ومن باب الغصب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البهوتي
- الكتاب
- المِنَحُ الشَّافِيات بِشَرْحِ مُفْردَاتِ الإمَامِ أحْمَد
- المؤلف
- منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتى الحنبلى (المتوفى: 1051هـ)
- المحقق
- أ. د. عبد الله بن محمد المُطلَق
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1427 هـ - 2006 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وهو مصدر غصب أي: أخذ الشيء ظلمًا.
وشرعًا: استيلاء غير حربي عرفًا على حق غيره قهرًا بغير حق.
وهو محرم بالإجماع لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188] وقوله -عليه السلام- في الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا" 1.
إن تلف المغصوب وهو مثلي ... وعدم المثل فحقق نقلي
يضمن بالقيمة يوم 2 العدم 3 ... لا يوم غصب أو بأقصى 4 القيم
أي: إذا تلف المغصوب المثلي وهو كل مكيل أو موزون لا صناعة فيه مباحة، يحل السلم فيه وعدم المثل 5 أو تعذر لغلاء ونحوه ضمن بقيمة المثل يوم إعوازه لا يوم الغصب ولا بأقصى قيمة 6.
وقال أبو حنيفة ومالك: تعتبر القيمة يوم المحاكمة 1 وهو وجه للشافعية، لأن القيمة لا تنتقل إلى الذمة إلا بحكم الحاكم 2، وقال أبو يوسف: يوم الغصب 3.
ولنا: أن الأصل هو المثل فاعتبرت 4 بيوم فقده كاعتبارها فيما 5 لا مثل له بيوم التلف.
وإن يكن كالثوب مثل منتفي ... ضمنه بالقيمة يوم التلف
أي: وإن يكن المغصوب متقومًا كالثياب ونحوها وتلف أو أتلف فعلى الغاصب ضمانه بقيمته يوم التلف.
وقال أبو حنيفة ومالك: تعتبر قيمته يوم الغصب 6؛ لأنه الموجب للضمان فتقديره بحال وجوده كالإتلاف 7.
وقال الشافعي: يجب أقصى القيم من يوم الغصب (إلى يوم التلف؛ لأنها حالة الزيادة واجبة الرد فوجب) 8 حينئذ كون الزيادة مضمونة 9.
ولنا: أن القيمة منتفية الوجوب قبل التلف إذ العين قائمة ووجوب رد 1 القيمة والعين لا يجتمعان فلا اعتبار لها بما قبله، وكما 2 في الإتلاف من غير غصب.
والمهر إن ضمُنّه المغرور 3 ... على الذي غَرَّ فقل يحور 4
ويفد أولادًا له بالمثل ... من العبيد في صحيح النقل
يعني: إذا باع الغاصب الأمة المغصوبة أو وهبها ونحوه ولم يعلم من انتقلت إليه بالحال فوطئها ثم غرمه المالك مهر مثلها كان له الرجوع به على الغاصب 5.
وقال أبو حنيفة والشافعيُّ في الجديد: لا رجوع له؛ لأنه استوفى بدل الغرم فإذا رجع به جمع بين العوض والمعوض 6.
ولنا: أنه لم يدخل مع الغاصب على الضمان فوجب أن يثبت له الرجوع لحصول التغرير 7.
وإن ولدت الأمة والحال هذه فأولادها أحرار لاعتقاد الواطىء الحرية ويلزمه فداء أولاده، لأنه فوت رقهم على مالك أمهم باعتقاده الحرية.
وممن قال بوجوب 8: الفداء في الجملة الأئمة الثلاثة 9 والثوري
وإسحاق وأبو ثور لقضاء 1 عمر وعلي وابن عباس بذلك 2.
ويكون الفداء بالمثل من العبيد نص عليه في رواية إسحاق بن منصور وغيره وهو اختيار الخرقي وأبي بكر في التنبيه والقاضيين أبي يعلى ويعقوب بن إبراهيم في تعليقهما وأبي الخطاب في رؤوس مسائله والشريف أبي القاسم الزبدي وغيرهم قال القاضي أبو الحسين والشريف أبو جعفر وأبو الحسن بن بكروس 3: هي أصح لقضاء عمر 4.
