ومن كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البهوتي
- الكتاب
- المِنَحُ الشَّافِيات بِشَرْحِ مُفْردَاتِ الإمَامِ أحْمَد
- المؤلف
- منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتى الحنبلى (المتوفى: 1051هـ)
- المحقق
- أ. د. عبد الله بن محمد المُطلَق
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1427 هـ - 2006 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بفتح الحاء لا بكسرها في الأشهر وعكسه شهر الحجة.
وهو لغة: القصد إلى من تعظمه.
وشرعًا قصد مكة لعمل 1 مخصوص، وهو أحد أركان الإِسلام ومبانيه، فرض سنة تسع عند الأكثر، ولم يحج النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد هجرته سوى حجة الوداع، وكانت سنة عشر، وفرضيته بالكتاب والسنة والإجماع 2.
وأفضل الأنساك فالتمتع ... لا مفردًا أو 3 قارنًا فاستمعوا 4
التمتع: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ثم به في عامه بعد فراغه منها.
والإفراد: أن يحرم بالحج وحده، فإذا فرغ منه اعتمر عمرة الإِسلام إن كانت باقية عليه.
والقران: أن يحرم بهما معًا، أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج قبل الشروع في طوافها، ويصح ممّن معه هدي ولو بعد السعي 5.
ومن أراد الإحرام فهو مخير بين هذه الثلاثة، ذكره جماعة إجماعًا لقول عائشة خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "من أراد منكم أن يهل [بحج فليفعل، ومن أراد أن يهل] 1 بحج 2 وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل" قالت: وأهل بالحج؛ وأهل به ناس معه، وأهل معه ناس بالعمرة والحج، وأهل ناس بالعمرة، وكنت فيمن أهل بعمرة.
متفق عليه 3.
وذهب طائفة من السلف والخلف أنه لا يجوز إلا التمتع وقاله 4 ابن عباس 5 وكره التمتع عمر وعثمان ومعاوية وابن الزبير 6.
وبعضهم القران 7 روى الشافعي عن ابن مسعود أنه كان يكرهه 8.
وأفضل الأنساك التمتع نص عليه في رواية صالح وعبد الله وهو قول ابن عمر وابن عباس وعائشة والحسن وعطاء وطاووس ومجاهد وجابر بن زيد وسالم والقاسم وعكرمة 9.
وذهب الثوري وأصحاب الرأي: إلى اختيار القران لما روى أنس
قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل بهما جميعًا: "لبيك عمرة وحجا؛ لبيك عمرة وحجًا) متفق عليه 1 2. وذهب مالك وأبو ثور إلى اختيار الإفراد وهو ظاهر مذهب الشافعي، وروي ذلك عن 3 عمر وعثمان وابن عمر وجابر وعائشة، لما روت عائشة وجابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (أفرد الحج) متفق 4 عليه ولأنه يأتي بالحج تامًا غير جبر فكان أولى 5. ولنا: أن التمتع آخر ما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - 6 احتج به أحمد، قال إسحاق بن إبراهيم: كان اختيار أبي عبد الله الدخول بعمرة لقوله عليه السلام: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولأحللت معكم" 7، وفي الصحيحين: أنه أمر أصحابه لما طافوا وسعوا أن يجعلوها عمرة إلا من ساق هديًا، وثبت على إحرامه لسوقه الهدي، وتأسف 8 ولا ينقلهم إلا إلى الأفضل، ولا يتأسف إلا عليه، ولأن التمتع منصوص عليه في كتاب الله 9 دون سائر الأنساك، ولأنه يجتمع فيه الحج والعمرة في أشهر الحج مع كمالها 10 على وجه اليسر والسهولة مع زيادة نسك فكان أولى (وأما القران فإنما يؤتى فيه بأفعال الحج وتدخل فيه أفعال العمرة والمفرد يعتمر بعد الحج من أدنى الحل وقد اختلف في إجزائها عن عمرة التمتع
فكان أولى) 1.
فإن قيل: أمرهم بالفسخ ليس لفضل التمتع، وإنما هو لاعتقادهم عدم جواز العمرة في أشهر الحج 2.
أجيب: بأنهم لم يعتقدوه 3 ثم لو كان لم يخص 4 به من لم يسق الهدي، لأنهم سواء في الاعتقاد، ثم لو كان لم يتأسف لاعتقاده جوازها فيها وجعل العلة فيه 5 سوق الهدي.
وعنه فالقران إذ يساق ... الهدى 6 إذ قال به إسحاق
أي: وعن الإِمام إن ساق 7 الهدي فالقران أفضل له رواه المروذي، وهي قول إسحاق 8 واختارها الشيخ تقي الدين، وقال: هو المذهب، وقال: إن اعتمر وحج في سفرتين أو 9 اعتمر قبل أشهر 10 الحج، فالإفراد أفضل باتفاق الأئمة الأربعة 11 12 نص عليه أحمد في الصورة الأولى وذكره
القاضي في الخلاف وغيره، وهي 1 أفضل من الثانية نص عليه، واختاره صاحب الفائق في الصورة الأولى.
