ومن كتاب الشهادات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البهوتي
- الكتاب
- المِنَحُ الشَّافِيات بِشَرْحِ مُفْردَاتِ الإمَامِ أحْمَد
- المؤلف
- منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتى الحنبلى (المتوفى: 1051هـ)
- المحقق
- أ. د. عبد الله بن محمد المُطلَق
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1427 هـ - 2006 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
جمع شهادة وهي حجة شرعية تظهر الحق ولا توجبه مأخوذة من المشاهدة، لأنّ الشّاهد لا يشهد إِلَّا بما يعلمه كأنّه معاين له والأصل فيها قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282]، وقوله عليه السّلام: "شاهداك أو يمينه" 1، والسُّنَّة شهيرة بذلك.
مقبولة شهادة العبيد ... في كلّ شيء ما خلا الحدود
قولان في الحدّ كذا الأعراب ... لو في الجراح شهدوا ما ارتابوا
على أهل مصر أو قرى 2 لا تقبل 3 ... والشيخ في القبول 4 قال: أجمل
أي: تقبل شهادة العبيد فيما عدا الحدود والقصاص وكذا شهادة الأُمَّة فيما تقبل فيه (شهادة) 5 الحرة وبه.
قال عروة وشريح وإياس وابن سيرين والبتي 6 وأبو ثور وداود وابن المنذر 7.
وقال مجاهد والحسن وعطاء والثوري وأبو حنيفة ومالك 1 والأوزاعي والشّافعيّ وأبو عبيد لا تقبل، لأنّهم غير ذوي 2 مروءة ولأنّها مبنية 3 على الكمال لا تتبعض فلم يدخل فيها العبد كالميراث 4.
ولنا: عموم آيات الشّهادة وهو داخل فيها فإنّه من رجالنا وهو عدل تقبل روايته 5 وفتياه وأخباره الدينية.
وقولهم: ليس له مروءة ممنوع بل هو كالحر ينقسم إلى من له مروءة ومن لا مروءة له.
وقد يكون منهم العلماء والأمراء والصالحون والأتقياء، ولا يصح قياس الشّهادة على الميراث؛ لأنّه خلافة 6 للموروث 7 في ماله وحقوقه والعبد ما يصير إليه يملكه سيده فلا يمكن أن يخلف 8 فيه 9. = إعلام الموقعين 2/ 65 - 66: (لم يأت عن الشارع حرف واحد أنَّه قال لا تقبلوا شهادة العبيد بل ردوها ولو كان عالمًا فقيهًا من أولياء الله ومن أصدق النَّاس لهجة.
بل الّذي دل عليه كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وإجماع الصّحابة والميزان العادل قبول شهادة العبد فيما يقبل فيه شهادة الحر فإنّه من رجال المؤمنين فيدخل في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282]. كما دخل في قوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: 40]، وهو عدل بالنص والإجماع فيدخل في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطّلاق: 2] كما دخل في قوله - صلى الله عليه وسلم - يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله ويدخل في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطّلاق: 2]، وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: 283]، وفي قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النِّساء: 135]. أ. هـ. انظر أيضًا صحيح البخاريّ 5/ 196 - 197 والمحلى 9/ 412 - 415 وفتح القدير 7/ 399 - 400.
وأمّا شهادة العبيد في الحدود والقصاص ففيها روايتان والصّحيح قبولها أيضًا كما قطع به في التنقيح والإقناع والمنتهى وغيرها لما ذكرنا، ولأنّهم رجال 1 عدول فقبلت شهادتهم فيها كالحر 2.
وقوله كذا الأعراب إلى آخره أي: لا تقبل شهادة البدوي على القروي 3 عند جماعة من أصحابنا وهو مذهب أبي 4 عبيد 5.
