باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
حُكْمُ حَالَةِ الْعَقْدِ، بِدَلِيلِ الْقَبْضِ فِيمَا يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِيهِ، وَثُبُوتِ الْخِيَارِ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ.
فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبُولِ، بَطَلَ الْإِيجَابُ؛ فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ مَعْنَاهُ، فَإِنَّ الْإِعْرَاضَ قَدْ وُجِدَ مِنْ جِهَتِهِ بِالتَّفَرُّقِ، فَلَا يَكُونُ قَبُولًا.
وَكَذَلِكَ إنْ تَشَاغَلَا عَنْهُ بِمَا يَقْطَعُهُ؛ لِأَنَّهُ مُعْرِضٌ عَنْ الْعَقْدِ أَيْضًا بِالِاشْتِغَالِ عَنْ قَبُولِهِ.
وَقَدْ نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ، عَنْ أَحْمَدَ، فِي رَجُلٍ مَشَى إلَيْهِ قَوْمٌ فَقَالُوا لَهُ: زَوِّجْ فُلَانًا.
قَالَ: قَدْ زَوَّجْته عَلَى أَلْفٍ.
فَرَجَعُوا إلَى الزَّوْجِ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: قَدْ قَبِلْت.
هَلْ يَكُونُ هَذَا نِكَاحًا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ وَكَّلَ مَنْ قَبِلَ الْعَقْدَ فِي الْمَجْلِسِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَسْأَلَةُ أَبِي طَالِبٍ تَتَوَجَّهُ عَلَى قَوْلَيْنِ.
وَاخْتَارَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْقَبُولِ فِي الْمَجْلِسِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[فَصْلٌ أَوْجَبَ النِّكَاحَ ثُمَّ زَالَ عَقْلُهُ بِجُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ]
(5297) فَصْلٌ: فَإِنْ أَوْجَبَ النِّكَاحَ، ثُمَّ زَالَ عَقْلُهُ بِجُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ، بَطَلَ حُكْمُ الْإِيجَابِ، وَلَمْ يَنْعَقِدْ بِالْقَبُولِ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يُضَامَّهُ الْقَبُولُ لَمْ يَكُنْ عَقْدًا، فَبَطَلَ بِزَوَالِ الْعَقْلِ، كَالْعُقُودِ الْجَائِزَةِ تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَالْجُنُونِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَإِنْ زَالَ عَقْلُهُ بِنَوْمٍ، لَمْ يَبْطُلْ حُكْمُ الْإِيجَابِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبْطِلُ الْعُقُودَ الْجَائِزَةَ، فَكَذَلِكَ هَذَا.
[فَصْلٌ لَا يَثْبُتُ فِي النِّكَاحِ خِيَارٌ]
(5298) فَصْلٌ: وَلَا يَثْبُتُ فِي النِّكَاحِ خِيَارٌ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَخِيَارُ الشَّرْطِ.
وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي هَذَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَاجَةَ غَيْرُ دَاعِيَةٍ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ فِي الْغَالِبِ إلَّا بَعْدَ تَرَوٍّ، وَفِكْرٍ، وَمَسْأَلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ عَنْ صَاحِبِهِ، وَالْمَعْرِفَةِ بِحَالِهِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ الْوَاقِعِ فِي الْأَسْوَاقِ مِنْ غَيْرِ فِكْرٍ وَلَا رَوِيَّةٍ؛ وَلِأَنَّ النِّكَاحَ لَيْسَ بِمُعَاوَضَةٍ مَحْضَةٍ، وَلِهَذَا لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعِلْمُ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ بِرُؤْيَةٍ وَلَا صِفَةٍ، وَيَصِحُّ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ الْعِوَضِ، وَمَعَ فَسَادِهِ؛ وَلِأَنَّ ثُبُوتَ الْخِيَارِ فِيهِ يُفْضِي إلَى فَسْخِهِ بَعْدَ ابْتِذَالِ الْمَرْأَةِ، فَإِنَّ فِي فَسْخِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ ضَرَرًا بِالْمَرْأَةِ، وَلِذَلِكَ أَوْجَبَ الطَّلَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ نِصْفَ الصَّدَاقِ.
[فَصْلٌ خُطْبَةُ النِّكَاحِ]
(5299) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْطُبَ الْعَاقِدُ أَوْ غَيْرُهُ قَبْلَ التَّوَاجُبِ، ثُمَّ يَكُونَ الْعَقْدُ بَعْدَهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ، فَهُوَ أَقْطَعُ» . وَقَالَ: «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا شَهَادَةٌ، فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ.» رَوَاهُمَا ابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى، وَيَتَشَهَّدَ، وَيُصَلِّيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْطُبَ بِخُطْبَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الَّتِي قَالَ: «عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ، وَالتَّشَهُّدَ فِي الْحَاجَةِ، قَالَ: التَّشَهُّدُ فِي الْحَاجَةِ: إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَيَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102] . وَ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1] . وَ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 70] ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [الأحزاب: 71] الْآيَةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
قَالَ الْخَلَّالُ: حَدَّثَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ إمَامُ طَرَسُوسَ، قَالَ: كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إذَا حَضَرَ عَقْدَ نِكَاحٍ لَمْ يُخْطَبْ فِيهِ بِخُطْبَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَامَ وَتَرَكَهُمْ.
وَهَذَا كَانَ مِنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ فِي اسْتِحْبَابِهَا، لَا عَلَى الْإِيجَابِ، فَإِنَّ حَرْبَ بْنَ إسْمَاعِيلَ قَالَ: قُلْت لِأَحْمَدَ: فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ خُطْبَةُ النِّكَاحِ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ؟ فَوَسَّعَ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ إذَا دُعِيَ لِيُزَوِّجَ قَالَ: لَا تَفْضُضُوا عَلَيْنَا النَّاسَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ، إنَّ فُلَانًا يَخْطُبُ إلَيْكُمْ، فَإِنْ أَنْكَحْتُمُوهُ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَإِنْ رَدَدْتُمُوهُ فَسُبْحَانَ اللَّهِ.
وَالْمُسْتَحَبُّ خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ يَخْطُبُهَا الْوَلِيُّ، أَوْ الزَّوْجُ، أَوْ غَيْرُهُمَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْمَسْنُونُ خُطْبَتَانِ، هَذِهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي أَوَّلِهِ، وَخُطْبَةٌ مِنْ الزَّوْجِ قَبْلَ قَبُولِهِ.
وَالْمَنْقُولُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ السَّلَفِ، خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ أَوْلَى مَا اُتُّبِعَ.
(5300) فَصْلٌ: وَالْخُطْبَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلِمْنَاهُ، إلَّا دَاوُد، فَإِنَّهُ أَوْجَبَهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَلَنَا «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَوِّجْنِيهَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَمْ يَذْكُرْ خُطْبَةً وَخُطِبَ إلَى عُمَرَ مَوْلَاةٌ لَهُ، فَمَا زَادَ عَلَى أَنْ قَالَ: قَدْ أَنْكَحْنَاكَ عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ، عَلَى إمْسَاكٍ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ تَسْرِيحٍ بِإِحْسَانٍ.
وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ: إنْ كَانَ الْحُسَيْنُ لِيُزَوِّجَ بَعْضَ بَنَاتِ الْحَسَنِ، وَهُوَ يَتَعَرَّقُ الْعَرَقَ.
رَوَاهُمَا ابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، قَالَ: «خَطَبْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَامَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَأَنْكَحَنِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَشَهَّدَ» . وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الْخُطْبَةُ كَالْبَيْعِ، وَمَا اسْتَدَلُّوا بِهِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْكَمَالِ بِدُونِ الْخُطْبَةِ، لَا عَلَى الْوُجُوبِ.
[فَصْلٌ إعْلَانُ النِّكَاحِ وَالضَّرْبُ فِيهِ بِالدُّفِّ]
(5301) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ إعْلَانُ النِّكَاحِ، وَالضَّرْبُ فِيهِ بِالدُّفِّ قَالَ أَحْمَدُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُظْهَرَ النِّكَاحُ، وَيُضْرَبَ
فِيهِ بِالدُّفِّ، حَتَّى يَشْتَهِرَ وَيُعْرَفَ.
وَقِيلَ لَهُ: مَا الدُّفُّ؟ قَالَ: هَذَا الدُّفُّ.
قَالَ: لَا بَأْسَ بِالْغَزَلِ فِي الْعُرْسِ بِمِثْلِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَنْصَارِ: «أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ، فَحَيُّونَا نُحَيِّيكُمْ، لَوْلَا الذَّهَبُ الْأَحْمَرُ مَا حَلَّتْ بِوَادِيكُمْ، وَلَوْلَا الْحِنْطَةُ السَّوْدَاءُ مَا سُرَّتْ عَذَارِيكُمْ.» لَا عَلَى مَا يَصْنَعُ النَّاسُ الْيَوْمَ.
وَمِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ: «وَلَوْلَا الْحِنْطَةُ الْحَمْرَاءُ، مَا سَمِنَتْ عَذَارِيكُمْ» . وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: يُسْتَحَبُّ ضَرْبُ الدُّفِّ، وَالصَّوْتُ فِي الْإِمْلَاكِ.
فَقِيلَ لَهُ: مَا الصَّوْتُ؟ قَالَ: يَتَكَلَّمُ وَيَتَحَدَّثُ وَيُظْهَرُ.
وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ حَاطِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالصَّوْتُ وَالدُّفُّ فِي النِّكَاحِ.» رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ» وَفِي لَفْظٍ: «أَظْهِرُوا النِّكَاحَ.» وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهِ بِالدُّفِّ، وَفِي لَفْظٍ: «وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالْغِرْبَالِ» . وَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا زَوَّجَتْ يَتِيمَةً رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ فِي مَنْ أَهْدَاهَا إلَى زَوْجِهَا، قَالَتْ: فَلَمَّا رَجَعْنَا قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " مَا قُلْتُمْ يَا عَائِشَةُ؟ ". قَالَتْ: سَلَّمْنَا، وَدَعَوْنَا بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ انْصَرَفْنَا.
فَقَالَ: " إنَّ الْأَنْصَارَ قَوْمٌ فِيهِمْ غَزَلٌ، أَلَا قُلْتُمْ يَا عَائِشَةُ: «أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ، فَحَيَّانَا وَحَيَّاكُمْ.» رَوَى هَذَا كُلَّهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَاجَهْ، فِي " سُنَنِهِ ".
وَقَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا بَأْسَ بِالدُّفِّ فِي الْعُرْسِ وَالْخِتَانِ، وَأَكْرَهُ الطَّبْلَ، وَهُوَ الْمُنْكَرُ، وَهُوَ الْكُوبَةُ، الَّتِي نَهَى عَنْهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
[فَصْلٌ نِكَاحُ السِّرِّ]
(5302) فَصْلٌ: فَإِنْ عَقَدَهُ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ، فَأَسَرُّوهُ، أَوْ تَوَاصَوْا بِكِتْمَانِهِ، كُرِهَ ذَلِكَ، وَصَحَّ النِّكَاحُ.
وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَمِمَّنْ كَرِهَ نِكَاحَ السِّرِّ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعُرْوَةُ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَنَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ النِّكَاحُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: إذَا تَزَوَّجَ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ: لَا، حَتَّى يُعْلِنَهُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالْحُجَّةُ لَهُمَا مَا تَقَدَّمَ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا.
وَلَنَا قَوْلُهُ: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ.» مَفْهُومُهُ انْعِقَادُهُ بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْإِظْهَارُ؛ وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ إظْهَارُهُ كَالْبَيْعِ، وَأَخْبَارُ الْإِعْلَانِ يُرَادُ بِهَا الِاسْتِحْبَابُ، بِدَلِيلِ أَمْرِهِ فِيهَا بِالضَّرْبِ بِالدُّفِّ وَالصَّوْتِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ، فَكَذَلِكَ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُ أَحْمَدَ لَا.
نَهْيُ كَرَاهَةٍ، فَإِنَّهُ قَدْ صَرَّحَ فِيمَا حَكَيْنَا عَنْهُ قَبْلَ هَذَا بِاسْتِحْبَابِ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ إعْلَانَ النِّكَاحِ وَالضَّرْبَ فِيهِ بِالدُّفِّ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْغَالِبِ بَعْدَ عَقْدِهِ، وَلَوْ كَانَ شَرْطًا لَاعْتُبِرَ حَالَ الْعَقْدِ، كَسَائِرِ الشُّرُوطِ.
[فَصْلٌ عَقْدُ النِّكَاحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ]
(5303) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ عَقْدُ النِّكَاحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ السَّلَفِ اسْتَحَبُّوا ذَلِكَ؛ مِنْهُمْ ضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ، وَرَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ، وَحَبِيبُ بْنُ عُتْبَةَ؛ وَلِأَنَّهُ يَوْمٌ شَرِيفٌ، وَيَوْمُ عِيدٍ، فِيهِ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَالْمِسَايَةُ أَوْلَى.
فَإِنَّ أَبَا حَفْصٍ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَسُّوا بِالْإِمْلَاكِ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ.» وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى مَقْصُودِهِ، وَأَقَلُّ لِانْتِظَارِهِ.
[فَصْلٌ يُقَالُ لِلْمُتَزَوِّجِ بَارَكَ اللَّهُ لَك وَبَارَكَ عَلَيْك وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ وَعَافِيَةٍ]
(5304) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَالَ لِلْمُتَزَوِّجِ: بَارَكَ اللَّهُ لَك، وَبَارَكَ عَلَيْك، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ وَعَافِيَةٍ.
وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَثَرَ صُفْرَةٍ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ . فَقَالَ: إنِّي تَزَوَّجْت امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ.
قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَك، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: وَزْنُ النَّوَاةِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ مَثَاقِيلَ وَنِصْفٌ مِنْ الذَّهَبِ.
وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: الصَّوَابُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ أَنْ يُقَالَ: عَلَى نَوَاةٍ.
فَحَسْبُ، فَإِنَّ النَّوَاةَ عِنْدَهُمْ اسْمٌ لِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ، كَمَا أَنَّ الْأُوقِيَّةَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَالنَّشَّ عِشْرُونَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ مَا يَقُولُ إذَا زُفَّتْ إلَيْهِ]
(5305) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ إذَا زُفَّتْ إلَيْهِ، مَا رَوَى صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ، فِي " مَسَائِلِهِ "، عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا دَاوُد عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدَ، قَالَ: تَزَوَّجَ، فَحَضَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَحُذَيْفَةُ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ، فَقَدَّمُوهُ وَهُوَ مَمْلُوكٌ، فَصَلَّى بِهِمْ، ثُمَّ قَالُوا لَهُ: إذَا دَخَلْت عَلَى أَهْلِك فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خُذْ بِرَأْسِ أَهْلِك، فَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لِي فِي أَهْلِي، وَبَارِكْ لِأَهْلِي فِي، وَارْزُقْهُمْ مِنِّي، وَارْزُقْنِي مِنْهُمْ.
ثُمَّ شَأْنَك وَشَأْنَ أَهْلِك.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً أَوْ اشْتَرَى خَادِمًا، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ.
وَإِذَا اشْتَرَى بَعِيرًا، فَلْيَأْخُذْ بِذُرْوَةِ سَنَامِهِ، وَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ.»
[لَيْسَ لِلْحُرِّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ]
(5306) ؛ قَالَ: (وَلَيْسَ لِلْحُرِّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُ مِنْهُمْ، إلَّا شَيْئًا يُحْكَى عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ إبْرَاهِيمَ، أَنَّهُ أَبَاحَ تِسْعًا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3] . وَالْوَاوُ لِلْجَمْعِ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاتَ عَنْ تِسْعٍ.
وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَتَرْكٌ لِلسُّنَّةِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ لِغَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ، حِينَ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ: أَمْسِكْ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» .
وَقَالَ نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: «أَسْلَمْت وَتَحْتِي خَمْسُ نِسْوَةٍ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَارِقْ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ.» رَوَاهُمَا الشَّافِعِيُّ، فِي " مُسْنَدِهِ ". وَإِذَا مُنِعَ مِنْ اسْتِدَامَةِ زِيَادَةٍ عَنْ أَرْبَعٍ، فَالِابْتِدَاءُ أَوْلَى، فَالْآيَةُ أُرِيدَ بِهَا التَّخْيِيرُ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثٍ وَأَرْبَعٍ، كَمَا قَالَ: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: 1] . وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ لِكُلِّ مَلَكٍ تِسْعَةَ أَجْنِحَةٍ، وَلَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَقَالَ: تِسْعَةً.
وَلَمْ يَكُنْ لِلتَّطْوِيلِ مَعْنًى، وَمَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا فَقَدْ جَهِلَ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ.
وَأَمَّا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَخْصُوصٌ بِذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ.
