الشرح الممتع على زاد المستقنعصفحات 355-388
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ القَضَاءِ

صفحات 355-388
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
الشرح الممتع على زاد المستقنع
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
الطبعة
الأولى، 1422 - 1428 هـ
عدد الأجزاء
15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

سفيان؛ لأنه كان مشهوراً في قومه بالبخل؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنما أقضي بنحو ما أسمع» 1، فحديث هند ليس فيه دليل على القضاء على الغائب.
فإذا قال قائل: كيف يستدل هؤلاء العلماء بهذا الحديث، وعدم الدلالة فيه واضحة؟ فالجواب: أن هذه المسألة ليست أول مسألة يكون فيها الدليل واضحاً، ويحصل فيها الخلاف، فما أكثر المسائل التي فيها الخلاف، والأدلة فيها واضحة، وما أكثر المسائل التي يستدل بها قائلوها بأدلة من الكتاب والسنة وليس فيها دليل؛ لأن الله ـ عزّ وجل ـ يؤتي فضله من يشاء، فكما أن هذا غني وهذا فقير، وهذا حسن الخلق وهذا سيء الخلق، وهذا طويل وهذا قصير، وهذا جميل وهذا قبيح، فكذلك في الفهم، وإلا فإن الإنسان بأدنى تأمل يتبين له أن قصة هند رضي الله عنها لا تدل على الحكم بظاهرها، لا سيما أن الصورة التي وقعت لا يحكم فيها على الغائب من استدل بها؛ لأنهم لا يحكمون على الغائب إلا ببينة؛ لأنه لا يمكن ثبوت الحق مع غيبة المدعى عليه إلا ببينة؛ لأن الإقرار متعذر، فالمدعى عليه ليس حاضراً، فكان لا بد من البينة والرسول صلّى الله عليه وسلّم لم يطلبها.
وإذا قلنا بجواز القضاء على الغائب، سواء مطلقاً كما هو المذهب، أو بحسب القرائن كما هو المختار عندي، فإنه يجب أن نحتاط للمدعى عليه، وكيف نحتاط؟ نقول للمدعي: احلف أنه

ما قضاك؛ لاحتمال القضاء، نعم، الشهود شهدوا بأصل الحق، لكن هناك احتمال أنه قضاك من غير علم الشهود، فاحتياطاً لحق الغائب نقول: احلف أنه لم يقضك.
وإذا كان المدعى به عيناً نحتاط أيضاً، ونقول للمدعي: نحن نحكم لك، لكن نريد منك كفيلاً مليئاً، أو رهناً محرزاً، ثم نسلمك العين، فائت بواحد غني يضمنك أنه إذا تبين أن العين ليست لك، فإما أن تسلمها أو تسلم بدلها، وإذا لم تجد كفيلاً أعطنا رهناً من مالك يُحرز العين، ويكفي لإيجاد بدلها، ونسلمك إياها، وفي هذا حماية لحق المدعى عليه؛ لاحتمال أن تكون الدعوى غير صحيحة.
قوله: «وإن ادعى على حاضر بالبلد غائب عن مجلس الحكم وأتى ببينة لم تسمع الدعوى ولا البينة» يعني إن ادعى شخص على حاضر في البلد لكنه غائبٌ عن مجلس الحكم، كرجل في أطراف البلد، فقال: أنا أطلب فلاناً ألف درهم وأتى ببينة، وفلان في طرف البلد الآخر، فهنا لا نسمع الدعوى، ولا نسمع البينة، فيقول القاضي للمدعي: لا أسمع دعواك، أحضر خصمك لأنظر في الدعوى؛ لأن المدعى عليه لا يصعب إحضاره، فإما أن يذهب إليه ويقول: أنا وأنت إلى الحاكم، أو يستدعي عليه الشُّرَطَ، أو ما أشبه ذلك.
المهم أن إحضار المدعى عليه في هذه الصورة غير متعذر ولا متعسر، فلهذا لا تسمع الدعوى ولا البينة؛ لأن سماع

الدعوى ليس فيه إلا إضاعة الوقت، وشغل القاضي بما لا فائدة فيه، فالقاضي لو سمع الدعوى ماذا يستفيد؟ وهل يمكن أن يقضي عليه؟! ما يمكن؛ لأنه حاضر في البلد، إلا إذا كان مستتراً ومختفياً، بأن ذهبنا إلى بيته فلم نجده، ذهبنا إلى مكان عمله فلم نجده، ذهبنا إلى مسجده فلم نجده، فالمستتر في حكم الغائب، فتسمع الدعوى والبينة ويحكم عليه؛ لأن غيابه يدل على أن الدعوى عليه صحيحة، وأنه تغيب لئلا يدركه الحق، وهذا يرد كثيراً فيما إذا كسدت الأسواق، وضرَّت ببعض الناس، تجدهم لكثرة ديونهم لا يستطيعون مقابلة الناس، يهربون من مكان إلى مكان، فمثل هؤلاء ما نقول: إنهم حاضرون، فلا نحكم عليهم، ولا نسمع الدعوى عليهم إلا بحضورهم فهذا إضاعة للوقت.
وقوله: «وأتى ببينة لم تسمع الدعوى ولا البينة» وكلام المؤلف رحمه الله هنا واضح بأن إخضاره ليس بصعب ولا متعذر.

بَابُ كِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي

................................................. قوله: «كتاب القاضي إلى القاضي» أي: كتاب القاضي إلى القاضي فيما يتعلق بالقضاء، وتسمى في عرف المتأخرين استخلافاً، يعني أن القاضي الكاتب استخلف القاضي المكتوب إليه، كما يستخلف الإمام في الصلاة من يتم الصلاة بدلاً عنه، وله صورتان: الأولى: أن يكتب إلى القاضي فيما ثبت عنده ليحكم به القاضي المكتوب إليه.
الثانية: أن يكتب إلى القاضي فيما حكم به لينفذه المكتوب إليه.
وهذا في الغالب لا تدعو الحاجة إليه، إلا إذا كانت العين المدعى بها عقاراً، وكانت في بلد المكتوب إليه مثلاً، فإن القاضي قد يحتاج إلى ذلك، أو يكون أحد المدعيين في بلد القاضي المكتوب إليه، فيثبت عند القاضي دعوى المدعي، ويحكم بالثبوت إلى القاضي الآخر ليحكم بذلك.
فإذا قال قائل: ما فائدة شَغْل القاضي الكاتب بالكتابة؟ لماذا لا نقول: حولهم على المكتوب إليه من الأصل، قبل أن تثبت الحكم.
نقول: الفائدة أنه قد يكون القاضي المكتوب إليه أكثر عملاً

من الكاتب، ويكون هذا أكثر فراغاً، فيطلب الشهود ويحرر الدعوى، ويكتب كل ما تحتاج إليه القضية؛ لأجل أن تقدم إلى القاضي المكتوب إليه، وما بقي عليها إلا الحكم، وهذا لا شك أن فيه مصلحة للمكتوب إليه ظاهرة، وفيه ـ أيضاً ـ راحة للخصوم، فبدلاً من أن يذهبوا إلى القاضي المكتوب إليه، وتبقى معاملتهم أسبوعاً أو أسبوعين، أو شهراً أو شهرين، أو سنة أو سنتين، فقد تنتهي في ساعة أو ساعتين، وهذا أسهل للناس.

يُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي فِي كُلِّ حَقٍّ حَتَّى القَذْفِ، لاَ فِي حُدُودِ اللهِ، كَحَدِّ الزِّنَا وَنَحْوِهِ،

............ ولكن لكتابة القاضي إلى القاضي شروط، يقول المؤلف رحمه الله: «يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في كل حق» يعني في كل حق لآدمي.
مثال ذلك: تداعى فلان وفلان في عين، وادعى أحدهما أنه باعها على الآخر، وذاك منكِر، فأتى المدعي ببينة، فثبتت الدعوى عند القاضي، وحررها، وكتب الشهود، ثم دفع الخصمين إلى القاضي المكتوب إليه، فيقبل؛ لأن هذا حق آدمي، فإذا وصلت القضية إلى القاضي المكتوب إليه نظر فيها، والخصمان بين يديه، ثم حكم بما تقتضيه الحال.
مثال آخر: تداعيا عيناً، وأتى المدعي ببينة أنها له، ولكن العين لم تُحضر في مجلس الحكم، فحكم القاضي بأن العين للمدعي بمقتضى البينة، ولكن ليست العين حاضرة حتى يلزم المدعى عليه بتسليمها للمدعي، فكتب إلى القاضي بأنه تداعى عندي فلان وفلان بكذا وكذا، وأن البينة قامت للمدعي بما ادعى به، وحَكَمْتُ بأن العين للمدعي فنفِّذْ حكمي هذا، فإذا وصلت

إلى القاضي ينفذ، وليس له الحق أن ينظر في القضية، وتكون على ذمة القاضي الأول.
قوله: «حتى القذف» هذا إشارة خلاف، لكن ذكر بعض المتأخرين أن العلماء إذا قالوا: «حتى» فالخلاف ضعيف، وإذا قالوا: «إن» فالخلاف قوي، وإذا قالوا: «لو» فالخلاف أقوى، وهذا اصطلاح أغلبي وليس دائماً.
وقوله: «القذف» هل هو حق لله، أو للآدمي؟ اختلف فيه العلماء، فقيل: إنه حق للآدمي، وقيل: إنه حق لله عزّ وجل، فمن قال: إنه حق لآدمي، قال: هو كسائر الحقوق، يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي، ومن قال: هو حق لله، قال: لا يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي، ولكن المؤلف يقول: إنه يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي؛ لأن فيه شائبتين: شائبة حق الله، وشائبة حق الآدمي، وهي في حق الآدمي أظهر؛ لأن الذي يتلطخ بالقذف وتساء سمعته هو الآدمي.
مثال ذلك: ادعى زيد على عمرو بأنه قذفه، فطلب القاضي من المدعي البينة، فأتى بشاهدين يشهدان بأنه قذفه، ولكنه كره أن يحكم عليه؛ لأن المدعى عليه ابن عمه، وقال: لو أحكم عليه لصار بيني وبينه قطيعة رحم، فأنا أرفع القضية إلى القاضي الثاني، بأنه ثبت عندي كذا وكذا فاحكم، فإذا وصلت إلى القاضي المكتوب إليه، ينظر فيها، فإذا اقتضى نظره أن يحكم حكم، هذه الصورة الأولى.
الصورة الثانية: فيما حكم له لينفذه القاضي المكتوب إليه،

بأن ثبت الحكم عنده، وحكم على فلان بأنه يجب عليه ثمانون جلدة، حد القذف، لكن لا يحب أن ينفذه هو، أو يخشى أن ينفذه من سطوة المحكوم عليه، فكتب إلى القاضي الثاني: قد ثبت عندي كذا كذا، وحكمت به، فنفِّذْه، فينفذه القاضي الثاني، ويشبه هذا من بعض الوجوه كتابة القضاة اليوم إلى الأمراء، أو إلى الشُّرَط، لتنفيذ ما حكموا به.
قوله: «لا في حدود الله، كحد الزنا، ونحوه» فهذا لا يقبل فيه كتاب القاضي للقاضي، فلو ثبت عند القاضي لا يكتب به إلى القاضي الثاني؛ لأن في هذا نشراً للفواحش، فبدلاً ما كانت القضية لا يعلمها إلا القاضي الكاتب، فإنها ستصل إلى القاضي الثاني، وتكتب في سجلاته، فيكون في هذا نشر للجرائم، وإشاعة للفاحشة، وحينئذٍ فلا يقبل كتاب القاضي إلى القاضي فيما هو من حق الله عزّ وجل، كحد الزنا، وشرب الخمر، وما أشبه ذلك.
وظاهر كلام المؤلف أن التعزيرات يقبل فيها كتاب القاضي إلى القاضي، والحقيقة أن الذي يوجب التعزير فيه ـ أيضاً ـ إشاعة، فالقذف بغير الزنا يوجب التعزير، ترك صلاة الجماعة يوجب التعزير، وما أشبه ذلك، وإذا نشرناها بين الناس انتشرت، ولهذا كان القول الثاني في هذه المسألة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ومذهب مالك أن كتابة القاضي إلى القاضي تجوز حتى في حقوق الله، حتى في حد الزنا، وشرب الخمر، والسرقة، وترك الصلاة، وغير ذلك مما يوجب التعزير، وأجابوا عن القول

بأن الحدود ينبغي فيها الستر: أن هذا الرجل الذي فعل ما يقتضي الحكم عليه هو الذي فضح نفسه، وإقامة الحد عليه أمام الناس فيه نشر لجريمته.
والحاجة إلى كتابة القاضي إلى القاضي فيما هو من حقوق الله واقعة، كما هي في حقوق الآدميين، وقد يكون هذا الذي شرب الخمر ابن عم للقاضي، وثبت عليه شرب الخمر، ولا يستطيع أن يحكم هو على ابن عمه بالجلد، أو يستطيع أن يحكم لكن لا يستطيع أن ينفذ، فيرفع الأمر إلى قاضٍ أقوى منه مركزاً وسلطة، فالصواب ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية أن كتاب القاضي إلى القاضي مقبول في كل ما ينفذ فيه حكم القاضي من الحقوق التي لله، والتي لعباد الله.

وَيُقْبَلُ فِيمَا حَكَمَ بِهِ لِيُنَفِّذَهُ، وَإِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، وَلاَ يُقْبَلُ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ لِيَحْكُمَ بِهِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُما مَسَافَةُ قَصْرٍ،

............. قوله: «ويقبل فيما حكم به لينفذه وإن كان في بلد واحد، ولا يقبل فيما ثبت عنده ليحكم به إلا أن يكون بينهما مسافة القصر» ذكرنا فيما سبق أن كتاب القاضي إلى القاضي له صورتان: الأولى: أن يكتب فيما ثبت عنده ليحكم به القاضي المكتوب إليه.
الثانية: أن يكتب فيما حكم به لينفذه.
فيشترط في الكتابة فيما ثبت عنده ليحكم به القاضي المكتوب إليه، أن يكون بين القاضي الكاتب والمكتوب إليه مسافة