ووجه هذه الرواية ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرن حين ساق الهدي، ومنع كل من ساق الهدي من الحل حتى ينحر هديه 2، وأجيب عن الاحتجاج بفعله - صلى الله عليه وسلم - بأجوبة منها:
أن أكثر الروايات أنه - صلى الله عليه وسلم - كان متمتعًا 3، روي ذلك عن عمر وعثمان وسعد بن أبي وقاص وابن عباس وابن عمر ومعاوية وأبي موسى وجابر وعائشة وحفصة بأحاديث صحاح 4، وأخبر -عليه السلام- عن نفسه بالمتعة في حديث حفصة 5 فلا يعارض خبر 6 غيره.
ويمكن الجمع بين الأحاديث بأن يكون أحرم بالعمرة ثم لم يحل منها لأجل هديه حتى أحرم بالحج فصار قارنًا، وسماه من سماه مفردًا لاشتغاله 1 بأفعال الحج وحدها بعد فراغه من أفعال العمرة، والجمع بين الأحاديث مهما أمكن أولى من حملها على التعارض.
[تنبيه: إسحاق المذكور في كلامه هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد 2 أبو يعقوب المعروف بابن راهويه أحد أئمة الإسلام جمع بين الحديث والفقه والورع سمع ابن عيينة ومن في طبقته، وسمع منه البخاري ومسلمٌ والترمذيُّ ولد سنة ست وستين ومائة ومات سنة ثلاث وأربعين ومائتين على ما ذكره القاضي أبو الحسين 3 في طبقاته، 4.
والحج والعمرة إن لم يقعا ... في أشهر الحج فما تمتعا
يعني: إن أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج لم يكن متمتعًا ولم يلزمه دم 5 تمتع، سواء وقعت أفعالها في أشهر الحج أو في غيره 6 قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله سئل عمن أهل بعمرة في غير أشهر الحج ثم قدم في شوال أيحل من عمرته في شوال أم يكون متمتعًا؟ قال: لا يكون متمتعًا، واحتج بحديث جابر وذكر إسناده عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله سئل عن امرأة تجعل على نفسها عمرة في شهر مسمى، ثم يخلو 7 إلا ليلة
واحدة، ثم تحيض، قال: لتخرج ثم لتهل بعمرة ثم لتنتظر 1 حتى تطهر ثم لتطف بالبيت 2.
من لم يسق هديًا ففسخ حجه ... بعمرة جوز لمن يرجه
بل جاءنا منصوصه بندبه ... حيث النبي آمر لصحبه 3
يعني: من أحرم مفردًا أو قارنًا ولم يسق هديًا يجوز له 4 بل يندب أن 5 يفسخ نية الحج ويجعلها عمرة مفردة، فيقصر ويحلّ من إحرامه ليصير متمتعًا إن لم يكن وقف بعرفة، وهذا قول الحسن ومجاهد وداود.
وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يجوز لأن الحج أحد النسكين فلم يجز فسخة كالعمرة 6 7.
ولنا: أنه قد 1 قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر أصحابه في حجة الوداع الذين أفردوا الحج وقرنوا أن يحلوا كلهم ويجعلوها 2 عمرة إلا من كان معه الهدي.
في أحاديث كثيرة متفق عليها بحيث تقرب من التواتر، ولم يختلف في صحة ذلك وثبته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد من أهل العلم علمناه، وعن إبراهيم الحربي 3 قال: (قال 4) سلمة بن شبيب لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، كل شيء منك حسن جميل إلا خصلة واحدة فقال: ما هي؟ قال: تقول بفسخ الحج، فقال أحمد: قد كنت أرى أن لك عقلًا، عندي ثمانية عشر حديثًا صحاحًا جيادًا كلها في فسخ الحج أتركها لقولك؟.
وقد روى فسخ الحج إلى العمرة ابن عمر وابن عباس وجابر وعائشة وأحاديثهم متفق عليها، ورواه غيرهم من وجوه صحاح.
وأما ما روى 5 من 6 أن ذلك رخصة خاصة بأصحابه -عليه السلام- فلم يثبت بدليل صحيح 7.
مسافة القصر لدى الأسفار ... ما بينما الحج والاعتمار
به دم المتعة والقران ... سقوطه فواضح البرهان
يعني: إذا أحرم بالعمرة وحل منها ثم سافر فأحرم بالحج من مسافة قصر فأكثر من مكة سقط عنه دم التمتع، وروي ذلك عن عطاء والمغيرة وابن المديني 1 وإسحاق.
(وقال) 2 الشافعي: إن رجع إلى الميقات فلا دم عليه 3.
وقال أصحاب الرأي: إن رجع إلى مصره بطلت متعته وإلا فلا 4 (وقال مالك: إن رجع إلى مصره أو إلى غيره أبعد من مصره بطلت متعته وإلا فلا) 5.
وقال الحسن: هو متمتع وإن رجع إلى بلده، واختاره ابن المنذر لعموم (قوله تعالى): 6 ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196].
