ومن كتاب (1) صلاة الجنائز
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البهوتي
- الكتاب
- المِنَحُ الشَّافِيات بِشَرْحِ مُفْردَاتِ الإمَامِ أحْمَد
- المؤلف
- منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتى الحنبلى (المتوفى: 1051هـ)
- المحقق
- أ. د. عبد الله بن محمد المُطلَق
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1427 هـ - 2006 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بفتح الجيم جمع جنازة بكسرها وفتحها وقيل بالكسر اسم للسرير عليه الميت، وبالفتح للميت، وقيل: بالعكس، وإن لم يكن على السرير ميت لم يقل له جنازة ولا نعش 2.
وشارب الميت كذاك الظفر ... طويله يقص 3 ندبًا ذكروا
أي: يستحب قص شارب الميت إذا طال، وهذا قول الحسن وبكر بن عبد الله وسعيد بن جبير وإسحاق لقول أنس: اصنعوا بموتاكم ما تصنعون بعرائسكم 4، ولأن تركه يقبح منظره وفعله مسنون في الحياة ولا 5 مضرة فيه فشرع بعد الموت كالاغتسال.
وكذا يسن قص أظافره إذا طالت لما تقدم 6، وما أخذ 7 منه جعل معه كعضو ساقط.
ويحرم حلق عانته وختنه ولا يسرح شعره بالمشط لأنه يقطعه ولا حاجة إليه.1
بعد أربع المشهور 1 سقط يغسل ... وصل لو لم يستهل نقلوا
السقط بتثليث السين (الولد 2 تضعه المرأة لغير تمام أو ميتًا 3 فإن خرج حيًا واستهل غسل وصلي عليه حكاه ابن المنذر إجماعًا.
وإن خرج ميتًا فقال أحمد: إذا أتى له أربعة أشهر غسل وصلي عليه.
وهذا قول سعيد بن المسيب وابن سيرين وإسحاق 4. وصلى ابن عمر على ابن لابنته ولد ميتًا) 5، وذلك لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "والسقط يصلى عليه".
رواه أبو داود والترمذيُّ وفي رواية الترمذيُّ والطفل يصلى عليه وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح 6 وذكره أحمد واحتج به وبحديث أبي بكر 7 الصديق أنه قال: ما أحد أحق أن يصلى عليه من الطفل 8. ولأنه نسمة نفخ فيها الروح فيصلى عليه كالمستهل، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن مسعود أخبر أنه ينفخ فيه الروح لأربعة أشهر 9.
وأما حديث الطفل لا يصلى عليه 10 ولا يرث ولا يورث حتى
يستهل.
رواه الترمذيُّ: فقال الترمذيُّ: قد اضطرب فيه 1.
والزوج لا توجب عليه كفنا ... لزوجة إعسارها تبينا
يعني: أن الزوج لا يجب 2 عليه 3 كفن زوجته ولا مؤونة تجهيزها ولو كانت معسرة، وهذا قول الشعبي وأبي حنيفة 4، قاله في الشرح 5، لأن النفقة والكسوة وجبت للتمكين 6 من الاستمتاع، ولهذا تسقط بالنشوز، وقد انقطع ذلك بالموت، فأشبه ما لو انقطع بالفرقة في الحياة، ولأنها 7 بانت منه بالموت فأشبهت الأجنبية.
وفارقت المملوك لأن نفقته تجب بحق الملك لا بالانتفاع، ولهذا تجب نفقة الآبق وفطرته، والولد تجب نفقته بالقرابة ولا تبطل بالموت، بدليل أن السيد والوالد 8 أحق بدفنه وتوليه 9.
فإن لم يكن لها مال فذلك على من تلزمه نفقتها من الأقارب، فإن لم يكن ففي بيت المال إن أمكن وإلا فعلى من علم بها من المسلمين 10.
صلاة ميت فالوصي قدموا ... على إمام أو قريب فاعلموا
أي: يقدم الوصي بالصلاة على الميت على الإِمام الأعظم والأقارب وغيرهم وهذا قول سعيد بن زيد وأنس وأبي برزة وزيد بن أرقم وأم سلمة.
وقال الثوري وأبو حنيفة ومالك والشافعيُّ: تقدم العصبات لأنها ولاية تترتب 1 بترتب العصبات، فالولي فيها أولى كولاية النكاح 2.
ولنا إجماع الصحابة -رضي الله عنهم- فقد أوصى أبو بكر أن يصلي عليه عمر 3، وعمر أوصى أن يصلي عليه صهيب 4، وأم سلمة أوصت أن يصلي عليها (سعيد بن زيد 5، وأبو بكرة 6 أوصى أن يصلي عليه 7 أبو برزة 8، وعائشة أوصت أن يصلي عليها أبو هريرة 9، وابن مسعود أوصى = أنها بانت منه بالموت فلا يجب لها عليه شيء غير صحيح بدليل أنه يرثها لو كان لها مال.
