ومن كتاب القضاء (1) والدعاوى
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البهوتي
- الكتاب
- المِنَحُ الشَّافِيات بِشَرْحِ مُفْردَاتِ الإمَامِ أحْمَد
- المؤلف
- منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتى الحنبلى (المتوفى: 1051هـ)
- المحقق
- أ. د. عبد الله بن محمد المُطلَق
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1427 هـ - 2006 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
القضاء في الأصل: إحكام الشيء والفراغ منه، ويكون بمعنى إمضاء الحكم وسمي الحاكم قاضيًا، لأنّه يحكم الأشياء ويفصلها.
والدعاوى: جمع دعوى وهي إضافة الإنسان إلى نفسه استحقاق شيء في يد غيره أو ذمته.
وأجمع المسلمون على مشروعية 2 نصب القضاة والحكم بين النَّاس لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله﴾ [المائدة: 49]، وقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [هـ: 26]، وللأخبار 3 ويأتي بعضها.
ونصب قاض عندنا ما فرضا ... وعكس الشيخان ذا ونقضا
أي: نصب القاضي سنة 4 نصر القاضي وأصحابه 5، وقال الشيخان: فرض كفاية وهو المذهب وعليه جمهور الأصحاب وقطع به في التنقيح والإقناع والمنتهى وغيرها؛ لأنّ 6 أمر النَّاس لا يستقيم 7 بدونه فكان واجبًا1
عليهم كالجهاد والإمامة قال أحمد: لا بد للناس من حاكم: أتذهب 1 حقوق النَّاس 2؟.
يقبل بعد العزل قول القاضي ... كنت حكمت مطلقًا في الماضي
أي: يقبل قول القاضي بعد عزله إذا كان عدلًا لا يتهم كنت حكمت لفلان على فلان بكذا حيث كان ممّن 3 يسوغ حكمه له به قال إسحاق.
وقال أكثر الفقهاء: لا يقبل قوله، لأن 4 من لا يملك الحكم لا من يملك الإقرار به كمن أقر بعتق عبده بعد بيعه 5.
ولنا: أنَّه لو كتب إلى غيره ثمّ عزل ووصل الكتاب بعد عزله لزم المكتوب إليه قبوله بعد عزل كاتبه فكذلك هذا، ولأنّه أخبر بما حكم به وهو غير متهم فيجب قبوله كحال ولايته، وسواء ذكر سنده 6 أو لا ولو أن العادة تسجيل 7 أحكامه وضبطها بشهود قال القاضي مجد الدين: ما لم يشتمل على إبطال حكم حاكم 8 وحسنه القاضي مجد الدين 9 بن نصر الله.
ومثبت الحق على الغياب ... أو طفل أو غير ذوي الألباب
فحقه يعطى بلا استحلاف ... مع الشهود ذا من الإنصاف
يعني: إذا أدعى على غائب مسافة قصر أو على طفل أو مجنون أو ميت وأقام 1 بينة تامة أعطي حقه ولم يحلف مع بينته 2 يمين الاستظهار 3 على الصّحيح من المذهب.
وقال الشّافعيّ وغيره: يحلف، لأنّه يجوز أن يكون استوفى ما قامت به البينة أو ملكه العين الّتي قامت بها البينة، ولأن الحاكم مأمور بالاحتياط 4.
ولنا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه" 5، ولأنّها بينة عادلة فلم يجب اليمين معها كما لو كانت على حاضر مكلف.