ولنا: قول عمر إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع، فإن خرج ورجع فليس بمتمتع 7، وعن ابن عمر نحو ذلك 8، ولأنه إذا رجع إلى الميقات أو ما دونه لزمه الإحرام منه، فإذا كان بعيدًا فقد أنشأ سفرًا بعيدًا لحجه فلم يترفه بترك أحد المسفرين.
وأما سقوط دم القران بالسفر المذكور فهو القياس، ولكن كلامهم
يقتضي لزومه، لأن اسم القرآن باق بعد السفر بخلاف التمتع قاله في الفروع 1، والصحيح أن اسم التمتع باقٍ أيضًا.
ويلزم الورّاث 2 أن يحججوا 3 ... من أصل مال الميت عنه يخرجوا
هذا وإن لم تك 4 بالوصية ... حتى ولا تجزئ 5 ميقاتيه
يعني: من وجب عليه الحج ومات ولم يحج لزم ورثته أن يخرجوا من جميع ماله ما يحج به ويعتمر من حيث وجبا سواء فاته بتفريطه أو بغيره ولا تجزئ الاستنابة عنه من الميقات.
وقال أبو حنيفة ومالك: يسقط 6 عنه بالموت، فإن وصى 7 فمن الثلث، لأنه عبادة بدنية فسقط بالموت كالصلاة 8 9.
وقال الشافعي فيمن مات وعليه حجة الإِسلام يستناب عنه من الميقات، لأن الإحرام لا يجب من دونه 10.
ولنا: على عدم السقوط 11 ما روى ابن عباس أن امرأة سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أبيها مات ولم يحج قال: "حجي عن أبيك،، وعنه: أن امرأة نذرت أن تحج فماتت فأتى أخوها النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن ذلك، فقال:، أرأيت لو كان على أختك دين أكنت قاضيه؟ "، قال: نعم قال:
"فاقضوا 1 الله فهو أحق بالقضاء"، رواهما النسائي 2 ولأنه حق تدخله النيابة فلم يسقط بالموت كالدين بخلاف الصلاة 3.
وأما كونه من حيث وجب فلأن القضاء يكون على صفة الأداء في الصلاة والصوم، فإن كان له وطنان جازت الاستنابه من أقربهما.
نفقة الحج على الصبي ... مثل الضحايا لا على الولي
أي: نفقه الحج في مال الصبي كالأضحية لا على وليه في رواية اختارها جماعة منهم القاضي في خلافه، وقدمها في الهداية والخلاصة والرعايتين والحاويين والفائق 4 وإدراك الغاية، لأن الحج له فنفقته 5 عليه كالبالغ، ولأن له فيه مصلحة بتحصيل الثواب له ويتمرن عليه فصار كأجر 6 المعلم والطبيب.
والصحيح من المذهب أن ما زاد على نفقة الحضر في مال وليه إن أنشأ 7 السفر به تمرينًا له على الطاعة، وكذا الكفارة لأن الحج لا يجب في العمر إلا مرة فلا حاجة إلى التمرن عليه، ولأنه قد لا يجب فلا يجوز تكليفه بذل ماله من غير حاجة إليه.
وامنع من الحج بغير محرم ... لامرأة لو في جوار الحرم
أي: يشترط لوجوب الحج على المرأة وجود محرم لها، ولا يجوز لها السفر بدونه ولو كانت جوار الحرم أي 8 ليس بينها وبينه مسافة
قصر 1، قال أبو داود: قلت لأحمد: امرأة موسرة لم يكن 2 لها محرم هل وجب عليها الحج؟ قال: لا، وقال: المحرم من السبيل، وهذا قول الحسن والنخعي وإسحاق وأصحاب 3 الرأي: وابن المنذر 4. وقال ابن سيرين ومالك والأوزاعي والشافعيُّ: ليس المحرم شرطاً في حجها بحال، وقال ابن سيرين، تخرج مع رجل من المسلمين لا بأس به، وقال مالك: تخرج مع جماعة النساء، وقال الشافعي: تخرج مع حرة ثقة 5. ولنا: حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحل لامرأة 6 تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة 7 يوم إلا ومعها ذو 8 محرم"، وفي حديث ابن عباس مرفوعًا: "ولا تسافر امرأة إلا ومعها ذو 9 محرم"، متفق 10 عليهما، قال أبو عبد الله 11: أما أبو هريرة فيقول: يوم وليلة
ويروى 1 عن أبي هريرة: لا تسافر سفرًا أيضًا، وأما حديث أبي سعيد فيقول: ثلاثة أيام 2، قلت: ما تقول أنت؟ قال: لا تسافر سفرًا قليلًا ولا كثيرًا إلا مع ذي محرم.
وروى الدارقطني 3 بإسناده عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تحجن امرأة إلا ومعها ذو 4 محرم".
وكافر فلا يكون 5 محرمًا ... لامرأة حتى يكون مسلمًا
أي: الكافر ليس بمحرم للمسلمة وإن كانت ابنته قال أحمد في يهودي أو نصراني أسلمت ابنته: لا يزوجها ولا يسافر بها ليس هو 6 لها بمحرم.
