ومن باب الإجارة والمساقات والمزارعة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البهوتي
- الكتاب
- المِنَحُ الشَّافِيات بِشَرْحِ مُفْردَاتِ الإمَامِ أحْمَد
- المؤلف
- منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتى الحنبلى (المتوفى: 1051هـ)
- المحقق
- أ. د. عبد الله بن محمد المُطلَق
- الناشر
- دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1427 هـ - 2006 م
- عدد الأجزاء
- 2 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الإجارة لغة: المجازاة مأخوذة من الأجر وهو العوض، ومنه سمى الثواب أجرًا، لأن الله تعالى يعوض 1 عبده على فعل الطاعة أو صبره عن المعصية.
وشرعًا عقد 2: على منفعة مباحة معلومة مدة معلومة من عين معينة أو موصوفة في الذمة، أو عمل معلوم بعوض معلوم وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع 3.
والمساقاة: دفع شجر مغروس معلوم له ثمر (مأكول لمن يعمل عليه بجزء معلوم من ثمره) 4.
والمناصبة والمغارسة: دفعه بلا غرس مع أرض لمن يغرسه ويعمل عليه حتى يثمر 1 بجزء مشاع معلوم منه أو من ثمره أو منهما.
والمزارعة: دفع أرض وحب لمن يزرعه ويقوم عليه بجزء مشاع معلوم من المتحصل.
والأصل في مشروعيتها حديث ابن عمر قال: "عامل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع"؛ متفق 2 عليه 3، وقال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: عامل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل خيبر بالشطر ثم أبو بكر ثم عمر وعثمان وعلي ثم أهلوهم إلى اليوم يعطون الثلث والربع 4.
زوج على زوجته حيث عقد ... إجارة جاز لإرضاع 5 الولد
أي: يجوز للرجل أن يستأجر زوجته لرضاع ولده منها 6.
وقال أبو حنيفة وغيره: لا يصح؛ لأنه استحق حبسها والاستمتاع 7 بها بعوض فلا يجوز أن يلزمه عوض آخر 8 لذلك 9.
ولنا: أن كل عقد صح أن تعقده مع غير الزوج صح أن تعقده معه كالبيع، ولأن منافعها في الحضانة والرضاع غير مستحقة للزوج بدليل 1 أنه لا يملك إجبارها عليه.
وقولهم: إنها استحقت عوض الحبس والاستمتاع.
قلنا: هذا غير الحضانة واستحقاق منفعة 2 من وجه لا يمنع استحقاق منفعة سواها بعوض آخر كما لو استأجرها أولًا ثم تزوجها.
ببعض ما تخرج أرض تؤجر ... كالثلث أو كالنصف أو ما قدروا
أي: يجوز أن تؤجر الأرض بجزء مشاع مما 3 يخرج منها كالنصف و 4 الثلث والربع ونحوه 5.
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعيُّ: لا يصح ذلك 6 واختاره أبو الخطاب وصححه الموفق؛ لأنها إجارة لعين ببعض نمائها فلم يجز كسائر الأعيان 7.
ولنا: أنه عوض معلوم فصحت به الإجارة كما لو آجرها بدراهم أو دنانير.
قبل انقضاء مدة 8 إن 9 حوله ... مؤجر 10 أسقط أجره مكملة
أي: إذا حول المالك المستأجر من العين المؤجرة قبل تمام المدة أو منعه من العين قبل كمال العمل فلا أجرة له حتى لما مضى.
وقال أكثر الفقهاء: له أجر ما سكن ونحوه؛ لأنه استوفى ملك غيره على سبيل المعاوضة فلزمه عوضه 1 كالبيع إذا تسلم 2 بعضه ومنعه المالك بعضه 3 وكما لو امتنع لأمر غالب 4.
ولنا: أنه لم يسلم 5 إليه ما عقد الإجارة عليه فلم يستحق شيئًا كما لو استأجره 6 لعمل فلم يوفه، وقياس الإجارة على الإجارة أولى من قياسها على البيع، ويفارق ما إذا امتنع لأمر 7 غالب، لأن له عذرًا.
