ومن كتاب الجنايات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البهوتي
- الكتاب
- المِنَحُ الشَّافِيات بِشَرْحِ مُفْردَاتِ الإمَامِ أحْمَد
- المؤلف
- منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتى الحنبلى (المتوفى: 1051هـ)
- المحقق
- أ. د. عبد الله بن محمد المُطلَق
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1427 هـ - 2006 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
جمع جناية وهي العدوان على نفس أو مال لكنها في العرف مخصوصة بما يحصل فيه التعدي على بدن بما يوجب قصاصًا أو مالًا، وسموا الجنايات 1 على المال غصبًا ونهبًا وسرقة وخيانة 2 وإتلافًا.
وأجمع المسلمون على تحريم القتل بغير حق لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: 33] وقوله -عليه السلام-: "لا يحل دم امرئٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة" متفق عليه 3، والآيات والأخبار به 4 كثيرة.
وتوبة القاتل عمدًا مقبولة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 116] وأما 5 قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الآية [النساء: 93]، فأجيب عنها بأجوبة منها: أنها 6 في المستحل 7، أو فجزاؤه إن 8 جازاه الله،
أو 1 المراد بالخلود طول المكث.
من قطعت إصبعه ثم سرت ... لإصبع 2 أخرى بذا تآكلت
ففي إصبعين يجب القصاص ... الجاني من ذا ماله خلاص 3
يعني: إذا قطع أصبعًا فتآكلت أصبع أخرى وسقطت ففيه القصاص وبه قال أبو حنيفة ومحمَّد بن الحسن 4 ذكره في الشرح 5.
وقال أكثر الفقهاء: لا قصاص في الثانية، وتجب ديتها، لأن ما أمكن مباشرته بالجناية لا يجب القود فيه بالسراية، كما لو رمى سهمًا إلى شخص فمرق منه إلى آخر 6.
ولنا: أن ما وجب فيه القود بالجناية وجب فيه بالسراية كالنفس، وفارق ما ذكروه فإنه فعل وليس بسراية، ولأنه لو أقصد ضرب رجل فأصاب غيره لم يجب القصاص، ولو 7] قصد قطع إبهامه فقطع سبابته
وجب القصاص ولو ضرب إبهامه فمرق إلى سبابته لم يجب القصاص 1 فيها فافترقا.
بقنل عمد واجب فالقود ... أو دية فواحد لا يفرد
وعنه فالقصاص عينا يجب ... أئمة العلم إليه ذهبوا
يعني: أن 2 الواجب بقتل العمد أحد أمرين القود أو الدية، وأن الخيرة في ذلك إلى الولي، وبهذا قال سعيد بن المسيب وابن سيرين وعطاء ومجاهد والشافعيُّ 3 وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وهو رواية عن مالك 4.
وعنه: الواجب القصاص عينا وبه قال النخعي وأبو حنيفة 5 ومالك 6 لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: 178]، والمكتوب 7 لا يخير 8 فيه، ولقوله -عليه السلام-: "من قتل عمدًا فهو قود" 9 ولأنه متلف يجب به 10
البدل فكان معينًا 1 كسائر المتلفات، فعلى هذا ليس للأولياء إلا القتل إلا أن يصطلحوا على الدية برضا الجابي.
ولنا: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] قال ابن عباس: كان في بني إسرائيل القصاص 2 ولم تكن فيهم الدية فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ في الْقَتْلَى﴾ 3 الآية فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف 4 وأداء إليه بإحسان.
فالعفو أن يقبل في العمد الدية فاتباع [بالمعروف، ويتبع 5 الطالب بمعروف.
ويؤدي إليه] 6 المطلوب بإحسان، ذلك تخفيف من ربكم ورحمة مما كتب على من قبلكم رواه البخاري 7 وعن أبي هريرة قال: قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يودى 8 وإما أن يقاد" متفق عليه 9.
ويخالف سائر المتلفات، لأن بدلها يجب من جنسها، وها هنا يجب في شبه العمد والخطأ من غير الجنس 10 "فإذا رضي في العمد ببدل الخطأ كان له ذلك، لأنه أسقط بعض حقه، ولأن القاتل أمكنه إحياء نفسه ببذل 11 الدية فلزمه.
وأما 1 الخبر الذي ذكروه فالمراد به وجوب القود ونحن نقول به.
قطع الولي طرفًا من قاتل ... ضمنه في الأحوال غير حائل
يعني: إذا زاد 2 مستوفي القصاص فقطع طرفًا فأكثر من القاتل ضمن ما قطعه بديته سواء عفى عنه 3 بعد ذلك أو قتله 4.
وقال مالك والشافعيُّ وأبو يوسف ومحمَّد وابن المنذر: لا ضمان عليه ولكن قد أساء ويعزر 5، لأنه قطع طرفًا من جملة استحق إتلافها فلم يضمنه كما لو قطع أصبعًا من يد استحقها 6 7.
وقال أبو حنيفة: إن قطعه ثم قتله لم يضمنه، لأنه لو قطع متعديًا ثم قتله 8 لم يضمن الطرف فلأن لا يضمنه إذا كان القتل مستحقًا أولى 9.
ولنا: أنه قطع طرفًا له 10 قيمة حال القطع بغير حق فوجب عليه ضمانه كما لو عفى عنه ثم قطعه و 11 كما لو قطعه أجنبي.
وأما القصاص فلا يجب في الطرف في الشرح 12: لا نعلم فيه
خلافًا، لأن القصاص عقوبة تدرأ بالشبهات والشبهة ها هنا متحققة 1، لأنه مستحق 2 لإتلاف هذا الطرف ضمنًا لاستحقاقه 3 إتلاف الجملة، ولا يلزم من سقوط القصاص أن لا تجب الدية كما لو لم يكافئه.
قبل اندمال الجرح من يقتص ... ثم سرى فهدر قد نصوا
أي: إذا اقتص المجني عليه في الجرح قبل اندماله ثم سرى إلى طرفه أو نفسه فسرايته هدر، لحديث جابر أن رجلًا طعن رجلًا 4 بقرن في ركبته فقال: يا رسول الله اقدني، فقال 5: "حتى تبرأ" فأبى وعجل فاستقاد له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنتنت رجل المستقيد وبرئت رجل المستقاد منه فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ليس لك شيء إنك عجلت" رواه سعيد مرسلًا 6، لأنه تعجل ما لم يكن له استعجاله فبطل حقه كقاتل مورثه 7، وبهذا فارق من لم يقتص.
وممسك القتيل حتى قتلا ... فيحبس الدهر بما قد فعلا
أي 8 إذا أمسك إنسانًا لآخر حتى قتله، مثل إن أمسكه 9 له حتى ذبحه حبس الممسك حتى يموت ولا قود عليه ولا دية 10، لما روى ابن
عمر مرفوعًا قال: إذا أمسك الرجل وقتله 1 الآخر قتل القاتل ويحبس الذي أمسك رواه الدارقطني وروى الشافعي نحوه من قضاء علي 2 -رضي الله عنه - ولأنه حبسه إلى الموت فحبس إلى أن يموت، ومقتضى كلامه كغيره أنه يطعم ويسقى وفي المبدع 3 يحبس عن 4 الطعام 5 والشراب حتى يموت 6، فإن كان الممسك لا يعلم أن الطالب يقتله فلا شيء عليه كما لو أمسكه للعب أو ضرب.
= لكن يرى الجمهور أن الحبس موكول إلى اجتهاد الإِمام في طول المدة وقصرها لأن الغرض تأديبه وليس استمراره إلى الموت بمقصود.
انظر الأم 6/ 26 والمحلى 10/ 551 - 514.