انظر بدائع الصنائع 1/ 308 - 309 والمنهاج 1/ 338 وحاشية الدسوقي 1/ 414.
أن يصلي عليه الزبير 1. وهذه قضايا اشتهرت ولم يظهر لها مخالف فكانت إجماعًا ولأنها حق للميت فإنها شفاعة له فقدم وصيه فيها كتفريق ثلثه.
وولاية النكاح يقدم عندنا أيضًا فيها الوصي على الصحيح وإن سلمت 2 فليس حقًا له بل للمولى 3 عليه.
إن كبر الأمام في صلاته ... خمسًا على جنازة فواته
أي: إذا كبر الإِمام في الصلاة على الجنازة خمسًا تابعه المأموم وجوبًا، ولا يتابعه فيما زاد عليها كذلك، رواه الأثرم، وهو ظاهر الخرقي، وقدمه في المقنع وغيره 4 لحديث مسلم 5 عن زيد بن أرقم أنه كبر على جنازة خمسًا، وقال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكبرها، وروى سعيد بإسناده عن حذيفة معناه 6، وعن علي أنه صلى على سهل 7 بن حنيف فكبر عليه خمسًا 8.
وعنه يتابعه إلى سبع قطع به في التنقيح والمنتهى والإقناع وغيرها وهو قول بكر بن عبد الله المزني؛ لأنه روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبر على حمزة سبعًا، رواه ابن شاهين 9، وكبر (علي) 10 على أبي قتاده سبعًا 11، وكبر على
سهل بن حنيف ستًا 1 وهذا إذا لم تظن بدعة الإِمام أو رفضه ولا يجوز الزيادة على سبع ولا النقص عن أربع فإذا جاوز الإِمام سبعًا لم يتابعه ولم يسلم قبله لأنه ذكر وينبغي أن يسبح به بعد السابعة.
وفائت التكبير للمأموم ... قضاؤه فليس بالمحتوم
أي: لا يجب على المسبوق قضاء ما فاته من التكبير بل يخير 2 لحديث عائشة قالت: يا رسول الله، إني أصلى على الجنازة ويخفى عليّ بعض التكبير قال:"ما سمعت فكبري وما فاتك فلا قضاء 3 عليك" 4، ولأنها 5 تكبيرات متواليات حال القيام فلم يجب ما فات منها كتكبيرات العيد 6.
وأما حديث: "فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" 7، فهو في الصلوات الخمس بدليل صدره ولكن يستحب للمسبوق قضاؤه خروجًا من الخلاف وتحصيلًا للأجر.
من غلّ فالإمام لا يصلي ... عليه لكن غيره في النقل
أي: لا يسن للإمام الأعظم وإمام كل قرية وهو واليها في القضاء = الحافظ في التلخيص 2/ 120: وهذه علة غير قادحة لأنه قد قيل: إن أبا قتادة قد مات في خلافة علي وهذا هو الراجح.
الصلاة على الغال وهو: من كتم شيئًا من الغنيمة ليختص به، ويصلي عليه غيره لحديث زيد بن خالد الجهني قال: توفي رجل من جهينة يوم خيبر 1 فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "صلوا على صاحبكم"، فتغيرت وجوه القوم فلما رأى ما بهم قال: "إن صاحبكم غلّ من الغنيمة" 2 احتج به أحمد، واختص الامتناع بالإمام لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما امتنع قال: "صلوا على صاحبكم"، وكان 3 النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الإِمام فألحق به من ساواه 4 في ذلك.
وهكذا عامد قتل نفسه ... لسوء ما يلقاه بعد رمسه 5
يعني: مثل الغال فيما تقدم من تعمد قتل نفسه لحديث جابر بن سمرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاؤوه 6 برجل قد 7 قتل نفسه بمشاقص 8 فلم يصل عليه.
رواه مسلم 9: وروى 10 أبو داود 11 نحوه 12.
والمشاقص 1، جمع مشقص كمنبر 2 نصل عريض 3 أو سهم فيه ذلك، وروي أنه -عليه السلام- أمر بالصلاة على قاتل نفسه 4.
وأشار بقوله لسوء ما يلقاه .. إلخ إلى علة الامتناع من الصلاة عليه 5.
