ومن كتاب الصوم والاعتكاف
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البهوتي
- الكتاب
- المِنَحُ الشَّافِيات بِشَرْحِ مُفْردَاتِ الإمَامِ أحْمَد
- المؤلف
- منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتى الحنبلى (المتوفى: 1051هـ)
- المحقق
- أ. د. عبد الله بن محمد المُطلَق
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1427 هـ - 2006 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الصيام والصوم مصدر صام وهو لغة الإمساك، يقال: صام النهار إذا وقف سير الشمس، قال تعالى حكايته عن مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26] أي: إمساكًا عن الكلام.
وشرعًا: إمساك 1 بنية عن أشياء مخصوصة في زمن معين من شخص مخصوص.
وصوم رمضان أحد أركان الإِسلام ومبانيه، فرض في السنة الثانية من الهجرة فصام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسع رمضانات إجماعًا.
وفي الثلاثين من الليالي ... من شهر شعبان عن الهلال
إن حال غير في غد يصام ... من رمضان فطره حرام
يعني: إن لم ير الهلال ليلة الثلاثين من شعبان وحال دون مطلعه غير أو قتر ونحوهما وجب صيامه حكمًا ظنيًا 2 احتياطًا بنية رمضان، ويجزيه إن كان من شهر رمضان اختاره الخرقي وأكثر شيوخ أصحابنا، وهو مذهب عمر وابنه وعمرو بن العاص وأبي هريرة وأنس ومعاوية وعائشة وأسماء ابنتي 3 أبي بكر، وبه قال بكر بن عبد الله المزني وأبو
عثمان النهدي 1 وابن أبي مريم ومطرف 2 وميمون بن مهران وطاووس ومجاهد.
وعن أحمد لا يجب صومه ولا يجزيه 3 عن رمضان إن صامه وهي 4 قول أبي حنيفة ومالك والشافعيُّ وكثير من أهل العلم لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم 5 فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" رواه البخاري 6 وأيضًا قد صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن صوم يوم الشك 7 و 8 هذا يوم شك ولأن الأصل بقاء شعبان 9.
ووجه الرواية 10 الأولى حديث نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له"، قال نافع: كان عبد الله بن عمر إذا مضى من شعبان تسعة 11 وعشرون يومًا يبعث 12 من ينظر له 13 الهلال فإن رأى فذاك وإن لم ير ولم 14 يحل دون منظره سحاب ولا قتر
أصبح مفطرًا، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائمًا 1.
ومعنى اقدروا أي: ضيقوا من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: 7] أي: ضيق، وقوله تعالى 2: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الروم: 37] والتضييق له أن يجعل شعبان تسعة وعشرين يومًا، وقد فسره ابن عمر بفعله وهو راويه 3 وأعلم بمعناه فيجب الرجوع إلى تفسيره 4، كما رجع إليه في تفسير التفرق في خيار المتبايعين 5، ولأنه شك في أحد طرفي الشهر لم يظهر فيه أنه من غير رمضان فوجب صومه كالطرف الآخر، قال علي وأبو هريرة وعائشة: (لأن أصوم يومًا من شعبان أحب إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان) 6، ولأن الصوم يحتاط 7 له ولذلك 8 وجب الصوم بخبر الواحد ولم يفطروا إلا بشهادة اثنين.
فأما خبر أبي هريرة الذي احتجوا به فإنه يرويه محمد بن زياد 9، وقد
خالفه سعيد بن المسيب فرواه عن أبي هريرة: "فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين" 1، وروايته أولى لإمامته واشتهار ثقته وعدالته وموافقته لرأي: أبي هريرة ومذهبه، ولخبر ابن عمر الذي رويناه ويمكن حمله على ما إذا 2 غم في طرفي الشهر و 3 روية ابن عمر: "فاقدروا له ثلاثين" 4، مخالفة للرواية الصحيحة المتفق عليها ولمذهب 5 ابن عمر [رضي الله عنه] 6، ورواية النهي عن صوم يوم الشك محمول على حال الصحو جمعًا بين الأخبار، فإذا لم يكن ليلة الثلاثين من شعبان مانع من الرؤية كره صومه، وقد أطال الأصحاب في المسألة وأفردت بالتأليف 7. ويصلي التراويح ليلة الثلاثين مع الغيم 8. ويجب على من لم يبيت
النية الإمساك مع القضاء، وعلى من وطئ فيه الكفارة إذا لم يتبين أنه من شعبان.
