أولاده، يزوج الصغار من العبيد والمجانين ونحوهم، لكنه أكثر سيطرة من الأب؛ لأنه يزوج الكبار والصغار من النساء، والثيبات والأبكار.
قوله: «ولا يزوج باقي الأولياء صغيرة دون تسع» بقية الأولياء، أي: من عدا الأب، مثل الأخ والعم وما أشبه ذلك، لا يزوجون صغيرة دون تسع بأي حال من الأحوال، سواء كانت بكراً أم ثيباً.
قوله: «ولا صغيراً»، أي: لا يزوجون صغيراً أبداً؛ لأنه ليس لهم عليه ولاية تامة، وليس عندهم شفقة كشفقة الأب، ولأنهم إذا زوجوا الصغير ألزموه بمقتضيات النكاح من النفقة وغيرها، وهذا لا يجوز إلا للأب، إلا أنهم استثنوا إذا احتاج الصغير إلى المرأة فيزوجه الحاكم ـ القاضي ـ ولا يزوجه الأولياء.
وكيف يحتاج الصغير إلى زوجة؟ مثل ما إذا كان يحتاج إلى امرأة تخدمه وتصلح أحواله، من تغسيل الثياب، وفرش الفرش، وما أشبه ذلك.
وقال بعض الأصحاب: إذا كان الحاكم يزوجه فغيره من الأولياء ـ أيضاً ـ يزوجه إذا احتاج؛ لأن ولاية الحاكم دون ولاية غيره من الأقارب؛ فولاية الحاكم عامة، وولاية غيره خاصة،

فمثلاً صبي له سبع سنوات، احتاج إلى الزواج، وله أخ بالغ فله أن يزوجه لحاجته، أما على المذهب فلا يزوجه إلا الحاكم.
قوله: «ولا كبيرة عاقلة»، أي: لا يزوج باقي الأولياء، ولو كان الجد، أو الأخ الشقيق، أو العم الشقيق كبيرة عاقلة ـ أي: بالغة ـ إلا بإذنها، سواء كانت ثيباً أو بكراً؛ لأن الإجبار للأب فقط.
وعلم من قول المؤلف: «كبيرة عاقلة» أنهم يزوجون الكبيرة المجنونة، ولكن هذا مقيدٌ بالحاجة، وذلك إذا عرفنا أنها تميل إلى الرجال، ففي هذه الحال يزوجها الأولياء بدون إذنها لدفع حاجتها؛ لأنها مجنونة فلا إذن لها.
قوله: «ولا بنت تسع»، أي: لا يزوجون بنت تسع ولو بكراً إلا بإذنها، وهي ما بين التسع إلى البلوغ على رأي المؤلف، كالبالغة، والصحيح أنها ليست كذلك، وأن إذنها غير معتبر؛ وذلك لأنها لا تفهم مصالح النكاح كما ينبغي.
قوله: «إلا بإذنهما» الضمير المثنى يعود على الكبيرة العاقلة وبنت التسع.
فصار بقية الأولياء لا يزوجون ذكراً، ولا صغيرة دون تسع بأي حال من الأحوال، ولا كبيرة عاقلة، ولا بنت تسع إلا بإذنهما، وأما الكبيرة المجنونة فيزوجونها إذا احتاجت إلى النكاح، وكان من مصلحتها أن تزوج؛ حتى لا تفسد أخلاقها.
وقوله: «إلا بإذنهما»، الدليل قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا تنكح البكر حتى تستأذن ولا تنكح الأيم حتى تستأمر» 1. فقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تنكح» خبر بمعنى النهي؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أخبر بأنه لا تنكح، لكن مراده النهي عن أن تنكح إلا بإذنها، والثيب تستأمر، والفرق بين الاستئذان والاستئمار، أن الاستئذان أن يقال لها مثلاً: خطبك فلان بن فلان، ويذكر من صفته وأخلاقه وماله، ثم تسكت أو ترفض، وأما الاستئمار فإنها تشاور؛ لأنه من الائتمار لقوله تعالى: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 6]، وقوله: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ [القصص: 20] فهي تُشاور؛ وذلك لأنها عرفت النكاح، وزال عنها الحياء، فكان لا بد من استئمارها.
ثم فسَّر الإذن بقوله: «وهو صمات البكر ونطق الثيب» «صمات البكر» أي: سكوتها، «ونطق الثيب» أي: أن تقول: نعم، رضيت.
وقوله: «صمات البكر»، ظاهر كلامه ولو بكت أو ضحكت، أما إذا ضحكت فظاهر أنها راضية، وأما إذا بكت فالفقهاء يقولون: إن هذا لا يدل على عدم الرضا، بل قد يدل على الرضا، وأنها بكت لفراق أبويها، لما عرفت أنها إذا تزوجت ستفارقهما، فلا يدل ذلك على الكراهة.
وهذا الذي قالوه له وجهة نظر، لكن ينبغي أن يقال في البكاء خاصة: إن دلت القرينة على أن البكاء كراهة للزواج فهو