وقال أبو حنيفة والشافعيُّ: هو محرم لها؛ لأنها محرمة عليه على التأبيد 7 ولنا: أن إثبات 8 المحرمية يقتضي الخلوة بها فوجب أن لا يثبت لكافر على مسلمة كالحضانة للطفل، ولأنه لا يؤمن عليها أن يفتنها عن دينها كالطفل وما ذكروه يبطل 9 بالتحريم باللعان 10.
من أحرمت زوجته تطوعًا ... أو 11 عبده من غير إذن سمعًا
ليس له في الأشهر التحليل ... والشيخ كالجمهور لا يميل
يعني: ليس للمرأة أن تحرم بتطوع بغير إذن زوجها، ولا للعبد 1 أن يحرم بغير إذن سيده؛ لأنهما يفوتان حقوق الزوج والسيد الواجبة بالتزام ما ليس بواجب، فإن أحرم كذلك انعقد صحيحًا، لأنه عبادة بدنية فأشبه الصلاة والصيام، وليس للزوج ولا للسيد تحليلهما 2 في رواية نقلها الجماعة واختارها أبو بكر والقاضي وابنه وقدمها في المحرر.
وعنه: لهما تحليلهما وفاقًا لجمهور العلماء 3 وهي 4 المذهب، وقطع بها 5 الشيخ الموفق في المقنع، وكذا صاحب الوجيز والمنور وابن منجا في شرحه واختارها ابن حامد والشارح وغيرهما، وجزم بها في التنقيح والإقناع والمنتهى وغيرها؛ لأنّ في بقائهما على الإحرام تفويتًا لحق الزوج والسيد بغير إذنهما فجاز لهما تحليلهما 6، تداركًا لدفع الضرر عنهما كالصوم 7 المضر ببدنهما.
ومن ينسب لاثنين 8 في حجهما ... كان 9 له حيث نوى وأبهما 10
يعني: لو استنابه اثنان 11 في نسك وأحرم به عن أحدهما لا بعينه وقع عن نفسه؛ لأنّ أحدهما ليس أولى به من الآخر أشبه ما لو أحرم عنهما 12.
وقال أبو الخطاب: يصح ويصرفه إلى أيهما شاء، كما لو أحرم بنسك ولم يعينه 1.
وإن أحرم عن أحدهما بعينه صح، ثم يحج عن الآخر، وإن أحرم به عنهما أو 2 عن نفسه وأحدهما 3 وقع عن نفسه؛ لأنه لا يمكن وقوعه عنهما، وليس أحدهما أولى به 4 من الآخر.
إذا استناب العاجز المعضوب ... ولو تعافى سقط الوجوب
يعني: إذا استناب العاجز عن الحج لمرض لا يرجى برؤه ونحوه ويسمى 5 المعضوب فحج النائب ثم عوفي المستنيب لم يجب عليه حج آخر وهذا قول إسحاق.
وقال الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر: يلزمه؛ لأنّ هذا بدل إياس فإذا برئ تبينا أنه لم يكن مأيوسًا منه فلزمه الأصل، كالآيسة تعتد بالشهور ثم تحيض يلزمها العدة بالحيض 6.
ولنا: أنه 7 أتى بما أمر به فخرج من 8 العهدة كما لو 9 لم يبرأ = وحجته أنه مأمور بالحج عن كل واحد منهما بتعيين النية له فإذا لم يفعل صار مخالفًا كما إذا نوى عنهما جميعًا.
نقول أدى حجة الإِسلام بأمر الشارع فلم يلزمه حج ثان، كما لو حج عن نفسه، ولأن هذا يفضي إلى إيجاب حجتين عليه ولم يوجب الله عليه 1 إلا حجة واحدة.
وأما الآيسة فلا يتصور عود حيضها حتى ولو رأت دمًا 2 فليس بحيض ولا يبطل به اعتدادها، وكذلك 3 الحكم لو عوفي بعد إحرام نائبه قبل أن يتممه 4. فأما إن عوفي قبل إحرام النائب لم يجزه 5 بحال فيقع للنائب "قلت" ويلزمه رد النفقة.
وعادم النعلين في الإحرام ... يلبس خفين على التمام 6
من غير قطع لهما كلا ولا ... فدية في هذا على من فعلا 7
يعني: إذا عدم المحرم النعلين حال الإحرام جاز له لبس الخفين من غير قطع ولا فدية عليه، روي عن علي بن أبي طالب وبه قال عطاء وعكرمة.
وقال عروة بن الزبير ومالك والثوري والشافعيُّ وإسحاق وأصحاب الرأي: وابن المنذر: يقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين، لما روى ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "فمن لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين" متفق 1 عليه، وهو متضمن لزيادة على حديث 2 ابن عباس وجابر، والزيادة من الثقة مقبولة 3.
قال الخطابي: العجب من أحمد في هذا فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه وقلت سنة لم تبلغه 4.
