ومن كتاب الزكاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البهوتي
- الكتاب
- المِنَحُ الشَّافِيات بِشَرْحِ مُفْردَاتِ الإمَامِ أحْمَد
- المؤلف
- منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتى الحنبلى (المتوفى: 1051هـ)
- المحقق
- أ. د. عبد الله بن محمد المُطلَق
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1427 هـ - 2006 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال ابن قتيبة: الزكاة من النما 1 والزيادة، سميت بذلك لأنها تثمر 2 المال وتنميه.
يقال زكا الزرع إذا كثر ريعه وزكت النفقة إذا بورك فيها.
وشرعًا: حق واجب في مال خاص لطائفة مخصوصة بوقت مخصوص وهي أحد أركان الإِسلام، واجبة بالكتاب 3 والسنة 4 والإجماع 5، يقاتل مانعها لفعل 6 الصحابة رضي الله عنهم.
في بقر الوحش زكاة تذكر ... إن سامها والشيخ هذا ينكر
أي: تجب 7 الزكاة في بقر 8 الوحش السائمة إذا بلغت نصابًا
بنفسها 1 أو ضمها إلى الأهلية؛ لأن اسم البقر يشملها فتدخل في مطلق الخبر.
وعنه لا زكاة فيها، صححه الموفق والشارح وغيرهما، وهو قول أكثر أهل العلم 2؛ لأن اسم البقر عند الإطلاق لا ينصرف إليها ولا تسمى بقرًا إلا بالإضافة إلى الوحش وكذا الخلاف في غنم الوحش، ولا تجب الزكاة في الظباء قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافًا لعدم تناول اسم الغنم لها 3.
كذا نتاج أمها الأهلية ... من وحش أو بالعكس بالسوية
يعني: تجب الزكاة في المتولد 4 بين أهلي ووحشي سواء كانت الأم أهلية والأب وحشيًا أو 5 بالعكس لأنها متولدة بين ما تجب فيه وما لا تجب فيه فوجب فيها الزكاة كالمتولد بين سائمة ومعلوفة.
وقال أبو حنيفة ومالك: إن كانت الأمهات 6 أهلية وجبت الزكاة فيها وإلا فلا؛ لأن ولد البهيمة يتبع أمه 7.
وقال الشافعي: لا زكاة فيها كالمتولد بين وحشيين 8، وقال الموفق: القول بانتفاء الزكاة فيها أصح؛ لأنه لا دليل للوجوب 9.
ماشية النصاب إن تفرقت ... مسافة القصر زكاة سقطت
وعنه لا والشيخ قد صححها ... كذا أبو الخطاب قد رجحها
يعني: إن تفرقت ماشية الإنسان في بلدين مسافة القصر فلكل مال حكم نفسه يعتبر على حدته 1 إن كان نصابًا ففيه 2 الزكاة، وإلا فلا نص عليه.
قال ابن المنذر: لا أعلم هذا القول عن 3 غير أحمد.
واحتج بظاهر قوله -عليه السلام-: "لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة" 4، وهذا متفرق فلا يجمع، ولأنه لما أثر اجتماع مالين لرجلين في كونهما يصيران كالمال الواحد وجب أن يؤثر افتراق مال الرجل الواحد حتى يجعله كالمالين، ولا يصح القياس على غير السائمة لأن الخلطة لا تؤثر فيها كذلك الافتراق، والبلدان المتقاربة بمنزلة 5 البلد الواحد.
وعنه: لا أثر للتفريق مطلقًا اختارها أبو الخطاب، وصححها الموفق والشارح وهو قول سائر العلماء 6 لقوله 7 -عليه السلام-: "في أربعين شاه شاة" 8 وكغير السائمة.