[لِلْعَبْدِ أَنْ يَنْكِحَ اثْنَتَيْنِ]
(5307) ؛ قَالَ: (وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَجْمَعَ إلَّا اثْنَتَيْنِ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ لِلْعَبْدِ أَنْ يَنْكِحَ اثْنَتَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا فِي إبَاحَةِ الْأَرْبَعِ، فَمَذْهَبُ أَحْمَدَ، أَنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ إلَّا اثْنَتَانِ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَلِيٍّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمُ
بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَرَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ،، وَدَاوُد: لَهُ نِكَاحُ أَرْبَعٍ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ؛ وَلِأَنَّ هَذَا طَرِيقُهُ اللَّذَّةُ وَالشَّهْوَةُ، فَسَاوَى الْعَبْدُ الْحُرَّ فِيهِ، كَالْمَأْكُولِ.
وَلَنَا قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ، فَكَانَ إجْمَاعًا.
وَقَدْ رَوَى لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، قَالَ: أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَنْكِحُ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَتَيْنِ
وَيُقَوِّي هَذَا مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَأَلَ النَّاسَ: كَمْ يَتَزَوَّجُ الْعَبْدُ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: بِاثْنَتَيْنِ، وَطَلَاقُهُ بِاثْنَتَيْنِ.
فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، فَلَمْ يُنْكَرْ، وَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَةِ، عَلَى أَنَّ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الْأَحْرَارِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] . وَيُفَارِقُ النِّكَاحُ الْمَأْكُولَ، فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّفَضُّلِ.
وَلِهَذَا فَارَقَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ أُمَّتَهُ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ مِلْكًا، وَالْعَبْدُ يَنْقُصُ فِي الْمِلْكِ عَنْ الْحُرِّ.
[تَسَرِّي الْعَبْدِ]
(5308) ؛ قَالَ: (وَلَهُ أَنْ يَتَسَرَّى بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَكَرِهَ ذَلِكَ ابْنُ سِيرِينَ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ هَلْ يَمْلِكُ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ أَوْ لَا؟ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ فِي تَسْرِي الْعَبْدِ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ.
وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ الْمَالَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْوَطْءُ إلَّا فِي نِكَاحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: 6] ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: 7] .
وَلَنَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا.
رَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَتَسَرَّى الْعَبْدُ، وَنَحْوَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَلِأَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ النِّكَاحَ، فَمَلَكَ التَّسَرِّيَ، كَالْحُرِّ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ الْمَالَ.
مَمْنُوعٌ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا، وَلَهُ مَالٌ.» فَجَعَلَ الْمَالَ لَهُ؛ وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ، فَمَلَكَ الْمَالَ كَالْحُرِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِآدَمِيَّتِهِ يَتَمَهَّدُ لِأَهْلِيَّةِ الْمِلْكِ، إذْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْأَمْوَالَ لِلْآدَمِيِّينَ.
لِيَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى الْقِيَامِ بِوَظَائِفِ التَّكَالِيفِ، وَأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29] . وَالْعَبْدُ دَاخِلٌ فِي الْعُمُومِ، وَمِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ وَالْعِبَادَاتِ، فَيَكُونُ أَهْلًا لِلْمِلْكِ، وَلِذَلِكَ مَلَكَ فِي النِّكَاحِ، وَإِذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْجَنِينِ، مَعَ كَوْنِهِ نُطْفَةً لَا حَيَاةَ فِيهَا، بِاعْتِبَارِ مَآلِهِ إلَى الْآدَمِيَّةِ، فَالْعَبْدُ الَّذِي هُوَ آدَمِيٌّ مُكَلَّفٌ أَوْلَى.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّسَرِّي إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَوْ مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ جَارِيَةً، لَمْ يُبَحْ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ نَاقِصٌ، وَلِسَيِّدِهِ نَزْعُهُ مِنْهُ مَتَى شَاءَ مِنْ غَيْرِ فَسْخِ عَقْدٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ
فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فَقَالَ: تَسَرَّاهَا.
أَوْ: أَذِنْت لَك فِي وَطْئِهَا.
أَوْ مَا دَلَّ عَلَيْهِ، أُبِيحَ لَهُ، وَمَا وُلِدَ لَهُ مِنْ التَّسَرِّي فَحُكْمُهُ حُكْمُ مِلْكِهِ؛ لِأَنَّ الْجَارِيَةَ مَمْلُوكَةٌ لَهُ، فَكَذَلِكَ وَلَدُهَا.
وَإِنْ تَسَرَّى بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، فَالْوَلَدُ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ.
(5309) فَصْلٌ: وَلَهُ التَّسَرِّي بِمَا شَاءَ، إذَا أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي ذَلِكَ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ التَّسَرِّي، جَازَ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ كَالْحُرِّ.
فَإِنْ أَذِنَ لَهُ وَأَطْلَقَ التَّسَرِّيَ تَسَرَّى بِوَاحِدَةٍ.
وَكَذَلِكَ إذَا أَذِنَ لَهُ فِي التَّزْوِيجِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ
وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَأَبُو ثَوْرٍ: إذَا أَذِنَ لَهُ فِي التَّزْوِيجِ، فَعَقَدَ عَلَى اثْنَتَيْنِ فِي عَقْدٍ، جَازَ.
وَلَنَا أَنَّ الْإِذْنَ الْمُطْلَقَ يَتَنَاوَلُ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ يَقِينًا، وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي طَلَاقِ امْرَأَتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ.
وَلِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْوَاحِدَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُرَادٍ، فَيَبْقَى عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ، كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ أَذِنَ لَهُ أَوْ لَا؟ .
[فَصْلٌ الْمُكَاتَبُ كَالْعَبْدِ الْقِنِّ لَا يَتَزَوَّجُ وَلَا يَتَسَرَّى إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ]
(5310) فَصْلٌ: وَالْمُكَاتَبُ كَالْعَبْدِ الْقِنِّ، لَا يَتَزَوَّجُ وَلَا يَتَسَرَّى إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إتْلَافًا لِلْمَالِ الَّذِي فِي يَدَيْهِ، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ.» وَأَمَّا الْمُعْتَقُ بَعْضُهُ، فَإِذَا مَلَكَ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ جَارِيَةً، فَمِلْكُهُ تَامٌّ، وَلَهُ الْوَطْءُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] وَلِأَنَّ مِلْكَهُ عَلَيْهَا تَامٌّ، لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِمَا شَاءَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، فَكَذَلِكَ الْوَطْءُ، وَمَا فِيهِ مِنْ الرِّقِّ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ اسْتِيفَاءِ مَا يَمْلِكُهُ، كَمَا لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ وَيَأْكُلَ مَا مَلَكَهُ بِنِصْفِهِ الْحُرِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: حُكْمُهُ حُكْمُ الْقِنِّ.
وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ كَقَوْلِنَا، وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ بِنِصْفِهِ الْحُرِّ وَحْدَهُ، وَكَذَلِكَ مَنَعْنَاهُ التَّزْوِيجَ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ وَلَنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِسَيِّدِهِ فِيهَا، وَلَا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ بِاسْتِمْتَاعِهِ مِنْهَا، فَلَمْ يُعْتَبَرْ إذْنُهُ فِيهَا، كَاسْتِخْدَامِهَا، وَأَمَّا التَّزْوِيجُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ بِهِ حُقُوقٌ تَتَعَلَّقُ بِجُمْلَتِهِ فَاعْتُبِرَ رِضَا السَّيِّدِ، لِيَكُونَ رَاضِيًا بِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِمِلْكِهِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، فَإِنَّ الْحَقَّ لَهُ لَا عَلَيْهِ.
فَأَمَّا إنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِيهِ جَازَ، إلَّا عِنْدَ مَنْ مَنَعَ الْعَبْدَ التَّسَرِّيَ؛ لِأَنَّهُ كَالْقِنِّ فِي قَوْلِهِمْ
[فَصْلٌ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَسَرَّى إذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ]
(5311) فَصْلٌ: نَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ مَاهَانَ، عَنْ أَحْمَدَ: لَا بَأْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَسَرَّى إذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ، فَإِنْ رَجَعَ السَّيِّدُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إذَا أَذِنَ لَهُ مَرَّةً وَتَسَرَّى، وَكَذَلِكَ نَقَلَ عَنْهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ، وَلَمْ أَرَ عَنْهُ خِلَافَ هَذَا، فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ إذَا تَسَرَّى بِإِذْنِ السَّيِّدِ لَمْ يَمْلِكْ السَّيِّدُ الرُّجُوعَ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ بِهِ الْبُضْعَ، فَلَمْ يَمْلِكْ سَيِّدُهُ فَسْخَهُ، قِيَاسًا عَلَى النِّكَاحِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالتَّسَرِّي هَاهُنَا التَّزْوِيجَ وَسَمَّاهُ تَسَرِّيًا مَجَازًا، وَيَكُونُ لِلسَّيِّدِ الرُّجُوعُ فِيمَا مَلَكَ عَبْدُهُ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ خِلَافُ هَذَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَلَّكَهُ بُضْعًا أُبِيحَ لَهُ وَطْؤُهُ، فَلَمْ يَمْلِكْ رُجُوعَهُ فِيهِ، كَمَا لَوْ زَوَّجَهُ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ مُنَاقِضٌ لِمَا ذَكَرَ قَبْلَهُ فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ، مِنْ قَوْلِهِ: وَلِسَيِّدِهِ نَزْعُهُ مِنْهُ مَتَى شَاءَ مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ.
[مَتَى طَلَّقَ الْحُرُّ أَوْ الْعَبْدُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا]
(5312) قَالَ: (وَمَتَى طَلَّقَ الْحُرُّ أَوْ الْعَبْدُ طَلَاقًا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ أَوْ لَا يَمْلِكُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، وَكَذَلِكَ إذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ أَرْبَعٍ، لَمْ يَتَزَوَّجْ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إذَا طَلَّقَ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ) . وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً، حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا عَلَى التَّأْبِيدِ، وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ أُخْتُهَا وَعَمَّتُهَا وَخَالَتُهَا وَبِنْتُ أَخِيهَا وَبِنْتُ أُخْتِهَا تَحْرِيمَ جَمْعٍ وَكَذَلِكَ إنْ تَزَوَّجَ الْحُرُّ أَرْبَعًا، حَرُمَتْ الْخَامِسَةُ تَحْرِيمَ جَمْعٍ وَإِنْ تَزَوَّجَ الْعَبْدُ اثْنَتَيْنِ، حَرُمَتْ الثَّالِثَةُ تَحْرِيمَ جَمْعٍ فَإِذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا، فَالتَّحْرِيمُ بَاقٍ بِحَالِهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا أَوْ فَسْخًا، فَكَذَلِكَ عِنْدَ إمَامِنَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَمُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعُرْوَةُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ: لَهُ نِكَاحُ جَمِيعِ مَنْ سَمَّيْنَا فِي تَحْرِيمِ الْجَمْعِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ الْجَمْعُ
بَيْنَهُمَا فِي النِّكَاحِ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] أَيْ: نِكَاحُهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 23] مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، وَالْبَائِنُ لَيْسَتْ فِي نِكَاحِهِ؛ وَلِأَنَّهَا بَائِنٌ فَأَشْبَهَتْ الْمُطَلَّقَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَلَنَا قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَرُوِيَ عَنْ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى شَيْءٍ كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَرْبَعٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَنْ لَا تُنْكَحَ امْرَأَةٌ فِي عِدَّةِ أُخْتِهَا وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَجْمَعْ مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ» وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، قَالَ: كَانَ لِلْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، فَطَلَّقَ وَاحِدَةً أَلْبَتَّةَ، وَتَزَوَّجَ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ فَعَابَ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ، وَلَيْسَ كُلُّهُمْ عَابَهُ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: إذَا عَابَ عَلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ فَأَيُّ شَيْءٍ بَقِيَ؟ ،. وَلِأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ عَنْ النِّكَاحِ لِحَقِّهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا؛ وَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ فِي حَقِّهِ، أَشْبَهَتْ الرَّجْعِيَّةَ، وَفَارَقَ الْمُطَلَّقَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا.
[فَصْلٌ أَسْلَمَ زَوْجُ الْمَجُوسِيَّةِ أَوْ الْوَثَنِيَّةِ]
(5313) فَصْلٌ: وَلَوْ أَسْلَمَ زَوْجُ الْمَجُوسِيَّةِ أَوْ الْوَثَنِيَّةِ، أَوْ انْفَسَخَ النِّكَاحُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِخُلْعٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ فُسِخَ بِعَيْبٍ أَوْ إعْسَارٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَحَدًا مِمَّنْ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا سَوَاءٌ قُلْنَا بِتَعْجِيلِ الْفُرْقَةِ أَوْ لَمْ نَقُلْ.
وَإِنْ أَسْلَمَتْ زَوْجَتُهُ، فَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا فِي عِدَّتِهَا، ثُمَّ أَسْلَمَا فِي عِدَّةِ الْأُولَى اخْتَارَ مِنْهُمَا وَاحِدَةً، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهُمَا مَعًا.
وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْأُولَى، بَانَتْ، وَثَبَتَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ.
[فَصْلٌ أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ أَوْ أَمَةً كَانَ يُصِيبُهَا]
(5314) فَصْلٌ: إذَا أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ أَوْ أَمَةً كَانَ يُصِيبُهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ اسْتِبْرَاؤُهَا.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي أُمِّ الْوَلَدِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً، وَلَا فِي عِدَّةٍ مِنْ نِكَاحٍ وَلَنَا، أَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ مِنْهُ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ نِكَاحُ أُخْتِهَا، كَالْمُعْتَدَّةِ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ مَاؤُهُ فِي رَحِمِهَا، فَيَكُونَ دَاخِلًا فِي عُمُومِ مَنْ جَمَعَ مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ نِكَاحِ أَرْبَعٍ سِوَاهَا.
وَمَنَعَهُ زُفَرُ وَهُوَ غَلَطٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ قَبْلَ إعْتَاقِهَا، فَبَعْدَهُ أَوْلَى.
[فَصْلٌ لَا يُمْنَعُ مِنْ نِكَاحِ أَمَةٍ فِي عِدَّةِ حُرَّةٍ بَائِنٍ]
(5315) فَصْلٌ: وَلَا يُمْنَعُ مِنْ نِكَاحِ أَمَةٍ فِي عِدَّةِ حُرَّةٍ بَائِنٌ وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي صُلْبِ نِكَاحِهَا،
وَلَنَا أَنَّهُ عَادِمٌ لِلطَّوْلِ، خَائِفٌ لِلْعَنَتِ، فَأُبِيحَ لَهُ نِكَاحُهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا﴾ [النساء: 25] الْآيَةَ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي صُلْبِ نِكَاحِ الْحُرَّةِ، بَلْ يَجُوزُ إذَا تَحَقَّقَ الشَّرْطَانِ.
[فَصْلٌ إنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأُخْتِهَا]
(5316) فَصْلٌ: وَإِنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأُخْتِهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، وَحُكْمُ الْعِدَّةِ مِنْ الزِّنَا وَالْعِدَّةِ مِنْ وَطْءِ الشُّبْهَةِ كَحُكْمِ الْعِدَّةِ مِنْ النِّكَاحِ فَإِنْ زَنَى بِأُخْتِ امْرَأَتِهِ فَقَالَ أَحْمَدُ: يُمْسِكُ عَنْ وَطْءِ امْرَأَتِهِ حَتَّى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ وَقَدْ ذُكِرَ عَنْهُ فِي الْمَزْنِيِّ بِهَا أَنَّهَا تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ مِنْ غَيْرِ نِكَاحٍ، وَلَا أَحْكَامَهُ أَحْكَامُ النِّكَاحِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَحْرُمَ بِذَلِكَ أُخْتُهَا، وَلَا أَرْبَعٌ سِوَاهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَنْكُوحَةً، وَمُجَرَّدُ الْوَطْءِ لَا يَمْنَعُ، بِدَلِيلِ الْوَطْءِ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ لَا يَمْنَعُ أَرْبَعًا سِوَاهَا.
[فَصْلٌ ادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّ امْرَأَتَهُ أَخْبَرَتْهُ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فِي مُدَّةٍ يَجُوزُ انْقِضَاؤُهَا فِيهَا وَكَذَّبَتْهُ]
(5317) فَصْلٌ: وَإِذَا ادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّ امْرَأَتَهُ أَخْبَرَتْهُ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فِي مُدَّةٍ يَجُوزُ انْقِضَاؤُهَا فِيهَا، وَكَذَّبَتْهُ أُبِيحَ لَهُ نِكَاحُ أُخْتِهَا وَأَرْبَعٍ سِوَاهَا فِي الظَّاهِرِ، فَأَمَّا فِي الْبَاطِنِ فَيُبْنَى عَلَى صِدْقِهِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي نَفْيِ نَفَقَتِهَا وَسُكْنَاهَا وَنَفْيِ النَّسَبِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا وَلِوَلَدِهَا، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ زُفَرُ: لَا يُصَدَّقُ فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ قَوْلٌ وَاحِدٌ لَا يُصَدَّقُ فِي بَعْضِ حُكْمِهِ، فَلَا يُصَدَّقُ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ، قِيَاسًا لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ الْوَاحِدُ صِدْقًا وَكَذِبًا، وَلَنَا أَنَّهُ قَوْلٌ يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ حَقٍّ لِغَيْرِهِ، وَحَقًّا لَهُ لَا ضَرَرَ عَلَى غَيْرِهِ فِيهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُصَدَّقَ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّ الْبَائِعَ كَانَ أَعْتَقَهُ، صُدِّقَ فِي حُرِّيَّتِهِ، وَلَمْ يُصَدَّقْ فِي الرُّجُوعِ بِثَمَنِهِ.
وَكَمَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّ امْرَأَتَهُ أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ قَبْلَ الدُّخُولِ، صُدِّقَ فِي بَيْنُونَتِهَا وَتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يُصَدَّقْ فِي سُقُوطِ مَهْرِهَا.
[مَسْأَلَةٌ خَطَبَ امْرَأَةً فَزُوِّجَ بِغَيْرِهَا]
(5318) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ خَطَبَ امْرَأَةً فَزُوِّجَ بِغَيْرِهَا، لَمْ يَنْعَقِدْ النِّكَاحُ) مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ امْرَأَةً بِعَيْنِهَا، فَيُجَابَ إلَى ذَلِكَ، ثُمَّ يُوجَبُ لَهُ النِّكَاحُ فِي غَيْرِهَا، وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا الَّتِي خَطَبَهَا، فَيَقْبَلُ، فَلَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ انْصَرَفَ إلَى غَيْرِ مَنْ وُجِدَ الْإِيجَابُ فِيهِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ سَاوَمَهُ بِثَوْبٍ وَأَوْجَبَ الْعَقْدَ فِي غَيْرِهِ بِغَيْرِ عِلْمِ الْمُشْتَرِي، فَلَوْ عَلِمَ الْحَالَ بَعْدَ ذَلِكَ،
فَرَضِيَ، لَمْ يَصِحَّ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رَجُلٍ خَطَبَ جَارِيَةً، فَزَوَّجُوهُ أُخْتَهَا، ثُمَّ عَلِمَ بَعْدُ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَيَكُونُ الصَّدَاقُ عَلَى وَلِيِّهَا؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ، وَيُجَهِّزُ إلَيْهِ أُخْتَهَا الَّتِي خَطَبَهَا بِالصَّدَاقِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ قَدْ وَلَدَتْ مِنْهُ، يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ.
وَقَوْلُهُ: يُجَهِّزُ إلَيْهِ أُخْتَهَا يَعْنِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - بِعَقْدٍ جَدِيدٍ، بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ هَذِهِ إنْ كَانَ أَصَابَهَا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الَّذِي عَقَدَهُ لَمْ يَصِحَّ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ صَدَرَ فِي إحْدَاهُمَا، وَالْقَبُولَ فِي الْأُخْرَى، فَلَمْ يَنْعَقِدْ فِي هَذِهِ وَلَا فِي تِلْكَ فَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى تَجْدِيدِ عَقْدٍ فِي إحْدَاهُمَا أَيَّتَهُمَا كَانَ، جَازَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ أُخْتُهَا: لَهَا الْمَهْرُ بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، وَلِأُخْتِهَا الْمَهْرُ.
قِيلَ: يَلْزَمُهُ مَهْرَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَيَرْجِعُ عَلَى وَلِيِّهَا، هَذِهِ مِثْلُ الَّتِي بِهَا بَرَصٌ أَوْ جُذَامٌ.
عَلِيٌّ يَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْهِ غُرْمٌ وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي امْرَأَةٍ جَاهِلَةٍ بِالْحَالِ أَوْ بِالتَّحْرِيمِ.
أَمَّا إذَا عَلِمَتْ أَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً، وَأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ، وَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ لَهَا صَدَاقٌ؛ لِأَنَّهَا زَانِيَةٌ مُطَاوِعَةٌ، فَأَمَّا إنْ جَهِلَتْ الْحَالَ فَلَهَا الْمَهْرُ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي رَجُلَيْنِ تَزَوَّجَا امْرَأَتَيْنِ، فَزُفَّتْ كُلُّ امْرَأَةٍ إلَى زَوْجِ الْأُخْرَى: لَهُمَا الصَّدَاقُ، وَيَعْتَزِلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا امْرَأَتَهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا.
وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
[فَصْلٌ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ النِّكَاحِ تَعْيِينُ الزَّوْجَيْنِ]
(5319) فَصْلٌ: مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ النِّكَاحِ تَعْيِينُ الزَّوْجَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ عَاقِدٍ وَمَعْقُودٍ عَلَيْهِ يَجِبُ تَعْيِينُهُمَا، كَالْمُشْتَرِي وَالْمَبِيعِ، ثُمَّ يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ حَاضِرَةً، فَقَالَ: زَوَّجْتُك هَذِهِ صَحَّ، فَإِنَّ الْإِشَارَةَ تَكْفِي فِي التَّعْيِينِ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: بِنْتِي هَذِهِ، أَوْ هَذِهِ فُلَانَةُ كَانَ تَأْكِيدًا، وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً فَقَالَ: زَوَّجْتُك بِنْتِي وَلَيْسَ لَهُ سِوَاهَا جَازَ.
فَإِنْ سَمَّاهَا بِاسْمِهَا مَعَ ذَلِكَ، كَانَ تَأْكِيدًا.
فَإِنْ كَانَ لَهُ ابْنَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ، فَقَالَ: زَوَّجْتُك ابْنَتِي لَمْ يَصِحَّ حَتَّى يَضُمَّ إلَى ذَلِكَ مَا تَتَمَيَّزُ بِهِ، مِنْ اسْمٍ أَوْ صِفَةٍ، فَيَقُولَ: زَوَّجْتُك ابْنَتِي الْكُبْرَى أَوْ الْوُسْطَى أَوْ الصُّغْرَى فَإِنْ سَمَّاهَا مَعَ ذَلِكَ كَانَ تَأْكِيدًا
وَإِنْ قَالَ: زَوَّجْتُك ابْنَتِي عَائِشَةَ أَوْ فَاطِمَةَ صَحَّ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ اسْمُهَا فَاطِمَةُ، فَقَالَ: زَوَّجْتُك فَاطِمَةَ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاسْمَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْفَوَاطِمِ، حَتَّى يَقُولَ مَعَ ذَلِكَ: ابْنَتِي.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يَصِحُّ إذَا نَوَيَاهَا جَمِيعًا.
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ تُعْتَبَرُ فِيهِ الشَّهَادَةُ عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُ أَدَاؤُهَا إذَا ثَبَتَ بِهِ الْعَقْدُ، وَهَذَا مُتَعَذِّرٌ فِي النِّيَّةِ، وَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ: زَوَّجْتُك ابْنَتِي وَلَهُ بَنَاتٌ لَمْ يَصِحَّ حَتَّى يُمَيِّزَهَا بِلَفْظِهِ وَإِنْ قَالَ: زَوَّجْتُك فَاطِمَةَ ابْنَةَ فُلَانٍ احْتَاجَ أَنْ يَرْفَعَ فِي نَسَبِهَا حَتَّى يَبْلُغَ مَا تَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ النِّسَاءِ.
[فَصْلٌ لَهُ ابْنَتَانِ كُبْرَى وَصُغْرَى فَقَالَ زَوَّجْتُك الْكُبْرَى وَقَبِلَ الزَّوْجُ ذَلِكَ وَهُمَا يَنْوِيَانِ الصُّغْرَى]
(5320) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ لَهُ ابْنَتَانِ، كُبْرَى اسْمُهَا عَائِشَةُ وَصُغْرَى اسْمُهَا فَاطِمَةُ فَقَالَ: زَوَّجْتُك ابْنَتِي عَائِشَةَ وَقَبِلَ الزَّوْجُ ذَلِكَ، وَهُمَا يَنْوِيَانِ الصُّغْرَى، لَمْ يَصِحَّ.
ذَكَرَهُ أَبُو حَفْصٍ وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ فِي الَّتِي نَوَيَاهَا، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا لَمْ يَتَلَفَّظَا بِمَا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: زَوَّجْتُك عَائِشَةَ فَقَطْ أَوْ مَا لَوْ قَالَ: زَوَّجْتُك ابْنَتِي وَلَمْ يُسَمِّهَا، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ فِيمَا إذَا لَمْ يُسَمِّهَا، فَفِيمَا إذَا سَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا أَوْلَى أَنْ لَا يَصِحَّ وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ حَتَّى تُذْكَرَ الْمَرْأَةُ بِمَا تَتَمَيَّزُ بِهِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ، فَإِنَّ اسْمَ أُخْتِهَا لَا يُمَيِّزُهَا، بَلْ يَصْرِفُ الْعَقْدَ عَنْهَا.
وَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ يُرِيدُ الْكُبْرَى، وَالزَّوْجُ يَقْصِدُ الصُّغْرَى، لَمْ يَصِحَّ، كَمَسْأَلَةِ الْخِرَقِيِّ، فِيمَا إذَا خَطَبَ امْرَأَةً وَزُوِّجَ غَيْرَهَا؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ انْصَرَفَ إلَى غَيْرِ مَنْ وُجِدَ الْإِيجَابُ فِيهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ إذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ ذَلِكَ مَا يَصْرِفُ الْقَبُولَ إلَى الصُّغْرَى، مِنْ خِطْبَةٍ وَنَحْوِهَا، فَإِنَّ الْعَقْدَ بِلَفْظِهِ مُتَنَاوِلٌ لِلْكُبْرَى، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَصْرِفُهُ عَنْهَا، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ نَوَيَاهَا.
وَلَوْ نَوَى الْوَلِيُّ الصُّغْرَى، وَالزَّوْجُ الْكُبْرَى، أَوْ نَوَى الْوَلِيُّ الْكُبْرَى، وَلَمْ يَدْرِ الزَّوْجُ أَيَّتَهُمَا هِيَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَصِحُّ التَّزْوِيجُ، لِعَدَمِ النِّيَّةِ مِنْهُمَا فِي الَّتِي يَتَنَاوَلُهَا لَفْظُهُمَا.
وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ يَصِحُّ فِي الْمُعَيَّنَةِ بِاللَّفْظِ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
[فَصْلٌ كَانَ لَهُ ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ لِرَجُلٍ زَوَّجْتُك ابْنَتِي وَسَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا]
(5321) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ لَهُ ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ، فَقَالَ لِرَجُلٍ: زَوَّجْتُك ابْنَتِي وَسَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، فَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ابْنَتِي آكَدُ مِنْ التَّسْمِيَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا مُشَارَكَةَ فِيهَا، وَالِاسْمُ مُشْتَرَكٌ.
وَلَوْ قَالَ: زَوَّجْتُك هَذِهِ وَأَشَارَ إلَيْهَا، وَسَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، يَجِبُ أَنْ يَصِحَّ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ.
[فَصْلٌ قَالَ زَوَّجْتُك حَمْلَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ]
(5322) فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ: زَوَّجْتُك حَمْلَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الْبَنَاتِ قَبْلَ الظُّهُورِ، فِي غَيْرِ الْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّ فِي الْبَطْنِ بِنْتًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: زَوَّجْتُك مَنْ فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَهُمَا لَا يَعْلَمَانِ مَنْ فِيهَا.
وَلَوْ قَالَ: إذَا وَلَدَتْ امْرَأَتِي بِنْتًا زَوَّجْتُكَهَا.
لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلنِّكَاحِ عَلَى شَرْطٍ، وَالنِّكَاحُ لَا يَتَعَلَّقُ عَلَى شَرْطٍ؛ وَلِأَنَّ هَذَا مُجَرَّدُ وَعْدٍ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ عَقْدٌ.
[تَزَوَّجَهَا وَشَرَطَ لَهَا أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا أَوْ بَلَدِهَا]
قَالَ: (وَإِذَا تَزَوَّجَهَا، وَشَرَطَ لَهَا أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا أَوْ بَلَدِهَا فَلَهَا شَرْطُهَا لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أَحَقُّ مَا أَوْفَيْتُمْ بِهِ مِنْ الشُّرُوطِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» وَإِنْ تَزَوَّجَهَا، وَشَرَطَ لَهَا أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، فَلَهَا فِرَاقُهُ إذَا تَزَوَّجَ عَلَيْهَا)
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الشُّرُوطَ فِي النِّكَاحِ تَنْقَسِمُ أَقْسَامًا ثَلَاثَةً، أَحَدُهَا مَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَهُوَ مَا يَعُودُ إلَيْهَا نَفْعُهُ وَفَائِدَتُهُ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ لَهَا أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا أَوْ بَلَدِهَا أَوْ لَا يُسَافِرَ بِهَا، أَوْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، وَلَا يَتَسَرَّى عَلَيْهَا، فَهَذَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ لَهَا بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَهَا فَسْخُ النِّكَاحِ.
يُرْوَى هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَمُعَاوِيَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَطَاوُسٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَأَبْطَلَ هَذِهِ الشُّرُوطَ الزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ وَهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: وَيَفْسُدُ الْمَهْرُ دُونَ الْعَقْدِ، وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ» وَهَذَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ.
لِأَنَّ الشَّرْعَ لَا يَقْتَضِيهِ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا، أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» وَهَذَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ، وَهُوَ التَّزْوِيجُ وَالتَّسَرِّي وَالسَّفَرُ؛ وَلِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ لَيْسَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَقْدِ وَلَا مُقْتَضَاهُ، وَلَمْ يُبْنَ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ، فَكَانَ فَاسِدًا، كَمَا لَوْ شَرَطَتْ أَنْ لَا تُسَلِّمَ نَفْسَهَا.
وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ أَحَقَّ مَا وَفَّيْتُمْ بِهِ مِنْ الشُّرُوطِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» رَوَاهُ سَعِيدٌ وَفِي لَفْظٍ: «إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهَا، مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَأَيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمْ، فَكَانَ إجْمَاعًا.
وَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ: أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَشَرَطَ لَهَا دَارَهَا، ثُمَّ أَرَادَ نَقْلَهَا، فَخَاصَمُوهُ إلَى عُمَرَ فَقَالَ: لَهَا شَرْطُهَا فَقَالَ الرَّجُلُ: إذًا تُطَلِّقِينَا.
فَقَالَ عُمَرُ: مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ؛ وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ لَهَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَمَقْصُودٌ لَا يَمْنَعُ الْمَقْصُودَ مِنْ النِّكَاحِ، فَكَانَ لَازِمًا، كَمَا لَوْ شَرَطَتْ عَلَيْهِ زِيَادَةً فِي الْمَهْرِ أَوْ غَيْرَ نَقْدِ الْبَلَدِ.
وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ» أَيْ: لَيْسَ فِي حُكْمِ اللَّهِ وَشَرْعِهِ، وَهَذَا مَشْرُوعٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ وَعَلَى مَنْ ادَّعَى الْخِلَافَ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ وَعَلَى مَنْ نَفَى ذَلِكَ الدَّلِيلَ، وَقَوْلُهُمْ: إنَّ هَذَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ.
قُلْنَا: لَا يُحَرِّمُ حَلَالًا، وَإِنَّمَا يُثْبِتُ لِلْمَرْأَةِ خِيَارَ الْفَسْخِ إنْ لَمْ يَفِ لَهَا بِهِ.
وَقَوْلُهُمْ: لَيْسَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْمَرْأَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَاقِدِ كَانَ مِنْ مَصْلَحَةِ عَقْدِهِ، كَاشْتِرَاطِ الرَّهْنِ وَالضَّمِينِ فِي الْبَيْعِ، ثُمَّ يَبْطُلُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ.
وَشَرْطُ غَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ
فإذَا ثَبَتَ أَنَّهُ شَرْطٌ لَازِمٌ فَلَمْ يَفِ لَهَا بِهِ، فَلَهَا الْفَسْخُ، وَلِهَذَا قَالَ الَّذِي قَضَى عَلَيْهِ عُمَرُ بِلُزُومِ الشَّرْطِ: إذًا تُطَلِّقُنَا فَلَمْ يَلْتَفِتْ عُمَرُ إلَى ذَلِكَ، وَقَالَ: مَقَاطِعُ الْحُقُوقِ عِنْدَ الشُّرُوطِ؛ وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ لَازِمٌ فِي عَقْدٍ فَيَثْبُتُ حَقُّ الْفَسْخِ بِتَرْكِ الْوَفَاءِ بِهِ، كَالرَّهْنِ وَالضَّمِينِ فِي الْبَيْعِ.
[فَصْلٌ شَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُطَلِّقَ ضَرَّتَهَا]
فَصْلٌ: فَإِنْ شَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُطَلِّقَ ضَرَّتَهَا لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَشْتَرِطَ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا» وَفِي لَفْظٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَسْأَلْ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْتَفِئَ مَا فِي صَحْفَتِهَا وَلْتَنْكِحْ فَإِنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا» رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ.
وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؛ وَلِأَنَّهَا شَرَطَتْ عَلَيْهِ فَسْخَ عَقْدِهِ، وَإِبْطَالَ حَقِّهِ وَحَقِّ امْرَأَتِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ شَرَطَتْ عَلَيْهِ فَسْخَ بَيْعِهِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هُوَ شَرْطٌ لَازِمٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي الْعَقْدَ، وَلَهَا فِيهِ فَائِدَةٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا.
وَلَمْ أَرَ هَذَا لِغَيْرِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِهِ، وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا لَوْ شَرَطَتْ عَلَيْهِ بَيْعَ أَمَتِهِ.
مَا يُبْطِلُ الشَّرْطَ، وَيُصِحُّ الْعَقْدَ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ لَا مَهْرَ لَهَا، أَوْ أَنْ لَا يُنْفِقَ عَلَيْهَا أَوْ إنْ أَصْدَقَهَا رَجَعَ عَلَيْهَا، أَوْ تَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَأَهَا، أَوْ يَعْزِلَ عَنْهَا أَوْ يَقْسِمَ لَهَا أَقَلَّ مِنْ قَسْمِ صَاحِبَتِهَا أَوْ أَكْثَرَ أَوْ لَا يَكُونُ عِنْدَهَا فِي الْجُمُعَةِ إلَّا لَيْلَةً، أَوْ شَرَطَ لَهَا النَّهَارَ دُونَ اللَّيْلِ، أَوْ شَرَطَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ أَوْ تُعْطِيَهُ شَيْئًا.
فَهَذِهِ الشُّرُوطُ كُلُّهَا بَاطِلَةٌ فِي نَفْسِهَا؛ لِأَنَّهَا تُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ؛ وَلِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ إسْقَاطَ حُقُوقٍ تَجِبُ بِالْعَقْدِ قَبْلَ انْعِقَادِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَ الشَّفِيعُ شُفْعَتَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ، فَأَمَّا الْعَقْدُ فِي نَفْسِهِ فَصَحِيحٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ تَعُودُ إلَى مَعْنًى زَائِدٍ فِي الْعَقْدِ، لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ، وَلَا يَضُرُّ الْجَهْلُ بِهِ، فَلَمْ يُبْطِلْهُ.
كَمَا لَوْ شَرَطَ فِي الْعَقْدِ صَدَاقًا مُحَرَّمًا؛ وَلِأَنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ مَعَ الْجَهْلِ بِالْعِوَضِ، فَجَازَ أَنْ يَنْعَقِدَ مَعَ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ، كَالْعَتَاقِ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَشَرَطَ عَلَيْهَا أَنْ يَبِيتَ عِنْدَهَا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ لَيْلَةً، ثُمَّ رَجَعَتْ وَقَالَتْ: لَا أَرْضَى إلَّا لَيْلَةً وَلَيْلَةً فَقَالَ: لَهَا أَنْ تَنْزِلَ بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ قَالَتْ: لَا أَرْضَى إلَّا بِالْمُقَاسَمَةِ كَانَ ذَلِكَ حَقًّا لَهَا، تُطَالِبُهُ إنْ شَاءَتْ، وَنَقَلَ عَنْهُ الْأَثْرَمُ فِي الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهَا أَنْ يَأْتِيَهَا فِي الْأَيَّامِ يَجُوزُ الشَّرْطُ، فَإِنْ شَاءَتْ رَجَعَتْ، وَقَالَ فِي الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ عَلَى أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَهْرٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، أَوْ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ،
النِّكَاحُ جَائِزٌ وَلَهَا أَنْ تَرْجِعَ فِي هَذَا الشَّرْطِ.
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ كَلَامٌ فِي بَعْضِ هَذِهِ الشُّرُوطِ.
يَحْتَمِلُ إبْطَالَ الْعَقْدِ، نَقَلَ عَنْهُ الْمَرْوَزِيِّ فِي النَّهَارِيَّاتِ وَاللَّيْلِيَّاتِ: لَيْسَ هَذَا مِنْ نِكَاحِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَمِمَّنْ كَرِهَ تَزْوِيجَ النَّهَارِيَّاتِ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: الشَّرْطُ بَاطِلٌ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إذَا سَأَلَتْهُ أَنْ يَعْدِلَ لَهَا، عَدَلَ.
وَكَانَ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ لَا يَرَيَانِ بِنِكَاحِ النَّهَارِيَّاتِ بَأْسًا وَكَانَ الْحَسَنُ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، عَلَى أَنْ يَجْعَلَ لَهَا مِنْ الشَّهْرِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً، وَلَعَلَّ كَرَاهَةَ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى إبْطَالِ الشَّرْطِ، وَإِجَازَةَ مَنْ أَجَازَهُ رَاجِعٌ إلَى أَصْلِ النِّكَاحِ، فَتَكُونُ أَقْوَالُهُمْ مُتَّفِقَةً عَلَى صِحَّةِ النِّكَاحِ وَإِبْطَالِ الشَّرْطِ، كَمَا قُلْنَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنَّمَا كَرِهَ أَحْمَدُ هَذَا النِّكَاحَ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى وَجْهِ السِّرِّ، وَنِكَاحُ السِّرِّ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَإِنْ شُرِطَ عَلَيْهِ تَرْكُ الْوَطْءِ، اُحْتُمِلَ أَنْ يَفْسُدَ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي الْمَقْصُودَ مِنْ النِّكَاحِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَكَذَلِكَ إنْ شُرِطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا تُسَلَّمَ إلَيْهِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا عَلَى أَنْ لَا يَقْبِضَهُ وَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهَا أَنْ لَا يَطَأَهَا، لَمْ يَفْسُدْ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ حَقُّهُ عَلَيْهَا، وَهِيَ لَا تَمْلِكُهُ عَلَيْهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَفْسُدَ؛ لِأَنَّ لَهَا فِيهِ حَقًّا، وَلِذَلِكَ تَمْلِكُ مُطَالَبَتَهُ بِهِ إذَا آلَى، وَالْفَسْخَ إذَا تَعَذَّرَ بِالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ مِنْ أَصْلِهِ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَا تَأْقِيتَ النِّكَاحِ، وَهُوَ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ أَوْ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ يُعَلِّقَهُ عَلَى شَرْطٍ، مِثْلِ أَنْ يَقُولَ: زَوَّجْتُك إنْ رَضِيَتْ أُمُّهَا أَوْ فُلَانٌ أَوْ يُشْتَرَطَ الْخِيَارُ فِي النِّكَاحِ لَهُمَا، أَوْ لِأَحَدِهِمَا، فَهَذِهِ شُرُوطٌ بَاطِلَةٌ فِي نَفْسِهَا، وَيَبْطُلُ بِهَا النِّكَاحُ.
وَكَذَلِكَ إنْ جَعَلَ صَدَاقَهَا تَزْوِيجَ امْرَأَةٍ أُخْرَى، وَهُوَ نِكَاحُ الشِّغَارِ وَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيمَا إذَا شَرَطَ الْخِيَارَ، إنْ رَضِيَتْ أُمُّهَا أَوْ إنْ جَاءَهَا بِالْمَهْرِ فِي وَقْتِ كَذَا، وَإِلَّا فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا، رِوَايَتَيْنِ.
إحْدَاهُمَا: النِّكَاحُ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ فِيمَا إذَا شَرَطَ الْخِيَارَ وَحَكَاهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهَا، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهُ إنْ جَاءَ بِالْمَهْرِ فِي وَقْتِ كَذَا وَكَذَا وَإِلَّا فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا، الشَّرْطُ بَاطِلٌ وَالْعَقْدُ جَائِزٌ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَرَوَى ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذَا، أَنَّ الْعَقْدَ وَالشَّرْطَ جَائِزَانِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» .
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: يَبْطُلُ الْعَقْدُ مِنْ أَصْلِهِ فِي هَذَا كُلِّهِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَكُونُ إلَّا لَازِمًا، وَهَذَا يُوجِبُ جَوَازَهُ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا قَالَ: إنْ رَضِيَتْ أُمُّهَا، أَوْ إنْ جِئْتنِي بِالْمَهْرِ فِي وَقْتِ كَذَا فَقَدْ وَقَفَ النِّكَاحَ عَلَى شَرْطٍ وَلَا يَجُوزُ وَقْفُهُ عَلَى شَرْطٍ وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَنَحْوُهُ عَنْ مَالِكٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ.
[فَصْلٌ شَرَطَ الْخِيَارَ فِي الصَّدَاقِ خَاصَّةً]
(5325) فَصْلٌ: وَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ فِي الصَّدَاقِ خَاصَّةً لَمْ يَفْسُدْ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَنْفَرِدُ عَنْ ذِكْرِ الصَّدَاقِ، وَلَوْ كَانَ الصَّدَاقُ حَرَامًا أَوْ فَاسِدًا لَمْ يَفْسُدْ النِّكَاحُ، فَلَأَنْ لَا يَفْسُدَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فِيهِ أَوْلَى، وَيُخَالِفُ الْبَيْعَ فَإِنَّهُ إذَا فَسَدَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِيهِ فَسَدَ الْآخَرُ.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَفِي الصَّدَاقِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: يَصِحُّ الصَّدَاقُ، وَيَبْطُلُ شَرْطُ الْخِيَارِ، كَمَا يَفْسُدُ الشَّرْطُ فِي النِّكَاحِ، وَيَصِحُّ النِّكَاحُ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ، وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ فِيهِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الصَّدَاقِ عَقْدٌ مُنْفَرِدٌ يَجْرِي مَجْرَى الْأَثْمَانِ، فَثَبَتَ فِيهِ الْخِيَارُ كَالْبِيَاعَاتِ.
وَالثَّالِثُ: يَبْطُلُ الصَّدَاقُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَرْضَ بِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يُوَافِقْهُ عَلَى شَيْءٍ.
[مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً فَلَهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْلُوَ بِهَا]
(5326) قَالَ: (وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَلَهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْلُوَ بِهَا) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي إبَاحَةِ النَّظَرِ إلَى الْمَرْأَةِ لِمَنْ أَرَادَ نِكَاحَهَا وَقَدْ رَوَى جَابِرٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ الْمَرْأَةَ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَا يَدْعُوهُ إلَى نِكَاحِهَا، فَلْيَفْعَلْ قَالَ: فَخَطَبْت امْرَأَةً، فَكُنْت أَتَخَبَّأُ لَهَا، حَتَّى رَأَيْت مِنْهَا مَا دَعَانِي إلَى نِكَاحِهَا، فَتَزَوَّجْتُهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي هَذَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ سِوَى هَذَا؛ وَلِأَنَّ النِّكَاحَ عَقْدٌ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ، فَكَانَ لِلْعَاقِدِ النَّظَرُ إلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، كَالنَّظَرِ إلَى الْأَمَةِ الْمُسْتَامَةِ وَلَا بَأْسَ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا بِإِذْنِهَا وَغَيْرِ إذْنِهَا.
لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالنَّظَرِ وَأَطْلَقَ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ: " فَكُنْت أَتَخَبَّأُ لَهَا " وَفِي حَدِيثٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ أَبَوَيْهَا فِي النَّظَرِ إلَيْهَا، فَكَرِهَا، فَأَذِنَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْخَلْوَةُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِغَيْرِ النَّظَرِ، فَبَقِيَتْ عَلَى التَّحْرِيمِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مَعَ الْخَلْوَةِ مُوَاقَعَةُ الْمَحْظُورِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ» وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهَا نَظَرَ تَلَذُّذٍ وَشَهْوَةٍ، وَلَا لِرِيبَةٍ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ
صَالِحٍ
يَنْظُرُ إلَى الْوَجْهِ وَلَا يَكُونُ عَنْ طَرِيقِ لَذَّةٍ وَلَهُ أَنْ يُرَدِّدَ النَّظَرَ إلَيْهَا، وَيَتَأَمَّلَ مَحَاسِنَهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِذَلِكَ.
(5327) فَصْلٌ: وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي إبَاحَةِ النَّظَرِ إلَى وَجْهِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَهُوَ مَجْمَعُ الْمَحَاسِنِ، وَمَوْضِعُ النَّظَرِ وَلَا يُبَاحُ لَهُ النَّظَرُ إلَى مَا لَا يَظْهَرُ عَادَةً وَحُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ يَنْظُرُ إلَى مَوَاضِعِ اللَّحْمِ وَعَنْ دَاوُد أَنَّهُ يَنْظُرُ إلَى جَمِيعِهَا، لِظَاهِرِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اُنْظُرْ إلَيْهَا وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31] وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْوَجْهُ، وَبَاطِنُ الْكَفِّ.
وَلِأَنَّ النَّظَرَ مُحَرَّمٌ أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ، فَيَخْتَصُّ بِمَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا.
وَالْحَدِيثُ مُطْلَقٌ، وَمَنْ نَظَرَ إلَى وَجْهِ إنْسَانٍ سُمِّيَ نَاظِرًا إلَيْهِ، وَمَنْ رَآهُ وَعَلَيْهِ أَثْوَابُهُ سُمِّيَ رَائِيًا لَهُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون: 4] ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: 36] فَأَمَّا مَا يَظْهَرُ غَالِبًا سِوَى الْوَجْهِ، كَالْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، مِمَّا تُظْهِرُهُ الْمَرْأَةُ فِي مَنْزِلِهَا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا: لَا يُبَاحُ النَّظَرُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ فَلَمْ يُبَحْ النَّظَرُ إلَيْهِ، كَاَلَّذِي لَا يَظْهَرُ، فَإِنَّ عَبْد اللَّه رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ» حَدِيثٌ حَسَنٌ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَنْدَفِعُ بِالنَّظَرِ إلَى الْوَجْهِ.
فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى التَّحْرِيمِ وَالثَّانِيَةُ: لَهُ النَّظَرُ إلَى ذَلِكَ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا، وَإِلَى مَا يَدْعُوهُ إلَى نِكَاحِهَا، مِنْ يَدٍ أَوْ جِسْمٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا عِنْدَ الْخِطْبَةِ حَاسِرَةً.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَنْظُرُ إلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ.
وَوَجْهُ جَوَازِ النَّظَرِ مَا يَظْهَرُ غَالِبًا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَذِنَ فِي النَّظَرِ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ عِلْمِهَا، عُلِمَ أَنَّهُ أَذِنَ فِي النَّظَرِ إلَى جَمِيعِ مَا يَظْهَرُ عَادَةً إذْ لَا يُمْكِنُ إفْرَادُ الْوَجْهِ بِالنَّظَرِ مَعَ مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ لَهُ فِي الظُّهُورِ؛ وَلِأَنَّهُ يَظْهَرُ غَالِبًا، فَأُبِيحَ النَّظَرُ إلَيْهِ كَالْوَجْهِ.
وَلِأَنَّهَا امْرَأَةٌ أُبِيحَ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا بِأَمْرِ الشَّارِعِ، فَأُبِيحَ النَّظَرُ مِنْهَا إلَى ذَلِكَ، كَذَوَاتِ الْمَحَارِمِ.
وَقَدْ رَوَى سَعِيدٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ابْنَةَ عَلِيٍّ فَذَكَرَ مِنْهَا صِغَرًا، فَقَالُوا لَهُ: إنَّمَا رَدَّك فَعَاوِدْهُ، فَقَالَ: نُرْسِلُ بِهَا إلَيْك تَنْظُرُ إلَيْهَا فَرَضِيَهَا، فَكَشَفَ عَنْ سَاقِهَا.
فَقَالَتْ: أَرْسِلْ، فَلَوْلَا أَنَّك أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَلَطَمْت عَيْنَك.
[فَصْلٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْظُرَ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ إلَى مَا يَظْهَرُ غَالِبًا]
(5328) فَصْلٌ: وَيَحُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْظُرَ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ إلَى مَا يَظْهَرُ غَالِبًا كَالرَّقَبَةِ وَالرَّأْسِ وَالْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَيْسَ لَهُ النَّظَرُ إلَى مَا يَسْتَتِرُ غَالِبًا، كَالصَّدْرِ وَالظَّهْرِ وَنَحْوِهِمَا.
قَالَ الْأَثْرَمُ: سَأَلْت أَبَا عَبْد اللَّه عَنْ الرَّجُلِ يَنْظُرُ إلَى شَعْرِ امْرَأَةِ أَبِيهِ أَوْ امْرَأَةِ ابْنِهِ.
فَقَالَ: هَذَا فِي الْقُرْآنِ: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: 31] إلَّا لِكَذَا وَكَذَا قُلْت: يَنْظُرُ إلَى سَاقِ امْرَأَةِ أَبِيهِ وَصَدْرِهَا قَالَ: لَا مَا يُعْجِبُنِي ثُمَّ قَالَ: أَنَا أَكْرَهُ أَنْ يَنْظُرَ مِنْ أُمِّهِ وَأُخْتِهِ إلَى مِثْلِ هَذَا، وَإِلَى كُلِّ شَيْءٍ لِشَهْوَةٍ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ حُكْمَ الرَّجُلِ مَعَ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ حُكْمُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةِ مَعَ الْمَرْأَةِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَرَاهِيَةُ أَحْمَدَ النَّظَرَ إلَى سَاقِ أُمِّهِ وَصَدْرِهَا عَلَى التَّوَقِّي؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدْعُو إلَى الشَّهْوَةِ يَعْنِي أَنَّهُ يُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ.