قصر، فلا تقبل كتابة القاضي إلى القاضي فيما ثبت عنده ليحكم به إذا كانا في بلد واحد، أو في بلدين متقاربين ليس بينهما مسافة قصر، وفيما حكم به لينفذه تقبل الكتابة ولو لم يكن بينهما مسافة القصر، ولو كانا في بلد واحد، ولو كان أحدهما في المحكمة الكبرى، والثاني في المحكمة المستعجلة مثلاً، فصار بين الصورتين فرق.
مثال ذلك: قاضٍ كتب إلى قاضٍ آخر فيما ثبت عنده ليحكم به، يعني سمع القضية وأثبتها ولم يبق إلا الحكم، فكتب بالثبوت إلى قاض آخر في طرف البلد، فلا يصح ولا يقبل؛ لماذا؟ قالوا: لإمكان الخصمين أن يذهبا إلى القاضي المكتوب إليه ويحتكمان عنده.
ولو كتب إلى قاضٍ في الرياض فيما ثبت عنده ليحكم به وهو في عنيزة فإنه يقبل؛ لأن بينهما مسافة قصر، وذهاب المتخاصمين إلى ذاك قد يكون فيه مشقة وتعطيل.
فإذا قال قائل: هذا التعليل يصدق ـ أيضاً ـ على ما إذا كتب فيما حكم به لينفذه.
فالجواب عن ذلك: قالوا: لأنه إذا كتب فيما حكم به صار هذا من باب حكم القاضي، وحكم القاضي يجب تنفيذه على القريب والبعيد، والقضية منتهية، فلم يبقَ إلا التنفيذ، فلا فرق بين القريب والبعيد.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: يجوز أن يكتب فيما ثبت عنده ليحكم به، وإن كانا في بلد واحد، وقال: إن العلة في

جواز الكتابة هي التخفيف على القاضي المكتوب إليه، وعلى الخصمين، ثم فيه ـ أيضاً ـ دفع إحراج بالنسبة للقاضي الكاتب؛ لأنه كما أشرنا قد يتحرج أن يحكم على ابن عمه، أو على أخيه، أو على أبيه، أو ما أشبه ذلك، فيكتب القضية ويدفعها إلى قاضٍ آخر يحكم بها، فكيف نقول: إنه لا يصح ذلك إذا كانا في بلد واحد، أو في بلدين متقاربين ليس بينهما مسافة قصر؟! وهذا هو الصحيح، وأنه لا فرق بين الصورتين، وأن كتابة القاضي إلى القاضي جائزة، وإن كانا في بلد واحد مطلقاً.

وَيَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى قَاضٍ مُعيَّنٍ، وَإِلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إِلَيْهِ كِتَابُهُ مِنْ قُضَاةِ المُسْلِمِينَ، وَلاَ يُقْبَلُ إِلاَّ أَنْ يُشْهِدَ بِهِ الْقَاضِي الْكَاتِبُ شَاهِدَيْنِ، فَيَقْرَؤُهُ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ يَقُولُ: اشْهَدَا أَنَّ هَذَا كِتَابِي إِلَى فُلاَنٍ ابْنِ فُلاَنٍ ثُمَّ يَدْفَعُهُ إِلَيْهِمَا.

قوله: «ويجوز أن يكتب إلى قاض معين، وإلى كل من يصل إليه كتابُه من قضاة المسلمين» يعني أن كتابة القاضي إلى القاضي قد تكون عامة، فيكتب من فلان ابن فلان القاضي في المحكمة الفلانية إلى كل من يصل إليه كتابي من قضاة المسلمين، أو يكتب من فلان ابن فلان القاضي من المحكمة الفلانية إلى فلان ابن فلان القاضي في المحكمة الفلانية، وهذه خاصة أي: إلى قاضٍ معين، والتعيين قد يكون بالاسم وقد يكون بالوصف، فإذا قال: للقاضي في المحكمة الفلانية، وهذا تعيين بالوصف، فإن القاضي الذي فيها ينفذ الحكم، أو يحكم كما في الصورتين السابقتين، وقد يكون معيناً بشخصه، فيقول: إلى فلان ابن فلان القاضي في المحكمة الفلانية، فإذا قدر أن في المحكمة المكتوب إليها عدة قضاة، وقد قال القاضي الكاتب: فلان ابن فلان القاضي بالمحكمة الفلانية فإنه يختص به، أما إذا قال: إلى القاضي في

المحكمة الفلانية وفيها عدة قضاة، فإن أي قاضٍ منهم يصل إليه الكتاب يجب عليه العمل به، ونظير هذا في الحديث إجازة الرواية عن الشخص، تكون عامة وتكون خاصة، فالعامة أن يقول: أجزت كل من سمع مروياتي أن يرويها عني، والخاصة أن يقول: أجزت لفلان ابن فلان أن يروي عني جميع مسموعاتي، فالمهم أن هذا شيء معمول به لدى القضاة الحكام، ولدى الرواة، أي أنه قد يكون الشيء عاماً، وقد يكون خاصاً.
وإذا وصل كتاب القاضي إلى القاضي فإنه يجب عليه أن ينفذه؛ لأنه كالقضية التي وصلت إليه فلا يجوز أن يتخلف عنها، ولأنه لو جاز أن يرفض لتعطلت أحكام الناس، وصار هذا يكتب وهذا يرفض، ولأنه لو جاز أن يرفض لساءت ظنون الناس بالقضاة، فقالوا: إن القضاة لا يثق بعضهم ببعض، ولهذا يرفض كل واحد منهم كتابة الآخر إليه، فلهذا إذا وصل كتاب القاضي إلى القاضي لزمه العمل به، لكن لو فرض أن القاضي المكتوب إليه عجز عن ذلك فله أن يحيلها ويردها على صاحبها.
قوله: «ولا يقبل إلا أن يشهد به القاضي الكاتب شاهدين، فيقرؤه عليهما، ثم يقول: اشهدا أن هذا كتابي إلى فلان ابن فلان، ثم يدفعه إليهما» يعني أن القاضي إذا كتب الكتاب إلى القاضي الآخر، فلا بد من اعتبار هذه الأمور:

أولاً: أن يشهد عليه شاهدين، فيأتي برجلين ويقرؤه عليهما حتى يضبطا معناه، فإن أشكلت عليهما كلمة فيه وجب عليهما الاستفسار، فيقولان للقاضي: ما معنى هذه الكلمة؟ فإذا ضبطا الكتاب ومعناه، قال: اشهدا أن هذا كتابي إلى فلان ابن فلان، فيشهدان بذلك ثم يدفعه إليهما، ويقول: اذهبا به، والأولى ألا يدفعه إلا مختوماً؛ لأنه أولى وأسلم من التغيير، فإذا غلفه ووضع عليه الختم كان هذا أسلم من التغيير؛ إذ من الجائز أن هذين الشاهدين يغيران فيه، فالاحتياط أن يختمه ويسلمه إليهما.
فإن بعث به واحداً فقط فإنه لا يصح، إلا على قول سبق أن ذكرناه، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه يكفي إرسال واحد، كذلك لو أعطاهما إياه مختوماً ولم يقرأه عليهما، وقال: خذا هذا الكتاب إلى فلان ابن فلان، فإنه لا يصح على المذهب، ولا يقبل حتى يقرأه عليهما؛ لأنهما بمنزلة الشاهدين، والشاهد لا بد أن يعلم بما شهد به.
ولكن الصحيح بلا شك أنه يكفي أن يعطيهما إياه مختوماً، بل لو قيل: إن هذا أولى لكان أولى؛ لأجل ألا يطلع على ما فيه، فإن بعض الناس إذا اطلع على شيء من مثل هذه الأمور يذهب يتزين به في المجالس، ويقول: كتب القاضي فلان إلى القاضي فلان بكذا وكذا، يعني اسمعوا يا ناس بأنني أتصل بالقضاة، وأعرف أحوالهم! المهم أنه لو قيل: لا يقرأ عليهما الكتاب، لكان ذلك أولى.
ثم إن هذه الأمور التي ذكرها الفقهاء ـ رحمهم الله ـ الظاهر

أنه عفا عليها الدهر، وأصبحت الكتب ترسل بطريق البريد المسجل تسجيلاً رسمياً، بعددٍ وتاريخ، وهذا من أحفظ ما يكون، وأسلم من الضياع، وأسلم من التعديل أو التبديل، وأسرع، والحمد لله الذي علم الإنسان ما لم يعلم، فالآن أصبحت الأمور ـ ولله الحمد ـ فيها سهولة في كل شيء، والفقهاء ـ رحمهم الله ـ إنما قالوا هذه الأمور والتحرزات بناء على الزمن الذي كانوا فيه ولكل زمان رجال ودولة.