ولنا: حديث ابن عباس وجابر: "من لم يجد نعلين فليلبس خفين 5 مع قول علي: (قطع الخفين فساد يلبسهما كما هما) 6 مع موافقة القياس فإنه ملبوس أبيح لعدم غيره أشبه السراويل، ولأن قطعه لا يخرجه عن حالة الحظر 7، فإن لبس المقطوع محرم مع القدرة على النعلين كلبس الصحيح، وفيه إتلاف ماليته وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعته.
وأما حديث ابن عمر فزيادة القطع لم يذكرها جماعة، وروي أنها من قول نافع 8، ولو سلم صحة رفعها فهي 9 بالمدينة، وخبر ابن عباس
بعرفات 1، فلو كان القطع واجبًا لبينه للجمع العظيم الذي لم يحضر كثير منهم كلامه في المدينة في موضع البيان ووقت الحاجة، ولا يقال: اكتفى بما سبق، لأنه يقال: فلم ذكر لبسهما؟ والمفهوم من إطلاقه لبسهما بلا قطع.
وقول المخالف 2 المقيد 3 يقضي على المطلق محله إذا لم يمكن تأويله وعن قوله حديث 4 ابن عمر فيه زيادة لفظ، بأن خبر ابن عباس وجابر فيهما زيادة حكم هو 5 جواز اللبس بلا قطع يعني: أن هذا الحكم لم 6 يشرع بالمدينة 7 وهذا أولى من دعوى النسخ، وبهذا يجاب عن قول الخطابي السابق.
وقوله: فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه، فيه شيء، فإنه قد يخالف لمعارض 8 راجح كما هو عادة المجتهدين رحمهم الله في الجمع بين الأخبار.
قال الموفق: والأولى قطعهما عملًا بالحديث الصحيح، وخروجًا من الخلاف وأخذًا بالاحتياط 9 قال الشارح والذي قاله صحيح 10.
وحالق شعرين مثل البدن ... والرأس فديتان 11 فيما قد عني
يعني: لكل واحد من شعر البدن وشعر الرأس حكم منفرد 1، فلو حلقهما ففديتان، في رواية نقلها الجماعة واختارها القاضي في التعليق وغيره وابن عقيل وجماعة وجزم بها في المبهج 2.
وعنه: شعر الرأس والبدن واحد، وهو الصحيح من المذهب اختاره أبو الخطاب والموفق والشارح، وجزم به في الهادي والمنور وقدمه في الخلاصة والمحرر والرعايتين والحاويين والفائق وشرح ابن رزين والنظم، وجزم به في المنتهى والإقناع وهذا قول أكثر الفقهاء 3؛ لأنّ الشعر كله جنس واحد فلم تتعدد الفدية فيه باختلاف مواضعه كما لو لبس قميصًا وسراويل.
ومحرم 4 فإن يدل محرمًا ... على اصطياد فالجزا عليهما
يعني: إذا 5 دلّ محرم محرمًا على صيد فقتله فالجزاء بينهما، وبه قال عطاء وحماد بن أبي سليمان.
وقال الشعبي وسعيد بن جبير وأصحاب الرأي: على كل واحد جزاء، لأنّ كل واحد يستقل بالجزاء إذا انفرد فكذلك عند الاجتماع 6 ولنا: أن الواجب جزاء المتلف وهو واحد فيكون الجزاء واحدًا.
وقال مالك والشافعيُّ: لا شيء على الدال 7.
ولنا: حديث أبي قتادة لما صاد الحمار الوحشي وأصحابه محرمون قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو 1 أشار إليها؟ " 2 فإنه يدلّ على تعلق التحريم بذلك لو وجد منهم، ولأنه سبب 3 يتوصل به إلى إتلاف الصيد فتعلق به الضمان كما لو نصب أحبوله 4.
وهكذا الحلال للحلال ... في حرم صاد ولم يبال
يعني: إذا دلَّ حلال حلالًا على صيد الحرم فقتله فالجزاء بينهما كالمحرمين؛ لأنّ صيد الحرم مضمون على الحلال والمحرم فاشتركا فيه.
ورجعة النكاح في الإحرام ... قولان في الصحة عن إمامي
فابن عقيل لا 5 على المشهور ... والشيخ بالصحة كالجمهور
يعني: في الرجعة في الإحرام روايتان، إحداهما: لا تصح وهي اختيار ابن عقيل لأنها عقد وضع لإباحة البضع أشبه النكاح 6.
والثانية: تصح وهي قول الجمهور 7، واختيار 8 الخرقي والموفق وغيرهما وقطع بها في 9 التنقيح والإقناع والمنتهى لأنها إمساك للزوجة لقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: 231، وفي الطلاق من آية: 2] 10، ولأنها
تجوز بلا ولي ولا شهود ولا إذنها فلم تحرم، كإمساكها بترك الطلاق، ولأن الصحيح من المذهب أن الرجعية 1 مباحة قبل الرجعة فلا يحصل بها إحلال، وإن قلنا إنها محرمة فليس ذلك مانعًا من رجعتها كالتكفير للمظاهر.
