َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أَرْبَعَةٌ أَحَدُهَا، أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ.
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ الْحَلِفَ بِذَلِكَ إيلَاءٌ.
فَأَمَّا إنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ بِغَيْرِ هَذَا، مِثْلُ أَنْ حَلَفَ بِطَلَاقِ، أَوْ عَتَاقٍ، أَوْ صَدَقَةِ الْمَالِ، أَوْ الْحَجِّ، أَوْ الظِّهَارِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يَكُونُ مُولِيًا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْقَدِيمِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، هُوَ مُولٍ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ يَمِينٍ مَنَعَتْ جِمَاعَهَا، فَهِيَ إيلَاءٌ.
وَبِذَلِكَ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَغَيْرُهُمْ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ مَنَعَتْ جِمَاعَهَا فَكَانَتْ إيلَاءً، كَالْحَلِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ عَلَى وَطْئِهَا حَلِفٌ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَتَى حَلَفْت بِطَلَاقِك، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَالَ: إنْ وَطِئْتُك، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
طَلُقَتْ فِي الْحَالِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كُلُّ يَمِينٍ مِنْ حَرَامٍ أَوْ غَيْرِهَا، يَجِبُ بِهَا كَفَّارَةٌ، يَكُونُ الْحَالِفُ بِهَا مُولِيًا.
وَأَمَّا الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ، فَلَيْسَ الْحَلِفُ بِهِ إيلَاءً؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ، وَمَا أَوْجَبَ كَفَّارَةً تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى هِيَ الْمَشْهُورَةُ؛ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ الْمُطْلَقَ إنَّمَا هُوَ الْقَسَمُ، وَلِهَذَا قَرَأَ أُبَيٍّ وَابْنُ عَبَّاسٍ " يُقْسِمُونَ ". مَكَانَ: يُؤْلُونَ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ يُؤْلُونَ.
قَالَ: يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ.
هَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتَّعْلِيقُ بِشَرْطٍ لَيْسَ بِقَسَمٍ وَلِهَذَا لَا يُؤْتَى فِيهِ بِحَرْفِ الْقَسَمِ، وَلَا يُجَابُ
بِجَوَابِهِ، وَلَا يَذْكُرُهُ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي بَابِ الْقَسَمِ، فَلَا يَكُونُ إيلَاءً، وَإِنَّمَا يُسَمَّى حَلِفًا تَجَوُّزًا، لِمُشَارَكَتِهِ الْقَسَمَ فِي الْمَعْنَى الْمَشْهُورِ فِي الْقَسَمِ، وَهُوَ الْحَثُّ عَلَى الْفِعْلِ أَوْ الْمَنْعِ مِنْهُ، أَوْ تَوْكِيدُ الْخَبَرِ، وَالْكَلَامُ عِنْدَ إطْلَاقِهِ لِحَقِيقَتِهِ؛ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 226] . وَإِنَّمَا يَدْخُلُ الْغُفْرَانُ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ.
وَأَيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» . وَقَوْلُهُ: «إِن اللَّه يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ غَيْرَ الْقَسَمِ حَلِفٌ، لَكِنَّ الْحَلِفُ بِإِطْلَاقِهِ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى الْقَسَمِ، وَإِنَّمَا يُصْرَفُ إلَى غَيْرِ الْقَسَمِ بِدَلِيلٍ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْقَسَمَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ لَا يَكُونُ إيلَاءً؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ كَفَّارَةً وَلَا شَيْئًا يَمْنَعُ مِنْ الْوَطْءِ، فَلَا يَكُونُ إيلَاءً، كَالْخَبَرِ بِغَيْرِ الْقَسَمِ.
وَإِذَا قُلْنَا بِالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ فَلَا يَكُونُ مُولِيًا إلَّا أَنْ يَحْلِفَ بِمَا يَلْزَمُهُ بِالْحِنْثِ فِيهِ حَقٌّ كَقَوْلِهِ: إنْ وَطِئْتُك فَعَبْدِي حُرٌّ.
أَوْ: فَأَنْتِ طَالِقٌ.
أَوْ: فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي.
أَوْ: فَأَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ.
أَوْ: فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ سَنَةٍ أَوْ الْحَجُّ أَوْ صَدَقَةٌ.
فَهَذَا يَكُونُ إيلَاءً؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ بِوَطْئِهَا حَقٌّ يَمْنَعُهُ مِنْ وَطْئِهَا خَوْفُهُ مِنْ وُجُوبِهِ.
وَإِنْ قَالَ: إنْ وَطِئْتُك فَأَنْتِ زَانِيَةٌ.
لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِالْوَطْءِ حَقٌّ، وَلَا يَصِيرُ قَاذِفًا بِالْوَطْءِ؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَصِيرَ زَانِيَةً بِوَطْئِهِ لَهَا، كَمَا لَا تَصِيرُ زَانِيَةً بِطُلُوعِ الشَّمْسِ.
وَإِنْ قَالَ: إنْ وَطِئْتُك، فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ هَذَا الشَّهْرِ.
لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَطِئَهَا بَعْدَ مُضِيِّهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ حَقٌّ، فَإِنَّ صَوْمُ هَذَا الشَّهْرِ لَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَ مُضِيِّهِ، فَلَا يُلْزَمُ بِالنَّذْرِ، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ وَطِئْتُك، فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَمْسِ.
وَإِنْ قَالَ: إنْ وَطِئْتُك، فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ عِشْرِينَ رَكْعَةً.
كَانَ مُولِيًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَكُونُ مُولِيًا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مَالٌ، وَلَا تَتَعَلَّقُ بِمَالٍ، فَلَا يَكُونُ الْحَالِفُ بِهَا مُولِيًا، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ وَطِئْتُك، فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَمْشِيَ فِي السُّوقِ.
وَلَنَا، أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ بِالنَّذْرِ، فَكَانَ الْحَالِفُ بِهَا مُولِيًا، كَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ، وَمَا ذَكَرَهُ لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَحْتَاجُ إلَى الْمَاءِ وَالسُّتْرَةِ.
وَأَمَّا الْمَشْيُ فِي السُّوقِ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، أَنَّهُ يَكُونُ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ بِالْحِنْثِ فِي هَذَا النَّذْرِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ؛: إمَّا الْكَفَّارَةُ، وَإِمَّا الْمَشْيُ، فَقَدْ صَارَ الْحِنْثُ مُوجِبًا لِحَقٍّ عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مُولِيًا بِنَذْرِ فِعْلِ الْمُبَاحَاتِ وَالْمَعَاصِي أَيْضًا، فَإِنَّ نَذْرَ الْمَعْصِيَةِ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَشْيَ لَا يَجِبُ بِالنَّذْرِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
وَإِذَا اسْتَثْنَى فِي يَمِينِهِ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ بِالْحِنْثِ، فَلَمْ يَكُنْ الْحِنْثُ مُوجِبًا لِحَقٍّ عَلَيْهِ.
وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ
بِاَللَّهِ تَعَالَى، أَوْ كَانَتْ يَمِينًا مُكَفِّرَةً، فَأَمَّا الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ، فَمَنْ جَعَلَ الِاسْتِثْنَاءَ فِيهِمَا غَيْرَ مُؤَثِّرٍ، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَيَكُونُ مُولِيًا بِهِمَا، سَوَاءٌ اسْتَثْنَى أَوْ لَمْ يَسْتَثْنِ.
[فَصْلٌ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ]
(6106) فَصْلٌ: الشَّرْطُ الثَّانِي، أَنْ يَحْلِفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَطَاوُسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَبِي عُبَيْدٍ.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: إذَا حَلَفَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَمَا زَادَ، كَانَ مُولِيًا.
وَحَكَى ذَلِكَ الْقَاضِي وَأَبُو الْحُسَيْنِ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِنْ الْوَطْءِ بِالْيَمِينِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَكَانَ مُولِيًا، كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى مَا زَادَ.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَحَمَّادٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَإِسْحَاقُ: مَنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فِي قَلِيلٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ أَوْ كَثِيرٍ، وَتَرَكَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَهُوَ مُولٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: 226] . وَهَذَا مُولٍ؛ فَإِنَّ الْإِيلَاءَ الْحَلِفُ، وَهَذَا حَالِفٌ
وَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ نَفْسَهُ مِنْ الْوَطْءِ بِالْيَمِينِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَلَمْ يَكُنْ مُولِيًا، كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ قُبْلَتِهَا.
وَالْآيَةُ حُجَّةٌ لَنَا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ تَرَبُّصَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا حَلَفَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أَوْ مَا دُونَهَا، فَلَا مَعْنَى لِلتَّرَبُّصِ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ تَنْقَضِي قَبْلَ ذَلِكَ وَمَعَ انْقِضَائِهِ.
وَتَقْدِيرُ التَّرَبُّصِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ يَقْتَضِي كَوْنَهُ فِي مُدَّةٍ تَنَاوَلَهَا الْإِيلَاءُ، وَلِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ إنَّمَا تَكَوُّنُ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ بِأَرْبَعَةِ فَمَا دُونَ، لَمْ تَصِحَّ الْمُطَالَبَةُ مِنْ غَيْرِ إيلَاءٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ بَنَوْا ذَلِكَ عَلَى قَوْلِهِمْ فِي الْفَيْئَةِ إنَّهَا تَكُونُ فِي مُدَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ خِلَافُهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا﴾ [البقرة: 226] . فَعَقَّبَ الْفَيْءَ عَقِيبَ التَّرَبُّصِ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ، فَيَدُلُّ عَلَى تَأَخُّرِهَا عَنْهُ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ الْمُولِيَ مَنْ يَحْلِفُ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ أَبَدًا أَوْ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ إذَا حَلَفَ عَلَى مَا دُونَ ذَلِكَ، أَمْكَنَهُ التَّخَلُّصُ بِغَيْرِ حِنْثٍ، فَلَمْ يَكُنْ مُولِيًا، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا وَطِئَهَا فِي مَدِينَةٍ بِعَيْنِهَا.
وَلَنَا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ بَعْدَ التَّرَبُّصِ مِنْ يَمِينِهِ بِغَيْرِ حِنْثٍ، فَأَشْبَهَ الْمُطَلَّقَةَ، بِخِلَافِ الْيَمِينِ عَلَى مَدِينَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ التَّخَلُّصُ بِغَيْرِ الْحِنْثِ، وَلِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأَشْهُرَ مُدَّةٌ تَتَضَرَّرُ الْمَرْأَةُ بِتَأْخِيرِ الْوَطْءِ عَنْهَا، فَإِذَا حَلَفَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا كَانَ مُولِيًا كَالْأَبَدِ.
وَدَلِيلُ الْوَصْفِ مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يَطُوفُ لَيْلَةً فِي الْمَدِينَةِ، فَسَمِعَ امْرَأَةً تَقُولُ:
تَطَاوَلَ هَذَا اللَّيْلُ وَازْوَرَّ جَانِبُهْ ... وَلَيْسَ إلَى جَنْبِي خَلِيلٌ أُلَاعِبُهْ
فَوَاَللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ ... لَزُعْزِعَ مِنْ هَذَا السَّرِيرِ جَوَانِبُهْ
مَخَافَةُ رَبِّي وَالْحَيَاءُ يَكُفُّنِي ... وَأُكْرِمُ بَعْلِي أَنْ تُنَالَ مَرَاكِبُهْ
فَسَأَلَ عُمَرُ نِسَاءً: كَمْ تَصْبِرُ الْمَرْأَةُ عَنْ الزَّوْجِ؟ فَقُلْنَ: شَهْرَيْنِ، وَفِي الثَّالِثِ يَقِلُّ الصَّبْرُ، وَفِي الرَّابِعِ يَنْفَدُ الصَّبْرُ.
فَكَتَبَ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ، أَنْ لَا تَحْبِسُوا رَجُلًا عَنْ امْرَأَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.
[فَصْلٌ عَلَّقَ الْإِيلَاء بِشَرْطِ مُسْتَحِيلٍ]
(6107) فَصْلٌ: وَإِذَا عَلَّقَ الْإِيلَاء بِشَرْطِ مُسْتَحِيلٍ، كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك حَتَّى تَصْعَدِي السَّمَاءَ، أَوْ تَقْلِبِي الْحَجَرَ ذَهَبًا، أَوْ يَشِيبَ الْغُرَابُ.
فَهُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ تَرْكُ وَطْئِهَا؛ فَإِنَّ مَا يُرَادُ إحَالَةُ وُجُودِهِ يُعَلَّقُ عَلَى الْمُسْتَحِيلَاتِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْكُفَّارِ ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: 40] . وَمَعْنَاهُ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ أَبَدًا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
إذَا شَابَ الْغُرَابُ أَتَيْت أَهْلِي ... وَصَارَ الْقَارُ كَاللَّبَنِ الْحَلِيبِ
وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك حَتَّى تَحْبَلِي.
فَهُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّ حَبَلَهَا بِغَيْرِ وَطْءٍ مُسْتَحِيلٌ عَادَةً، فَهُوَ كَصُعُودِ السَّمَاءِ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَيْسَ بِمُولٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَغِيرَةً يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا لَا تَحْمِلُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، أَوْ آيِسَةً، فَأَمَّا إنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ، فَلَا يَكُونُ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُهَا.
قَالَ الْقَاضِي وَإِذَا كَانَتْ الصَّغِيرَةُ بِنْتَ تِسْعِ سِنِينَ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ لِأَنَّ حَمْلَهَا مُمْكِنٌ.
وَلَنَا، أَنَّ الْحَمْلَ بِدُونِ الْوَطْءِ مُسْتَحِيلٌ عَادَةً، فَكَانَ تَعْلِيقُ الْيَمِينِ عَلَيْهِ إيلَاءً، كَصُعُودِ السَّمَاءِ.
وَدَلِيلُ اسْتِحَالَتِهِ قَوْلُ مَرْيَمَ ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: 20] . وَقَوْلُهُمْ ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: 28] وَلَوْلَا اسْتِحَالَتُهُ لَمَا نَسَبُوهَا إلَى الْبِغَاءِ بِوُجُودِ الْوَلَدِ، وَأَيْضًا قَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الرَّجْمُ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَدْ أَحْصَنَ، إذَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ، أَوْ الِاعْتِرَافُ.
وَلِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْحَبَلَ لَا يُوجَدُ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ.
فَإِنْ قَالُوا: يُمْكِنُ حَبَلُهَا مِنْ وَطْءِ غَيْرِهِ، أَوْ بِاسْتِدْخَالِ مَنِيِّهِ.
قُلْنَا: أَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِهِ فَقَالَ: لَا وَطِئْتُك حَتَّى تَحْبَلِي مِنْ غَيْرِي، أَوْ: مَا دُمْت فِي نِكَاحِي.
أَوْ: حَتَّى تَزْنِي.
كَانَ مُولِيًا، وَلَوْ صَحَّ مَا ذَكَرُوهُ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا.
وَأَمَّا الثَّانِي فَهُوَ مِنْ الْمُسْتَحِيلَاتِ عَادَةً، إنْ وُجِدَ كَانَ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَقَدْ قَالَ أَهْلُ الطِّبِّ: إنَّ الْمَنِيَّ إذَا بَرَدَ لَمْ يُخْلَقْ مِنْهُ وَلَدٌ.
وَصَحَّحَ قَوْلَهُمْ قِيَامُ الْأَدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَا بَعْضَهَا، وَجَرَيَانُ الْعَادَةِ عَلَى وَفْقِ مَا قَالُوهُ.
وَإِذَا
كَانَ تَعْلِيقُهُ عَلَى مَوْتِهِ أَوْ مَوْتِهَا أَوْ مَوْتِ زَيْدٍ إيلَاءً، فَتَعْلِيقُهُ عَلَى حَبَلِهَا بِغَيْرِ وَطْءٍ أَوْلَى.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ بِقَوْلِي: حَتَّى تَحْبَلِي.
السَّبَبِيَّةَ، وَلَمْ أُرِدْ الْغَايَةَ.
وَمَعْنَاهُ لَا أَطَؤُكِ لِتَحْبَلِي.
قُبِلَ مِنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَالِفٍ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ، وَإِنَّمَا هُوَ حَالِفٌ عَلَى قَصْدِ تَرْكِ الْحَبَلِ بِهِ، فَإِنَّ حَتَّى تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى السَّبَبِيَّةِ.
[فَصْلٌ عَلَّقَ الْإِيلَاء عَلَى غَيْرِ مُسْتَحِيلٍ]
(6108) فَصْلٌ: وَإِنْ عَلَّقَهُ عَلَى غَيْرِ مُسْتَحِيلٍ، فَذَلِكَ عَلَى خَمْسَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا، مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، كَقِيَامِ السَّاعَةِ، فَإِنَّ لَهَا عَلَامَاتٍ تَسْبِقُهَا، فَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: حَتَّى تَأْتِي الْهِنْدَ.
أَوْ نَحْوَهُ.
فَهَذَا مُولٍ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.
الثَّانِي، مَا الْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، كَخُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَالدَّابَّةِ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، أَوْ يَقُولُ: حَتَّى أَمُوتَ.
أَوْ: تَمُوتِي.
أَوْ: يَمُوتَ وَلَدُك.
أَوْ: زَيْدٌ.
أَوْ: حَتَّى يَقْدَمَ زَيْدٌ مِنْ مَكَّةَ.
وَالْعَادَةُ أَنَّهُ لَا يَقْدَمُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَيَكُونُ مُولِيًا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك فِي نِكَاحِي هَذَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى مَرَضِهَا، أَوْ مَرَضِ إنْسَانٍ بِعَيْنِهِ.
الثَّالِثُ - أَنْ يُعَلِّقَهُ عَلَى أَمْرٍ يَحْتَمِلُ الْوُجُودَ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُوجَدَ، احْتِمَالًا مُتَسَاوِيًا، كَقُدُومِ زَيْدٍ مِنْ سَفَرٍ قَرِيبٍ، أَوْ مِنْ سَفَرٍ لَا يُعْلَمُ قَدْرُهُ، فَهَذَا لَيْسَ بِإِيلَاءٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ حَلِفُهُ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَلَا يُظَنُّ ذَلِكَ.
الرَّابِعُ أَنْ يُعَلِّقَهُ عَلَى مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يُوجَدُ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، أَوْ يُظَنُّ ذَلِكَ، كَذُبُولِ بَقْلٍ، وَجَفَافِ ثَوْبٍ، وَمَجِيءِ الْمَطَرِ فِي أَوَانِهِ، وَقُدُومِ الْحَاجِّ فِي زَمَانِهِ.
فَهَذَا لَا يَكُونُ مُولِيًا؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْإِضْرَارَ بِتَرْكِ وَطْئِهَا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك شَهْرًا.
الْخَامِسُ - أَنْ يُعَلِّقَهُ عَلَى فِعْلٍ مِنْهَا، هِيَ قَادِرَةٌ عَلَيْهِ، أَوْ فِعْلٍ مِنْ غَيْرِهَا.
وَذَلِكَ يَنْقَسِمُ أَقْسَامًا ثَلَاثَةً: أَحَدُهَا، أَنْ يُعَلِّقَهُ عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ، كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَا أَطَؤُكِ حَتَّى تَدْخُلِي الدَّارَ.
أَوْ: تَلْبَسِي هَذَا الثَّوْبَ.
أَوْ: حَتَّى أَتَنَفَّلُ بِصَوْمِ يَوْمٍ.
أَوْ: حَتَّى أَكْسُوَك فَهَذَا لَيْسَ بِإِيلَاءٍ؛ لِأَنَّهُ مُمْكِنُ الْوُجُودِ بِغَيْرِ ضَرَرٍ عَلَيْهَا فِيهِ، فَأَشْبَهَ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَالثَّانِي، أَنْ يُعَلِّقَهُ عَلَى مُحَرَّمٍ، كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَا أَطَؤُكِ حَتَّى تَشْرَبِي الْخَمْرَ.
أَوْ: تَزْنِي.
أَوْ: تُسْقِطِي وَلَدَك.
أَوْ: تَتْرُكِي صَلَاةَ الْفَرْضِ.
أَوْ: حَتَّى أَقْتُلَ زَيْدًا.
أَوْ نَحْوَهُ.
فَهَذَا إيلَاءٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِمُمْتَنِعٍ شَرْعًا، فَأَشْبَهَ الْمُمْتَنِعَ حِسًّا.
الثَّالِثُ، أَنْ يُعَلِّقَهُ عَلَى مَا عَلَى فَاعِلِهِ فِيهِ مَضَرَّةٌ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: وَاَللَّهِ لَا أَطَؤُكِ حَتَّى تُسْقِطِي صَدَاقَك عَنِّي.
أَوْ: حَتَّى تَكْفُلِي وَلَدِي.
أَوْ: تَهَبِينِي دَارَك.
أَوْ: حَتَّى يَبِيعَنِي أَبُوك دَارِهِ.
أَوْ: نَحْوَ ذَلِكَ.
فَهَذَا إيلَاءٌ؛ لِأَنَّ
أَخْذَهُ لِمَالِهَا أَوْ مَالِ غَيْرِهَا مِنْ غَيْرِ رِضَى صَاحِبِهِ مُحَرَّمٌ، فَجَرَى مَجْرَى شُرْبِ الْخَمْرِ.
وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَطَؤُكِ حَتَّى أُعْطِيَك مَالًا.
أَوْ: أَفْعَلَ فِي حَقِّك جَمِيلًا.
لَمْ يَكُنْ إيلَاءً؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ لِذَلِكَ لَيْسَ بِمُحْرِمِ وَلَا مُمْتَنِعٍ، فَجَرَى مَجْرَى قَوْلِهِ: حَتَّى أَصُومَ يَوْمًا.
[فَصْلٌ قَالَ وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك إلَّا بِرِضَاك]
(6109) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك إلَّا بِرِضَاك.
لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ وَطْؤُهَا بِغَيْرِ حِنْثٍ، وَلِأَنَّهُ مُحْسِنٌ فِي كَوْنِهِ أَلْزَمَ نَفْسَهُ اجْتِنَابَ سَخَطِهَا.
وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ كُلُّ حَالٍ يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ فِيهَا بِغَيْرِ حِنْثٍ، كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك مُكْرَهَةً، أَوْ مَحْزُونَةً.
وَنَحْوَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُولِيًا.
وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك مَرِيضَةً.
لَمْ يَكُنْ مُولِيًا لِذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِهَا مَرَضٌ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، أَوْ لَا يَزُولُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ حَالِفٌ عَلَى تَرْكِ وَطْئِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ.
فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ لَهَا وَهِيَ صَحِيحَةٌ، فَمَرِضَتْ مَرَضًا يُمْكِنُ بُرْؤُهُ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، لَمْ يَصِرْ مُولِيًا، وَإِنْ لَمْ يُرْجَ بُرْؤُهُ فِيهَا، صَارَ مُولِيًا.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يَزُولُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، صَارَ مُولِيًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَا يُرْجَى زَوَالُهُ.
وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك حَائِضًا.
وَلَا نُفَسَاء، وَلَا مُحْرِمَةً، وَلَا صَائِمَةً.
وَنَحْوَ هَذَا، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ مَمْنُوعٌ مِنْهُ شَرْعًا، فَقَدْ أَكَّدَ مَنْعَ نَفْسِهِ مِنْهُ بِيَمِينِهِ.
وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك طَاهِرًا.
أَوْ: لَا وَطِئْتُك وَطْئًا مُبَاحًا.
صَارَ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ حَالِفٌ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ الَّذِي يُطَالِبُ بِهِ فِي الْفَيْئَةِ، فَكَانَ مُولِيًا، كَمَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك فِي قُبُلِك.
وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك لَيْلًا.
أَوْ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك نَهَارًا.
لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ يُمْكِنُ بِدُونِ الْحِنْثِ.
وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ.
أَوْ: فِي هَذَا الْبَيْتِ.
أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَمْكِنَةِ الْمُعَيَّنَةِ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا.
وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالنُّعْمَانِ، وَصَاحِبَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَإِسْحَاقُ: هُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّهُ حَالِفٌ عَلَى تَرْكِ وَطْئِهَا.
وَلَنَا أَنَّهُ يُمْكِنُ وَطْؤُهَا بِغَيْرِ حِنْثٍ، فَلَمْ يَكُنْ مُولِيًا، كَمَا لَوْ اسْتَثْنَى فِي يَمِينِهِ.
[فَصْلٌ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَطْئِهَا عَامًا ثُمَّ كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ]
(6110) فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَطْئِهَا عَامًا، ثُمَّ كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ، انْحَلَّ الْإِيلَاءُ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الْمُولِي يُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ؟ قَالَ يَذْهَبُ عَنْهُ الْإِيلَاءُ، وَلَا يُوقَفُ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ، وَذَهَبَ الْإِيلَاءُ حِينَ ذَهَبَتْ الْيَمِينُ.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَمْنُوعًا مِنْ الْوَطْءِ بِيَمِينِهِ، فَأَشْبَهَ مَنْ حَلَفَ وَاسْتَثْنَى.
فَإِنْ كَانَ تَكْفِيرُهُ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ، انْحَلَّ الْإِيلَاءُ حِينَ التَّكْفِيرِ، وَصَارَ كَالْحَالِفِ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.
وَإِنْ كَفَّرَ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ وَقَبْلَ الْوُقُوفِ، صَارَ كَالْحَالِفِ عَلَى أَكْثَرِ مِنْهَا، إذَا مَضَتْ مُدَّةُ يَمِينِهِ قَبْلَ وَقْفِهِ.
[فَصْلٌ قَالَ فِي الْإِيلَاء وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك إنْ شَاءَ فُلَانٌ]
(6111) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك إنْ شَاءَ فُلَانٌ.
لَمْ يَصِرْ مُولِيًا حَتَّى يَشَاءَ، فَإِذَا شَاءَ صَارَ مُولِيًا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُمْتَنِعًا مِنْ الْوَطْءِ حَتَّى يَشَاءَ، فَلَا يَكُونُ مُولِيًا حَتَّى يَشَاءَ.
وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك إنْ شِئْت.
فَكَذَلِكَ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ شَاءَتْ عَلَى الْفَوْرِ جَوَابًا لِكَلَامِهِ صَارَ مُولِيًا، وَإِنْ أَخَّرَتْ الْمَشِيئَةَ، انْحَلَّتْ يَمِينُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَخْيِيرٌ لَهَا، فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ، كَقَوْلِهِ: اخْتَارِي فِي الطَّلَاقِ.
وَلَنَا أَنَّهُ عَلَّقَ الْيَمِينَ عَلَى الْمَشِيئَةِ بِحَرْفِ إنْ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي، كَمَشِيئَةِ غَيْرِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا قُلْتُمْ: لَا يَكُونُ مُولِيًا؛ فَإِنَّهُ عَلَّقَ ذَلِكَ بِإِرَادَتِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: لَا وَطِئْتُك إلَّا بِرِضَاك.
قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، أَنَّهَا إذَا شَاءَتْ، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ مَانِعَةً مِنْ وَطْئِهَا، بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْوَطْءُ بِغَيْرِ حِنْثٍ.
وَإِذَا قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك إلَّا بِرِضَاك.
فَمَا حَلَفَ إلَّا عَلَى تَرْكِ وَطْئِهَا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَهُوَ حَالُ سَخَطِهَا، فَيُمْكِنُهُ الْوَطْءُ فِي الْحَالِ الْأُخْرَى بِغَيْرِ حِنْثٍ.
وَإِذَا طَالَبَتْهُ بِالْفَيْئَةِ، فَهُوَ بِرِضَاهَا.
وَلَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك حَتَّى تَشَائِي.
فَهُوَ كَقَوْلِهِ: إلَّا بِرِضَاك.
وَلَا يَكُونُ مُولِيًا بِذَلِكَ.
وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَبُوك.
أَوْ: فُلَانٌ.
لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِفِعْلٍ مِنْهُ يُمْكِنُ وُجُودُهُ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ إمْكَانًا غَيْرَ بَعِيدٍ، وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وَلَا فِيهِ مَضَرَّةٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك إلَّا أَنْ تَدْخُلِي الدَّارَ.
وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك إلَّا أَنْ تَشَائِي.
لَمْ يَكُنْ مُولِيًا، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: إلَّا بِرِضَاك.
أَوْ: حَتَّى تَشَائِي.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إنْ شَاءَتْ فِي الْمَجْلِسِ، لَمْ يَصِرْ مُولِيًا، وَإِلَّا صَارَ مُولِيًا.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ شَاءَتْ عَلَى الْفَوْرِ عَقِيبَ كَلَامِهِ، لَمْ يَصِرْ مُولِيًا، وَإِلَّا صَارَ مُولِيًا؛ لِأَنَّ الْمَشِيئَةَ عِنْدَهُمْ عَلَى الْفَوْرِ، وَقَدْ فَاتَتْ بِتَرَاخِيهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ، فَإِنْ شَاءَتْ انْحَلَّتْ، وَإِلَّا فَهِيَ مُنْعَقِدَةٌ.
وَلَنَا أَنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ بِيَمِينِهِ مِنْ وَطْئِهَا إلَّا عِنْدَ إرَادَتِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: إلَّا بِرِضَاك.
أَوْ: حَتَّى تَشَائِي.
وَلِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى وُجُودِ الْمَشِيئَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى مَشِيئَةِ غَيْرِهَا.
فَأَمَّا قَوْلُ الْقَاضِي: فَإِنْ أَرَادَ وُجُودَ الْمَشِيئَةِ عَلَى الْفَوْرِ.
فَهُوَ كَقَوْلِهِمْ.
وَإِنْ أَرَادَ وُجُودَ الْمَشِيئَةِ عَلَى التَّرَاخِي، تَنْحَلُ بِهِ الْيَمِينُ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إيلَاءً؛ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْيَمِينِ عَلَى فِعْلٍ يُمْكِنُ وُجُودُهُ فِي مُدَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ، إمْكَانًا غَيْرَ بَعِيدٍ، لَيْسَ بِإِيلَاءٍ.
وَاَللَّه أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ قَالَ وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك]
(6112) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك.
فَهُوَ إيلَاءٌ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ.
وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك مُدَّةً.
أَوْ: لَيَطُولَنَّ تَرْكِي لِجِمَاعِكِ.
وَنَوَى مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَهُوَ إيلَاءٌ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ، فَانْصَرَفَ إلَيْهِ بِنِيَّتِهِ.
وَإِنْ نَوَى مُدَّةً قَصِيرَةً، لَمْ يَكُنْ إيلَاءً لِذَلِكَ.
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، لَمْ يَكُنْ إيلَاءً؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، فَلَا يَتَعَيَّنُ لِلْكَثِيرِ.
فَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِذَا مَضَتْ، فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ.
أَوْ: فَإِذَا مَضَتْ، فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك شَهْرَيْنِ.
أَوْ: لَا وَطِئْتُك شَهْرَيْنِ، فَإِذَا مَضَتْ، فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ.
فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: لَيْسَ بِمُولٍ؛ لِأَنَّهُ حَالِفٌ بِكُلِّ يَمِينٍ عَلَى مُدَّةٍ نَاقِصَةٍ عَنْ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ، فَلَمْ يَكُنْ مُولِيًا، كَمَا لَوْ لَمْ يَنْوِ إلَّا مُدَّتَهَا، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ يَمِينٍ عَقِيبَ مُدَّتِهَا مِنْ غَيْرِ حِنْثٍ فِيهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا وَالثَّانِي، يَصِيرُ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْ الْوَطْءِ بِيَمِينِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مُتَوَالِيَةٍ، فَكَانَ مُولِيًا، كَمَا لَوْ مَنَعَهَا بِيَمِينِ وَاحِدَةٍ، وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ بَعْدَ الْمُدَّةِ إلَّا بِحِنْثٍ فِي يَمِينِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا إيلَاءً، أَفْضَى إلَى أَنْ يُمْنَعَ مِنْ الْوَطْءِ طُولَ دَهْرِهِ بِالْيَمِينِ، فَلَا يَكُونُ مُولِيًا.
وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ مُدَّتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ يَزِيدُ مَجْمُوعُهُمَا عَلَى أَرْبَعَةٍ، كَثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَثَلَاثَةٍ، أَوْ ثَلَاثَةٍ وَشَهْرَيْنِ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّعْلِيلَيْنِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ قَالَ إنْ وَطِئْتُك فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك]
(6113) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: إنْ وَطِئْتُك، فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك.
لَمْ يَكُنْ مُولِيًا فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِالْوَطْءِ حَقٌّ، لَكِنْ إنْ وَطِئَهَا صَارَ مُولِيًا؛ لِأَنَّهَا تَبْقَى يَمِينًا تَمْنَعُ الْوَطْءَ عَلَى التَّأْبِيدِ.
وَهَذَا الصَّحِيحُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَحُكِيَ عَنْهُ قَوْلٌ قَدِيمٌ، أَنَّهُ يَكُونُ مُولِيًا مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ إلَّا بِأَنْ يَصِيرَ مُولِيًا، فَيَلْحَقُهُ بِالْوَطْءِ ضَرَرٌ.
وَكَذَلِكَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، إنْ قَالَ: وَطِئْتُك فَوَاَللَّهِ لَا دَخَلْت الدَّارَ.
لَمْ يَكُنْ مُولِيًا مِنْ الْأَوَّلِ، فَإِنْ وَطِئَهَا انْحَلَّ الْإِيلَاءُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مُمْتَنِعًا مِنْ وَطْئِهَا بِيَمِينٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَإِنَّمَا بَقِيَ مُمْتَنِعًا بِالْيَمِينِ مِنْ دُخُولِ الدَّارِ.
وَلَنَا أَنَّ يَمِينَهُ مُعَلَّقَةٌ بِشَرْطٍ، فَفِيمَا قَبْلَهُ لَيْسَ بِحَالِفٍ، فَلَا يَكُونُ مُولِيًا، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ مِنْ غَيْرِ حِنْثٍ، فَلَمْ يَكُنْ مُولِيًا، كَمَا لَوْ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا.
وَكَوْنُهُ يَصِيرُ مُولِيًا، لَا يَلْزَمُهُ بِهِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ بِالْحِنْثِ.
وَلَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً.
لَمْ يَصِرْ مُولِيًا فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ مَتَى شَاءَ بِغَيْرِ حِنْثٍ، فَلَمْ يَكُنْ مَمْنُوعًا مِنْ الْوَطْءِ بِحُكْمِ يَمِينِهِ، فَإِذَا وَطِئَهَا وَقَدْ بَقِيَ مِنْ السَّنَةِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، صَارَ مُولِيًا.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَفِي قَوْلِهِ الْقَدِيمِ، يَكُونُ مُولِيًا فِي الِابْتِدَاءِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
وَقَدْ أَجَبْنَا عَنْهُ.
وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك سَنَةً إلَّا يَوْمًا.
فَكَذَلِكَ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ مُنَكَّرٌ، فَلَمْ
يَخْتَصَّ يَوْمًا دُونَ يَوْمٍ، وَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ: صُمْت رَمَضَانَ إلَّا يَوْمًا.
لَمْ يَخْتَصَّ الْيَوْمَ الْآخِرَ.
وَلَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُك فِي السَّنَةِ إلَّا يَوْمًا.
لَمْ يَخْتَصَّ يَوْمًا مِنْهَا.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يَصِيرُ مُولِيًا فِي الْحَالِ.
وَهُوَ قَوْلُ زُفَرُ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ الْمُسْتَثْنَى يَكُونُ مِنْ آخِرِ الْمُدَّةِ، كَالتَّأْجِيلِ وَمُدَّةِ الْخِيَارِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: لَا وَطِئْتُك فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً، فَإِنَّ الْمَرَّةَ لَا تَخْتَصُّ وَقْتًا بِعَيْنِهِ.
وَمَنْ نَصَرَ الْأَوَّلَ فَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ التَّأْجِيلِ وَمُدَّةِ الْخِيَارِ، مِنْ حَيْثُ إنَّ التَّأْجِيلَ وَمُدَّةَ الْخِيَارِ، تَجِبُ الْمُوَالَاةُ فِيهِمَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَخَلَّلَهُمَا يَوْمٌ لَا أَجَلَ فِيهِ وَلَا خِيَارَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَتْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ فِي أَثْنَاءِ الْأَجْلِ، لَزِمَ قَضَاءُ الدَّيْنِ، فَيَسْقُطُ التَّأْجِيلُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَوْ لَزِمَ الْعَقْدُ فِي أَثْنَاءِ مُدَّةِ الْخِيَارِ، لَمْ يَعُدْ إلَى الْجَوَازِ، فَتَعَيَّنَ جَعْلُ الْيَوْمِ الْمُسْتَثْنَى مِنْ آخِرِ الْمُدَّةِ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّ جَوَازَ الْوَطْءِ فِي يَوْمٍ مِنْ أَوَّلِ السَّنَةِ أَوْ أَوْسَطِهَا، لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ حُكْمِ الْيَمِينِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ، فَصَارَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: لَا وَطِئْتُك فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ قَالَ وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا ثُمَّ قَالَ وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا]
(6114) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا.
ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا.
فَهُوَ إيلَاءٌ وَاحِدٌ، حَلَفَ عَلَيْهِ بِيَمِينَيْنِ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ عَامًا آخَرَ سِوَاهُ.
وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا.
ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك نِصْفَ عَامٍ.
أَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك نِصْفَ عَامٍ.
ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا.
دَخَلَتْ الْمُدَّةُ الْقَصِيرَةُ فِي الطَّوِيلَةِ؛ لِأَنَّهَا بَعْضُهَا، وَلَمْ يَجْعَلْ إحْدَاهُمَا بَعْدَ الْأُخْرَى، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَرَّ بِدِرْهَمٍ، ثُمَّ أَقَرَّ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ، أَوْ أَقَرَّ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ أَقَرَّ بِدِرْهَمٍ، فَيَكُونُ إيلَاءً وَاحِدًا، لَهُمَا وَقْتُ وَاحِدٌ، وَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَإِنْ نَوَى بِإِحْدَى الْمُدَّتَيْنِ غَيْرَ الْأُخْرَى فِي هَذِهِ أَوْ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، أَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا.
ثُمَّ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا آخَرَ.
أَوْ: نِصْفَ عَامٍ آخَرَ.
أَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا، فَإِذَا مَضَى فَوَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا.
فَهُمَا إيلَاءَانِ فِي زَمَانَيْنِ، لَا يَدْخُلُ حُكْمُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ، أَحَدُهُمَا مُنَجَّزٌ، وَالْآخَرُ مُتَأَخِّرٌ، فَإِذَا مَضَى حُكْمُ أَحَدِهِمَا، بَقِيَ حُكْمُ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِزَمَنٍ غَيْرِ زَمَنِ صَاحِبِهِ، فَيَكُونُ لَهُ حُكْمٌ يَنْفَرِدُ بِهِ.
فَإِنْ قَالَ فِي الْمُحَرَّمِ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك هَذَا الْعَامَ.
ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا مِنْ رَجَبٍ إلَى تَمَامِ اثْنَيْ عَشْرَ شَهْرًا.
أَوْ قَالَ فِي الْمُحَرَّمِ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا.
ثُمَّ قَالَ فِي رَجَبٍ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك عَامًا.
فَهُمَا إيلَاءَانِ فِي مُدَّتَيْنِ، بَعْضُ إحْدَاهُمَا دَاخِلٌ فِي الْأُخْرَى.
فَإِنْ فَاءَ فِي رَجَبٍ، أَوْ فِيمَا بَعْدَهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْعَامِ الْأَوَّلِ، حَنِثَ فِي الْيَمِينَيْنِ، وَتُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَيَنْقَطِعُ حُكْمُ الْإِيلَاءَيْنِ.
وَإِنْ فَاءَ قَبْلَ رَجَبٍ، أَوْ بَعْدَ الْعَامِ الْأَوَّلِ، حَنِثَ فِي إحْدَى الْيَمِينَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى.
وَإِنْ فَاءَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ حَنِثَ فِي الْيَمِينَيْنِ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ.
[فَصْلٌ قَالَ لِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكُنَّ]
(6115) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ لِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكُنَّ.
انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ الْحِنْثُ بِفِعْلِ بَعْضِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ أَوَّلًا، فَإِنْ قُلْنَا: يَحْنَثُ.
فَهُوَ مُولٍ مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ بِغَيْرِ حِنْثٍ، فَصَارَ مَانِعًا لِنَفْسِهِ مِنْ وَطْءِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فِي الْحَالِ، فَإِنْ وَطِئَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ، حَنِثَ، وَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ، وَزَالَ الْإِيلَاءُ مِنْ الْبَوَاقِي.
وَإِنْ طَلُقَ بَعْضُهُنَّ أَوْ مَاتَ، لَمْ يَنْحَلَّ الْإِيلَاءُ فِي الْبَوَاقِي.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَحْنَثُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ.
لَمْ يَكُنْ مُولِيًا مِنْهُنَّ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ وَطْءُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مِنْ غَيْرِ حِنْثٍ، فَلَمْ يَمْنَعْ نَفْسَهُ بِيَمِينِهِ مِنْ وَطْئِهَا، فَلَمْ يَكُنْ مُولِيًا مِنْهَا.
فَإِنْ وَطِئَ ثَلَاثًا، صَارَ مُولِيًا مِنْ الرَّابِعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ وَطْؤُهَا مِنْ غَيْرِ حِنْثٍ فِي يَمِينِهِ.
وَإِنْ مَاتَ بَعْضُهُنَّ، أَوْ طَلَّقَهَا، انْحَلَّتْ يَمِينُهُ، وَزَالَ الْإِيلَاءُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِوَطْئِهِنَّ، وَإِنَّمَا يَحْنَثُ بِوَطْءِ الْأَرْبَعِ.
فَإِنْ رَاجَعَ الْمُطَلَّقَةَ، أَوْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ بَيْنُونَتِهَا، عَادَ حُكْمُ يَمِينِهِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي، أَنَّا إذَا قُلْنَا: يَحْنَثُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ.
فَوَطِئَ وَاحِدَةً، حَنِثَ، وَلَمْ يَنْحَلَّ الْإِيلَاءُ فِي الْبَوَاقِي؛ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ مِنْ امْرَأَةٍ لَا يَنْحَلُّ بِوَطْءِ غَيْرِهَا.
وَلَنَا أَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ حَنِثَ فِيهَا، فَوَجَبَ أَنْ تَنْحَلَّ، كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ، وَلِأَنَّهُ إذَا وَطِئَ وَاحِدَةً حَنِثَ، وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، فَلَا يَلْزَمُهُ بِوَطْءِ الْبَاقِيَاتِ شَيْءٌ، فَلَمْ يَبْقَ مُمْتَنِعًا مِنْ وَطْئِهِنَّ بِحُكْمِ يَمِينِهِ، فَانْحَلَّ الْإِيلَاءُ، كَمَا لَوْ كَفَّرَهَا.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَكُونُ مُولِيًا مِنْهُنَّ حَتَّى يَطَأَ ثَلَاثًا، فَيَصِيرَ مُولِيًا مِنْ الرَّابِعَةِ.
وَحَكَى الْمُزَنِيّ، عَنْ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ يَكُونُ مُولِيًا مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ، يُوقَفُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، فَإِذَا أَصَابَ بَعْضَهُنَّ، خَرَجَتْ مِنْ حُكْمِ الْإِيلَاءِ، وَيُوقَفُ لِمَنْ بَقِيَ حَتَّى يَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ، وَلَا يَحْنَثُ حَتَّى يَطَأَ الْأَرْبَعَ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَكُونُ مُولِيًا مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ، فَإِنْ تَرَكَهُنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، بِنَّ مِنْهُ جَمِيعًا بِالْإِيلَاءِ، وَإِنْ وَطِئَ بَعْضَهُنَّ، سَقَطَ الْإِيلَاءُ فِي حَقِّهَا، وَلَا يَحْنَثُ إلَّا بِوَطْئِهِنَّ جَمِيعًا.
وَلَنَا، أَنَّ مَنْ لَا يَحْنَثُ بِوَطْئِهَا، لَا يَكُونُ مُولِيًا مِنْهَا، كَاَلَّتِي لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهَا.
[فَصْلٌ قَالَ وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُ وَاحِدَةً مِنْكُنَّ وَنَوَى وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا]
(6116) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْت وَاحِدَةً مِنْكُنَّ.
وَنَوَى وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا، تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِهَا وَحْدَهَا، وَصَارَ مُولِيًا مِنْهَا دُونَ غَيْرِهَا.
وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً مُبْهَمَةً مِنْهُنَّ، لَمْ يَصِرْ مُولِيًا مِنْهُنَّ فِي الْحَالِ، فَإِذَا وَطِئَ ثَلَاثًا، كَانَ مُولِيًا مِنْ الرَّابِعَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَخْرُجَ الْمُولَى مِنْهَا بِالْقُرْعَةِ، كَالطَّلَاقِ إذَا أَوْقَعَهُ فِي مُبْهَمَةٍ مِنْ نِسَائِهِ.
وَإِنْ أَطْلَقَ، صَارَ مُولِيًا مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ إلَّا بِالْحِنْثِ، فَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ، أَوْ مَاتَتْ، كَانَ مُولِيًا مِنْ الْبَوَاقِي.