وَمَنَعَ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ، النَّظَرَ إلَى شَعْرِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ فَرُوِيَ عَنْ هِنْدِ ابْنَةِ الْمُهَلَّبِ قَالَتْ: قُلْت لِلْحَسَنِ: يَنْظُرُ الرَّجُلُ إلَى قُرْطِ أُخْتِهِ أَوْ إلَى عُنُقِهَا؟ قَالَ: لَا، وَلَا كَرَامَةَ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَوْ دَخَلْت عَلَى أُمِّي لَقُلْت: أَيَّتُهَا الْعَجُوزُ، غَطِّي شَعْرَك.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُبَاحُ النَّظَرُ إلَى مَا يَظْهَرُ غَالِبًا، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: 31] الْآيَةَ وَقَالَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا كُنَّا نَرَى سَالِمًا وَلَدًا، كَانَ يَأْوِي مَعِي وَمَعَ أَبِي حُذَيْفَةَ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، وَيَرَانِي فَضْلًا وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ مَا عَلِمْت، فَكَيْفَ تَرَى فِيهِ؟ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْضِعِيهِ فَأَرْضَعَتْهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ مِنْهَا إلَى مَا يَظْهَرُ غَالِبًا، فَإِنَّهَا قَالَتْ: يَرَانِي فَضْلًا وَمَعْنَاهُ فِي ثِيَابِ الْبِذْلَةِ الَّتِي لَا تَسْتُرُ أَطْرَافَهَا.
وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
فَجِئْت وَقَدْ نَضَّتْ لِنَوْمٍ ثِيَابَهَا ... لَدَى السِّتْرِ إلَّا لُبْسَةَ الْمُتَفَضِّلِ
وَمِثْلُ هَذَا يَظْهَرُ مِنْهُ الْأَطْرَافُ وَالشَّعْرُ، فَكَانَ يَرَاهَا كَذَلِكَ إذَا اعْتَقَدَتْهُ وَلَدًا، ثُمَّ دَلَّهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا يَسْتَدِيمُونَ بِهِ مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ وَيَفْعَلُونَهُ.
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي " مُسْنَدِهِ " عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّهَا ارْتَضَعَتْ مِنْ أَسْمَاءَ امْرَأَةِ الزُّبَيْرِ قَالَتْ: فَكُنْت أَرَاهُ أَبًا، وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيَّ وَأَنَا أَمْشُطُ رَأْسِي، فَيَأْخُذُ بِبَعْضِ قُرُونِ رَأْسِي، وَيَقُولُ: أَقْبِلِي عَلَيَّ.
وَلِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْ هَذَا لَا يُمْكِنُ.
فَأُبِيحَ كَالْوَجْهِ، وَمَا لَا يَظْهَرُ غَالِبًا لَا يُبَاحُ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَدْعُو إلَى نَظَرِهِ، وَلَا تُؤْمَنُ مَعَهُ الشَّهْوَةُ وَمُوَاقَعَةُ الْمَحْظُورِ، فَحُرِّمَ النَّظَرُ إلَيْهِ كَمَا تَحْتَ السُّرَّةِ (5329) فَصْلٌ: وَذَوَاتُ مَحَارِمِهِ: كُلُّ مَنْ حُرِّمَ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ، بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ سَالِمٍ وَزَيْنَبَ.
وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَأَبَتْ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ائْذَنِي لَهُ، فَإِنَّهُ عَمُّك، تَرِبَتْ يَمِينُك» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى آبَاءَ بُعُولَتِهِنَّ، وَأَبْنَاءَ بُعُولَتِهِنَّ، كَمَا ذَكَرَ آبَاءَهُنَّ وَأَبْنَاءَهُنَّ فِي إبْدَاءِ الزِّينَةِ لَهُمْ وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْ النَّظَرِ إلَى شَعْرِ أُمِّ امْرَأَتِهِ وَبِنْتِهَا؛ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مَذْكُورَتَيْنِ فِي الْآيَةِ قَالَ الْقَاضِي: إنَّمَا حَكَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ وَقَدْ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ أَنَّهُ مَحْرَمٌ يَجُوزُ لَهُ الْمُسَافَرَةُ بِهَا وَقَالَ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: سَاعَةَ يَعْقِدُ عُقْدَةَ النِّكَاحِ تَحْرُمُ عَلَيْهِ أُمُّ امْرَأَتِهِ، فَلَهُ أَنْ يَرَى شَعْرَهَا وَمَحَاسِنَهَا، لَيْسَتْ مِثْلَ الَّتِي يَزْنِي بِهَا، لَا يَحِلُّ لَهُ أَبَدًا أَنْ يَنْظُرَ إلَى شَعْرِهَا، وَلَا إلَى شَيْءٍ مِنْ جَسَدِهَا، وَهِيَ حَرَامٌ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ أُمُّ الْمَزْنِيِّ بِهَا وَابْنَتُهَا لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهِنَّ وَإِنْ حَرُمَ نِكَاحُهُنَّ]
(5330) فَصْلٌ: فَأَمَّا أُمُّ الْمَزْنِيِّ بِهَا وَابْنَتُهَا، فَلَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهِنَّ، وَإِنْ حَرُمَ نِكَاحُهُنَّ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُنَّ بِسَبَبٍ مُحَرِّمٍ، فَلَمْ يُفِدْ إبَاحَةَ النَّظَرِ، كَالْمُحَرَّمَةِ بِاللِّعَانِ، وَكَذَلِكَ بِنْتُ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ وَأُمُّهَا، لَيْسَتْ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ لِقَرَابَتِهِ الْمُسْلِمَةَ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ أَسْلَمَتْ بِنْتُهُ: لَا يُسَافِرْ بِهَا، لَيْسَ هُوَ مَحْرَمًا لَهَا.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ لَيْسَ مَحْرَمًا لَهَا فِي السَّفَرِ، أَمَّا النَّظَرُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْحِجَابُ مِنْهُ «؛ لِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَتَى الْمَدِينَةَ وَهُوَ مُشْرِكٌ، فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ فَطَوَتْ فِرَاشَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِئَلَّا يَجْلِسَ عَلَيْهِ، وَلَمْ تَحْتَجِبْ مِنْهُ، وَلَا أَمَرَهَا بِذَلِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» .
[فَصْلٌ عَبْدُ الْمَرْأَةِ لَهُ النَّظَرُ إلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا]
(5331) فَصْلٌ: وَعَبْدُ الْمَرْأَةِ لَهُ النَّظَرُ إلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: 31] وَرَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، فَمَلَكَ مَا يُؤَدِّي، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: كَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَحْتَجِبْنَ مِنْ مُكَاتَبٍ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِينَارٌ رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي (سُنَنِهِ) وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَى فَاطِمَةَ بِعَبْدٍ قَدْ وَهَبَهُ لَهَا، وَعَلَى فَاطِمَةَ ثَوْبٌ إذَا قَنَّعَتْ بِهِ رَأْسَهَا لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْهَا، وَإِذَا غَطَّتْ بِهِ رِجْلَيْهَا لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَهَا، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا تَلْقَى، قَالَ: إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْك بَأْسٌ، إنَّمَا هُوَ أَبُوك وَغُلَامُك» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَكَرِهَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى شَعْرِ مَوْلَاتِهِ وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَأَبَاحَ لَهُ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْآيَتَيْنِ وَالْخَبَرَيْنِ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور: 58] إلَى قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النور: 58] وَلِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَأُبِيحَ لَهُ ذَلِكَ كَذَوِي الْمَحَارِمِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: هُوَ مَحْرَمٌ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَحَارِمِ مِنْ الْأَقَارِبِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ؛ وَلِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهَا، فَكَانَ مَحْرَمًا كَالْأَقَارِبِ وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سَفَرُ الْمَرْأَةِ مَعَ عَبْدِهَا ضَيْعَةٌ» رَوَاهُ سَعِيدٌ؛ وَلِأَنَّهَا لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ اسْتِمْتَاعُهَا، فَلَمْ يَكُنْ مَحْرَمًا كَزَوْجِ أُخْتِهَا؛ وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَيْهَا، إذْ لَيْسَتْ بَيْنَهُمَا نَفْرَةُ الْمَحْرَمِيَّةِ، وَالْمِلْكُ لَا يَقْتَضِي النَّفْرَةَ الطَّبِيعِيَّةَ، بِدَلِيلِ السَّيِّدِ مَعَ أَمَتِهِ.
وَإِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ مِنْ النَّظَرِ مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ، كَالشَّاهِدِ وَالْمُبْتَاعِ وَنَحْوِهِمَا وَجَعَلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا كَالْأَجْنَبِيِّ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[فَصْلٌ الْغُلَامُ مَا دَامَ طِفْلًا غَيْرَ مُمَيِّزٍ لَا يَجِبُ الِاسْتِتَارُ مِنْهُ]
(5332) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْغُلَامُ، فَمَا دَامَ طِفْلًا غَيْرَ مُمَيِّزٍ، لَا يَجِبُ الِاسْتِتَارُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ، وَإِنْ عَقَلَ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا: حُكْمُهُ حُكْمُ ذِي الْمَحْرَمِ فِي النَّظَرِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَهُ النَّظَرُ إلَى مَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ [النور: 58] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النور: 58] إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: 59] فَدَلَّ عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْبَالِغِ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَبُو طَيْبَةَ حَجَمَ نِسَاءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ غُلَامٌ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى قَوْلُهُ ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: 31] وَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: مَتَى تُغَطِّي الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا مِنْ الْغُلَامِ؟ قَالَ: إذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ.
[فَصْلٌ يُبَاحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ النَّظَرُ إلَى جَمِيعِ بَدَنِ صَاحِبِهِ وَلَمْسُهُ]
(5333) فَصْلٌ: وَيُبَاحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ النَّظَرُ إلَى جَمِيعِ بَدَنِ صَاحِبِهِ وَلَمْسُهُ حَتَّى الْفَرْجِ لِمَا رَوَى بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ فَقَالَ: احْفَظْ عَوْرَتَك، إلَّا مِنْ زَوْجَتِك، وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُك» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ؛ وَلِأَنَّ الْفَرْجَ يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهِ، فَجَازَ النَّظَرُ إلَيْهِ وَلَمْسُهُ، كَبَقِيَّةِ الْبَدَنِ.
وَيُكْرَهُ النَّظَرُ إلَى الْفَرْجِ فَإِنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: مَا رَأَيْت فَرْجَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطُّ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَفِي لَفْظٍ قَالَتْ: مَا رَأَيْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا رَآهُ مِنِّي.
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ فِي الْمَرْأَةِ تَقْعُدُ بَيْنَ يَدَيْ زَوْجِهَا وَفِي بَيْتِهَا مَكْشُوفَةً فِي ثِيَابٍ رِقَاقٍ: فَلَا بَأْسَ بِهِ قُلْت: تَخْرُجُ مِنْ الدَّارِ إلَى بَيْتٍ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ وَلَيْسَ فِي الدَّارِ إلَّا هِيَ وَزَوْجُهَا؟ فَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ.
[فَصْلٌ يُبَاحُ لِلسَّيِّدِ النَّظَرُ إلَى جَمِيعِ بَدَنِ أَمَتِهِ]
(5334) فَصْلٌ: وَيُبَاحُ لِلسَّيِّدِ النَّظَرُ إلَى جَمِيعِ بَدَنِ أَمَتِهِ حَتَّى فَرْجِهَا لِمَا ذَكَرْنَا فِي الزَّوْجَيْنِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ سُرِّيَّتُهُ وَغَيْرُهَا؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ مِنْ جَمِيعِ بَدَنِهَا، فَأُبِيحَ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ فَإِنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ حَرُمَ عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاعُ، وَالنَّظَرُ مِنْهَا إلَى مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ؛ لِأَنَّ عَمْرَو بْنَ شُعَيْبٍ رَوَى عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ عَبْدَهُ أَوْ أَجِيرَهُ، فَلَا يَنْظُرْ إلَى مَا دُونَ السُّرَّةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَةِ، فَإِنَّهُ عَوْرَةٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَمَفْهُومُهُ إبَاحَةُ النَّظَرِ إلَى مَا عَدَاهُ، وَأَمَّا تَحْرِيمُ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فَلَا شَكَّ فِيهِ وَلَا اخْتِلَافَ فَإِنَّهَا قَدْ صَارَتْ مُبَاحَةً لِلزَّوْجِ، وَلَا تَحِلُّ الْمَرْأَةُ لِرَجُلَيْنِ فَإِنْ وَطِئَهَا، لَزِمَهُ الْإِثْمُ وَالتَّعْزِيرُ، وَإِنْ وَلَدَتْ فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ؛ لِأَنَّهَا فِرَاشٌ لِغَيْرِهِ، فَلَمْ يَلْحَقْهُ وَلَدُهَا، كَالْأَجْنَبِيَّةِ.
[فَصْلٌ مَنْ يُبَاحُ لَهُ النَّظَرُ مِنْ الْأَجَانِبِ]
(5335) فَصْلٌ: فِي مَنْ يُبَاحُ لَهُ النَّظَرُ مِنْ الْأَجَانِبِ.
وَيُبَاحُ لِلطَّبِيبِ النَّظَرُ إلَى مَا تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ مِنْ بَدَنِهَا، مِنْ الْعَوْرَةِ وَغَيْرِهَا، فَإِنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا حَكَّمَ سَعْدًا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ كَانَ يَكْشِفُ عَنْ مُؤْتَزَرِهِمْ» وَعَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ أُتِيَ بِغُلَامٍ قَدْ سَرَقَ، فَقَالَ: اُنْظُرُوا إلَى مُؤْتَزَرِهِ فَلَمْ يَجِدُوهُ أَنْبَتَ الشَّعْرَ، فَلَمْ يَقْطَعْهُ وَلِلشَّاهِدِ النَّظَرُ إلَى وَجْهِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهَا، لِتَكُونَ الشَّهَادَةُ وَاقِعَةً عَلَى عَيْنِهَا قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَشْهَدُ عَلَى امْرَأَةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ عَرَفَهَا بِعَيْنِهَا وَإِنْ عَامَلَ امْرَأَةً فِي بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ.
فَلَهُ النَّظَرُ إلَى وَجْهِهَا، لِيَعْلَمَهَا بِعَيْنِهَا، فَيَرْجِعَ عَلَيْهَا بِالدَّرَكِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ كَرَاهَةُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الشَّابَّةِ دُونَ الْعَجُوزِ.
وَلَعَلَّهُ كَرِهَهُ لِمَنْ يَخَافُ الْفِتْنَةَ، أَوْ يَسْتَغْنِي عَنْ الْمُعَامَلَةِ، فَأَمَّا مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِ الشَّهْوَةِ، فَلَا بَأْسَ.
[فَصْلٌ نَظَرُ الرَّجُلِ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ]
(5336) فَصْلٌ: فَأَمَّا نَظَرُ الرَّجُلِ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ، فَإِنَّهُ مُحَرَّمٌ إلَى جَمِيعِهَا، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَأْكُلُ مَعَ مُطَلَّقَتِهِ، هُوَ أَجْنَبِيٌّ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا، كَيْفَ يَأْكُلُ مَعَهَا يَنْظُرُ إلَى كَفِّهَا؟ ، لَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّظَرُ إلَى مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ، وَيُبَاحُ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ إذَا أَمِنَ الْفِتْنَةَ، وَنَظَرَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ وَرَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ثِيَابٍ رِقَاقٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا، وَقَالَ: يَا أَسْمَاءُ، إنَّ الْمَرْأَةَ إذَا بَلَغَتْ الْمَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إلَّا هَذَا وَهَذَا وَأَشَارَ إلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ» رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ، وَغَيْرُهُ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، فَلَمْ يَحْرُمْ النَّظَرُ إلَيْهِ بِغَيْرِ رِيبَةٍ، كَوَجْهِ الرَّجُلِ.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: 53] وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، فَمَلَكَ مَا يُؤَدِّي، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ» «وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: كُنْت قَاعِدَةً عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَا وَحَفْصَةُ فَاسْتَأْذَنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احْتَجِبْنَ مِنْهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد «وَكَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَتْهُ الْخَثْعَمِيَّةُ تَسْتَفْتِيهِ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْهَا وَتَنْظُرُ إلَيْهِ، فَصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجْهَهُ عَنْهَا» وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ نَظْرَةِ الْفُجَاءَةِ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي» حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّمَا لَك الْأُولَى، وَلَيْسَتْ لَك الْآخِرَةُ» رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد
وَفِي إبَاحَةِ النَّظَرِ إلَى الْمَرْأَةِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا دَلِيلٌ عَلَى التَّحْرِيمِ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ، إذْ لَوْ كَانَ مُبَاحًا عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَمَا وَجْهُ التَّخْصِيصِ لِهَذِهِ؟ ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَسْمَاءَ إنْ صَحَّ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْحِجَابِ، فَنَحْمِلُهُ عَلَيْهِ.
