كِتَابُ الطَّلاَقِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- الشرح الممتع على زاد المستقنع
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
- الطبعة
- الأولى، 1422 - 1428 هـ
- عدد الأجزاء
- 15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
«مُرْهُ فليراجعها ثم ليتركها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء» 1.
ووجه التحريم أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم تغيظ وأمر عمر رضي الله عنه أن يأمر ابنه بمراجعتها.
إذاً إذا أراد أحد أن يطلق فيجب أن نسأله فنقول: هل امرأتك حامل؟ فإن قال: نعم، قلنا: طلق ولا حرج، فإن قال: إنها غير حامل، سألناه: هل هي حائض أو طاهر؟ فإن قال: حائض، نقول: لا تطلق وانتظر حتى تطهر، ولا تأتِها، ثم طلق، وإن قال: طاهر، نسأله هل جامعها أو لم يجامعها؟ فإن قال: إنه جامعها، قلنا: لا تطلق وانتظر حتى يتبين حملها، أو تحيض، وبعد الحيض طلق، وإن قال: إنه لم يجامعها، قلنا: لا بأس أن تطلق، فيجب التفصيل فيه.
فإن قال قائل: لماذا نستفسر؟ ولا نحمل الأمر على الوجه الصحيح الجائز؟ نقول: لأن الناس يجهلون الأحكام فلهذا لا بد من التفصيل، مثل ما لو قال لك قائل: مات شخص عن بنت وأخ وعم شقيق فهنا يجب أن تستفصل عن الأخ، فإذا قال: هو أخ من أم فالباقي بعد فرض البنت للعم، وإن قال: إنه أخ شقيق أو لأب فالباقي بعد فرض البنت للأخ، فالشيء الذي فيه احتمال كبير يستفصل عنه، حتى لا يبقى الإنسان في حرج.
فإذا قال قائل: ما الحكمة في تحريم الطلاق في الحيض؟ قلنا: الحكمة في ذلك أمران:
الأول: أنه جرت العادة أن الإنسان إذا حاضت امرأته ومنع منها، فإنه لا يكون في قلبه المحبة والميل لها، لا سيما إن كانت من النساء التي تكره المباشرة في حال الحيض؛ لأن بعض النساء يأتيها ضيق إذا حاضت فتكره الزوج وتكره قربانه، فإذا طلق في هذه الحال يكون قد طلق عن كراهة، وربما لو كانت طاهراً يستمتع بها لأحبها ولم يطلقها، فلهذا كان من المناسب أن يتركها حتى تطهر.
الثاني: إذا طلقها في هذه الحيضة فإنها لا تحسب، فلا بد من ثلاث حيض كاملة غير الحيضة التي طلق فيها، وحينئذٍ يضرها بتطويل العدة عليها.
وقوله: «فبدعة» يعني أنه مخالف للسنة، وهنا ننبه أن الفقهاء ـ رحمهم الله ـ لا يطلقون البدعة على مثل هذا، فالبدعة تطلق على عبادة لم تشرع، أو على وصف زائد عما جاءت به الشريعة أو في أمور عقدية، هذا هو الذي يطلق عليه البدعة غالباً، وأما في غير ذلك فإنه لا يسمى بدعة، فتجدهم يقولون: هذا حرام، هذا مكروه، أما أن يقولوا: إنه بدعة فهذا نادر، لكن في هذه المسألة وصفوها بالبدعة والسنة، فإذا طلقها في حيض فهو بدعة، وإن شئت فقل: إنه محرم، وهذا أليق في اصطلاح الفقهاء.
يَقَعُ ..................................
قوله: «
يقع
» يعني أن الطلاق يقع حتى في الحال التي يحرم فيها، والدليل:
أولاً: حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ فإن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لما بلغه الخبر قال: «مره فليراجعها» والمراجعة ما تكون إلا فرعاً عن وقوع الطلاق؛ لأنه لا مراجعة مع غير الطلاق، وحينئذٍ يكون واقعاً.
ثانياً: أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «مره فليراجعها»، ولو كانت الطلقة غير واقعة لقال: إنه لم يقع، وهذا أحسن من أن يقول له: «مره فليراجعها» لأنه إذا لم يقع، سواء راجع أم لم يراجع فالطلاق غير تام، فكونه يلزمه ويقول: راجع، لا داعي له، بل يقول: أخبره بأن طلاقه لم يقع.
ثالثاً: أنه ورد في بعض ألفاظ الحديث في صحيح البخاري: «أنها حسبت من طلاقها» 1، وهذا نص صريح في أنه وقع الطلاق؛ ووجه ذلك أنه لو لم يقع ما حسب من الطلاق، فحسبانه من الطلاق دليل على الوقوع.
رابعاً: عموم قوله تعالى: ﴿اَلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229]، ولم يفصِّل الله ـ عزّ وجل ـ هل وقع في حيض، أو في طهر جامعها فيه، أو لا، فأثبت الله ـ تعالى ـ وقوع الطلاق، وأن العدد الذي يمكن أن يراجعها فيه مرتان، فإن طلقها الثالثة فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره.
وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة، أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل رحمهم الله، وعليه جمهور الأمة.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يقع واستدلوا بالتالي:
أولاً: حديث رواه أبو داود بسند صحيح أن النبي صلّى الله عليه وسلّم ردها على ابن عمر ولم يرها شيئاً 1، فقالوا: يعني ما اعتبرت شيئاً.
ثانياً: قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» 2، والطلاق لغير العدة عمل ليس عليه أمر الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم فيكون مردوداً، ولو أمضينا ما لم يكن عليه أمر الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم لكنا مضادين لله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم في الحكم، فالله يقول: لا تفعل، ونحن نقول: نفعل ونُمضي!!
فأوردوا عليهم أن الظهار منكر من القول وزور، وهو حرام بلا شك، ومع ذلك يمضي وتترتب عليه أحكامه، ويقال للمظاهر: لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به، فالطلاق في الحيض مثله منكر وزور، فتترتب عليه أحكامه، ونقول للرجل: حسبت عليك.
أجابوا على ذلك بأن الظهار لا يقع إلا منكراً، كالزنا تترتب عليه أحكامه مع أنه منكر، بخلاف الطلاق فإنه يكون منكراً ويكون مباحاً، فإذا فعل على وجه الإباحة فقد فعل على أمر الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، وإذا فعل على غير وجه الإباحة فقد فعل على غير أمر الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم فينطبق عليه الحديث، ويكون له حالان؛ حال موافقة للشرع وحال مخالفة، فإن فعل على الوجه الموافق فهو نافذ، وإن فعل على الوجه المخالف فهو غير نافذ، أما ما لا
يوافق الشرع إطلاقاً فإنه يرتب عليه ما رتبه الشرع عليه بمجرد وجوده، فانفكوا عن هذا الإيراد.
ثالثاً: أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أمر ابن عمر رضي الله عنهما بردها، وإذا قلنا بوقوع الطلاق في الحيض وحسبت عليه طلقة، فإن المراجعة لا ترفع مفسدته، بل تزيد وتكون المراجعة أمراً بتكثير الطلاق؛ لأنه إذا راجعها ولم يكن له رغبة فيها، فأراد أن يطلقها صار عليه طلقتان، فلم ترتفع مفسدة الوقوع في المحرم، بل زادت عليه، والشرع يحب أن ينقص الطلاق لا أن يزيد؛ ولهذا حرم ما زاد على الواحدة.
رابعاً: أن أكثر الروايات الواردة في حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ ليس فيها أنه لم يطلقها إلا واحدة، بل أكثر الروايات على أنه مُطْلَق؛ فإن كان مُطْلَقاً ولم يقيد بواحدة، فظاهر أنه لم يقع؛ لأنه لو كان واقعاً لاحتاج الأمر بالمراجعة إلى تفصيل حتى يعرف، هل هذه آخر واحدة أو هي التي قبلها؟ لأنه إذا كانت آخر واحدة وقد وقعت فلا تمكن المراجعة.
فإن اعترض معترض على قولنا، فقال: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «مرهُ فليراجعها»، والمراجعة لا تكون إلا بعد عدة.
فجوابنا على هذا أن نقول: المراجعة اصطلاحاً لا تكون إلا بعد عدة، والمراجعة لغة تكون لهذا المعنى ولغيره، ويدل لذلك قول الله تبارك وتعالى في المرأة تطلق الطلقة الثالثة: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ (عَلَيْهِمَا) أي: على الزوج الأول، والزوجة {أَنْ
يَتَرَاجَعَا} أي: يرجع كل واحد منهما إلى الآخر، وهذه ابتداء عقد وليست مراجعة من طلاق، فدل هذا على أن المراجعة في الكتاب والسنة لا تعني فقط المراجعة في الاصطلاح، وهي رد الرجعية إلى النكاح، بل هي أعم من ذلك، فيكون حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ ليس المراد به المراجعة الاصطلاحية، بل المراد المراجعة اللغوية، وهي أن ترجع إلى زوجها.
