ومن كتاب الصداق
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البهوتي
- الكتاب
- المِنَحُ الشَّافِيات بِشَرْحِ مُفْردَاتِ الإمَامِ أحْمَد
- المؤلف
- منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتى الحنبلى (المتوفى: 1051هـ)
- المحقق
- أ. د. عبد الله بن محمد المُطلَق
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1427 هـ - 2006 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بفتح الصاد وكسرها، وهي مشروع بالكتاب والسنة [والإجماع، قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4] والسنة] 1 شهيرة بذلك، والصداق: العوض في النكاح، وله 2 تسعة أسماء الصداق والصدقة والمهر والنحلة والفريضة والأجر والعلائق والعُقْر 3 والحباء 4، روي عنه - عليه السلام - أنه قال: "أدوا العلائق"، قيل: يا رسول الله، وما العلائق؟ قال: "ما تراضى به الأهلون" 5، وقال عمر: لها عقل نسائها 6 7، ويقال: أصدقت المرأة ومهرتها ولا يقال: أمهرتها ذكره غير واحد.
من قال عتق أمتي الصداق ... ينعقد النكاح والإعتاق 8
يعني: إذا قال لأمته: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك أو قال: أعتقت
أمتي وجعلت عتقها صداقها ونحوه مما يؤدي هذا المعنى، وكان متصلًا بحضرة شاهدين انعقد النكاح والعتق، وكان العتق هو الصداق، لحديث أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أعتق صفية وجعل عتقها صداقها)، رواه أحمد والنسائيُّ وأبو داود والترمذيُّ وصححه 1، وروى 2 الأثرم 3 عن صفية قالت: (أعتقني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجعل عتقي صداقي)، وروى الأثرم أيضًا 4 عن علي أنه كان يقول: (إذا أعتق الرجل أم ولده فجعل عتقها صداقها فلا بأس بذلك)، ولأن العتق يجب تقديمه على النكاح ليصح وقد شرطه صداقًا فتوقف صحة العتق على صحة النكاح، فيكون العتق صداقًا، وقد ثبت العتق فيصح النكاح، ولا 5 فرق فيما تقدم بين الأمة القن 6 وأم الولد والمدبرة والمكاتبة والمعلق عتقها على صفة 7 قبل وجودها ولا بين المسلمة، والكتابية، وكذا لو أعتقها وزوجها أو أجرها لزيد مثلًا على ألف وقبل 8 زيد فيهما وكذا لو أعتقها وجعل عتقها مع دراهم معلومه ونحوها صداقها 9 10. بدون مهر المثل في المبالغة ... لوالد تزويج حتى بالغه
يعني: يجوز 1 للأب أن يزوج بنته بدون مهر مثلها بكرًا كانت أو ثيبًا صغيرة أو كبيرة رضيت أو كرهت قال في الشرح 2: وبه قال أبو حنيفة ومالك 3.
وقال الشافعي: ليس له ذلك فإن فعل فلها مهر مثلها، لأنه عقد معاوضة فلم يجز أن ينقص به عن قيمة المعوض كالبيع ولأنه تفريط في مالها 4.
ولنا: قول عمر وقد خطب الناس: (ألا لا تغالوا 5 في صداق النساء فما أصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدًا من نسائه ولا أحدًا من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية) 6، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر فكان اتفاقًا منهم على أن له أن يزوج بذلك وإن كان دون صداق المثل.
وزوج سعيد بن المسيب ابنته 7 بدرهمين 8 (وهو من) 9 أشرف 10 قريش شرفًا 11 وعلمًا ودينًا، ومن المعلوم أنهما ليسا 12 مهر مثلها، ولأنه ليس المقصود من النكاح العوض وإنما المقصود السكن والأزواج 13 ووضع المرأة في منصب
(عند 1) من يكفلها ويصونها 2 ويحسن عشرتها، والظاهر من الأب مع تمام شفقته وبلوغ نظره أنه لا ينقصها من صداقها إلا لتحصيل المعاني 3 المقصودة 4 بالنكاح، ويفارق سائر عقود المعاوضات؛ فإن المقصود فيها العوض فلم يجز تفويته، وليس ذلك لغير الأب إلا بإذنها إن كانت رشيدة، فإن فعله غيره بغير إذنها وجب مهر المثل على الزوج لفساد التسمية وعلى الولي ضمانه، لأنه المفرط كما لو باع مالها بدون ثمن مثله.
وإن زوج الأب ابنه الصغير أو 5 المجنون بأكثر من مهر المثل صح ولزم ذمة الابن، لأن المعوض 6 له فكان العوض 7 عليه كالكبير وكثمن 8 المبيع (9)، ولا يضمنه الأب لو كان ابنه معسرًا إلا إن ضمنه ولو بقوله علي 9 ونحوه.