بَابُ القِسْمَةِ

لاَ تَجُوزُ قِسْمَةُ الأَمْلاَكِ الَّتِي لاَ تَنْقَسِمُ إِلاَّ بِضَرَرٍ، أَوْ رَدِّ عِوَضٍ، إِلاَّ بِرِضَا الشُّرَكَاءِ، كَالدُّورِ الصِّغَارِ، وَالْحَمَّامِ، وَالطَّاحُونِ الصَّغِيرَيْنِ،

............... قوله: «القسمة» اسم من قسمت الشيء، إذا جعلته أقساماً، فالواحد يمكن أن يجعل اثنين، أو ثلاثة، أو أربعة، أو خمسة، المهم إذا جعلت الشيء أقساماً فهذه هي القسمة، وهي تنقسم إلى أقسام كما سيذكر المؤلف، ولكن هنا سؤال: لماذا جعل المؤلف

باب القسمة

هنا؟ أليس من الأجدر أن تجعل في باب الشركة، لمناسبة قسم الشريكين ما بينهما، أو أن يجعل في باب الأضحية؛ لأنه قد يشترك اثنان في بقرة، أو في بعير ويحتاجان إلى القسم، أو في باب الفرائض، أو ما أشبه ذلك؟ الجواب: الواقع أن له مناسبة في عدة أبواب، في الأضحية، والفرائض، والوصايا، والأوقاف، والشركات، فله مناسبات في كثير من أبواب الفقه، لكن ذكروه هنا؛ لأن القسمة تحتاج إلى قاسم في الغالب، وهذا القاسم إما أن يكون منصوباً من قبل الشريكين، فيكون كالرجل الذي يحكمه الخصمان، وقد سبق لنا في كتاب القضاء، في أوله، أنه إذا حكّم اثنان رجلاً بينهما يصلح للقضاء فإنه ينفذ حكمه، وإما أن يكون القاسم عن طريق القاضي، هو الذي ينصبه، فتكون المسألة لها علاقة بالقضاء، ولهذا غالب الفقهاء جعلوا باب القسمة في طي كتاب القضاء؛ لأن مناسبته فيه ظاهرة، وليست الأبواب التي لها مساس

بالقسمة، بعضها أولى من بعض، فلذلك نقلوه إلى هذا المكان.
إذاً المناسبة أن القسمة بين المشتركين، كالقضاء بين الخصمين؛ لأنه فُصِل بينهما، ومُيِّزَ حق كل واحد من الآخر، ثم إن كانت بقاسم منصوب من قبلهما، فهي كالرجل يُحكِّمه الخصمان، وإن كانت بقاسم منصوب من قبل القاضي، فلها ارتباط بالقضاء.
يقول المؤلف: إنها تنقسم إلى قسمين: الأول: قسمة تراضٍ، وهي القسمة التي لا تنفذ إلا برضا الشركاء كلهم.
الثاني: قسمة إجبار، وهي القسمة التي لا يشترط فيها التراضي، بل من امتنع من الشركاء أجبر.
بدأ المؤلف بقسمة التراضي فقال: «لا تجوز قسمة الأملاك التي لا تنقسم إلا بضرر، أو ردِّ عوض إلا برضا الشركاء» هذا الضابط لما قسمته قسمة تراضٍ، فكل مشترك بين شخصين فأكثر لا ينقسم إلا بضرر أو برد عوض فإنه لا ينفذ إلا برضا الشركاء كلهم؛ لأنه إذا كان فيها ضرر فلا يمكن أن يضار أحد إلا إذا رضي بالضرر على نفسه، وهو عاقل بالغ رشيد، ولأنها إذا احتاجت إلى رد عوض صارت بمنزلة البيع، لأن فيها عوضاً ومعوضاً، والبيع لا بد فيه من التراضي.
فإذا قال قائل: ما هو الضرر؟ هل هو الضرر البدني أو الضرر المالي؟ اختلف الفقهاء في الضرر المانع من القسمة، فقال

بعضهم ـ وعليه كلام المؤلف ـ: الضرر هو أن لا ينتفع أحدهم بنصيبه إذا قسم، سواء اختلفت القيمة أم لم تختلف، وقال بعضهم: بل الضرر هو نقص القيمة بالقسمة.
مثال ذلك: أرض مشتركة بين شخصين، مساحتها أربعة وعشرون متراً، وقيمتها ستة آلاف، لأحدهما سدس وللآخر خمسة أسداس، إذا قسمناها أسداساً فإن صاحب السدس لا ينتفع بسدسه؛ لأن السدس عبارة عن أربعة أمتار، فهل هذه قسمة إجبار أو تراضٍ؟ هي قسمة تراضٍ عند من يقول: إن الضرر هو ألا ينتفع أحدهم بنصيبه إذا قسم، وقسمة إجبار عند من يقول: إن الضرر نقص القيمة بالقسمة، وهذه لم تنقص قيمتها، فهذا السدس الذي قسم لو بيع يساوي ألفاً، ولو بيعت الأرض جميعاً تساوي ستة آلاف، ولو فرض أن هذه الأرض ستمائة متر، فصاحب السدس إذا قسم له نصيبه يكون له مائة متر، فيمكن أن ينتفع بها، لكن القسمة أنقصت قيمتها، فلما كانت ستمائة متر كانت تساوي ستين ألفاً، ولما قسمت صار هذا السدس لا يساوي إلا خمسة آلاف، فنقص النصف.
فعلى الرأي الذي يقول: إن الضرر هو ألا ينتفع أحدهم بنصيبه بعد القسمة تكون القسمة هنا إجباراً؛ لأنه ينتفع بنصيبه، وعلى القول الثاني الذي يقول: إن الضرر المانع من القسمة هو نقص القيمة بالقسمة، نقول: القسمة هنا من باب قسمة التراضي، إن رضي صاحب السدس أن يخرج له مائة متر فإننا نقسم له، وإن لم يرضَ فلا قسمة، وإذا كان السدس مائة متر ولا تنقص القيمة بذلك، فهي قسمة إجبار على القولين جميعاً، والمذهب أن الضرر

المانع من الإجبار هو نقص القيمة بالقسمة، ولا يلتفتون إلى الانتفاع وعدم الانتفاع.
وقوله: «أو رد عوض» مثال ذلك: أرض بين شريكين لا يمكن أن تتعدل بأجزاء ولا قيمة، إلا برد عوض، يعني مثلاً فيها جبال، فيها أودية، فيها أشجار، ما يمكن أن نعدلها أبداً بالسهام، إن قسمناها نصفين صارت هذه الأرض أحسن من هذه، وإن قسمناها ثلثين، وقلنا: نعطي الرديئة ثلثين ما تعدلت أيضاً، فما تتعدل إلا إذا جعلنا للناقص عوضاً عن الكامل، فهذه ـ أيضاً ـ قسمتها قسمة تراضٍ، إذا رضي الطرفان وإلا تبقى وتباع جميعاً، فلا يمكن أن تتعدل إلا إذا أضفنا للناقص دراهم، فهي شبيهة بالبيع؛ لأن فيها عوضاً ومعوضاً، ولا يجوز البيع إلا بالتراضي.
قوله: «كالدور الصغار» الدور الصغار ما تنقسم بلا ضرر، فإذا كان بيت فيه حجرة نوم، وحجرة أكل، ومطبخ، والشريكان اثنان، وغرفة النوم عرضها متران، والطول متران ونصف، والمطبخ متر في متر، وغرفة الطعام متران في مترين! فهذه الدار صغيرة لا يمكن قسمها أبداً.
قوله: «والحمام» أيضاً لا يمكن قسمه، كحمام مشترك بين دارين؛ لأن الغالب أن الحمام صغير.
قوله: «والطاحون» الطاحون صغير، فلا يمكن أن يقسم لكن المؤلف يقول: «الصغيرين» فإذا كان الطاحون والحمام كبيرين فيمكن قسمهما.