والحاصل: أن هذه المسألة التي فيها هذا الخلاف تحتاج إلى عناية تامة من طالب العلم؛ لأن سبيل الاحتياط فيها متعذر، إن قلت: أنا أريد الاحتياط؟ فأي سبيل تسلك؟ إن قلت: الاحتياط بتنفيذ الطلاق وقعت في حرج؛ لأنك سوف تحلها لرجل آخر لا تحل له، وإن قلت: الاحتياط أن لا أمضيه فهذا مشكل ثانٍ؛ لأنك ستحلُّها لزوجها، وهي حرام عليه، فهذه المسألة من المسائل التي لا يمكن فيها سلوك الاحتياط، فالذي يجب على الإنسان بقدر ما يستطيع أن يحقق فيها، إما هذا القول وإما هذا القول، وليس فيها خيار.
ونظيرها في العبادات اختلاف العلماء متى يدخل وقت العصر؟ فقال بعض العلماء: لا يدخل وقت العصر إلا إذا صار ظل كل شيء مثليه، وقال الجمهور: يدخل إذا صار ظل كل شيء مثله، ويحرم أن تؤخر الصلاة حتى يصير ظل كل شيء مثليه، فكيف تحتاط؟ إن صليت قبل أن يصير ظل كل شيء مثليه، قال لك أولئك: حرام عليك، وصلاتك ما تصح، وإن صليت عقب ما يصير ظل كل شيء مثليه، قال لك الآخرون: تأخيرك الصلاة
إلى هذا الوقت حرام، فأنت في مشكلة، فما ترجح؟ فمثل هذه المسائل جانب الاحتياط فيها يكون متعذراً، فلا يبقى أمام طالب العلم إلا أن يسلك طريقاً واحداً، ويجتهد بقدر ما يستطيع في معرفة الصواب من القولين، ويستخير الله ويمشي عليه، وإذا مشى على هذا برهة من الزمن بناء على أن هذا القول هو الصواب، ثم تبين له أن الصواب في خلافه فلا مانع أن يرجع، بل يجب أن يرجع إذا تبين له الحق.
ثم إذا أفتى بخلاف ما كان يقوله من قبل، فهل تعتبر الفتوى الأخيرة رجوعاً أو لا؟ الجواب: لا تعتبر رجوعاً، ويكون له في المسألة قولان، إلا إذا صرح بالرجوع، أو صرح بحصر قوله في هذا الأخير مثلاً، فإنه يعتبر رجوعاً، فإذا أفتى المجتهد بفتوى ثم أفتى بخلافها أخيراً، نقول: هذه لا تخلو من ثلاث حالات:
الأولى: أن يفتي بالأخير ويسكت عن الأول.
الثانية: أن يفتي بالأخير ويصرح بأنه رجع عن الأول.
الثالثة: أن يفتي بالأخير، ويأتي بما يدل على انحصار قوله فيه.
ففي الحال الأولى: يكون له في المسألة قولان، ولا نقول: إنه رجع؛ لأن المجتهد كما هو معلوم يرى في وقت من الأوقات أن الصواب في هذا، ثم ـ مثلاً ـ ترد عليه أدلة ما بانت له من قبل، أو يأتي في المسألة مناقشة، ثم مع المناقشة تحصل أشياء وتتبين فيختلف اجتهاده، ولكن كما قال العلماء: الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، ولهذا فالإمام أحمد ـ رحمه الله ـ يكون عنه
في كثير من مسائل الفقه روايتان كما يتبين من مراجعة «المقنع» مثلاً.
وفي الحال الثانية: إذا صرح بالرجوع فالأمر واضح، ومثلنا من قبل بمثال للإمام أحمد في مسألة طلاق السكران، أنه كان يقول في الأول بطلاق السكران، ثم قال: تبينته فوجدت أني إذا أوقعته أتيت خصلتين، وإذا لم أوقعه أتيت خصلة واحدة.
أما الحال الثالثة: التي يحصر قوله فيه، فيمكن أن نضرب بذلك مثلاً بحال أبي الحسن الأشعري، فإنه كان في أول أمره على مذهب المعتزلة، ينصره ويدافع عنه وبقي على هذا نحو أربعين سنة، لكن من شاء الله أن يهديه هداه، ثم اتصل بعبد الله بن سعيد بن كَلاَّب، وهو أحسن من المعتزلة بكثير، فأخذ منه وتأثر به، وترك مذهب المعتزلة، ثم إنه أخيراً ذكر في كتابه «الإبانة» وهو آخر ما صنف أن قوله ينحصر في مذهب الإمام أحمد بن حنبل؛ لأنه قال: فإن قال قائل: بماذا تقولون، قال: نقول بقول الإمام أحمد بن حنبل، وهذا معناه أنه رجع عما سبق، لكن ما قال: وأرجع، إلا أنه لما رجع عن مذهب المعتزلة، صرح بالرجوع عنهم، وصار يذمهم ويبين معايبهم رحمه الله.
ونحن أتينا بهذه المسألة؛ لأنها في الحقيقة مفيدة لطالب العلم، وأنه يجب على طالب العلم إذا بان له الحق أن يرجع إليه، والنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ أحياناً يفتي ثم يأتيه الوحي فيرجع عما أفتى به، وهو النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولما جاءه رجل وسأله عن الشهادة ماذا تكفّر؟ قال: تكفّر كل شيء، ثم انصرف الرجل، ثم
دعاه فقال: «إلا الدَّيْنَ، أخبرني بذلك جبريل آنفاً» 1، كذلك ـ أيضاً ـ عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ روي عنه في مسألة الحِمارية روايتان، رواية أنه منع الإخوة الأشقاء من الاشتراك مع الإخوة من الأم، والثانية شركهم، وقال: ذاك على ما قضينا وهذا على ما نقضي 2، وكذلك الأئمة كلهم يكون لهم في المسألة رأيان، حتى قال أبو حنيفة لرجل: لا تأخذ بقولي، إني أقول القول اليوم، وأقول غيره غداً، ولكن عليك بالكتاب والسنة.
فالحاصل أننا نقول: مسألة الطلاق في الحيض من أكبر مهمات هذا الباب، ويجب على الإنسان أن يحققها بقدر ما يستطيع، حتى يصل فيها إلى ما يراه صواباً؛ لأن المسألة ما فيها احتياط، بل المسألة خطيرة، فافرض أن هذا الرجل طلق في الحيض امرأة آخر تطليقة فإما أن نحلها له، وإما أن نحرمها عليه حتى تنكح زوجاً غيره، فعلى كل حال نحن فتحنا لك الأبواب وبإمكانك أن ترجع، ومن أحسن من رأيت كتب في الموضوع ابن القيم ـ رحمه الله ـ في «زاد المعاد» فإذا رجعت إليه يتبين لك إن شاء الله، أما شيخ الإسلام رحمه الله فكلامه غالباً يكون مجملاً، مع أنه في مسائل الطلاق لما ابتلي بها ـ رحمه الله ـ صار يحققها ويكثر من ذكر الأدلة، ولكن ابن القيم يوضح كلام شيخه وأحياناً
يخالفه، لكنه ـ رحمه الله ـ تأثر به بلا شك وبآرائه، والغالب حسب علمي مع قصوري أن شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ دائماً موفق للصواب، فغالب ما يختار هو الصواب.
وكان الشوكاني ـ رحمه الله ـ يتردد في هذه المسألة، فمرة يقول: كذا، ومرة يقول: كذا، كما أشار إلى هذا في «نيل الأوطار»، فيجب على طالب العلم الذي يريد أن يكون نافعاً لنفسه، ولأمته أن يحقق هذه المسألة تحقيقاً بيناً، ويقرأ كلام أهل العلم فيها، وألا يكون عنده اتجاه إلى قول معين من الأقوال، بل إذا راجع خلاف أهل العلم يكون متجرداً، ويقف بين أقوال أهل العلم موقف الحَكَم، الذي لا يفضل أحداً على أحد؛ لأننا رأينا مشكلة فيمن اعتقد ثم استدل بناءً على اعتقاده، فتجده يميل إلى ما يعتقد، ثم يتمحل في إثبات ما يريد أن يثبته، ويتعسف في رد ما يريد أن يرده، وهذه مشكلة وقلَّ من يَسْلَم منها إلا من شاء الله، حتى إن شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ ذكر عن البيهقي الإمام الحافظ المعروف في الحديث، أنه في الأدلة التي يستدل بها يحابي نفسه، وفي أدلة خصومه ما يأتي بها، وإن أتى بها أتى بها على وجه ضعيف، لكنه أحسن من الطحاوي في «شرح معاني الآثار».
وَتُسَنُّ رَجْعَتُهَا، ...................................
قوله: «
وتسن رجعتها
» يعني إذا طلقها في حيض أو طهر وطئ فيه وقع الطلاق، لكن يسن أن يراجعها؛ من أجل أن يطلقها في طهر لم يجامع فيه، وقد ذكر شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ هنا معنى دقيقاً، قال: إنه لو حسبت الطلقة في الحيضة لكان أمر
النبي صلّى الله عليه وسلّم ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ بالمراجعة أمراً بتكثير الطلاق؛ لأنه إذا راجعها وحسبنا الطلقة الأولى واحدة، فسيطلق طلقة ثانية فيزيد العدد، والشرع يحب أن ينقص عدد الطلاق لا أن يزيد، ولهذا حرم ما زاد على الواحدة، وهذا معنى لطيف جداً، فكأنه يقول: إذا كان الطلاق الأول واقعاً، فكون الرسول صلّى الله عليه وسلّم يأمره أن يراجعها؛ ثم يطلق فيزداد عليه عدد الطلاق، والشرع لا يحب من المرء أن يتكرر طلاقه، وعلى القول بأن الطلاق لا يقع هل نقول: تسن رجعتها؟ لا، نقول: هي زوجة لم تنفك عن زوجها حتى نقول: راجعها.
