ومن باب اللقطة وإحياء الموات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البهوتي
- الكتاب
- المِنَحُ الشَّافِيات بِشَرْحِ مُفْردَاتِ الإمَامِ أحْمَد
- المؤلف
- منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتى الحنبلى (المتوفى: 1051هـ)
- المحقق
- أ. د. عبد الله بن محمد المُطلَق
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1427 هـ - 2006 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال في القاموس: اللقطة محركة وكحُزْمَة وهُمَزة وثُمَامَة ما التقط انتهى 1، وشرعًا: مال أو مختص 2 ضائع أو (ما) في معناه 3 لغير حربي 4. والأصل فيها 5 السنة ومنها حديث زيد بن خالد الجهني قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لقطة الذهب والورق فقال: "اعرف وكاءها وعفاصها 6 ثم عرفها سنة فإن لم تعرف فاستنفقها 7 ولتكن 8 وديعة عندك فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فادفعها إليه" وسأله عن ضالة 9 الإبل فقال: "مالك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها" وسأله
عن الشاة فقال: "خذها فإنما هي لك أو لإخيك أو للذئب" متفق عليه 1، والموات: قال في القاموس: كغُراب الموت وكسَحَاب ما لا روح فيه، وأرض لا مالك 2 لها.
والموتان بالتحريك خلاف الحيوان أو 3 أرض لم تحي بعد وبالضم موت يقع في الماشية ويفتح.
انتهى 4.
وشرعًا: الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم، والأصل في إحيائها حديث جابر مرفوعًا: "من أحيى أرضًا ميتة فهي له" قال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ 5، وفي الباب غيره، قال في المغني والشرح: وعامة فقهاء الأمصار على أن الموات يملك بالإحياء وإن اختلفوا في شروطه 6.
وعندنا الأفضل ترك اللقطة ... وإن يخف عاد عليها 7 شططه
أي: الأفضل ترك اللقطة وإن خاف عليها 8 التلف بتركها، قال أحمد: الأفضل تركها، وروي معنى ذلك عن ابن عباس وابن عمر 9، وبه قال جابر بن زيد والربيع بن خيثم وعطاء.1011
وقال 1 الشافعي إذا وجدها بمضيعة وأمن نفسه عليها فالأفضل أخذها، وممن رأى أخذها سعيد بن المسيب والحسن بن صالح وأبو حنيفة 2 وأخذها أبي بن كعب وسويد بن غفلة 3، وقال مالك: إن كان شيئًا له 4 بال يأخذه 5 أحب إليَّّ ويعرفه، ولأن فيه حفظ مال المسلم عليه فكان أولى 6.
ولنا: قول 7 ابن عمر وابن عباس ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة، ولأنه يعرض 8 نفسه لأكل الحرام وتضييع الواجب من تعريفها وأداء الأمانة فيها فكان تركها أولى وأسلم كولاية مال اليتيم.
وإن تقف بهيمة بمهلكه 9 ... وربها يظنها 10 في هلكه 11
فآخذ يملك لا بالرد ... نقول 12 فرق بينهما والعبد
يعني: إذا وقفت 1 دابة بمهلكة 2 وتركها ربها لعجزها أو عجزه عن نفقتها 3 ترك إياس ملكها آخذها بذلك، وبه قال الليث والحسن بن صالح وإسحاق إلا أن يكون تركها ليرجع إليها أو ضلت منه.
وقال مالك: هي لمالكها ويغرم ما أنفق عليها 4.
وقال ابن المنذر: هي لمالكها والآخذ متبرع بالنفقة، لأنه أنفق على مال غيره بغير إذنه.
ولنا: ما روى الشعبي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من وجد دابة قد 5 عجز عنها أهلها فسيبوها فأخذها فأحياها فهي له"، قال عبد الله 6 بن حميد بن عبد الرحمن: فقلت يعني: للشعبي: من حدثك بهذا قال: غير واحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (رواه أبو داود 7 وفي لفظ عن الشعبي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - 8 أنه قال: "من ترك دابة بمهلكة فأحياها رجل فهي لمن أحياها"، ولأن في الحكم بملكها 9 إحياءً لها وإنقاذًا من الهلاك ومحافظة على حرمة الحيوان.
فأما إن ترك عبدًا لم يملكه آخذه؛ لأنه في العادة 10 يمكنه
التخلص إلى الأماكن التي يعيش بها بخلاف البهيمة، وكذا إن ترك متاعًا فخلصه إنسان لم يملكه؛ لأنه لا حرمة له في نفسه ولا يخشى عليه التلف كالخشية على الحيوان، وما يلقى في البحر عند الخوف والغرق يملك بأخذه كالمنبوذ رغبة عنه، واختار جمع لا يملكه آخذه.