رفض، وإذا لم تدل القرينة على ذلك فلا يدل على الرفض.
وقوله: «وهو صمات البكر ونطق الثيب»، فلو عكس الأمر وقالت البكر: نعم أريد أن أتزوج بهذا الرجل، وأنا قابلة به، والثيب سكتت، فهل يكون ذلك إذناً؟ أما الثيب فلا يكون إذناً؛ لأن النطق أعلى من السكوت، فقولها: رضيت، أعلى من كونها تسكت، وأما البكر فإنه يكون إذناً؛ لأن كونها تنطق وتقول: رضيت به، أبلغ في الدلالة على الرضا من الصمت.
والعجيب أن ابن حزم ـ رحمه الله ـ بظاهريته يقول: إنها لو صرحت بالرضا لم يكن إذناً، فلو قالت: رضيت بهذا الرجل وأنا أريده ولا أريد غيره، يقول: هذا ليس بإذن؛ لأن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ سئل كيف إذنها، قال: «أن تسكت» 1، فمعناه أنها لو جاءت بإذن غير السكوت، لم يكن ذلك معتبراً شرعاً.
وهذا قولٌ ضعيف، وهو مما يدل على فساد التمسك بالظاهر بدون مراعاة المعنى؛ لأن الشريعة ظواهرها كلها حق، وكلها حِكم وأسرار، وليس من الحكمة أن نقول لامرأة: هل ترضين أن تتزوجي بهذا الرجل؟ فتقول: نعم، رضيت به، ثم نقول لنظيرتها: هل ترضين أن تتزوجي بهذا الرجل؟ فتسكت، ونقول: إن الثانية راضية، والأولى غير راضية.
فالصواب: أن إذن البكر أدناه الصمت وأعلاه النطق؛ لكن

النبي صلّى الله عليه وسلّم جعل الصمت دليلاً على الرضا؛ لأن الغالب في الأبكار الحياء وعدم التصريح بهذا الأمر، وهذا خاضع لكل زمان ووقت، ففي وقتنا الحالي هن يبحثن عن الزوج قبل أن يخطبن، وإذا قيل لإحداهن: ترضين بفلان؟ قالت: أرضى به، وهو طيب، وأنا ما أريد إلا هذا، ولا تبالي.
كما يجب أن يسمى الزوج المستأذن في نكاحه على وجه تقع به المعرفة، فيقال: رجل شاب، كهل، شيخ، صفته كذا وكذا، عمله كذا وكذا، حالته المادية كذا وكذا، أما أن يقال: نريد أن نزوجك، فقط، فهذا لا يجوز، فربما أنها تتصور أن هذا الزوج على صفة معينة ويكون الأمر بالعكس.

فَصْلٌ

الثَّالِثُ: الوَلِيُّ،

.......... قوله: «الثالث: الولي»، أي: الثالث من شروط النكاح الولي، يعني أن النكاح لا ينعقد إلا بولي، والدليل على ذلك القرآن والسنة، والنظر الصحيح.
أما القرآن فقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾، [البقرة: 220]، وقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: 32].
«وأنكح» فعل متعدٍ يتعدى إلى الغير، والخطاب للأولياء فدل هذا على أن النكاح راجع إليهم، ولذلك خوطبوا به، فيكون هذا دليلاً على أن المرأة لا يمكن أن تزوج نفسها، بل لا بد من أن ينكحها غيرها، وقوله تعالى: ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 232]، ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾ أي: لا تمنعوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف، ووجه الدلالة من الآية أنه لو لم يكن الولي شرطاً لكان عضله لا أثر له.
وفي قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ دليل على أنه لا فرق في اشتراط الولي بين الثيب والبكر؛ لأن قوله: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ دليل على أنهن قد تزوجن من قبل، وعلى هذا فنقول: إن الآية دلالتها صريحة على أن الولي شرط في النكاح، سواء في البكر أو في الثيب.
أما السنة فقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا نكاح إلا بولي» 1، و «لا» نافية

للجنس، والنفي هنا منصب على الصحة وليس على الوجود؛ لأنه قد تتزوج امرأة بدون ولي، والنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ما يخبر عن شيء فيقع على خلاف خبره.
وعلى هذا فقوله: «لا نكاح إلا بولي»، أي: لا نكاح صحيح إلا بولي.
فلو قال قائل: لِمَ لا نقول: لا نكاح كامل، ونحمل النفي على نفي الكمال لا على نفي الصحة؟ قلنا: هذا غير صحيح؛ لأنه متى أمكن حمله على نفي الصحة كان هو الواجب؛ لأنه ظاهر اللفظ، ونحن لا نرجع إلى تفسير النفي بنفي الكمال، إلا إذا دل دليل على الصحة، ولأن الأصل في النفي انتفاء الحقيقة واقعاً أو شرعاً.
وهذه القاعدة تقدمت لنا مراراً، وقلنا: إن النفي يحمل على نفي الوجود، فإن تعذر فنفي الصحة، فإن تعذر فنفي الكمال.
وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل» 1. أما النظر فإن المرأة ضعيفة العقل والدين، وسريعة العاطفة، سهلة الخداع، يمكن أن يأتي شخص من أفسق الناس ويغرّها،