وَلاَ سُنَّةَ وَلاَ بِدْعَةَ لِصَغِيرَةٍ، وَآيِسَةٍ، وَغَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا، وَمَنْ بَانَ حَمْلُهَا،
...........................
قوله: «ولا سنة ولا بدعة لصغيرة وآيسة، غير مدخول بها ومن بان حملها» هذه أربع نساء ليس لطلاقهن سنة ولا بدعة، أي: لا يوصف طلاقهن بسنة ولا بدعة، فالصغيرة وهي من لم يأتها الحيض، حتى لو بلغت عشرين سنة لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَاللاََّّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] وهذا مطلق.
والآيسة هي التي لا ترجو الحيض، يعني انقطع عنها ولا ترجو رجوعه، وسِنُّها على كلام المؤلف الذي مضى في باب الحيض خمسون سنة؛ لأن الحيض بعد الخمسين ليس بشيء؛ لأن هذا هو الغالب المعتاد، والنادر لا حكم له، فنرد عليهم بأن الله يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذىً﴾ [البقرة: 222]، فمتى وجد هذا الأذى فهو حيض، أما كون هذا نادراً أو غير نادر فلا يهم، فما دام وجد فإنه يعتبر حيضاً، فالصواب أنها لا تتقيد بسن.
وإذا كانت الآيسة ليس لها سنة ولا بدعة، فمن باب أولى من تيقنت عدم حصول الحيض، مثل أن يُجرى لها عملية في الرحم ويقطع الرحم، فهذه نعلم أنها لم تحض، وعلى هذا فلا سنة ولا بدعة في طلاقها، فيجوز لزوجها أن يطلقها ولو كان قد جامعها؛ لأنها لا حيض لها حتى تعتد به، أما المرأة التي امتنع حيضها لرضاع فإن لها سنة وبدعة؛ لأنها غير آيسة، وكذلك من ارتفع حيضها لمرض فإنها غير آيسة، فلها سنة وبدعة.
وقوله: «وغير مدخول بها» أي: ولا سنة ولا بدعة لغير مدخول بها، لو زاد المؤلف: أو مخلو بها، أو قال بدلاً من هذا: لمن لا عِدة عليها، لكان أولى وأعم؛ يعني لا سنة ولا بدعة لمن لا عدة عليها، وهي التي طلقت قبل الدخول والخلوة والمَسِّ وما أشبه ذلك مما تقدم في الصداق، يعني إذا كانت المرأة لا تلزمها العدة في الطلاق فلا سنة ولا بدعة في طلاقها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، وهذه لا عدة لها، فإذا لم يكن لها عدة فطلقها متى شئت، فلو أن رجلاً تزوج امرأة وعقد عليها ولم يدخل بها، وبعد مضي شهر طلقها وهي حائض، فالطلاق ليس بحرام بل هو جائز ولا شيء عليه؛ لأن هذه المرأة لا عدة لها، والله ـ عزّ وجل ـ يقول: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾.
وقوله: «ومن بان حملها» أيضاً فإن طلاقها ليس فيه سنة ولا بدعة؛ لأن الإنسان إذا طلقها فقد طلقها لعدتها؛ لأن عدتها وضع الحمل حتى ولو كانت تحيض؛ لأن بعض النساء يستمر الحيض
معها على طبيعته فيعتبر هذا حيضاً، كما تقدم لنا أنه اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولكن إذا انقطع عنها الدم وصار فيها الحمل، ثم جاءها دم فهذا الدم ليس بحيض؛ لأنه ليس الدم العادي الطبيعي.
فإذا طلق الإنسان امرأته وهي حامل فلا نقول: طلاقه هذا سنة، ولا نقول: إنه بدعة؛ لأنه قد طلق للعدة، إذ إن عدتها من حين ما يطلقها تبتدئ بها، ومن ثم قال بعض أهل العلم: إنَّ النفساء يجوز طلاقها؛ لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، ومطلِّق النفساء قد طلقها للعدة؛ لأن النفساء من يوم تُطلق تبدأ بالعدة ثلاث حيض، ولا فرق بين أن يطلقها والدم عليها في النفاس، أو بعده؛ لأنها تشرع بالعدة من حين أن يطلقها؛ لأن النفاس لا يعتبر في العدة.
ولما لم يكن معتبراً في العدة صار المطلِّق فيه مُطلقاً للعدة، بخلاف الذي يطلق في الحيض فإن نصف الحيضة الباقي مثلاً ليس من العدة في الواقع؛ لأنها إنما تعتد بثلاث حيض، والآن نقول: إنها تعتد بثلاث حيض ونصف، وهذا لا يستقيم.
وأكثر أهل العلم يقولون: لا يجوز طلاق النفساء لعموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «مره فليراجعها ثم يطلقها طاهراً أو حاملاً» 1، والنفساء ليست بطاهر.
وأجاب الذين يقولون بجواز طلاق النفساء عن ذلك بأنه
يخاطب ابن عمر رضي الله عنهما، وابن عمر إنما طلقها وهي حائض، فمعنى «فليطلقها طاهراً» أي: من حيضها، فإن قيل: أليست العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟
نقول: العبرة بعموم اللفظ، بمعنى أنه لا يختص بابن عمر نفسه، لكنه يعم من كان مثله، مثل ما مر علينا في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «ليس من البر الصيام في السفر» 1، فهذا عام لكنه يعم من كان في مثل حال ذلك الرجل، الذي كان متكلفاً، أما غيره فقد يكون من البر الصيام في سفره، فالعموم من حيث المعنى دون الشخص، وليس المراد عموم الأحوال، فلا نقصر الحكم على ابن عمر رضي الله عنهما، ولكن نقول: هو عام في كل من شابه حال ابن عمر، وأما من خالفها فلا.
إذاً أربع من النساء لا يوصف طلاقهن بسنة ولا ببدعة، لا في زمن ولا في عدد على المذهب، والصواب أنه في العدد بدعة.
فعلى المذهب يجوز أن يطلق الإنسان زوجته ثلاثاً وهي حامل، ولا حرج عليه، وعندهم ـ أيضاً ـ أن الآيسة والصغيرة لو طلقهما ثلاثاً فهو جائز، وكذلك غير المدخول بها؛ لأنه لا بدعة عندهم في العدد في هؤلاء.
ولكن هذا القول ضعيف؛ لأننا نقول: إنما انتفت السنة والبدعة باعتبار الزمن لِمَا ذكر من التعليلات والأدلة، لكن في
العدد فما الذي يبيح له أن يطلقها ثلاثاً؟! هل هناك مسوغ؟! لا مسوغ إذ لا فرق بين الحامل والحائل في أن الإنسان إذا طلق ثلاثاً سد على نفسه باب المراجعة، وضيق على نفسه؛ ولهذا فالصواب بلا شك أن البدعة العددية في طلاق هؤلاء الأربعة ثابتة.
قال في الروض 1: «إذا قال لإحداهن: أنت طالق للسنة طلقة، وللبدعة طلقة، وقعتا في الحال، إلا أن يريد في غير الآيسة إذا صارت من أهل ذلك، وإن قاله لمن لها سنة وبدعة فواحدة في الحال، والأخرى في ضد حالها إذاً» إذا قال: أنت طالق للسنة طلقة وللبدعة طلقة تطلق في الحال طلقتين؛ والسبب أنه ليس لها سنة ولا بدعة فكأنه قال: أنت طالق أنت طالق.
حتى ولو أراد التوكيد؛ لأنه في هذه الحال لا يصح، فالتوكيد إنما يكون في الجملتين المتطابقتين، أما هنا فالجملتان مختلفتان: الأولى طالق للسنة، والثانية طالق للبدعة، فلا يصح التوكيد خلافاً لمن قال: إلا إذا أراد التوكيد.
وإذا قال لمن لها سنة وبدعة: أنت طالق للسنة وهي حائض فإنها لا تطلق؛ لأن الطلاق الآن بدعة، فتنتظر حتى تطهر وحينئذٍ يقع عليها الطلاق.
وإذا قال: أنت طالق للسنة وللبدعة، تقع واحدة في الحال، على كل حال؛ لأنها إما على سنة وإما على بدعة، والثانية تقع
إذا كانت على ضد هذه الحال؛ فإن كانت على السنة يتأجل طلاق البدعة، وإن كانت على البدعة يتأجل طلاق السنة.
فتبين أنه إذا قال: أنت طالق للسنة فإنها تقع في الحال إن كانت طاهراً لم يجامعها فيه، وإن كانت حائضاً أو في طهر جامعها فيه انتظرت إلى أن تكون على وصف السنة، وهذا في غير هؤلاء الأربع، أما في هؤلاء الأربع فكما سبق.
والخلاصة: أنه على المذهب يجوز أن يطلق هؤلاء النساء بدون انتظار، فالتي لم يدخل بها يطلقها ولو كانت حائضاً؛ لأنه لا عدة عليها.