وإن رأى الهلال أهل بلد ... صام جميع الناس في المجود 1
يعني: إذا ثبت رؤية الهلال ببلد لزم الصوم جميع الناس من رآه ومن لم يره ولو اختلفت 2 المطالع نصًا، وهذا قول الليث وبعض أصحاب الشافعي 3.
والمشهور عندهم إن كان بين البلدين مسافة تختلف 4 فيها المطالع فلكل أهل بلد حكم رؤيتهم 5 لقصة كريب حين رأى الهلال بالشام وقدم المدينة وأخبر ابن عباس وكانوا لم يروه تلك الليلة، فقال ابن عباس: فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه 6، فقال له كريب: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه، فقال: هكذا أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، رواه مسلم 7.
ولنا الإجماع على صوم شهر رمضان، وقد ثبت أن هذا اليوم منه بشهادة الثقات فوجب صومه على جميع المسلمين، ولأن الشهر ما بين الهلالين، وقد ثبت أن هذا اليوم منه في سائر الأحكام من حلول الدين ووقوع الطلاق والعتاق ووجوب النذر وغير ذلك من الأحكام فيجب صيامه بالنص والإجماع 8.
فأما حديث كريب فإنما دل على أنهم لا يفطرون بقول كريب وحده ونحن نقول به 1، وإنما محل الخلاف وجوب قضاء اليوم الأول وليس هو في الحديث المذكور.
بنية يصح صوم النفل ... بعد زوال الشمس نصا نقلي
أي: يصح صوم النفل 2 بنية من 3 النهار ولو بعد الزوال هذا ظاهر كلام أحمد والخرقي وهو ظاهر قول ابن مسعود ويروى عن سعيد بن المسيب 4.
واختار القاضي في المجرد أنه لا تجزيه 5 النية بعد الزوال وفاقًا لأبي حنيفة والمشهور من قولي 6 الشافعي، لأن معظم النهار مضى بغير نية بخلاف الناوي قبل الزوال فإنه أدرك معظم العبادة، ولهذا لو أدرك الإِمام في الركوع اعتد بالركعة بخلاف ما لو أدركه بعده 7.
ولنا أنه نوى 8 في جزء من النهار أشبه ما لو نوى في أوله، ولأن = شيخ الإِسلام ابن تيمية قال في الاختيارات 106: تختلف المطالع باتفاق أهل المعرفة بهذا فإن اتفقت لزمه الصوم وإلا فلا، وهو الأصح للشافعية وقول في مذهب أحمد.
وقد ذكر ابن عبد البر الإجماع على اعتبار اختلاف المطالع وأن الرؤية لا تراعى مع البعد كالأندلس مع خراسان.
انظر العذب الزلال ص 39 وصحح النووي في شرح مسلم7/ 197 اعتبار اختلاف المطالع.
جميع الليل وقت لنية الفرض فكذلك النهار وقت لنية النفل ولأن صوم النفل 1، إنما جوزناه بنية من النهار طلبًا لتكثيره وهذا أبلغ في التكثير وتعليلهم يبطل بما لو نوى قبل الزوال بلحظة فيصح مع أن الأكثر خلا عن النية في الأصل فإن ما بين طلوع الفجر والزوال يزيد على ما بين الزوال والغروب بما بين طلوع الفجر والشمس 2.
وعند مالك وداود: النفل كالفرض لا يصح إلا بنية من الليل 3 وعند أبي حنيفة يصح الفرض 4 بالنية 5 قبل الزوال كالنفل ودليلهم والجواب عنه مذكور في المطولات.
ليس من البر الصيام في سفر 6 ... وفطره أفضل أخذًا بالأثر
أي: الفطر في السفر المبيح للقصر أفضل من الصوم وهو مذهب ابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب والشعبي والأوزاعي 7.