وحمل الشارح كلام أحمد في الرواية الأولى على أن الساعي لا يأخذها فأما رب المال فيخرج إذا بلغ ماله نصابًا واستدل له 1. والقمح والشعير والقطاني 2 ... تضم 3 في النصاب كالأثمان وعنه لا والشيخ هذا الثاني ... فعنده الأصح يا معاني 4 يعني: أن سائر الحبوب من القمح والشعير والعدس والحمص والأرز والجلبان 5 والسمسم والدخن واللوبيا والفول والماش 6 ونحوها كلها تضم 7 بعضها إلى بعض في تكميل النصاب اختارها أبو بكر، وهذا 8 قول عكرمة وحكاه ابن المنذر عن طاووس؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا زكاة في حب ولا ثمر حتى يبلغ خمسة أوسق" 9. فمفهومه 10 وجوب الزكاة فيه إذا بلغ خمسة أوسق، ولأنها تتفق في النصاب وقدر المخرج فوجب ضم بعضها إلى بعض كأنواع الجنس كالذهب 11 والفضة، وهذا معنى قوله كالأثمان.
وهذا الدليل منتقض بالثمار 1.
وعنه أن الحنطة تضم إلى الشعير، وتضم القطنيات بعضها إلى بعض حكاه الخرقي، ونقلها أبو الحارث، قال: وهذا 2 هو الصحيح وهو مذهب مالك 3.
وعنه: لا يضم جنس منها إلى غيره ويعتبر النصاب في كل جنس منفردًا.
وهذا قول عطاء ومكحول وابن أبي ليلى والأوزاعي والثوري والحسن بن صالح وشريك والشافعيُّ وأبي 4 ثور وأبي عبيد 5 والحنفية 6، لأنها أجناس فاعتبر النصاب في كل واحد منفردًا كالثمار 7 والمواشي وهذا هو المذهب اختاره الشيخ الموفق والشارح وغيرهم، وقطع به في التنقيح والإقناع والمنتهى وغيرها 8.
والقطاني جمع قطنية بكسر القاف وتجمع أيضًا على قطنيات، قال أبو عبيد: هي صنوف الحبوب من العدس والحمص والأرز والجلجلان وهو 9
السمسم 1 وزاد غيره الدخن واللوبيا والفول والماش من قطن يقطن في البيت 2 أي: مكث فيه.
زكاة ما تخرجه الأراضي ... علته فالكيل 3 للتقاضي 4
والإدخار لا بالاقتيات ... ولا تقول 5 سائر النبات
يعني: أن علة وجوب الزكاة في الخارج من الأرض من 6 حب وثمر 7 الكيل والإدخار فتجب في كل مكيل 8 مدخر 9 سواء كان يقتات كالبر والشعير ونحوهما أو لا 10 كالأبازير 11 وحب الفجل ونحوه ولا تجب فيما عدا ذلك.
وقال أبو حنيفة: في كل ما يقصد بزراعته نماء الأرض إلا الحطب والقصب والحشيش، لقوله -عليه السلام-: "فيما سقت السماء العشر" 12، وهو عام 13.
وقال مالك والشافعيُّ: لا زكاة في ثمر إلا التمر والزبيب، ولا في
حب إلا ما كان قوتًا في حالة الاختيار 1 إلا في الزيتون على اختلاف 2 ولنا عموم قوله -عليه السلام-: فيما سقت السماء العشر وقوله لمعاذ: خذ الحب من الحب 3 خرج منه ما لا يكال بمفهوم قوله: "ليس في حب ولا ثمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق".
رواه مسلم والنسائيُّ 4، وعن علي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس في الخضروات صدقة".
وعن عائشة -رضي الله عنها- نحوه رواهما 5 الدارقطني 6، وروى الأثرم بإسناده أن عامل عمر كتب إليه في كروم 7 فيها من الفرسك 8 والرمان ما هو أكثر غلة من الكروم أضعافًا، فكتب عمر ليس عليها عشر هي من العضاه 9 10.
وفي نصاب عسل بالفرق ... عشر 11 فعشر أي أرض قد لقي
يعني: إذا بلغ عسل 12 النحل نصابًا وهو عشرة أفراق كل 13 فرق-
بفتح الراء- ستة عشر رطلًا عراقية ففيه الزكاة، وهي عشره 1 سواء أخذه من موات أو من ملكه قال الأثرم: سئل أبو عبد الله أنت تذهب إلى أن في العسل الزكاة 2؟ قال: نعم، أذهب إلى أن في العسل الزكاة العشر، قد أخذ 3 عمر منهم الزكاة، قلت: ذلك على أنهم تطوعوا به، قال: لا، بل 4 أخذ منهم، ويروى ذلك 5 عن عمر بن عبد العزيز ومكحول والزهري والأوزاعي وإسحاق.