ومحرم بالنظر المكرر ... أمنى فدى 2 بالشاه أو بالجزر 3
إذا كرر النظر المحرم فأمنى فعليه الفدية 4، وهل هي شاة أو بدنه؟ فيه روايتان، والصحيح من المذهب أنها بدنه لأنها إنزال بفعل محظور 5 فأشبه اللمس، وإن أمذى بذلك فعليه شاة، وإن لم يقترن به مني ولا مذي فلا شيء عليه.
والاستمناء 6 في معنى تكرار النظر فيقاس عليه 7 وأما مجرد النظر فلا شيء فيه، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينظر إلى نسائه وهو محرم وكذلك أصحابه.
وإن نظر ولم يكرر فأمنى فعليه شاة؛ لأنه فعل 8 يحصل به اللذة أوجب الفدية أشبه اللمس 9.
أو يمن باللمس أو التقبيل ... والوطء دون الفرج في التمثيل
بدنة تلزمه لما اعتدى ... إذ حجه بذاك نصًا فسدا
يعني: إن أمنى 1 المحرم باللمس لشهوة أو القبلة أو الوطء دون الفرج [فعليه بدنة كفارة لذلك المحظور؛ لأنه استمتاع أوجب الغسل فأوجب بدنة كالوطء في الفرج] 2.
وإن لم ينزل فعليه شاة، وبه قال سعيد بن المسيّب وعطاء وابن سيرين والزهري وقتادة ومالك والثوري والشافعيُّ وأبو ثور وأصحاب الرأي: لأنها ملامسة لا تفسد الحج عريّة عن الإنزال فلم توجب بدنة كاللمس لغير شهوة، وسواء أمذى بذلك أو لم يمذ 3.
وقوله: إذ حجه بذاك نصًا فسدا هو رواية اختارها أبو بكر والخرقي فيما إذا وطئ دون الفرج فأنزل، وهو قول عطاء والحسن والقاسم بن محمَّد ومالك 4 وإسحاق؛ لأنها عبادة يفسدها الوطء فأفسدها الإنزال عن مباشرة كالصيام.
وعنه: لا يفسد النسك بذلك، وهو قول الشافعي 5 وأصحاب الرأي 6 وهو الصحيح من المذهب، وقطع به في التنقيح والإقناع والمنتهى وغيرها لأنه 7 استمتاع لا يجب بنوعه الحد فلم يفسد النسك، كما لو لم ينزل ولأنه لا نص فيه ولا إجماع، ولا يصح قياسه على المنصوص عليه،
لأنّ الوطء في الفرج يجب بنوعه الحد، ولا يفترق الحال فيه بين الإنزال وعدمه بخلاف المباشرة.
والصيام يخالف الحج في المفسدات ولذلك يفسد بتكرار النظر 1 وبسائر محظوراته، والحج لا يفسد 2 بغير الجماع فافترقا فإن لم ينزل لم يفسد حجه بذلك، قال في الشرح: لا نعلم فيه خلافًا 3.
أن 4 يدهن في رأسه بالشيرج 5 ... أو زيت المنصوص لا من حرج
أي: يجوز للمحرم أن يدهن رأسه بالشيرج والزيت، نص عليه وكذا السمن 6 والشحم وسائر الأدهان غير المطيبة، وروي ذلك 7 عن ابن عباس وأبي ذر 8 والأسود بن يزيد 9 وعطاء والضحاك نقله الأثرم.
وقال أصحاب الرأي ومالك والشافعيُّ وأبو ثور: لا يدهن رأسه بشيء من الأدهان 10، لأنه يزيل الشعث ويسكن الشعر 11.
وأما سائر البدن فيجوز بلا خلاف في المذهب، وحكى فيه القاضي روايتين، ولا فدية سواء فعله في الرأس أو غيره.
ومن يطف 1 إفاضة نواها ... فرضًا فلا يجزيه إن أخلاها
أي: يشترط في طواف الإفاضة وهو طواف الزيارة أن يعينه بالنية هذا قول إسحاق وابن القاسم صاحب مالك وابن المنذر.
وقال الثوري والشافعيُّ وأصحاب الرأي: يجزيه 2 وإن لم ينو الفرض الذي عليه 3.
ولنا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل أمرئ ما نوى" 4، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سماه صلاة 5 والصلاة لا تصح إلا بنية 6 اتفاقًا، وهذا الطواف ركن لا يتم الحج إلا به بغير خلاف.
سمي طواف الإفاضة لكونه يأتي به عند إفاضته من منى إلى مكة، وطواف الزيارة لأنه يأتي من منى فيزور البيت ولا يقيم بمكة بل يرجع إلى منى.
