ومن باب السلم والرهن
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البهوتي
- الكتاب
- المِنَحُ الشَّافِيات بِشَرْحِ مُفْردَاتِ الإمَامِ أحْمَد
- المؤلف
- منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتى الحنبلى (المتوفى: 1051هـ)
- المحقق
- أ. د. عبد الله بن محمد المُطلَق
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1427 هـ - 2006 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال الأزهري: السلم والسلف واحد إلا أن السلف (يكون 1) قرضًا 2. والسلم شرعًا: عقد على موصوف في الذمة مؤجل 3، وأجمعوا على جوازه لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أسلف 4 في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن 5 معلوم إلى أجل معلوم".
متفق عليه 6 من حديث ابن عباس.
والرهن لغة: الثبوت والدوام ومنه ماء راهن أي: راكد ونعمة راهنة أي: دائمة.
وشرعًا: توثقة دين بعين يمكن 7 أخذه أو بعضه منها أو من ثمنها
وهو جائز بالإجماع لقوله تعالى: 1 ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283]، والسنة مستفيضة بذلك وليس بواجب إجماعًا؛ لأنه وثيقة بالدين.
وفي المكيل لا يصح السلم ... وزنا ولا بالعكس نصًا فاعلموا 2
أي: لا يصح السلم في المكيل وزنًا ولا في الموزون كيلًا 3.
وعنه يصح نقلها المروذي واختارها الموفق والشارح وابن عبدوس في تذكرته وجزم بها في الوجيز والمنور ومنتخب الأزجي وفاقًا لجمهور العلماء؛ لأنّ الغرض 4 معرفة قدره وإمكان تسليمه من غير تنازع فبأي 5 شيء قدره جاز 6.
ولنا: أنه قدره بغير ما هو مقدر به شرعًا فلم يجز كما لو أسلم في الموزون ذرعًا وبالعكس، وقياسًا على بيع المكيل بجنسه وزنًا وبالعكس وكذا لا يصح السلم في الفواكه المعدودة كالرمان والسفرجل والخوخ ونحوها؛ لأنها تختلف بالكبر والصغر فلم يصح السلم فيها ولو قدرت بالوزن 7 بخلاف الفواكه المكيلة كالرطب والموزونة كالعنب فيصح السلم فيها إذا قدرت بمعيارها الشرعي.
وكل مائع مكيل، فلا يصح السلم في الزيت والشيرج واللبن ونحوها وزنًا
كذاك 8 لا يصح في جنسين ... بثمن يجمل للإثنين
حتى يبين 1 لكل جنس ثمنًا ... ......................
أي: لا يصح أن يسلم في جنسين كبرٍّ وشعير أو تمر وزبيب بثمن واحد يجمل لهما حتى يبين ثمن كل جنس منهما 2 وكذلك لو أسلم في جنس واحد إلى أجلين فأكثر لم يصح حتى يبين قسط كل أجل وثمنه وكذلك لو أسلم جنسين كذهب وفضة في بر مثلًا لم يصح حتى يبين حصة كل جنس من المسلم 3 فيه.
وجوز ذلك كله مالك وغيره، لأنّ 4 كل عقد جاز 5 على جنسين أو بجنسين في عقدين جاز في عقد واحد كبيوع 6 الأعيان 7.
ولنا: أن ما يقابل كل واحد من الجنسين مجهول فلم يصح كما لو عقد عليه مفردًا بثمن مجهول ولأن فيه غررًا؛ لأنا لا نأمن الفسخ 8 بتعذر 9 أحدهما 10 فلا يعرف بم 11 يرجع؟ وهذا غرر يؤثر مثله في السلم فيمنع صحته فإن بين ثمن كل جنس صح لانتفائه.
...................... ... والرهن فيه لا تجز 12 والضمنا
أي: لا يجوز ولا يصح أخذ رهن بالمسلم 13 فيه ولا ضمين به
رويت كراهة ذلك عن علي وابن عمر وابن عباس والحسن وسعيد بن جبير والأوزاعي 1. ورخص فيه عطاء ومجاهد وعمرو بن دينار والحاكم ومالك والشافعيُّ وإسحاق وأصحاب الرأي وابن المنذر 2 لقوله تعالى 3: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ 4 إلى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 282 - 283]، وقد روي عن ابن عباس وابن عمر أن المراد به السلم 5، ولأن اللفظ عام فيدخل السلم في عمومه.
