ومن باب الصيد والذبائح
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البهوتي
- الكتاب
- المِنَحُ الشَّافِيات بِشَرْحِ مُفْردَاتِ الإمَامِ أحْمَد
- المؤلف
- منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتى الحنبلى (المتوفى: 1051هـ)
- المحقق
- أ. د. عبد الله بن محمد المُطلَق
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1427 هـ - 2006 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
1
الصيد: مصدر صاد يصيد فهو صائد وهو: اقتناص حيوان حلال متوحش طبعًا غير مملوك ولا مقدور عليه ويطلق (على المصيد 2) بمعنى المفعول.
والأصل في حله الإجماع لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: 96] 3، وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: 4] الآية، والسنة شهيرة به 4 فمنها حديث أبي ثعلبة وعدي بن حاتم متفق عليهما 5.
والذبائح جمع ذبيحة بمعنى مذبوحة والأصل فيها قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3].
بآلة غصب فمن يصيد ... فالصيد للمالك إذ يريد
يعني: لو غصب آلة صيد كشبكة وفخ وشرك ونحوها وصاد بها فالصيد لربها, لأنه حصل بها فأشبه نماء ملكه وكسب عبده، ولا أجرة له في مدة اصطياده وكذا لو غصب قوسًا فصاد به أو غنم، أو عبدًا فصاد أو اكتسب.
كلب بهيم 1 صيده قد نقلوا ... محرم قتيله لا يؤكل 2
أي: يحرم صيد الكلب الأسود البهيم ولا يباح أكله، ويحرم اقتناؤه وتعليمه 3، وقال الجمهور: هو كغيره لعموم الأخبار 4.
ولنا: أنه عليه الصلاة والسلام أمر بقتله وقال: "إنه شيطان" رواه مسلم 5، وصيد الشيطان لا يحل وأنه حصل بسبب 6 محرم.
والبهيم: كل لون لم يخالطه لون آخر، قاله ثعلب وإبراهيم = عن صيد المعراض فقال: "ما أصاب بعده فكل وما أصاب بعرضه فهو وقيذ"، وسألته عن صيد الكلب فقال: "ما أمسك عليك فكل فإن أخذ الكلب ذكاة، فإن وجدت مع كلبك أو كلابك كلبًا غيره فخشيت أن يكون أخذه معه وقد قتله فلا تأكل فإنما ذكرت اسم الله على كلبك ولم تذكره على غيره".
الحربيّ قيل لهما: من كلّ لون؟ قالا: نعم، وفي حديث جابر يرفعه: "عليكم بالأسود البهيم ذي الطفيتين 1 فإنّه شيطان" رواه مسلم والطفية: خوص 2 المقل شبه الخطين الأبيضين يكونان 3 بين عينيه 4 بالخوصتين 5.
ويجب قتل كلب عقور ولو معلمًا ويحرم اقتناؤه ويباح قتل الأسود البهيم ويحرم قتل ما عداهما من الكلاب.
وآلة الصَّيد فمن أرسلها ... ولم يسم قل ولو أغفلها
فصيده محرم لا يؤكل ... والذبح ليس هكذا قد جعلوا
أي: يشترط التّسمية عند إرسال آلة الصَّيد من سهم أو جارح أو 6 (شرك 7) (أو) 8 منجل ونحوه، فلو ترك التّسمية ولو سهوًا فصيده محرم لا يباح أكله بخلاف التّسمية في الذّكاة فتسقط سهوًا 9 وبهذا قال الشّعبيّ وأبو ثور وداود.
وقال أبو حنيفة ومالك: يباح متروك التّسمية سهوًا لا عمدًا 10
لحديث عفي لأمتي عن الخطأ والنِّسيان 1
وقال الشّافعيّ: يباح متروك التّسمية عمدًا وسهوًا 2؛ لأنّ البراء روى أن 3 النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "المسلم يذبح على اسم الله سمى 4 أو لم يسم" 5. وعن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل فقال: "أرأيت الرَّجل منا يذبح وينسى أن يسمي الله فقال اسم الله في قلب كلّ مسلم" 6 وقد روي عن أحمد مثل ذلك.
ولنا: قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أرسلت كلبك وسميت فكل"، قلت 7: أرسل كلبي فأجد 8 معه كلبًا آخر؟ " قال: "لا تأكل فإنّما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر" متفق عليه.
وفي لفط: "إذا خالط 9 كلابًا لم يذكر اسم الله عليها فأمسكن وقتلن 10 فلا تأكل"، وفي حديث أبي ثعلبة: (وما صدت بقوسك
وذكرت 1 اسم الله عليه فكل" وهذه نصوص صحيحة لا يعرج على ما خالفها وحديث 2: "عفي لأمتي عن الخطأ والنِّسيان" يقتضي نفي الإثم 3 لا جعل 4 الشرط المعدوم كالموجود بدليل ما لو نسي شرط الصّلاة والفرق بين الصَّيد والذبيحة أن الذَّبح وقع في محله فجاز أن يتسامح فيه بخلاف الصَّيد، وأحاديث أصحاب الشّافعيّ لم يذكرها أصحاب السنن المشهورة، وإن صحت فهي في الذبيحة وقد علم الفرق بينهما فلا يصح قياسه عليها.