وَإِنْ وَطِئَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ، حَنِثَ وَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ.
وَسَقَطَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ فِي الْبَاقِيَاتِ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ،
فَإِذَا حَنِثَ فِيهَا مَرَّةً، لَمْ يَحْنَثْ مَرَّةً ثَانِيَةً.
وَلَا يَبْقَى حُكْمُ الْيَمِينِ بَعْدَ حِنْثِهِ فِيهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً أَوْ مَاتَتْ، فَإِنَّهُ لَمْ يَحْنَثْ، فَبَقِيَ حُكْمُ يَمِينِهِ فِي مَنْ بَقِيَ مِنْهُنَّ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي، أَنَّهُ إذَا أَطْلَقَ، كَانَ الْإِيلَاءُ فِي وَاحِدَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ تَنَاوَلَ وَاحِدَةً مُنْكَرَةً، فَلَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ.
وَلَنَا أَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ، كَقَوْلِهِ ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً﴾ [الجن: 3] . وَقَوْلِهِ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4] . وَقَوْلِهِ ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: 40] .
وَلَوْ قَالَ إنْسَانٌ: وَاَللَّهِ لَا شَرِبْت مَاءً مِنْ إدَاوَةٍ.
حَنِثَ بِالشُّرْبِ مِنْ أَيِّ إدَاوَةٍ كَانَتْ، فَيَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى مُقْتَضَاهُ فِي الْعُمُومِ.
وَإِنْ قَالَ: نَوَيْتُ وَاحِدَةً مُعَيَّنَةً، أَوْ وَاحِدَةً مُبْهَمَةً.
قُبِلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ احْتِمَالًا غَيْرَ بَعِيدٍ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، إلَّا أَنَّهُ إذَا أَبْهَمَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهَا، فَلَهُ أَنْ يُعَيِّنَهَا بِقَوْلِهِ.
وَأَصْلُ هَذَا مَذْكُورٌ فِي الطَّلَاقِ.
[فَصْلٌ قَالَ وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْكُنَّ]
(6117) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْكُنَّ.
صَارَ مُولِيًا مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ فِي الْحَالِ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: نَوَيْت وَاحِدَةً مِنْهُنَّ مُعَيَّنَةً، وَلَا مُبْهَمَةً؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ كُلِّ أَزَالَتْ احْتِمَالَ الْخُصُوصِ، وَمَتَى حَنِثَ فِي الْبَعْضِ، انْحَلَّ الْإِيلَاءُ فِي الْجَمِيعِ، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا تَنْحَلُّ فِي الْبَاقِيَاتِ.
وَلَنَا أَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ حَنِثَ فِيهَا، فَسَقَطَ حُكْمُهَا، كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى وَاحِدَةٍ، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ الْوَاحِدَةَ إذَا حَنِثَ فِيهَا مَرَّةً، لَمْ يُمْكِنْ الْحِنْثُ فِيهَا مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمْ يَبْقَ مُمْتَنِعًا مِنْ وَطْءِ الْبَاقِيَاتِ بِحُكْمِ الْيَمِينِ، فَلَمْ يَبْقَ الْإِيلَاءُ كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ الَّتِي حَنِثَ فِيهَا، وَفِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي قُلْنَا بِكَوْنِهِ مُولِيًا مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ إذَا طَالَبْنَ كُلُّهُنَّ بِالْفَيْئَةِ، وُقِفَ لَهُنَّ كُلِّهِنَّ، وَإِنْ طَالَبْنَ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يُوقَفُ لِلْجَمِيعِ وَقْتَ مُطَالَبَةِ أُولَاهُنَّ.
قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ.
وَالثَّانِيَةُ، يُوقَفُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ عِنْدَ مُطَالَبَتِهَا.
اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، فَإِذَا وُقِفَ لِلْأُولَى، وَطَلَّقَهَا وَوُقِفَ لِلثَّانِيَةِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا، وُقِفَ لِلثَّالِثَةِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا، وُقِفَ لِلرَّابِعَةِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ مَاتَ مِنْهُنَّ، لَمْ يَمْنَعْ مِنْ وَقْفِهِ لِلْأُخْرَى؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ لَمْ تَنْحَلَّ، وَإِيلَاؤُهُ بَاقٍ؛ لِعَدَمِ حِنْثِهِ فِيهِنَّ.
وَإِنْ وَطِئَ إحْدَاهُنَّ حِينَ وُقِفَ لَهَا، أَوْ قَبْلَهُ انْحَلَّتْ يَمِينُهُ، وَسَقَطَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ فِي الْبَاقِيَاتِ، عَلَى مَا قُلْنَاهُ.
وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي، وَمَنْ وَافَقَهُ يُوقَفُ لِلْبَاقِيَاتِ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ الَّتِي وُقِفَ لَهَا.
[فَصْل قَالَ كُلَّمَا وَطِئْتُ وَاحِدَةً مِنْكُنَّ فَضَرَائِرُهَا طَوَالِقُ]
(6118) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا وَطِئْت وَاحِدَةً مِنْكُنَّ فَضَرَائِرُهَا طَوَالِقُ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ هَذَا بِإِيلَا.
فَلَا كَلَامَ.
وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ إيلَاءٌ.
فَهُوَ مُولٍ مِنْهُنَّ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ إلَّا بِطَلَاقِ ضَرَائِرِهَا، فَيُوقَفُ لَهُنَّ، فَإِنْ فَاءَ إلَى وَاحِدَةٍ، طَلَّقَ ضَرَائِرَهَا، فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا، انْحَلَّ الْإِيلَاءُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَمْنُوعًا مِنْ وَطْئِهَا بِحُكْمِ يَمِينِهِ.
وَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا، فَرَاجَعَهُنَّ، بَقِيَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ فِي حَقّهنَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ إلَّا بِطَلَاقِ ضَرَائِرِهَا.
وَكَذَلِكَ إنْ رَاجَعَ بَعْضَهُنَّ لِذَلِكَ، إلَّا أَنَّ الْمُدَّةَ تُسْتَأْنَفُ مِنْ حِينِ الرَّجْعَةِ.
وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا، فَعَادَ فَتَزَوَّجَهُنَّ، أَوْ تَزَوَّجَ بَعْضَهُنَّ، عَادَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ، وَاسْتُؤْنِفَتْ الْمُدَّةُ مِنْ حِينِ النِّكَاحِ.
وَسَوَاءٌ تَزَوَّجَهُنَّ فِي الْعِدَّةِ، أَوْ بَعْدَهَا، أَوْ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ وَإِصَابَةٍ؛ لِمَا سَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ.
وَإِنْ قَالَ: نَوَيْتُ وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا.
قُبِلَ مِنْهُ، وَتَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِهَا، فَإِذَا وَطِئَهَا طَلَّقَ ضَرَائِرَهَا، وَإِنْ وَطِئَ غَيْرَهَا، لَمْ يُطَلَّقْ مِنْهُنَّ شَيْءٌ، وَيَكُونُ مُولِيًا مِنْ الْمُعَيَّنَةِ دُونَ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا الَّتِي يَلْزَمُهُ بِوَطْئِهَا الطَّلَاقُ دُونَ غَيْرِهَا.
[فَصْلٌ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ]
(6119) فَصْلٌ: الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ.
وَلَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك فِي الدُّبُرِ.
لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ الْوَطْءَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ، وَلَا تَتَضَرَّرُ الْمَرْأَةُ بِتَرْكِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ، وَقَدْ أَكَّدَ مَنْعَ نَفْسِهِ مِنْهُ بِيَمِينِهِ.
وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك دُونَ الْفَرْجِ.
لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى الْوَطْءِ الَّذِي يُطَالَبُ بِهِ فِي الْفَيْئَةِ، وَلَا ضَرَرَ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي تَرْكِهِ.
وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا جَامَعْتُك إلَّا جِمَاعَ سَوْءٍ.
سُئِلَ عَمَّا أَرَادَ فَإِنْ قَالَ أَرَدْتُ الْجِمَاعَ فِي الدُّبُرِ.
فَهُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ أَرَدْتُ أَنْ لَا أَطَأَهَا إلَّا دُونَ الْفَرْجِ.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ جِمَاعًا ضَعِيفًا، لَا يَزِيدُ عَلَى الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ.
لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فِي الْفَيْئَةِ بِغَيْرِ حِنْثٍ.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ وَطْئًا لَا يَبْلُغُ الْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ.
فَهُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فِي الْفَيْئَةِ بِغَيْرِ حِنْثٍ.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، فَلَيْسَ بِمُولٍ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ، فَلَا يَتَعَيَّنُ مَا يَكُونُ بِهِ مُولِيًا.
وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا جَامَعْتُك جِمَاعَ سَوْءٍ.
لَمْ يَكُنْ مُولِيًا بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ، إنَّمَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِ صِفَتِهِ الْمَكْرُوهَةِ.
[فَصْلٌ كَوْنُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهَا فِي الْإِيلَاء امْرَأَةً]
(6120) فَصْلٌ: الشَّرْطُ الرَّابِعُ، أَنْ يَكُونَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهَا امْرَأَةً؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: 226] . وَلِأَنَّ غَيْرَ الزَّوْجَةِ لَا حَقَّ لَهَا فِي وَطْئِهِ، فَلَا يَكُونُ مُولِيًا مِنْهَا، كَالْأَجْنَبِيَّةِ.
فَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ
أَمَتِهِ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ أَجْنَبِيَّةٍ، ثُمَّ نَكَحَهَا، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ لِذَلِكَ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَصِيرُ مُولِيًا إذَا بَقِيَ مِنْ مُدَّةِ يَمِينِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِنْ وَطْءِ امْرَأَتِهِ بِحُكْمِ يَمِينِهِ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ، فَكَانَ مُولِيًا، كَمَا لَوْ حَلَفَ فِي الزَّوْجِيَّةِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، أَنَّهُ إنْ مَرَّتْ بِهِ امْرَأَةٌ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَقْرَبَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا.
وَإِنْ قَالَ: إنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ، فَوَاَللَّهِ لَا قَرَبْتُهَا.
صَارَ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْيَمِينَ إلَى حَالِ الزَّوْجِيَّةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَفَ بَعْدَ تَزْوِيجِهَا.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: 226] . وَهَذِهِ لَيْسَتْ مِنْ نِسَائِهِ، وَلِأَنَّ الْإِيلَاءَ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ، فَلَمْ يَتَقَدَّمْهُ كَالطَّلَاقِ وَالْقَسَمِ، وَلِأَنَّ الْمُدَّةَ تُضْرَبُ لَهُ لِقَصْدِهِ الْإِضْرَارَ بِهَا بِيَمِينِهِ، وَإِذَا كَانَتْ الْيَمِينُ قَبْلَ النِّكَاحِ، لَمْ يَكُنْ قَاصِدًا لِلْإِضْرَارِ، فَأَشْبَهَ الْمُمْتَنِعَ بِغَيْرِ يَمِينٍ.
قَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: يَصِحُّ الظِّهَارُ قَبْلَ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ يَمِينٌ.
فَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ يَصِحُّ الْإِيلَاءُ قَبْلَ النِّكَاحِ.
وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
[فَصْلٌ آلَى مِنْ الرَّجْعِيَّةِ]
(6121) فَصْلٌ: فَإِنْ آلَى مِنْ الرَّجْعِيَّةِ، صَحَّ إيلَاؤُهُ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؛ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ، أَنَّ فِيهِ رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إيلَاؤُهُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَقْطَعُ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ إذَا طَرَأَ، فَلَأَنْ يَمْنَعَ صِحَّتَهُ ابْتِدَاءً أَوْلَى.
وَلَنَا، أَنَّهَا زَوْجَةٌ يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ، فَصَحَّ إيلَاؤُهُ مِنْهَا، كَغَيْرِ الْمُطَلَّقَةِ.
وَإِذَا آلَى مِنْهَا احْتَسَبَ بِالْمُدَّةِ مِنْ حِينِ آلَى، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ.
ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنْ لَا يُحْتَسَبَ عَلَيْهِ بِالْمُدَّةِ إلَّا مِنْ حِينِ رَاجَعَهَا، لِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ أَنَّ الرَّجْعِيَّةَ مُحَرَّمَةٌ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْهُ، فَأَشْبَهَتْ الْبَائِنَ، وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ إذَا طَرَأَ قَطَعَ الْمُدَّةَ، ثُمَّ لَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ الْمُدَّةِ قَبْلَ رَجْعَتِهَا، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَسْتَأْنِفَ الْمُدَّةَ فِي الْعِدَّةِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّ مَنْ صَحَّ إيلَاؤُهُ، اُحْتُسِبَ عَلَيْهِ بِالْمُدَّةِ مِنْ حِينِ إيلَائِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مُطَلَّقَةً، وَلِأَنَّهَا مُبَاحَةٌ، فَاحْتُسِبَ عَلَيْهِ بِالْمُدَّةِ فِيهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يُطَلِّقْهَا.
وَفَارَقَ الْبَائِنَ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً، وَلَا يَصِحُّ الْإِيلَاءُ مِنْهَا بِحَالٍ، فَهِيَ كَسَائِرِ الْأَجْنَبِيَّات.
[فَصْلٌ مِمَّنْ يَصِحّ الْإِيلَاءُ]
(6122) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ الْإِيلَاءُ مِنْ كُلِّ زَوْجَةٍ، مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ ذِمِّيَّةً، حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: 226] . وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ زَوْجَةٌ، فَصَحَّ الْإِيلَاءُ مِنْهَا كَالْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ.
وَيَصِحُّ
الْإِيلَاءُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ: إنَّمَا يَصِحُّ الْإِيلَاءُ بَعْدَ الدُّخُولِ.
وَلَنَا عُمُومُ الْآيَةِ وَالْمَعْنَى، لِأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِنْ جِمَاعِ زَوْجَتِهِ بِيَمِينِهِ، فَأَشْبَهَ مَا بَعْدَ الدُّخُولِ.
وَيَصِحُّ الْإِيلَاءُ مِنْ الْمَجْنُونَةِ وَالصَّغِيرَةِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِالْفَيْئَةِ فِي الصِّغَرِ وَالْجُنُونِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الْمُطَالَبَةِ.
فَأَمَّا الرَّتْقَاءُ وَالْقَرْنَاءُ، فَلَا يَصِحُّ الْإِيلَاءُ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ مُتَعَذِّرٌ دَائِمًا، فَلَمْ تَنْعَقِدْ الْيَمِينُ عَلَى تَرْكِهِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَصْعَدُ السَّمَاءَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ، وَتُضْرَبَ لَهُ الْمُدَّةُ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ بِسَبَبِ مِنْ جِهَتِهَا، فَهِيَ كَالْمَرِيضَةِ.
فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَفِيءَ فَيْئَةَ الْمَعْذُورِ؛ لِأَنَّ الْفَيْئَةَ بِالْوَطْءِ فِي حَقِّهَا مُتَعَذِّرَةٌ، فَلَا تُمْكِنُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ، فَأَشْبَهَ الْمَجْبُوبَ.
(6123) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ الْإِيلَاءُ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ مُكَلَّفٍ قَادِرٍ عَلَى الْوَطْءِ.
وَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ، فَلَا يَصِحُّ إيلَاؤُهُمَا؛ لِأَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُمَا، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ تَجِبُ بِمُخَالَفَتِهِ كَفَّارَةٌ أَوْ حَقٌّ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ مِنْهُمَا كَالنَّذْرِ.
وَأَمَّا الْعَاجِزُ عَنْ الْوَطْءِ، فَإِنْ كَانَ لِعَارِضٍ مَرْجُوٍّ زَوَالُهُ كَالْمَرَضِ وَالْحَبْسِ، صَحَّ إيلَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الْوَطْءِ، فَصَحَّ مِنْهُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ كَالْجُبِّ وَالشَّلَلِ، لَمْ يَصِحَّ إيلَاؤُهُ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ عَلَى تَرْكِ مُسْتَحِيلٍ، فَلَمْ تَنْعَقِدْ، كَمَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَقْلِبَ الْحِجَارَةَ ذَهَبًا، وَلِأَنَّ الْإِيلَاءَ الْيَمِينُ الْمَانِعَةُ مِنْ الْوَطْءِ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُهُ يَمِينُهُ، فَإِنَّهُ مُتَعَذَّرٌ مِنْهُ، وَلَا تَضُرُّ الْمَرْأَةَ يَمِينُهُ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ الْإِيلَاءُ مِنْهُ قِيَاسًا عَلَى الْعَاجِزِ بِمَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ وَلِلشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
فَأَمَّا الْخَصِيُّ الَّذِي سُلَّتْ بَيْضَتَاهُ، أَوْ رُضَّتْ، فَيُمْكِنُ مِنْهُ الْوَطْءُ، وَيُنْزِلُ مَاءً رَقِيقًا فَيَصِحُّ إيلَاؤُهُ.
وَكَذَلِكَ الْمَجْبُوبُ الَّذِي بَقِيَ مِنْ ذَكَرِهِ مَا يُمْكِنُ الْجِمَاعُ بِهِ.
[فَصْلٌ إيلَاءُ الذِّمِّيّ]
(6124) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ إيلَاءُ الذِّمِّيِّ وَيَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُ الْمُسْلِمَ إذَا تَقَاضَوْا إلَيْنَا.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَإِنْ أَسْلَمَ، لَمْ يَنْقَطِعْ حُكْمُ إيلَائِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ أَسْلَمَ، سَقَطَ حُكْمُ يَمِينِهِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: إنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ إذَا جَامَعَ، لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ، وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ، فَهُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ عِتْقُهُ وَطَلَاقُهُ.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: 226] . وَلِأَنَّهُ مَانِعٌ نَفْسَهُ بِالْيَمِينِ مِنْ جِمَاعِهَا، فَكَانَ مُولِيًا كَالْمُسْلِمِ، وَلِأَنَّ مَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ، صَحَّ إيلَاؤُهُ، كَالْمُسْلِمِ، وَمَنْ صَحَّتْ يَمِينُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ، صَحَّ إيلَاؤُهُ كَالْمُسْلِمِ.
[فَصْلٌ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْإِيلَاءِ الْغَضَبُ وَلَا قَصْدُ الْإِضْرَارِ]
(6125) فَصْلٌ: وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْإِيلَاءِ الْغَضَبُ، وَلَا قَصْدُ الْإِضْرَارِ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيَّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَيْسَ فِي إصْلَاحٍ إيلَاءٌ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إنَّمَا الْإِيلَاءُ فِي الْغَضَبِ.
وَنَحْوُ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ: مَنْ حَلَفَ لَا يَطَأُ زَوْجَتَهُ حَتَّى تَفْطِمَ وَلَدَهُ، لَا يَكُونُ إيلَاءً، إذَا أَرَادَ الْإِصْلَاحَ لِوَلَدِهِ.
وَلَنَا عُمُومُ الْآيَةِ، وَلِأَنَّهُ، مَانِعٌ نَفْسَهُ عَنْ جِمَاعِهَا بِيَمِينِهِ فَكَانَ مُولِيًا، كَحَالِ الْغَضَبِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ حُكْمَ الْإِيلَاءِ يَثْبُتُ لِحَقِّ الزَّوْجَةِ، فَيَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ سَوَاءٌ قَصَدَ الْإِضْرَارَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ، كَاسْتِيفَاءِ دُيُونِهَا، وَإِتْلَافِ مَالِهَا، وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ وَالظِّهَارَ وَسَائِرَ الْأَيْمَانِ سَوَاءٌ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَى، فَكَذَلِكَ الْإِيلَاءُ، وَلِأَنَّ حُكْمَ الْيَمِينِ فِي الْكَفَّارَةِ وَغَيْرِهَا سَوَاءٌ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَى، فَكَذَلِكَ فِي الْإِيلَاءِ.
وَأَمَّا إذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَهَا حَتَّى تَفْطِمَ وَلَدَهُ، فَإِنْ أَرَادَ وَقْتَ الْفِطَامِ، وَكَانَتْ مُدَّتُهُ تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَهُوَ مُولٍ، وَإِنْ أَرَادَ فِعْلَ الْفِطَامِ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ قَبْلَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ، وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وَلَا فِيهِ تَفْوِيتُ حَقٍّ لَهَا، فَلَمْ يَكُنْ مُولِيًا، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَطَأهَا حَتَّى تَدْخُلَ الدَّارَ.
[فَصْل الْأَلْفَاظ الَّتِي يَكُونُ بِهَا مُولِيًا]
(6126) فَصْلٌ: فِي الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا مُولِيًا، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا - مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الْحُكْمِ وَالْبَاطِنِ جَمِيعًا، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ قَوْلُهُ: وَاَللَّهِ لَا آتِيك، وَلَا أُدْخِلُ، وَلَا أُغَيِّبُ أَوْ أُولِجُ ذَكَرِي فِي فَرْجِكِ.
وَلَا افْتَضَضْتُك.
لِلْبِكْرِ خَاصَّةً، فَهَذِهِ صَرِيحَةٌ، وَلَا يُدَيَّنْ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ غَيْرَ الْإِيلَاءِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي، صَرِيحٌ فِي الْحُكْمِ، وَيُدَيَّنُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ عَشَرَةُ أَلْفَاظٍ: لَا وَطِئْتُك، وَلَا جَامَعْتُك، وَلَا أَصَبْتُك، وَلَا بَاشَرْتُك، وَلَا مَسِسْتُك، وَلَا قَرَبْتُك، وَلَا أَتَيْتُك، وَلَا بَاضَعْتُكِ، وَلَا بَاعَلْتُكِ، وَلَا اغْتَسَلْتُ مِنْك.
فَهَذِهِ صَرِيحَةٌ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْعُرْفِ فِي الْوَطْءِ.
وَقَدْ وَرَدَ الْقُرْآنُ بِبَعْضِهَا فَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: 222] . وَقَالَ ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187] . وَقَالَ تَعَالَى ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 237] .
وَأَمَّا الْجِمَاعُ وَالْوَطْءُ، فَهُمَا أَشْهَرُ الْأَلْفَاظِ فِي الِاسْتِعْمَالِ، فَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ بِالْوَطْءِ الْوَطْءَ بِالْقَدَمِ، وَبِالْجِمَاعِ اجْتِمَاعَ الْأَجْسَامِ، وَبِالْإِصَابَةِ الْإِصَابَةَ بِالْيَدِ.
دُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَالْعُرْفِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا عَدَا الْوَطْءَ وَالْجِمَاعَ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ، فَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي غَيْرِ الْجِمَاعِ.
وَقَالَ فِي: لَا بَاضَعْتُكِ: لَيس بِصَرِيحٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْتِقَاءِ الْبَضْعَتَيْنِ، الْبَضْعَةُ مِنْ الْبَدَنِ بِالْبَضْعَةِ مِنْهُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي» .