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعيُّ: الصوم أفضل لمن قوى عليه 8، ويروى عن أنس وعثمان بن أبي العاص لقوله -عليه السلام- من كانت له حمولة يأوي إلى شبع فليصم رمضان حيث أدركه .. رواه أبو داود 9.
ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ليس من البر الصيام 1 في السفر".
متفق عليه 2، ولأنه -عليه السلام- أفطر في السفر فلما بلغه أن قومًا صاموا قال: "أولئك العصاة".
رواه مسلم 3.
بل قيل: إن الصوم في السفر لا يجزئ لظاهر الأحاديث السابقة وغيرها قال ابن عبد البر: هذا قول يروى عن عبد الرحمن 4 بن عوف هجره الفقهاء كلهم 5، والسنة ترده، قال أنس: كنا نسافر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم.
متفق عليه 6 والأحاديث السابقة محمولة على تفضيل الفطر على الصيام وقوله: "أولئك العصاة"
يحتمل أنهم اعتقدوا عدم حل الفطر أو نحوه.
ومن نوى الصيام وهو حاضر ... في يومه يفطر إذ يسافر
يعني: إذا أنشا الحاضر السفر في أثناء يوم من رمضان فله الفطر في ذلك اليوم إذا فارق بيوت قريته العامرة وهذا قول عمرو بن شرحبيل والشعبي وإسحاق وأبي 7 داود وابن المنذر 8.
وعنه: لا يباح له فطر ذلك (اليوم) 9 وهو قول مكحول والزهري
ويحيى الأنصاري وأصحاب الرأي ومالك والشافعيُّ، لأن الصوم عبادة تختلف 1 بالحضر والسفر فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر كالصلاة 2.
ولنا ما روى عبيد بن جبر 3 قال: ركبت مع أبي بصرة الغفاري في سفينة من الفسطاط في شهر رمضان فدفع ثم قرب غداءه فلم يجاوز البيوت حتى دعا 4 بالسفرة ثم قال: أقترب قلت: ألست ترى البيوت قال أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. رواه أبو داود 5، وكالمرض، والصوم أشق فلا يقاس على الصلاة.
قل أفطر الحاجم والمحجوم ... بذا أتى 6 النص عداك اللوم
أي: يفطر الحاجم والمحجوم بالحجامة إن 7 ظهر بها 8 دم، وبه قال: إسحاق وابن المنذر ومحمَّد بن إسحاق بن خزيمة وعطاء وعبد الرحمن بن مهدي.
وكان مسروق والحسن وابن سيرين لا يرون للصائم أن يحتجم.
وكان جماعة من الصحابة يحتجمون ليلًا في الصوم منهم ابن عمر وابن عباس وأبو موسى وأنس بن 9 مالك.
ورخص فيها أبو سعيد الخدري وابن مسعود وأم سلمة وعروة وسعيد ابن جبير، وقال أبو حنيفة والثوري ومالك والشافعيُّ: يجوز للصائم أن يحتجم ولا يفطر لما روى البخاري 1 عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (احتجم وهو صائم) 2، ولأنه دم 3 خارج من البدن أشبه القصد 4 5.
ولنا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أفطر الحاجم والمحجوم: رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد عشر نفسًا قال أحمد: حديث شداد بن أوس من أصح حديث يروى في هذا الباب، وإسناد حديث رافع إسناد جيد، وقال: حديث ثوبان وشداد صحيحان، وقال علي بن المديني: أصح شيء في هذا الباب حديث شداد وثوبان 6.
وحديثهم منسوخ بحديثنا [بدليل حديث ابن عباس قال احتجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقاحة 7 بقرن وناب] 8 وهو محرم صائم .. فوجد لذلك ضعفًا شديدًا فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحتجم الصائم.
رواه أبو إسحاق الجوزجاني في المترجم 9، وعن الحكم قال: احتجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضعف
ثم كرهت الحجامة للصائم 1، وكان ابن عباس وهو راوي حديثهم يعد الحجام والمحاجم فإذا غابت الشمس احتجم .. كذلك رواه الجوزجاني 2.