وقال مالك والشافعيُّ وابن أبي ليلي والحسن بن صالح وابن المنذر: لا زكاة فيه، لأنه مانع خارج من حيوان أشبه اللبن 6.
وقال أبو حنيفة: إن كان في أرض العشر ففيه الزكاة وإلا فلا زكاة فيه 7.
ولنا حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يؤخذ في زمانه من قرب العسل من كل عشر قرب قربة من أوسطها.
رواه أبو عبيد والأثرم وابن ماجة 8. وأما اللبن فالزكاة وجبت 9 في أصله وهو 10 السائمة بخلاف العسل.
وعندنا فكل ما يستخرج 1 ... من معدن الأرض عداك الحرج
ففي النصاب منه ربع العشر ... كالقار أو كالنفط أو كالصفر
وهكذا فيروزج 2 ياقوت 3 ... وكل ما بمعدن منعوت
المعدن بكسر الدال: متولد في الأرض لا من جنسها ولا نبات، فمن استخرج منه نصابًا من الأثمان أو ما يبلغ ذلك من غيرها في دفعة أو دفعات لم يترك العمل بينها 4 ثلاثة أيام بلا عذر فعليه في الحال ربع عشره إن كان من أثمان، أو ربع 5 عشر قيمة ذلك إن كان من غيرها، سواء كان منطبعًا كالحديد والنحاس والصفر والرصاص أو غير منطبع 6 كالفيروز، والياقوت ونحوه.
وقال مالك والشافعيُّ: لا تتعلق الزكاة إلا بالذهب والفضة لحديث: لا زكاة في حجر 7 8.
وقال أبو حنيفة في إحدى الروايتين: تتعلق الزكاة بكل ما ينطبع دون
غيره، ولنا عموم قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 267]، ولأنه معدن فتعلقت الزكاة به كالأثمان، والحديث إن صح حمل على حجر لا يقوم عادة.
ما يخرج البحر كذا في النظر ... كلؤلؤ 1 أو سمك أو كعنبر 2 3
هذا هو المنصور في الخلاف ... وعكسه المغني 4 به يوافي
يعني: تجب الزكاة فيما يخرج من البحر من العنبر واللؤلؤ والمرجان 5 ونحوه في رواية نصرها في الخلاف؛ لأنه يشبه الخارج من معدن البر، ويروى 6 عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ من العنبر الخمس، وهو قول الحسن والزهري، (وزاد 7 الزهري 8) في اللؤلؤ يخرج من البحر 9.
وعنه لا زكاة في ذلك، وهو الصحيح؛ لأن 1 ابن عباس قال: ليس في العنبر شيء إنما هو شيء 2 ألقاه البحر، وعن جابر نحوه رواهما أبو عبيد 3، ولأنه قد كان يخرج على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه فلم يأت 4 فيه سنة عنه ولا عنهم من وجه يصح.
وأما السمك 5 فلا شيء فيه 6 بحال في قول أهل العلم كافة إلا شيئًا روي 7 عن عمر بن عبد العزيز رواه عنه أبو عبيد 8، وقال: ليس الناس على هذا، ولا نعلم أحدًا قال به.
وعن أحمد أن 9 فيه الزكاة كالعنبر، والصحيح أنه لا شيء فيه كصيد 10، البر.
بنفسه الدفين من قد أخرجا ... من أرض حربي ركاز ذاك جا
الركاز: الكنز من دفن الجاهلية عليه أو على بعضه علامة كفر فقط، وفيه الخمس مطلقًا- لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "وفي الركاز الخمس" متفق 11 عليه.
يصرف مصرف الفيء، وباقيه لواجده فإن وجده 12) في = من حلية البحر الخمس.
وضعف هذا الأثر ابن حزم في المحلى 6/ 117 وانظر بدائع الصنائع 2/ 68.
أرض الحرب ولم يقدر عليه إلا بجماعة من المسلمين لهم منعة فهو غنيمة وإن قدر عليه بنفسه فهو لواجده حكمه حكم ما لو وجده 1 في موات 2 من أرض المسلمين 3.