(5337) فَصْلٌ: وَالْعَجُوزُ الَّتِي لَا يُشْتَهَى مِثْلُهَا، لَا بَأْسَ بِالنَّظَرِ إلَى مَا يَظْهَرُ مِنْهَا غَالِبًا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ [النور: 60] الْآيَةَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: 30] ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: 31] الْآيَةَ
قَالَ: فَنَسَخَ وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ [النور: 60] الْآيَةَ وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ الشَّوْهَاءُ الَّتِي لَا تُشْتَهَى.
[فَصْلٌ الْأَمَةُ يُبَاحُ النَّظَرُ مِنْهَا إلَى مَا يَظْهَرُ غَالِبًا]
(5338) فَصْلٌ: وَالْأَمَةُ يُبَاحُ النَّظَرُ مِنْهَا إلَى مَا يَظْهَرُ غَالِبًا، كَالْوَجْهِ، وَالرَّأْسِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالسَّاقَيْنِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَأَى أَمَةً مُتَلَثِّمَةً فَضَرَبَهَا بِالدِّرَّةِ وَقَالَ: يَا لَكَاعِ، تَتَشَبَّهِينَ بِالْحَرَائِرِ.
وَرَوَى أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ، أَنَّ عُمَرَ كَانَ لَا يَدَعُ أَمَةً تَقَنَّعُ فِي خِلَافَتِهِ، وَقَالَ: إنَّمَا الْقِنَاعُ لِلْحَرَائِرِ.
وَلَوْ كَانَ نَظَرُ ذَلِكَ مِنْهَا مُحَرَّمًا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ سَتْرِهِ، بَلْ أَمَرَ بِهِ وَقَدْ رَوَى أَنَسٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَخَذَ صَفِيَّةَ قَالَ النَّاسُ: لَا نَدْرِي، أَجَعَلَهَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَمْ أُمَّ وَلَدٍ؟ فَقَالُوا: إنْ حَجَبَهَا فَهِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ.
فَلَمَّا رَكِبَ، وَطَّأَ لَهَا خَلْفَهُ، وَمَدَّ الْحِجَابَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَدَمَ حَجْبِ الْإِمَاءِ كَانَ مُسْتَفِيضًا بَيْنَهُمْ مَشْهُورًا، وَأَنَّ الْحَجْبَ لِغَيْرِهِنَّ كَانَ مَعْلُومًا.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: يُبَاحُ النَّظَرُ مِنْهَا إلَى مَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَهُوَ مَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ وَسَوَّى بَعْضُ أَصْحَابِنَا بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: 31] الْآيَةَ؛ وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي تَحْرِيمِ النَّظَرِ الْخَوْفُ مِنْ الْفِتْنَةِ وَالْفِتْنَةُ الْمَخُوفَةُ تَسْتَوِي فِيهَا الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ، فَإِنَّ الْحُرِّيَّةَ حُكْمٌ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْأَمْرِ الطَّبِيعِيِّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يَدُلُّ عَلَى التَّخْصِيصِ، وَيُوجِبُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَفْتَرِقَا فِيمَا ذَكَرُوهُ افْتَرَقَا فِي الْحُرْمَةِ، وَفِي مَشَقَّةِ السَّتْرِ، لَكِنْ إنْ كَانَتْ الْأَمَةُ جَمِيلَةً يُخَافُ الْفِتْنَةُ بِهَا، حَرُمَ النَّظَرُ إلَيْهَا، كَمَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَى الْغُلَامِ الَّذِي تُخْشَى الْفِتْنَةُ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي الْأَمَةِ إذَا كَانَتْ جَمِيلَةً: تَنْتَقِبُ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى الْمَمْلُوكَةِ، كَمْ مِنْ نَظْرَةٍ أَلْقَتْ فِي قَلْبِ صَاحِبِهَا الْبَلَابِلَ.
[فَصْلٌ الطِّفْلَةُ الَّتِي لَا تَصْلُحُ لِلنِّكَاحِ لَا بَأْسَ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا]
(5339) فَصْلٌ: فَأَمَّا الطِّفْلَةُ الَّتِي لَا تَصْلُحُ لِلنِّكَاحِ، فَلَا بَأْسَ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ فِي رَجُلٍ يَأْخُذُ الصَّغِيرَةَ فَيَضَعُهَا فِي حِجْرِهِ، وَيُقَبِّلُهَا: فَإِنْ كَانَ يَجِدُ شَهْوَةً فَلَا، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، فَلَا بَأْسَ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ الْمَدِينِيِّ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ أَرْسَلَ بِابْنَةٍ لَهُ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَعَ مَوْلَاةٍ لَهُ، فَأَخَذَهَا عُمَرُ بِيَدِهِ، وَقَالَ: ابْنَةُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ.
فَتَحَرَّكَتْ الْأَجْرَاسُ مِنْ رِجْلِهَا فَأَخَذَهَا عُمَرُ فَقَطَعَهَا، وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَعَ كُلِّ جَرَسٍ شَيْطَانٌ» فَأَمَّا إذَا بَلَغَتْ حَدًّا تَصْلُحُ لِلنِّكَاحِ.
كَابْنَةِ تِسْعٍ، فَإِنَّ عَوْرَتَهَا مُخَالِفَةٌ لِعَوْرَةِ الْبَالِغَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» فَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ مِمَّنْ لَمْ تَحِضْ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا حُكْمَ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، كَقَوْلِنَا فِي الْغُلَامِ الْمُرَاهِقِ مَعَ النِّسَاءِ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَتْ عَلَيَّ ابْنَةُ أَخِي
مُزَيَّنَةً، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْرَضَ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهَا ابْنَةُ أَخِي وَجَارِيَةٌ فَقَالَ: «إذَا عَرَكَتْ الْمَرْأَةُ لَمْ يَجُزْ لَهَا أَنْ تُظْهِرَ إلَّا وَجْهَهَا وَإِلَّا مَا دُونَ هَذَا وَقَبَضَ عَلَى ذِرَاعِ نَفْسِهِ، فَتَرَكَ بَيْنَ قَبْضَتِهِ وَبَيْنَ الْكَفِّ مِثْلَ قَبْضَةٍ أُخْرَى أَوْ نَحْوِهَا» وَذَكَرَ حَدِيثَ أَسْمَاءَ: «إذَا بَلَغَتْ الْمَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إلَّا هَذَا وَهَذَا وَأَشَارَ إلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ» وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَتَخْصِيصُ الْحَائِضِ بِهَذَا التَّحْدِيدِ دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَةِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِهَا.
[فَصْلٌ مَنْ ذَهَبَتْ شَهْوَتُهُ مِنْ الرِّجَالِ لِكِبَرٍ أَوْ عُنَّةٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ]
(5340) فَصْلٌ: وَمَنْ ذَهَبَتْ شَهْوَتُهُ مِنْ الرِّجَالِ، لِكِبَرٍ، أَوْ عُنَّةٍ، أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، أَوْ الْخَصِيُّ، أَوْ الشَّيْخُ، أَوْ الْمُخَنَّثُ الَّذِي لَا شَهْوَةَ لَهُ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ ذِي الْمَحْرَمِ فِي النَّظَرِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور: 31] أَيْ: غَيْرِ أُولِي الْحَاجَةِ إلَى النِّسَاءِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الَّذِي لَا تَسْتَحِي مِنْهُ النِّسَاءُ وَعَنْهُ: هُوَ الْمُخَنَّثُ الَّذِي لَا يَقُومُ زُبُّهُ وَعَنْ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ الَّذِي لَا أَرَبَ لَهُ فِي النِّسَاءِ فَإِنْ كَانَ الْمُخَنَّثُ ذَا شَهْوَةٍ.
وَيَعْرِفُ أَمْرَ النِّسَاءِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُخَنَّثٌ، فَكَانُوا يَعُدُّونَهُ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ فَدَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَنْعَتُ امْرَأَةً، أَنَّهَا إذَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَتْ بِأَرْبَعٍ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ أَدْبَرَتْ بِثَمَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلَا أَرَى هَذَا يَعْلَمُ مَا هَاهُنَا؟ لَا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُمْ هَذَا فَحَجَبُوهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَيْسَ الْمُخَنَّثُ الَّذِي تُعْرَفُ فِيهِ الْفَاحِشَةُ خَاصَّةً، وَإِنَّمَا التَّخْنِيثُ شِدَّةُ التَّأْنِيثِ فِي الْخِلْقَةِ، حَتَّى يُشْبِهَ الْمَرْأَةَ فِي اللِّينِ، وَالْكَلَامِ، وَالنَّظَرِ، وَالنَّغْمَةِ، وَالْعَقْلِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي النِّسَاءِ إرْبٌ، وَكَانَ لَا يَفْطِنُ لِأُمُورِ النِّسَاءِ، وَهُوَ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ الَّذِينَ أُبِيحَ لَهُمْ الدُّخُولُ عَلَى النِّسَاءِ، أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الْمُخَنَّثَ مِنْ الدُّخُولِ عَلَى نِسَائِهِ، فَلَمَّا سَمِعَهُ يَصِفُ ابْنَةَ غَيْلَانَ، وَفَهِمَ أَمْرَ النِّسَاءِ، أَمَرَ بِحَجْبِهِ؟ .
[فَصْلٌ عَوْرَةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ]
(5341) فَصْلٌ: فَأَمَّا الرَّجُلُ مَعَ الرَّجُلِ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النَّظَرُ مِنْ صَاحِبِهِ إلَى مَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ وَفِي حَدِّهَا رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا: مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ.
وَالْأُخْرَى: الْفَرْجَانِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَمْرَدِ وَذِي اللِّحْيَةِ، إلَّا أَنَّ الْأَمْرَدَ إنْ كَانَ جَمِيلًا، يُخَافُ الْفِتْنَةُ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ تَعَمُّدُ النَّظَرِ إلَيْهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: «قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِيهِمْ غُلَامٌ أَمْرُدُ، ظَاهِرُ الْوَضَاءَةِ، فَأَجْلَسَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَاءَ ظَهْرِهِ» رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ.
قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سَمِعْت أَبَا بَكْرٍ الْأَعْيَنَ يَقُولُ: قَدِمَ عَلَيْنَا إنْسَانٌ مِنْ خُرَاسَانَ، صَدِيقٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَمَعَهُ غُلَامٌ ابْنُ أُخْتٍ لَهُ، وَكَانَ جَمِيلًا، فَمَضَى إلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَحَدَّثَهُ، فَلَمَّا قُمْنَا خَلَا بِالرَّجُلِ، وَقَالَ لَهُ: مَنْ هَذَا الْغُلَامُ مِنْك؟ قَالَ: ابْنُ أُخْتِي.
قَالَ: إذَا جِئْتنِي لَا يَكُونُ مَعَك، وَاَلَّذِي أَرَى لَك أَنْ لَا يَمْشِيَ مَعَك فِي طَرِيقٍ.
فَأَمَّا الْغُلَامُ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ سَبْعًا فَلَا عَوْرَةَ لَهُ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهَا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فَجَاءَ الْحَسَنُ فَجَعَلَ يَتَمَرَّغُ عَلَيْهِ فَوَقَعَ مُقَدَّمُ قَمِيصِهِ، أَرَاهُ قَالَ: فَقَبَّلَ زَبِيبَتَهُ.» رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ.
[فَصْلٌ حُكْمُ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إلَى الْمَرْأَةِ]
(5342) فَصْلٌ: وَحُكْمُ الْمَرْأَةِ مَعَ الْمَرْأَةِ حُكْمُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ سَوَاءٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسْلِمَتَيْنِ، وَبَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ، كَمَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ، فِي النَّظَرِ.
قَالَ أَحْمَدُ: ذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إلَى أَنَّهَا لَا تَضَعُ خِمَارَهَا عِنْدَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ، وَأَمَّا أَنَا فَأَذْهَبُ إلَى أَنَّهَا لَا تَنْظُرُ إلَى الْفَرْجِ، وَلَا تَقْبَلُهَا حِينَ تَلِدُ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّ الْمُسْلِمَةَ لَا تَكْشِفُ قِنَاعَهَا عِنْدَ الذِّمِّيَّةِ، وَلَا تَدْخُلُ مَعَهَا الْحَمَّامَ.
وَهُوَ قَوْلُ مَكْحُولٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى
لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: 31] وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ الْكَوَافِرَ مِنْ الْيَهُودِيَّاتِ وَغَيْرِهِنَّ، قَدْ كُنَّ يَدْخُلْنَ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَكُنَّ يَحْتَجِبْنَ، وَلَا أُمِرْنَ بِحِجَابٍ وَقَدْ «قَالَتْ عَائِشَةُ: جَاءَتْ يَهُودِيَّةٌ تَسْأَلُهَا، فَقَالَتْ: أَعَاذَك اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.» وَقَالَتْ أَسْمَاءُ: «قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي، وَهِيَ رَاغِبَةٌ - يَعْنِي عَنْ الْإِسْلَامِ - فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصِلُهَا؟ قَالَ نَعَمْ» ؛ وَلِأَنَّ الْحَجْبَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لِمَعْنًى لَا يُوجَدُ بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَثْبُتَ الْحَجْبُ بَيْنَهُمَا، كَالْمُسْلِمِ
مَعَ الذِّمِّيِّ؛ وَلِأَنَّ الْحِجَابَ إنَّمَا يَجِبُ بِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: 31] فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ جُمْلَةَ النِّسَاءِ.
[فَصْلٌ نَظَرُ الْمَرْأَةِ إلَى الرَّجُلِ]
(5343) فَصْلٌ: فَأَمَّا نَظَرُ الْمَرْأَةِ إلَى الرَّجُلِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، إحْدَاهُمَا: لَهَا النَّظَرُ إلَى مَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ.
وَالْأُخْرَى: لَا يَجُوزُ لَهَا النَّظَرُ مِنْ الرَّجُلِ إلَّا إلَى مِثْلِ مَا يَنْظُرُ إلَيْهِ مِنْهَا.
اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لِمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ نَبْهَانَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «كُنْت قَاعِدَةً عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَا وَحَفْصَةُ فَاسْتَأْذَنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: احْتَجِبْنَ مِنْهُ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ ضَرِيرٌ لَا يُبْصِرُ قَالَ: أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا لَا تُبْصِرَانِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَغَيْرُهُ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ النِّسَاءَ بِغَضِّ أَبْصَارِهِنَّ، كَمَا أَمَرَ الرِّجَالَ بِهِ؛ وَلِأَنَّ النِّسَاءَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْآدَمِيِّينَ، فَحَرُمَ، عَلَيْهِنَّ النَّظَرُ إلَى النَّوْعِ الْآخَرِ قِيَاسًا عَلَى الرِّجَالِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْمَعْنَى الْمُحَرِّمَ لِلنَّظَرِ خَوْفُ الْفِتْنَةِ، وَهَذَا فِي الْمَرْأَةِ أَبْلَغُ، فَإِنَّهَا أَشَدُّ شَهْوَةً، وَأَقَلُّ عَقْلًا، فَتُسَارِعُ الْفِتْنَةُ إلَيْهَا أَكْثَرَ.
وَلَنَا «، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَكَ فَلَا يَرَاكِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
«. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إلَى الْحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ «. وَيَوْمَ فَرَغَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ خُطْبَةِ الْعِيدِ، مَضَى إلَى النِّسَاءِ فَذَكَّرَهُنَّ، وَمَعَهُ بِلَالٌ فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ» ؛ وَلِأَنَّهُنَّ لَوْ مُنِعْنَ النَّظَرَ، لَوَجَبَ عَلَى الرِّجَالِ الْحِجَابُ، كَمَا وَجَبَ عَلَى النِّسَاءِ، لِئَلَّا يَنْظُرْنَ إلَيْهِمْ.
فَأَمَّا حَدِيثُ نَبْهَانَ فَقَالَ أَحْمَدُ: نَبْهَانُ رَوَى حَدِيثَيْنِ عَجِيبَيْنِ.
يَعْنِي هَذَا الْحَدِيثَ، وَحَدِيثَ: «إذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ» وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إلَى ضَعْفِ حَدِيثِهِ.
إذْ لَمْ يَرْوِ إلَّا هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ الْمُخَالِفَيْنِ لِلْأُصُولِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: نَبْهَانُ مَجْهُولٌ، لَا يُعْرَفُ إلَّا بِرِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ، وَحَدِيثُ فَاطِمَةَ صَحِيحٌ فَالْحُجَّةُ بِهِ لَازِمَةٌ ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّ حَدِيثَ نَبْهَانَ خَاصٌّ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: كَانَ حَدِيثُ نَبْهَانَ لِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً وَحَدِيثُ
فَاطِمَةَ لِسَائِرِ النَّاسِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ قُدِّرَ التَّعَارُضُ فَتَقْدِيمُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَوْلَى مِنْ الْأَخْذِ بِحَدِيثٍ مُفْرَدٍ، فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ.