وَالأَرْضِ الَّتِي لاَ تَتَعَدَّلُ بِأَجْزَاءٍ، وَلاَ قِيمَةٍ، كَبِنَاءٍ، أَوْ بِئْرٍ فِي بَعْضِهَا، فَهَذِهِ القِسْمَةُ فِي حُكْمِ الْبَيْعِ، وَلاَ يُجْبَرُ مَنِ امْتَنَعَ مِنْ قِسْمَتِهَا، وأَمَّا مَا لاَ ضَرَرَ، وَلاَ رَدَّ عِوَضٍ فِي قِسْمَتِهِ، كَالقَرْيَةِ، وَالبُسْتَانِ، وَالدَّارِ الكَبِيرَةِ، وَالأَرْضِ، وَالدَّكَاكِينِ الوَاسِعَةِ، وَالمَكِيلِ، والْمَوْزُونِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، كَا

لأَدْهَانِ، وَالأَلْبَانِ وَنَحْوِهَا، إِذَا طَلَبَ الشَّرِيكُ قِسْمَتَهَا أُجْبِرَ الآخَرُ عَلَيْهَا.
قوله: «والأرض التي لا تتعدل بأجزاء ولا قيمة» يعني ما تتعدل إلا بعوض، وأفادنا المؤلف أن تعديل السهام في الأرض، تارة يكون بالأجزاء، وتارة يكون بالقيمة.
يكون التعديل بالأجزاء، بأن يكون كل واحد منهما له جزء معين منها، ويمكن قسمها على حسب الأجزاء.
ويكون التعديل بالقيمة بأن يقال مثلاً: جانب الأرض هذا طيب، وجانب الأرض هذا رديء، وهي أنصاف بيننا، ولو عدلناها بالأجزاء لم نتمكن، ولا يمكن أن نعدلها إلا إذا أضفنا إلى أحد السهام شيئاً من المال، فقسمته قسمة تراضٍ.
مثال التعديل بالقيمة: أرض مساحتها ستمائة متر، وهي بيننا نصفان، لو عدلناها بالأجزاء كان لكل واحد ثلاثمائة، ولكنها ما تتعدل؛ لأن بعضها طيب وبعضها غير طيب، بعضها فيه بئر وبعضها ليس فيه بئر، فنعدلها بالقيمة، قالوا: الأرض الطيبة نجعلها ثلثاً والرديئة ثلثين، التي فيها البئر نجعلها ثلثاً، والتي ليس فيها بئر نجعلها ثلثين.
قوله: «كبناء أو بئر في بعضها» الكاف هنا الظاهر أنها للتعليل، قال ابن مالك: شَبِّهْ بكافٍ وبها التعليلُ قد ... يعنى ................ فقوله: «لا تتعدل بأجزاء ولا قيمة» كأنه قيل: لماذا؟ قال: «لبناء أو بئر في بعضها» يعني هذه الأرض مشتركة بيننا، بنينا في طرف منها مما يلي الشارع داراً، فلا يمكن أن نعدلها إلا بإضافة

دراهم على الجزء الثاني الذي ليس فيه الدار، فهذه قسمتها قسمة تراضٍ.
كذلك إذا كان في بعضها بئر، ولا يمكن أن تتعدل بالأجزاء بأن نقسم البئر، ويكون لكل واحد منا النصف، فهذه ـ أيضاً ـ قسمتها قسمة تراضٍ، والحاصل أن كل شيء يحتاج إلى زيادة عوض فقسمته قسمة تراضٍ، ولهذا قال المؤلف: «فهذه القسمة في حكم البيع، ولا يجبر من امتنع من قسمتها».
ثم انتقل المؤلف إلى القسم الثاني وهو قسمة الإجبار فقال: «وأما ما لا ضرر ولا رد عوض في قسمته، كالقرية، والبستان، والدار الكبيرة، والأرض، والدكاكين الواسعة، والمكيل، والموزون من جنس واحد، كالأدهان، والألبان، ونحوها، إذا طلب الشريك قسمتها أجبر الآخر عليها» وسميت قسمة الإجبار؛ لأنها لا تتوقف على رضا الشركاء، بل يُجبر من امتنع، وضابطها كل قسمة ليس فيها ضرر ولا رد عوض.

وضرب المؤلف لهذا أمثلة فقال: «كالقرية» وهل يمكن أن تكون القرية بين شركاء؟ نعم، يمكن أن يجتمع جماعة، ويشتروا أرضاً، ويخططوها، ويبنوها ثم يسكنها الناس، فتكون قرية بين شركاء، فهذه القرية كبيرة يمكن أن يقول الشريك لشريكه: لك النصف، ولي النصف.
وقوله: «والبستان» أي: البستان الكبير الذي إذا قسم لا يتضرر أحد بقسمته؛ بحيث لو قسمناه ما تنقص قيمته على القول بأن الضرر هو نقص القيمة، أو بحيث إذا قسمناه لم يفت الانتفاع بما قسم، على القول الثاني الذي يقول: إن الضرر هو فوت الانتفاع.
وقوله: «والدار الكبيرة» فهذه تنقسم بلا ضرر، لكن بشرط أن تكون حجراتها متساوية، أما إن كانت حجراتها غير متساوية، مثل أن يكون بعضها مجلساً للرجال، وبعضها مطعماً، وبعضها مطبخاً، أو بعضها صالة للنساء، فهذه لو قسمت لحصل الضرر، ولو جُعل أحدهما للآخر لاحتاجت إلى رد عوض، فهنا نقول: القسمة قسمة تراضٍ، إنما لو كانت دار كبيرة يمكن أن نقسمها، وفي كل جانب منها منافعه، فالقسمة قسمة إجبار.
وقوله: «والأرض، والدكاكين الواسعة» كذلك يمكن قسمتها بلا ضرر.
وقوله: «والمكيل، والموزون من جنس واحد، كالأدهان، والألبان» الأدهان والألبان مكيلة، فمثلاً: بيني وبينك كمية من السمن، وأردنا أن نقسمها فإنه يجبر الممتنع على القسمة؛ لأن

هذه يمكن تعديلها بالكيل، فيؤتى بإناء ويغرف لك غرفة ولي غرفة حتى تنتهي، والألبان مثلها، فلو كان بيننا سطل لبن فإنه يمكن قسمته، يؤخذ إناء لي وإناء لك، وهكذا حتى تنتهي.
وقوله: «ونحوها» مثل البر، والرز، والقهوة، والسكر، واللحم، كل هذه يمكن قسمتها بالكيل إن كانت مكيلة، وبالوزن إن كانت موزونة.
ولو كان بينهما سيارة فلا يجبر الممتنع على القسمة؛ لأن القسمة ولو رضيا بقسمتها فما نوافقهما؛ لأنه لا يمكن قسمة السيارة إلا بإتلافها، وهذا سفه! فما الطريق إلى فك الشركة؟ الطريق إلى فك الشركة أن تباع.
ولو كان بينهما سيارات متعددة، نقول: هذه السيارات إذا كانت من جنس واحد، وليس فيها عيب، وكلها جديدة، فقسمتها إجبار؛ لأنه لا ضرر على أحدهما، وإن كانت مختلفة الأجناس أو بعضها معيباً وبعضها سليماً، ولا يمكن قسمتها بالإفراز فإنها تراضٍ.