وقبله إذ حيث منه يقرب ... في متعة طوف قدوم يندب 7
أي: يندب للمتمتع إذا دخل مكة لطواف الزيارة أن يطوف للقدوم قبله نص عليه، وكذا مفرد وقارن لم يدخلا مكة قبل، واحتج أحمد بما روت عائشة قالت: فطاف الذين أهلوا بالعمرة وبين 1 الصفا والمروة ثم حلقوا ثم طافوا 2 طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذي جمعوا 3 الحج والعمر فإنما طافوا طوافًا واحدًا 4 فحمل أحمد قول عائشة على أن طوافهم لجمعهم 5 هو طواف القدوم، ولأنه قد ثبت أن طواف القدوم مشروع فلم يكن طواف الزيارة مسقطًا له 6 كتحية المسجد عند دخوله قبل التلبس بصلاة الفرض.
قال الموفق: (ولم أعلم أحدًا وافق أبا عبد الله على هذا الطواف الذي ذكره بل المشروع طواف واحد للزيارة كمن دخل المسجد وأقيمت الصلاة، وعائشة إنما ذكرت طوافًا واحدًا فمن أين يستدل به على طوافين) 7 وأطال فيه واختاره الشيخ تقي الدين 8 وصححه ابن رجب 9.
وراكب بغير عذر طائفًا ... لم يجز والشيخان فيه خالفًا
أي: لا يجزئ طواف الراكب ولا المحمول 10 لغير عذر على الصحيح من المذهب.
وقال أبو حنيفة: يجزيه ويجبر بدم ويعيد ما كان بمكة 11.
وقال الشافعي وابن المنذر: يجزيه ولا شيء عليه 1 وهو رواية اختارها أبو بكر وابن حامد والموفق والمجد وغيرهم؛ لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف راكبًا 2 قال ابن المنذر: لا قول لأحد مع 5 فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولنا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الطواف بالبيت صلاة" 7، ولأنه عبادة تتعلق بالبيت 8 فلم يجز 9 فعلها راكبًا لغير عذر كالصلاة، وأما طوافه - صلى الله عليه وسلم - راكبًا فكان لعذر، كما يشير إليه قول جابر طاف 10 النبي - صلى الله عليه وسلم - على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه الناس ويشرف عليهم ليسألوه فإن الناس غشوه 11 وسعى راكبًا كطواف 12. وهكذا أيضًا طواف الحامل ... لبس بمجز عن طواف كامل أي: لا يجزئ طواف 13 حامل معذور إلا إذا نويا جميعًا عنه أو نوى هو دون المحمول؛ لأنه طواف أجزأ عن المحمول فلم يقع عن الحامل كما لو نويا جميعًا عن المحمول، ولأنه طواف واحد فلم يقع عن شخصين346
كالراكب 1، وأما إذا حمله بعرفة فما حصل الوقوف بالحمل، فإن المقصود الكون في عرفات وهما كائنان بها، والمقصود هنا الفعل وهو واحد فلا يقع عن شخصين 2، ووقوعه 3 عن المحمول أولى لأنه لم ينو طوافه إلا لنفسه والحامل لم يخلص قصده بالطواف لنفسه.
لا يكره الطواف أسبوعين ... من غير ما فصل بركعتين
كذا طواف ثالث ورابع ... ويجمع الركعات ثم يركع
لا يكره أن يجمع 4 أسبوعين فأكثر فإذا فرغ ركع لكل 5 أسبوع ركعتين فعلته عائشة والمسور بن مخرمة وبه قال عطاء وطاووس وسعيد بن جبير 6.
وكرهه ابن عمر والزهري وأبو حنيفة ومالك؛ لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفعله، ولأن تأخير 7 الركعتين عن طوافهما يخل بالموالاة بينهما 8 9.
ولنا: أن الطواف يجري مجرى الصلاة، والصلاتان الجائز جمعهما يؤخر ما بينهما فيصليهما 1 بعدهما، كذلك هذا، وكون النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يفعله لا يوجب كراهه 2، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يطف أسبوعين ولا ثلاثة وذلك غير مكروه بالاتفاق.
والموالاة غير معتبرة بين الطواف والركعتين، بدليل أن عمر صلاها بذي طوى 3، وأخرت أم سلمة ركعتي 4 الطواف حين 5 طافت راكبة بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - 6.
والأولى أن يركع لكل أسبوع عقبه اقتداء بفعله -عليه السلام- وخروجًا من الخلاف.
وخطبة في سابع الأيام ... فلا تسن جاء عن إمامي
أي: لا تسن الخطبة للإمام في سابع ذي الحجة 7 بل يوم عرفة بنمرة ويوم النحر وثاني أيام التشريق بمنى لفعله - صلى الله عليه وسلم - مع 8 قوله: "خذوا عني مناسككم" 9.
وقت الوقوف عندنا 1 فيدخل ... في يوم تعريف بفجر نقلوا
يعني: يدخل وقت الوقوف بعرفه من طلوع الفجر يوم عرفة.
وقال مالك والشافعيُّ وغيرهما: أول وقته زوال الشمس يوم عرفة 2 واختاره أبو حفص العكبري 3، وحكاه بعضهم إجماعًا لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما وقف بعد الزوال.