وكسب حجام فقل خبيث ... سحت بذا 8 قدجاءنا الحديث
أكلًا لحر ليس بالملائم ... يطعم للعبد وللبهائم
يشير بذلك إلى قول القاضي أنه لا يحل للحجام أكل أجرته على ذلك لقوله: - صلى الله عليه وسلم - "كسب الحجام خبيث" رواه مسلم 9 وقال: "أطعمه ناضحك 10 ورقيقك" 11 وممن كره كسب الحجام عثمان وأبو هريرة والحسن والنخعي
فلا يأكله الحر بل يطعمه لرقيقه وبهائمه للخبر وجوابه يأتي.
يحرم نصًا جاء 1 قال القاضي ... وعقدها ليس بعقد ماضي
أي: قال القاضي: لا يباح أجر الحجام وذكر أن أحمد نص عليه في مواضع 2.
قال: وإن أعطي شيئًا من غير 3 عقد ولا شرط فله أخذه ويصرفه في علف دابته وطعمة عبده ومؤنة صناعته 4، ولا يحل له أكله وقال القاضي أيضًا: إن عقد الإجارة على الحجامة غير صحيح 5 لظاهر الخبر السابق.
وقاله قوم قوم حرموا ... بالعقد لا بغيره أكره جزموا
ومذهب الشيخين فأكره مطلقًا ... وعقدها يصح فيها حققًا
أي: قال قوم من الأصحاب بما قاله القاضي من بطلان عقد الإجارة للحجامة 1 منهم الحلواني، قال الزركشي: هذا قول القاضي وجمهور أصحابه قال في التلخيص: وهو المنصوص وقدمه في المستوعب والفائق.
وكذا تحريم 2 أكله للحر قال الزركشي: اختار تحريم أكله القاضي وطائفة من أصحابه انتهى.
وقوله: حرموا بالعقد لا بغيره.
أي: قوم من الأصحاب حرموا ما يأخذه الحجام بعقد الإجارة على الحجامة لا 3 ما أخذه بغير عقد فجزموا 4 بكراهته.
وقال الشيخان: يصح عقد الإجارة لها، ويكره للحر أكل أجرة ذلك، وما يأخذه عليه بغير عقد ولا شرط 5، وهذا هو الصحيح من المذهب وقطع به في التنقيح والإقناع والمنتهى وغيرها وصححه في الإنصاف وغيره.
عقد المساقي وكذا المزارع ... جوازه ففي الأصح قد رعي
يعني: أن عقد المساقاة والمزارعة جائز من الطرفين لكل منهما فسخه متى شاء ويبطل 6 بموت أحدهما وجنونه المطبق كالوكالة وهو قول 7 بعض أهل الحديث.
وقال أكثر الفقهاء: هو عقد لازم، لأنه عقد معاوضة فكان لازمًا كالإجارة 8،
ولأنه لو كان جائزًا جاز لرب المال فسخه إذا أدركت الثمرة فيسقط حق العامل فيستضر 1.
ولنا: ما روى مسلم عن ابن عمر أن اليهود سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقرهم بخيبر على أن 2 يعملوها ويكون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - شطر ما يخرج منها من ثمر وزرع 3 فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نقركم على ذلك ما شئنا" 4، ولو كان لازمًا لم يجز بغير تقدير مدة، ولا أن يجعل الخيرة إليه 5 في مدة إقرارهم، ولم ينقل أنه قدر لهم مدة ولو وقع لنقل 6، وعمر -رضي الله عنه- أجلاهم من أرض الحجاز وأخرجهم من خيبر 7 ولو كانت لهم مدة مقدرة لم يخرجوا فيها 8، وقياسهم ينتقض بالمضاربة وهي أشبه بالمساقاة من الإجارة فقياسها عليها أولى.
وقولهم: إنه يفضي إلى فسخ رب المال بعد كمال الثمرة.
قلنا: متى ظهرت فهي تظهر على ملكهما 1 فلا يسقط حق العامل منها بفسخ 2 ولا غيره كالمضاربة وعليه تمام العمل وعلى هذا فلا تفتقر إلى ضرب مدة كسائر العقود الجائزة.