وعنه: يفديهم 5 بالقيمة اختاره ابن الراغوني وصاحب التلخيص قال القاضي في المجرد: هو أشبه بقوله، لأنه نص على أن الحيوان لا مثل له، وبه قال الأئمة الثلاثة 6 وهو المذهب؛ لأنه ضمان وجب لفوت الرق فاعتبر بالقيمة كما في نصيب شريكه إذا سرى العتق إليه.
وتعتبر القيمة يوم الولادة، وهو قول الشافعي؛ لأنه أول أوقات إمكان
تقويمه 1 وقال أبو حنيفة يوم المحاكمة 2 لما تقدم عنه في المثل 3 إذا أعوز 4. بالاحترام أحكم لزرع 5 الغاصب ... وليس كالباني أو كالناصب 6 إن شاء رب الأرض ترك الزرع ... بأجرة المثل فوجه مرعى أو ملكه إن شاء بالإنفاق ... أو قيمة للزرع بالوفاق يعني: إذا غصب أرضًا وزرعها فزرعه محترم (7) ليس للمالك قلعه بخلاف البناء والغراس، لأنه يتلف بالقلع ومدته لا تطول بخلافهما، ثم إن أدركه 7 رب الأرض بعد حصاده فلس له إلا 8 أجرة الأرض وإن أدركه قبل الحصاد فإن شاء تركه إلى الحصاد بأجرة 9 مثله وإن شاء تملكه بمثل نفقته 10 وهي مثل البذر وعوض لواحقه لحديث رافع ابن خديج أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته" وفي لفظ لابن ماجة: "ويرد عليه 11 نفقته" 12.
وعن الإمام رواية أنه يتملك الزرع بقيمته، وحملها بعضهم على أن المراد بها نفقته 1 فلا خلاف بين الروايتين.
وقال الأئمة الثلاثة وغيرهم: يجبر الغاصب على قلع زرعه كغراسه وتقدمت الإشارة إلى الفرق بينهما 2.
إن صنع الغاصب بابًا بالخشب ... أو ضرب الفضة أو صك الذهب
أو حاك غزلًا أو لثوب قصرا ... بزائد شارك 3 نصًا ظهرًا
رجحه 4 الأكثر في الخلاف ... ونصر الشيخان للمنافي 5
أي: إذا غصب خشبًا فنجره بابًا أو غصب فضة أو ذهبًا فضربه دراهم أو دنانير أو حليًا مباحًا أو غصب ثوبًا فقصره ونحوه فزادت 6 قيمة المغصوب (بذلك فالغاصب شريك للمغصوب) 7 منه بالزيادة، لأنها أثر فعله، رجحه أكثر الأصحاب في كتب الخلاف، قال أبو الخطاب: هو الصحيح من المذهب واختاره القاضي في الجامع الصغير والقاضي يعقوب بن إبراهيم وابن عقيل في التذكرة وأبو الحسن بن بكروس، لأن الزيادة 8 لا أثر للمالك في حدوثها فلا تكون داخلة في ملكه لانتفاء سببه.
والصحيح من المذهب ما نصره الشيخان أن الزيادة للمالك مجانًا قال = ما نقله الترمذيُّ عن البخاري من تحسينه وضعفه أيضًا البيهقي وهو من طريق عطاء بن أبي رباح عن رافع قال أبو زرعة: لم يسمع عطاء من رافع).
وصححه الألباني في الإرواء 5/ 351. له شواهد عند أبي داود برقم 3402 وبرقم 3399، وقد تقوى بها عنده إلى درجة الصحة.
ابن عقيل: هو أقيس بأصولنا وأشبه بها اختاره القاضي في المجرد 1 وأبو علي بن شهاب وابن عقيل في الفصول وصاحب التلخيص وبه قال الشافعي 2، لأنها أثر فعل عدواني فكانت للمالك كما لو زرع المغصوب في أرض مالكه أو علَّف الحيوان فسمن 3 4.