وَهَذِهِ القِسْمَةُ إِفْرَازٌ لاَ بَيْعٌ، وَيَجُوزُ لِلشُّرَكَاءِ أَنْ يَتَقَاسَمُوا بِأَنْفُسِهِمْ، وَبِقَاسِمٍ يَنْصِبُونَهُ، أَوْ يَسْأَلُوا الْحَاكِمَ نَصْبَهُ، وَأُجْرَتُهُ عَلَى قَدْرِ الأَمْلاَكِ، فَإِذَا اقْتَسَمُوا، أَوِ اقْتَرَعُوا لَزِمَتِ القِسْمَةُ، وَكَيْفَ اقْتَرَعُوا جَازَ.

قوله: «وهذه القسمة إفراز لا بيع» الإشارة تعود إلى أقرب مذكور، وهو قسمة الإجبار.
فقوله: «إفراز» يعني تمييز لحق كل شريك من حق شريكه.
وقوله: «لا بيع» ولهذا لم نشترط فيها التراضي، ولا يثبت لها أحكام البيع، فليس فيها خيار مجلس، وتجوز بعد أذان الجمعة الثاني؛ لأنها ليست ببيع ما دامت لا تشغله، وتجوز في المسجد مثل لو كان بيني وبينك كيس من الرز، وقسمناه في

المسجد فلا مانع؛ لأن هذه ليست بيعاً، وإنما إفراز نصيب كل واحد من الآخر، ويجوز قسم لحم الأضاحي والهدايا مع أن بيع لحم الأضاحي والهدايا لا يجوز، لكن هنا تجوز القسمة؛ لأن هذه ليست بيعاً.
قوله: «ويجوز للشركاء أن يتقاسموا بأنفسهم» لكن بشرط أن يكون لديهم معرفة بالقسمة لتخرج عن شبه القمار؛ لأنه لو لم يكن عندهما معرفة بالقسمة لاحتمل احتمالاً كبيراً أن تكون الأرض بينهما نصفين، ثم يقسمانها أثلاثاً؛ لأنهم ما يعرفون القسمة وحينئذٍ عندما نقرع للتمييز يكون أحدهما إما غانماً وإما غارماً، فإن حصل له الثلثان فهو غانم، وإن حصل له الثلث فهو غارم.
فإن قالا: نحن راضيان بذلك، قلنا: هذا لا يجوز حتى لو رضيتما، حتى المتسابقان فيما لا يجوز فيه السبق يقولان: نحن متراضيان، والمتبايعان بيعاً ربوياً يقولان: نحن متراضيان، ونحن لا يمكن أن يكون رضانا مخالفاً لرضا الشرع، بل لا بد أن يكون تابعاً له.
قوله: «وبقاسم ينصبونه» يعني ويجوز ـ أيضاً ـ أن يتقاسموا بقاسم ينصبونه.
قوله: «أو يسألوا الحاكم نصبه» في كلام المؤلف لحن في قوله: «يسألوا» حيث حذف النون بدون سبب؛ لأنها صفة لـ «قاسم» والتقدير «وبقاسم ينصبونه أو بقاسم يسألون الحاكم نصبه»، ولكن سبق لنا أن الأفعال الخمسة يجوز حذف تنوينها للتخفيف، ولو بدون ناصب أو جازم، ومنه قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «والله لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا» 1، ولو كانت على الأصل لقال: «لا تدخلون» «ولا تؤمنون»، وأما «تؤمنوا» الأولى و «تحابوا» فحذف النون فيهما على الأصل؛ لأنهما منصوبتان بأن مضمرة بعد حتى.
فيجوز حذف النون تخفيفا.
وقوله: «وبقاسم ينصبونه أو يسألوا الحاكم نصبه» يعني يجوز أن يختاروا قاسماً ينصبونه هم بأنفسهم، فيذهبون إلى القاسم المعروف ـ والغالب أن القسامين يكونون معروفين ـ ويقولون: تعالَ اقسم لنا هذه الأرض، اقسم لنا هذا البيت، اقسم لنا كذا وكذا، أو يسألون الحاكم نفسه، ويذهبون إلى القاضي ويقولون: نحن بيننا شركة في أرض، أرسل لنا قاسماً يقسم لنا.
فإذا قال قائل: أين الدليل على هذا؟ قلنا: لدينا قاعدة (لا يطالب المبيح في المعاملات بالدليل) فكل من قال: هذا مباح في معاملة، ما نقول: ما دليلك؟ لأن هذا هو الأصل، فالأصل في المعاملات، والمأكولات، والمشروبات، والملبوسات، والمسكونات، والمنتفع بها، الأصل

فيها الحل حتى يقوم دليل التحريم، بخلاف العبادات، فالعبادات الأصل فيها الحظر حتى يقوم دليل التشريع، ولهذا من تعبد لله بعبادة وقال: هذا مسنون، هذا مشروع، نقول له: هات الدليل وإلا فهي مردودة، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» 1. وقوله: «قاسم» يقتضي أن يكون له نوع من الحكم، ولهذا لا بد أن يكون عالماً بالقسمة وأميناً، أما الإنسان الجاهل فلا يصلح للقسمة وكذلك لا يصلح من ليس أميناً ولو كان عالماٌ لأنه قد يحابي بعض المتقاسمين على بعض.
قوله: «وأجرته على قدر الأملاك» مطلقاً، أو على قدر المُلاَّك، أو على الشرط، أقوال ثلاثة، المذهب ـ كما قال المؤلف ـ على قدر الأملاك، فمثلاً: إذا استأجرنا هذا القاسم بستمائة، وكان المال أرضاً مشتركة، لواحد سهمان، وللآخر أربعة، فعلى صاحب الأربعة أربعمائة، وعلى صاحب السهمين مائتان؛ لأن صاحب السهمين له ثلث، وصاحب الأربعة له ثلثان، فلهذا صارت الأجرة على قدر الأملاك، ثم يقرع.
وعلى قول من يقول: على قدر المُلاَّك في المثال الذي ذكرنا لأحدهما ثلثا الأرض، وللآخر الثلث، والأجرة ستمائة نوزعها مناصفة؛ لأن المالكين اثنان.
والقول الثالث على الشرط، وبدون الشرط على قدر

الأملاك، فإذا قال أحدهما للآخر: الأجرة أنصاف؛ لأننا اثنان، فرضي بذلك جاز، وإلا فعلى قدر الأملاك، وهذا القول أصح، أما قوله على قدر الأملاك فقد سبق بيان وجهه، وأما كونها على حسب الشرط فلعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: 34]، وقول النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط» 1، وقوله: «المسلمون على شروطهم» 2، وقوله: «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» 3، فهذا يدل على أن الشروط يوفى بها.
قوله: «فإذا اقتسموا أو اقترعوا لزمت القسمة، وكيف اقترعوا جاز» إذا كانت القسمة قسمة إجبار، واقتسموا ورضي كل واحد منهم بها لزمت القسمة، ولا خيار ولو كانوا في مجلس القسمة؛