والميت إن قبل الصلاة دفنوا ... تعمدوا ذلك أو 6 ما فطنوا
ينبش ما لم يطل الزمان ... وكان من تفسيخه 7 أمان
يعني: إذا دفن الميت قبل الصلاة عليه عمدًا أو غفلة ونحوها نبش وأخرج وصلي عليه إن لم يخش تغيره أو تفسخه؛ لأن الصلاة عليه واجبة وقد دفن قبلها أشبه ما لو دفن قبل أن يغسل وإنما يصلى على القبر عند الضرورة.
وأما المسكينة التي صلى النبي 8 - صلى الله عليه وسلم - على قبرها ولم تنبش فقد كان صلي عليها 9 فلم تبق الصلاة عليها واجبة فإن تغير الميت لم ينبش.
عند الطلوع 1 أو غروب الشمس ... يكره وضع ميت في رمس
كذاك عند الاستوا في الظاهر ... ......................
أي: يكره الدفن في ثلاثة أوقات:
1 - عند طلوع الشمس حتى ترتفع قيد 2 رمح.
2 - وعند غروبها حتى يتم.
3 - وعند قيامها وهو وقت الاستواء حتى تزول.
لحديث عقبة بن عامر ثلاث ساعات كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينهانا عن الصلاة فيهن وأن نقبر فيهن موتانا حين 3 تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تتضيف الشمس للغروب، رواه مسلم 4.
ومعنى تتضيف 5 أي: تجنح 6 وتميل للغروب من قولك تضيفت فلانًا إذا ملت إليه.
فأما في غير 7 هذه الأوقات فيجوز ليلًا ونهارًا لكن الدفن نهارًا أولى.
............... ... والمشي بالنعلين في المقابر
أي: يكره، فيستحب خلع النعال وما في معناها لمن دخل (في) 1 المقابر لحديث بشير 2 بن الخصاصية 3 قال: بينما أنا أماشي 4 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ رأى رجلًا يمشي في القبور عليه نعلان فقال له: "يا صاحب السبتتين ألق سبتتيك" 5. فنظر الرجل فلما عرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلعها فرمى بهما.
رواه أبو داود، وقال 6 أحمد: إسناده جيد 7، وأكثر أهل العلم لا يرون بذلك بأسًا 8، ولا يكره المشي فيها بالخف.
تطوع القربات كلالصلاة 9 ... ثوابه 10 لمسلمي الأموات
يهدي وكالقرآن مثل الصدقة ... منفعة تأتيهم محققة
يعني: أي قربة فعلها مسلم وجعل ثوابها للميت فإنه ينفعه قال في الشرح 11: أما الدعاء والاستغفار والصدقة وقضاء الدين وأداء الواجبات، فلا نعلم فيه خلافًا إذا كانت الواجبات مما تدخله النيابة، قال الله تعالى:
{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ
سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} [الحشر: 10].
وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19] ودعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي سلمة حين 1 مات 2، وللميت الذي صلى عليه 3، وسأل رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله، إن أمي ماتت أفينفعها أن أتصدق 4 عنها قال: "نعم"، رواه أبو داود 5. وجاءت امرأة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: "أرأيت 6 لو كان على أبيك دين كنت قاضيته؟ " قالت: نعم، قال: "فدين الله أحق أن يقضى" 7 وقال في الذي سأله أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأصوم 8 عنها؟ قال: "نعم" 9، وكلها أحاديث صحاح وفيها دلالة على انتفاع الميت بسائر القرب لأن الصوم والحج والدعاء والاستغفار كلها عبادات بدنية وقد أوصل الله 10 نفعها إلى الميت فكذلك ما سواها 11، وكذا ما ورد في
ثواب من قرأ يس، وتخفيف الله عن أهل المقابر بقراءته 1، وخبر وضع الجريدة 2، ولأنه عمل بر وطاعة فوصل نفعه وثوابه كالصدقة والصوم والحج الواجب 3 4.
وكذا لو جعل الثواب أو بعضه لحي (بلغ) 5 وإهداء القرب مستحب.
= فمحل إجماع قاله النووي في شرح مسلم 1/ 89. أما الحج فقد أجازه مالك إذا أوصى به الميت وأجاز الشافعي حج التطوع عن الميت.
انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 17/ 114 وشرح الزرقاني على الموطأ 2/ 186 وشرح النووي على مسلم 1/ 89 - 90 والفتاوى لابن تيمية 24/ 322 - 323.
وأجيب عن قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)﴾ [النجم: 39]، بما يطول ذكره 1. وعن حديث: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث" 3، بأنه إنما دل على انقطاع عمله وليس هذا من عمله، ولو دل كان مخصوصًا بما سلموه فتعدى إلى ما منعوه أيضًا.245678910