والصغيرة والآيسة يطلقهما في الحال ولو كان قد أصابهما، والدليل قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وعدة الآيسة والصغيرة ثلاثة أشهر تبدأ من الطلاق، فيكون قد طلقهما للعدة، والحامل الدليل على وقوع طلاقها وأنها ليس لها لا سنة ولا بدعة قوله تعالى: ﴿وَأُولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4] فمن حين يطلقها تبتدئ في العدة.
وَصَرِيحُهُ لَفْظُ الطَّلاَقِ، وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ، غَيْرَ أَمْرٍ، وَمُضَارِ عٍ، وَمُطَلِّقَةٍ اسْمَ فَاعِلٍ، فَيَقَعُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ جَادٌّ أَوْ هَازِلٌ،
..................
قوله: «وصريحه» يعني صريح الطلاق؛ وهنا صريح وكناية، والضابط في الصريح ما لا يحتمل غير معناه، والكناية ما يحتمله وغيره.
قوله: «لفظ الطلاق وما تصرف منه» فلفظ الطلاق مثل أن يقول: أنت طالق أو أنت الطلاق، فإذا قال: أنت الطلاق طلقت؛ لأن الطلاق اسم مصدر يطلق، والمصدر تطليقاً، فإذا قال: أنت الطلاق، فقد جعلها نفس الطلاق مبالغة، أو نجعل
الطلاق بمعنى اسم الفاعل يعني أنت طالق، أو نجعلها على تقدير مضاف، أي: أنت ذات الطلاق.
فإذا وصف الفاعل بالمصدر فله ثلاثة توجيهات: إما أن يكون وُصف به مبالغة، أو أن المصدر بمعنى اسم الفاعل، أو أنه على تقدير مضاف، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 177].
وقوله: «وما تصرف منه» مثل: أنت طالق، أو طلقتك، أو أنت مطلقة، واستثنى المؤلف مما تصرف منه فقال:
«غير أمر ومضارع ومُطَلِّقَةٍ اسم فاعل» فقوله: «غير أمر» مثل «طَلِّقي أو اطلقي» فهذا ما يقع به الطلاق.
وقوله: «ومضارع» مثل «تطلقين» فلا يقع؛ لأنه خبر بأنها ستطلق، والطلاق بيد الزوج، وأما إذا أراد به الحال فإنها تطلق؛ لأن المضارع يصح للحال والاستقبال.
وقوله: «ومُطلِّقةٍ اسمَ فاعلٍ» أما لو قال: مُطلَّقَةٌ اسم مفعول فعليها، ويقع الطلاق.
قوله: «فيقع به» يعني فيقع الطلاق بالصريح، ولكن تقدم لنا أنه لا يصح إلا من زوج أو وكيله، ولا بد أن يكون من مكلف أو مميز يعقله، فإذا وقع الطلاق من أهله فإنه يقع بالصريح.
قوله: «وإن لم ينوه» يعني وإن لم ينوِ الطلاق، مثل إنسان قال لزوجته: أنت طالق، وما نوى شيئاً ولا نوى الطلاق، وهو يعرف أن معنى «أنت طالق»، أنني فارقتك، فإنه يقع الطلاق به،
وإن لم ينوه؛ وذلك لأنه فراق معلق على لفظ فحصل به، وليس عملاً يتقرب به الإنسان إلى ربه حتى نقول: إنما الأعمال بالنيات، فمتى وجد تَمَّ الفراق، مثل البيع والشراء والإجارة والهبة إذا حصل من الإنسان، ولو لم ينوِ ما دام وجد اللفظ، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.
واعلم أنه إذا طلق فتارة ينوي الطلاق، وتارة ينوي غيره، وتارة لا ينوي شيئاً، فإن نوى الطلاق وقع ولا إشكال فيه، وإن لم ينوِ الطلاق، بل قصد أنت طالق؛ أي: غير مربوطة فهذا لا يقع به الطلاق، وإن لم ينوِ الطلاق ولا غيره فهذا موضع خلاف؛ فمن العلماء من قال: تطلق؛ أخذاً بظاهر اللفظ.
وقال بعض أهل العلم: إنه إذا لم ينوه فإنه لا يقع؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89] مع أن اليمين له حكم معلق عليه، فإذا حلف الإنسان تعلق الحكم بيمينه، ومع ذلك لم يجعله الله ـ سبحانه وتعالى ـ معتبراً إلا إذا نواه، فإذا كان اليمين لا ينعقد إلا بالنية، فالطلاق ـ أيضاً ـ لا ينعقد إلا بالنية، فمن لم ينوه لم يقع، ولكن سبق لنا أن من لم ينوه لإغلاق فإنه لا يقع طلاقه، وكلامنا فيمن ليس عنده إغلاق، وهذا القول تعليله قوي جداً، إذ كيف يؤاخذ الإنسان بلفظ جرى على لسانه بدون قصد؟! قالوا: إن اليمين حق بينه وبين الله وقد عفا الله عنه، بخلاف الطلاق فهو حق بينه وبين غيره، فالزوجة تقول: حصل اللفظ نوى أو ما نوى، فما دام حصل اللفظ فهي تطالب بالفراق.
قوله: «جاد أو هازل» يعني أنه يقع من الجاد ومن الهازل، والفرق بينهما أن الجاد قصد اللفظ والحكم، والهازل قصد اللفظ دون الحكم، فالجاد طلق زوجته قاصداً اللفظ وقاصداً الحكم وهو الفراق، وأما الهازل فهو قاصد للفظ غير قاصد للحكم، يقول مثلاً: أنا أمزح مع زوجتي، فقلت: أنت طالق، أو ما أشبه ذلك، وما قصدت أنها تطلق، فنقول: الحكم يترتب عليه؛ لأن الصيغة وجدت منك، وهي أنت طالق، أو زوجتي مطلقة، أو ما أشبه ذلك، والحكم إلى الله، فما دام وجد لفظ الطلاق من إنسان عاقل، يعقل ويميز ويدري ما هو، فكونه يقول: أنا ما قصدت أنه يقع، فهذا ليس إليه بل إلى الله، هذا من جهة التعليل والنظر، أما من جهة الأثر فحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة» 1، وفي رواية: «والعتق» 2. وقال بعض أهل العلم: إنه لا يقع الطلاق من الهازل، وكيف يقع الطلاق من الهازل وهو لم يرِدْه، إنما أراد اللفظ فقط؟! وشنَّعوا على من قال بوقوع طلاق الهازل، فقالوا: أنتم تقولون: إنه هَزْلٌ، ليس بجد، فهو يضحك ويمزح، فكيف تقولون: يقع، وتعاملونه معاملة الجد؟!
ولكن الرد على هؤلاء أن نقول: إننا ما قلنا إلا ما دل عليه الدليل، والحديث صححه بعضهم وحسنه بعضهم، ولا شك أنه حجة فنحن نأخذ به، وهو قول عامة الأمة، ثم إن النظر يقتضيه؛ لأننا لو أخذنا بهذا الأمر، وفتحنا الباب لكان كل واحد يدعي هذا، لا يبقى طلاق على الأرض.
فالصواب: أنه يقع سواء كان جادّاً أو هازلاً، ثم إن قولنا بالوقوع فيه فائدة تربوية، وهي كبح جماح اللاعبين، فإذا علم الإنسان الذي يلعب بالطلاق وشبهه أنه مؤاخذ به فما يقدم عليه أبداً، والقول بأنه غير مؤاخذ به لا شك أنه يفتح باباً للناس، وتتخذ آيات الله هزواً.
فَإِنْ نَوَى بِطَالِقٍ مِنْ وَثَاقٍ، أَوْ فِي نِكَاحٍ سَابِقٍ مِنْهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ أَرَادَ طَاهِراً فَغَلِطَ لَمْ يُقْبَلْ حُكْمَاً، وَلَوْ سُئِلَ: أَطَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ؛ وَقَعَ، أَوْ أَلَكَ امْرَأَةٌ؟ فَقَالَ: لاَ، وَأَرَادَ الكَذِبَ فَلاَ.
قوله: «فإن نوى بطالق من وثاق» يعني إن نوى بكلمة «طالق» طالقاً من وثاق، فهل يقبل؟ يقول المؤلف: «لم يقبل حكماً» فإن قال لزوجته: أنت طالق، وقال: أنا ناوٍ طالقاً من وثاق، يعني ما قيدت يديك ورجليك، فنقول: اللفظ يحتمل ولكن لا يقبل حكماً؛ أي: عند المحاكمة، فإن رافعته وحاكمته ما يقبل؛ لأن ما يدعيه خلاف ظاهر لفظه؛ لأن القاضي إنما يحكم بالظاهر لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما أقضي بنحو ما أسمع» 1، فإذا لم تحاكمه وصدقته ووكلت الأمر إلى دينه فهي زوجته، وأما فيما بينه وبين الله فإنه يقبل.
فإذا قال قائل: هل الأولى للمرأة أن تحاكمه لتطلق، أو تصدقه فلا تطلق؟ في هذا تفصيل، إذا كان الزوج ممن يتقي الله عزّ وجل، وعلمنا أنه صادق بقوله: إنه أراد طالق من وثاق، فيحرم عليها أن تحاكمه؛ لأنها تعتقد أنه لم يطلقها وأنه صادق، وأما إذا كان الرجل لا يخاف الله عزّ وجل وهو رجل متهاون، فيجب عليها أن تحاكمه، فإن ترددت في ذلك فالأولى ألا تحاكمه؛ لأن الأصل بقاء النكاح.