ويحمد نفسه عندها، ويجعل نفسه فوق الناس، في المال والكمال والأخلاق والدين، وهو من أفجر الناس وأرذل الناس، فتنخدع، فكان من الحكمة أن لا تتزوج إلا بولي.
فصار النظر مع الأثر يقتضي أن لا يصح النكاح إلا بولي، وهذا هو الذي عليه عامة أهل العلم وجمهور الأمة، أنه لا بد في النكاح من ولي، وأنه لا يصح بدون ولي أبداً، ويستثنى من ذلك النبي صلّى الله عليه وسلّم فإن له أن يتزوج بدون ولي، وله أن يتزوج مع وجود الولي لقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: 6] كما أن له أن يتزوج بالهبة بدون صداق.
وذهب أبو حنيفة ـ رحمه الله ـ إلى أن الحرة المكلفة تزوج نفسها بدون ولي، وقال: إن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ يقول: «الثيب أحق بنفسها من وليها» 1. ولكن هذا القول ضعيف، والحديث الذي استدل به ليس معناه أنها تزوج نفسها، بل معناه أنها لا تُزوج حتى تستأمر، ويؤخذ أمرها ويبين لها الأمر واضحاً جلياً، فلا يُكتفى بنظر الولي في حقها، بل لا بد أن تستأمر ويبين لها الأمر على وجه واضح.
والذي حملنا على ذلك هو الحديث الذي ذكرناه: «لا نكاح إلا بولي»، وقد صححه أحمد وغيره، وعلى هذا فالصحيح أنه لا بد من الولي.

وقال بعض أهل العلم: إنه يجوز أن تزوج نفسها بإذن وليها، فتقول لوليها ـ مثلاً ـ إذا خُطِبَتْ وَوافَقَتْ: إن فلاناً خطبني، وأنا أريد أن أتزوج به وسأعقد النكاح لنفسي، فإذا أُذن لها زوجت نفسها.
ولكن الصحيح ـ أيضاً ـ خلاف هذا، وأنه لا بد من الولي المباشر، وهذا هو المعروف من سنة الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه لا تزوج امرأة إلا بولي، حتى أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ لما أراد النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن يتزوجها أمرت ابنها عمر أن يزوج النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالت: قم يا عمر فزوج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (1)، مع أنهم ذكروا من خصائصه صلّى الله عليه وسلّم في النكاح أنه يتزوج بدون ولي؛ لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم.

وَشُرُوطُهُ: التَّكْلِيفُ، وَالذُّكُورِيَّةُ، وَالحُرِّيَّةُ، وَالرُّشْدُ فِي العَقْدِ،

قوله: «وشروطه» يعني شروط الولي.
الأول: قوله: «التكليف» بأن يكون بالغاً عاقلاً، فالذي دون البلوغ لا يعقد لغيره، والمجنون لا يعقد لغيره؛ لأنهما يحتاجان إلى ولي، فكيف يكونان وليين لغيرهما؟! أما المجنون فأمره ظاهرٌ جداً، فإنه لا يمكن أن يزوج، وأما الصغير فذهب بعض أهل العلم إلى أن المراهق الذي لم يبلغ، لكنه قريب البلوغ ويميز ويعرف الكفء، أن له أن يزوج، ولكن المذهب خلاف ذلك، وأنه لا بد أن يكون بالغاً، حتى لو1

فرض أن له أربع عشرة سنة، وأحد عشر شهراً، وثمانية وعشرين يوماً، وبناء على ذلك لو وجدت امرأة لها عم كفء في الولاية، ولها أخ صغير لم يبلغ يزوجها عمها، وأخوها الشقيق لا يزوجها، ولو لم يكن بينه وبين البلوغ إلا يوم واحد.
الثاني: قوله: «والذكورية» ضدها الأنوثة والخنوثة؛ لأنه إذا كانت المرأة لا تزوج نفسها فكيف تزوج غيرها؟! وعلى هذا فالأم لا تزوج بنتها لاشتراط الذكورية، فلو كان لها أم وابن عم، وجاءت تسأل من وليها؟ نقول: ابن عمها، أما الأنثى فلا تكون ولياً.
وكذلك الخنثى المشكل لا يزوج، وهذا ـ والحمد لله ـ قليل كما مر علينا، ولكن على كل حال يجب أن نعرف أنه يحترز بالذكورية عن الأنوثة والخنوثة.
والذكورية مشروطة في كل ولاية إلا ولاية تتعلق بالنساء، فلا حرج أن تكون الولية امرأة، فلا يمكن أن تكون المرأة مديرة على مدرسة رجال، ويمكن أن تكون مديرة على مدرسة نساء، ولا يمكن أن تكون وزيرة في وزارة رجال، ولكن هل يمكن أن تكون وزيرة في وزارة النساء؟ الجواب: نعم، لكن لا يمكن الآن؛ لأنه حتى وزارة النساء، أو إدارة النساء، أو رئاسة النساء فلا بد أن يكون فيها ذكور.
الثالث: قوله: «والحرية»، أي: يشترط أن يكون الولي حراً، فالرقيق لا يزوج ابنته ولو كان من أعقل الناس، وأسَدِّ الناس رأياً، وأقومهم ديناً؛ لأنه هو نفسه مملوك لا يستقل بنفسه ومنافعه، فلا يكون ولياً على غيره.