ملتقط 1 الأثمان مد عرفها ... حولًا فقهرًا ذو الغنى يملكها
أي: إذا عرف الملتقط الأثمان حولًا ملكها -وإن كان غنيًا قهرًا، وروي نحو ذلك عن 2 عمر وابن مسعود وعائشة 3.
وقال مالك والحسن بن صالح والثوري وأصحاب الرأي: يتصدق بها وإذا جاءه 4 صاحبها 5 خُيَّر بين الأجر والغرم، قالوا 6: وليس له أن يتملكها إلا أن أبا حنيفة قال: له ذلك إن كان فقيرًا من غير ذوي القربى 7.
واختلف أصحاب الشافعي فمنهم من قال كقولنا ومنهم من قال:
يملكها بالنية، ومنهم من قال: يملكها بقوله اخترت ملكها، ومنهم من قال: لا يملكها إلا بقوله والتصرف فيها 1.
ولنا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث زيد بن خالد: "فإن 2 لم تعرف فاستنفقها" 3 وفي لفظ: "وإلا فهي كسبيل 4 مالك" وفي لفظ: "ثم كلها" وفي لفظ: "فانتفع بها" وفي لفظ: "فشأنك بها" 5 وفي حديث أبي بن كعب: "فاستنفقها" 6 وفي لفظ: "فاستمتع بها" وهو 7 حديث صحيح 8 وهذه الألفاظ كلها تدل على الملك، ولأن الالتقاط والتعريف سبب للتملك 9 فإذا تم وجب أن يثبت به الملك حكمًا كالإحياء والاصطياد، ولأنه سبب 10 يملك به فلم يقف الملك بعده على قوله واختياره، ولم يفرق فيه 11 بين الغني والفقير.
وحكم العروض كالأثمان على الصحيح من المذهب.
وقال أكثر أصحابنا: لا يملك العروض بالتعريف، وقال القاضي: نص عليه أحمد في رواية الجماعة.
والشاة في الحال ولو في العصر 1 ... تملك بالضمان إن لم يبر
يعني: إذا التقط شاة ونحوها مما لا يمتنع من صغار السباع خير بين أكلها وعليه قيمتها إذا جاء ربها إن لم يبره من الضمان، وبين بيعها وحفظ ثمنها، وبين حفظها مع الإنفاق عليها 2، وسواء كان في الحضر أو الصحراء.
وقال مالك وأبو عبيد وابن المنذر وأصحاب الشافعي: ليس له أكلها في المصر، لأنه يمكنه بيعها بخلاف الصحراء 3.
ولنا: قوله -عليه السلام-: "هي لك أو لأخيك أو للذئب" جعلها له في الحال وسوى بينه وبين الذئب 4 والذئب لا يؤخر أكلها في الحال.
وقال مالك: كلها ولا غرم عليك لصاحبها ولا تعريف 5 لظاهر الخبر 6، قال ابن عبد البر: لم يوافق مالكًا أحد من العلماء على قوله 7،
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث عبد الله بن عمر: "ورد على أخيك ضالته" 1، دليل على أن الشاة على ملك صاحبها وكغيرها مما تتبعه الهمة وما جاز أكله في الصحراء جاز أكله في المصر كسائر المأكولات.
بحفر بئر في موات يملك ... حريمها 2 معها بذرع 3 يسلك
فخمسة تملك والعشرونا ... وإن تكن عادية خمسونا
يعني: إذا حفر بئرًا في موات للتملك ووصل ماءها ملكها وملك حريمها وهو خمسة وعشرون ذراعًا إن لم تكن عادية، وخمسون ذراعًا إن كانت عادية من كل جانب فيها.
والعادية بتشديد الياء: القديمة منسوبة إلى عاد ولم يرد 4 عادا بعينها لكن لما كانت عاد في الزمن الأول ولها آثار في الأرض نسب إليها كل قديم.
وقال أبو حنيفة: حريم البئر أربعون ذراعًا: وحريم العين خمسمائة ذراع 5 لحديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "حريم البئر أربعون ذراعًا 6 لأعطان الإبل والغنم" 7 وعن الشعبي مثله رواه أبو 8 عبيد 9.
ولنا: ما روى الدارقطني والخلال 10 بإسنادهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه
قال: "حريم البئر البدي خمسة وعشرون ذراعًا وحريم البئر العادي خمسون ذراعًا وهذا نص، وروى أبو عبيد بإسناده عن يحيى بن سعيد 1 الأنصاري أنه قال: (السنة في حريم البئر العادي خمسون ذراعًا والبدي خمسة 2 وعشرون ذراعًا من نواحيها كلها وحريم بئر 3 الزرع ثلاثمائة ذراع من نواحيها كلها وحريم البئر العادية خمسون ذراعًا من نواحيها كلها) 4، وقال في الشرح 5: فأما حديث أبي حنيفة فحديثنا أصح منه وراويهما أبو 6 هريرة فيدل 7 على ضعفه 8.