ومن باب النذور
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البهوتي
- الكتاب
- المِنَحُ الشَّافِيات بِشَرْحِ مُفْردَاتِ الإمَامِ أحْمَد
- المؤلف
- منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتى الحنبلى (المتوفى: 1051هـ)
- المحقق
- أ. د. عبد الله بن محمد المُطلَق
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1427 هـ - 2006 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
النَّذْر لغة: الإيجاب يقال نذر دم فلان بمعنى أوجبه 1.
وشرعًا: إلزام مكلف مختار ولو كافرًا بعبادة 2 نفسه لله تعالى 3 شيئًا غير لازم بأصل الشّرع ولا محال.
وينعقد بكل قول يدلُّ عليه، وأجمع المسلمون على صحة النَّذْر في الجملة ووجوب الوفاء به، قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: 7]، وقال 4: ﴿وَلْيُوفُوا 5 نُذُورَهُمْ﴾ [الحجِّ: 29].
وعن عائشة (رضي الله عنها 6) قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (من نذر أن يطيع 7 الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي 8 الله فلا يعصه" رواه الجماعة إِلَّا مسلمًا 9، والنذر مكروه لا يأتي بخير ولا يردّ قضاء وإنّما يستخرج 10 به من البخيل.
وناذر العصيان في التقدير ... فعقده يحل بالتكفير
أي: ينعقد نذر المعصية ويحرم الوفاء به لما تقدّم من حديث عائشة ويكفر كفارة يمين ولو أنَّه نذر ذبح ولده.
وقال أبو حنيفة: فيما إذا نذر ذبح ولده كفارته 1 ذبح كبش ويطعمه المساكين 2.
وقال الشّافعيّ: لا يجب به شيء 3 لقوله -عليه السّلام-: "لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك 4 ابن آدم" 5.
ولنا: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين" رواه سعيد 6 ولأن النَّذْر حكمه حكم اليمين بدليل قوله -عليه السّلام-: "النَّذْر حلفة وكفارت كفارة يمين" 7 فيكون بمنزلة من حلف ليذبحن ولده، وإذا 8 نذر صوم يوم عيد أو حيض أو أيّام تشرين لم يف به وعليه كفارة يمين وقضاء يوم غير حيض؛ لأنّه مناف للصوم لمعنى فيه كمن 9 نذر صوم يوم أكل فيه فإنّه لا ينعقد بخلاف يوم العيد؛ لأنّه 10 لمعنى في غيره وهو كونه في
ضيافة الله عَزَّ وجَلَّ، أشار إلى الفرق في القواعد الأصولية 1. وفي المباح ناذر يخير ... إنَّ لم يف يلزمه يكفر أي: من نذر مباحًا كلّله عليّ أن ألبس ثوبي ونحوه 2 خير بين فعله ولا شيء عليه أو تركه 3 وعليه كفارة يمين 4. وقال مالك والشّافعيّ: لا ينعقد نذره لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا نذر إِلَّا فيما ابتغي به 5 وجه الله تعالى" 6، ولحديث ابن عبّاس قال: بينما 7 النبي يخطب إذا 8 هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشّمس ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مروه فليجلس 9 وليستظل 10 وليتكلم وليتم صومه" رواه البخاريّ 11، ولم يأمره بكفارة 12. ولنا: ما تقدّم من قوله -عليه السّلام-: "النَّذْر حلفة وكفارته كفارة يمين" وروى عقبة ابن عامر أن أخته نذرت المشي إلى بيت الله الحرام فسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال: "مروها فلتركب ولتكفر عن يمينها" رواه أبو
داود 1، وهذه زيادة يجب الأخذ بها، ويجوز أن يكون الراوي للحديث ذكر البعض وترك البعض.
من نذر الطّواف بالبيت 2 على ... أربع منهي بأن 3 لا يفعلا
لكن طوافان عليه عندنا ... والنص من 4 دقيق فقه انبنا 5
يعني 6 لو نذر أن يطوف على رجليه ويديه لم يف 7 به ويطوف أسبوعين 8، وكذا لو نذر أن يسعى على أربع إقامة 9 للطواف الثّاني مقام طوافه على يديه، وذلك لما روى معاوية بن خديج الكندي أنَّه قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه أمه 10 كبشة بنت معدي كرب عمة الأشعث بن قيس 11 فقالت: يا رسول الله إنِّي آليت أن أطوف بالبيت حبوًا، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "طوفي على رجليك سبعَيْن سبعًا عن يديك وسبعًا عن رجليك" رواه الدارقطني 12، وقال ابن عبّاس في امرأة نذرت أن تطوف بالبيت على أربع قال: (تطوف عن يديها سبعًا وعن رجليها سبعًا) رواه 13 سعيد.
لمكة ناذر مشي ركبًا 1 ... مع عجزه التكفير أيضًا وجبا 2
يعني: إذا نذر المشي لمكة المشرفة أو بيت الله الحرام أو موضع من الحرم لزمه المشي في حج أو عمرة، لأنّه هو المشي إليه في الشّرع فإن عجز عن المشي فركب فعليه كفارة يمين.