والصحيح أن ذلك ليس بشرط؛ لأن هذا ليس مالاً أو تصرفاً مالياً حتى نقول: إن العبد لا يملك، ولكن هذه ولاية، فهو أبٌ، ومعلوم أن احتياط الأب لابنته أبلغ من أن يحتاط لها عمها أو أخوها أو السلطان أو ما أشبه ذلك، فكيف تسلب عنه الولاية مع أبوته ورشده وعقله ودينه؟! والعجب أنهم ـ رحمهم الله ـ قالوا: إن المكاتب يصح أن يكون ولياً فيزوج ابنته؛ لأن المكاتب انعقد فيه سبب الحرية، وإن كان عبداً ما بقي عليه درهم، لكن له أن يزوج بناته، فيقال: هو عبد، فإذا صح أن يزوج بناته فيصح أن يزوجهن من ليس بمكاتب، وهذا القول هو الراجح، فإذا وجد وليٌّ رقيق فإنه يزوج، وهل هذا التزويج يفوت حق سيده؟ لا يفوته، فلا ضرر على سيده في ولايته النكاح، وهو رشيد وعاقل ودَيِّن وفاهم، فقد يكون الرقيق من أعلم الناس بأحوال الناس، والمقصود بالولاية أن تكون المرأة عند زوج كفء، فكيف يزوجها القاضي، وأبوها موجود؟! الرابع: قوله: «والرشد في العقد» كذلك ـ أيضاً ـ يشترط الرشد في العقد، وهذا من أهم الشروط أن يكون الولي رشيداً، والرشد في كل موضع بحسبه، الرشد في العقد بأن يكون بصيراً بأحكام عقد النكاح، بصيراً بالأكْفَاء، ليس من الناس الذين عندهم غِرَّة وجهل، بل يعرف الأكفاء ومصالح النكاح، وهذا في الحقيقة هو محط الفائدة من الولاية؛ لئلا نضيع مصالح المرأة، فإذا لم يكن رشيداً، ولا يهمه مصلحة البنت، ولا يهمه إلا المال، وجاء إليه شخص، وقال: أنا أعطيك مليون ريال وزوجني

بنتك، وهذا الرجل ليس كفؤاً، فوافق الأب وزوج ابنته، وقال: أنا لي إجبار بنتي، وأخذ المليون، فهذا لا يمكن أن يولى، ولا تصح ولايته، فلا بد أن يكون عنده رشد في العقد، ولو فرضنا أن هذا الولي عنده رشد في العقد، ويعرف مصالح النكاح، ويعرف الأكفاء ويعرف الناس معرفة تامة، لكنه في بيعه وشرائه ليس برشيد، فلا يحسن البيع ولا الشراء، فهذا لا يضر؛ لأن الرشد في كل موضع بحسبه، فما دام أن الرجل يعرف مصالح النكاح والكفء، وما يجب للزوجة وجميع ما يتعلق بالنكاح فهو رشيد ويزوِّج.

وَاتِّفَاقُ الدِّينِ سِوَى مَا يُذْكَرُ، وَالعَدَالَةُ،

.......... الخامس: قوله: «واتفاق الدين»، يعني أن يكون الولي والمرأة دينهما واحد، سواء كان دين الإسلام أو غير دين الإسلام؛ وذلك لانقطاع الولاية بين المختلفين في الدين، ويدل على انقطاع الولاية أنه لا يتوارث أهل ملتين، فإذا انقطعت الصلة بالتوارث، فانقطاعها بالولاية من باب أولى، فعلى هذا يزوج النصراني ابنته النصرانية، وكذلك يزوج اليهودي ابنته اليهودية، وعلى هذا فقس، وهل يزوج المسلم ابنته النصرانية؟ على كلام المؤلف لا يزوج، وكذلك بالعكس النصراني ما يزوج ابنته المسلمة، لكن استثنى فقال: «سوى ما يذكر»، قال في الروض 1: «كأم ولد لكافرٍ أسلمت، وأمة كافرة لمسلم، والسلطان يزوج من لا ولي لها من أهل الذمة» ثلاث مسائل: لا يشترط فيها اتفاق الدين:

الأولى: «أم ولد لكافر أسلمت»، يعني رجلاً كافراً له مملوكة فجامعها، ثم ولدت منه، فصارت أم ولد لكافر، فلا يجوز له بيعها؛ لأنها أم ولد، لكن يزوجها؛ لأنها مملوكته حتى يموت، فإذا مات عتقت، وهذا مبني على القول بمنع بيع أمهات الأولاد، والمسألة خلافية، ولم يقل المؤلف: كأمة مسلمة لكافر؛ لأن هذا لا يتصور؛ لأن الأمة إذا أسلمت تحت الكافر أجبر على إزالة ملكه ببيع أو عتق أو غيره.
الثانية: «أمة كافرة لمسلم»، يعني إنساناً عنده أمة، وهو مسلم وهي كافرة، فهذا يزوجها؛ لأنه سيدها، ولا نقول له: أنت مسلم وهي كافرة، فتجبر على إزالة الملك؛ لأن السيد أعلى.
الثالثة: «السلطان يزوج من لا ولي لها من أهل الذمة»، المراد بالسلطان الإمام الرئيس الأعلى في الدولة، أو من ينوب منابه، والذي ينوب منابه، في وقتنا الحاضر وزارة العدل، ومن ورائها مأذون الأنكحة، فإذا وُجِدَ امرأة من أهل الذمة ما لها ولي فله أن يزوجها، مع أنها كافرة وهو مسلم.
وظاهر كلام الأصحاب ـ رحمهم الله ـ أن المسلم لا يزوج مَوْلِيَّتَه الكافرة، كابنته وأخته وعمته، مع أنه أعلى منهم، صحيح أن الكافر لا يزوج موليته المسلمة لا شك، لكن كون المسلم ما يزوج الكافرة، هذا في النفس منه شيء، فإن كانت المسألة إجماعاً، فالإجماع لا يمكن الخروج عنه، وإن كان في المسألة خلاف، فالراجح عندي أنه إذا كان الولي أعلى من المرأة في دينه فلا بأس أن يزوجها؛ لأن هذا ولاية، وإذا كان ولاية، فمن كان

أقرب إلى الأمانة فهو أولى، فإذا كانت امرأة نصرانية، لها عم نصراني، وأخ نصراني، وأب مسلم، فعلى كلام المؤلف يزوجها أخوها أو عمها؛ لأنهما هما الموافقان لها في الدين، وأما أبوها المسلم فيقال له: اذهب بعيداً، مع أننا نعلم أن أشد الناس نظراً لمصلحة المرأة أبوها، ولهذا فالقول الراجح أنه لا يضر اختلاف الدين إذا كان الولي أعلى من المرأة، أما العكس فإنه لا يمكن أن يزوج النصراني بنته المسلمة؛ فإن الله يقول: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: 141]، وإذا كنا نشترط في الولي المسلم العدالة، وهي أخص من الإسلام فاشتراط الإسلام أولى.
ولكن هل يتصور أن تكون كافرة مولية لمسلم؛ هذا غير متصور؛ لأن المسلمة إذا كفرت فهي مرتدة ولا تقر على دينها، بل يقال: أسلمي أو القتل.
وهل يزوج النصراني ابنته اليهودية؟ كلا الدينين باطلان، ولا فرق بين هاتين الديانتين وغيرهما من الديانات، إلا ما فرق فيه الشارع، وهو حل نسائهم وذبائحهم، وإلا ففي العبادات هم سواء، فالبوذي الذي يعبد إلهه بوذا، كالنصراني الذي يعبد المسيح، من حيث الديانة، أما الأحكام فمعروف أن الله تعالى أعطى فسحة في معاملة اليهود والنصارى، أكثر مما أعطى بقية الأديان.
السادس: قوله: «والعدالة»، وهي استقامة الدين والمروءة، فغير العدل لا يصح أن يكون ولياً؛ لأنها ولاية نظرية، ينظر فيها الولي ما هو الأصلح للمرأة؟ فيشترط فيها الأمانة، والفاسق غير

مؤتمن حتى في خبره، فكيف في تصرفه؟! والله ـ عزّ وجل ـ يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]، إذاً الفاسق لا يصح أن يكون ولياً على ابنته، ولا على أخته، ولا على بنت أخيه، وما أشبه ذلك، ولكن الفقهاء في هذا الباب خففوا بعض الشيء، فقالوا: تكفي العدالة ظاهراً، فإذا كان هذا الولي ظاهره الصلاح، لكن في باطن أمره ليس بصالح، مثلاً يشرب الدخان في بيته، فهذا عدل ظاهراً وليس عدلاً باطناً، فيصح أن يكون ولياً، أما رجل حالق لحيته فلا يصح أن يكون ولياً؛ لأنه فاسق ظاهراً وباطناً، والذي يتعامل بالربا علناً لا يزوج بنته، والذي اغتاب شخصاً من المسلمين ـ ولو مرة واحدة في عمره ولم يتب ـ لا يزوجها؛ لأنه فاسق غير عدل، أو رجل يمشي في السوق وهو يأكل الطعام فلا يزوج بنته؛ لأنه لم يستعمل المروءة، وكان في الزمن بالأول ـ أيضاً ـ الذي يشرب القهوة بالشارع يعتبر خلاف المروءة، لكن الآن بالعكس، فالناس الآن صاروا يصنعون هذا بالشارع، ولا يعدون هذا خلاف المروءة، وعلى كل حال هذا ما يراه الفقهاء ـ رحمهم الله ـ في هذه المسألة، أنه يشترط للولي أن يكون عدلاً، وماذا نصنع إذا كان كل أقاربها حالقي لحاهم، فمن يزوجها؟! يزوجها القاضي، أو مأذون الأنكحة.
فهذه المسألة في الحقيقة لو طبقناها قد لا نجد أحداً يزوج موليته إلا عشرة في المائة، لا سيما في مسألة هينة عظيمة، وهي الغيبة، فما تكاد تجد أحداً سالماً من الغيبة، فالغيبة ـ ولو مرة