وقال أبو حنيفة والشافعيُّ: إن عرف مالك الأرض وكان حربيًا فهو غنيمة أيضًا؛ لأنه في حرز 4 مالك معين، أشبه ما لو أخذه من بيت أو خزانة 5.
ولنا: أنه ليس لموضعه مالك محترم أشبه ما لو لم يعرف مالكه.
وبنفسه متعلق بأخرج 6؛ وألفه للإطلاق، والدفين مفعوله، وركاز خبر مقدم 7، وذاك مبتدأ مؤخر راجع للدفين، وجملة جاء صفة لركاز وفاعله يعود على من، والتقدير من أخرج الدفين من أرض حربي 8 بنفسه فالدفين ركاز أتاه، فيخرج خمسه وباقيه له، فإن جعلت من شرطية قدرت الفاء في الجزاء، وسهله للضرورة، وإن كانت 9 موصولة لم يحتج إليه 10 وسهل تقدم معمول الصلة وقوعه في الشعر.
وبالزكاة باخل أو يكسل ... فيستتاب إن أصر يقتل 1
أي: من 2 منع الزكاة بخلًا أو كسلًا وهو تحت قبضة الإِمام ولم يمكن 3 أخذها منه استتيب ثلاثة أيام فإن تاب وإلا قتل حدًا، قياسًا على تارك الصلاة، ولم يحكم بكفره؛ لأن عمر وغيره امتنعوا من قتال 4 مانعي الزكاة في البدء 5 ولو اعتقدوا كفرهم 6 لما توقفوا عنه، ثم اتفقوا على القتل 7، وبقي 8 الكفر على أصل النفي 9، ولأن الزكاة فرع من فروع الدين فلم يكفر بتركه كالحج 10، وإذا لم نكفر بتركها لم نكفر 11 بالقتال عليها.
وإن أمكن أخذها منه أخذت من غير زيادة، وعزره إمام وضع 12 الزكاة مواضعها إن كان عالمًا بتحريم ذلك.
وقوله بالزكاة متعلق بباخل وهو مبتدأ، ويكسل 13 صفة لموصوف محذوف أي: أو مانع يكسل مع الاعتراف بالوجوب، وجملة فيستتاب خبر المبتدإ، وزيدت الفاء لشبه 14 المبتدأ 15 للشرط لقصد العموم، أي: مانع بخلًا أو كسلًا فهو يستتاب فإن تاب ترك، وإن أصر قتل وتؤخذ بكل حال.
ومالك الخمسين في غناء ... ونصر الشيخان باكتفاء
يعني: من ملك 1 خمسين درهمًا فهو غني لا تحل له الزكاة وكذا 2 من ملك قيمتها من الذهب، أو وجد 3 ما تحصل 4 له به 5 الكفاية على الدوام من مكسب 6 أو تجارة أو أجر عقار ونحو ذلك، ولو ملك من الحبوب أو العروض أو العقار أو السائمة ما لا تحصل به الكفاية لم يكن غنيًا، وهذا اختيار الخرقي وجماعة وهو قول الثوري والشعبي وابن المبارك وإسحاق لحديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"من سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشًا 7 أو كدوشًا 8 في وجهه" فقيل: يا رسول الله، ما الغني؟ قال: "خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب".
رواه أبو داود والترمذيُّ وحسنه 9.
وعنه: أن الغنى ما تحصل به الكفاية فإذا لم يكن محتاجًا حرمت عليه المسألة والصدقة 10 وإن لم يملك شيئًا، وإن كان محتاجًا حلت له المسألة 11 وإن ملك نصابًا، والأثمان وغيرها في هذا سواء، وهذا اختيار أبي الخطاب وابن شهاب العكبرى 12 وكثير من الأصحاب وهو المذهب،
جزم به في التنقيح والإقناع والمنتهى وغيرها، وهو قول الشافعي ومالك 1؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لقبيصة بن المخارق: "لا تحل الصدقة إلا لأحد ثلاثة، رجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي 2 الحجا من قومه قد أصابت فلانًا فاقة 3 فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش أو سدادًا من عيش".