وقال أبو حنيفة: هدي، وأقله شاة سواء عجز عن المشي أو قدر عليه 3 وقال الشّافعيّ: يلزمه دم 4، وأفتى به عطاء لما روى ابن عبّاس أن أخت عقبة بن عامر نذرت المشي إلى بيت الله الحرام فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أن تركب وتهدي هديًا" رواه أبو داود وفيه ضعف 5.
وقال مالك: يحج من قابل ويركب ما مشى ويمشي ما ركب ويهدي 6.
ولنا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كفارة النَّذْر كفارة اليمين 7 " 8، ولأن المشي ممّا لا يوجبه 9 الإحرام فلم يجب الهدي بتركه 10 كما لو نذر صلاة ركعتين فتركهما وحديث الهدي ضعيف 11 12.
من نذر الصِّيام يوم العيد ... أفطره حتمًا 1 بلا ترديد
لكنما 2 كفارة اليمين ... مع القضا تلزم باليقين
أي: إذا نذر أن يصوم يوم عيد فطر أو أضحى 3 أفطره وجوبًا لتحريم صومه، وعليه كفارة يمين لعدم وفائه بنذره، وعليه أيضًا قضاؤه 4، وهذا مبني على انعقاد نذر المعصية، وتقدم بيان الخلاف فيه.
واختار القاضي وغيره يلزمه كفارة يمين فقط، وتقدمت الإشارة إلى الفرق بينه وبين نذر صوم يوم حيض 5.
يوم قدوم الحب من قد نذرا ... صومًا وكان قافلًا قد هجرا
وافقه في الطالع السعيد 6 ... يوم الوصال كان يوم عيد 7
فعنه لا يصوم يقضي وطرًا 8 ... وعينوه قاضيًا مكفرًا
الحب: بكسر الحاء: المحبوب، والقافل: الراجع من سفر، والمعنى أنَّه إذا نذر صوم يوم يقدم فلان فقدم يوم العيد فعن أحمد لا يصومه بل يقضي ويكفر كفارة يمين وهو قول أكثر أصحابنا والحاكم وحماد.
وعنه: يقضي ولا كفارة، وهو قول الحسن والأوزاعي وأبي عبيد وأحد قولي الشّافعيّ؛ لأنّه فاته 9 الصوم الواجب بالنذر فلزمه قضاؤه كما لو
تركه نسيانًا، ولم تلزمه كفارة؛ لأنّ الشّرع منعه من صومه فهو كالمكره 1.
وعنه: إنَّ صامه صح؛ لأنّه وفى بنذره وهو مذهب أبي حنيفة 2.
وقال مالك والشّافعيّ في أحد قوليه: لا يلزمه قضاء ولا كفارة 3، بناء على أن نذر المعصية غير منعقد، وتقدم جوابه.
لصوم شهر ناذر إذ 4 يطلق 5 ... تتابع يلزم 6 لا يفرق
أي: إذا نذر صوم شهر وأطلق لزمه صومه متتابعًا فلا يفرقه 7 وهذا قول أبي ثور؛ لأنّ إطلاق الشهر يقتضي التتابع.
وقال الشّافعيّ ومحمَّد بن الحسن: لا يلزمه التتابع، لأنّ الشهر يقع على ما بين الهلالين وعلى الثلاثين يومًا، ولا خلاف في أنَّه يجزيه ثلاثون يومًا فلم يلزمه التتابع كما لو نذر ثلاثين يومًا 8، والفرق ظاهر 9.
مع قدرة أفطر صومًا 10 عينًا ... تكفيره مع القضا تبينًا
أي: لو نذر صوم زمن معين كشهر رجب فأفطر منه يوم مثلًا مع
القدرة لزمه استئنافه ولزمته أيضًا كفارة يمين 1 لفوات محل المنذور.
وقال الشّافعيّ: لا يلزمه الاستئناف إِلَّا أن يكون قد شرط التتابع؛ لأنّ وجوب التتابع ضرورة التعيين 2 إِلَّا 3 بالشرط فلم يبطله الفطر في أثنائه كشهر رمضان 4.
ولنا: أنَّه صوم يجب متتابعًا بالنذر فأبطله الفطر لغير عذر كما لو شرط التتابع، ويفارق رمضان فإن تتابعه بالشرع لا بالنذر، وإن كان الفطر لعذر بني 5 على ما مضى من صيامه و 6 قضى وكفر.
وقال مالك 7 والشّافعيّ وأبو ثور وابن المنذر: لا كفارة؛ لأنّ النَّذْر محمول على المشروع، ولو أفطر رمضان لعذر ما يلزمه شيء 8.
ولنا: أنَّه فاته ما نذره فلزمته الكفارة لما تقدّم في حديث 9 أخت عقبة بن عامر، وفارق رمضان فإنّه لو أفطر لغير عذر لم يلزمه كفارة إِلَّا في الجماع بخلاف هذا.