لا يبر في المغصوب بالإطعام ... لمالك إن ظن 5 بالإعلام
أي: لا يبرأ الغاصب بإطعام المغصوب لمالكه إذا لم يعلم أنه طعامه 6 ولم يعلمه الغاصب بذلك.
وقال الحسن وأبو حنيفة يبرأ 7 وللشافعي قولان 8.
ولنا: أنه لم يعده إلى تصرفه التام وسلطانه المطلق إذ لا يتمكن من بيعه 9 ولا هبته ولا إطعامه 10 لغيره، ولأنه تسبب 11 إلى اتلافه بالتغرير 12 إذ لو علم ربما باعه ولم يأكله.
وبالنقود غاصب إن تجرا 1 ... والشيخ بالعروض أيضًا قررا 2
فالربح بالمالك قد يختص ... فيه وفي المودع 3 جاء بالنص
بالعين أو في ذمة 4 كان الشرا ... مع نقدها في 5 أشهر قد حررا
حتى بذاجز ما كثير نقلوا ... وذا على الأصول فرع مشكل
يعني: إذا اتجر الغاصب بالنقود المغصوبة قال الشيخ الموفق وكثير من الأصحاب: أو بالعروض بأن باعها واتجر بثمنها وحصل ربح فهو للمالك يختص به دون الغاصب 6، ونص عليه أحمد في المودع بفتح الدال إذا اتجر بالوديعة، وسواء كان الشراء بعين المال المغصوب أو المودع أو في ذمته ثم نقده منه كما جزم به أكثر الأصحاب.
وقال مالك والليث وأبو يوسف: الربح للغاصب ونحوه عن أبي حنيفة وزفر ومحمَّد بن الحسن لكن قالوا: يتصدق به؛ لأنه غير طيب 7 استدلوا بحديث الخراج بالضمان 8.
ولنا حديث عروة بن الجعد 9: حيث أعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - رأس 10 المال والربح 11 احتج به أحمد وروى الأثرم عن رباح بن عبيدة أن رجلًا دفع
إلى رجل دراهم ليبلغها 1 أهله فاشترى بها ناقة فباعها فسأل 2 ابن عمر عن ذلك قال: ادفع إليه دراهمه بنتاجها 3، ولأنه 4 نماء ملكه فكان تابعًا لأصله كالسمن.
وهذا الفرع على أصول المذهب مشكل كما قال الحارثي والناظم وغيرهما، لأن الشراء إن كان بعينها فهو باطل لا يصلح 5 لإفادة الملك فلا يكون المرتب عليه مملوكًا فيرد كل مال إلى ربه، وإن 6 كان الشراء في ذمته ثم أنقد الثمن من المغصوب فالعقد صحيح (والإقباض فاسد وإن كان العقد صحيحًا) 7 لكونه واقعًا في ذمة العاقد فكيف يحصل لمن لم يقع في ذمته، وإذا لم يحصل له العقد فكيف يستحق ربحه وفي المسألة كلام طويل لا يليق بهذا المختصر 8.
وآلة اللهو فكالطنبور ... تكسر لا ضمان في المشهور
أي: يجوز كسر آلة اللهو 1 من 2 غير ضمان في المشهور في المذهب، كالطنبور بضم الطاء المزمار، والجنك 3، والعود وغير ذلك.
وكذا النرد 4 والشطرنج، وبه قال أبو يوسف ومحمَّد بن الحسن وإسحاق والظاهرية وطائفة من السلف ونحوه عن شريح.
وحكى الأصحاب الضمان عن أبي حنيفة 5 والشافعيُّ 6.
ولنا حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله أرسلني رحمة للعالمين وهدى للعالمين، وأمرني بمحق المعازف والمزامير والأوثان والصلب 7 وأمر الجاهلية" رواه أحمد والطبرانيُّ في معجمه الكبير واللفظ له 8، والمحق نهاية الإتلاف، ولسقوط حرمة ذلك، لأنه منكر.