قوله: «أو في نكاح سابق منه أو من غيره» قال: نعم أنا أردت أنت طالق، لكن في النكاح السابق، أي: أردت الخبر لا الإنشاء، فإن كانت لم تتزوج لم يقبل كلامه، وإن كان هو نفسه قد تزوجها من قبل، ثم طلقها لم يقبل حكماً إذا رافعته؛ لأن ما يدعيه خلاف الظاهر؛ إذ إن الظاهر أنه أراد طالق الآن.
قوله: «أو أراد طاهراً فغلط لم يقبل حكماً» أي: لو قال: أردت طاهراً فغلطت، بأن قال: أنت طالق، ثم قال: أردت أنت طاهر، لكن سبق لسانه، فهل يقبل أو لا؟ أما حكماً فلا يقبل، وأما فيما بينه وبين الله فيقبل.
قوله: «ولو سئل: أطلَّقت امرأتك؟ فقال: نعم، وقع» لأن معنى «نعم» أي: طلقتها، كما سئل أنس رضي الله عنه: أكان النبي صلّى الله عليه وسلّم
يصلي في نعليه؟ قال: نعم 1، يعني يصلي في نعليه.
قوله: «أو ألك امرأة؟ فقال: لا، وأراد الكذب فلا» فلو سئل: ألك امرأة؟ فقال: لا، فهذا فيه تفصيل: إن أراد الطلاق وقع، وإن أراد أن يكذب على الرجل فإنه لا يقع؛ لأن هذا خبر كاذب لا يقع به طلاق، وينبغي أن تخرج المسألة التي قبلها على هذه، بمعنى أنه إذا سئل: أطلقت امرأتك؟ فقال: نعم، فيقال: إذا أراد الكذب فإنه لا يقع وإن أراد الطلاق فإنها تطلق؛ لأنها كناية، والكناية لا يقع بها الطلاق إلا بنية أو قرينة، وعلى هذا فلا تطلق امرأته، سواء أراد الكذب، أو لم يرد شيئاً.
فصارت الأقسام ثلاثة، أن يريد الطلاق، أن يريد الكذب، ألا يريد شيئاً، فإذا أراد الطلاق وقع الطلاق، وإذا لم يرد شيئاً، أو أراد الكذب فلا طلاق؛ لأنه ليس بصريح.
فإذا قال قائل: إذا كان ليس بصريح، فلماذا توقعون الطلاق عليه؟ قلنا: لأن اللفظ يحتمله وقد نواه، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» 2، فما دام اللفظ يحتمله ونواه يقع، ولا مانع منه، أما إذا كان اللفظ لا يحتمله فإنه لا يقع به الطلاق، ولو نواه، مثل أن يقول: أنت طويلة، أو أنت قصيرة، وقال: نويت الطلاق فلا تطلق؛ لأن هذا اللفظ لا يحتمل الطلاق إطلاقاً؛ إذاً الكناية ما
يقع بها الطلاق إلا إذا كانت مما يحتمل الطلاق، أما ما لا يحتمله فليس بشيء.
قال في الروض: «وإن كتب صريح طلاق امرأته بما يبين وقع وإن لم ينوه؛ لأنها صريحة فيه» 1؛ لأن الكتابة صريح؛ لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282]، ولقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين، إلا ووصيته مكتوبة عنده» 2، فإذا كتبه بما يَبِين وقع الطلاق، مثل أن يكتب امرأتي فلانة طالق.
وقوله: «بما يَبِين» احترازاً مما لو كتبه بما لا يبين، مثل أن يكتب بأصبعه على الجدار: امرأتي فلانة طالق، أو كتب على الماء امرأتي فلانة طالق فلا يقع، ويوجد حِبْر الآن يبين لكن يبقى عشر ثوانٍ ويمحى، فظاهر كلام الفقهاء أنه إن كان يبين ولو لحظة فهو طلاق.
قال في الروض: «فإن قال: لم أرد إلا تجويد خطي، أو غَمَّ أهلي قُبل» 3، أي قال: أنا أود أن أتعلم الكتابة، وكتبت امرأتي فلانة طالق، وما أردت إلا هذا، فإنه يُقبل، أو قال: أردت إذا رأت الورقة أن تغتم، وما أردت الطلاق، يقولون: إنه
يقبل منه، مع أنهم يقولون: إن الكتابة صريح، والصريح أقل أحواله أن يُدَيَّنَ صاحبه؛ بمعنى أننا نقبله إن رضيت المرأة به، وإلا فالحاكم يُلزمه بالطلاق، والسبب في أنهم فرقوا بين الكتابة واللفظ في هذا المقام أن العادة أن الذي يريد أن يكتب طلاق امرأته فإنه لا يأتي به هكذا، بل لا بد أن يأتي بشهود، ويكون مؤرخاً، ويكون له شأن، فهذا الظاهر والله أعلم، وإلا فعند التأمل فلا فرق بينهما.
فلو طلبت المرأة منه الطلاق، وكتب الطلاق، وقال: أردت غم أهلي، أو إجادة الكتابة فلا يقبل؛ لأن القرينة تكذبه.
أو طلبت امرأة من زوجها أن يكتب طلاقها، فقال: لا بأس أنا أكتب الطلاق، ولكن بشرط أنك تحفظينه عندك حتى لا يطلع عليه أحد، فكتب: أقول، وأنا كاتب الأحرف فلان ابن فلان: إذا اشتاقت امرأتي إليَّ فلتتفضل، وأعطاها الورقة، فظنت أن هذا هو الطلاق، فلما مضت العدة قالت لأهلها: إن زوجها طلقها، فلما فتحوا الورقة فإذا المسألة خلاف الطلاق.
فهذه يسمونها تورية، ظاهرها بالنسبة لها أنه طلق، وهو في الحقيقة ما طلق.
ولو قالت له امرأته: طلقني، فقال: بعد يومين أو ثلاثة، فإذا مضى اليومان أو الثلاثة ولم يطلق فما يكون شيئاً؛ لأن الوعد ليس إيقاعاً، وهذه دائماً تقع عند الناس، يقول مثلاً: اذهبي لأهلك وأنا أكتب ورقتك، أو تلحقك ورقتك، ثم بعد ذلك لا يكتب الطلاق، فإذا لم ينوِ الطلاق في قوله: اذهبي لأهلك، فإنه
يعتبر وعداً، إن كتبه فيما بعد وقع الطلاق، وإلا فلا.
ومثله ـ أيضاً ـ لو جاء إلى كاتب وقال له: اكتب طلاق زوجتي فلانة، فهل تطلق بهذا القول أو ما تطلق حتى يكتب؟
نقول: إن كان يريد منه أن يكتب طلاقاً سابقاً وقع منه، فهذا وقع الطلاق بالكلام السابق، ويكون الأمر هنا للتوثيق فقط.
أما إذا قال: اكتب طلاق زوجتي، كتوكيل له أن يطلقها الآن، فإنها لا تطلق حتى يكتبه؛ لأنه وكله في إيقاع الطلاق بالكتابة، ولم تحصل، فنقول: ما دام لم يكتب فلا يكون شيئاً.
ولهذا إذا قال: اكتب طلاق زوجتي فللكاتب أن يقول: هل هي طاهر طهراً لم تمسها فيه؟ هل هي حائض؟ هل هي حامل؟ حتى يتبين الوقت الذي يحل فيه الطلاق ثم يكتب على حسبه، وله ـ أيضاً ـ أن يشير عليه، فيقول: انتظر، فإن الله يقول: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19].
فَصْلٌ
وَكِنَايَاتُهُ الظَّاهِرَةُ نَحْوُ: أَنْتِ خَلِيَّةٌ، وَبَرِيَّةٌ، وَبَائِنٌ، وَبَتَّةٌ، وَبَتْلَةٌ، وَأَنْتِ حُرَّةٌ، وَأَنْتِ الْحَرَجُ،
................................................
قوله: «وكناياته الظاهرة» الطلاق له صريح وكناية، الصريح تقدم، وهو «لفظ الطلاق وما تصرف منه غير أمر، ومضارع، ومطلِّقة اسم فاعل»، وسبق لنا أن الصريح هو الذي لا يحتمل غيره، والكناية ما تحتمله وغيره؟ ولهذا قال الناظم:
وكُلُّ لفظٍ لِفِراقٍ احْتَمَلْ ... فَهُو كِنَايَةٌ بِنِيَّةٍ حَصَلْ
أي: كل ما يحتمل الفراق فهو كناية، «بنية حصل» أي مع النية يحصل الطلاق، لكن فقهاؤنا ـ رحمهم الله ـ قسموها إلى قسمين، ظاهرة وخفية، فالظاهرة تختلف عن الخفية في أنها صريحة في البينونة، ولهذا يوقعون بها ثلاثاً، والخفية غير صريحة في البينونة فلا يوقعون بها إلا واحدة، ما لم ينوِ أكثر، ولا دليل على هذا التقسيم كما سنبينه إن شاء الله، لكن يقال: الكنايات نوعان: كنايات بينة قريبة من معنى الطلاق، وكنايات بعيدة، وحكمها واحد.