وقال ابن سيرين وأبو حنيفة والشّافعيّ وأبو ثور: تقبل واختاره أبو الخطّاب والموفق وغيرهما وهو المذهب؛ لأنّ من قبلت شهادته على أهل البدو قبلت على أهل القرى ويحمل حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تجوز 6 شهادة بدوي على صاحب قرية" رواه أبو داود 7 على من لم 8 تعرف عدالته من أهل البدو؛ لأنّ الغالب عليهم الجفاء لحقوق الله والجفاء في الدِّين، وقال مالك: تقبل فيما عدا الجراح احتياطًا للدماء.
موحد مع رفقة كفار ... وعدم المسلم في الأسفار
إنَّ شهدوا وحلفوا ما بدلوا ... تقبل 9 في الإيصاء نصًا نقلوا
أي: إذا كان مسلم مع رفقة كفار مسافرين ولم يوجد غيرهم من المسلمين فوصى وشهد بوصيته اثنان منهم قبلت شهادتهما ويستحلفان بعد العصر لا نشتري به ثمنًا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله وإنّها لوصية الرَّجل بعينه، فإن عثر على أنّهما استحقا إثما قام آخران من أولياء الموصي فحلفا 1 بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما ولقد خانا وكتما ويقضى لهم 2، قال ابن المنذر: وبهذا 3 قال أكابر الماضين 4، وممن قاله شريح والنخعي والأوزاعي ويحيى بن حمزة وقضى بذلك عبد الله بن مسعود في زمن عثمان رواه أبو عبيد 5، وقضى به أبو موسى الأشعري رواه أبو داود والخلال 6. وقال أبو حنيفة ومالك والشّافعيّ: لا تقبل؛ لأنّ من لا تقبل شهادته على غير الوصيَّة لا تقبل في الوصيَّة كالفاسق وأولى: واختلفوا في تأويل الآية على أنحاء لا تليق بهذا المختصر 7. ولنا: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ 8 حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: 106] الآية، وهذا نصّ الكتاب، وقد قضى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث ابن عبّاس رواه أبو داود 9، وقضى به بعده أبو موسى وابن مسعود كما تقدّم، وحمل الآية على أنَّه أراد من غير عشيرتكم لا يصح؛ لأنّ الآية نزلت في
قصة عدي وتميم بلا خلاف بين المفسرين 1، ودلت عليه الأحاديث، ولأنّه لو صح ما ذكروه لم تجب الأيمان؛ لأنّ الشّاهدين من المسلمين لا قسامة عليهما، وكذا حملها 2 على التحمل 3.
واحدة النسا 4 بالاستهلال ... مذ 5 شهدت مقبولة المقال
كذاك 6 في منصوصه 7 الرضاع ... وعنه في استحلافها نزاع
أي: تقبل شهادة امرأة واحدة فيما لا يطلع عليه الرجال غالبًا كعيوب النِّساء تحت الثِّياب والرضاع والاستهلال والبكارة والثيوبة والحيض ونحوه 8، وكذا جراحة ونحوها بحمام أو عرس.
وعن أبي حنيفة لا تقبل شهادتهن منفردات في الرضاع؛ لأنّه يجوز أن يطلع عليه محارم المرأة من الرجال فلم يثبت بالنساء منفردات كالرجال
وحكي عن ذلك 1 أيضًا في الاستهلال وخالفه صاحباه 2 وأكثر أهل العلم 3. وقال الحاكم وابن أبي ليلى وابن شبرمة ومالك والثوري لا يقبل فيه إِلَّا امرأتان 4. وقال أبو حنيفة: تقبل شهادة الواحدة 5 في ولادة الزوجات لا 6 المطلقات وقال عطاء والشعبي وقتادة والشّافعيّ: لا يقبل فيه إِلَّا أربع 7 لقوله -عليه السّلام-: "شهادة امرأتين بشهادة رجل" 8. ولنا: ما روى عقبة بن الحارث قال: تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب فأتت أمة سوداء فقالت: قد 9 أرضعتكما فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له فأعرض عني، ثمّ أتيته فقلت: يا رسول الله إنها كاذبة، فقال 10: "كيف وقد زعمت ذلك" متفق عليه 11 وروى حذيفة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاز شهادة القابلة 12، ذكره الفقهاء في كتبهم، وروى أبو الخطّاب عن ابن عمر عن
النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يجزئ في الرضاع شهادة امرأة واحدة" 1، ولأنّه معنى يثبت بقول النِّساء المنفردات فلا يشترط فيه العدد كالرواية وأخبار الديانات 2، وقوله -عليه السّلام-: "شهادة امرأتين بشهادة رجل" أي: في الموضع الّذي تشهد فيه مع الرَّجل 3 بدليل الآية وجمعًا بين الأخبار.