وَلَنَا أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْوَطْءِ عُرْفًا، وَقَدْ وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ، فَكَانَ صَرِيحًا، كَلَفْظِ الْوَطْءِ وَالْجِمَاعِ، وَكَوْنُهُ حَقِيقَةً فِي غَيْرِ الْجِمَاعِ يَبْطُلُ بِلَفْظَةِ الْوَطْءِ وَالْجِمَاعِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَارَقْتُك، وَسَرَّحْتُك.
فِي أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: هِيَ صَرِيحَةٌ فِي الطَّلَاقِ، مَعَ كَوْنِهَا حَقِيقَةً فِي غَيْرِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: بَاضَعْتُكِ.
فَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْبَضْعِ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ هَذَا اللَّفْظُ فِي غَيْرِ الْوَطْءِ، فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا مِنْ سَائِرِ الْأَلْفَاظِ؛ لِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ، مَا لَا يَكُونُ إيلَاءً إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَهُوَ مَا عَدَا هَذِهِ الْأَلْفَاظَ، مِمَّا يَحْتَمِلُ الْجِمَاعَ، كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَا يَجْمَعُ رَأْسِي وَرَأْسَكِ شَيْءٌ.
لَا سَاقَفَ رَأْسِي رَأْسَك.
لَأَسُوأَنَّكِ.
لَأَغِيظَنَّكِ.
لَتَطُولَنَّ غَيْبَتِي عَنْكِ.
لَا مَسَّ جِلْدِي جِلْدَكِ.
لَا قَرَبْتُ فِرَاشَك.
لَا آوَيْتُ مَعَك.
لَا نِمْتُ عِنْدَك.
فَهَذِهِ إنْ أَرَادَ بِهَا الْجِمَاعَ، وَاعْتَرَفَ بِذَلِكَ، كَانَ مُولِيًا، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لَيْسَتْ ظَاهِرَةً فِي الْجِمَاعِ، كَظُهُورِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَلَمْ يَرِدْ النَّصُّ بِاسْتِعْمَالِهَا فِيهِ، إلَّا أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ مُنْقَسِمَةٌ إلَى مَا يُفْتَقَرُ فِيهِ إلَى نِيَّةِ الْجِمَاعِ وَالْمُدَّةِ مَعًا، وَهِيَ قَوْلُهُ: لَأَسُوأَنَّكِ، وَلَأَغِيظَنَّكِ، وَلَتَطُولَنَّ غَيْبَتِي عَنْك.
فَلَا يَكُونُ مُولِيًا حَتَّى يَنْوِيَ تَرْكَ الْجِمَاعِ فِي مُدَّةٍ تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّ غَيْظَهَا يَكُونُ بِتَرْكِ الْجِمَاعِ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ، وَفِي سَائِرِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ يَكُونُ مُولِيًا بِنِيَّةِ الْجِمَاعِ فَقَطْ.
وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَيَطُولَنَّ تَرْكِي لَجِمَاعِك، أَوْ لِوَطْئَتِكِ، أَوْ لِإِصَابَتِكِ.
فَهَذَا صَرِيحٌ فِي تَرْكِ الْجِمَاعِ، وَتُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْمُدَّةِ دُونَ نِيَّةِ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ.
وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا جَامَعْتُك إلَّا جِمَاعًا ضَعِيفًا.
لَمْ يَكُنْ مُولِيًا، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ جِمَاعًا لَا يَبْلُغُ الْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَدْخَلْتُ جَمِيعَ ذَكَرِي فِي فَرْجِك.
لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْفَيْئَةُ، يَحْصُلُ بِدُونِ إيلَاجِ جَمِيعِ الذَّكَرِ.
وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَوْلَجْتُ حَشَفَتِي فِي فَرْجِك.
كَانَ مُولِيًا؛ لِأَنَّ الْفَيْئَةَ لَا تَحْصُلُ بِدُونِ ذَلِكَ.
[فَصْل قَالَ لِإِحْدَى زَوْجَتَيْهِ وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك ثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى أَشْرَكْتُك مَعَهَا]
(6127) فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ لِإِحْدَى زَوْجَتَيْهِ: وَاَللَّهِ لَا وَطِئْتُك.
ثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى: أَشْرَكْتُك مَعَهَا.
لَمْ يَصِرْ مُولِيًا مِنْ الثَّانِيَةِ؛
لِأَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِلَفْظِ صَرِيحٍ مِنْ اسْمٍ أَوْ صِفَةٍ، وَالتَّشْرِيكُ بَيْنَهُمَا كِنَايَةٌ، فَلَمْ تَصِحَّ بِهِ الْيَمِينُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَكُونُ مُولِيًا مِنْهُمَا.
وَإِنْ قَالَ: إنْ وَطِئْتُك، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
ثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى: أَشْرَكْتُك مَعَهَا.
وَنَوَى، فَقَدْ صَارَ طَلَاقُ الثَّانِيَةِ مُعَلَّقًا عَلَى وَطْئِهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَصِحُّ بِالْكِنَايَةِ، فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ ذَلِكَ إيلَاءٌ فِي الْأُولَى.
صَارَ إيلَاءً فِي الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ فِي مَعْنَاهَا، وَإِلَّا فَلَيْسَ بِإِيلَاءٍ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ آلَى رَجُلٌ مِنْ زَوْجَتِهِ، فَقَالَ آخَرُ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ مِثْلُ فُلَانَةَ.
لَمْ يَكُنْ مُولِيًا.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: هُوَ مُولٍ.
وَلَنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْقَسَمِ، فَلَا يَكُونُ مُولِيًا بِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يُشْبِهَا بِهَا.
[فَصْل الْإِيلَاءُ بِكُلِّ لُغَةٍ مِنْ الْعَجَمِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِمَّنْ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ]
(6128) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ الْإِيلَاءُ بِكُلِّ لُغَةٍ مِنْ الْعَجَمِيَّةِ وَغَيْرِهَا، مِمَّنْ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ، وَمِمَّنْ لَا يُحْسِنُهَا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تَنْعَقِدُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، وَتَجِبُ بِهَا الْكَفَّارَةُ.
وَالْمُولِي هُوَ الْحَالِفُ بِاَللَّهِ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ زَوْجَتِهِ، الْمُمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ.
فَإِنْ آلَى بِالْعَجَمِيَّةِ مَنْ لَا يُحْسِنُهَا، وَهُوَ لَا يَدْرِي مَعْنَاهَا، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا، وَإِنْ نَوَى مُوجِبَهَا عِنْدَ أَهْلِهَا.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا آلَى بِالْعَرَبِيَّةِ مَنْ لَا يُحْسِنُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ قَصْدُ الْإِيلَاءِ بِلَفْظٍ لَا يَدْرِي مَعْنَاهُ.
فَإِنْ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي مَعْرِفَتِهِ بِذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إذَا كَانَ مُتَكَلِّمًا بِغَيْرِ لِسَانِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَعْرِفَتِهِ بِهَا.
فَأَمَّا إنْ آلَى الْعَرَبِيُّ بِالْعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ: جَرَى عَلَى لِسَانِي مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ.
أَوْ قَالَ ذَلِكَ الْعَجَمِيُّ فِي إيلَائِهِ بِالْعَجَمِيَّةِ، لَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
[فَصْلٌ مُدَّةُ الْإِيلَاء فِي حَقِّ الْأَحْرَارِ وَالْعَبِيدِ وَالْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ]
(6129) فَصْلٌ: وَمُدَّةُ الْإِيلَاءِ فِي حَقِّ الْأَحْرَارِ وَالْعَبِيدِ وَالْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ سَوَاءٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ، وَالْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ، وَالصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ مُدَّةَ إيلَاءِ الْعَبِيدِ شَهْرَانِ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ.
وَقَوْلُ عَطَاءٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَإِسْحَاقَ؛ لِأَنَّهُمْ عَلَى النِّصْفِ فِي الطَّلَاقِ، وَعَدَدِ الْمَنْكُوحَاتِ، فَكَذَلِكَ فِي مُدَّةِ الْإِيلَاءِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ: إيلَاؤُهُ مِنْ الْأَمَةِ شَهْرَانِ، وَمِنْ الْحُرَّةِ أَرْبَعَةٌ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إيلَاءُ الْأَمَةِ نِصْفُ إيلَاءِ الْحُرَّةِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْبَيْنُونَةُ عِنْدَهُ، فَاخْتُلِفَ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ كَالطَّلَاقِ، وَلِأَنَّهَا مُدَّةٌ يَثْبُتُ ابْتِدَاؤُهَا بِقَوْلِ الزَّوْجِ، فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَلِفَ بِرِقِّ الْمَرْأَةِ وَحُرِّيَّتِهَا، كَمُدَّةِ الْعِدَّةِ.
وَلَنَا، عُمُومُ الْآيَةِ، وَلِأَنَّهَا مُدَّةٌ ضُرِبَتْ لِلْوَطْءِ، فَاسْتَوَى فِيهَا الرِّقُّ وَالْحُرِّيَّةُ، كَمُدَّةِ الْعُنَّةِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْبَيْنُونَةَ تَتَعَلَّقُ بِهَا، ثُمَّ يَبْطُلُ ذَلِكَ بِمُدَّةِ الْعُنَّةِ، وَيُخَالِفُ مُدَّةَ الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْكَمَالِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ يَحْصُلُ بِقُرْءٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا مُدَّةُ الْإِيلَاءِ فَإِنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِالْحُرَّةِ أَكْثَرُ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَتَقَدَّمَ مُطَالَبَتُهَا مُطَالَبَةَ
الْأَمَةِ، وَالْحَقُّ عَلَى الْحُرِّ فِي الِاسْتِمْتَاعِ - أَكْثَرُ مِنْهُ عَلَى الْعَبْدِ، فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي مُطَالَبَةِ الْعَبْدِ عَلَيْهِ.
[مَسْأَلَة مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَرَافِعَته أُمِرَ بِالْفَيْئَةِ]
(6130) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (فَإِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَرَافَعَتْهُ، أُمِرَ بِالْفَيْئَةِ، وَالْفَيْئَةُ الْجِمَاعُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَوْلَى يَتَرَبَّصُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، كَمَا أَمَرَ اللَّه تَعَالَى، وَلَا يُطَالَبُ فِيهِنَّ، فَإِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَرَافَعَتْهُ امْرَأَتُهُ إلَى الْحَاكِمِ، وَقَفَهُ، وَأَمَرَهُ بِالْفَيْئَةِ، فَإِنْ أَبَى أَمَرَهُ بِالطَّلَاقِ، وَلَا تَطْلُقُ زَوْجَتُهُ بِنَفْسِ مُضِيِّ الْمُدَّةِ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي الْإِيلَاءِ: يُوقَفُ، عَنْ الْأَكَابِرِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ عَنْ عُمَرَ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَعَنْ عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ وَجَعَلَ يُثْبِتُ حَدِيثَ عَلِيٍّ.
وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ.
وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ: كَانَ تِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوقِفُونَ فِي الْإِيلَاءِ.
وَقَالَ سُهَيْلُ بْن أَبِي صَالِحٍ: سَأَلْت اثْنَيْ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكُلُّهُمْ يَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، حَتَّى يَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَيُوقَفُ، فَإِنْ فَاءَ، وَإِلَّا طَلَّقَ.
وَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَطَاوُسٌ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَمَسْرُوقٌ، وَقَبِيصَةُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: إذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَزَيْدٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمَكْحُولٍ، وَالزُّهْرِيَّ، تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ.
وَيُحْكَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 226] . وَلِأَنَّ هَذِهِ مُدَّةٌ ضُرِبَتْ لِاسْتِدْعَاءِ الْفِعْلِ مِنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ فِي الْمُدَّةِ كَمُدَّةِ الْعُنَّةِ.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 226] . وَظَاهِرُ ذَلِكَ أَنَّ الْفَيْئَةَ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ؛ لِذِكْرِهِ الْفَيْئَةَ بَعْدَهَا بِالْفَاءِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّعْقِيبِ، ثُمَّ قَالَ ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 227] . وَلَوْ وَقَعَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى عَزْمٍ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 227] يَقْتَضِي أَنَّ الطَّلَاقَ مَسْمُوعٌ، وَلَا يَكُونُ الْمَسْمُوعُ إلَّا كَلَامًا، وَلِأَنَّهَا مُدَّةٌ ضُرِبَتْ لَهُ تَأْجِيلًا، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ الْمُطَالَبَةَ فِيهَا، كَسَائِرِ الْآجَالِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ مُدَّةٌ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا إيقَاعٌ، فَلَا يَتَقَدَّمُهَا وُقُوعٌ، كَمُدَّةِ الْعُنَّةِ.
وَمُدَّةُ الْعُنَّةِ حُجَّةٌ لَنَا؛ فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ إلَّا بِمُضِيِّهَا، وَلِأَنَّ مُدَّةَ الْعُنَّةِ ضُرِبَتْ لَهُ لِيُخْتَبَرَ فِيهَا، وَيُعْرَفَ عَجْزُهُ عَنْ الْوَطْءِ بِتَرْكِهِ
فِي مُدَّتِهَا، وَهَذِهِ ضُرِبَتْ تَأْخِيرًا لَهُ وَتَأْجِيلًا، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ إلَّا بَعْدَ مُضِيَّ الْأَجَلِ، كَالدَّيْنِ.
[فَصْل ابْتِدَاءُ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ]
(6131) فَصْلٌ: وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ الْيَمِينِ، وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى ضَرْبِ مُدَّةٍ؛ لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، فَلَمْ تَفْتَقِرْ إلَى ضَرْبٍ، كَمُدَّةِ الْعُنَّةِ.
وَلَا يُطَالَبُ بِالْوَطْءِ فِيهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا، فَإِنْ وَطِئَهَا فِيهَا فَقَدْ عَجَّلَ حَقَّهَا قَبْلَ مَحِلَّهُ، وَخَرَجَ مِنْ الْإِيلَاءِ، كَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ دَفَعَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ.
وَهَكَذَا إنْ وَطِئَ بَعْدَ الْمُدَّةِ، قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ أَوْ بَعْدَهَا، خَرَجَ مِنْ الْإِيلَاءِ.
وَسَوَاءٌ وَطِئَهَا وَهِيَ عَاقِلَةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ، أَوْ يَقْظَانَةُ أَوْ نَائِمَةٌ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَإِنْ وَطِئَهَا وَهُوَ مَجْنُونٌ، لَمْ يَحْنَثْ.
ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَحْنَثُ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، وَالْقَلَمُ عَنْهُ مَرْفُوعٌ، وَيَخْرُجُ بِوَطْئِهِ عَنْ الْإِيلَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَفَّاهَا حَقَّهَا، وَحَصَلَ مِنْهُ فِي حَقِّهَا مَا يَحْصُلُ مِنْ الْعَاقِلِ، وَإِنَّمَا تَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ عَنْهُ لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُ.
ذَكَرَ هَذَا ابْنُ حَامِدٍ.
وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيَّ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَبْقَى مُولِيًا؛ فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا وَطِئَ بَعْدَ إفَاقَتِهِ، تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّ وَطْأَهُ الْأَوَّلَ مَا حَنِثَ بِهِ، وَإِذَا بَقِيَتْ يَمِينُهُ، بَقِيَ الْإِيلَاءُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَطَأْ.
وَهَذَا قَوْلُ الْمُزَنِيّ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَأْنَفَ لَهُ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ مِنْ حِينِ وَطِئَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُطَالَبَ بِالْفَيْئَةِ مَعَ وُجُودِهَا مِنْهُ، وَلَا يُطَلَّقُ عَلَيْهِ؛ لِانْتِفَائِهَا وَهِيَ مَوْجُودَةٌ، وَلَكِنْ تُضْرَبُ لَهُ مُدَّةٌ لِبَقَاءِ حُكْمِ يَمِينِهِ.
وَقِيلَ: تُضْرَبُ لَهُ الْمُدَّةُ إذَا عَقَلَ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُمْنَعُ مِنْ الْوَطْءِ بِحُكْمِ يَمِينِهِ.
وَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ قَالَ: قَدْ وَفَّاهَا حَقَّهَا، فَلَمْ يَبْقَ الْإِيلَاءُ، كَمَا لَوْ حَنِثَ، وَلَا يَمْتَنِعُ انْتِفَاءُ الْإِيلَاءِ مَعَ الْيَمِينِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَطَأُ أَجْنَبِيَّةً، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا.
[فَصْلٌ وَطِئَ الْعَاقِلُ نَاسِيًا لِيَمِينِهِ]
(6132) فَصْلٌ: وَإِنْ وَطِئَ الْعَاقِلُ نَاسِيًا لِيَمِينِهِ، فَهَلْ يَحْنَثُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فَإِنْ قُلْنَا: يَحْنَثُ.
انْحَلَّ إيلَاؤُهُ، وَذَهَبَتْ يَمِينُهُ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَحْنَثُ.
فَهَلْ يَنْحَلُّ إيلَاؤُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، قِيَاسًا عَلَى الْمَجْنُونِ.
وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِيمَا إذَا آلَى مِنْ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ، ثُمَّ وَجَدَهَا عَلَى فِرَاشِهِ، فَظَنَّهَا الْأُخْرَى، فَوَطِئَهَا؛ لِأَنَّهُ جَاهِلٌ بِهَا، وَالْجَاهِلُ كَالنَّاسِي فِي الْحِنْثِ.
وَكَذَلِكَ إنْ ظَنَّهَا أَجْنَبِيَّةً فَبَانَتْ زَوْجَتَهُ.
وَإِنْ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَهُ وَهُوَ نَائِمٌ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ.
وَهَلْ يَخْرُجُ مِنْ حُكْمِ الْإِيلَاءِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، يَخْرُجُ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ وَصَلَتْ إلَى حَقِّهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَطِئَ.
وَالثَّانِي، لَا يَخْرُجُ مِنْ حُكْمِ الْإِيلَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَا وَفَّاهَا حَقَّهَا، وَهُوَ بَاقٍ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الْوَطْءِ بِحُكْمِ الْيَمِينِ، فَكَانَ مُولِيًا، كَمَا لَوْ لَمْ يُفْعَلْ بِهِ ذَلِكَ.
وَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا وَطِئَ وَهُوَ نَائِمٌ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْنَث بِهِ.
[فَصْلٌ وَطِئَهَا وَطْئًا مُحَرَّمًا]
(6133) فَصْلٌ: وَإِنْ وَطِئَهَا وَطْئًا مُحَرَّمًا، مِثْلُ أَنْ وَطِئَهَا حَائِضًا، أَوْ نُفَسَاءَ، أَوْ مُحْرِمَةً، أَوْ صَائِمَةً صَوْمَ فَرْضٍ، أَوْ كَانَ مُحْرِمًا، أَوْ صَائِمًا، أَوْ مُظَاهِرًا، حَنِثَ، وَخَرَجَ مِنْ الْإِيلَاءِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ الْإِيلَاءِ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ لَا يُؤْمَرُ بِهِ فِي الْفَيْئَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنْ الْإِيلَاءِ، كَالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ.
وَلَا يَصِحُّ هَذَا؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ انْحَلَّتْ، وَلَمْ يَبْقَ مُمْتَنِعًا مِنْ الْوَطْءِ بِحُكْمِ الْيَمِينِ، فَلَمْ يَبْقَ الْإِيلَاءُ، كَمَا لَوْ كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ كَمَا لَوْ وَطِئَهَا مَرِيضَةً.
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ، فِي مِنْ حَلَفَ، ثُمَّ كَفَّرَ يَمِينَهُ؛ أَنَّهُ لَا يَبْقَى مُولِيًا، لِعَدَمِ حُكْمِ الْيَمِينِ مَعَ أَنَّهُ مَا وَفَّاهَا حَقَّهَا، فَلَأَنْ يَزُولَ بِزَوَالِ الْيَمِينِ بِحِنْثِهِ فِيهَا أَوْلَى.
وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمُحْرِمِ وَالْمُظَاهِرِ، أَنَّهُمَا إذَا وَطِئَا فَقَدْ وَفَّيَاهَا حَقَّهَا.
وَفَارَقَ الْوَطْءَ فِي الدُّبُرِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِهِ، وَلَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْوَطْءِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
[فَصْلٌ آلَى مِنْهَا وَثَمَّ عُذْرٌ يَمْنَعُ الْوَطْءَ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ]
(6134) فَصْلٌ: وَإِذَا آلَى مِنْهَا، وَثَمَّ عُذْرٌ يَمْنَعُ الْوَطْءَ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ، كَمَرَضِهِ، أَوْ حَبْسِهِ، أَوْ إحْرَامِهِ، أَوْ صِيَامِهِ، حُسِبَتْ عَلَيْهِ الْمُدَّةُ مِنْ حِينِ إيلَائِهِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ جِهَتِهِ، وَقَدْ وُجِدَ التَّمْكِينُ الَّذِي عَلَيْهَا.
وَلِذَلِكَ لَوْ أَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، وَكَانَ مُمْتَنِعًا لِعُذْرٍ، وَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ.
وَإِنْ طَرَأَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَعْذَارِ بَعْدَ الْإِيلَاءِ، أَوْ جُنَّ، لَمْ تَنْقَطِعْ الْمُدَّةُ؛ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
وَإِنْ كَانَ الْمَانِعُ مِنْ جِهَتِهَا، نَظَرْنَا؛ فَإِنْ كَانَ حَيْضًا، لَمْ يَمْنَعْ ضَرْبُ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَنَعَ لَمْ يُمْكِنْ ضَرْبُ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ فِي الْغَالِبِ لَا يَخْلُو مِنْهُ شَهْرٌ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى إسْقَاطِ حُكْمِ الْإِيلَاءِ، وَإِنْ طَرَأَ الْحَيْضُ، لَمْ يَقْطَعْ الْمُدَّةَ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَفِي النِّفَاسِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، هُوَ كَالْحَيْضِ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَهُ أَحْكَامُ الْحَيْضِ.
وَالثَّانِي، هُوَ كَسَائِرِ الْأَعْذَارِ الَّتِي مِنْ جِهَتِهَا؛ لِأَنَّهُ نَادِرٌ غَيْرُ مُعْتَادٍ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْأَعْذَارِ.