وعندنا العامل والمساقي ... عليهما الجذاذ في الإطلاق
والشيخ بالعامل 3 بل يختص ... كالحصد والأول فيه النص
يعني: أن جذاذ الثمرة في المساقاة على رب المال والعامل بقدر ملكيهما إلا أن يشترطه رب المال على العامل فيكون عليه وحده وهو قول بعض الشافعية 4، لأنه يكون بعد تكامل الثمرة وانقضاء المعاملة فأشبه النقل إلى المنزل واختار 5 الموفق أنه 6 يختص بالعامل كالحصاد، لأنه من العمل فيكون عليه كالتشميس 7.
وقولهم: بعد تكامل الثمرة ينتقض بالتشميس ونحوه لكن المنصوص عن 8 الإمام هو الأول كما قاله 9 في النظم.
يصح في الأرضين أن يزارع ... ببعض ما تخرجه المزارع
أي: تصح المزارعة لما تقدم من خبر ابن عمر وهذا قول كثير من أهل العلم، قال البخاري قال 1 أبو جعفر: ما بالمدينة أهل بيت إلا ويزرعون 2 على الثلث والربع 3. وزارع علي وسعد وابن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة وآل أبي بكر وآل علي وابن سيرين 4 وممن رأى ذلك سعيد بن المسيب وطاووس وعبد الرحمن بن الأسود وموسى بن طلحة والزهري وعبد الرحمن بن أبي ليلى 5 وابنه وأبو يوسف ومحمَّد وروي ذلك عن معاذ والحسن وعبد الرحمن بن يزيد.
ومنع النعمان ثم مالك ... من ذا وقالا لا يصح ذلك
والشافعيُّ وافقهم في البيضا ... وقال: لا يصح فيها أيضا
أي: منع أبو حنيفة من المزارعة فقال: لا تصح وكذا المساقاة عنده، لأنها إجارة بعوض لم يخلق أو مجهول، وكذا قال مالك في المزارعة: لا تصح 6 أي: في الجملة وإلا ففيها تفصيل في كتبهم يطول ذكره، ووافقهما 7 الشافعي في الأرض البيضاء الخالية من النخيل
والكرم 1 لحديث ابن عمر قال: كنا ما 2 نرى بالمزارعة بأسًا حتى سمعت رافع بن خديج يقول: (نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها) وقال جابر رضي الله 3 عنه: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المخابرة، متفق عليهما 4.
والمخابرة: المزارعة 5 مشتقة من الخبار 6 وهي الأرض اللينة 7 والخبير الأكار.
ولنا: ما روى ابن عمر قال: (إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر) 8. متفق عليه 9، وقد روى ذلك ابن عباس وجابر بن عبد الله 10 قال أبو جعفر: (عامل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل خيبر بالشطر ثم أبو بكر 11 ثم عمر ثم عثمان وعلي ثم أهلوهم إلى اليوم يعطون 12 الثلث والربع" 13، وهذا أمر صحيح مشهور عمل به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى مات ثم خلفاؤه الراشدون حتى ماتوا ثم أهلوهم من بعدهم.
وأما حديث رافع فمضطرب جدًا اضطرابًا يوجب ترك العمل به قال
أحمد: حديث رافع ألوان، وقال أيضًا: حديث رافع ضروب وقال ابن المنذر: قد جاءت الأخبار عن رافع بعلل تدل على أن النهي كان لعلل 1. وعلى تقدير صحته وامتناع تأويله وتعذر الجمع 2 يجب حمله على أنه منسوخ؛ لأنه لا بد من نسخ أحد الخبرين، ويستحيل القول بنسخ حديث خيبر لكونه معمولًا به من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى موته ثم 3 من بعده إلى عصر التابعين فمتى كان نسخه 4. وذلك باب كامل مطرد 5 ... مذهبنا به إذًا ينفرد أي: باب المزارعة في الأرض البيضاء باب كامل انفرد به مذهبنا عن الأئمة الثلاثة للأدلة السابقة.