ولنا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفه قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه" 4، ولأنه من يوم عرفة فكان وقتًا للوقوف 5: كما بعد الزوال، وترك الوقوف فيه لا يمنع كونه وقتًا له كما بعد العشاء، وإنمَّا وقفوا في وقت الفضيلة ولم يستوعبوا وقت الوقوف 6.
من فاته الوقوف خاب الأرب ... بعمرة إحرامه ينقلب
وعنه بل إحرامه لا يبطل 7 ... من حجه بل يلزم التحلل 8
يعني: من طلع عليه فجر يوم النحر ولم يقف بعرفة لعذر أو غيره فاته الحج بلا نزال وانقلب إحرامه -إن لم يختر البقاء عليه ليحج من قابل- عمرة فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصر، قال الزركشي: المذهب المنصوص
أنه يتحلل بعمرة اختاره الخرقي وأبو بكر والقاضي وأصحابه والشيخان، انتهى، وقطع به في التنقيح والإقناع والمنتهى وغيرها 1.
وعنه: لا يقلب إحرامه عمرة، بل يتحلل بطواف وسعى وحلق 2 ولم يكن عمرة، وهو قول ابن حامد ذكره عنه جماعة وهو ظاهر المقنع 3 قال الشارح: يحتمل أن من قال: يجعل إحرامه عمره أراد أنه 4 يفعل فعل المعتمر من الطواف والسعي فلا يكون بين 5 القولين.
خلاف، انتهى 6، قلت: ويؤيده ما قالوه من أنها لا تجزئ عن عمرة الإِسلام كمنذوره.
إن عدم الهدي لذي الإحصار ... أو كان لا يمكن للإعسار
يصوم عشرًا فبها 7 التحلل ... فالصوم 8 عن فقد الهدايا بدل
يعني: إذا أحصر المحرم ولم يكن له طريق إلى الحج ذبح هديًا (في موضعه) 1 وحل بلا خلاف، فإن لم يجد الهدي أو ثمنه صام عشرة أيام بالنية ثم حل 2.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا بدل له، لأنه لم يذكر 3 في القرآن 4. 5.
ولنا: أنه دم واجب للإحرام فكان له بدل كدم التمتع والطيب واللباس وترك النص عليه لا يمنع قياسه 6 على غيره 7 وليس له التحلل (8) حتى يصوم، كما لا يتحلل واجد الهدي إلا بنحوه.
وهديه (فعندنا يختص ... بفقراء 8 حرم) 9 قد نصوا
يعني: لا ينحر المحصر 10 هديًا معه إلا بالحرم ويواطئ (رجلًا على نحره في وقت) 11 يتحلل فيه، قال الموفق: هذا والله أعلم فيمن كان حصره خاصًا، فأما الحصر 12 العام 13 فلا ينبغي أن يقوله 14 أحد؛ لأن
ذلك يفضي إلى تعذر الحل لتعذر وصول الهدي إلى محله، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه 1 نحروا هداياهم في الحديبية 2 وهي من الحل، قال البخاري: (قال مالك وغيره: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حلقوا وحلوا من 3 كل شيء قبل الطواف وقبل أن يصل الهدي إلى البيت، ولم يذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أحدًا أن يقضي شيئًا ولا أن يعود له) 4 انتهى.
والمذهب أنه 5 ينحر هديه في موضع حصره من حل أو حرم نص عليه، وعليه الأصحاب لما تقدم.
بطيبة في الحرم المطهر ... فيضمن الصيد وعضد 6 الشجر
بسلب الجاني لمن رآه ... يأخذه والشيخ ذا يأباه
يعني: يضمن الصيد والشجر في حرم طيبة وهي مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وجزاء ذلك 7 سلب الجاني وهو ما عليه من ثياب دون دابته لمن أخذه، هذا المنصور.
عند الأصحاب في كتب الخلاف قاله في الفروع 8. ونقله الأثرم والميموني وحنبل واختاره ابن عبدوس في تذكرته وجزم به في المنور ونهاية ابن رزين وقدمه في المحرر والرعايتين والحاويين والفائق 9 لحديث
مسلم عن 1 عامر بن سعد أن سعدًا ركب إلى قصره بالعقيق 2 فوجد عبدًا يقطع شجرًا ويحطبه 3 فسلبه ولما رجع سعد جاءه أهل الغلام فكلموه أن يرد على 4 غلامهم أو عليهم، فقال: معاذا الله أن أرد شيئًا نفلنيه 5 رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أبى أن يرد عليهم 6، وعن سعد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من وجد أحدًا يصيد فيه فليسلبه"، رواه أبو داود 7. وعنه لا جزاء في ذلك، وهذا المذهب اختاره الشيخ الموفق، وجزم به في الوجيز والمنتخب والتنقيح والمنتهى والإقناع، وقدمه في الفروع والخلاصة والنظم والكافي وتجريد العناية 8 وإدراك الغاية ونهاية ابن 9 رزين، وهو قول أكثر أهل العلم؛ لأنه موضع يجوز دخوله بغير إحرام فلم يجب في صيده ونحوه جزاء كصيد 10 وج 11 واد بالطائف.