فإن قيل: فقد روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى الحاجم والمحجوم يغتابان فقال: ذلك 3 أجيب بأنه لم تثبت صحة 4 هذه الرواية مع أن عموم اللفظ يقدم على خصوص السبب (و) لا يقال: معنى أفطر الحاجم والمحجوم أي: قربا من الفطر لأنه تأويل يحتاج إلى دليل 5.
ومن غدا في صومه مستنشقا ... ممضمضا 6 لحلقه الما سبقا
فليس ذا للصوم 7 قالوا: أبطلا 8 ... حتى ولو بالغ فيما فعلا 9
يعني: إذا تمضمض الصائم أو استنشق 10 فدخل الماء حلقه بغير قصده لم يفسد صومه، وهذا قول الأوزاعي وإسحاق والشافعيُّ في أحد قوليه 11، وروي ذلك عن ابن عباس.
وقال أبو حنيفة ومالك: يفطر لأنه أوصل 12 الماء إلى حلقه ذاكرًا لصومه فأفطر كما لو تعمد شربه 13.
ولنا: أنه وصل إلى حلقه من غير قصد أشبه ما لو طارت ذبابة إلى حلقه وبهذا فارق المتعمد.
فإن بالغ الصائم في المضمضة أو الاستنشاق فقد فعل مكروهًا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للقيط بن صبرة 1 وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا 2، فإن دخل الماء حلقه فقال أحمد: يعجبني أن يعيد صومه.
والصحيح من المذهب أنه لا يفطر بذلك كما ذكر الناظم، لأنه وصل من غير قصد أشبه غبار الطريق 3 إذا دخل حلقه، وكذلك 4 لو زاد على الثلاث في المضمضة لغير طهارة، إن كانت لحاجة كغسل 5 فمه 6 عند الحاجة إليه ونحوه فحكمها حكم المضمضة للطهارة، وإن كان عبثًا أو تمضمض من أجل العطش كره، وسئل أحمد عن الصائم يعطش فيتمضمض ثم يمجه قال: يرش على صدره أحب إلي فإن فعل فوصل الماء إلى حلقه أو أنزل 7 الماء في فيه عابثًا أو تبردًا 8 فالحكم فيه كالحكم في الزائد على الثلاث لأنه مكروه.
وواطيء في الصوم إذ يكفر ... وعاد كفارته تكرر
يعني: إذا جامع في يوم وكفر ثم عاد فجامع فيه ثانيًا فعليه كفارة ثانية نص عليه.
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعيُّ: لا شيء عليه للجماع الثاني،
لأنه لم يصادف الصوم ولم يمنع صحته فلم يوجب شيئًا كالجماع في الليل 1.
ولنا: أنها عبادة تجب الكفارة بالجماع فيها فتكررت بتكرار 2 الوطء إذا كان بعد التكفير 3 كالحج، (ولأنه وطء محرم بحرمة رمضان فأوجب الكفارة كالأول وفارق الوطء في الليل لأنه مباح) 4، وهكذا كل من لزمه الإمساك إذا جامع في نهار رمضان وجبت عليه الكفارة وإن جامع في يوم ثم أعاده فيه قبل التكفير فكفارة واحدة بغير خلاف، وإن جامع في يومين أو أكثر 5 فلكل يوم كفارة سواء كفر للأول أم 6 لا.
كذاك (6) إن ظن غروب الشمس ... أو ظن أن الليل باق ممسي
وظهر الأمر بالانعكاس ... كفارة وهكذا في الناسي
يعني: إذا وطئ يظن 7 أن الشمس غربت ولم 8 تكن كذلك أو وطئ يظن أن الفجر لم يطلع وكان قد طلع أو ناسيًا فعليه الكفارة 9، وكذا لو
وطئ مكرهًا 1 لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الذي قال: وقعت على امرأتي بالكفارة ولم يستفصله، ولو اختلف الحال لسأل واستفصل، لأنه لا يجوز تأخير البيان عن 2 وقت الحاجة.