قوله: «نحو: أنت خلية، وبرية، وبائن، وبتة، وبتلة، وأنت حرة، وأنت الحرج» هذه الألفاظ التي عدوها ليست على سبيل الحصر؛ لأننا قلنا: هي التي تحتمل الطلاق وغيره، فإن دلت على البينونة فهي ظاهرة، وإلا فخفية.
وقوله: «أنت خلية» على وزن فعيلة، اسم مفعول، يعني مخلاة، فلو قال: أنا أردت خَلِيَّةَ نَحْلٍ، قلنا: كيف تكون امرأة خلية نحل؟ قال: نعم؛ لأن عندها أشياء كثيرة، فخلية النحل فيها
العسل، وفيها الشمع، وفيها بيض النحل، وغير ذلك، فنقول: ما يقع الطلاق؛ لأنه بالكناية ما يقع إلا بنية، لكن في لغتنا نحن في القصيم يعتبرونها صريحاً، حتى العامة ما يقولون: فلان طلق زوجته، يقولون: فلان خلى زوجته، فهي عندهم صريح، وقد سبق لنا في كتاب البيع أن الصواب ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الألفاظ ثياب للمعاني، وإذا كانت ثياباً لها فإنها تختلف بحسب العرف والزمان، فثياب الناس هنا في المملكة العربية السعودية غير ثياب الناس في أفريقيا مثلاً، وغير ثياب الناس في مصر، أو سورية أو ما أشبه ذلك، فإذاً قد يكون اللفظ عند قوم صريحاً، وعند قوم كناية غير صريح، بل قد يكون عند قوم لا يدل عليه أصلاً، وهذا الذي قاله شيخ الإسلام هو الصحيح بلا ريب.
وقوله: «برية» هذه كناية غريبة «أنت برية» لا أحد يخطر بباله أن المعنى طالق؛ لأن الذي يخطر بالبال أنها برية من مرض، برية من تهمة فيها، برية من الحمل، برية من الدَّيْن الذي عليها، لكن مع ذلك يقولون: برية كناية عن الطلاق، يعني بريئة من حقوق الزوج عليكِ، ولا تبرأ من حقوق الزوج عليها إلا إذا كانت طالقاً.
وقوله: «بائن» كناية قريبة أقرب من برية بلا شك، يعني منفصلة عن الأزواج.
وقوله: «بتة» كناية ظاهرة؛ لأنها من البت بمعنى القطع، يقال: بت في هذا الأمر يعني قطع فيه ونفذه، فأنت بتة، يعني منقطعة عن الزوج.
وقوله: «بتلة» يقولون: بتلة بمعنى بتة، يعني مقطوعة، والآن لو أن شخصاً قال لزوجته: أنت بتلة، فلا يفهم أن هذا طلاق، ومع ذلك يرونها كناية ظاهرة.
وقوله: «أنت حرة» عندي أنها بعيدة إلا إذا سألت الطلاق، بل حتى لو سألته وألحت عليه وقال: أنت حرة، فأنا عندي أنه ما يتم الطلاق أبداً، وأنَّ فهم الطلاق منها بعيد، لكن هم يقولون: إنها حرة؛ لأن الزوج بالنسبة للمرأة سيد، كما قال تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: 25]، فهي عنده بمنزلة الأمة، والرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال: «إنهن عوان عندكم» 1، فإذا قال: أنت حرة، أي: فما لأحد عليك سلطان، فمعناه أن لا زوج لها.
وقوله: «أنت الحرج» هذه قريبة؛ لأن الناس يفهمون أنت الحرج، يعني أنت حرام علي؛ لأن الحرج هو الحرام، أو شبهه، فهذه كناية قريبة يراد بها الطلاق.
فعندنا سبع كلمات: خلية، برية، بائن، بتة، بتلة، حرة، حرج، لكن مع ذلك ليست على سبيل الحصر، إذن لا بد لنا من ضابط، وهو أن كل لفظ احتمل الفراق على وجه البينونة فهو كناية ظاهرة، وسبق لنا أن الأعراف تختلف فإننا ننزل الضابط على حسب عرف هذا الزوج، فنقول: ما عرفك؟ ماذا يراد بكلمة كذا في عرفك؟ فإن قال: يراد بهذا أنها بانت منه، نقول: إذاً هو من الكنايات الظاهرة.
وَالخَفِيَّةُ نَحْوُ: اخْرُجِي، وَاذْهَبِي، وَذُوقِي، وَتَجَرَّعِي، وَاعْتَدِّي، وَاستَبرِئِي، وَاعْتَزِلِي، وَلَسْتِ لِي بِامْرَأَةٍ، وَالْحَقِي بِأَهْلِكِ، وَمَا أَشْبَهَهُ،
........
قوله: «والخفية نحو: اخرجي» أي: من البيت، مع أن كثيراً من الناس إذا غضب على زوجته يقول: اخرجي، وما قصده الطلاق، بل قصده أن تذهب عنه، لكن مع ذلك يقولون: إنه من الكناية.
قوله: «واذهبي» مثل اخرجي.
قوله: «وذوقي» إذا جاءت مجردة عن قرينة فإنها تكون كناية، فإذا قال: أنا أردت بقولي ذوقي الطلاق وألم الفراق نقبل منه؛ لأنه يحتمل؛ لأن الشيء الذي يؤلم الإنسان يقال: ذقه، كما قال الله تعالى: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ﴾ [السجدة: 20].
قوله: «وتجرعي» مثل ذوقي؛ لأن الله تعالى قال في عذاب أهل النار: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم: 17].
قوله: «واعتدي» هذا واضح وظاهر، لكنها ليست كناية ظاهرة؛ لأن العدة ليست مقصورة على البينونة، فعندنا عدتان غير بائنتين، الطلقة الأولى، والطلقة الثانية، فإذا قال: اعتدي، قلنا: واضح أن كلمة «اعتدي» يراد بها الطلاق؛ لأنه لا عدة إلا بعد الطلاق، لكنها من الكنايات الخفية؛ لأن الظاهرة ليس معناها الظاهرة في المعنى، بل الظاهرة هي التي تحتمل الفراق على وجه البينونة، و «اعتدي» ما تدل على الفراق على وجه البينونة.
قوله: «واستبرئي» أيضاً من الكنايات الخفية، والفرق بينها وبين «أنت برية» أي: من حقوق الزوج عليك، ولا تبرأ من حقوق الزوج على وجه الإطلاق إلا بفراق بائن، لكن استبرئي من
الاستبراء، ومعناه التربص الذي يعلم به براءة الرحم، وهذا ظاهر أنه يريد به الاعتداد إذ لا استبراء إلا بطلاق.
قوله: «واعتزلي» ـ أيضاً ـ كناية؛ ووجه دلالتها على الطلاق أن الطلاق عزلة في الواقع، وإن كان قوله: «اعتزلي» يحتمل كوني في فراش، وأنا في فراش، أو في منزل، وأنا في منزل، لكن ما دام أنه يحتمل الفراق نجعله من كناية الطلاق.
قوله: «ولست لي بامرأة» هذه في الحقيقة تقرب من البينونة؛ لأن الرجعية حكمها حكم الزوجات، فإذا طلق الإنسان امرأته مرة واحدة تبقى في بيته تتشرف له، وتتزين له، وتتطيب له، وتكشف الوجه والذراع والعضد والصدر والبطن، لكن إذا كانت بائناً تحتجب عنه مثل ما تحتجب عن الأجنبي، فإذا قال: لست لي بامرأة، فظاهر الحال أنها بينونة، وهذه عند الفقهاء يقولون: إنها من الكنايات الخفية، وهي إلى الكنايات الظاهرة أقرب، لكن قد يقول: أنا أريد بقولي: «لست لي بامرأة» أنك تعاندين وتعصين أمري، والمرأة عادة لا تعاند ولا تعصي، وعملك معي ليس من عمل المرأة مع زوجها، فنقول: هذا محتمل، ولهذا قلنا: ليس بصريح بل هو من باب الكنايات الخفية.
قوله: «والحقي بأهلك» اذهبي إلى أهلك، فهذه كناية خفية.
قوله: «وما أشبهه» 1.
وَلاَ يَقَعُ بِكِنَايَةٍ وَلَوْ ظَاهِرَةً طَلاَقٌ إِلاَّ بِنِيَّةٍ مُقَارِنَةٍ لِلَّفْظِ إِلاَّ حَالَ خُصُومَةٍ، أَوْ غَضَبٍ، أَوْ جَوَابِ سُؤَالِهَا،
....................
قوله: «ولا يقع بكناية ولو ظاهرة طلاق إلا بنية» الحمد لله هذه نعمة، فكل هذه الألفاظ لا يقع فيها الطلاق إلا بنية، بأن ينوي بقوله: «أنت خلية» مطلقة، وبقوله: «اخرجي» أي: من بيتي، فلست لي بامرأة.
قوله: «مقارنة للفظ» النية إما أن تسبق اللفظ بزمن بعيد، وإما أن تكون بعده، وإما أن تكون مقارنة، أو قبله بيسير، فإن كانت سابقة مثل أن نوى أن يطلقها أمس، واليوم قال لها: اخرجي، لكن غاب عن ذهنه النية؟ فلا تطلق، بل لا بد أن تكون مقارنة، أو قريبة، ولو قال: اذهبي، أو اخرجي، أو اعتزلي، أو ما أشبه ذلك، ثم نوى الطلاق فما يقع؛ لأنه حين تلفظ بها لم ينوِ الطلاق، والمؤلف يقول: إلا بنية مقارنة للفظ.