عين بيد الغير مذ تداعيا 6 ... أقر لكن قال: لست واعيًا
من منهما؟ بلا شهود يقرع ... وحلف القارع أيضًا يشرع
يعني: إذا ادعى اثنان عينا بيد غيرهما فقال: لا أعرف صاحبها، أو قال: هي لأحدهما ولا أعرف عينه، ولا بينة أقرع بينهما، فمن خرجت له
القرعة حلف أن العين له وأخذها، لما روى أبو هريرة: "أن رجلين تداعيا عينا لم يكن لواحد منهما بيِّنة فأمرهما النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يستهما 1 على اليمين أحبا أو كرها" 2، رواه أبو داود 3، ولأنّهما تساويا في الدعوى ولا بينة لواحد منهما ولا يد، والقرعة يتميز 4 عند التساوي، كما لو أعتق عبيدًا لا مال له 5 غيرهم في مرض موته 6. وإن يكونا قد أقاما بينة ... تعارضا والقرعة المبينة يعني: إذا ادعيا عينا ليس 7 بيديهما وهي بيد غيرهما كما تقدّم 8 وأقام كلّ منهما بينة 9 بها تعارضت بينتاهما وتساقطتا وأقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حلف وأخذها روي 10 عن ابن 11 عمر وابن الزبير، وبه قال إسحاق وأبو عبيد، وهو 12 رواية عن مالك وقديم قول 13 الشّافعيّ لما روى ابن المسيّب أن رجلين اختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمر وجاء كلّ منهما بشهود عدول على عدة واحدة فأسهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما رواه الشّافعيّ في مسنده 14، ولعدم المرجح.
وقال أبو حنيفة: تقسم العين بينهما، وهو قول الشّافعيّ: (لما روى أبو موسى: "أن رجلين اختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعير فأقام كلّ واحد منهما شاهدين فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالبعير بينهما 1 " 2 وله قول آخر: تقدّم إحدى البينتين بقرعة 3، وله قول آخر: يوقف الأمر حتّى يتبين وهو قول أبي 4 ثور 5. ولنا: خبر أبي موسى 6 وابن المسيّب، ولأن تعارض الحجتين لا يوجب التوقف كالخبرين، بل إذا تعذر الترجيح أسقطناهما ورجعنا إلى دليل غيرهما فتُسْقَط 7 البينتين ويقرع 8 بينهما فمن خرجت له القرعة حلف وأخذها كما لو لم يكن 9 لهما 10 بينة.
بينة الخارج قدمها على ... بينة الداخل والغ الجدلا
حتّى 1 ولو تشهد بالنتاج ... بينة الداخل والنساج
أيضًا ولو كانت بسبق الملك ... تشهد عن إمامنا ذا محكي
يعني: إذا كان العين بيد إنسان فادعاها آخر وأقام كلّ منهما بينة 2 بدعواه قدمت بينة المدعي، وتسمى (بينة المدعي) 3 بينة الخارج، وتسمى بينة المدعى عليه بينة الداخل، وهو قول إسحاق، وسواء شهدت بينة الداخل بالملك فقط أو بالنتاج بأن تشهد 4 بأنّها نتجت في ملكه أو بالنساج بأن تشهد أنَّه نسجها 5 أو بسبق الملك 6 بأن تشهد أنّها في ملكه منذ سنتين 7 وبينة الخارج منذ سنة أولًا فتقدم بينة الخارج بكل حال.
وقال أكثر أهل العلم: تقدّم بينة المدعى عليه 8 بكل حال؛ لأنّ جنبته أقوى، لأنّ الأصل معه ويمينه تقدّم على يمين المدعي 9.
وقال بعضهم: إنَّ شهدت بالنتاج أو النسج فيما لا يتكرر نسجه قدمت، لأنّها إذا شهدت بالسبب فقد أفادت ما لا تفيده اليد 10.
ولنا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "البيِّنة على المدعي واليمين على المدعى عليه" فجعل جنس البينة في جنبة المدعي فلا يبقى في جنبة المدعى عليه بينة، ولأن بينة المدعي أكثر فائدة فوجب تقديمها كتقديم 1 بينة الجرح على (بينة) 2 التعديل، ودليل كثرة فائدتها أنّها تثبت شيئًا (لم يكن، وبينة المنكر إنّما تثبت) 3 شيئًا ظاهرًا تدل اليد عليه فلم تكن مفيدة، لأنّ الشّهادة بالملك يجوز أن يكون مستندها 4 رؤية اليد والتصرف، فإن ذلك 5 جائز عند كثير من أهل العلم 6 فصارت البينة بمنزلة اليد المفردة فتقدم عليها بينة المدعي 7 كما تقدّم على اليد، وحيث قلنا تقدّم بينة الخارج فلا فرق بين الرجلين والرجل والمرأتين والرجل 8 واليمين فيما يكفي فيه ذلك، ولا ترجيح بكثرة عدد، أو 9 اشتهار عدالة.