[مَسْأَلَةٌ زَوَّجَ أَمَتَهُ وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُمْ بِالنَّهَارِ وَيَبْعَثَ بِهَا إلَيْهِ بِاللَّيْلِ]
(5344) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُمْ بِالنَّهَارِ، وَيَبْعَثَ بِهَا إلَيْهِ بِاللَّيْلِ، فَالْعَقْدُ وَالشَّرْطُ جَائِزَانِ، وَعَلَى الزَّوْجِ النَّفَقَةُ مُدَّةَ مُقَامِهَا عِنْدَهُ) أَمَّا الشَّرْطُ: فَصَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِمَقْصُودِ النِّكَاحِ، فَإِنَّ الِاسْتِمْتَاعَ إنَّمَا يَكُونُ لَيْلًا، وَإِذَا كَانَ الشَّرْطُ صَحِيحًا لَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الْعَقْدِ، فَيَكُونَانِ صَحِيحَيْنِ.
وَعَلَى الزَّوْجِ النَّفَقَةُ فِي اللَّيْلِ؛ لِأَنَّهَا سُلِّمَتْ إلَيْهِ فِيهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَةُ النَّهَارِ؛ لِأَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ، وَهُوَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فِي تِلْكَ الْحَالِ.
وَإِذَا لَمْ تَجِبْ نَفَقَةُ النَّهَارِ عَلَى الزَّوْجِ، وَجَبَتْ عَلَى السَّيِّدِ؛ لِأَنَّهَا فِي خِدْمَتِهِ حِينَئِذٍ؛ وَلِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى الْأَصْلِ فِي وُجُوبِهَا عَلَى السَّيِّدِ، فَتَكُونُ نَفَقَتُهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَكَذَلِكَ الْكُسْوَةُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَيْسَ عَلَى الزَّوْجِ شَيْءٌ مِنْ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا بِالتَّمْكِينِ التَّامِّ، وَلَمْ يُوجَدْ، فَلَمْ يَجِبْ مِنْهَا شَيْءٌ كَالْحُرَّةِ إذَا بَذَلَتْ التَّسْلِيمَ فِي بَعْضِ الزَّمَانِ دُونَ بَعْضٍ.
وَلَنَا أَنَّ النَّفَقَةَ عِوَضٌ فِي مُقَابَلَةِ الْمَنْفَعَةِ، فَوَجَبَ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا يَسْتَوْفِيهِ، كَالْأُجْرَةِ فِي الْإِجَارَةِ، وَفَارَقَتْ الْحُرَّةَ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ عَلَيْهَا وَاجِبٌ فِي جَمِيعِ الزَّمَانِ، فَإِذَا امْتَنَعَتْ مِنْهُ فِي الْبَعْضِ، فَلَمْ تُسَلِّمْ مَا وَجَبَ عَلَيْهَا تَسْلِيمُهُ، وَهَاهُنَا قَدْ سَلَّمَ السَّيِّدُ جَمِيعَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ: فَإِنْ زَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَقَالَ الْقَاضِي: الْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ شَرَطَ، وَلَهُ اسْتِخْدَامُهَا نَهَارًا، وَعَلَيْهِ إرْسَالُهَا لَيْلًا لِلِاسْتِمْتَاعِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ زَمَانُهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ مِنْ أَمَتِهِ مَنْفَعَتَيْنِ، مَنْفَعَةَ الِاسْتِخْدَامِ وَالِاسْتِمْتَاعِ، فَإِذَا عَقَدَ عَلَى إحْدَاهُمَا، لَمْ يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُهَا إلَّا فِي زَمَنِ اسْتِيفَائِهَا، كَمَا لَوْ أَجَّرَهَا لِلْخِدْمَةِ، لَمْ يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُهَا إلَّا فِي زَمَنِهَا وَهُوَ النَّهَارُ، وَالنَّفَقَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ إقَامَتِهَا عِنْدَهُمَا وَإِنْ تَبَرَّعَ السَّيِّدُ بِإِرْسَالِهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، فَالنَّفَقَةُ كُلُّهَا عَلَى الزَّوْجِ، وَإِنْ تَبَرَّعَ الزَّوْجُ بِتَرْكِهَا عِنْدَ السَّيِّدِ لَيْلًا وَنَهَارًا، لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا عَنْهُ.
وَلَوْ تَبَرُّعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِتَرْكِهَا عِنْدَ الْآخَرِ، وَتَدَافَعَاهَا، كَانَتْ نَفَقَتُهَا كُلُّهَا عَلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ تَقْتَضِي وُجُوبَ النَّفَقَةِ، مَا لَمْ يُمْنَعْ مِنْ اسْتِمْتَاعِهَا، عُدْوَانًا أَوْ بِشَرْطٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَلِذَلِكَ تَجِبُ نَفَقَتُهَا مَعَ تَعَذُّرِ اسْتِمْتَاعِهَا بِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ نَحْوِهِمَا فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّيِّدِ هَاهُنَا مَنْعٌ
فَالنَّفَقَةُ عَلَى الزَّوْجِ؛ لِوُجُودِ الزَّوْجِيَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لَهَا، وَعَدَمِ الْمَانِعِ مِنْهَا.
(5346) فَصْلٌ: فَإِنْ أَرَادَ الزَّوْجُ السَّفَرَ بِهَا، لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ خِدْمَتَهَا الْمُسْتَحَقَّةَ لِسَيِّدِهَا، وَإِنْ أَرَادَ السَّيِّدُ السَّفَرَ بِهَا، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: مَا أَدْرِي.
فَيُحْتَمَلُ الْمَنْعُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ حَقَّ الزَّوْجِ مِنْهَا، فَمُنِعَ مِنْهُ، قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ مَنَعَهُ مِنْهُ مَعَ الْإِقَامَةِ؛ وَلِأَنَّهُ مَالِكٌ لِإِحْدَى مَنْفَعَتَيْهَا، فَلَمْ يَمْلِكْ مَنْعَ الْآخَرِ مِنْ السَّفَرِ بِهَا، كَالسَّيِّدِ، وَكَمَا لَوْ أَجَّرَهَا ثُمَّ أَرَادَ السَّفَرَ بِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّ لَهُ السَّفَرَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ مَالِكُ رَقَبَتِهَا، كَسَيِّدِ الْعَبْدِ إذَا زَوَّجَهُ، وَإِنْ شَرَطَ الزَّوْجُ أَنْ تُسَلَّمَ إلَيْهِ الْأَمَةُ لَيْلًا وَنَهَارًا، جَازَ وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا كُلُّهَا، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ السَّفَرُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي نَفْعِهَا.
[فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ التَّزَوُّجَ أَنْ يَخْتَارَ ذَاتَ الدِّينِ]
(5347) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ التَّزَوُّجَ أَنْ يَخْتَارَ ذَاتَ الدِّينِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَيَخْتَارُ الْبِكْرَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَتَزَوَّجْت يَا جَابِرُ؟ قَالَ: قُلْت: نَعَمْ قَالَ: بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟ قَالَ: قُلْت: بَلْ ثَيِّبًا قَالَ: فَهَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُك؟» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ عَطَاءٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ، فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا وَأَنْقَى أَرْحَامًا» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَفِي رِوَايَةٍ: «وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ» وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ مِنْ نِسَاءٍ يُعْرَفْنَ بِكَثْرَةِ الْوِلَادَةِ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ، وَيَنْهَى عَنْ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا، وَيَقُولُ: تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ سَعِيدٌ وَرَوَى مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنِّي أَصَبْت امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَمَنْصِبٍ، إلَّا أَنَّهَا لَا تَلِدُ، أَفَأَتَزَوَّجُهَا؟ فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، فَنَهَاهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يَا بَنِي هَاشِمٍ عَلَيْكُمْ بِنِسَاءِ الْأَعَاجِمِ، فَالْتَمِسُوا أَوْلَادَهُنَّ فَإِنَّ فِي أَرْحَامِهِنَّ الْبَرَكَةَ» وَيَخْتَارُ الْجَمِيلَةَ؛ لِأَنَّهَا أَسْكَنُ لِنَفْسِهِ، وَأَغَضُّ لِبَصَرِهِ، وَأَكْمَلُ لِمَوَدَّتِهِ،
وَلِذَلِكَ شُرِعَ النَّظَرُ قَبْلَ النِّكَاحِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «إنَّمَا النِّسَاءُ لُعَبٌ، فَإِذَا اتَّخَذَ أَحَدُكُمْ لُعْبَةً فَلِيَسْتَحْسِنَّهَا» .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟ قَالَ الَّتِي تَسُرُّهُ إذَا نَظَرَ، وَتُطِيعُهُ إذَا أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَلَا فِي مَالِهِ بِمَا يَكْرَهُ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «خَيْرُ فَائِدَةٍ أَفَادَهَا الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ بَعْدَ إسْلَامِهِ، امْرَأَةٌ جَمِيلَةٌ، تَسُرُّهُ إذَا نَظَرَ إلَيْهَا، وَتُطِيعُهُ إذَا أَمَرَهَا، وَتَحْفَظُهُ فِي غَيْبَتِهِ فِي مَالِهِ وَنَفْسِهَا» رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَيَخْتَارُ ذَاتَ الْعَقْلِ، وَيَجْتَنِبُ الْحَمْقَاءَ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يُرَادُ لِلْعِشْرَةِ، وَلَا تَصْلُحُ الْعِشْرَةُ مَعَ الْحَمْقَاءِ وَلَا يَطِيبُ الْعَيْشُ مَعَهَا، وَرُبَّمَا تَعَدَّى ذَلِكَ إلَى وَلَدِهَا.
وَقَدْ قِيلَ: اجْتَنِبُوا الْحَمْقَاءَ، فَإِنَّ وَلَدَهَا ضَيَاعٌ، وَصُحْبَتَهَا بَلَاءٌ.
وَيَخْتَارُ الْحَسِيبَةَ، لِيَكُونَ وَلَدُهَا نَجِيبًا، فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَشْبَهَ أَهْلَهَا، وَنَزَعَ إلَيْهِمْ.
وَكَانَ يُقَالُ: إذَا أَرَدْت أَنْ تَتَزَوَّجَ امْرَأَةً فَانْظُرْ إلَى أَبِيهَا وَأَخِيهَا.
وَعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ، وَانْكِحُوا الْأَكْفَاءَ، وَأَنْكِحُوا إلَيْهِمْ» وَيَخْتَارُ الْأَجْنَبِيَّةَ، فَإِنَّ وَلَدَهَا أَنْجَبُ، وَلِهَذَا يُقَالُ: اغْتَرِبُوا لَا تَضْوُوا يَعْنِي: انْكِحُوا الْغَرَائِبَ كَيْ لَا تَضْعُفَ أَوْلَادُكُمْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْغَرَائِبُ أَنْجَبُ، وَبَنَاتُ الْعَمِّ أَصْبَرُ؛ وَلِأَنَّهُ لَا تُؤْمَنُ الْعَدَاوَةُ فِي النِّكَاحِ، وَإِفْضَاؤُهُ إلَى الطَّلَاقِ، فَإِذَا كَانَ فِي قَرَابَتِهِ أَفْضَى إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ الْمَأْمُورِ بِصِلَتِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ مَا يَحْرُمُ نِكَاحُهُ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ]
َ التَّحْرِيمُ لِلنِّكَاحِ ضَرْبَانِ: تَحْرِيمُ عَيْنٍ، وَتَحْرِيمُ جَمْعٍ.
وَيَتَنَوَّعُ أَيْضًا نَوْعَيْنِ: تَحْرِيمُ نَسَبٍ، وَتَحْرِيمُ سَبَبٍ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، فَأَمَّا الْكِتَابُ: فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] وَالْآيَةُ الَّتِي قَبْلَهَا وَاَلَّتِي بَعْدَهَا، وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَجْمَعُ الرَّجُلُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَالَتِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ مَا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى تَحْرِيمِهِ.
[الْمُحَرَّمَاتُ نِكَاحُهُنَّ بِالْأَنْسَابِ]
(5348) قَالَ: (وَالْمُحَرَّمَاتُ نِكَاحُهُنَّ بِالْأَنْسَابِ: الْأُمَّهَاتُ، وَالْبَنَاتُ، وَالْأَخَوَاتُ، وَالْعَمَّاتُ، وَالْخَالَاتُ، وَبَنَاتُ الْأَخِ، وَبَنَاتُ الْأُخْتِ.
وَالْمُحَرَّمَاتُ بِالْأَسْبَابِ: الْأُمَّهَاتُ الْمُرْضِعَاتُ، وَالْأَخَوَاتُ مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَأُمَّهَاتُ النِّسَاءِ، وَبَنَاتُ النِّسَاءِ اللَّاتِي دَخَلَ بِهِنَّ، وَحَلَائِلُ الْأَبْنَاءِ، وَزَوْجَاتُ الْأَبِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَى تَحْرِيمِهِنَّ فِي الْكِتَابِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، سَبْعٌ بِالنَّسَبِ، وَاثْنَتَانِ بِالرَّضَاعِ، وَأَرْبَعٌ بِالْمُصَاهَرَةِ، وَوَاحِدَةٌ بِالْجَمْعِ.
فَأَمَّا اللَّوَاتِي بِالنَّسَبِ فَأَوَّلُهُنَّ الْأُمَّهَاتُ، وَهُنَّ كُلُّ مَنْ انْتَسَبْت إلَيْهَا بِوِلَادَةٍ، سَوَاءٌ وَقَعَ عَلَيْهَا اسْمُ الْأُمِّ حَقِيقَةً، وَهِيَ الَّتِي وَلَدَتْك.
أَوْ مَجَازًا، وَهِيَ الَّتِي وَلَدَتْ مَنْ وَلَدَك وَإِنْ عَلَتْ، مِنْ ذَلِكَ جَدَّتَاك: أُمُّ أُمِّك وَأُمُّ أَبِيك، وَجَدَّتَا أُمِّك وَجَدَّتَا أَبِيك، وَجَدَّاتُ جَدَّاتِك وَجَدَّاتُ أَجْدَادِك وَإِنْ عَلَوْنَ، وَارِثَاتٍ كُنَّ أَوْ غَيْرَ وَارِثَاتٍ، كُلُّهُنَّ أُمَّهَاتٌ مُحَرَّمَاتٌ ذَكَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ هَاجَرَ أُمَّ إسْمَاعِيلَ فَقَالَ: تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ وَفِي الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى أَبِينَا آدَمَ وَأُمِّنَا حَوَّاءَ.
وَالْبَنَاتُ، وَهُنَّ كُلُّ أُنْثَى انْتَسَبَتْ إلَيْك بِوِلَادَتِك كَابْنَةِ الصُّلْبِ، وَبَنَاتِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ، وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُنَّ.
وَارِثَاتٌ أَوْ غَيْرُ وَارِثَاتٍ، كُلُّهُنَّ بَنَاتٌ مُحَرَّمَاتٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] فَإِنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ بِنْتُ آدَمَ، كَمَا أَنَّ كُلَّ رَجُلٍ ابْنُ آدَمَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: 26] وَالْأَخَوَاتُ مِنْ الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ، مِنْ الْأَبَوَيْنِ أَوْ مِنْ الْأَبِ، أَوْ مِنْ الْأُمِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] وَلَا تَفْرِيعَ عَلَيْهِنَّ، وَالْعَمَّاتُ أَخَوَاتُ الْأَبِ مِنْ الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ، وَأَخَوَاتُ الْأَجْدَادِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَمِنْ قِبَلِ الْأُمِّ، قَرِيبًا كَانَ الْجَدُّ أَوْ بَعِيدًا، وَارِثًا أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] وَالْخَالَاتُ أَخَوَاتُ الْأُمِّ مِنْ الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ، وَأَخَوَاتُ الْجَدَّاتِ وَإِنْ عَلَوْنَ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ كُلَّ جَدَّةٍ أُمٌّ، فَكَذَلِكَ كُلُّ أُخْتٍ لِجَدَّةٍ خَالَةٌ مُحَرَّمَةٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَخَالاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] وَبَنَاتُ الْأَخِ، كُلُّ امْرَأَةٍ انْتَسَبَتْ إلَى أَخٍ بِوِلَادَةٍ فَهِيَ بِنْتُ أَخٍ مُحَرَّمَةٌ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَ الْأَخُ
لِقَوْلِهِ تَعَالَى تَعَالَى: ﴿وَبَنَاتُ الأَخِ﴾ [النساء: 23] وَبَنَاتُ الْأُخْتِ كَذَلِكَ أَيْضًا مُحَرَّمَاتٌ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ﴿وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النساء: 23] فَهَؤُلَاءِ الْمُحَرَّمَاتُ بِالْأَنْسَابِ
النَّوْعُ الثَّانِي، الْمُحَرَّمَاتُ تَحْرِيمَ السَّبَبِ وَهُوَ قِسْمَانِ: رَضَاعٌ وَمُصَاهَرَةٌ، فَأَمَّا الرَّضَاعُ: فَالْمَنْصُوصُ عَلَى التَّحْرِيمِ فِيهِ اثْنَتَانِ؛ الْأُمَّهَاتُ الْمُرْضِعَاتُ، وَهُنَّ اللَّاتِي أَرْضَعْنَك وَأُمَّهَاتُهُنَّ
وَجَدَّاتُهُنَّ وَإِنْ عَلَتْ دَرَجَتُهُنَّ، عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَا فِي النَّسَبِ، مُحَرَّمَاتٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23] كُلُّ امْرَأَةٍ أَرْضَعَتْك أُمُّهَا، أَوْ أَرْضَعَتْهَا أُمُّك أَوْ أَرْضَعَتْك وَإِيَّاهَا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، أَوْ ارْتَضَعْت أَنْتَ وَهِيَ مِنْ لَبَنِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، كَرَجُلٍ لَهُ امْرَأَتَانِ، لَهُمَا لَبَنٌ أَرْضَعَتْك إحْدَاهُمَا، وَأَرْضَعَتْهَا الْأُخْرَى، فَهِيَ أُخْتُك.