الحديث رواه مسلم 4، ولأن الحاجة هي الفقر، والغنى ضدها فمن كان محتاجًا فهو فقير فيدخل في عموم النص، ومن استغنى دخل في عموم النصوص المحرمة.
والحديث الأول فيه ضعف، ويمكن تخريجه على أن الغنى إذ ذاك كان يحصل بذلك القدر، ثم 5 هو يختلف باختلاف الأزمان فيعتبر كل وقت بحسبه.
ولا يجوز الدفع للفقير ... أكثر من 6 غناه في التقدير
أي: لا يجوز أن يدفع للفقير من الزكاة أكثر مما يغنيه، وكذا المسكين فيعطيان 7 ما يغنيهما مع عائلتهما، فإن قلنا: الغنى ما يحصل به الكفاية أعطيا (ما يكفيهما في حول كامل لأن وجوب الزكاة يتكرر بتكرر الحول فينبغي أن يأخذ) 8 ما يكفيه إلى مثل ذلك الوقت 9 وإن قلنا.
يحصل الغنى بخمسين درهمًا جاز أن
يأخذ له ولعائلته حتى يصير لكل واحد منهم 1 خمسون.
يجوز كون العبد أو ذي القربى ... عاملًا الشيخ لهذا يأبى
أي: يجوز أن يكون العبد عاملًا على الزكاة فلا تشترط الحرية في العامل، لأن العبد يحصل منه المقصود أشبه الحر 2.
ويجوز أيضًا أن يكون من ذوي القربى (لأن ما يأخذه أجرة عمل تجوز لغني فجازت لذوي القربى 3 كأجرة النقال، وهذا أحد الوجهين وعزاه في الشرح للأصحاب) 4.
والوجه الثاني: لا يجوز أن يكون من ذوي القربى وهذا اختيار الشيخ الموفق وغيره وجزم به في التنقيح والإقناع والمنتهى وغيرها لأن الفضل ابن عباس وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث سألا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبعثهما على الصدقة فأبى أن يبعثهما، وقال: "إن هذه الصدقة أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد" 5، وهذا ظاهر في تحريم أخذهم لها عمالة فلا تجوز مخالفته 6، ويخالف النقال والحمَّال 7 فإنه يأخذ أجرة لحمله لا لعمالته 8.
وفيه لا يشترط الإسلامًا ... وعكس الشيخان ذا ولاما
أي: لا يشترط في العامل الإِسلام ذكره الخرقي والقاضي وغيرهما لأنها 9 إجارة على عمل فجاز 10 أن يتولاه الكافر كجباية الخراج.
والصحيح من المذهب أنه يشترط إسلامه اختاره 1 الشيخان والجمهور وجزم به في التنقيح والإقناع والمنتهى وغيرها؛ لأنها ولاية على المسلمين، فاشترط لها الإِسلام كسائر الولايات، والكافر ليس بأمين، قال عمر: لا تأمنوهم وقد خونهم الله 2، وأنكر على أبي موسى تولية الكتابة نصرانيًا 3 فالزكاة التي هي ركن الإِسلام أولى.
ومن يقول 4 الحكم في المؤلفة ... لم ينقطع فقول 5 أهل المعرفة
المؤلفة: السادة المطاعون في عشائرهم ممّن يرجى إسلامه أو يخشى شره أو يرجى بعطيته قوة إيمانه أو إسلام نظيره أو جباية الزكاة ممّن لا يعطيها أو الدفع عن المسلمين فيعطون عند الحاجة 6.
وقال أبو حنيفة وغيره: قد انقطع حكمهم لما روي أن مشركًا جاء يلتمس من عمر مالًا فلم يعطه وقال: (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) 7، ولأنه لم ينقل عن عثمان ولا علي أنهم أعطوهم شيئًا من ذلك،
ولأن الله تعالى أظهر الإِسلام وقمع المشركين فلا حاجة إلى التأليف 1.
ولنا: قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: 60] وهذه الآية في سورة براءة وهي من آخر ما نزل 2 من القرآن وقد صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى المؤلفة من المشركين والمسلمين 3 وأعطى أبو بكر عدي بن حاتم حين قدم عليه بثلاثمائة جمل ثلاثين بعيرًا 4.