عن ولدين كافر ومسلمٌ ... مات أب بأصل دين مبهم
فالقول للكافر مع يمينه ... أن أباه مات وفق 10 دينه
وعنه بل يقتسما 11 ما ورثا ... والقاضيان فبذاك اكترثا
يعني: إذا مات من لا يعرف دينه وخلف تركة وابنين يعترفان أنَّه أبوهما أحدهما مسلم والآخر كافر وادعى كلّ منهما أنَّه مات على دينه فإن
عرف أصل دينه فالقول قول من يدعيه، لأنّ الأصل بقاؤه عليه، وإن لم يعرف أصل دينه فالميراث للكافر 1.
وقال أبو حنيفة: هو للمسلم منهما، لأنّ الدَّار دار إسلام 2 يحكم بإسلام لقيطها ولذلك يغسل ويكفن ويصلّى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، وقال الشّافعيّ: يقف 3 الأمر حتّى يعرف أصل دينه أو يصطلحا 4.
ولنا: أن دعوى المسلم لا تخلو من أن يدعي كون الميِّت مسلمًا أصلِّيًا فيجب كون أولاده مسلمين 5، فيكون أخوه الكافر مرتدًا وهذا خلاف الظّاهر، فإن المرتد لا يقر على ردته في دار الإسلام، أو 6 يقول إنَّ أباه كان كافرًا وأسلم قبل موته فهو معترف بأن الأصل ما قاله أخوه مدع زواله وانتقاله والأصل بقاء ما كان على ما كان عليه 7 حتّى يثبت زواله.
وعن أحمد رواية أخرى ذكرها ابن أبي موسى وغيره: أنّهما يقتسمان
التركة بينهما نصفين؛ لأنهما في الدعوى سواء كما لو تنازعا عينا في يديهما 1 والقاضيان هما أبو يعلى ويعقوب بن إبراهيم 2. ومع جحود الدِّين لا بالظفر ... يؤخذ 3 لو 4 من جنسه في الأشهر يعني: إذا كان لرجل عند غيره حق وجحده ولا بينة له به أو لم يجبه إلى المحاكمة 5، ولم يمكنه إجباره عليها ونحو هذا فالمشهور في المذهب أنَّه ليس له أخذ قدر حقه 6، ولو من جنس دينه 7. وقال الشّافعيّ: إنَّ لم يقدر على استخلاص حقه ببينة فله أخذ قدر حقه من جنسه أو غير جنسه، فإن كان 8 له بينة وقدر على استخلاصه ففيه وجهان 9. والمشهور من مذهب مالك: إنَّ لم 10 يكن لغيره عليه دين فله أن يأخذ بقدر حقه وإن كان عليه دين لم يجز لأنّهما يتحاصان 11. وإن كان المال عرضًا لم يجز، لأنّه اعتياض 12، واحتج من أجاز
الأخذ بقوله - صلى الله عليه وسلم - لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" متفق عليه.
ولنا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" رواه التّرمذيّ وحسنه 1، ومتى أخذ من ماله قدر حقه بغير إذنه فقد خانه، وقال -عليه السّلام-: "لا يحل مال امرئ مسلم إِلَّا عن 2 طيب نفس منه" 3. ولأنّه إن أخذ من غير جنسه كان معاوضة بغير تراض، وإن أخذ من جنس حقه فليس له تعيين الحق بغير رضا صاحبه، فأمَّا حديث هند فإن أحمد اعتذر عنه بأن حقها واجب عليه في كلّ وقت، وهذا إشارة منه إلى الفرق بالمشقة في المحاكمة في كلّ وقت والمخاصمة كلّ يوم تجب فيه النفقة بخلاف الدِّين، وبينهما فروق أخر ذكرها في الشرح 4 وغيره.