وَأَمَّا سَائِرُ الْأَعْذَارِ الَّتِي مِنْ جِهَتِهَا؛ كَصِغَرِهَا وَمَرَضِهَا، وَحَبْسِهَا، وَإِحْرَامِهَا، وَصِيَامِهَا وَاعْتِكَافِهَا الْمَفْرُوضَيْنِ، وَنُشُوزِهَا، وَغَيْبَتِهَا، فَمَتَى وُجِدَ مِنْهَا شَيْءٌ حَالَ الْإِيلَاءِ، لَمْ تُضْرَبْ لَهُ الْمُدَّةُ حَتَّى يَزُولَ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ تُضْرَبُ لِامْتِنَاعِهِ مِنْ وَطْئِهَا، وَالْمَنْعُ هَاهُنَا مِنْ قِبَلِهَا.
وَإِنْ وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ، اُسْتُؤْنِفَتْ الْمُدَّةُ، وَلَمْ يَبْنِ عَلَى مَا مَضَى؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: 226] يَقْتَضِي مُتَوَالِيَةً.
فَإِذَا قَطَعَتْهَا، وَجَبَ اسْتِئْنَافُهَا، كَمُدَّةِ الشَّهْرَيْنِ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ.
وَإِنْ حَنِثَ وَهَرَبَتْ مِنْ يَدِهِ، انْقَطَعَتْ الْمُدَّةُ.
وَإِنْ بَقِيَتْ فِي يَدِهِ وَأَمْكَنَهُ وَطْؤُهَا، اُحْتُسِبَ عَلَيْهِ بِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذِهِ الْأَسْبَابُ مِنْهَا مَا لَا صُنْعَ لَهَا فِيهِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُقْطَعَ الْمُدَّةُ، كَالْحَيْضِ.
قُلْنَا: إذَا كَانَ الْمَنْعُ لِمَعْنًى فِيهَا، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ بِفِعْلِهَا، أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهَا.
كَمَا أَنَّ الْبَائِعَ إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، لَمْ يَتَوَجَّهْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِعِوَضِهِ، سَوَاءٌ كَانَ لَعُذْرٍ أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ.
وَإِنْ آلَى فِي الرِّدَّةِ، لَمْ تُضْرَبْ لَهُ الْمُدَّةُ إلَّا مِنْ حِينِ رُجُوعِ الْمُرْتَدِّ مِنْهُمَا إلَى الْإِسْلَامِ.
وَإِنْ طَرَأَتْ الرِّدَّةُ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ، انْقَطَعْت؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ قَدْ تَشَعَّثَ وَحَرُمَ الْوَطْءُ، فَإِذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ، اُسْتُؤْنِفَتْ الْمُدَّةُ، سَوَاءٌ كَانَتْ الرِّدَّةُ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا.
وَكَذَلِكَ إنْ أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْكَافِرَيْنِ، أَوْ خَالَعَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِيلَاء]
(6135) فَصْلٌ: وَإِذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ، فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِالْفَيْئَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ.
فَإِنْ طَالَبَتْهُ، فَطَلَبَ الْإِمْهَالَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ، لَمْ يُمْهَلْ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ، لَا عُذْرَ لَهُ فِيهِ، فَلَمْ يُمْهَلْ بِهِ، كَالدَّيْنِ الْحَالِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْمُدَّة أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَإِنَّمَا يُؤَخَّرُ قَدْرَ مَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْجِمَاعِ فِي حُكْمِ الْعَادَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْوَطْءُ فِي مَجْلِسِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِإِمْهَالٍ.
فَإِنْ قَالَ: أَمْهِلُونِي حَتَّى آكُلَ فَإِنِّي جَائِعٌ، أَوْ حَتَّى يَنْهَضِمَ الطَّعَامُ فَإِنِّي كَظِيظٌ.
أَوْ أُصَلِّيَ الْفَرْضَ، أَوْ أُفْطِرَ مِنْ صَوْمِي.
أُمْهِلَ بِقَدْرِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ أَنْ يَصِيرَ إلَى حَالٍ يُجَامِعُ فِي مِثْلِهَا فِي الْعَادَةِ.
وَكَذَلِكَ يُمْهَلُ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى بَيْتِهِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ فِعْلُ ذَلِكَ فِي بَيْتِهِ.
وَإِنْ كَانَ لَهَا عُذْرٌ يَمْنَعُ مِنْ وَطْئِهَا، لَمْ يَكُنْ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِالْفَيْئَةِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ مُمْتَنِعٌ مِنْ جِهَتِهَا، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا مُطَالَبَتُهُ بِمَا يَمْنَعُهُ مِنْهُ، وَلِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ مَعَ الِاسْتِحْقَاقِ، وَهِيَ لَا تَسْتَحِقُّ الْوَطْءَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ، وَلَيْسَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِالطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَحَقُّ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ مِنْ الْفَيْئَةِ الْوَاجِبَةِ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَلَكِنْ تَتَأَخَّرُ الْمُطَالَبَةُ إلَى حَالِ زَوَالِ الْعُذْرِ، إنْ لَمْ يَكُنْ الْعُذْرُ قَاطِعًا لِلْمُدَّةِ كَالْحَيْضِ، أَوْ كَانَ الْعُذْرُ حَدَثَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ.
[فَصْل عَفَتْ الزَّوْجَة عَنْ الْمُطَالَبَةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا الْإِيلَاء]
(6136) فَصْلٌ: فَإِنْ عَفَتْ عَنْ الْمُطَالَبَةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَسْقُطُ حَقُّهَا، وَلَيْسَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بَعْدَهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِإِسْقَاطِ حَقِّهَا مِنْ الْفَسْخِ لِعَدَمِ الْوَطْءِ، فَسَقَطَ حَقُّهَا مِنْهُ، كَامْرَأَةِ الْعِنِّينِ إذَا رَضِيَتْ بِعُنَّتِهِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَسْقُطَ حَقُّهَا، وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ مَتَى شَاءَتْ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ لِرَفْعِ الضَّرَرِ بِتَرْكِ مَا يَتَجَدَّدُ مَعَ الْأَحْوَالِ، فَكَانَ لَهَا الرُّجُوعُ، كَمَا لَوْ أَعْسَرَ بِالنَّفَقَةِ، فَعَفَتْ عَنْ الْمُطَالَبَةِ بِالْفَسْخِ، ثُمَّ طَالَبَتْ، وَفَارَقَ الْفَسْخَ لِلْعُنَّةِ؛ فَإِنَّهُ فَسْخٌ لِعَيْبِهِ، فَمَتَى رَضِيَتْ بِالْعَيْبِ، سَقَطَ حَقُّهَا، كَمَا لَوْ عَفَا الْمُشْتَرِي عَنْ
عَيْبِ الْمَبِيعِ، وَإِنْ سَكَتَتْ عَنْ الْمُطَالَبَةِ، ثُمَّ طَالَبَتْ بَعْدُ، فَلَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَقَّهَا يَثْبُتُ عَلَى التَّرَاخِي، فَلَمْ يَسْقُطْ بِتَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ، كَاسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ.
[فَصْلٌ الْأَمَةُ كَالْحُرَّةِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمُطَالَبَةِ الِاسْتِيلَاء]
(6137) فَصْلٌ: وَالْأَمَةُ كَالْحُرَّةِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمُطَالَبَةِ، سَوَاءٌ عَفَا السَّيِّدُ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَعْفُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا، حَيْثُ كَانَ الِاسْتِمْتَاعُ يَحْصُلُ لَهَا.
فَإِنْ تَرَكَتْ الْمُطَالَبَةَ، لَمْ يَكُنْ لِمَوْلَاهَا الطَّلَبُ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: حَقُّهُ فِي الْوَلَدِ، وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ الْعَزْلُ عَنْهَا إلَّا بِإِذْنِهِ.
قُلْنَا: لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى الزَّوْجِ اسْتِيلَادُ الْمَرْأَةِ؛ وَلِذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لِيَعْزِلَنَّ عَنْهَا أَوْ لَا يَسْتَوْلِدُهَا، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا، وَلَوْ أَنَّ الْمُولِيَ وَطِئَ بِحَيْثُ يُوجَدُ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ، حَصَلَتْ الْفَيْئَةُ، وَزَالَتْ عَنْهُ الْمُطَالَبَةُ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ، وَإِنَّمَا اُسْتُؤْذِنَ السَّيِّدُ فِي الْعَزْلِ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْأَمَةِ، فَرُبَّمَا نَقَصَ قِيمَتَهَا.
[فَصْل كَانَتْ الْمَرْأَةُ صَغِيرَةً أَوْ مَجْنُونَةً فِي الْإِيلَاء]
(6138) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ صَغِيرَةً، أَوْ مَجْنُونَةً، فَلَيْسَ لَهُمَا الْمُطَالَبَةُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّهِمَا الْمُطَالَبَةُ لَهُمَا؛ لِأَنَّ هَذَا طَرِيقَهُ الشَّهْوَةُ، فَلَا يَقُومُ غَيْرُهُمَا مَقَامَهُمَا فِيهِ.
فَإِنْ كَانَتَا مِمَّنْ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهُمَا، لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ بِالْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ جِهَتِهِمَا.
وَإِنْ كَانَ وَطْؤُهُمَا مُمْكِنًا.
فَإِنْ أَفَاقَتْ الْمَجْنُونَةُ، أَوْ بَلَغَتْ الصَّغِيرَةُ، قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، تَمَّمَتْ الْمُدَّةَ، ثُمَّ لَهَا الْمُطَالَبَةُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، فَلَهُمَا الْمُطَالَبَةُ يَوْمئِذٍ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا ثَابِتٌ، وَإِنَّمَا تَأَخَّرَ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْمُطَالَبَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تُضْرَبُ الْمُدَّةُ فِي الصَّغِيرَةِ حَتَّى تَبْلُغَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُضْرَبُ الْمُدَّةُ، سَوَاءٌ أَمْكَنَ الْوَطْءُ أَوْ لَمْ يُمْكِنْ الْوَطْءُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَاءَ بِلِسَانِهِ، وَإِلَّا بَانَتْ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَهُ فِي النَّاشِزِ، وَالرَّتْقَاءِ، وَالْقَرْنَاءُ، وَاَلَّتِي غَابَتْ فِي الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ هَذَا إيلَاءٌ صَحِيحٌ، فَوَجَبَ أَنْ تَتَعَقَّبَهُ الْمُدَّةُ، كَالَّتِي يُمْكِنُهُ جِمَاعُهَا.
وَلَنَا أَنَّ حَقَّهَا مِنْ الْوَطْءِ يَسْقُطُ بِتَعَذُّرِ جِمَاعِهَا، فَوَجَبَ أَنْ تَسْقُطَ الْمُدَّةُ الْمَضْرُوبَةُ لَهُ، كَمَا يَسْقُطُ أَجَلُ الدَّيْنِ بِسُقُوطِهِ.
وَأَمَّا الَّتِي أَمْكَنَهُ جِمَاعُهَا، فَتُضْرَبُ لَهُ الْمُدَّةُ فِي حَقِّهَا؛ لِأَنَّهُ إيلَاءٌ صَحِيحٌ مِمَّنْ يُمْكِنُهُ جِمَاعُهَا، فَتُضْرَبُ لَهُ الْمُدَّةُ كَالْبَالِغَةِ، وَمَتَى قَصَدَ الْإِضْرَارَ بِهَا بِتَرْكِ الْوَطْءِ أَثِمَ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَالَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ فَإِمَّا أَنْ تَفِيئَ، وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] . وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] . وَلَيْسَ الْإِضْرَارُ مِنْ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ.
[مَسْأَلَة الْفَيْئَةُ مِنْ الْمُولِي]
(6139) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَالْفَيْئَةُ: الْجِمَاعُ) لَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ بِحَمْدِ اللَّهِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الْفَيْءَ الْجِمَاعُ.
كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ.
وَبِهِ قَالَ مَسْرُوقٌ، وَعَطَاءٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، إذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ.
وَأَصْلُ الْفَيْءِ الرُّجُوعُ، وَلِذَلِكَ يُسَمَّى الظِّلُّ بَعْدَ الزَّوَالِ فَيْئًا؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ مِنْ الْمَغْرِبِ إلَى الْمَشْرِقِ، فَسُمِّيَ الْجِمَاعُ مِنْ الْمُولِي فَيْئَةً؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَى فِعْلِ مَا تَرَكَهُ.
وَأَدْنَى الْوَطْءِ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الْفَيْئَةُ، أَنْ تَغِيبَ الْحَشَفَةُ فِي الْفَرْجِ؛ فَإِنَّ أَحْكَامَ الْوَطْءِ تَتَعَلَّقُ بِهِ.
وَلَوْ وَطِئَ دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ فِي الدُّبُرِ، لَمْ يَكُنْ فَيْئَةً؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحْلُوفٍ عَلَى تَرْكِهِ، وَلَا يَزُولُ الضَّرَرُ بِفِعْلِهِ.
[فَصْلٌ إذَا فَاءَ فِي الْإِيلَاء]
(6140) فَصْلٌ: وَإِذَا فَاءَ، لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ: كَانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 226] . قَالَ قَتَادَةُ: هَذَا خَالَفَ النَّاسَ.
يَعْنِي قَوْلَ الْحَسَنِ.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 89] الْآيَةَ إلَى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: 89] . وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2] . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ حَالِفٌ حَانِثٌ فِي يَمِينِهِ، فَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ فَرِيضَةٍ ثُمَّ فَعَلَهَا، وَالْمَغْفِرَةُ لَا تُنَافِي الْكَفَّارَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ غَفَرَ لِرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَقَدْ كَانَ يَقُولُ: «إنِّي وَاَللَّهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إلَّا أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ كَانَ الْإِيلَاءُ بِتَعْلِيقِ عِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ]
(6141) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ الْإِيلَاءُ بِتَعْلِيقِ عِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ، وَقَعَ بِنَفْسِ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ بِصِفَةٍ، وَقَدْ وُجِدَتْ.
وَإِنْ كَانَ عَلَى نَذْرٍ، أَوْ عِتْقٍ، أَوْ صَوْمٍ، أَوْ صَلَاةٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ حَجٍّ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الطَّاعَاتِ أَوْ الْمُبَاحَاتِ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْن الْوَفَاءِ بِهِ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ نَذْرُ لَجَاجٍ وَغَضَبٍ، فَهَذَا حُكْمُهُ.
وَإِنْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا الثَّلَاثَ بِوَطْئِهَا، لَمْ يُؤْمَرْ بِالْفَيْئَةِ،
وَأُمِرَ بِالطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِكَوْنِهَا تَبِينُ مِنْهُ بِإِيلَاجِ الْحَشَفَةِ، فَيَصِيرُ مُسْتَمْتِعًا بِأَجْنَبِيَّةٍ.
وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَأَكْثَرُهُمْ قَالُوا: تَجُوزُ الْفَيْئَةُ؛ لِأَنَّ النَّزْعَ تَرْكٌ لِلْوَطْءِ، وَتَرْكُ الْوَطْءِ لَيْسَ بِوَطْءٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ كَلَامَ أَحْمَدَ يَقْتَضِي رِوَايَتَيْنِ، كَهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ.
وَاللَّائِقُ بِمَذْهَبِ أَحْمَدَ تَحْرِيمُهُ؛ لَوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا أَنَّ آخِرَ الْوَطْءِ حَصَلَ فِي أَجْنَبِيَّةٍ كَمَا ذَكَرْنَا؛ فَإِنَّ النَّزْعَ يُلْتَذُّ بِهِ كَمَا يُلْتَذُّ بِالْإِيلَاجِ، فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْوَطْءِ، وَلِذَلِكَ قُلْنَا فِي مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَهُوَ مُجَامِعٌ، فَنَزَعَ: أَنَّهُ يُفْطِرُ.
وَالتَّحْرِيمُ هَاهُنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ بِالْوَطْءِ.
وَيُمْكِنُ مَنْعُ كَوْنِ النَّزْعِ وَطْئًا، وَالْمُحَرَّمُ هَاهُنَا الِاسْتِمْتَاعُ، وَالنَّزْعُ اسْتِمْتَاعٌ، فَكَانَ مُحَرَّمًا، وَلِأَنَّ لَمْسَهَا عَلَى وَجْهِ التَّلَذُّذِ بِهَا مُحَرَّمٌ، فَلَمْسُ الْفَرْجِ بِالْفَرْجِ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا إنَّمَا يَحْصُلُ ضَرُورَةَ تَرْكِ الْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ.
قُلْنَا: فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ الْوَطْءُ إلَّا بِفِعْلِ مُحَرَّمٍ حَرُمَ ضَرُورَةَ تَرْكِ الْحَرَامِ.
كَمَا لَوْ اخْتَلَطَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ بِلَحْمٍ مُبَاحٍ، لَا يُمْكِنُهُ أَكْلُهُ إلَّا بِأَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ، حَرُمَ، وَلَوْ اشْتَبَهَتْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّاةٍ، أَوْ امْرَأَتُهُ بِأَجْنَبِيَّةِ، حَرُمَ الْكُلُّ.
الْوَجْهُ الثَّانِي، أَنَّهُ بِالْوَطْءِ يَحْصُلُ الطَّلَاقُ بَعْدَ الْإِصَابَةِ، وَهُوَ طَلَاقُ بِدْعَةٍ، وَكَمَا يَحْرُمُ إيقَاعُهُ بِلِسَانِهِ، يَحْرُمُ تَحْقِيقُ سَبَبِهِ.
الثَّالِثُ، أَنْ يَقَعُ بِهِ طَلَاقُ الْبِدْعَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ جَمْعُ الثَّلَاثِ، فَإِنْ وَطِئَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْزِعَ حِينَ يُولِجُ الْحَشَفَةَ، وَلَا يَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَلْبَثَ وَلَا يَتَحَرَّكَ عِنْدَ النَّزْعِ؛ لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ، فَلَا حَدَّ وَلَا مَهْرَ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِلْوَطْءِ، وَإِنْ لَبِثَ أَوْ تَمَّمَ الْإِيلَاجَ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ مِنْهُ، لِكَوْنِهِ وَطْئًا بَعْضُهُ فِي زَوْجَتِهِ، وَفِي الْمَهْرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا - يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ مِنْهُ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ فِي مَحِلٍّ غَيْرِ مَمْلُوكٍ، فَأَوْجَبَ الْمَهْرَ، كَمَا لَوْ أَوْلَجَ بَعْدَ النَّزْعِ.
وَالثَّانِي - لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ تَابَعَ الْإِيلَاجَ فِي مَحَلٍّ مَمْلُوكٍ، فَكَانَ تَابِعًا لَهُ فِي سُقُوطِ الْمَهْرِ.
وَإِنْ نَزَعَ، ثُمَّ أَوْلَجَ، وَكَانَا جَاهِلَيْنِ بِالتَّحْرِيمِ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ لَهَا، وَيَلْحَقُهُ النَّسَبُ.
وَإِنْ كَانَا عَالِمَيْنِ بِالتَّحْرِيمِ، فَعَلَيْهِمَا الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ إيلَاجٌ فِي أَجْنَبِيَّةٍ بِغَيْرِ شُبْهَةٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ وَطِئَهَا، وَلَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا مُطَاوِعَةٌ عَلَى الزِّنَا، وَلَا يَلْحَقُهُ النَّسَبُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ زِنَا لَا شُبْهَةَ فِيهِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا، أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَخْفَى عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاس، وَهُوَ وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْعَالِمَيْنِ، وَلَيْسَ هُوَ فِي مَظِنَّةِ الْخَفَاءِ؛ فَإِنَّ أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ مُحَرِّمٌ لِلْمَرْأَةِ.
وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَالِمًا، وَالْآخَرُ جَاهِلًا، نُظِرَتْ؛ فَإِنْ كَانَ هُوَ الْعَالِمَ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَلَهَا
الْمَهْرُ، وَلَا يَلْحَقُهُ النَّسَبُ؛ لِأَنَّهُ زَانٍ مَحْدُودٌ.
وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْعَالِمَةَ دُونَهُ، فَعَلَيْهَا الْحَدُّ وَحْدَهَا، وَلَا مَهْرَ لَهَا، وَالنَّسَبُ لَاحِقٌ بِالزَّوْجِ، لِأَنَّ وَطْأَهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ.
[فَصْل قَالَ إنَّ وَطِئْتُك فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي]
(6142) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: إنْ وَطِئْتُك، فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي.
فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَقْرَبُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ.
وَهَذَا نَصٌّ فِي تَحْرِيمِهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْوَطْءِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا أَعْظَمُ تَحْرِيمًا مِنْ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا.
وَإِذَا وَطِئَ هَاهُنَا، فَقَدْ صَارَ مُظَاهِرًا مِنْ زَوْجَتِهِ، وَزَالَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَحْمَدَ إنَّمَا أَرَادَ، إذَا وَطِئَهَا مَرَّةً، فَلَا يَطَأَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ؛ لِكَوْنِهِ صَارَ بِالْوَطْءِ مُظَاهِرًا، إذْ لَا يَصِحُّ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ عَلَى الظِّهَارِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُهَا، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْحُكْمِ عَلَى سَبَبِهِ.
وَلَوْ كَفَّرَ قَبْلَ الظِّهَارِ لَمْ يُجْزِئْهُ.
وَقَدْ رَوَى إِسْحَاقُ، قَالَ: قُلْت لِأَحْمَدَ، فِي مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إنَّ قَرُبْتُك إلَى سَنَةٍ.
قَالَ: إنْ جَاءَتْ تَطْلُبُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْضُلَهَا بَعْدَ مُضِيِّ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ، يُقَالُ لَهُ: إمَّا أَنْ تَفِيءَ، وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَ.
فَإِنْ وَطِئَهَا، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، وَإِنْ أَبَى، وَأَرَادَتْ مُفَارَقَتَهُ، طَلَّقَهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهِ.
فَيَنْبَغِي أَنْ تُحْمَلَ الرِّوَايَةُ الْأُولَى عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الْوَطْءِ بَعْدَ الْوَطْءِ الَّذِي صَارَ بِهِ مُظَاهِرًا؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، فَتَكُونُ الرِّوَايَتَانِ مُتَّفِقَتَيْنِ.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَة يَكُونُ لَهُ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ أَوْ إحْرَامٍ أَوْ شَيْءٍ لَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْجِمَاعُ الْمُظَاهِرِ]
(6143) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (أَوْ يَكُونُ لَهُ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ إحْرَامٍ، أَوْ شَيْءٍ لَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْجِمَاعُ، فَيَقُولُ: مَتَى قَدَرْت جَامَعْتهَا.
فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ فَيْئَةً لِلْعُذْرِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا مَضَتْ الْمُدَّةُ، وَبِالْمُولِي عُذْرٌ يَمْنَعُ الْوَطْءَ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ حَبْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، أَوْ غَيْرِهِ، لَزِمَهُ أَنْ يَفِيءَ بِلِسَانِهِ، فَيَقُولَ: مَتَى قَدَرْت جَامَعْتُهَا.
وَنَحْوَ هَذَا.