واحدة ـ يعتبر الإنسان خارجاً بها من العدالة، فلا يصح أن يكون ولياً، قال ابن عبد القوي ـ رحمه الله ـ في المنظومة: وقد قيل صغرى غِيبة ونميمة وكلتاهما كبرى على نص أحمد وعلى هذا فالمسألة مشكلة جداً، ولهذا يرى بعض الأصحاب ـ رحمهم الله ـ أن العدالة ليست بشرط، وإنما الشرط الأمانة أن يكون مرضياً وأميناً على ابنته، وألا يرضى لها غير كفء، وهذا هو الحق، وكم من إنسان مستقيم الظاهر لكن بالنسبة لبنته لا يهمه إلا الدراهم، فيأخذ الدراهم ويزوجها أفسق الناس ولا يهتم، فهذا في الحقيقة لا يصلح أن يكون ولياً، وخيانته لابنته تنافي عدالته، فالصواب في هذه المسألة أنه لا بد أن يكون الولي مؤتمناً على موليته، هذا أهم الشروط؛ وذلك لأنه يتصرف لمصلحة غيره، فاعتبر تحقيق المصلحة في حق ذلك الغير، أما عدالته ودينه فهذا إليه هو، وكثير من الآباء تجده فاسقاً من أفسق عباد الله، يشرب الخمر ويزني، ويحلق لحيته، ويشرب الدخان، ويُعامل بالغش، ويغتاب الناس، وينم بين الناس، لكن بالنسبة لمصلحة بنته لا يمكن أن يفرط فيها أبداً.
في الروض 1 استثنى من العدالة فقال: «إلا في سلطان وسيد يزوج أمته فإنه لا تشترط العدالة»، إذا زوج السلطان من لا ولي لها فلا تشترط العدالة؛ لأننا لو اشترطنا في السلطان العدالة لكان في ذلك تضييق على المسلمين، فإذا قدرنا أن السلطان

يشرب الخمر ويقتل ظلماً ويلعب القمار، فهل نقول: تسقط ولايته على المسلمين؟ لا تسقط، فهو ولي على المسلمين، ولو فعل ما فعل من الفجور، ما لم نرَ كفراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان.
وكذلك السيد مع أمته ولو كان فاسقاً يزوجها؛ لأنها مال، ولكن لا بد أن يكون فسقه لا يخل بمصلحة المرأة، فإن كان يخل فلا، فيجب عليه أن يتقي الله ـ عزّ وجل ـ فإن عُلِمَ أنه لم يتقِ الله في ذلك، فلها الحق في أن تطالبه، أو أن تمتنع ولا يجبرها.

فَلاَ تُزَوِّجُ امْرَأَةٌ نَفْسَهَا وَلاَ غَيْرَهَا، وَيُقَدَّمُ أَبُو المَرْأَةِ فِي إِنْكَاحِهَا،

......... قوله: «فلا تزوج امرأةٌ نفسَها»، معلوم إذا اشترطنا الولي فلا تزوج نفسها، ولو أذن لها الولي، فلا بد أن يتولى عقدَ النكاح وليُّها، وأما قوله صلّى الله عليه وسلّم: «الثيب أحق بنفسها» 1، فمراده بذلك إذنها في النكاح لا أن تزوج نفسها.
وظاهر كلام المؤلف أن المرأة لا تزوج نفسها ولو في حال الضرورة، كما لو كانت امرأة في بلد ليس لها فيه ولي، وليس فيه سلطان مسلم، لكن يزوجها من كان ذا سلطان في محلها، ولو كان مديراً على مجتمع إسلامي، كإدارات الجمعيات الإسلامية في أمريكا وغيرها.
لكن إذا لم يكن هناك أحد، كرجل وامرأة هربا من بلادهما، وأثناء الطريق قال الرجل: أنا لا أصبر عن المرأة، فهل

