ومن باب القطع في السرقة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البهوتي
- الكتاب
- المِنَحُ الشَّافِيات بِشَرْحِ مُفْردَاتِ الإمَامِ أحْمَد
- المؤلف
- منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتى الحنبلى (المتوفى: 1051هـ)
- المحقق
- أ. د. عبد الله بن محمد المُطلَق
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1427 هـ - 2006 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وهي أخذ مال الغير من حرزه على وجه الاختفاء، وهو ثابت بالإجماع 1 لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ 2 فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] وحديث عائشة قال -عليه السلام-: "تقطع اليد في ربع دينار" 3 إلى غير ذلك 4 من النصوص.
ومرتان عندنا الإقرار ... من سارق النصاب الاعتبار
يعني: يعتبر لثبوت 5 السرقة بالإقرار أن يقر بالسرقة مرتين فلا تثبت بمرة روي عن علي وبه قال ابن أبي ليلى وأبو يوسف وزفر وابن 6 شبرمة 7.
وقال 8 عطاء والثوري وأبو حنيفة والشافعيُّ ومحمَّد بن الحسن: يقطع
باعترافه 1 مرة كحق 2 الآدمي 3. ولنا ما روي عن أبي أمية المخزومي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي بلص 4 قد اعترف قال: "ما إخالك 5 سرقت؟ " قال: بلى، قال: فأعاد عليه مرتين قال: بلى، فأمر به فقطع رواه أبو داود 6، وعن علي أنه قال لسارق: "سرقت؟ (قال نعم) 7 قال: فشهد على نفسه (مرتين) 8 فقطع"، رواه الجوزجاني 9 ولأنه 10 يتضمن اتلافًا فكان من شرطه 11 التكرار 12 كحد الزاني، ويعتبر أيضًا أن يذكر في إقراره شروط 13 السرقة 14 من النصاب والحرز 15 وغير ذلك 16. تتمة: قطع الطريق كالسرقة فلا يثبت بالإقرار إلا إذا أقر به مرتين:
والقوم 1 في النصاب حيث اجتمعوا ... وسرقوه حدهم أن يقطعوا
إن جمعوا في الأخذ أو تفرقوا ... أصحابنا في ذاك لم يفرقوا
يعني: إذا اشترك جماعة في سرقة نصاب قطعوا سواء أخرجوه جملة أو أخرج كل واحد جزءًا وبه قال أبو ثور.
وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعيُّ وإسحاق 2: لا قطع عليهم إلا أن تبلغ حصة كل واحد منهم نصابًا, لأن كل واحد لم يسرق نصابًا فلم يجب عليهم قطع كما لو انفرد بدون النصاب 3.
وقال مالك: إن انفرد كل واحد منهم بجزء لم يقطع واحد منهم كما لو انفرد كل واحد من قاطعي اليد بقطع جزء منها لم يجب القصاص 4.
ولنا: أنهم اشتركوا في هتك الحرز وإخراج النصاب فلزمهم القطع كما لو كان ثقيلًا فحملوه، وفارق القصاص فإنه يعتمد المماثله (ولا توجد المماثلة) 5 إلا أن توجد أفعال لهم 6 في جميع أجزاء اليد، وفي مسألتنا القصد الزجر 7 من غير اعتبار مماثلته 8، والحاجة إلى الزجر عن سرقة المال موجودة فوجب القطع، ونصاب السرقة ربع دينار أو ثلاثة دراهم فضة خالصة أو ما يبلغ 9 قيمة ذلك.
وعندنا فجاحد العارية ... يقطع كالسارق بالسوية
بنصه 1 جزمًا فقوم 2 صرحوا ... والشيخ في جمع فلا قد صححوا
أي: يقطع جاحد العارية كالسارق، جزم 3 به جماعة من الأصحاب وهو المذهب قطع به في التنقيح والإقناع والمنتهى وغيرها وهو قول إسحاق 4.