فإن قيل: ففي السؤال ما يدل على العمد وهو قوله هلكت أو احترقت 3.
أجيب: بأنه يجوز أن يخبر بهلكته لما يعتقده 4 في الجماع مع النسيان وخوفه من غير ذلك 5.
والمرأة إذا طاوعت غير جاهلة أو ناسية كالرجل، فإن عذرت فالقضاء فقط.
والنزع عندنا جماع يذكر ... مذ بان فجر معه يكفر
يعني: إذا طلع عليه الفجر وهو يجامع فنزع في الحال مع أول طلوع الفجر فعليه القضاء والكفارة على الصحيح من المذهب، لأن النزع جماع (عندنا) 6 يتلذذ به أشبه الإيلاج 7.
وقال أبو حفص، لا قضاء عليه ولا كفارة، وهو قول أبي حنيفة = وذكر ابن الماجشون وابن نافع عن مالك أنه يجب على من جامع ناسيًا في نهار رمضان الكفارة.
انظر المنتقى للباجي 2/ 65 والكافي لابن عبد البر 1/ 341.
والشافعيُّ، لأنه ترك الجماع فلا يتعلق به ما يتعلق 1 بالجماع كما لو حلف لا يدخل دارًا وهو فيها فخرج منها 2.
وقال مالك: لا يبطل 3 صومه ولا كفارة عليه، لأنه 4 لا يقدر على أكثر مما 5 فعله من ترك الجماع 6.
وقال الشيخ الموفق: وهذه المسألة تقرب من الاستحالة 7، إذ 8 لا يكاد يعلم بطلوع الفجر على وجه يتعقبه النزع من غير أن يكون قبله شيء من الجماع فلا حاجة إلى فرضها والكلام فيها 9.
وليلة القدر فقل 10 أرجاها ... سبع وعشرون فقم تلقاها
ليلة القدر ليلة شريفة مباركة معظمة مفضلة قال الله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3] أي: العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وقال 11 النبي - صلى الله عليه وسلم -:"من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه".
متفق عليه 12، سميت ليلة القدر لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة من خير ورزق وبركة وغيرها، يروى عن ابن عباس 13، وقيل غير ذلك،
وتختص برمضان، وتطلب في العشر الأخيرة منه وأوتاره آكد، وأرجاها ليلة سبع وعشرين، قال أبي بن كعب وابن عباس: هي 1 ليلة سبع وعشرين (قال زر بن حبيش: قلت لأبي بن كعب: أنَّى 2 علمت 3 أبا المنذر أنها ليلة سبع وعشرين؟) 4 قال: أخبرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنها ليلة صبيحتها تطلع الشمس ليس لها شعاع فعددنا وحفظنا، والله لقد علم ابن مسعود أنها في رمضان وأنها ليلة سبع وعشرين، ولكنه كره أن يخبركم فتتكلوا 5، قال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ 6 وحكي عن ابن عباس أنه قال: سورة القدر 7 ثلاثون كلمة السابع والعشرون 8 منها هي 9، وروى أبو داود بإسناده عن معاوية عن النبي 10 في ليلة القدر قال 11: "ليلة سبع وعشرين" 12 وفيها أقوال أخر 13 وأحاديث، وهي متنقلة في ليالي العشر.
قال أبو قلابة 14: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجيب 15 على حسب ما
يسأل 1، فعلى هذا كانت في السنة التي رأى أبو سعيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد 2 في الماء والطين ليلة إحدى عشرين 3 وفي السنة التي أمر عبد الله بن أنيس ليلة ثلاث وعشرين 4، وفي السنة التي رأى أبي بن كعب علامتها ليلة 5 سبع وعشرين، وهد ترى علامتها في غير هذه الليالي.
قال بعض أهل العلم: أبهم الله هذه الليلة على الأمة ليجتهدوا في طلبها، ويجدوا في العبادة في الشهر كله طمعًا في إدراكها، كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة ليكثروا من الدعاء في اليوم كله، وأخفى اسمه الأعظم في الأسماء ورضاه في الطاعات ليجتهدوا 6 في جميعها، وأخفى الأجل وقيام الساعة ليجد الناس في العمل حذرًا منها، والله أعلم.