لأنها إفراز لا بيع، أما إذا كانت قسمة تراضٍ فإنها لا تلزم بمجرد القسمة، بل لهم الخيار ما داموا في المجلس؛ لأنها بيع، والبيع فيه الخيار، قال النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا» 1. وإذا اقتسموا وتمت القسمة فلتمييز نصيب أحدهما طريقان: إحداهما: التخيير، والثانية: القرعة.
التخيير مثاله: لما قسمنا الأرض المشتركة قلت لك: اختر، فتخيرت، فالمسألة هنا واضحة، فإذا أبى كل واحد منا أن يخير الآخر نلجأ إلى القرعة، وكيفما اقترعنا على أي صفة جاز، فإذا اقترعنا لزمت القرعة، وهذا في قسمة الإجبار، وأما في قسمة التراضي فكما سبق لكلٍّ منا الخيار ما دمنا في المجلس.
فلو قسمنا بيننا ثمر نخل خرصاً على رؤوس النخل، فإنه يجوز؛ لأن هذا إفراز وليس ببيع، ولو كان بيعاً ما جاز؛ لأنه لا يجوز أن يبيع عليك ثمر نخل على رؤوس النخل خرصاً، فإذا قسمناه خَيَّر أحدنا الآخر، فاختار المخير نصيبه، ثم بعد ذلك رجع وقال: القسمة فيها خطأ فلا يقبل.
وهنا قصة غريبة وقعت هنا في البلد، اقتسم رجلان ثمر نخل بينهما، وكان ذلك في شهر رمضان، فقال أحدهما للآخر: اختر، فتمشى المخير بين النخل وقال: أختار هذا الجانب، فقال: خذه، ثم قال للذين يصرمون الثمرة: أحب أن تأتوا إليّ

في النهار؛ لئلا يأتي المساكين فيأكلوا، فجاءوا في النهار وصرموا التمر وأدخلوه إلى بيته.
وأما الآخر فأعلن عند باب المسجد وقال: إنه سيصرم نخله بعد عيد الفطر في النهار، فمن أحب أن يأتي فنحن نتشرف بذلك، أو قال: حياه الله، ولما أفطر الناس، وكان الناس في ذلك الوقت في جوع شديد، فالفقراء لما أفطروا من رمضان وصار اليوم الثاني ذهبوا إلى هذا الرجل وجعلوا يصرمون ثمر النخل ويأكلون ويشبعون.
وسبحان الله العظيم! أدخل أكثر من حمولة شريكه الذي صرم في النهار في رمضان، فادعى الشريك الأول المُخَيَّر الغبن، والخطأ في القسمة، فقال الثاني: نحن قسمنا جميعاً وخيرتك واخترت، فتحاكموا إلى القاضي، فقال لهم: ما القصة؟ فأخبروه بالقصة، فقال للذي صرم تمره في رمضان: الحمد لله أن تمرك ما صار حشفاً، وهذه مثل قصة أصحاب الجنة.

بَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِ

الْمُدَّعِي مَنْ إِذَا سَكَتْ تُرِكَ، وَالْمُدَّعَى عليه مَنْ إِذَا سَكَتَ لَمْ يُتْرَكْ،

وَلاَ تَصِحُّ الدَّعْوَى وَالإِنْكَارُ إِلاَّ مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ.

قوله: «الدعاوى» أو الدعاوي جمع دعوى، وهي في اللغة الطلب، قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس: 57] أي: ما يطلبون، وأما في الاصطلاح فهي إضافة الإنسان لنفسه شيئاً على غيره، سواء كان هذا الشيء عيناً، أو منفعة، أو حقاً، أو ديناً.
والإضافة ثلاثة أقسام: الأول: أن يضيف الإنسان شيئاً لنفسه على غيره، وهذه دعوى.
كأن يقول: لي على فلان كذا، سواء كان عيناً أو منفعة، أو حقاً أو ديناً أربعة أشياء.
الثاني: أن يضيف الإنسان شيئاً لغيره على نفسه، وهذا إقرار.
الثالث: أن يضيف الإنسان شيئاً لغيره على غيره، وهذه شهادة.
فهذه أنواع الإضافات ونحن في النوع الأول، وهو أن يضيف الإنسان شيئاً لنفسه على غيره، وهذا الشيء، إما عين، وإما منفعة، وإما دين، وإما حق.
مثال العين: أن يقول: أدعي على فلان أن هذا الذي بيده من كتاب، أو حقيبة، أو غيرهما لي.
مثال المنفعة: أدعي عليه أنني أجرته بيتاً لمدة شهر.
مثال الدين: أن يقول: أدعي عليه أن في ذمته لي مائة ريال.

مثال الحق: أن يدعي فلان على فلان أنه قذفه، وكذلك لو قال: أدعي عليه استحقاق شفعة أو ما أشبه ذلك.
قوله: «والبينات» جمع بينة، وهي ما أبان الشيء وأظهره، وهي أنواع، وفي كل موضع بحسبه، فبينات الرسل آياتهم التي تدل على رسالتهم، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: 25]، وبينة اللقطة أن يصفها مدعيها، وبينة القسامة أن يحلف المدعون خمسين يميناً، وهكذا، فالبينة كل ما أبان الشيء وأظهره، سواء كان قرينة يباح الأخذ بها، أم حجة شرعية يجب قبولها كالشهادة.
وسليمان بن داود ـ عليهما الصلاة والسلام ـ لما تخاصمت إليه المرأتان في ولد إحداهما دعا بالسكين ليشقه بينهما نصفين، فرضيت الكبيرة، وقالت الصغيرة: لا تشقه، هو ولدها، فقضى به للصغيرة 1، فهذه القرينة القوية بينة، فلهذا حكم به للصغيرة بدون يمين، وبدون أي شيء؛ لأن امتناعها من أن يشق الولد نصفين دليل على أنها أمه.
ثم فسر المؤلف المدعي والمدعى عليه فقال: «المدعي من إذا سكت ترك، والمدعى عليه من إذا سكت لم يترك» مثال ذلك: ادعيت عليك مائة ريال، فأنا إذا سكت عن

الدعوى تتركني أنت، ولكن أنت إذا سكت هل أتركك؟ لا أتركك، هكذا يقول المؤلف، والمسألة فيها شيء من النظر؛ لأن المدعى عليه قد يترك لزهادة المدعى به، كعشرة ريالات، فلا تستحق أن يطالبه ويذهب إلى المحكمة، وإلى الشرطة، وما أشبه ذلك.
لكن أضاف بعض العلماء إلى هذا قيداً وقالوا: المدعى عليه إذا سكت لم يترك بعد المطالبة؛ لأن المدعى عليه إذا كان المدعى به شيئاً زهيداً يمكن أن يتركه ولا يطالبه.
وقال بعضهم: المدعي من يضيف الشيء إلى نفسه، والمدعى عليه من ينكره، سواء ترك أم لم يترك، فإذا أضفت شيئاً لنفسك على غيرك وأنكر، فأنت المدعي وهو المدعى عليه، وهذا هو الذي يوافق الحديث: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» 1، وعليه فيكون هذا التعريف أقرب من تعريف المؤلف؛ لما يرد على تعريف المؤلف من الانتقاض من أن المدعى عليه قد يُترك.
قوله: «ولا تصح الدعوى والإنكار إلا من جائز التصرف» جائز التصرف هو: البالغ، العاقل، الحر، الرشيد.
فضد البالغ الصغير، فهذا لا تصح منه الدعوى ولا الإنكار، إلا فيما يجوز له التصرف فيه؛ لأنه سبق لنا في البيع أنه يجوز تصرف الصبي والصغير بإذن وليهما في الشيء الزهيد

