ومن كتاب الأيمان
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البهوتي
- الكتاب
- المِنَحُ الشَّافِيات بِشَرْحِ مُفْردَاتِ الإمَامِ أحْمَد
- المؤلف
- منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتى الحنبلى (المتوفى: 1051هـ)
- المحقق
- أ. د. عبد الله بن محمد المُطلَق
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1427 هـ - 2006 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
جمع يمين أجمع العلماء على مشروعيتها 1 للكتاب والسُّنَّة 2، وكان أكثر قسم 3 رسول الله (صلى الله عليه وسلم) 4، ومصرف القلوب 5، ومقلب القلوب 6، ووضعها في الأصل لتوكيد المحلوف 7 عليه.
واليمين: القسم والإيلاء و 8 الحلف 9 بألفاظ مخصوصة على وجه مخصوص.
تنعقد 1 اليمين بالرسول ... ......................
أي: بمحمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتجب الكفارة إذا حنث فيها، روى 2 عن أحمد أنَّه قال 3: إذا حلف بحق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحنث فعليه الكفارة وقاله 4 أكثر الأصحاب؛ لأنّه أحد شرطي الشّهادة فالحلف به كالحلف بالله تعالى.
والصّحيح من المذهب لا تنعقد اليمين بغير الله تعالى قدمه في التنقيح والإقناع والمنتهى وغيرها وهو قول جمهور الفقهاء 5 لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" 6، ولأنّه حلف بغير الله فلم تجب الكفارة بالحنث فيه كسائر الأنبياء عليهم السّلام 7.
...................... ... وباليمين مانع الدخول
بيتًا فبالمسجد والحمام ... يحنث والكعبة عن إمامي
يعني: من حلف لا يدخل بيتًا ولا نيّة ولا سبب حنث بدخول المسجد والحمام والكعبة وكذا بيت شعر وأدم 8 وكذا من حلف لا يركب فركب سفينة حنث 9. وقال أكثر الفقهاء: لا يحنث، لأنّه لا يسمى بيتًا في
العرف 1.
ولنا: أنّها بيوت حقيقة أمّا المساجد فقال الله تعالى: ﴿في بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: 36]، 2، وأمّا الكعبة فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: 96]، 3، وأمّا الحمام فلقوله عليه السّلام: "بئس البيت الحمام" 4 وإذا كان البيت 5 في 6 الحقيقة بيتًا وفي عرف الشّرع بيتًا حنث بدخوله كبيت الإنسان.
واسم البيت أيضًا يقع على بيت الشعر والأدم قال تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ [النحل: 80]، وهذا بخلاف الخيمة فإنها في العرف لا تسمى بيتًا فلا يحنث بدخولها، وكذا ركوب = فسكن بيت شعر وهو بادٍ أو حضري ولا نيّة له حنث لأنّ الله تعالى قال: ﴿بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا﴾ [النحل: 80]).
وذكر عن ابن القاسم أنَّه يحنث أيضًا بدخول الحمام وكذلك قالت الحنفية فيمن حلف لا يركب ولم ينو شيئًا فركب سفينة فإنّه يحنث قال الكاساني في بدائع الصنائع 3/ 71: ولو حلف لا يركب مركبًا ولا نوى شيئًا فركب سفينة أو محملًا أو دابة بإكاف أو سرج حنث لوجود الرُّكوب.
وذكر النووي من الشّافعيّة في كتابه المنهاج 4/ 334: أن من حلف لا يدخل بيتًا حنث بكل بيت من طين أو حجر أو آجر أو خشب أو خيمة ولا يحنث بمسجد وحمام وكنيسة وغار جبل.
السفينة يسمى ركوبًا لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللهِ﴾ الآية 1 (و) ﴿فَإِذَا رَكِبُوا في الْفُلْكِ﴾ [العنكبوت: 65] 2.
وحالف عبدي لأضربنه ... غدًا وذا 3 الشيء لآكلنه
فمات أو قد تلف المأكول ... في يومه بحنثه نقول 4
أي: إذا حلف ليضربنّ عبده ونحوه غدًا أو ليأكلن كذا غدًا 5 ونحوه فمات العبد أو تلف المحلوف عليه قبل الغد أو قبل التمكن من فعله حنث حال تلفه وهو أحد قولي الشّافعيّ 6.