وَمِمَّنْ قَالَ: يَفِيءُ بِلِسَانِهِ إذَا كَانَ ذَا عُذْرٍ.
ابْنُ مَسْعُودٍ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَا يَكُونُ الْفَيْءُ إلَّا بِالْجِمَاعِ، فِي حَالِ الْعُذْر وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إذَا لَمْ يَقْدِرْ، لَمْ يُوقَفْ حَتَّى يَصِحَّ، أَوْ يَصِلَ إنْ كَانَ غَائِبًا، وَلَا تَلْزَمُهُ الْفَيْئَةُ بِلِسَانِهِ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ بِتَرْكِ الْوَطْءِ لَا يَزُولُ بِالْقَوْلِ.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: قَدْ نَدِمْت عَلَى مَا فَعَلْت، إنْ قَدَرْت وَطِئْت.
وَلَنَا أَنَّ الْقَصْدَ بِالْفَيْئَةِ تَرْكُ مَا قَصَدَهُ مِنْ الْإِضْرَارِ، وَقَدْ تَرَكَ قَصْدَ الْإِضْرَارِ بِمَا أَتَى بِهِ مِنْ الِاعْتِذَارِ، وَالْقَوْلُ مَعَ الْعُذْرِ يَقُومُ مَقَامَ فِعْلِ الْقَادِرِ، بِدَلِيلِ أَنَّ إشْهَادَ الشَّفِيعِ عَلَى الطَّلَبِ بِالشُّفْعَةِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ طَلَبِهَا،
يَقُومُ مَقَامَ طَلَبِهَا فِي الْحُضُورِ فِي إثْبَاتِهَا.
وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: نَدِمْتُ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ أَنْ يُظْهِرَ رُجُوعَهُ عَنْ الْمُقَامِ عَلَى الْيَمِينِ، وَقَدْ حَصَلَ بِظُهُورِ عَزْمِهِ عَلَيْهِ.
وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ الْقَاضِي، أَنَّ فَيْئَةَ الْمَعْذُورِ أَنْ يَقُولَ: فِئْتُ إلَيْك.
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ " مِثْلُ مَا ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ، وَهُوَ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ وَعْدَهُ بِالْفِعْلِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، دَلِيلٌ عَلَى تَرْكِ قَصْدِ الْإِضْرَارِ، وَفِيهِ نَوْعٌ مِنْ الِاعْتِذَارِ، وَإِخْبَارٌ بِإِزَالَتِهِ لِلضَّرَرِ عِنْدَ إمْكَانِهِ، وَلَا يَحْصُلُ بِقَوْلِهِ: فِئْتُ إلَيْك شَيْءٌ مِنْ هَذَا.
فَأَمَّا الْعَاجِزُ لِجُبٍّ أَوْ شَلَلٍ، فَفَيْئَتُهُ أَنْ يَقُولَ: لَوْ قَدَرْت لَجَامَعْتُهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُزِيلُ مَا حَصَلَ بِإِيلَائِهِ.
[فَصْلٌ الْمُظَاهِرُ لَا يُمْهِل وَيُؤْمَرُ بِالطَّلَاقِ]
(6144) فَصْلٌ: وَالْإِحْرَامُ كَالْمَرَضِ فِي ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ.
وَكَذَلِكَ عَلَى قِيَاسِهِ الِاعْتِكَافُ الْمَنْذُورُ وَالظِّهَارُ.
وَذَكَر أَصْحَابُنَا أَنَّ الْمُظَاهِرَ لَا يُمْهَلُ، وَيُؤْمَرُ بِالطَّلَاقِ.
فَيُخَرَّجُ مِنْ هَذَا أَنَّ كُلَّ عُذْرٍ مِنْ فِعْلِهِ يَمْنَعُهُ الْوَطْءَ لَا يُمْهَلُ مِنْ أَجْلِهِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ بِسَبَبِ مِنْهُ، فَلَا يُسْقِطُ حُكْمًا وَاجِبًا عَلَيْهِ.
فَعَلَى هَذَا لَا يُؤْمَرُ بِالْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يُؤْمَرُ بِالطَّلَاقِ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْوَطْءِ بِأَمْرٍ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ الْمَرِيضَ.
فَأَمَّا الْمُظَاهِرُ، فَيُقَالُ لَهُ: إمَّا أَنْ تُكَفِّرَ وَتَفِيءَ، وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَ.
فَإِنْ قَالَ: أَمْهِلُونِي حَتَّى أَطْلُبَ رَقَبَةً، أَوْ أُطْعِمَ.
فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى التَّكْفِيرِ فِي الْحَالِ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُ الْمُدَافَعَةَ وَالتَّأْخِيرَ، لَمْ يُمْهَلْ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ حَالٌ عَلَيْهِ.
وَإِنَّمَا يُمْهَلُ لِلْحَاجَةِ، وَلَا حَاجَةَ.
وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ، أُمْهِلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهَا قَرِيبَةٌ، وَلَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ فَرْضُهُ الصِّيَامَ، فَطَلَبَ الْإِمْهَالَ لِيَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، لَمْ يُمْهَلْ؛ لِأَنَّهُ كَثِيرٌ.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَفِيءَ بِلِسَانِهِ فَيْئَةَ الْمَعْذُورِ، وَيُمْهَلَ حَتَّى يَصُومَ، كَقَوْلِنَا فِي الْمُحْرِمِ.
فَإِنْ وَطِئَهَا فَقَدْ عَصَى، وَانْحَلَّ إيلَاؤُهُ.
وَلَهَا مَنْعُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَطْءَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُهَا التَّمْكِينُ، وَإِنْ امْتَنَعَتْ سَقَطَ حَقُّهَا؛ لِأَنَّ حَقَّهَا فِي الْوَطْءِ، وَقَدْ بَذَلَهُ لَهَا، وَمَتَى وَطِئَهَا فَقَدْ وَفَّاهَا حَقَّهَا، وَالتَّحْرِيمُ عَلَيْهِ دُونَهَا.
وَلَنَا أَنَّهُ وَطْءٌ حَرَامٌ، فَلَا يَلْزَمُ التَّمْكِينُ مِنْهُ، كَالْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ.
وَهَذَا يَنْقُضُ دَلِيلَهُمْ.
وَلَا نُسَلِّمُ كَوْنَ التَّحْرِيمِ عَلَيْهِ دُونَهَا؛ فَإِنَّ الْوَطْءَ مَتَى حَرُمَ عَلَى أَحَدِهِمَا حَرُمَ عَلَى الْآخَرِ؛ لِكَوْنِهِ فِعْلًا وَاحِدًا، وَلَوْ جَازَ اخْتِصَاصُ أَحَدِهِمَا بِالتَّحْرِيمِ، لَاخْتَصَّتْ الْمَرْأَةُ بِتَحْرِيمِ الْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَإِحْرَامِهَا وَصِيَامِهَا؛ لِاخْتِصَاصِهَا بِسَبَبِهِ.
[فَصْل انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِيلَاء وَهُوَ مَحْبُوسٌ بِحَقِّ يُمْكِنُ أَدَاؤُهُ]
(6145) فَصْلٌ: وَإِنْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَهُوَ مَحْبُوسٌ بِحَقٍّ يُمْكِنُ أَدَاؤُهُ، طُولِبَ بِالْفَيْئَةِ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهَا بِأَدَاءِ مَا عَلَيْهِ.
فَإِنْ لَمْ
يَفْعَلْ، أُمِرَ بِالطَّلَاقِ.
وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ أَدَائِهِ، أَوْ حُبِسَ ظُلْمًا، أُمِرَ بِفَيْئَةِ الْمَعْذُورِ.
وَإِنْ انْقَضَتْ وَهُوَ غَائِبٌ، وَالطَّرِيقُ آمِنٌ، فَلَهَا أَنْ تُوَكِّلَ مَنْ يُطَالِبُهُ بِالْمَسِيرِ إلَيْهَا، أَوْ حَمْلِهَا إلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، أُخِذَ بِالطَّلَاقِ.
وَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفًا، أَوْ لَهُ عُذْرٌ يَمْنَعُهُ، فَاءَ فَيْئَةَ الْمَعْذُورِ.
[فَصْلٌ كَانَ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ بِجُنُونِ أَوْ إغْمَاءٍ فِي مُدَّةِ الْإِيلَاء]
(6146) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ بِجُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ لَمْ يُطَالَبْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلْخِطَابِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ الْجَوَابُ، وَتَتَأَخَّرُ الْمُطَالَبَةُ إلَى حَالِ الْقُدْرَةِ، وَزَوَالِ الْعُذْرِ، ثُمَّ يُطَالَبُ حِينَئِذٍ.
وَإِنْ كَانَ مَجْبُوبًا، وَقُلْنَا: يَصِحُّ إيلَاؤُهُ.
فَاءَ فَيْئَةَ الْمَعْذُورِ، فَيَقُولُ: لَوْ قَدَرْت جَامَعْتُهَا.
[فَصْلٌ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ فَادَّعَى أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْوَطْءِ]
(6147) فَصْلٌ: وَإِذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ، فَادَّعَى أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْوَطْءِ، فَإِذَا كَانَ قَدْ وَطِئَهَا مَرَّةً، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ الْعُنَّةَ، كَمَا لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهَا عَلَيْهِ، وَيُؤْخَذُ بِالْفَيْئَةِ، أَوْ بِالطَّلَاقِ، كَغَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَطِئَهَا، وَلَمْ تَكُنْ حَالُهُ مَعْرُوفَةً، فَقَالَ الْقَاضِي: تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ التَّعْنِينَ مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي لَا يَقِفُ عَلَيْهَا غَيْرُهُ.
وَهَذَا ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ.
وَلَهَا أَنْ تَسْأَلَ الْحَاكِمَ، فَيَضْرِبَ لَهُ مُدَّةَ الْعُنَّةِ بَعْدَ أَنْ يَفِيءَ فَيْئَةَ أَهْلِ الْأَعْذَارِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي دَعْوَى مَا يُسْقِطُ عَنْهُ حَقًّا تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الطَّلَبُ بِهِ، وَالْأَصْلُ سَلَامَتُهُ مِنْهُ.
وَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهَا مَرَّةً، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِضَرْبِ مُدَّةِ الْعُنَّةِ، لِاعْتِرَافِهَا بِعَدَمِ عُنَّتِهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ الْإِصَابَةِ.
[مَسْأَلَة مَتَى قَدَرَ عَلَى الْجِمَاع فَلَمْ يَفْعَلْ أُمِرَ بِالطَّلَاقِ بَعْدَ الْإِيلَاء]
(6148) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (فَمَتَى قَدَرَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، أُمِرَ بِالطَّلَاقِ) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُولِيَ إذَا وُقِفَ، وَطُولِبَ بِالْفَيْئَةِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا، فَلَمْ يَفْعَلْ، أُمِرَ بِالطَّلَاقِ.
وَهَذَا قَوْلُ كُلِّ مَنْ يَقُولُ: يُوقَفُ الْمُولِي؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] . فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، فَقَدْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ، فَيُؤْمَرُ بِالتَّسْرِيحِ بِالْإِحْسَانِ.
وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا، فَفَاءَ بِلِسَانِهِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْوَطْءِ، أُمِرَ بِهِ، فَإِنْ فَعَلَ، وَإِلَّا أُمِرَ بِالطَّلَاقِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إذَا فَاءَ بِلِسَانِهِ، لَمْ يُطَالَبْ بِالْفَيْئَةِ مَرَّةً أُخْرَى، وَخَرَجَ مِنْ الْإِيلَاءِ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ؛ لِأَنَّهُ فَاءَ مَرَّةً، فَخَرَجَ مِنْ الْإِيلَاءِ، وَلَمْ تَلْزَمْهُ فَيْئَةٌ ثَانِيَةٌ، كَمَا لَوْ فَاءَ بِالْوَطْءِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُسْتَأْنَفُ لَهُ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ؛ لِأَنَّهُ وَفَّاهَا حَقَّهَا بِمَا أَمْكَنَهُ مِنْ الْفَيْئَةِ، فَلَا يُطَالَبُ إلَّا بَعْدَ اسْتِئْنَافِ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا.
وَلَنَا أَنَّهُ أَخَّرَ حَقَّهَا لِعَجْزِهِ عَنْهُ، فَإِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ، لَزِمَهُ أَنْ يُوَفِّيَهَا إيَّاهُ، كَالدَّيْنِ عَلَى الْمُعْسِرِ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ فَلَيْسَ بِحَقِّهَا، وَلَا يَزُولُ الضَّرَرُ عَنْهَا بِهِ، وَإِنَّمَا وَعَدَهَا بِالْوَفَاءِ، وَلَزِمَهَا الصَّبْرُ عَلَيْهِ وَإِنْظَارُهُ.
كَالْغَرِيمِ الْمُعْسِرِ.
(6149) فَصْلٌ: وَلَيْسَ عَلَى مَنْ فَاءَ بِلِسَانِهِ كَفَّارَةٌ، وَلَا حِنْثٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا وَعَدَ بِفِعْلِهِ، فَهُوَ كَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَلَفَ أَنْ لَا يُوَفِّيَهُ، ثُمَّ أَعْسَرِ بِهِ، فَقَالَ: مَتَى قَدَرْتُ وَفَّيْتُهُ.
[مَسْأَلَة لَمْ يُطَلِّقْ الزَّوْج عِنْدَ امْتِنَاعِهِ عَنْ الزَّوْجَة بَعْدَ الْإِيلَاءِ]
(6150) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْ، طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُولِيَ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْفَيْئَةِ بَعْدَ التَّرَبُّصِ، أَوْ امْتَنَعَ الْمَعْذُورُ مِنْ الْفَيْئَةِ بِلِسَانِهِ، أَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْوَطْءِ بَعْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ، أُمِرَ بِالطَّلَاقِ.
فَإِنْ طَلَّقَ، وَقَعَ طَلَاقُهُ الَّذِي أَوْقَعَهُ، وَاحِدَةً كَانَتْ أَوْ أَكْثَرَ.
وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ إجْبَارُهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ طَلْقَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ الْوَفَاءُ بِحَقِّهَا بِهَا؛ فَإِنَّهَا تُفْضِي إلَى الْبَيْنُونَةِ، وَالتَّخَلُّصِ مِنْ ضَرَرِهِ.
وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الطَّلَاقِ، طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، لَيْسَ لِلْحَاكِمِ الطَّلَاقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا خُيِّرَ الزَّوْجُ فِيهِ بَيْن أَمْرَيْنِ، لَمْ يَقُمْ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فِيهِ كَالِاخْتِيَارِ لِبَعْضِ الزَّوْجَاتِ فِي حَقِّ مَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، أَوْ أُخْتَانِ.
فَعَلَى هَذَا يَحْبِسُهُ، وَيُضَيِّقُ عَلَيْهِ، حَتَّى يَفِيءَ، أَوْ يُطَلِّقَ.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالرِّوَايَتَيْنِ.
وَلَنَا، أَنَّ مَا دَخَلَتْهُ النِّيَابَةُ، وَتَعَيَّنَ مُسْتَحِقُّهُ، وَامْتَنَعَ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، قَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فِيهِ، كَقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَفَارَقَ الِاخْتِيَارَ، فَإِنَّهُ مَا تَعَيَّنَ مُسْتَحِقُّهُ.
وَهَذَا أَصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ.
وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَأْمُرَ بِالطَّلَاقِ وَلَا يُطَلِّقَ إلَّا أَنْ تَطْلُبَ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا، وَإِنَّمَا الْحَاكِمُ يَسْتَوْفِي لَهَا الْحَقَّ، فَلَا يَكُونُ إلَّا عِنْدَ طَلَبِهَا.
[فَصْلٌ الطَّلَاقُ الْوَاجِبُ عَلَى الْمُولِي]
(6151) فَصْلٌ: وَالطَّلَاقُ الْوَاجِبُ عَلَى الْمُولِي رَجْعِيٌّ، سَوَاءٌ أَوْقَعَهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمُولِي: فَإِنْ طَلَّقَهَا.
قَالَ: تَكُونُ وَاحِدَةً، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ فُرْقَةَ الْحَاكِمِ تَكُونُ بَائِنًا.
ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا.
وَقَالَ الْقَاضِي: الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، فِي فُرْقَةِ الْحَاكِمِ، أَنَّهَا تَكُونُ بَائِنًا؛ فَإِنَّ فِي رِوَايَة الْأَثْرَمِ: وَقَدْ سُئِلَ إذَا طَلَّقَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ، أَتَكُونُ وَاحِدَةً؟ فَقَالَ: إذَا طَلَّقَ فَهِيَ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، فَأَمَّا تَفْرِيقُ السُّلْطَانِ، فَلَيْسَ فِيهِ رَجْعَةٌ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: طَلَاقُ الْمُولِي بَائِنٌ، سَوَاءٌ طَلَّقَ هُوَ، أَوْ طَلَّقَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ؛ لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ لِرَفْعِ
الضَّرَرِ، فَكَانَ بَائِنًا، كَفُرْقَةِ الْعُنَّةِ، وَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً، لَمْ يَنْدَفِعْ الضَّرَرُ؛ لِأَنَّهُ يَرْتَجِعُهَا، فَيَبْقَى الضَّرَرُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَقَعُ الطَّلَاقُ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بَائِنًا.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ؛ أَنَّهُ طَلَاقٌ صَادَفَ مَدْخُولًا بِهَا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَلَا اسْتِيفَاءِ عَدَدٍ، فَكَانَ رَجْعِيًّا، كَالطَّلَاقِ فِي غَيْرِ الْإِيلَاءِ.
وَيُفَارِقُ فُرْقَةَ الْعُنَّةِ؛ لِأَنَّهَا فَسْخٌ لِعَيْبٍ، وَهَذِهِ طَلْقَةٌ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أُبِيحَ لَهُ ارْتِجَاعُهَا، لَمْ يَنْدَفِعْ عَنْهَا الضَّرَرُ، وَهَذِهِ يَنْدَفِعُ عَنْهَا الضَّرَرُ؛ فَإِنَّهُ إذَا ارْتَجَعَهَا، ضُرِبَتْ لَهُ مُدَّةٌ أُخْرَى، وَلِأَنَّ الْعِنِّينَ قَدْ يُئِسَ مِنْ وَطْئِهِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي رَجْعَتِهِ، وَهَذَا غَيْرُ عَاجِزٍ، وَرَجْعَتُهُ دَلِيلٌ عَلَى رَغْبَتِهِ وَإِقْلَاعِهِ عَنْ الْإِضْرَارِ بِهَا، فَافْتَرَقَا.
وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَة طَلْق الْمُوَلِّي وَامْتَنَعَ عَنْ الطَّلَاقِ وَالْفَيْئَة]
(6152) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (فَإِنْ طَلَّقَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَهِيَ ثَلَاثٌ) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُولِيَ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْفَيْئَةِ وَالطَّلَاقِ مَعًا، وَقَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ، فَإِنَّهُ يَمْلِكُ مِنْ الطَّلَاقِ مَا يَمْلِكُهُ الْمُولِي، وَإِلَيْهِ الْخِيرَةُ فِيهِ، إنْ شَاءَ طَلَّقَ وَاحِدَةً، وَإِنْ شَاءَ اثْنَتَيْنِ، وَإِنْ شَاءَ ثَلَاثًا، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ لَهُ إلَّا وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ إيفَاءَ الْحَقِّ يَحْصُلُ بِهَا، فَلَمْ يَمْلِكْ زِيَادَةً عَلَيْهَا، كَمَا لَمْ يَمْلِكْ الزِّيَادَةَ عَلَى وَفَاءِ الدَّيْنِ فِي حَقِّ الْمُمْتَنِعِ.
وَلَنَا أَنَّ الْحَاكِمَ قَائِمٌ مَقَامَهُ، فَمَلَكَ مِنْ الطَّلَاقِ مَا يَمْلِكُهُ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي ذَلِكَ.
وَلَيْسَ ذَلِكَ زِيَادَةً عَلَى حَقِّهَا؛ فَإِنَّ حَقَّهَا الْفُرْقَةُ، غَيْرَ أَنَّهَا تَتَنَوَّعُ، وَقَدْ يَرَى الْحَاكِمُ الْمَصْلَحَةَ فِي تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ، وَمَنْعِهِ رَجْعَتَهَا؛ لِعِلْمِهِ بِسُوءِ قَصْدِهِ، وَحُصُولِ الْمَصْلَحَةِ بِبُعْدِهِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إذَا قَالَ: فَرَّقْتُ بَيْنَكُمَا.
فَإِنَّمَا هُوَ فَسْخٌ.
وَإِذَا قَالَ: طَلَّقْتُ وَاحِدَةً.
فَهِيَ وَاحِدَةٌ.
وَإِذَا قَالَ: ثَلَاثًا.
فَهِيَ ثَلَاثٌ.
[مَسْأَلَة طَلَّقَ وَاحِدَةً وَرَاجَعَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ]
(6153) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً، وَرَاجَعَ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، كَانَ الْحُكْمُ كَمَا حَكَمْنَا فِي الْأَوَّلِ) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ إذَا طَلَّقَ الْمُولِي، أَوْ؛ طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، فَلَهُ رَجْعَتُهَا.
وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ تَفْرِيقَ الْحَاكِمِ لَيْسَ فِيهِ رَجْعَةٌ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: وَأَمَّا تَفْرِيقُ السُّلْطَانِ، فَلَيْسَ فِيهِ رَجْعَةٌ فِي الْعِدَّةِ، وَلَا بَعْدَهَا.
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، يَكُونُ طَلَاقُ الْحَاكِمِ بَائِنًا، لَيْسَ فِيهِ رَجْعَةٌ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِي كُلَّ فُرْقَةٍ فَرَّقَهَا الْحَاكِمُ رِوَايَتَانِ، لِعَانًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَهُ؛ إحْدَاهُمَا، تَحْرُمُ عَلَى التَّأْبِيدِ.
وَاخْتَارَهَا.
وَالثَّانِيَةُ، لَهُ الْمُرَاجَعَةُ فِيهَا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ.
وَهَذَا الصَّحِيحُ.
وَلَيْسَ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ مَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: لَيْسَ فِيهِ رَجْعَةٌ فِي الْعِدَّةِ وَلَا بَعْدَهَا.
يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ رَجْعَتُهَا بِغَيْرِ نِكَاحٍ جَدِيدٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ بِهِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ سَبَبٌ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ، وَتَفْرِيقُ الْحَاكِمِ لَا يَقْتَضِي سِوَى التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا النِّكَاحِ، وَلِذَلِكَ لَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا لِأَجْلِ الْعُنَّةِ، لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا فُرْقَةُ اللِّعَانِ، فَإِنَّهَا تَحْصُلُ بِدُونِ تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ.