اليسير، لكن الشيء الذي لا يصح تصرفه فيه لا تصح الدعوى منه، ولا الإنكار، فمن يدعي عنه ومن ينكر؟ الجواب: وليه هو الذي يقيم الدعوى على من عليه حق لهذا الصغير، ووليه ـ أيضاً ـ هو الذي يتولى الإنكار فيما لو ادعي عليه.
والعاقل ضده المجنون، فالمجنون لا يصح منه دعوى ولا إنكار، لكن الدعوى منه تصح كالصغير، ويتولى ذلك وليه.
والحر ضده العبد الرقيق، فلا تصح منه دعوى ولا إنكار فيما لا يصح تصرفه فيه، أما ما يصح تصرفه فيه كطلاق امرأته مثلاً، فتصح الدعوى منه والإنكار، لكن الأمور المالية لا يصح منه دعوى ولا إنكار؛ لأن العبد لا يملك، والمال الذي بيده لسيده، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من باع عبداً له مال فماله لبائعه إلا أن يشترطه المبتاع» 1 فإذا كان المال الذي بيده ليس له، وإنما هو لوليه فإنه لا يصح منه دعوى ولا إنكار؛ لأنه لا يملك هذا المال.
والرشيد في هذا الموضع هو الذي يحسن التصرف في ماله، وضده السفيه الذي يبذل ماله في المحرم، أو في غير فائدة، فالمحرم كالدخان، وفي غير فائدة مثَّل له العلماء بأن يشتري نفطاً ويشعله، فهذا ليس برشيد؛ لأنه يبذل ماله فيما لا فائدة فيه، والنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ نهى عن إضاعة المال 2، وإضاعة المال صرفه في محرم، أو فيما لا فائدة فيه.

إذاً لا تصح الدعوى إلا من جائز التصرف، وكذلك الإنكار، وغير جائز التصرف يقوم وليه مقامه.

وَإِذَا تَدَاعَيَا عَيْناً بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَهِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ، إلاَّ أَنْ تَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ فَلاَ يَحْلِفُ، وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ، قُضِيَ لِلْخَارِجِ بِبَيِّنَتِهِ، وَلَغَتْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ.

قوله: «وإذا تداعيا عيناً بيد أحدهما فهي له مع يمينه، إلا أن تكون له بينة فلا يحلف» مثال ذلك: رجلان تداعيا عيناً كل واحد منهما يقول: هي لي، وهي بيد أحدهما فهي له بيمينه، إلا إذا كان له بينة فإنه لا يحلف اكتفاء بالبينة، مثال ذلك: ادعى زيد على عمرو أن المسجل الذي معه له، فقال: عمرو ليس لك، والعين بيد عمرو، فنقول: هي لك بيمينك، فإذا حلف وقال: والله إن هذا المسجل لي وليس لفلان فهو له، إلا إذا كان عنده بينة فلا حاجة لليمين؛ لأن البينة أقوى من اليمين، ولا يرد الأضعف على الأقوى بل يدخل فيه، وحينئذٍ يكتفى بالبينة.
وقد يقول قائل: كيف يعمل بالبينة وهو مدعى عليه، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» 1، فجعل البينة في جانب المدعي وجعل اليمين في جانب المدعى عليه؟ فالجواب أن يقال: الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال هذا اكتفاءً بأدنى موجب ومثبت وهو اليمين؛ لأنه لما كانت العين بيده ترجح جانبه فاكتفي فيه باليمين، فإذا وجد ما هو أعلى وهو البينة اكتفي بها.

فإن أقام المدعي بينة فالعين له ولو حلف المدعى عليه، ولم يعتد بيمينه.
قوله: «وإن أقام كل واحد بينة أنها له قضي للخارج ببيِّنته، ولغت بينة الداخل» أقام المدعي البينة أنها له، وأقام المدعى عليه بينة أنها له، يقولون: يقضى ببينة الخارج دون بينة الداخل.
والداخل من هي بيده والخارج المدعي، فيقضى للخارج ببينته وتلغى بينة الداخل، مثال ذلك: ادعى زيد على عمرو بأن هذا المال الذي بيد عمرو له، فقال عمرو: هو لي، وكل منهما جاء ببينة، فيقضى به للمدعي أي: لزيد؛ لأنه هو الخارج لدليل وتعليل، أما الدليل فإن الرسول صلّى الله عليه وسلّم جعل البينة في جانب المدعي فقال: «البينة على المدعي» 1، وقد أتى بها فيحكم له بها، وأما التعليل قالوا: لأن بينة الخارج قد تكون أقرب لانتقال الملك، وبينة الداخل ربما تشهد بناءً على ملكه السابق، وانتقال الملك كثير، والشهود ربما شهدوا بأنها عند الداخل؛ لأنها كانت في يده بالأول، ثم باعها على الخارج فانتقل الملك له، فتكون بينة المدعي كأن معها زيادة علم فقدمت.
وقال بعض العلماء: بل تكون للداخل مع يمينه، بناءً على أن البيِّنتين تعارضتا، وليست إحداهما بأولى من الأخرى، فتساقطتا، كما لو اختلف الجماعة على الإمام فقال بعضهم:

سبحان الله، يريدون أن يقوم، وقال آخرون: سبحان الله، يريدون أن يجلس، قال العلماء: يسقط قولهما جميعاً، ويرجع الإمام إلى ما في نفسه، وهنا لما تعارضت البينتان تساقطتا، فقلنا للخارج: نلغي بينتك وللداخل نلغي بينتك، ويبقى اليمين على من أنكر، فيحلف المدعى عليه بأنها له ولم ينتقل ملكه عنها، وتكون له.
وأجابوا عن قول الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» أن هذا يقتضي أنه ليس للمدعى عليه بينة، ولو أخذنا بظاهر الحديث لقلنا في المسألة التي ذكرتم: إنه إذا كان للمدعى عليه بينة سقطت اليمين.
نقول: هذا لا يصح؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم جعل اليمين على المدعى عليه، وأنتم تقولون: إذا كان له بينة لا حاجة لليمين، فتبين أن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أراد دعوى فيها بينة للمدعي، وليس فيها بينة للمدعى عليه، وحينئذٍ ما يبقى إلا اليمين إذا لم يكن لديه بينة.
ولم يُرد الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ إذا تعارضت البينتان، فإن مقتضى الشرع القيام بالعدل، والقيام بالعدل أن نقول: كل بينة عارضت الأخرى أسقطتها، فيبقى كأن الرجلين ليس معهما بينة، وحينئذٍ نرجع إلى الأصل، ونقول للمدعى عليه وهو الداخل: احلف، فإذا حلف قُضي بأن العين التي بيده له، وألغيت الدعوى.
وهذا القول عليه كثير من أهل العلم، وهو أقرب في النظر من الأول، بقي أن يقال في دعوى أنه انتقل الملك: الأصل عدم الانتقال، وحينئذٍ تبقى العين في يد المدعى عليه مع اليمين.

فصول الكتاب · 31 فصل · 4021 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الممتع على زاد المستقنع · 4021 صفحة
ـ[الشرح الممتع على زاد المستقنع]ـمقدمة المؤلف
كِتَابُ الطَّهارة
كتابُ الصَّلاة
كِتَابُ الجَنَائِزِ
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتابُ المَنَاسِكِ
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كِتَابُ الوَقْفِ
كِتابُ الوَصَايَا
كتاب الفرائض
كِتَابُ العِتْقِكتاب النكاح
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الطَّلاَقِ
كِتَابُ الإِيلاَءِ
كِتَابُ الظِّهَارِ
كِتَابُ اللِّعانِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ
كِتَابُ الْحُدُودِ
كِتَابُ الأَْطْعِمَةِ
كِتَابُ الأَيْمَانِ
كِتَابُ القَضَاءِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الإِقْرَارِ
جارٍ التحميل