وصحح الشيخ الموفق والشارح وجماعة لا قطع عليه وهو قول الخرقي وأبي إسحاق بن شاقلا وأبي الخطاب وسائر الفقهاء لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا قطع على الخائن" 5، ولأن الواجب قطع السارق، والخائن ليس بسارق فأشبه جاحد الوديعة وغيرها من الأمانات.
ولنا حديث عائشة: كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقطع يدها، فأتى أهلها أسامة فكلموه فكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا 6 أراك تكلمني في حد من حدود الله"، ثم قام النبي - صلى الله عليه وسلم - خطيبًا فقال: "إنما هلك 7 من كان قبلكم بأنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها"، قالت: فقطع يدها متفق 8 عليه، قال أحمد: لا أعرف شيئًا يدفعه.
والجواب عنه: بأنها قطعت بسرقتها لا بجحدها لا يلائم 1 سياق الخبر، وأما قوله: إذا سرق فيهم الشريف إلخ .. فلأنه أجرى فعلها مجرى السرقة.
وسارق الثمار من أشجار ... ضمانها بالقيمتين 2 جاري
كذلك النص أتى في الزرع ... مأخذ هذا فانتفاء القطع 3
كذاك في الماشية 4 الضمان ... من كير حرز أخذها عدوان 5
يعني: من سرق ثمرًا من رؤوس شجره 6 لم يقطع ولو كان عليه حائط وحافظ وهذا قول أكثر الفقهاء، ويضمن عوضه مرتين، وكذا 7 الكثر وهو الجمار، وبه قال إسحاق لحديث رافع بن خديج أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا قطع في ثمر ولا كثر" ورواه أحمد وأبو داود والترمذيُّ 8. وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل النبي عن الثمر المعلق فقال 9: "من أصاب منه بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة 10 فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء فعليه غرامة مثليه" 11 ولأن الثمار في العادة تسبق اليد إليها فجاز أن تغلظ 12 قيمتها على سارقها ردعًا له وزجرًا حيث فاته القطع كما أشار إليه في النظم.
وقوله في الحديث: "غير متخذٍ خبنة" بالخاء المعجمة ثم باء موحدة ثم نون أي: غير متخذ في حجره 1. وكذا الماشية تسرق من المرعى من غير أن تكون محرزة تضمن بمثلي 2 قيمتها ولا قطع نص عليه، واحتج بأن عمر أغرم حاطب بن أبي بلتعة 3 حين نحر غلمانه ناقة رجل من مزينة مثلي قيمتها رواه الأثرم 4، وكذا الزرع إذا سرق قبل حصاده فيضمن بعوضه مرتين ولا قطع قياسًا على الثمر والماشية 5. والصحيح من المذهب أن 6 غير 7 الشجر والنخل والماشية إذا سرقه 8 من غير حرزه فلا يضمن عوضه إلا مرة واحدة, لأن التضعيف فيها على خلاف القياس للنص 9. فلا يتجاوز به محل 10 النص، ومن سرق نصابًا من الثمر بعد إيوائه الحرز كجرين 11 ونحوه أو سرق من شجرة في دار محرزة 12 قطع ولا تضعيف.
وقال أكثر الفقهاء: الواجب عوضه مرة في الجميع 1 مطلقًا 2، واعتذر بعض الشافعية عن الخبر بأنه كان حين كانت العقوبة بالأموال ثم نسخ 3 وهذه دعوى لا دليل عليها ينهض.
وفرقه من صحبنا 4 قد ألحقوا ... جميع ما من غير حرز يسرق
أي: ألحق جماعة من أصحابنا بالثمر والماشية جميع ما سرق من غير حرزه في أنه يضمن بقيمته مرتين، اختاره أبو بكر والشيخ تقي الدين 5، وجزم 6 به في الحاوي الصغير وقدمه في المحرر والنظم والقواعد الفقهية، وقالوا 7 نص عليه قياسًا على الثمر والماشية وتقدم الجواب عنه.