وَلَوْ حَصَلَتْ بِتَفْرِيقِ الْحَاكِمِ غَيْرَ أَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلتَّفْرِيقِ وَالتَّحْرِيمِ اللِّعَانُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُمَا عَلَى النِّكَاحِ وَإِنْ تَرَاضَوْا بِهِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، فَإِنَّ الطَّلَاقَ إذَا كَانَ دُونَ الثَّلَاثِ، فَهُوَ رَجْعِيٌّ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْمُولِي، أَوْ الْحَاكِمِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ نَائِبُهُ، فَلَا يَقَعُ طَلَاقُهُ مُفِيدًا، كَمَا لَمْ يُفِدْهُ طَلَاقُ الْمُولِي كَالْوَكِيلِ.
فَإِنْ لَمْ يُرَاجِعْ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، بَانَتْ، وَلَمْ يَلْحَقْهَا طَلَاقٌ ثَانٍ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ: إذَا سَبَقَ حَدُّ الْإِيلَاءِ حَدَّ الطَّلَاقِ، فَهُمَا تَطْلِيقَتَانِ، وَإِنْ سَبَقَ حَدُّ الطَّلَاقِ حَدَّ الْإِيلَاءِ، فَهِيَ وَاحِدَةٌ.
وَيَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ.
وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ، مِنْ غَيْرِ إيقَاعٍ.
وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ ذَلِكَ.
فَأَمَّا إنَّ فَسَخَ الْحَاكِمُ النِّكَاحَ، فَلَيْسَ لِلْمُولِي الرُّجُوعُ عَلَيْهَا إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْعِدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا.
وَلَا يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُ طَلَاقِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَلَاقٍ، فَأَشْبَهَ فَسْخَ النِّكَاحِ لِعَيْبِهِ أَوْ عُنَّتِهِ.
وَإِنْ طَلَّقَ الْمُولِي أَوْ الْحَاكِمُ ثَلَاثًا، لَمْ تَحِلَّ لَهُ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ ثَانٍ وَإِصَابَةٍ وَنِكَاحٍ جَدِيدٍ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إذَا طَلَّقَ دُونَ الثَّلَاثِ، فَرَاجَعَهَا فِي عِدَّتِهَا، فَإِنَّ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ تَنْقَطِعُ بِالطَّلَاقِ، وَلَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِمَا قَبْلَ الرَّجْعَةِ مِنْ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَمْنُوعَةً مِنْهُ بِغَيْرِ الْيَمِينِ، فَانْقَطَعْت الْمُدَّةُ كَمَا لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا، فَإِنْ رَاجَعَ اُسْتُؤْنِفَتْ الْمُدَّةُ مِنْ حِينِ رَجْعَتِهِ، فَإِنْ كَانَ الْبَاقِي مِنْهَا أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، سَقَطَ الْإِيلَاءُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْهَا تَرَبَّصْنَا بِهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ وَقَفْنَاهُ لِيَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ، ثُمَّ يَكُونُ الْحُكْمُ هَاهُنَا كَالْحُكْمِ فِي وَقْفِهِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ طَلَّقَ أَوْ طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ وَاحِدَةً، ثُمَّ رَاجَعَ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، انْتَظَرْنَاهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ طُولِبَ بِالْفَيْئَةِ أَوْ الطَّلَاقِ، فَإِنْ طَلَّقَ، فَقَدْ كَمُلَتْ الثَّلَاثُ، وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَيَقْتَضِي مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ، أَنَّهُ إذَا طَلَّقَ اُسْتُؤْنِفَتْ الْمُدَّةُ الْأُخْرَى مِنْ حِينَ طَلَّقَ، فَلَوْ تَمَّتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الطَّلَاقِ، وُقِفَ ثَانِيًا، فَإِنْ فَاءَ، وَإِلَّا أُمِرَ بِالطَّلَاقِ.
وَنَحْوُ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَبِي عُبَيْدٍ.
وَإِنْ انْقَضَتْ الْعِدَّةُ قَبْلَ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ، بَانَتْ، وَانْقَطَعَ الْإِيلَاءُ، فَإِنْ رَاجَعَ فِي الْعِدَّةِ قَبْلَ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ، تَرَبَّصَ بِهِ تَمَامَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ طَلَّقَ.
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، أَنَّ الطَّلَاقَ يَهْدِمُ الْإِيلَاءَ.
وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقْطَعُ مُدَّتَهُ، فَلَا يُحْتَسَبُ بِمُدَّتِهِ قَبْلَ الرَّجْعَةِ؛ فَيَكُونُ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ مِثْلَهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُزِيلُ حُكْمَهُ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَفَّاهَا حَقَّهَا بِالطَّلَاقِ، فَسَقَطَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ، كَمَا لَوْ
وَطِئَهَا.
وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا، أَنَّ حُكْمَ الْيَمِينِ بَاقٍ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْوَطْءِ فَيَبْقَى الْإِيلَاءُ، كَمَا لَوْ لَمْ يُطَلِّقْ، بِخِلَافِ الْفَيْئَةِ، فَإِنَّهَا تَرْفَعُ الْيَمِينَ، لِحُصُولِ الْحِنْثِ فِيهَا.
[مَسْأَلَة وَقَفْنَاهُ بَعْدَ الْأَرْبَعَة أَشْهُرٍ فَقَالَ قَدْ أَصَبْتهَا فِي الْإِيلَاء]
(6154) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَلَوْ وَقَفْنَاهُ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَقَالَ: قَدْ أَصَبْتهَا.
فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ) وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ، وَالْمَرْأَةُ تَدَّعِي مَا يَلْزَمُهُ بِهِ رَفْعُهُ، وَهُوَ يَدَّعِي مَا يُوَافِقُ الْأَصْلَ، وَيُبْقِيهِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ.
كَمَا لَوْ ادَّعَى الْوَطْءَ فِي الْعُنَّةِ، وَلِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ خَفِيٌّ وَلَا يُعْلَمْ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ، كَقَوْلِ الْمَرْأَةِ فِي حَيْضِهَا.
وَتَلْزَمُهُ الْيَمِينُ؛ لِأَنَّ مَا تَدَّعِيهِ الْمَرْأَةُ مُحْتَمِلٌ، فَوَجَبَ نَفْيُهُ بِالْيَمِينِ.
وَنَصَّ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ يَمِينٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْضَى فِيهِ بِالنُّكُولِ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ.
فَأَمَّا إنْ كَانَتْ بِكْرًا، وَاخْتَلَفَا فِي الْإِصَابَةِ، أُرِيَتْ النِّسَاءُ الثِّقَاتُ، فَإِنْ شَهِدْنَ بِثُيُوبَتِهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ شَهِدْنَ بِبَكَارَتِهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَطِئَهَا زَالَتْ بَكَارَتُهَا.
وَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ لَا يَمِينَ هَاهُنَا؛ لِقَوْلِهِ فِي بَابِ الْعِنِّينِ: فَإِنْ شَهِدْنَ بِمَا قَالَتْ، أُجِّلَ سَنَةً.
وَلَمْ يَذْكُرْ يَمِينَهُ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تَشْهَدُ لَهَا، فَلَا تَجِبُ الْيَمِينُ مَعَهَا.
(6155) فَصْلٌ: وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، فَادَّعَى أَنَّهُ أَصَابَهَا، وَكَذَّبَتْهُ، ثُمَّ طَلَّقَهَا، وَأَرَادَ رَجْعَتَهَا، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا، فَنَقْبَلُ قَوْلَهُ فِي الْإِصَابَةِ فِي الْإِيلَاءِ، وَلَا نَقْبَلُهُ فِي إثْبَاتِ الرَّجْعَةِ لَهُ، وَقَدْ سَبَقَ تَعْلِيلُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الرَّجْعَةِ.
[مَسْأَلَة قَالَ آلَى مِنْهَا فَلَمْ يُصِبْهَا حَتَّى طَلَّقَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْهُ ثُمَّ نَكَحَهَا]
(6156) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَلَوْ آلَى مِنْهَا، فَلَمْ يُصِبْهَا حَتَّى طَلَّقَهَا، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْهُ؛ ثُمَّ نَكَحَهَا، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وُقِفَ لَهَا، كَمَا وَصَفْتُ) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُولِيَ إذَا أَبَانَ زَوْجَتَهُ، انْقَطَعَتْ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ سَوَاءٌ بَانَتْ بِفَسْخٍ، أَوْ طَلَاقٍ ثَلَاثٍ، أَوْ بِخُلْعٍ، أَوْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مِنْ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً مِنْهُ، وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ نِكَاحِهَا.
فَإِنْ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا، عَادَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ مِنْ حِينَ تَزَوَّجَهَا، وَاسْتُؤْنِفَتْ الْمُدَّةُ حِينَئِذٍ، فَإِنْ كَانَ الْبَاقِي مِنْ مُدَّةِ يَمِينِهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَمَا دُونَ، لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الْإِيلَاءِ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ التَّرَبُّصِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، تَرَبَّصَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ وُقِفَ لَهَا، فَإِمَّا أَنْ يَفِيءَ، أَوْ يُطَلِّقَ، وَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْ، طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ الطَّلَاقُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ، ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، ثُمَّ نَكَحَهَا، عَادَ الْإِيلَاءُ، وَإِنْ اسْتَوْفَى عَدَدَ الطَّلَاقِ، لَمْ يَعُدْ الْإِيلَاءُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ زَالَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلِهَذَا تَرْجِعُ إلَيْهِ عَلَى طَلَاقٍ
ثَلَاثٍ، فَصَارَ إيلَاؤُهُ فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ كَإِيلَائِهِ مِنْ أَجْنَبِيَّةٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: يَتَحَصَّلُ مِنْ أَقْوَالِهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ: قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ، وَقَوْلٌ ثَالِثٌ: لَا يَعُودُ حُكْمُ الْإِيلَاءِ بِحَالِ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِحَالٍ لَوْ آلَى مِنْهَا لَمْ يَصِحَّ إيلَاؤُهُ، فَبَطَلَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ مِنْهَا، كَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا.
وَلَنَا أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِنْ وَطْءِ امْرَأَتِهِ بِيَمِينٍ فِي حَالِ نِكَاحِهَا، فَثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الْإِيلَاءِ، كَمَا لَوْ لَمْ يُطَلِّقْ، وَفَارَقَ الْإِيلَاءَ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِالْيَمِينِ عَلَيْهَا الْإِضْرَارَ بِهَا، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
[فَصْلٌ آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ الْأَمَةِ ثُمَّ اشْتَرَاهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا]
(6157) فَصْلٌ: وَلَوْ آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ الْأَمَةِ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا، وَتَزَوَّجَهَا، عَادَ الْإِيلَاءُ.
وَلَوْ كَانَ الْمُولِي عَبْدًا، فَاشْتَرَتْهُ امْرَأَتُهُ، ثُمَّ أَعْتَقَتْهُ، وَتَزَوَّجَتْهُ، عَادَ الْإِيلَاءُ.
وَلَوْ بَانَتْ الزَّوْجَةُ بِرِدَّةٍ، أَوْ إسْلَامٍ مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْ غَيْرِهِ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا تَزْوِيجًا جَدِيدًا، عَادَ الْإِيلَاءُ، وَتُسْتَأْنَفُ الْمُدَّةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
وَسَوَاءٌ عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ ثَانٍ أَوْ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ كَانَتْ مِنْهُ فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ، فَيَبْقَى حُكْمُهَا مَا وَجَدَتْ الزَّوْجِيَّةُ.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَوَاَللَّهِ لَا جَامَعْتُك.
ثُمَّ طَلَّقَهَا، ثُمَّ نَكَحَتْ غَيْرَهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا الْأَوَّلُ، عَادَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ الْمَعْقُودَةَ فِي حَالِ الزَّوْجِيَّةِ لَا تَنْحَلُّ بِزَوَالِ الزَّوْجِيَّةِ، فَإِنْ دَخَلَتْ الدَّارَ فِي حَالِ الْبَيْنُونَةِ، ثُمَّ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا، لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الْإِيلَاءِ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ وُجِدَتْ فِي حَالِ كَوْنِهَا أَجْنَبِيَّةً، وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِيلَاءُ بِالْحَلِفِ عَلَى الْأَجْنَبِيَّةِ بِخِلَافِ مَا إذَا دَخَلَتْ وَهِيَ امْرَأَتُهُ.
[مَسْأَلَة آلَى مِنْهَا وَاخْتَلَفَا فِي مُضِيِّ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ]
(6158) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَلَوْ آلَى مِنْهَا، وَاخْتَلَفَا فِي مُضِيِّ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي أَنَّهَا لَمْ تَمْضِ مَعَ يَمِينِهِ) إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي مُضِيِّ الْمُدَّةِ يَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ فِي وَقْتِ يَمِينِهِ؛ فَإِنَّهُمَا لَوْ اتَّفَقَا عَلَى وَقْتِ الْيَمِينِ، حُسِبَ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَعُلِمَ هَلْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ أَوْ لَا.
وَزَالَ الْخِلَافُ.
أَمَّا إذَا اخْتَلَفَا فِي وَقْتِ الْيَمِينِ، فَقَالَ: حَلَفْتُ فِي غُرَّةِ رَمَضَانَ.
وَقَالَتْ: بَلْ حَلَفْتَ فِي غُرَّةِ شَعْبَانَ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ صَدَرَ مِنْ جِهَتِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ.
فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْإِيلَاءِ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَلِفِ فِي غُرَّةِ شَعْبَانَ، فَكَانَ قَوْلُهُ فِي نَفْيِهِ مُوَافِقًا لِلْأَصْلِ.
قَالَ الْخِرَقِيِّ: وَيَكُونُ ذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّ.
وَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ، إلَى أَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي أَحْكَامِ النِّكَاحِ، فَلَمْ تُشْرَعْ فِيهِ يَمِينٌ، كَمَا لَوْ ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ فَأَنْكَرَتْهُ.
وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» . وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ يَجُوزُ بَذْلُهُ، فَيُسْتَحْلَفُ فِيهِ، كَالدُّيُونِ.
[فَصْلٌ تَرَكَ الْوَطْءَ بِغَيْرِ يَمِينٍ]
(6159) فَصْلٌ: فَإِنْ تَرَكَ الْوَطْءَ بِغَيْرِ يَمِينٍ، لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ الْحَلِفُ.
وَلَكِنْ إنْ تَرَكَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ غَيْبَةٍ، وَنَحْوِهِ، لَمْ تُضْرَبْ لَهُ مُدَّةٌ، وَإِنْ تَرَكَهُ مُضِرًّا بِهَا، فَهَلْ تُضْرَبُ لَهُ مُدَّةٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، تُضْرَبُ لَهُ مُدَّةُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَإِنْ وَطِئَهَا، وَإِلَّا دُعِيَ بَعْدَهَا إلَى الْوَطْءِ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْهُ، أُمِرَ بِالطَّلَاقِ، كَمَا يُفْعَلُ فِي الْإِيلَاءِ، سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ أَضَرَّ بِهَا بِتَرْكِ الْوَطْءِ فِي مُدَّةِ الْإِيلَاءِ، فَيَلْزَمُ حُكْمُهُ، كَمَا لَوْ حَلَفَ، وَلِأَنَّ مَا وَجَبَ أَدَاؤُهُ إذَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، وَجَبَ أَدَاؤُهُ إذَا لَمْ يَحْلِفْ، كَالنَّفَقَةِ وَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تَجْعَلُ غَيْرَ الْوَاجِبِ وَاجِبًا إذَا أَقْسَمَ عَلَى تَرْكِهِ، فَوُجُوبُهُ مَعَهَا يَدُلُّ عَلَى، وُجُوبِهِ قَبْلَهَا، وَلِأَنَّ وُجُوبَهُ فِي الْإِيلَاءِ إنَّمَا كَانَ لِدَفْعِ حَاجَةِ الْمَرْأَةِ، وَإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنْهَا، وَضَرَرُهَا لَا يَخْتَلِفُ بِالْإِيلَاءِ وَعَدَمِهِ، فَلَا يَخْتَلِفُ الْوُجُوبُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَا يَبْقَى لِلْإِيلَاءِ أَثَرٌ، فَلِمَ أَفْرَدْتُمْ لَهُ بَابًا؟ قُلْنَا: بَلْ لَهُ أَثَرٌ؛ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى قَصْدِ الْإِضْرَارِ، فَيَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ قَصْدُ الْإِضْرَارِ، اُكْتُفِيَ بِدَلَالَتِهِ، وَإِذَا لَمْ تُوجَدْ الْيَمِينُ، احْتَجْنَا إلَى دَلِيلٍ سِوَاهُ يَدُلُّ عَلَى الْمُضَارَّةِ، فَيُعْتَبَرُ الْإِيلَاءُ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْمُقْتَضَى لَا لِعَيْنِهِ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا تُضْرَبُ لَهُ مُدَّةٌ.
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُولٍ، فَلَمْ تُضْرَبْ لَهُ مُدَّةٌ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ الْإِضْرَارَ، وَلِأَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالْإِيلَاءِ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَائِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ، إذْ لَوْ ثَبَتَ هَذَا الْحُكْمُ بِدُونِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَثَرٌ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الظِّهَارِ]
ِ الظِّهَارُ: مُشْتَقُّ مِنْ الظَّهْرِ، وَإِنَّمَا خَصُّوا الظَّهْرَ بِذَلِكَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَرْكُوبٍ يُسَمَّى ظَهْرًا، لِحُصُولِ الرُّكُوبِ عَلَى ظَهْرِهِ فِي الْأَغْلَبِ، فَشَبَّهُوا الزَّوْجَةَ بِذَلِكَ.
وَهُوَ مُحَرَّمٌ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: 2] . وَمَعْنَاهُ أَنَّ الزَّوْجَةَ لَيْسَتْ كَالْأُمِّ فِي التَّحْرِيمِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: 2] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الأحزاب: 4] . وَالْأَصْلُ فِي الظِّهَارِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: 2] . وَالْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا.
وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَرَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ «خُوَيْلَةَ بِنْتِ مَالِكٍ بْنِ ثَعْلَبَةَ، قَالَتْ: ظَاهَرَ مِنِّي أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ، فَجِئْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشْكُو، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُجَادِلُنِي فِيهِ، وَيَقُولُ: اتَّقِي اللَّهَ؛ فَإِنَّهُ ابْنُ عَمِّكِ.
فَمَا بَرِحْت حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: 1] . فَقَالَ: يُعْتِقُ رَقَبَةً.
فَقُلْت: لَا يَجِدُ.
قَالَ: فَيَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ.
فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ، مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ.
قَالَ: فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا.
قُلْت: مَا عِنْدَهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَصَدَّقُ بِهِ.
قَالَ: فَإِنِّي سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ.
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنِّي أُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ.
قَالَ: قَدْ أَحْسَنْتِ، اذْهَبِي فَأَطْعِمِي عَنْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَارْجِعِي إلَى ابْنِ عَمِّكِ.» قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْعَرَقُ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ: هُوَ مَا سُفَّ مِنْ خُوصٍ، كَالزِّنْبِيلِ الْكَبِيرِ.
وَرَوَى أَيْضًا، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ «سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الْبَيَاضِيِّ، قَالَ: كُنْت أُصِيبُ مِنْ النِّسَاءِ مَا لَا يُصِيبُ غَيْرِي، فَلَمَّا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ، خِفْت أَنْ أُصِيبَ مِنْ امْرَأَتِي شَيْئًا يَتَتَابَعُ حَتَّى أُصْبِحَ، فَظَاهَرْتُ مِنْهَا حَتَّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضَانَ، فَبَيْنَا هِيَ تَخْدِمُنِي ذَاتَ لَيْلَةٍ، إذْ تَكَشَّفَ لِي مِنْهَا شَيْءٌ، فَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ نَزَوْت عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَصْبَحْت خَرَجْت إلَى قَوْمِي، فَأَخْبَرْتُهُمْ الْخَبَرَ، وَقُلْت: امْشُوا مَعِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالُوا: لَا وَاَللَّهِ.
فَانْطَلَقْت إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: أَنْتَ بِذَاكَ يَا سَلَمَةُ؟ . فَقُلْت: أَنَا بِذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَا صَابِرٌ لِحُكْمِ اللَّهِ، فَاحْكُمْ فِي مَا أَرَاك اللَّهُ.
قَالَ: حَرِّرْ رَقَبَةً.
قُلْت: وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا أَمْلِكُ رَقَبَةً غَيْرَهَا.
وَضَرَبْت صَفْحَةَ رَقَبَتِي.
قَالَ: فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ.
قُلْت: وَهَلْ أَصَبْت الَّذِي أَصَبْت إلَّا مِنْ الصِّيَامِ؟ . قَالَ: فَأَطْعِمْ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ بَيْنَ سِتِّينَ مِسْكِينًا.
قُلْت: وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَقَدْ بِتْنَا وَحْشَيْنِ، مَا لَنَا طَعَامٌ.
قَالَ: فَانْطَلِقْ إلَى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ، فَلْيَدْفَعْهَا إلَيْك.
قَالَ: فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ، وَكُلْ أَنْتَ وَعِيَالُكَ بَقِيَّتَهَا.
فَرَجَعْت إلَى قَوْمِي، فَقُلْت: وَجَدْت عِنْدَكُمْ الضِّيقَ وَسُوءَ الرَّأْيِ، وَوَجَدْت عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السَّعَةَ وَحُسْنَ الرَّأْيِ، وَقَدْ أَمَرَ لِي بِصَدَقَتِكُمْ.»
[فَصْل كُلُّ زَوْجٍ صَحَّ طَلَاقُهُ صَحَّ ظِهَارُهُ]
(6160) فَصْلٌ: وَكُلُّ زَوْجٍ صَحَّ طَلَاقُهُ صَحَّ ظِهَارُهُ، وَهُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، حُرًّا أَوْ عَبْدًا.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَظِهَارُ السَّكْرَانِ مَبْنِيٌّ عَلَى طَلَاقِهِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَكَذَلِكَ ظِهَارُ الصَّبِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى طَلَاقِهِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ ظِهَارَ الصَّبِيِّ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ مُوجِبَةٌ لِلْكَفَّارَةِ، فَلَمْ تَنْعَقِدْ مِنْهُ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ وَجَبَتْ لِمَا فِيهِ مِنْ قَوْلِ الْمُنْكَرِ وَالزُّورِ، وَذَلِكَ مَرْفُوعٌ عَنْ الصَّبِيِّ؛ لِكَوْنِ الْقَلَمِ مَرْفُوعًا عَنْهُ.