أزني بها أو أتزوجها، فهل يكون هو الولي أو هي؟ في هذا قولان لأهل العلم: منهم من يقول: إنه يزوجها، فيقول: زوجتك نفسي، وتقول: نعم، وقيل: هي التي تزوج، فتقول: زوجتك نفسي، فيقول: قبلت، وهذا أقرب إلى الصواب؛ لأنه الآن ليس عندنا ولي شرعي، وإذا لم يكن ولي شرعي فهي أحق بنفسها، والمسألة ضرورة.
فهل هذا العقد الذي عقدناه بهذه الكيفية على وجه الضرورة أفضل، أو أن يزني بها؟ الأول أفضل ولا شك.
قوله: «ولا غيرها» لأنها إذا لم تمكن من تزويج نفسها، فغيرها من باب أولى، وعلى هذا فالأم لا تزوج بنتها، والأخت الكبرى لا تزوج الأخت الصغرى، ولو أن غيرها وكَّلَها، فلو قال الأب للأم: أنا سأسافر وفلان قد خطب البنت، فإذا جاء وقت الزواج فزوِّجيه، أنت وكيلتي، فلا يصح؛ لأن المرأة لا يمكن أن تعقد النكاح أبداً، حتى في هذه الحال، مع العلم بأن الزوج معلوم ومرضي عند الولي؛ سداً للباب، وإلا فالعلة في كون المرأة ضعيفة، وسريعة العاطفة، وناقصة العقل والدين وما أشبه ذلك منتفية في هذا.
قوله: «ويقدَّم أبو المرأة في إنكاحها»، كامرأة لها أبٌ ولها ابن يعصبها إذا ماتت، فالابن في باب الميراث مقدم، ولكن يقدم أبو المرأة في إنكاحها حتى على عيالها؛ أما الأبكار فواضح أن الأب يقدم؛ لأنه ليس لهن أولاد، والأخ لا يمكن أن يكون أولى من الأب وهو مدلٍ به، وأما الثيبات فإن الأب مقدم على الابن؛

لأن الغالب أن الأكبر سناً يكون قد جرب الأمور، وعرف الناس، فيكون أكمل نظراً من الصغير.

ثُمَّ وَصِيُّهُ فِيهِ، ثُمَّ جَدُّهَا لأَبٍ وَإنْ عَلاَ، ثُمَّ ابْنُهَا، ثُمَّ بَنُوهُ وَإِنْ نَزَلُوا، ثُمَّ أَخُوهَا لأَبَوَيْنِ، ثُمَّ لأَِبٍ، ثُمَّ بَنُوهُمَا كَذَلِكَ، ثُمَّ عَمُّهَا لأَبَوَيْنِ، ثُمَّ لأَبٍ، ثُمَّ بَنُوهُمَا كَذَلِكَ، ثُمَّ أَقْرَبُ عَصَبَةٍ نَسَباً كَالإِرْثِ،

قوله: «ثم وصيه فيه» اعلم أن الولي له وكيل، وله وصي، الوكيل الذي أقامه مقامه في حياته، والوصي فهو الذي يقوم مقامه بعد موته، وقد اختلف أهل العلم، هل ولاية النكاح تستفاد بالوصية أو لا؟ فالمشهور من المذهب أنها تستفاد بالوصية، وعلى هذا فيقدم وصي الأب على غيره من الأولياء؛ حتى على الجد، والابن، والأخ، والصحيح في هذه المسألة أن الولاية تنقطع بالموت، وأن الولي ليس له أن يوصي بعد موته، وحتى لو أوصى فالوصية باطلة؛ لأن الولاية مستفادة من الشرع، وليست من فعل الإنسان، وليس هذا كالمال، فمالك لك، فلك أن توصي أحداً على ثلثك مثلاً، لكن هذه ولاية على الغير، فما دمت حياً فأنت أولى بها، فإذا مت انقطعت الولاية، والأمر إلى الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، وعلى هذا فإذا أوصى الأبُ أن يزوج بناتَه فلانٌ، ولهن إخوة، فالذي يزوجهن بعد موته ـ على القول الصحيح ـ الإخوة، أما الوصي فلا حق له، لكن لو أراد أحد احتياطاً أن يجمع بين القولين، فيقول الوليُّ للوصيِّ: احضر، وأنا أوكلك، فهذا يجوز، ويكون وكيلاً للولي الحاضر، وبهذا نجمع بين القولين، والمسائل التي يحتاط فيها ـ خصوصاً في النكاح ـ أولى، فنقول للولي: احضر، وأخوها الذي له الولاية نقول له: وكِّلْه أن يزوج، أو نقول للوصي: افسخ الوصية، والوصي يجوز أن يفسخ الوصية؛ لأنها ليست لازمة، فإذا فسخ الوصية عادت المسألة إلى الأولياء.

وقوله: «فيه» احترازاً من وصيه في المال، فلو كان هذا الولي له وصي في المال، يعني أوصى إنساناً على ثلثه، فهل يكون هذا الإنسان المُوصَّى على الثلث وصياً على التزويج؟ لا، ولهذا قيده بقوله: «ثم وصيه فيه».
قوله: «ثم جدها لأبٍ وإن علا»، فيقدم الأقرب فالأقرب، فالجد أولى من الابن في هذا الباب، وهنا قدموا الجد على الإخوة الأشقاء، أو لأب، وفي باب الميراث ورثوا الإخوة الأشقاء أو لأب مع الجد على تفصيل معروف، وتقديم الجد على الإخوة في باب ولاية النكاح يدل على ضعف القول بتوريث الإخوة مع الجد؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «فما بقي فلأولى رجل ذكر» 1، وإذا كانوا قد اعترفوا بأن الجد أولى في ولاية النكاح من الأب، فإن الحديث يقتضي أن يكون أولى منه في الميراث.
وقوله: «جدها لأب» احترازاً من جدها لأم، فإن جدها للأم لا ولاية له، وهو الذي بينه وبين المرأة أنثى، فكل من بينه وبينها أنثى من الأجداد فإنه لا ولاية له.
قوله: «ثم ابنها»، أي: ابن المرأة.
قوله: «ثم بنوه وإن نزلوا»، أي: بنو الابن؛ احترازاً من بني البنت فإنه لا ولاية لهم.