وقال أبو حنيفة ومالك والشّافعيّ في قوله الآخر: لا يحنث، لأنّ فوات المحلوف عليه بغير اختياره فأشبه المكره والناسي 7.
ولنا: أنَّه لم يفعل ما حلف عليه في وقته من غير إكراه ولا نسيان وهو من أهل الحنث فحنث كما لو أتلفه باختياره وكما لو حلف ليحجن العام فعجز عنه لمرض أو فقد نفقة.
وفارق الإكراه والنِّسيان فإن الامتناع لمعنى في الحالف وها هنا الامتناع لمعنى في المحل فأشبه ما لو ترك ضربه أو أكله لصعوبته.
ومانع الكلام من فلان ... يحنث بالإرسال في الأيمان
أي: لو حلف لا يكلم فلانًا فراسله حنث إِلَّا أن يريد عدم مشافهته 1.
وقال أبو حنيفة والثوري وابن المنذر والشّافعيّ في الجديد: لا يحنث؛ لأنّه ليس بتكليم في الحقيقة، ولهذا يصح نفيه فيقال ما كلمته وإنّما راسلته 2 3.
ولنا: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ الله إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: 51]، 4 فاستثنى الرسول من التكلم 5 والأصل أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، ولأنّه وضع لإفهام الآدميين أشبه الخطاب، لكن لو حلف لا يكلم زيدًا
فأرسل رسولًا لأهل العلم يسأل 6 عن حكم فسأله الرسول 7 لم يحنث المرسل؛ لأنّه لم يقصده بالمراسلة.
وهكذا يحنث إنَّ أشارا ... إليه كالكتب فلا يماري
أي: وكذا يحنث من حلف لا يكلم إنسانًا إن 8 أشار إليه أو كاتبة كما يحنث بمراسلته لما تقدّم وهذا في الإشارة اختيار القاضي واقتصر عليه في الإقناع في الأيمان 9، ولكن جزم هو وصاحب المنتهى في الطّلاق بقول
أبي الخطاب أنَّه لا يحنث بالإشارة إليه؛ لأنّها ليست بكلام 1، قال 2 الله تعالى: خطابًا لمريم عليها السّلام: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ 3 إلى قوله تعالى ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: 26 - 29] وأمّا قوله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: 41] فهو استثناء منقطع.
بلفظة اليمين من 4 كررها ... حتّى لأفعال بذا حررها
كفارة واحدة في الأشهر ... لحنثه كاف فلا تكرر
أي: إذا حلف أيمانًا ولو على أفعال مختلفة كإن حلف لا يأكل وحلف 5 لا يشرب وحلف لا يذهب لموضع كذا وكذا وحنث في الجميع قبل أن يكفر كفته كفارة واحدة عن الجميع على الأشهر الصّحيح من المذهب وهو قول إسحاق.
وقال أكثر أهل العلم: عليه لكل 6 يمين كفارة، لأنّها 7 أيمان لا يحنث في إحداهن بالحنث 8 في الأخرى فلا 9 تتكفر إحداهن 10 بكفارة الأخرى كالإيمان المختلفة الكفارة 11.
ولنا: أنّها كفارات 1 من جنس واحد فتداخلت كالحدود من جنس وإن اختلفت محالها كالسرقات من جماعة 2 والزنا بنساء.
وعندنا الحقب ثمانون سنة ... والقاضي فاختار 3 أقل الأزمنة
الحقب 4: ثمانون سنة، وقال مالك: أربعون، لأنّه يروى عن ابن عبّاس 5، وقال القاضي وأصحاب الشّافعيّ: هو أدنى زمان لأنّه لم ينقل فيه عن أهل اللُّغة تقدير 6.
ولنا: ما روي عن ابن عبّاس في تفسير قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23)﴾ [النبأ: 23]، الحقب ثمانون سنة 7، وما ذكره القاضي وأصحاب الشّافعيّ لا يصح؛ لأنّ قول ابن عبّاس حجة ولأن ما ذكروه 8 يفضي إلى حمل كلام الله تعالى في قوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23)﴾، وقول موسى: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: 60]، إلى اللكنة 9؛ لأنّه أخرج ذلك مخرج الكثير، فهذا صار معنى ذلك لابثين فيها ساعات أو لحظات أو أمضى 10 ساعات ولحظات كان 11 معناه التقليل وهو ضد المفهوم منه، ولم يذكره أحد من المفسرين فيما نعلم فلا يجوز تفسير الحقب به قاله في الشرح 12.