وناكح بغير إذن عبد 10 ... بعد الدخول حيث رد العقد
لزوجة من مهرها خمسان ... قضى بذاك جامع القرآن
يعني: (إذا نكح العبد فإن كان) 11 بإذن سيده على مهر مسمى فالنكاح صحيح والمهر والنفقة وتوابعها (على سيده سواء ضمنهما أو لا، وسواء) (12) كان مأذونًا له في التجارة أو محجورًا عليه، وإن كان بغير إذن
سيده لم يصح النكاح 1، وقال أبو حنيفة: هو موقوف على إجازة سيده 2. ولنا: حديث جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر 3 " رواه الأثرم وأبو داود 4 [وابن ماجة وروى أبو داود 5]، وابن ماجة 6 أيضًا عن ابن عمر موقوفًا: (أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو زان) فإن فارقها قبل الدخول فلا شيء عليه، لأنه عقد باطل فلا يوجب بمجرده شيئًا كالبيع الباطل، وإن فارقها بعد الدخول فلها خمسا 7 المسمى في رواية اختارها الخرقي لما روى أحمد بإسناده عن جلاس 8 أن غلامًا لأبي موسى تزوج بمولاة تيحان التميمي بغير إذن مولاه، فكتب أبو موسى 9 في ذلك إلى عثمان بن عفان، فكتب إليه: (أن فرق بينهما وخُذْ لها الخُمْسَين من صداقها، وكان صداقها خمسة أبعرة) 10. والصحيح من المذهب أن الواجب مهر المثل (كقول أكثر الفقهاء، لأنه وطء يوجب المهر فأوجب مهر المثل) 11 بكماله كسائر الأنكحة الفاسدة 12 ويتعلق 13 ذلك برقبة العبد كسائر أروش جنايته فيفديه (سيده) 14 بالأقل منه أو من قيمته أو يسلمه.
والمراد بقوله جامع القرآن: عثمان بن عفان -رضي الله عنه- وقد تقدم ذكر القصة التي رواها الإمام أحمد عنه 1.
وقد يمكن الجواب عنها بأن خمسي 2 المسمى كان مهر مثلها فهي قضية عين طرقها الاحتمال فلا استدلال بها.
إن أطلق التأجيل في الصداق ... يصح والمحل في الفراق 3
يعني: يصح أن يكون الصداق كله حالًا وأن يكون مؤجلًا وأن يكون بعضه حالًا وباقيه مؤجلًا، لأنه عوض في معاوضة فجاز ذلك فيه كالثمن ومتى أطلق اقتضى الحلول كما لو أطلق ذكر الثمن، وإن شرطه مؤجلًا إلى وقت فهو إلى أجله.
وإن شرطه مؤجلًا ولم يذكر أجله صح، ومحله الفرقة، قال أحمد: إذا تزوج على العاجل والآجل لا يحل الآجل إلا بموت أو فرقة، وهو قول النخعي والشعبي، لأن المطلق يحمل على العرف، والعادة في الصداق الآجل 4 ترك المطالبة به إلى حين الفرقة فحمل عليه فيصير حينئذ 5 معلومًا بذلك بخلاف قدوم زبد ونحوه 6.
وقوله: والمحل بكسر الحاء أي: وقت حلوله 1 الفراق أي: البائن فلو طلقها رجعيًا لم يحل حتى تقضي عدتها لما تقدم.
والمهر عبدًا عينوه فظهر ... حرًا لها 2 قيمته فيما اشتهر
يعني: لو تزوجها على عبد معين تظنه 3 مملوكًا للزوج فبان حرًا فلها قيمته 4، لأن العقد وقع على التسمية 5 فكانت لها 6 قيمته كما لو ظهر مغصوبًا، ولأنها رضيت بقيمته إذ ظنته مملوكًا فكان لها قيمته كما لو وجدته معيبًا فردته، بخلاف ما إذا قال: أصدقتك هذا الحر وهذا المغصوب فإنها رضيت بغير شيء كرضاها 7 بما تعلم أنه ليس بمال أو بما لا يقدر على تمليكها إياه، فصار وجود التسمية كعدمها فكان 8 لها مهر المثل وسواء سلمه إليها أو لم يسلمه [لأنه سلم] 9 ما لا يجوز تسليمه فكان وجوده
كعدمه، وإن أصدقها خلا فظهر خمرًا أو مغصوبًا فلها مثله خلًا، لأنه مثلي كالإتلاف.
في قدر ما أصدق حيث اختلفا ... فمهر مثل مطلقًا لا يحلفا
يعني: إذا اختلف الزوجان في قدر ما أصدق الزوج المرأة وجب مهر المثل ولا يتحالفان هنا بخلاف البيع، وسواء كان الاختلاف قبل الدخول 1 أو بعده كما أشار إليه بقوله مطلقًا، وهذا إذا كان 2 مهر المثل موافقًا لدعوى أحدهما، أو ادعى 3 الزوج أقل منه وادعت (4) هي أكثر منه فيردان إليه حيث لا بينة لأحدهما.
وعنه القول: قول الزوج بيمينه وهي المذهب قطع بها في التنقيح والإقناع والمنتهى وغيرها، لأنه مدعى عليه منكر للزيادة فدخل في عموم قوله -عليه السلام-: "ولكن اليمين على المدعي عليه" 4.