ولو نوى أن يطلق بدون لفظ لا يقع الطلاق، ولو حدّث نفسه دون لفظ أنها طالق فلا تطلق.
فالنية تارة تتقدم كثيراً، وتارة تتقدم بزمن يسير، وتارة تقارن، وتارة تتأخر، فالأقسام أربعة، فإذا تقدمت كثيراً لا يقع الطلاق، وإذا تأخرت ولو يسيراً لا يقع الطلاق، وإذا تقدمت يسيراً أو قارنت اللفظ يقع الطلاق.
قوله: «إلا حال خصومة أو غضب أو جواب سؤالها» هذه ثلاث أحوال يقع بها الطلاق بالكناية بلا نية.
فقوله: «خصومة» يعني مع زوجته، فقال: اذهبي لأهلك يقع الطلاق، وإن لم ينوه؛ لأن لدينا قرينة تدل على أنه أراد فراقها.
وقوله: «أو غضب»، أي: حال غضب ولو بدون خصومة، كأن يأمرها أن تفعل شيئاً فلم تفعل فغضب، فقال: اذهبي لأهلك يقع الطلاق، وإن لم ينوه.
وقوله: «أو جواب سؤالها» يعني قالت: طلقني، قال: اذهبي لأهلك يقع الطلاق.
ووقع الطلاق في الأحوال الثلاث؛ لأنها قرائن تدل على إرادة الطلاق، ولهذا قال:
فَلَوْ لَمْ يُرِدْهُ، أَوْ أَرَادَ غَيْرَهُ فِي هذِهِ الأَحْوَالِ لَمْ يُقْبَلْ حُكْماً، وَيَقَعُ مَعَ النِّيَّةِ بِالظَّاهِرَةِ ثَلاَثٌ، وَإِنْ نَوَى وَاحِدةً، وَبِالْخَفِيَّةِ مَا نَوَاهُ.
«فلو لم يرده» أي: الطلاق في هذه الحال، فقال: أنا ما أردت الطلاق.
قوله: «أو أراد غيره في هذه الأحوال» بأن قال: أردت بقولي: اذهبي لأهلك أن ينطفئ غضبي، وينطفئ غضبها، ولم أرد الطلاق.
قوله: «لم يقبل حكماً» إن رافعته إلى الحاكم طَلَّق عليه، أما بينه وبينها فلا يقع الطلاق.
ولكن الصحيح أن الكناية لا يقع بها الطلاق إلا بنية، حتى في هذه الأحوال؛ لأن الإنسان قد يقول: اخرجي أو ما أشبه ذلك غضباً، وليس في نيته الطلاق إطلاقاً، فقط يريد أن تنصرف عن وجهه حتى ينطفئ غضبهما، وقد تلح عليه تقول: طلقني، طلقني، فيقول: طالق، وهو ما يريد الطلاق، لكن يريد طالق من وثاق، أو طالق إن طلقتك فيقيده بالشرط، فعلى كل حال الصحيح أنه لا يقع إلا بنية.
قوله: «ويقع مع النية بالظاهرة» يعني بالكناية الظاهرة.
قوله: «ثلاث وإن نوى واحدة» يعني في الحال التي يقع فيها الطلاق بالكناية الظاهرة فإنه يقع ثلاث طلقات، فتبين بها.
قوله: «وبالخفية ما نواه» يعني يقع واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً، هذا هو المشهور من المذهب.
فإذا قال لزوجته: أنت خلية، ونوى الطلاق يقع ثلاثاً، مع أنه ما نوى العدد بل نوى الطلاق فقط، فتبين منه؛ لأن «خلية» من الكنايات الظاهرة، ولو قال: أنت بائن، ونوى الطلاق يقع ثلاثاً، ولو نوى واحدة؛ لأن هذه الألفاظ كناية ظاهرة موضوعة للبينونة فتقع بها الثلاث، أما إذا قال: اخرجي أو اعتدي أو استبرئي وما أشبهها فيقع ما نواه، واحدة، أو اثنتين، أو ثلاثاً، فإن لم ينوِ عدداً فواحدة، فصار الفرق بين الظاهرة والخفية: أنه إذا وقع الطلاق بالكناية الظاهرة فإنه يكون ثلاثاً تبين بها، وإذا وقع بالخفية فإنه يقع ما نواه، فإن لم ينوِ شيئاً فواحدة، وهذا مبني على وقوع الطلاق الثلاث جملة، وسبق الصواب وأنه لا يوجد طلاق ثلاث إلا بتكرار بعد رجعة، أو عقد جديد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو الصحيح، وإذا كان باللفظ الصريح لا يقع المكرر إلا واحدة فبالكناية من باب أولى.
وقوله:
«وإن نوى واحدة» إشارة إلى خلاف في المسألة، فإن بعض أهل العلم ـ ومنهم بعض أصحابنا رحمهم الله ـ يقولون: إنه إذا نوى واحدة بالظاهرة لم يقع إلا واحدة، ودليلهم قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» 1، فإذا قال لزوجته: أنت خلية، أو برية، أو بائن، وما أشبه ذلك ونوى واحدة فإنها لا تقع إلا واحدة.
وقيل: لا يقع بالظاهرة ـ أيضاً ـ إلا واحدة ما لم ينوِ أكثر، وهذا غير القول الثاني.
فالمذهب يقع ثلاثاً ولو نوى واحدة.
والقول الثاني: يقع ثلاثاً إلا أن ينوي واحدة.
والقول الثالث: يقع واحدة إلا أن ينوي ثلاثاً، فإذا قال: أنت خلية ولم ينوِ شيئاً يقع واحدة على القول الثالث، ويقع ثلاثاً على القول الثاني، وعلى الأول ـ أيضاً ـ من باب أولى، فإن قال: أنت خلية ونوى واحدة وقع على الثالث والثاني واحدة، وعلى الأول ثلاثاً، فتبين أن بين الأقوال الثلاثة فرقاً، ولكن الصحيح أنه لا يقع إلا واحدة حتى لو نوى ثلاثاً؛ لأننا نقول: إن الطلاق ما يتكرر إلا بتكرره فعلاً، ولا يتكرر فعلاً إلا إذا وقع على زوجة غير مطلقة.
والخلاصة أن هنا مقامين: المقام الأول هل يقع بالكناية الطلاق؟ والمقام الثاني كم يقع بها؟ فعلى المذهب نقول في المقام الأول: يقع بها الطلاق، إما بالنية، أو بالقرينة، والقرينة ذكر المؤلف لها ثلاث صور، وهي الغضب، والخصومة، وجواب السؤال.
وأما المقام الثاني فالمذهب أن الظاهرة يقع بها ثلاثاً فتكون بينونة كبرى، وأما الخفية فيقع بها ما نوى، والصحيح أنه لا يقع بها ظاهرة كانت أو خفية إلا واحدة، ولو نوى أكثر.
فَصْلٌ
وإنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، أَوْ كَظَهْرِ أُمِّي؛ فَهُوَ ظِهَارٌ، وَلَوْ نَوَى بِهِ الطَّلاَقَ، وَكَذلِكَ مَا أَحَلَّ اللهُ عَلَيَّ حَرَامٌ،
.......................
قوله: «وإن قال: أنت علي حرام» هذه الكلمة أهم ما في الباب، فإذا قال: أنت علي حرام يخاطب زوجته، فهذا لا يخلو من ثلاث حالات، إما أن ينوي الطلاق، أو الظهار، أو اليمين.
وعلى القول الراجح إذا قال لزوجته: أنت علي حرام، ونوى به الخبر دون الإنشاء، فإننا نقول له: كذبت، وليس بشيء؛ لأنها حلال، كما لو قال: هذا الخبز عليَّ حرام، يريد الخبر لا الإنشاء، فنقول: كذبت، هذا حلال، لك أن تأكله.
وإذا نوى الإنشاء، أي: تحريمها، فهذا إن نوى به الطلاق فهو طلاق؛ لأنه قابِلٌ لأن يكون طلاقاً، وإن نوى به الظهار فهو ظهار، وإن نوى به اليمين فهو يمين، والفرق بين هذه الأمور الثلاثة، أنه إذا نوى به اليمين فهو ما نوى التحريم، لكن نوى الامتناع، إما معلقاً وإما منجزاً، مثل أن يقول: إن فعلت كذا فأنت علي حرام، فهذا معلق، لا يقصد أن يحرم زوجته، بل قصده أن تمتنع زوجته من ذلك، وكذلك أنت علي حرام قصده أن يمتنع من زوجته، فنقول: هذا يمين لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *﴾ ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 1، 2]، فقوله: ﴿مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ «ما» اسم موصول يفيد العموم فهو شامل للزوجة، وللأمة، وللطعام، والشراب، واللباس، فحكم هذا حكم اليمين، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «إذا قال لزوجته: أنت علي حرام فهي يمين يكفرها» 1، وهذه هي الحال الأولى.
الحال الثانية: أن ينوي به الطلاق، فينوي بقوله: أنت علي حرام أن يفارقها، فهذا طلاق لأنه صالح للفراق، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» 2.