قوله: «ثم أخوها لأبوين، ثم لأبٍ، ثم بنوهما كذلك، ثم عمها لأبوين، ثم لأبٍ، ثم بنوهما كذلك»، إذاً عليَّ ترتيب العصبة في الميراث تماماً، إلا في مسألة الأب والابن فقط، فتقدم الأبوة هنا على البنوة، فنقول: أبوةٌ بنوة أخوة عمومة وذو الولا التتمة فبدلاً من أن ما نقول في الميراث في العصبة: بنوة أبوة، نقول هنا: أبوة بنوة؛ لأن البنوة مفقودة تماماً فيما إذا كانت المرأة بكراً، ولأننا لو قدرنا أن المرأة ثيِّب ولها أبناء ولها أب، فالأب غالباً أدرى بمصالح النكاح من الأبناء؛ لأن الأبناء صغار في الغالب، ولأنه أشد شفقة من الأبناء، فكان أولى بالتقديم.
قوله: «ثم أقرب عَصَبَةٍ نسباً كالإرث»، فلما ذكر الجهات ذكر القرب، فالعم مع ابن العم فالولي العم؛ لأنه أقرب، والأخ مع ابن الأخ، فالولي الأخ؛ لأنه أقرب، وعلى هذا فنقول: جهات الولاية في عقد النكاح خمس، أبوة، ثم بنوة، ثم أخوة، ثم عمومة، ثم ولاء، فإن كانوا في جهة واحدة قدم الأقرب منزلة، والأقرب هو الذي يجتمع مع الآخر قبل المحجوب، فمن بينه وبين الجد ثلاثة أقرب ممن بينه وبين الجد أربعة، وهلم جرّاً، فإن كانوا في منزلة واحدة فالأقوى، فأخ شقيق وأخ لأب، الولي الأخ الشقيق.

فصول الكتاب · 31 فصل · 4021 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الممتع على زاد المستقنع · 4021 صفحة
ـ[الشرح الممتع على زاد المستقنع]ـمقدمة المؤلف
كِتَابُ الطَّهارة
كتابُ الصَّلاة
كِتَابُ الجَنَائِزِ
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتابُ المَنَاسِكِ
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كِتَابُ الوَقْفِ
كِتابُ الوَصَايَا
كتاب الفرائض
كِتَابُ العِتْقِكتاب النكاح
كِتَابُ النِّكَاحِ
فإن تقدم القبول لم يصحوَإِنْ تَأَخَّرَ عَنِ الإِيجَابِ صَحَّ مَا دَامَا فِي المَجْلِسِ، وَلَمْ يَتَشَاغَلاَ بِمَا يَقْطَعُهُ،وإن تفرقا قبله بطلفَصْلٌوَلَهُ شُرُوطٌ: أَحَدُهَا: تَعْيِينُ الزَّوْجَيْنِ،فَإِنْ أَشَارَ الوَلِيُّ إِلَى الزَّوْجَةِ، أَوْ سَمَّاهَا، أَوْ وَصَفَهَا بِمَا تَتَمَيَّزُ بِهِ، أَوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي وَلَهُ وَاحِدَةٌ لاَ أَكْثَرَ صَحَّ.فَصْلٌالثاني: رضاهماإِلاَّ البَالِغَ المَعْتُوهَ، وَالمَجْنُونَةَ، وَالصَّغِيرَ، وَالبِكْرَ وَلَوْ مُكَلَّفَةً،لاَ الثَّيِّبَ، فَإِنَّ الأَبَ، وَوَصِيَّهُ فِي النِّكَاحِ يُزَوِّجَانِهِمْ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، كَالسَّيِّدِ مَعَ إِمَائِهِ،فَصْلٌالثَّالِثُ: الوَلِيُّ،وَشُرُوطُهُ: التَّكْلِيفُ، وَالذُّكُورِيَّةُ، وَالحُرِّيَّةُ، وَالرُّشْدُ فِي العَقْدِ،وَاتِّفَاقُ الدِّينِ سِوَى مَا يُذْكَرُ، وَالعَدَالَةُ،فَلاَ تُزَوِّجُ امْرَأَةٌ نَفْسَهَا وَلاَ غَيْرَهَا، وَيُقَدَّمُ أَبُو المَرْأَةِ فِي إِنْكَاحِهَا،
كِتَابُ الطَّلاَقِ
كِتَابُ الإِيلاَءِ
كِتَابُ الظِّهَارِ
كِتَابُ اللِّعانِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ
كِتَابُ الْحُدُودِ
كِتَابُ الأَْطْعِمَةِ
كِتَابُ الأَيْمَانِ
كِتَابُ القَضَاءِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الإِقْرَارِ
جارٍ التحميل