من باب الأشربة والأطعمة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البهوتي
- الكتاب
- المِنَحُ الشَّافِيات بِشَرْحِ مُفْردَاتِ الإمَامِ أحْمَد
- المؤلف
- منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتى الحنبلى (المتوفى: 1051هـ)
- المحقق
- أ. د. عبد الله بن محمد المُطلَق
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1427 هـ - 2006 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الأشربه: جمع شراب واشتهر إطلاقه على ما يحرم منه والأطعمة: جمع طعام وهو ما يؤكل ويشرب، والأصل فيها الحل لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29] وقوله تعالى 1: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: 157]. على العصير إن مضت أيام ... ثلاثة فشربه 2 حرام لو لم يكن يسكر أو لم يغل ... كذا النبيذ مثله في النقل إذا غلى العصير كغليان القدر وقذف 3 بزبده 4 فلا خلاف في تحريمه وإن لم تأت 5 عليه ثلاثة أيام، وإن لم يغل وأتت عليه ثلاثة أيام بلياليهن 6 فهو حرام، قال أحمد: اشربه ثلاثة 7 ما لم يغل فإذا 8 أتت عليه أكثر من ثلاثة أيام فلا تشربه.
وأكثر أهل العلم يقولون: إنه مباح ما لم يغل ويسكر لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"اشربوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرًا" رواه أبو داود 1، ولأن علة تحريمه الشدة المطربة وإنما هي في المسكر 2 خاصة.
ولنا: ما روى الشالنجي 3 بإسناده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "اشربوا العصير ثلاثًا ما لم يغل" 4 وقال ابن عمر: اشربه ما لم يأخذه شيطانه قيل: وفي كم يأخذه شيطانه؟ قال في ثلاث: 5 ولأن الشدة تحصل في الثلاث 6 غالبًا وهي خفية 7 تحتاج إلى ضابط فجاز جعل الثلاث ضابطًا لها.
والنبيذ:- ماء يلقى فيه تمر أو زبيب أو نحوهما ليحلو به الماء وتذهب ملوحته كالعصير فلا بأس به ما لم يغل أو 8 تأت عليه ثلاثة أيام لما روي عن ابن عباس: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينبذ الزبيب فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة ثم يأمر به فيسقى الخدم أو يهراق"، رواه أبو داود 9
فإن غلا أو أتى عليه ثلاثة أيام بلياليهن 1 حرم لما تقدم.
وشرب خمر مطلقًا محرم ... لا لدوا أو عطش 2 ما سلموا
أي: لا يجوز شرب الخمر للذة ولا لتداو ولا لعطش 3 ولا لغيره إلا أن يضطر إليه لدفع لقمة غص بها فيجوز إن لم يجد غيره 4.
وقال أبو حنيفة: يباح شربها للتداوي والعطش 5.
وللشافعي فيه 6 وجهان كالمذهبين، وله وجه ثالث تباح 7 للتداوي دون العطش 8 , لأنها حال ضرورة فأبيح فيها كدفع الغصة 9.
ولنا: ما روى أحمد بإسناده عن طارق بن سويد أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: إنما أصنعها 10 للدواء 11، فقال: "إنه ليس بدواء ولكنه داء" 12، وبإسناده إلى أم سلمة أنه -عليه السلام- قال: "إن الله لم يجعل فيما حرم عليكم شفاء" 13، ولأنه
محرم لعينه فلم يبح للتداوي كلحم 1 الخنزير، والعطش لا يندفع به فلم يبح بخلاف ماء نجس 2 فإن فيه رطوبة تدفعه.
جلالة من سائر الأجناس 3 ... تنجس أو تصد 4 بالأحباس
ولحمها يحرم شرب 5 اللبن ... كذاك والبيض فأيضًا قد عني
أي: تحرم الجلالة وهي التي أكثر علفها النجاسة وكذا لبنها وبيضها ما لم تحبس ثلاثًا وتطعم الطاهر وتمنع من النجاسة طائرًا كانت أو بهيمة 6 7.
وقال الشافعي: هي مكروهة غير محرمة.
وكره أبو حنيفة لحومها والعمل 8 عليها حتى تحبس 9.
ورخص الحسن في لحومها وألبانها, لأن الحيوان لا ينجس بأكل النجاسات بدليل أن شارب الخمر لا نحكم 10 بتنجس 11 أعضائه، والكافر
الذي يأكل الخنزير والمحرمات لا يكون ظاهره نجسًا.
ولنا: ما روي أن عمر قال: (نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكل الجلالة وألبانها) رواه أبو داود 1، وروى عبد الله بن عمرو بن العاص 2 قال 3: (نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الإبل الجلالة أن يؤكل لحمها ولا يحمل عليها إلا الأدم 4، ولا يركبها الناس حتى تعلف 5 أربعين ليلة) رواه الخلال بإسناده 6، ولأن لحمها متولد من النجاسة فيكون نجسًا كرماد النجاسة، وأما شارب الخمر فليس ذلك أكثر غذائه، وإنما 7 يتغذى الطاهرات 8، وكذا الكافر في الغالب، وكان ابن عمر إذا أراد أكلها حبسها ثلاثًا 9، ويكره ركوب الجلالة أيضًا وهو قول عمر وابنه وأصحاب الرأي: لحديث عبد الله بن عمرو ولأنها ربما عرقت فتلوث بعرقها.