والاعتكاف لا تجز إيقاعه ... في المسجد العاري عن الجماعة
الاعتكاف لغة: لزوم الشيء وحبس النفس عليه برًا كان أو غيره 7 منه قوله تعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ 8.
وشرعًا: لزوم المسجد لطاعة الله على وجه مخصوص.
وهو مشروع بالكتاب 9 والسنة قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على
أن الاعتكاف لا يجب على الناس فرضًا إلا أن ينذر المرء على نفسه الاعتكاف فيجب عليه 1.
ولا يصح إلا في المسجد لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187] فلو صح في غيرها لم تختص بتحريم المباشرة، إذ هي محرمة في الاعتكاف مطلقا، ولأنه -عليه السلام- كان لا يدخل البيت في اعتكافه إلا لحاجة، ولا يصح ممّن تلزمه الجماعة إلا بمسجد تقام فيه 2 لما روى الدارقطني بإسناده عن الزهري عن عروة وسعيد ابن المسيب عن عائشة أن السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لحاجة الإنسان، ولا اعتكاف 3 إلا في مسجد جماعة 4، وهو ينصرف إلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولئلا يلزم ترك الجماعة أو 5 تكرر الخروج المنافي للاعتكاف، بخلاف الجمعة لأنها لا تتكرر.
ويصح اعتكاف المرأة ومن لا تلزمه الجماعة كالعبد والمسافر بكل 6 مسجد، ولا يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها، لأنه ليس بمسجد حقيقة.
كفارة الوطئ 1 في الاعتكاف ... تلزم والشيخان بالخلاف
يعني: تجب الكفارة بالوطء في الاعتكاف المنذور، واختاره أبو بكر والقاضي وأصحابه قال في المستوعب: هذا أصح الروايات وقدمه في الخلاصة والرعايتين والحاويين وغيرهم.
وعنه: لا كفارة مطلقًا وهو الصحيح من المذهب واختاره الموفق والشارح والمجد وصاحب الفائق وغيرهم وقطع به في التنقيح والإقناع والمنتهى وغيرها لكن عليه الكفارة لإفساد النذر قال 2 في الفروع: ومراد أبي بكر ما اختاره صاحب المغني والمحرر والمستوعب وغيرهم أنه أفسد المنذور بالوطء فهو كما لو أفسده بالخروج لما له منه بد على ما سبق 3 وهذا معنى كلام القاضي (في الجامع الصغير) 4.
وقال ابن عقيل في الفصول: يجب في التطوع في أصح الروايتين، قال المجد في شرحه: لا وجه له، قال: (لم يذكرها القاضي ولا وقفت على لفظ يدل عليها عن 5 أحمد، وهي في المستوعب.
وحيث أوجبنا الكفارة بالوطء فهي كفارة يمين وقال القاضي 6 في الخلاف: كفارة الظهار، قدمه في النظم والفائق والرعاية الصغرى والحاويين.
وقيل: كفارة رمضان، واختاره في الرعاية الكبرى قال في الهداية: وهو ظاهر كلام أحمد في رواية حنبل 7.
نذر اعتكاف يقضى بعد الموت ... كنذر صوم جاءنا 1 للفوت يعني: إذا مات بعد أن نذر اعتكافًا 2 وتمكن 3 من فعله فإنه يقضى عنه، فيفعله وليه أو 4 غيره بإذنه وبدونه قياسًا على الصوم 5. ولأن الكفارة تجب بتركه في الجملة أشبه الصوم، وكذا الحج والعمرة ونذر الطواف والوضوء ونحوه لعموم قوله -عليه السلام-: "فدين الله أحق بالوفاء" 6. وأما صلاة الفرض وقضاء رمضان فلا يقضى عنه، لكن يطعم في قضاء رمضان إن لم يكن تركه لعذر عن كل يوم طعام مسكين، وكذا صوم متعة وكفارة لوجوبه بأصل الشرع بخلاف النذر.