والصَّيد إن أثخن بالجراحة ... مع فاقد لآلة 5 الذباحة
أشلى عليه الكلب حتَّى يقتل ... وحله فالخرقي ينقل
أي: إذا أثخن الصائد الصَّيد وأدركه وفيه حياة مستقرة ولم يكن معه آلة يذكيه بها أرسل عليه 6 الجارح فإذا قتله حل فيما نقله 7 الخرقي وهو قول الحسن وإبراهيم؛ لأنَّه صيد قتله الجارح من غير إمكان ذكاته فأبيح كما لو أدركه ميتًا، ولأنَّها حال يتعذر فيه الذَّكاة في الحلق واللبة 8 غالبًا فجاز أن تكون 9 ذكاته على حسب الإمكان كالمتردي في بئر.
والمذهب أنَّه لا يباح إِلَّا بالذَّكاة وهو قول أكثر أهل العلم؛ لأنّه مقدور عليه فلم يبح بقتل الجارح كالأنعام وكما لو أدركه سليمًا 10.
دواب 1 بحر شرطها في الحل ... فالذبح إِلَّا ما أن في النقل
أي: شرط الحل في دواب البحر الذَّبح فلا تحل 2 ميتتها إِلَّا ما أتى فيه النقل وهو السمك هذا 3 رواية 4، والمذهب حله من غير ذكاة لحديث "هو الطّهور ماؤه الحل ميتته" 5 لكن يحرم الضفدع والتمساح والحية، وكذا ما يعيش في البرّ والبحر 6 كالسرطان 7 والسلحفاة 8 لا يحل إِلَّا بالذَّكاة كطير الماء.
إذا تردى صيد 9 أو مذبوح ... فمات أو في الماء لا تبيحوا
كذاك دوس 10 صيد أو مذبوح ... وطئا يكون مخرجًا للروح
أي: إذا تردى الصَّيد أو المذبوح من علو فمات أو وقع في ماء يقتله
مثله فمات أو وطئ عليه شيء 1 يقتله مثله لم يبح أكله ويكون ميتة 2. وقال أكثر الفقهاء: لا يحرم لأنّه إذا ذبح صار في حكم الميِّت كما لو قطع رأسه 3. ولنا: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث عدي بن حاتم في الصَّيد 4: "وإن وقعت في الماء فلا تأكل" 5: وقال ابن مسعود 6: من رمى طائرًا فوقع في ماء فغرق فيه فلا يأكله 7، ولأن ذلك سبب يقتل فإذا اجتمع مع الذَّبح فقد اجتمع ما يبيح ويحرم فيغلب الحظر، ولأنّه لا يؤمن أن يعين 8 على خروج الرُّوح فيغلب التّحريم 9. أم أب من كان للكتابي ... من غير أهل الذَّبح في الأحزاب 10
فصيده وذبحه حرام ... آكله يلحقه 1 الآثام
يعني: لا تحل ذبيحة من أحد أبويه غير كتابي كولد كتابي من مجوسية وعكسه 2.
وقال أبو حنيفة: تباح مطلقًا لعموم النص، ولأنّه كتابي يقر على دينه فتحل ذبيحته كما لو كان ابن كتابيين 3.
وقال مالك: تباح إن كان أبوه كتابيًا 4.
ولنا: أنَّه وجد ما يقتضي الإباحة والتحريم فغلب التّحريم وبيان وجود ما يقتضي التّحريم أن كونه ولد مجوسي أو وثني ونحوه يقتضي تحريم ذبيحته.
ذبيحة الأخرس بالإجماع ... تباح قد قالوا بلا نزاع
وإنّما أصحابنا يشيروا ... بأنّه إلى السما يشير
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة ذبيحة الأخرس 5 منهم اللَّيث والشّافعيّ 6، وإسحاق وأبو ثور وهو قول الشّعبيّ وقتادة والحسن بن صالح.
قال أصحابنا: ويشير الأخرس إلى السَّماء بالتسمية؛ لأنّ إشارته تقوم مقام نطق الناطق، وإشارته إلى السَّماء تدل على تسميته 7، ونحو هذا قال
الشّعبيّ، وقد دل عليه حديث أبي هريرة: أن رجلًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بجارية أعجمية فقال: يا رسول الله، إنَّ عليَّ رقبة مؤمنة أفأعتق 1 هذه؟ فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أين الله؟ " فأشارت إلى السَّماء، فقال: "من أنا؟ " فأشارت بأصبعها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلى السَّماء أي: أنت رسول الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أعتقها فإنها مؤمنة" رواه أحمد 2 والقاضي 3 في مسنديهما.