وَقَدْ قِيلَ: لَا يَصِحُّ ظِهَارُ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: 92] . وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ الرِّقَابَ، وَلَنَا، عُمُومُ الْآيَةِ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ، فَصَحَّ ظِهَارُهُ، كَالْحُرِّ.
فَأَمَّا إيجَابُ الرَّقَبَةِ، فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَنْ يَجِدُهَا، وَلَا يَبْقَى الظِّهَارُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَجِدُهَا، كَالْمُعْسِرِ، فَرْضُهُ الصِّيَامُ.
وَيَصِحُّ ظِهَارُ الذِّمِّيِّ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَصِحُّ مِنْهُ، وَهِيَ الرَّافِعَةُ لِلتَّحْرِيمِ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ التَّحْرِيمُ، وَدَلِيلُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَصِحُّ مِنْهُ، أَنَّهَا عِبَادَةٌ تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ، فَلَا تَصِحُّ مِنْهُ، كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ.
وَلَنَا أَنَّ مَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ صَحَّ ظِهَارُهُ، كَالْمُسْلِمِ.
فَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ فَيَبْطُلُ بِكَفَّارَةِ الصَّيْدِ إذَا قَتَلَهُ فِي الْحَرَمِ، وَكَذَلِكَ الْحَدُّ يُقَامُ عَلَيْهِ.
وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّكْفِيرَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُ الْعِتْقُ وَالْإِطْعَامُ، وَإِنَّمَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ الصَّوْمُ، فَلَا تَمْتَنِعُ صِحَّةُ الظِّهَارِ بِامْتِنَاعِ بَعْضِ أَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ، كَمَا فِي حَقِّ الْعَبْدِ.
وَالنِّيَّةُ إنَّمَا تُعْتَبَرُ لِتَعْيِينِ الْفِعْلِ لِلْكَفَّارَةِ، فَلَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْكَافِرِ، كَالنِّيَّةِ فِي كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ.
وَمَنْ يُخْنَقُ فِي الْأَحْيَانِ، يَصِحُّ ظِهَارُهُ فِي إفَاقَتِهِ، كَمَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ فِيهِ.
[فَصْلٌ مَنْ لَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ لَا يَصِحُّ ظِهَارُهُ]
(6161) فَصْلٌ: وَمَنْ لَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ لَا يَصِحُّ ظِهَارُهُ، كَالطِّفْلِ، وَالزَّائِلِ الْعَقْلِ بِجُنُونٍ، أَوْ إغْمَاءٍ، أَوْ نَوْمٍ، أَوْ غَيْرِهِ.
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَلَا يَصِحُّ ظِهَارُ الْمُكْرَهِ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَصِحُّ ظِهَارُهُ.
وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي صِحَّةِ طَلَاقِهِ.
وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ.
[فَصْلٌ يَصِحُّ الظِّهَارُ مِنْ كُلِّ زَوْجَةٍ]
(6162) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ الظِّهَار مِنْ كُلِّ زَوْجَةٍ، كَبِيرَةً كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةً، مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ ذِمِّيَّةً، مُمْكِنًا وَطْؤُهَا أَوْ غَيْرَ مُمْكِنٍ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا يَصِحُّ الظِّهَارُ مِنْ الَّتِي لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا، وَالظِّهَارُ لِتَحْرِيمِ وَطْئِهَا.
وَلَنَا عُمُومُ الْآيَةِ، وَلِأَنَّهَا زَوْجَةٌ يَصِحُّ طَلَاقُهَا، فَصَحَّ الظِّهَارُ مِنْهَا، كَغَيْرِهَا.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي]
[الْفَصْل الْأَوَّل شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ]
(6163) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أَوْ كَظَهْرِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، أَوْ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ.
أَوْ حَرَّمَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهَا، فَلَا يَطَؤُهَا حَتَّى يَأْتِيَ بِالْكَفَّارَةِ) (6164) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ خَمْسَةٌ: أَحَدُهَا أَنَّهُ مَتَى شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَتَى شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ، فَقَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أَوْ أُخْتِي، أَوْ غَيْرِهِمَا.
فَهُوَ مُظَاهِرٌ.
وَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا، أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي.
فَهَذَا ظِهَارٌ إجْمَاعًا، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ تَصْرِيحَ الظِّهَارِ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّيِّ.
وَفِي حَدِيثِ خُوَيْلَةَ امْرَأَةِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّهُ قَالَ لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي.
فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهُ بِالْكَفَّارَةِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي، أَنْ يُشَبِّهَهَا بِظَهْرِ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْ ذَوِي رَحِمِهِ، كَجَدَّتِهِ وَعَمَّتِهِ وَخَالَتِهِ وَأُخْتِهِ.
فَهَذَا ظِهَارٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَهُوَ جَدِيدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: لَا يَكُونُ الظِّهَارُ إلَّا بِأُمٍّ أَوْ جَدَّةٍ؛ لِأَنَّهَا أُمٌّ أَيْضًا، لِأَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ مُخْتَصٌّ بِالْأُمِّ، فَإِذَا عَدَلَ عَنْهُ، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ.
وَلَنَا أَنَّهُنَّ مُحَرَّمَاتٌ بِالْقَرَابَةِ، فَأَشْبَهْنَ الْأُمَّ فَأَمَّا الْآيَةُ فَقَدْ قَالَ فِيهَا: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: 2] .
وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي مَسْأَلَتِنَا، فَجَرَى مَجْرَاهُ.
وَتَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْأُمِّ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي غَيْرِهَا إذَا كَانَتْ مِثْلَهَا.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ، أَنْ يُشَبِّهَهَا بِظَهْرِ مِنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ سِوَى الْأَقَارِبِ، كَالْأُمَّهَاتِ الْمُرْضِعَاتِ، وَالْأَخَوَاتِ مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَحَلَائِلِ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ، وَأُمَّهَاتِ النِّسَاءِ، وَالرَّبَائِبِ اللَّائِي دَخَلَ بِأُمِّهِنَّ، فَهُوَ ظِهَارٌ أَيْضًا.
وَالْخِلَافُ فِيهَا كَالَّتِي قَبْلَهَا.
وَوَجْهُ الْمَذْهَبَيْنِ مَا تَقَدَّمَ، وَيَزِيدُ فِي الْأُمَّهَاتِ الْمُرْضِعَاتِ دُخُولُهَا فِي عُمُومِ الْأُمَّهَاتِ، فَتَكُونُ دَاخِلَةً فِي النَّصِّ، وَسَائِرُهُنَّ فِي مَعْنَاهَا، فَيَثْبُتُ فِيهِنَّ حُكْمُهَا.
[الْفَصْلُ الثَّانِي شَبَّهَ امْرَأَته بِظَهْرِ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا مُؤَقَّتًا]
(6165) الْفَصْلُ الثَّانِي: إذَا شَبَّهَهَا بِظَهْرِ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا مُؤَقَّتًا؛ كَأُخْتِ امْرَأَتِهِ، وَعَمَّتِهَا، أَوْ الْأَجْنَبِيَّةِ.
فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، أَنَّهُ ظِهَارٌ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ وَقَوْلُ أَصْحَابِ مَالِكٍ.
وَالثَّانِيَةُ، لَيْسَ بِظِهَارٍ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ عَلَى التَّأْبِيدِ، فَلَا يَكُونُ التَّشْبِيهُ بِهَا ظِهَارًا، كَالْحَائِضِ، وَالْمُحْرِمَةِ مِنْ نِسَائِهِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ شَبَّهَهَا بِمُحَرَّمَةٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَبَّهَهَا بِالْأُمِّ، وَلِأَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ.
ظِهَارٌ إذَا نَوَى بِهِ الظِّهَارَ، وَالتَّشْبِيهُ بِالْمُحَرَّمَةِ تَحْرِيمٌ، فَكَانَ ظِهَارًا، فَأَمَّا الْحَائِضُ فَيُبَاحُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا فِي غَيْرِ الْفَرْجِ، وَالْمُحَرَّمَةُ يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا، وَلَمْسُهَا مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ،، وَلَيْسَ فِي وَطْءِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَدٌّ بِخِلَافِ مَسْأَلَتنَا.
وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ الظِّهَارَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ مِنْ النِّسَاءِ، قَالَ: فَبِهَذَا أَقُولُ.
[فَصْلٌ شَبَّهَهَا بِظَهْرِ أَبِيهِ أَوْ بِظَهْرِ غَيْرِهِ مِنْ الرِّجَالِ]
(6166) فَصْلٌ: وَإِنْ شَبَّهَهَا بِظَهْرِ أَبِيهِ، أَوْ بِظَهْرِ غَيْرِهِ مِنْ الرِّجَالِ، أَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ الْبَهِيمَةِ.
أَوْ: أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ.
فَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، أَنَّهُ ظِهَارٌ.
قَالَ الْمَيْمُونِي: قُلْت لِأَحْمَدَ: إنْ ظَاهَرَ مِنْ ظَهْرِ الرَّجُلِ؟ . قَالَ: فَظَهْرُ الرَّجُلِ حَرَامٌ، يَكُونُ ظِهَارًا.
وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُ مَالِكٍ، فِيمَا إذَا قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَيْسَ بِظِهَارٍ.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ بِمَا لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلِاسْتِمْتَاعِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَمَالِ زَيْدٍ.
وَهَلْ فِيهِ كَفَّارَةٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا - فِيهِ كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ تَحْرِيمٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَرَّمَ مَالَهُ.
وَالثَّانِيَةُ، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ.
نَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ أَحْمَدَ، فِي مَنْ شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِظَهْرِ الرَّجُلِ: لَا يَكُونُ
ظِهَارًا.
وَلَمْ أَرَهُ يَلْزَمُهُ فِيهِ شَيْءٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ لِامْرَأَتِهِ بِمَا لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلِاسْتِمْتَاعِ، أَشْبَهَ التَّشْبِيهَ بِمَالِ غَيْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيِّتَةِ وَالدَّمِ: إنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ كَانَ طَلَاقًا، وَإِنْ نَوَى الظِّهَارَ كَانَ ظِهَارًا، وَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ كَانَ يَمِينًا، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، هُوَ ظِهَارٌ.
وَالْأُخْرَى، هُوَ يَمِينٌ.
وَلَمْ يَتَحَقَّقْ عِنْدِي مَعْنَى إرَادَتِهِ الظِّهَارَ وَالْيَمِينَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ عِنْدِي، أَوْ مِنِّي أَوْ مَعِي كَظَهْرِ أُمِّي]
(6167) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عِنْدِي، أَوْ مِنِّي، أَوْ مَعِي، كَظَهْرِ أُمِّي.
كَانَ ظِهَارًا بِمَنْزِلَةِ عَلَيَّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ فِي مَعْنَاهُ.
وَإِنْ قَالَ: جُمْلَتُكِ، أَوْ بَدَنُك، أَوْ جِسْمُكِ، أَوْ ذَاتُك، أَوْ كُلُّك عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي.
كَانَ ظِهَارًا؛ لِأَنَّهُ أَشَارَ إلَيْهَا.
فَهُوَ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ كَظَهْرِ أُمِّي.
كَانَ ظِهَارًا؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ فَانْصَرَفَ الْحُكْمُ إلَيْهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: لَيْسَ بِظِهَارٍ؛ لِأَنَّهُ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ.
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإِنَّهَا إذَا كَانَتْ كَظَهْرِ أُمِّهِ، فَظَهْرُ أُمِّهِ، مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّيِّ أَوْ مِثْلُ أُمِّي وَنَوَى بِهِ الظِّهَارَ]
(6168) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي.
أَوْ: مِثْلُ أُمِّي.
وَنَوَى بِهِ الظِّهَارَ، فَهُوَ ظِهَارٌ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ؛ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ، وَصَاحِبَاهُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَإِنْ نَوَى بِهِ الْكَرَامَةَ وَالتَّوْقِيرَ، أَوْ أَنَّهَا مِثْلُهَا فِي الْكِبَرِ، أَوْ الصِّفَةِ، فَلَيْسَ بِظِهَارٍ.
وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي نِيَّتِهِ.
وَإِنْ أَطْلَقَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: فِيهِ رِوَايَتَانِ، أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِظِهَارٍ حَتَّى يَنْوِيَهُ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْكَرَامَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يُسْتَعْمَلُ فِي التَّحْرِيمِ، فَلَمْ يَنْصَرِفْ إلَيْهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، كَكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِجُمْلَةِ أُمِّهِ، فَكَانَ مُشَبِّهًا لَهَا بِظَهْرِهَا، فَيَثْبُتُ الظِّهَارُ كَمَا لَوْ شَبَّهَهَا بِهِ مُنْفَرِدًا.
وَاَلَّذِي يَصِحُّ عِنْدِي فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ، أَنَّهُ إنْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى الظِّهَارِ، مِثْلَ أَنْ يُخْرِجَهُ مَخْرَجَ الْحَلِفِ، فَيَقُولُ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنْتِ عَلَيَّ مِثْلُ أُمِّي.
أَوْ قَالَ ذَلِكَ حَالَ الْخُصُومَةِ وَالْغَضَبِ، فَهُوَ ظِهَارٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْحَلِفِ، فَالْحَلِفُ يُرَادُ لِلِامْتِنَاعِ مِنْ شَيْءٍ، أَوْ الْحَثِّ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ كَوْنَهَا مِثْلُ أُمِّهِ فِي صِفَتِهَا أَوْ كَرَامَتِهَا.
لَا يَتَعَلَّقُ عَلَى شَرْطٍ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ الظِّهَارَ، وَوُقُوعُ ذَلِكَ فِي حَالِ الْخُصُومَةِ وَالْغَضَبِ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَذَاهَا، وَيُوجِبُ اجْتِنَابَهَا، وَهُوَ الظِّهَارُ.
وَإِنْ عَدِمَ هَذَا فَلَيْسَ بِظِهَارٍ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِغَيْرِ الظِّهَارِ احْتِمَالًا كَثِيرًا،
فَلَا يَتَعَيَّنُ الظِّهَارُ فِيهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.
وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ.
وَهَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي أَوْ: مِثْلُ أُمِّي.
أَوْ قَالَ: أَنْتِ أُمِّي، أَوْ: امْرَأَتِي أُمِّي.
مَعَ الدَّلِيلِ الصَّارِفِ لَهُ إلَى الظِّهَارِ، كَانَ ظِهَارًا؛ إمَّا بِنِيَّةٍ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا.
وَإِنْ قَالَ: أُمِّي امْرَأَتِي.
أَوْ: مِثْلُ امْرَأَتِي.
لَمْ يَكُنْ ظِهَارًا؛ لِأَنَّهُ تَشْبِيهٌ لِأُمِّهِ، وَوَصْفٌ لَهَا، وَلَيْسَ بِوَصْفٍ لِامْرَأَتِهِ.
[الْفَصْلُ الثَّالِث قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ.
فَإِنْ نَوَى بِهِ الظِّهَارَ، فَهُوَ ظِهَارٌ، فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ.
وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ الطَّلَاقِ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، هُوَ ظِهَارٌ.
ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ.
وَذَكَرَهُ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ عَنْ عُثْمَانَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي قِلَابَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمَيْمُونَ بْنِ مِهْرَانَ، وَالْبَتِّيِّ، أَنَّهُمْ قَالُوا: الْحَرَامُ ظِهَارٌ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ يَمِينٌ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: إنَّ التَّحْرِيمَ يَمِينٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1] ثُمَّ قَالَ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2] وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ إذَا لَمْ يَنْوِ بِهِ الظِّهَارَ، لَيْسَ بِظِهَارٍ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ وَوَجْهُ ذَلِكَ الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ، وَأَنَّ التَّحْرِيمَ يَتَنَوَّعُ، مِنْهُ مَا هُوَ بِظِهَارٍ وَبِطَلَاقٍ وَبِحَيْضٍ وَإِحْرَامٍ وَصِيَامٍ، فَلَا يَكُونُ التَّحْرِيمُ صَرِيحًا فِي وَاحِدٍ مِنْهَا، وَلَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، كَمَا لَا يَنْصَرِفُ إلَى تَحْرِيمِ الطَّلَاقِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ تَحْرِيمٌ أَوْقَعَهُ فِي امْرَأَتِهِ، فَكَانَ بِإِطْلَاقِهِ ظِهَارًا، كَتَشْبِيهِهَا بِظَهْرِ أُمِّهِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ التَّحْرِيمَ يَتَنَوَّعُ.
قُلْنَا: إلَّا أَنَّ تِلْكَ الْأَنْوَاعَ مُنْتَفِيَةٌ، وَلَا يَحْصُلُ بِقَوْلِهِ مِنْهَا إلَّا الطَّلَاقُ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْهُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ تَبِينُ بِهِ الْمَرْأَةُ، وَهَذَا يُحَرِّمُهَا مَعَ بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ، فَكَانَ أَدْنَى التَّحْرِيمَيْنِ، فَكَانَ أَوْلَى.
فَأَمَّا إنْ قَالَ ذَلِكَ لَمُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِ بِحَيْضِ أَوْ نَحْوِهِ، وَقَصَدَ الظِّهَارَ، فَهُوَ ظِهَارٌ، وَإِنْ قَصَدَ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ بِذَلِكَ السَّبَبِ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ.
وَإِنْ أَطْلَقَ، فَلَيْسَ بِظِهَارٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْخَبَرَ عَنْ حَالهَا، وَيَحْتَمِلُ إنْشَاءَ التَّحْرِيمِ فِيهَا بِالظِّهَارِ، فَلَا يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ تَعْيِينٍ.
[فَصْلٌ قَالَ الزَّوْج الْحِلُّ عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ]
(6170) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: الْحِلُّ عَلَيَّ حَرَامٌ.
أَوْ: مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ.
أَوْ: مَا أَنْقَلِبُ إلَيْهِ حَرَامٌ.
وَلَهُ امْرَأَةٌ، فَهُوَ مُظَاهِرٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَقْتَضِي الْعُمُومَ، فَيَتَنَاوَلُ الْمَرْأَةَ بِعُمُومِهِ.
وَإِنْ صَرَّحَ بِتَحْرِيمِ الْمَرْأَةِ، أَوْ نَوَاهَا، فَهُوَ آكُدُ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي مَنْ قَالَ: مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ مِنْ أَهْلٍ
وَمَالٍ: عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ، هُوَ يَمِينٌ.
وَتُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ هَذَا.
وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ كَفَّارَتَانِ لِلظِّهَارِ وَلِتَحْرِيمِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ تَنَاوَلَهُمَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ انْفَرَدَ أَوْجَبَ كَفَّارَةً، فَكَذَلِكَ إذَا اجْتَمَعَا.
وَلَنَا أَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ فَلَا تُوجِبُ كَفَارَتَيْنِ، كَمَا لَوْ تَظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتَيْنِ، أَوْ حَرَّمَ مِنْ مَالِهِ شَيْئَيْنِ.
وَمَا ذَكَرَهُ يَنْتَقِضُ بِهَذَا.
وَفِي قَوْلِ أَحْمَدَ: هُوَ يَمِينٌ.
إشَارَةً إلَى التَّعْلِيلِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ الْوَاحِدَةَ لَا تُوجِبُ أَكْثَرَ مِنْ كَفَّارَةٍ.
وَإِنْ نَوَى بِقَوْلِهِ: مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ.
وَغَيْرِهِ مِنْ لَفْظَاتِ الْعُمُومِ الْمَالَ، لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا كَفَّارَةُ يَمِينٍ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْخَاصِّ.
وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الَّتِي تَقُولُ: إنَّ الْحَرَامَ بِإِطْلَاقِهِ لَيْسَ بِظِهَارٍ.
لَا يَكُونُ هَاهُنَا مُظَاهِرًا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الظِّهَارَ.
[فَصْل قَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي حَرَامٌ]
(6171) فَصْلٌ: وَإِنْ ` قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي حَرَامٌ.
فَهُوَ صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ، لَا يَنْصَرِفُ إلَى غَيْرِهِ، سَوَاءٌ نَوَى الطَّلَاقَ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ.
وَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ بِحَمْدِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالظِّهَارِ، وَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: حَرَامٌ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَظَهْرِ أُمِّي.
أَوْ: كَأُمِّي.
فَكَذَلِكَ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي، إذَا نَوَى الطَّلَاقَ فَهُوَ طَلَاقٌ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ: لَا أَقْبَلُ قَوْلَهُ فِي نَفْيِ الظِّهَارِ.
وَوَجْهُ قَوْلِهِمْ، أَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ.
إذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ فَهُوَ طَلَاقٌ، وَزِيَادَةُ قَوْلِهِ: كَظَهْرِ أُمِّي.
بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَنْفِي الطَّلَاقَ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ كَظَهْرِ أُمِّي.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَتَى بِصَرِيحِ الظِّهَارِ، فَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ التَّحْرِيمَ مَعَ نِيَّةِ الطَّلَاقِ طَلَاقٌ.
لَا نُسَلِّمُهُ.
وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ لَكِنَّهُ فَسَّرَ لَفْظَهُ هَاهُنَا بِصَرِيحِ الظِّهَارِ بِقَوْلِهِ، فَكَانَ الْعَمَلُ بِصَرِيحِ الْقَوْلِ أَوْلَى مِنْ الْعَمَلِ بِالنِّيَّةِ.
[فَصْلٌ قَالَ الزَّوْج أَنْتِ طَالِقٌ كَظَهْرِ أُمِّي]
(6172) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ كَظَهْرِ أُمِّي.
طَلُقَتْ، وَسَقَطَ قَوْلُهُ: كَظَهْرِ أُمِّي.
لِأَنَّهُ أَتَى بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ أَوَّلًا، وَجَعَلَ قَوْلَهُ: كَظَهْرِ أُمِّي صِفَةً لَهُ.
فَإِنْ نَوَى بِقَوْلِهِ: كَظَهْرِ أُمِّي.
تَأْكِيدَ الطَّلَاقِ، لَمْ يَكُنْ ظِهَارًا، كَمَا لَوْ أَطْلَقَ، وَإِنْ نَوَى بِهِ الظِّهَارَ، وَكَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا، فَهُوَ كَالظِّهَارِ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ بَعْدَ بَيْنُونَتِهَا بِالطَّلَاقِ.
وَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا، كَانَ ظِهَارًا صَحِيحًا.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِلَفْظِ الظِّهَارِ فِي مَنْ هِيَ زَوْجَةٌ.
وَإِنْ نَوَى بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ.
الظِّهَارَ، لَمْ يَكُنْ ظِهَارًا؛ لِأَنَّهُ نَوَى الظِّهَارَ بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي طَالِقٌ.
وَقَعَ الظِّهَارُ وَالطَّلَاقُ مَعًا، سَوَاءٌ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا، أَوْ رَجْعِيًّا؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ سَبَقَ الطَّلَاقَ.