وكذا لو مات الزوجان فاختلف ورثتهما 5، أو مات أحدهما فاختلف ورثته مع الآخر، أو كان أحدهما محجورًا عليه اختلف وليه مع الآخر.
وكذا لو اختلفا في عين الصداق (أو صفته أو جنسه أو ما يستقر به) 6 فأما إن اختلفا في قبضه] 7 فالقول قولها بيمينها 8 ولو بعد الدخول، لأنها منكرة له.
بخلوة الزوجين مهر يكمل ... حتى ولو حائض كانت 9 نقلوا
أو أحرمت بالحج أو قد صامت ... ......................
يعني: أن المهر يتقرر كاملًا بالخلوة إذا علم الزوج بها وكانت يوطأ مثلها، ولو كانت حائضًا أو نفساء أو محرمة بالحج أو بالعمرة 1 أو صائمة ولو فرضًا، وكذا لو كانت رتقاء، لأن التسليم المستحق عليها قد وجد وإنما الحيض والإحرام والرتق ونحوه من غير جهتها فلا يؤثر في المهر، كما لا يؤثر في إسقاط النفقة، وكذا لو كان المانع من الزوج كإحرامه وصيامه وعنته 2 وجبه ونحوه 3. ...................... ... أو في نكاح فاسد قد كانت يعني: إذا كان النكاح فاسدًا كبلا ولي ونحوه فخلا بها استقر المسمى قياسًا على النكاح 4 الصحيح، هذا قول الأصحاب، واختار 5 الموفق أنه لا يستقر بها قال الشارح 6: وهو أولى؛ لأن الصداق لم يجب بالعقد وإنما أوجبه الوطء 7 ولم يوجد 8، ولذلك لا يتنصف بالطلاق قبل الدخول فأشبه الخلوة بالأجنبية، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إنما جعل لها المهر بما استحل من فرجها) 9، ولم يوجد ذلك في الخلوة بغير إصابة.
(فائدة): إذا تزوجت 1 المرأة تزويجًا فاسدًا لم يحل تزويجها لغير 2 من تزوجها حتى يطلقها أو يفسخ نكاحها، فإن امتنع من طلاقها فسخ الحاكم نكاحه نص عليه، لأنه نكاح يسوغ فيه الاجتهاد فاحتيج في التفريق 3 إلى إيقاع فرقة كالصحيح المختلف فيه، ولأن تزويجها من غير فرقة يفضي إلى تسليط زوجين بها كل واحد منهما يعتقد صحة نكاحه 4 وفساد نكاح الآخر بخلاف الباطل.
فإن تزوجت بآخر قبل التفريق لم يصح نكاح الثاني ولم يجز تزويجها الثالث حتى يطلق الأولان أو يفسخ نكاحهما.
أيضًا كذا يكمل بالتقبيل ... ونظر للفرج 5 في التمثيل
يعني: مثل الخلوة في تقرير 6 المسمى كاملًا تقبيل الزوج للزوجة بحضرة الناس ولمسه لها ونظره إلى فرجها لشهوة 7، قال أحمد: إذا أخذها فمسها وقبض عليها من غير أن يخلو بها لها الصداق كاملًا إذا نال منها شيئًا لا يحل لغيره، وذلك لما روى الدارقطني عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان 8، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من كشف خمار امرأة ونظر إليها وجب الصداق دخل أو لم يدخل" 9، ولأنه مسيس فيدخل في مفهوم قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 237]، ولأنه استمتاع بامرأة فكمل به الصداق كالوطء.
وقال أكثر أهل العلم: لا يكمل بذلك الصداق وقالوا 1: إنما أريد بقوله من قبل أن تمسوهن في الظاهر الجماع، ترك عمومه فيمن خلا بها لقول الصحابة فبقي فيما عداه على مقتضى العموم 2. بزائد 3 المهرين في الإعلان 4 ... يؤخذ لا بأول أو ثاني يعني: لو تزوج امرأة على صداق في السر ثم أعلناه بصداق آخر أخذ بالزائد منهما ولم يتعين الأخذ بالأول ولا بالثاني من حيث هو أول أو ثاني، وإنما وجب الأخذ بالزائد منهما، لأنه إن كان مهر السر فقد وجب بالعقد ولم يسقطه 5 العلانية، وإن كان مهر العلانية فقد وجد منه بذل الزائد على مهر السر فوجب عليه ذلك كما لو زادها على صداقها 6. وإن اختلف الزوجان فقال الزوج: هو عقد واحد أسر ثم أعلن وقالت: بل 7 عقدان بينهما فرقة فقولها عملًا بالظاهر، وإن اتفقا على أن المهر ألف وأنهما يعقدان العقد بألفين تجملًا ففعلا 8 ذلك فالمهر ألفان، لأنها تسمية صحيحة في عقد صحيح فوجب كما لو لم يتقدمها اتفاق على خلافها 9، وسواء كان السر 10 من جنس العلانية أو كانا 11 من
جنسين 1، لكن يستحب للمرأة الوفاء للزوج بما وعدته به وشرطته من أنها لا تأخذ إلا ما أسره لئلا يحصل منها الغرر ولحديث المؤمنون على شروطهم.