وهكذا 10 فالزرع والثمار ... بنجس 11 إن تسق لا تماروا
أي: مثل الجلالة في التحريم والنجاسة ما سقي النجس 12 من زرع
وثمر لما روى ابن عباس قال: (كنا نكري أراضي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونشترط 1 عليهم أن لا يدملوهما بعذرة: الناس) 2 فلولا أن ما فيها يحرم بذلك لم يكن في اشتراط ذلك فائدة، ولأنه يتربى 3 بالنجاسة أجزاؤه، والاستحالة لا تطهر عندنا، فإن سقي الثمر أو الزرع بعد ذلك طاهرًا 4 يستهلك عين النجاسة به طهر وحل 5 , لأن الماء الطهور يطهر النجاسات، كالجلالة إذا حبست وأطعمت الطاهرات.
(تنبيه) قال في القاموس 6: ودمل الأرض دَمْلًا وَدَمْلانًا أصلحها 7 أو سرقنها 8 فَتَدَّمَلت 9 صلحت به.
وإن يمر المرء بالبستان ... خال من الناطور والحيطان
يجوز أكل الرطب من ثماره ... حتى بلا إذن ولا اضطراره
من غير تضمين كذا في الزرع ... في أشهر كذاك حلب الضرع
يعني: أنه يجوز لمن مرّ بثمر 10 على شجر أو ساقط 11 تحته ولا حائط عليه ولا ناطور أي: حافظ أن يأكل منه ولو من غصونه من غير رميه بشيء ولا ضربه ولا صعود على 12 شجره، ولو غير مسافر ولا مضطر، ولا ضمان عليه فيما يأكله كذلك، وهو قول عمر وابن عباس وأبي برزه
وأنس بن مالك وعبد الرحمن بن سمرة 1.
وقال أكثر الفقهاء: لا يباح إلا في الضرورة 2 لحديث: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا ... "إلخ 3 متفق عليه 4.
ولنا: ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن الثمر المعلق فقال: "من 5 أصاب منه من ذي 6 حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن أخرج منه شيئًا فعليه كرامة مثليه والعقوبة".
قال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ 7، وروى أبو سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا أتيت على حائط بستان فناد: يا صاحب البستان ثلاثًا فإن أجابك وإلا فكل من غير أن تفسد" 8. وروى سعيد بإسناده عن الحسن عن سمرة 9 عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله، ولأنه قول من سمينا من الصحابة من غير مخالف فكان إجماعًا.
وأحاديث المخالف مخصوصة بما روينا، وكذلك 10 حكم الزرع
فيجوز أن يأكل من الفريك 1 , لأن العادة جارية بأكله رطبًا أشبه الثمر، وكذلك في الباقلاء والحمص وشبهه مما جرت العادة بأكله رطبًا دون الشعير ونحوه، وكذا لبن الماشية يجوز أن يحلب ويشرب ولا يحمل، لما روى الحسن 2 عن سمره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا أتى أحدكم على 3 ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه وإن لم يجد أحدًا 4 فليحلب وليشرب 5 ولا يحمل" رواه الترمذيُّ وقال: حسنٌ صحيحٌ، والعمل عليه عند بعض أهل العلم، هذا قول إسحاق" 6 والأولى في ذلك كله أن لا يفعله 7 إلا بإذن المالك خروجًا من الخلاف والأخبار الدالة على التحريم 8. وإن يمر مسلم مسافر ... بمسلم آخر وهو حاضر فليلة الضيف فحق 9 واجب ... وإن أبى بدينها يطالب يعني: إذا مر مسلم بمسلم آخر في قرية لا مصر وجبت عليه ضيافته يومًا وليلة فإن أبى ضيافته فللضيف مطالبته 10 بها عند الحاكم 11. وقال الأكثرون: هي سنة كصدقة التطوع.
ولنا: حديث المقداد بن أبي كريمة 1 أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليلة الضيف واجبة 2 على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه 3 محرومًا كان دينًا عليه إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه" رواه سعيد وأبو داود، وإسناده ثقات 4 وصححه في الشرح 5، وروى أحمد وأبو داود 6: (وإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه) 7. وفي حديث عقبة: "فإن 8 لم يفعلوا فخذوا منهم 9 حق الضيف الذي ينبغي لهم" متفق عليه 10.
ولم تجب في الأمصار, لأن فيها السوق والمساجد فلا يحتاج مع ذلك إلى الضيافة بخلاف القرى، فإن تعذر على الضيف محاكمة المضيف جاز له الأخذ من ماله بقدر ضيافته بغير إذنه.
وتمام الضيافة ثلاث أيام، وما زاد فصدقة للخبر 11 ولا يجب عليه إنزاله في بيته إلا أن لا يجد مسجدًا أو نحوه.
وبذل فضل الماء جا في الشرع ... لزومه حتى لسقي الزرع هذا ولو منبعه مملوك ... غني الطالب أو صعلوك أي 1: يجب بذل ما فضل من الماء عن الحاجة ولو كان منبعه مملوكًا لبهائم غيره وزرعه غنيًا كان الطالب أو فقيرًا 2 لحديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من منع فضل الماء [ليمنع به فضل الكلأ] 5 منعه الله فضل رحمته" 7. وعن إياس بن عبد 8 "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع فضل الماء" 9. وعن مهيسة 10 عن أبيها أنه قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل 11 منعه 12؟ قال: "الماء" رواه أبو داود 13.346