ومخالفة كتاب الله وسنة رسوله واطراحهما 5 بلا حجة لا يجوز، ولا يثبت النسخ 6 بترك عمر وعثمان وعلي إعطاءهم، ولعلهم لم يحتاجوا إليه فتركوه لعدم الحاجة 7 إلى إعطائهم لا لسقوط 8 سهمهم.
الحج أيضًا في سبيل الله ... عدوا 9 وفي المقنع هذا واه
عد 10 الأصحاب حج فرض الفقير في سبيل الله تعالى فيعطى من الزكاة ما يحج به فرضه وهو قول إسحاق 11. وقدم في المقنع وغيره أنه لا يعطى منها في الحج وبه قال أبو حنيفة والثوري ومالك والشافعيُّ وأبو ثور 12. قال في الشرح 13: وهي أصح
لأن 1 سبيل الله عند الإطلاق لا 2 ينصرف إلا إلى الجهاد ولنا أن رجلًا جعل ناقة في سبيل الله فأرادت امرأته الحج فقال لها النبي- صلى الله عليه وسلم -: "اركبيها فإن الحج من سبيل الله".
رواه أبو داود 3 بمعناه وعن ابن عباس وابن عمر: الحج من سبيل الله 4.
ع: مولى بني هاشم في المنقول ... لا يقبض الزكاة كالأصول 5
أي: حكم موالي 6 بني هاشم حكمهم في عدم حل الزكاة لهم إذا لم يكونوا غزاة أو غارمين لإصلاح ذات البين أو مؤلفة حيث جاز 7.
وقال أكثر أهل العلم: يجوز الدفع إليهم؛ لأنهم ليسوا بقرابة النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يمنعوا الصدقة كسائر الناس.
ولنا ما روى أبو رافع أن النبي 8 - صلى الله عليه وسلم - بعث رجلًا من بني مخزوم على الصدقة فقال لأبي رافع: "اصحبني كيما نصيب منها"، فقال: لا حتى
آتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (فأسأله، فانطلق إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -) 1، فسأله 2 فقال: "إنا لا تحل لنا الصدقة، وإن مولى 3 القوم منهم" أخرجه أبو داود والنسائيُّ والترمذيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ 4.
وقولهم: إنهم ليسوا بقرابة، قلنا: هم بمنزلة القرابة بدليل قوله عليه السلام: "الولاء لحمة كلحمة النسب" 5، وكذا ثبت فيهم (حكم القرابة من 6) الإرث والعقل والنفقة فلا يمنع (ثبوت (7)) حكم تحريم 7 الصدقة فيهم.
دفع الزكاة للقريب 8 اللازم ... إنفاقه 9 فليس بالملايم
أي: لا يجزئ دفع الزكاة إلى قريبه الذي تلزمه نفقته ولو من غير عمودي النسب 10.
وقال أكثر أهل العلم: تجزئ إلى غير عمودي نسبه 11 لحديث: الصدقة على المسكين 12 صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة، ولم يشترط نافلة ولا فريضة ولم يفرق بين الوارث وغيره 13. ولنا أنه إذا دفع
الزكاة إلى من تجب عليه نفقته فقد أغناه 1 عن مؤنته فيعود نفع زكاته إليه فلم يجز كدفعها إلى والده أو 2 قضاء دينه، والحديث 3 يحتمل صدقة التطوع فيحمل عليها.
زكاته يخرج في الأنام 4 ... بنفسه أولى من الإمام
أي: يستحب للإنسان تفرقة زكاته بنفسه فهو أفضل من دفعها إلى الساعي أو الإِمام ليكون على يقين من وصولها إلى مستحقها، وسواء كانت من 5 الأموال الظاهرة أو الباطنة قال الحسن ومكحول وسعيد بن جبير: يضعها رب المال في مواضعها 6.
وعند أبي الخطاب دفعها إلى الإِمام العادل أفضل، واختاره ابن أبي موسى وهو قول أصحاب الشافعي والشعبي والأوزاعي وغيرهم، قيل لابن عمر: إنهم يقلدون بها الكلاب ويشربون 7 بها الخمر قال: ادفعها إليهم 8. ويجزئ دفعها إلى الإِمام وإن لم يضعها مواضعها.