وقوله: وعنه في استحلافها 4 نزل الصّحيح من المذهب لا تحلف لظاهر الأخبار وكسائر الشهود.
من ادعى حقًا وقال مالي ... بينة تظهر شرح حالي
ثمّ أقام بعد ذا لا تسمع ... ليس كنفي العلم إذ قد أجمعوا
أي: لو 5 ادعى حقًا وقال: ما لي بينة أو لا بينة لي ثمّ أقام بينة بعد ذلك لا 6 تسمع بينته 7.
وقال الأكثر: تسمع، لأنّه يجوز أن ينسى أو يكون الشّاهدان سمعا 1 منه وصاحب الحق لا يعلم فلا يثبت بذلك أنَّه كذب نفسه 2. ولنا: أنَّه كذَّب 3 بينته؛ لأنّه أقر أنَّه لا يشهد له أحد فإذا شهد له إنسان كان تكذيبا له بخلاف قوله: لا 4 أعلم لي 5 بينة فإنّه إذا جاء ببينة 6 تقبل لأنّه يجوز أن تكون 7 له بينة لم يعلمها ثمّ علمها، وهذا معنى قوله: ليس كنفي العلم أي: ليس قوله لا بينة 8 لي كقوله: لا أعلم لي بينة في عدم القبول؛ لأنّهم أجمعوا على القبول في قوله: لا أعلم لما تقدّم 9. من الشهود ثالث إن رجعا 10 ... بعد القضا يضمن ثلثًا سمعًا أي: إذا شهد ثلاثة رجال بمال ثمّ رجع واحد منهم بعد القضاء على المشهود عليه 11 بما شهدوا به عليه ضمن الراجع ثلث المشهود به، لأنّه أحد من حصل الإتلاف بشهادتهم فلزمه 12 من الضمان بقسطه كما لو رجع الجميع 13. = وهو قول محمَّد بن الحسن قال الكاساني في البدائع 6/ 224: (ولو قال لا بينة لي ثمّ جاء بالبينة هل تقبل روى الحسن عن أبي حنيفة -رحمه الله- تعالى أنّها تقبل، وعن محمَّد أنّها لا تقبل).
ونحو ذاك 1 في الزِّنا من خمسة ... واحد المضمون 2 خمس الدية
يعني: إذا شهد 3 خمسة رجال بالزنا ثمّ رجع واحد فعليه القصاص أو خمس الدية.
وقال أبو حنيفة: لا شيء عليه 4، لأن بينة الزِّنا قائمة فدمه غير محقون 5.
ولنا: أن الإتلاف حصل بشهادتهم فالراجع مقر بالمشاركة فيه عمدًا عدوانًا لمن هو مثله في ذلك فلزمه 6 القصاص أو حصته 7 من الدية كما لو أقر بمشاركتهم في مباشرة قتله، ولأنّه أحد من قتل المشهود عليه بشهادته فأشبه الثّاني من شهود القصاص والرّابع من شهود الزِّنا.
وقولهم: إنَّ دمه غير محقون غير صحيح فإن الكلام فيما إذا قتل 8 ولم يبق له دم يوصف بحقن ولا عدمه، وقيام الشّهادة لا يمنع وجوب القصاص كما لو شهدت لرجل باستحقاق القصاص فاستوفاه ثمّ أقر أنَّه قتله ظلمًا.
وفي رجوع شاهد اليمين ... يضمن كلّ المال عن يقين
يعني: إذا شهد شاهد بمال وحلف معه المدعي وحكم القاضي ثمّ رجع الشّاهد بعد الغرم غرم كلّ المال 9. = أحدهما: أنَّه يلزمه ضمان الثّالث لأنّ المال ثبت بشهادة الجميع.