ولنا: أن المسلم 6 فيه لا يمكن أخذه من 7 ثمن الرهن ولا من ذمة الضامن ولأنه لا يؤمن هلاك الرهن في يده بعدوان 8 فيصير مستوفيًا لحقه من غير المسلم فيه، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره" رواه أبو 9 داود، ولأنه يقيم ما في ذمة الضامن مقام ما في ذمة
المضمون عنه فيكون في حكم أخذ العوض والبدل عنه وهذا لا يجوز قال في المبدع 1: وفيه نظر 2، أي: لأنه يمكن شراء المسلم فيه من ثمن الرهن فيسلمه 3 أو يشتريه الضامن ويسلمه فلا يصرف فيه إلى غيره ولهذا اختار الموفق وجمع الصحة وهي رواية حنبل 4.
مرتهن للرهن 5 نصًا يركب ... بقدر ما أنفق أيضًا يحلب
سيان بذل مالك للنفقة ... أو منعها فالإذن 6 فيها مطلقة
أي: يجوز للمرتهن أن يركب الرهن إن 7 كان مركوبًا ويحلبه إن كان يحلب بقدر نفقته متحريًا للعدل دون إذن المالك سواء بذل مالكه النفقة أو منعها وهذا قول إسحاق.
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعيُّ: لا يحتسب له بما أنفق وهو متطوع به ولا ينتفع من الرهن بشيء لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " (لا يغلق) 8 الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه 9 " 10، ولأنه ملك غيره لم يأذن له في الانتفاع به ولا الإنفاق عليه فلم يكن له ذلك.
ولنا: حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا (ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا) 1 وعلى الذي يركب ويشرب النفقة" رواه البخاري وأبو داود والترمذيُّ 2، ولأن نفقة الحيوان واجبة وللمرتهن فيه حق وقد أمكن القيام به من نماء الرهن واستيفاؤه من منافعه فجاز كما يجوز للمرأة أخذ مؤنتها من مال زوجها عند امتناعه بغير إذنه، وقيس على ذلك الأمة المرضع تسترضع بقدر نفقتها 3.
وأما الحديث فنقول به: والنماء للراهن ولكن للمرتهن ولاية صرفه إلى نفقته لثبوت يده عليه وولايته، فإن لم يف الركوب واللبن 4 بالنفقة رجع بالباقي إن نواه، وإن فضل في اللبن شيء فهو للراهن وللمرتهن بيعه بإذنه.
وكسب مرهون فكالنماء ... يدخل 5 في الرهن بلا امتراء
أي: يدخل نماء المرهون 6 وكسبه وغلته في الرهن وإذا احتيج إلى بيعه في وفاء الدين بيع كالأصل سواء في ذلك المتصل كالسمن وتعلم = الرهن وظهره لا يجوز إلا إذا امتنع الراهن من النفقة وحملوا عليه حديث أبي هريرة الآتي.
انظر نيل الأوطار 5/ 265.
الصنعة والمنفصل كالكسب والأجر والولد والثمرة واللبن والصوف وبنحو 1 هذا قال 2 النخفي والشعبي.
وقال الثوري وأصحاب الرأي: في النماء يتبع، وفي الكسب: لا يتبع، لأنه لا يتبع في الكتابة والاستيلاد 3 والتدبير فلا يتبع في الرهن 4.
وقال مالك: يتبع الولد في الرهن خاصة دون سائر النماء، لأن الولد يتبع الأصل في الحقوق الثابتة كولد أم الولد 5.
وقال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر: لا يدخل في الرهن شيء من النماء المنفصل ولا من الكسب، لأنه حق تعلق بالأصل يستوفى من 6 ثمنه فلا يسري إلى غيره كحق 7 الجناية 8.
ولنا: أنه حكم ثبت في العين 9 بعقد المالك فيدخل فيه النماء والمنافع كالملك بالبيع ونحوه، ولأنه نماء حادث من عين 10 الرهن فيدخل فيه كالمتصل، ولنا على أبي حنيفة أنه عقد يستتبع 11 النماء فاستتبع 12 الكسب كالشراء، ولنا على مالك أنه نماء حادث من عين 13 الرهن فسرى إليه حكم الرهن كالولد، وأما حديث: " (لا يغلق) 14 الرهن من راهنه له
غنمه وعليه غرمه" فتقدم الجواب عنه، والسراية في الرهن لا تفضي إلى استيفاء أكثر من دينه فلا يكثر الضرر على القول بها.