الحال الثالثة: أن يريد به الظهار، أي: أنها محرمة عليه فهذا موضع خلاف بين العلماء:
قال بعض العلماء: إنه يكون ظهاراً؛ لأن معنى قول المظاهر لزوجته: أنت علي كظهر أمي، أنت حرام، لكنه شبَّهه بأعلى درجات التحريم، وهو ظهر أمه؛ لأن أشد ما يكون حراماً عليه أمه.
وقال بعض العلماء: لا يكون ظهاراً؛ لأن قولك: أنت علي كظهر أمي ليس مثل قولك: أنت علي حرام، فالأول أبشع وأقبح، فيختص الحكم به ولا يقاس عليه ما دونه، لكن الذي يظهر ـ والله أعلم ـ أنهما سواء، يعني وطأَك علي حرام، كما تحرم علي أمي، فيكون ظهاراً.
قوله: «أو كظهر أمي فهو ظهار ولو نوى به الطلاق» لأن هذا هو ما جاء به القرآن، ولو قلنا: إن الرجل إذا قال لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي ونوى به الطلاق إنه طلاق، لَكُنَّا حكمنا في
الظهار بحكم الجاهلية؛ لأنهم في الجاهلية يرون أن قول الإنسان لزوجته: أنت علي كظهر أمي طلاق، ولكن الشرع خالفهم في هذا وجعله ظهاراً، فالإنسان إذا أتى بصريح الظهار فهو ظهار، ولو نوى به الطلاق، فنقول: الزوجة باقية في ذمتك، ولا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به من الكفارة، وهل نقول: ما لم يجرِه مجرى اليمين، بأن قال: إن فعلت كذا فزوجتي علي كظهر أمي؟ فالجواب: نعم، على القول الراجح أنه قد يُجرى مَجرى اليمين، أي: منع نفسه، ولم يرد أن يحرم زوجته ويجعلها كظهر أمه لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» 1.
لكن قوله: «أنتِ علي حرام»، لا تساوي «أنت علي كظهر أمي»، لأن عندنا نصاً في القرآن، يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1]، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2]، فجعل الله التحريم يميناً، وإخراج الزوجة من هذا العموم يحتاج إلى دليل، ولا دليل.
إذن على المذهب يجعلون قول الإنسان: أنت عليَّ حرام كقوله: أنت عليَّ كظهر أمي، فيجعلونه ظهاراً في كل حال، ولو نوى به الطلاق، فإذا جاء رجل يستفتينا يقول: إني قلت لزوجتي: أنت عليَّ حرام، فعلى المذهب ما نقول: ماذا نويت؟ بل نقول: أنت مظاهر، فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به، أما على القول الصحيح فإننا نقول: ماذا نويت؟
قوله: «وكذلك ما أحل الله عليَّ حرام» «ما» مبتدأ، وخبره
«حرام» و «ما» عام لكل ما أحل الله، فيدخل فيه الزوجة وإن لم يواجهها به صريحاً، فهذا ليس كالأول، فإن اقترن به شيء يدل على ما نوى عملنا به، وإلا فنجعله ظهاراً؛ لأن المؤلف يقول: «وكذلك» و «الكاف» للتشبيه و «ذا» اسم إشارة يعود على ما سبق من قوله: «أنت علي حرام» يعني وكذلك إذا قال: «ما أحل الله علي حرام» فهو ظهار.
وأما بالنسبة للطعام والشراب واللباس فهو يمين، فتبعَّضَ الحكمُ، وصارت هذه الكلمة لشيء يميناً، ولشيء ظهاراً، والذي نرجحه أنه يمين.
وَإِنْ قَالَ: مَا أَحَلَّ اللهُ عَلَيَّ حَرَامٌ، أَعْنِي بِهِ الطَّلاَقَ طَلَقَتْ ثَلاَثاً، وَإِنْ قَالَ: أَعْنِي بِهِ طَلاَقاً فَوَاحِدَةً، وَإِنْ قَالَ: كَالمَيْتَةِ، وَالدَّمِ، وَالخِنْزِيرِ وَقَعَ مَا نَوَاهُ، مِنْ طَلاَقٍ، وَظِهَارٍ، وَيَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئاً فَظِهَارٌ، وَإِنْ قَالَ: حَلَفْتُ بِالطَّلاَقِ، وَكَذَبَ لَزمَهُ حُكْمَاً،
.........................
قوله: «وإن قال: ما أحل الله عليَّ حرام» فهو يمين على الراجح حتى لو نوى الزوجة، إلا إن وصله بقوله:
«أعني به الطلاق طلقت ثلاثاً» هذه المسألة أخف من الأولى، فإذا قال: ما أحل الله علي حرام أعني به الطلاق، يكون طلاقاً ثلاثاً؛ لأنه أتى بـ «أل» الدالة على العموم، وليست للجنس مع أنه يحتمل أن تكون للجنس، لكن يقولون: الأصل في «أل» أنها للعموم؛ فإذا قال: الطلاق يعني الطلاق كله وهو الطلاق الثلاث.
قوله: «وإن قال: أعني به طلاقاً فواحدة» «طلاقاً» نكرة في سياق الإثبات فتكون مطلقة؛ لأن النكرة في سياق الإثبات للإطلاق وليست للعموم، والمُطْلَق يصدق بواحدة؛ فإذا قال: أعني به طلاقاً يقع الطلاق ويكون واحدة.
والصحيح في هذه المسألة أنها تطلق طلقة واحدة، ولو قال: أعني به الطلاق؛ لأن الطلاق الثلاث لا يقع إلا إذا كانت كل واحدة مستقلة عن الأخرى.
قوله: «وإن قال: كالميتة والدم والخنزير وقع ما نواه، من طلاق وظهار ويمين» هذا هو اللفظ الثالث، أن يقول لزوجته: أنت عليَّ كالميتة، أو كالخنزير، أو كالدم، أو كالكلب، أو كالهر، أو ما أشبه ذلك من المحرمات، فإن قال: نويت الطلاق فهو طلاق، وإن قال: نويت الظهار فظهار، وإن قال: نويت اليمين فهو يمين.
قوله: «وإن لم ينو شيئاً فظهار» إن قال لزوجته: أنت كالميتة، ولم ينوِ شيئاً يحمل على أنه ظهار؛ لأنه نص في التحريم، والأصحاب ـ رحمهم الله ـ يرون أن تحريم المرأة ظهار، وقد بينا الصواب فيما سبق، وأن تحريم المرأة يمين إلا أن يكون بلفظ الظهار.
قوله: «وإن قال: حلفت بالطلاق وكذب» أي: وقد كذب.
قوله: «لزمه حكماً» إذا قيل: لزمه حكماً صار لا يلزمه باطناً فيما بينه وبين الله، لكن لو حاكمته الزوجة لزمه، مثال ذلك: قال له شخص: ادخل لتتعشى، فقال: أنا حالف بالطلاق ألا أدخل، وهو كاذب، فإن حاكمته إلى القاضي ألزم بالطلاق، وإن لم تحاكمه فلا شيء عليه، وهل الأولى أن تحاكمه أو أن تتركه؟ تفصيل: إن علمت من زوجها أنه رجل ورع صادق حرم عليها أن
تحاكمه؛ لأنها لو حاكمته لأدى إلى التفريق بينهما، وإن علمت أنه رجل لا يبالي ولا يهتم بهذه الأمور، ليس أكبر همه إلا أن تعود زوجته إليه، فهذا يجب عليها أن تحاكمه، فإن ترددت فالأولى ألا تحاكمه.
وَإِنْ قَالَ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ مَلَكَتْ ثَلاَثاً، وَلَوْ نَوَى وَاحِدَةً، وَيَتَرَاخَى مَا لَمْ يَطَأْ أَوْ يُطَلِّقْ أَوْ يَفْسَخْ،
.................................
قوله: «وإن قال: أمرك بيدك» رجل قال لزوجته: أمرك بيدك، «أمر» هنا بمعنى شأن، وهو مفرد مضاف فيكون عاماً، فيكون كل أمرها بيدها، ومن جملته أن تطلق نفسها ثلاثاً؛ لأن هذا من أمرها، وهذا من الفروق بين أن يقول لزوجته: أمرك بيدك، وبين أن يقول: وكلتك في طلاق نفسك، فإذا قال: وكلتك لم تملك إلا واحدة، وإذا قال: أمرك بيدك، مسكت أربعة خيارات، أن لا تختار شيئاً، وأن تطلق واحدة، وأن تطلق ثنتين، وأن تطلق ثلاثاً، ولهذا قال: «ملكت ثلاثاً ولو نوى واحدة».
وقيل: إنه على حسب نيته؛ لأن قوله: أمرك بيدك توكيل، والوكالة على حسب نية الموكل، ولو قيل في هذه المسألة: إنه يُدَيَّنُ كغيرها من شبيهاتها، فيقال: عندنا لفظ ظاهر ونية باطنة، اللفظ الظاهر هو: أمرك بيدك، والنية الباطنة، فإذا لم ترافعه إلى الحاكم رجعنا إلى قوله وإلى نيته.
قوله: «ويتراخى» يعني إن شاءت طلقت في الحال، وإن شاءت طلقت بعد يومين، أو ثلاثة، أو أربعة على التراخي، فحينئذٍ نقول: إذا قالت في المجلس: طلقت نفسي ثلاثاً طلقت، ولو تفرقوا وبعد مدة قالت: طلقت نفسي ثلاثاً يقع.