والثّاني: هو المذهب أنَّه لا شيء علية لأنّه بقيت بينة يثبت بها المال).
وقال مالك والشّافعيّ: يضمن النّصف؛ لأنّه أحد حجتي الدعوى (فكان عليه النّصف كما لو كانا شاهدين) 1.
ولنا: أن الشّاهد حجة الدعوى 2 فكان الضمان عليه كالشّاهدين 3 يحققه أن اليمين قول الخصم وقول الخصم 4 ليس بحجة على خصمه وإنّما هو شرط الحكم 5 فجرى مجرى مطالبته للحاكم 6 بالحكم وبهذا ينفصل 7 عما ذكروه وإن سلمنا أنّها حجة، فإنّما جعلها حجة شهادة الشّاهد ولهذا لم يجز تقديمها على شهادته.
شاهد الفرع على ما أصلًا ... فواحد لواحد ذا قبلا
أي: تثبت 8 شهادة شاهدي الأصل بشهادة شاهدين يشهدان 9 عليهما حيث تجوز الشّهادة على الشّهادة سواء شهدا على كلّ واحد منهما أو شهد على كلّ واحد منهما شاهد من شهود الفرع.
قال القاضي: لا يختلف كلام أحمد في هذا، وهو قول الزّهريّ 10 وشريح والشعبي والحسن وابن شبرمة وابن أبي ليلى والثوري وإسحاق والبتي 11 والعنبري، قال إسحاق: لم يزل أهل العلم على هذا حتّى جاء هؤلاء.
وقال أبو حنيفة ومالك والشّافعيّ: لا يقبل على كلّ شاهد أصل إِلَّا
شاهدا فرع، لأنّ شاهدي الفرع يثبتان شهادة شاهدي الأصل، فلا تثبت شهادة كلّ واحد منهما بأقل من شاهدين 1 2. ولنا: أن هذا يثبت بشهادة اثنين وقد شهد اثنان بما يثبته فثبت 3 كما لو شهدا بنفس 4 الحق، ولأن شاهدي الفرع بدل من شهود الأصل فيكفي 5 في عددهما ما يكفي في شهادة الأصل، ولأن شاهدي الفرع لا ينقلان عن شاهدي الأصل حقًا عليهما فوجب أن يقبل فيه قول كلّ 6 واحد كأخبار الديانات 7. وفي شهود الأصل أو في الفرع ... لا تدخل 8 النِّساء قل بالمنع وعنه نصّ يقبلوا في الأصل ... حققه الشّيخ بجزم النقل أي: لا مدخل للنساء في الشّهادة على الشّهادة فلا يكن أصولًا ولا فروعًا، لأنّ في 9 الشّهادة على الشّهادة ضعفًا فيزداد بشهادتهن ضعفًا فاعتبر تقويتها باعتبار المذكورة 10 فيها، وهذه رواية ذكرها أبو الخطّاب 11.
وعنه: لهن مدخل فيها 1 كالشهادة بنفس الحق قال حرب: قيل لأحمد: فشهادة امرأتين على شهادة امرأتين تجوز؟ قال: نعم أي: إذا كان معهما رجل، وذكر الأوزاعي قال: سمعت نمير بن 2 أوس يجيز شهادة المرأة على شهادة المرأة، وهذا قول أكثر أهل العلم 3، وهو الصّحيح من المذهب، وجزم به في الإقناع والمنتهى 4 وغيرهما.
ووجهه 5: أن المقصود بشهادتهن 6 إثبات الحق الذي يشهد به شهود الأصل فيدخل النِّساء فيه، فيجوز أن يشهد رجلان على رجل وامرأتين 7 في كلّ حق يثبت بشهادتهن مع الرجال، وأن يشهد رجل 8 وامرأتان 9 على رجل وامرأتين، وأن تشهد 10 امرأة على شهادة امرأة في 11 نحو (ما يخفي على الرجال غالبًا كالرضاع) 12 13.