مُحَرَّمَةٌ عَلَيْك لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23] الْقِسْمُ الثَّانِي: تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ، وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ أَرْبَعٌ، أُمَّهَاتُ النِّسَاءِ، فَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً حَرُمَ عَلَيْهِ كُلُّ أُمٍّ لَهَا، مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، قَرِيبَةٍ أَوْ بَعِيدَةٍ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وَجَابِرٌ وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَكَثِيرٌ مِنْ التَّابِعِينَ وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَحُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ إلَّا بِالدُّخُولِ بِابْنَتِهَا، كَمَا لَا تَحْرُمُ ابْنَتُهَا إلَّا بِالدُّخُولِ وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23] وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهَا مِنْ نِسَائِهِ، فَتَدْخُلُ أُمُّهَا فِي عُمُومِ الْآيَةِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَبْهِمُوا مَا أَبْهَمَ الْقُرْآنُ يَعْنِي عَمِّمُوا حُكْمَهَا فِي كُلِّ حَالٍ، وَلَا تَفْصِلُوا بَيْنَ الْمَدْخُولِ بِهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا.
وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ دَخَلَ بِهَا، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ رَبِيبَتَهُ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا» رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ وَقَالَ زَيْدٌ تَحْرُمُ بِالدُّخُولِ أَوْ بِالْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الدُّخُولِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ وُجِدَ الدُّخُولُ أَوْ الْمَوْتُ أَوْ لَا؛ وَلِأَنَّهَا حَرُمَتْ بِالْمُصَاهَرَةِ بِقَوْلٍ مُبْهَمٍ، فَحَرُمَتْ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، كَحَلِيلَةِ الِابْنِ وَالْأَبِ.
الثَّانِيَةُ: بَنَاتُ النِّسَاءِ اللَّاتِي دَخَلَ بِهِنَّ، وَهُنَّ الرَّبَائِبُ، فَلَا يَحْرُمْنَ إلَّا بِالدُّخُولِ بِأُمَّهَاتِهِنَّ، وَهُنَّ كُلُّ بِنْتٍ لِلزَّوْجَةِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، قَرِيبَةٍ أَوْ بَعِيدَةٍ، وَارِثَةٍ أَوْ غَيْرِ وَارِثَةٍ، عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْبَنَاتِ، إذَا دَخَلَ بِالْأُمِّ حَرُمَتْ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِجْرِهِ أَوْ لَمْ تَكُنْ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُمَا رَخَّصَا فِيهَا إذَا لَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِهِ وَهُوَ قَوْلُ دَاوُد لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: 23] قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَقَدْ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْقَوْلِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي هَذَا «وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُمِّ حَبِيبَةَ: لَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ، وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ» وَلِأَنَّ التَّرْبِيَةَ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي التَّحْرِيمِ كَسَائِرِ الْمُحَرِّمَاتِ، وَأَمَّا الْآيَةُ فَلَمْ تَخْرُجْ مَخْرَجَ الشَّرْطِ، وَإِنَّمَا وَصَفَهَا بِذَلِكَ تَعْرِيفًا لَهَا بِغَالِبِ حَالِهَا، وَمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِمَفْهُومِهِ
وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِالْمَرْأَةِ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ بَنَاتُهَا، فِي قَوْلِ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ إذَا بَانَتْ مِنْ نِكَاحِهِ، إلَّا أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، إحْدَاهُمَا: تَحْرُمُ ابْنَتُهَا.
وَبِهِ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّ الْمَوْتَ أُقِيمَ مَقَامَ الدُّخُولِ فِي تَكْمِيلِ الْعِدَّةِ وَالصَّدَاقِ، فَيَقُومُ مَقَامَهُ فِي تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا تَحْرُمُ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَمَذْهَبُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَوَامُّ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا تَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ، ثُمَّ طَلَّقَهَا، أَوْ مَاتَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ ابْنَتَهَا كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 23] وَهَذَا نَصٌّ لَا يُتْرَكُ لِقِيَاسٍ ضَعِيفٍ وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ وَلِأَنَّهَا فُرْقَةٌ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَمْ تُحَرِّمْ الرَّبِيبَةَ.
كَفُرْقَةِ الطَّلَاقِ، وَالْمَوْتُ لَا يَجْرِي مَجْرَى الدُّخُولِ فِي الْإِحْصَانِ وَالْإِحْلَالِ وَعِدَّةِ الْأَقْرَاءِ، وَقِيَامُهُ مَقَامَهُ مِنْ وَجْهٍ لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ مُفَارَقَتِهِ إيَّاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَلَوْ قَامَ مَقَامَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَلَا يُتْرَكُ صَرِيحُ نَصِّ اللَّهِ تَعَالَى وَنَصِّ رَسُولِهِ لِقِيَاسٍ وَلَا غَيْرِهِ إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الدُّخُولَ بِهَا هُوَ وَطْؤُهَا، كُنِّيَ عَنْهُ بِالدُّخُولِ، فَإِنْ خَلَا بِهَا وَلَمْ يَطَأْهَا، لَمْ تَحْرُمْ ابْنَتُهَا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَدْخُولٍ بِهَا.
وَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ تَحْرِيمُهَا؛ لِقَوْلِهِ: فَإِنْ خَلَا بِهَا وَقَالَ لَمْ أَطَأْهَا وَصَدَّقَتْهُ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِمَا وَكَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْمَدْخُولِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهَا، إلَّا فِي الرُّجُوعِ إلَى زَوْجٍ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، وَفِي الزِّنَا، فَإِنَّهُمَا يُجْلَدَانِ وَلَا يُرْجَمَانِ وَسَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
الثَّالِثَةُ: حَلَائِلُ الْأَبْنَاءِ، يَعْنِي أَزْوَاجَهُمْ، سُمِّيَتْ امْرَأَةُ الرَّجُلِ حَلِيلَتَهُ لِأَنَّهَا مَحَلُّ إزَارِ زَوْجِهَا، وَهِيَ مُحَلَّلَةٌ لَهُ، فَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ أَزْوَاجُ أَبْنَائِهِ، وَأَبْنَاءُ بَنَاتِهِ، مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: 23] وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
الرَّابِعَةُ: زَوْجَاتُ الْأَبِ، فَتَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ امْرَأَةُ أَبِيهِ، قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا، وَارِثًا كَانَ أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ، مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 22] وَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ: «لَقِيت خَالِي، وَمَعَهُ الرَّايَةُ، فَقُلْت: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ أَوْ أَقْتُلَهُ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: لَقِيت عَمِّي الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو، وَمَعَهُ الرَّايَةُ فَذَكَرَ الْخَبَرَ كَذَلِكَ.
رَوَاهُ سَعِيدٌ وَغَيْرُهُ
وَسَوَاءٌ فِي هَذَا امْرَأَةُ أَبِيهِ، أَوْ امْرَأَةُ جَدِّهِ لِأَبِيهِ، وَجَدِّهِ لِأُمِّهِ، قَرُبَ أَمْ بَعُدَ وَلَيْسَ فِي هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافٌ عَلِمْنَاهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
وَيَحْرُمُ
عَلَيْهِ مَنْ وَطِئَهَا أَبُوهُ، أَوْ ابْنُهُ، بِمِلْكِ يَمِينٍ أَوْ شُبْهَةٍ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَنْ وَطِئَهَا فِي عَقْدِ نِكَاحٍ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: الْمِلْكُ فِي هَذَا وَالرَّضَاعُ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ، وَمِمَّنْ حَفِظْنَا ذَلِكَ عَنْهُ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَمَكْحُولٌ وَقَتَادَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَلَا نَحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ خِلَافَهُمْ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: تَحْرِيمُ الْجَمْعِ.
وَالْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَتَا مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، حُرَّتَيْنِ كَانَتَا أَوْ أَمَتَيْنِ أَوْ حُرَّةً وَأَمَةً، مِنْ أَبَوَيْنِ كَانَتَا أَوْ مِنْ أَبٍ أَوْ أُمٍّ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا مَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، لِعُمُومِ الْآيَةِ.
فَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فَسَدَ؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَسَوَاءٌ عَلِمَ بِذَلِكَ حَالَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ تَزَوَّجَ إحْدَاهُمَا بَعْدَ الْأُخْرَى فَنِكَاحُ الْأُولَى صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ جَمْعٌ، وَنِكَاحُ الثَّانِيَةِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ بِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ، وَلَيْسَ فِي هَذَا - بِحَمْدِ اللَّهِ - اخْتِلَافٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ تَفْرِيعٌ.
[مَسْأَلَةٌ يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ]
(5349) مَسْأَلَةٌ: (وَيَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ) كُلُّ امْرَأَةٍ حَرُمَتْ مِنْ النَّسَبِ حَرُمَ مِثْلُهَا مِنْ الرَّضَاعِ، وَهُنَّ الْأُمَّهَاتُ، وَالْبَنَاتُ، وَالْأَخَوَاتُ، وَالْعَمَّاتُ، وَالْخَالَاتُ، وَبَنَاتُ الْأَخِ، وَبَنَاتُ الْأُخْتِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي شَرَحْنَاهُ فِي النَّسَبِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: «الرَّضَاعُ يُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ» «وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي دُرَّةَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ: إنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي، مَا حَلَّتْ لِي، إنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا ثُوَيْبَةُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَلِأَنَّ الْأُمَّهَاتِ وَالْأَخَوَاتِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِنَّ، وَالْبَاقِيَاتُ يَدْخُلْنَ فِي عُمُومِ لَفْظِ سَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ.
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
[مَسْأَلَةٌ لَبَنُ الْفَحْلِ مُحَرِّمٌ]
(5350) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَبَنُ الْفَحْلِ مُحَرِّمٌ) مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَرْضَعَتْ طِفْلًا بِلَبَنٍ ثَابَ مِنْ وَطْءِ رَجُلٍ حَرُمَ الطِّفْلُ عَلَى الرَّجُلِ وَأَقَارِبِهِ، كَمَا يَحْرُمُ وَلَدُهُ مِنْ النَّسَبِ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ مِنْ الرَّجُلِ كَمَا هُوَ مِنْ الْمَرْأَةِ، فَيَصِيرُ الطِّفْلُ وَلَدًا لِلرَّجُلِ، وَالرَّجُلُ أَبَاهُ، وَأَوْلَادُ الرَّجُلِ إخْوَتَهُ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ تِلْكَ الْمَرْأَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا، وَإِخْوَةُ الرَّجُلِ وَأَخَوَاتُهُ أَعْمَامُ الطِّفْلِ وَعَمَّاتُهُ، وَآبَاؤُهُ وَأُمَّهَاتُهُ أَجْدَادُهُ وَجَدَّاتُهُ.
قَالَ أَحْمَدُ لَبَنُ الْفَحْلِ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ امْرَأَتَانِ، فَتُرْضِعَ هَذِهِ صَبِيَّةً وَهَذِهِ صَبِيًّا لَا يُزَوَّجُ هَذَا مِنْ هَذَا وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ رَجُلٍ لَهُ جَارِيَتَانِ، أَرْضَعَتْ إحْدَاهُمَا جَارِيَةٍ وَالْأُخْرَى
غُلَامًا، فَقَالَ: لَا، اللِّقَاحُ وَاحِدٌ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا تَفْسِيرُ لَبَنِ الْفَحْلِ.
وَمِمَّنْ قَالَ بِتَحْرِيمِهِ عَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْقَاسِمُ وَعُرْوَةُ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَرَخَّصَ فِي لَبَنِ الْفَحْلِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَالنَّخَعِيُّ، وَأَبُو قِلَابَةَ
وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرِ مُسَمِّينَ؛ لِأَنَّ الرَّضَاعَ مِنْ الْمَرْأَةِ لَا مِنْ الرَّجُلِ.
وَيُرْوَى عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهَا أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، امْرَأَةُ الزُّبَيْرِ قَالَتْ: وَكَانَ الزُّبَيْرُ يَدْخُلُ عَلَيَّ وَأَنَا أَمْتَشِطُ، فَيَأْخُذُ بِقَرْنٍ مِنْ قُرُونِ رَأْسِي، فَيَقُولُ: أَقْبِلِي عَلَيَّ فَحَدِّثِينِي.
أَرَاهُ وَالِدًا، وَمَا وَلَدَ فَهُمْ إخْوَتِي، ثُمَّ إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَرْسَلَ إلَيَّ يَخْطُبُ أُمَّ كُلْثُومٍ ابْنَتِي، عَلَى حَمْزَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَكَانَ حَمْزَةُ لِلْكَلْبِيَّةِ، فَقُلْت لِرَسُولِهِ: وَهَلْ تَحِلُّ لَهُ وَإِنَّمَا هِيَ ابْنَةُ أُخْتِهِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إنَّمَا أَرَدْت بِهَذَا الْمَنْعَ لِمَا قِبَلَك، أَمَّا مَا وَلَدَتْ أَسْمَاءُ فَهُمْ إخْوَتُك، وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِ أَسْمَاءَ فَلَيْسُوا لَك بِإِخْوَةٍ، فَأَرْسِلِي فَسَلِي عَنْ هَذَا، فَأَرْسَلَتْ فَسَأَلَتْ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَوَافِرُونَ، فَقَالُوا لَهَا: إنَّ الرَّضَاعَةَ مِنْ قِبَلِ الرَّجُلِ لَا تُحَرِّمُ شَيْئًا فَأَنْكَحَتْهَا إيَّاهُ، فَلَمْ تَزَلْ عِنْدَهُ حَتَّى هَلَكَ عَنْهَا.
وَلَنَا
مَا رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَقُلْت: وَاَللَّهِ لَا آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَتُهُ فَقَالَ ائْذَنِي لَهُ، فَإِنَّهُ عَمُّك، تَرِبَتْ يَمِينُك قَالَ عُرْوَةُ: فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَأْخُذُ بِقَوْلِ: حَرِّمُوا مِنْ الرَّضَاعِ مَا يُحَرَّمُ مِنْ النَّسَبِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهَذَا نَصٌّ قَاطِعٌ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى مَا خَالَفَهُ.
فَأَمَّا حَدِيثُ زَيْنَبَ فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ حُجَّةٌ لَنَا، فَإِنَّ الزُّبَيْرَ كَانَ يَعْتَقِدُهَا ابْنَتَهُ وَتَعْتَقِدُهُ أَبَاهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا كَانَ مَشْهُورًا عِنْدَهُمْ، وَقَوْلُهُ مَعَ إقْرَارِ أَهْلِ عَصْرِهِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ ابْنِهِ وَقَوْلِ قَوْمٍ لَا يُعْرَفُونَ.
[مَسْأَلَةٌ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا]
(5351) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ خَالَتِهَا) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ وَلَيْسَ فِيهِ - بِحَمْدِ اللَّهِ - اخْتِلَافٌ، إلَّا أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْبِدَعِ مِمَّنْ لَا تُعَدُّ مُخَالَفَتُهُ خِلَافًا، وَهُمْ الرَّافِضَةُ وَالْخَوَارِجُ، لَمْ يُحَرِّمُوا ذَلِكَ، وَلَمْ يَقُولُوا بِالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلَا الْعَمَّةُ عَلَى بِنْتِ أَخِيهَا، وَلَا الْمَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا، وَلَا الْخَالَةُ عَلَى بِنْتِ أُخْتِهَا، لَا تُنْكَحُ الْكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى، وَلَا الصُّغْرَى عَلَى الْكُبْرَى» وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إيقَاعُ الْعَدَاوَةِ بَيْنَ الْأَقَارِبِ، وَإِفْضَاؤُهُ إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِيمَا ذَكَرْنَا فَإِنْ احْتَجُّوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] خَصَّصْنَاهُ بِمَا رَوَيْنَاهُ وَبَلَغَنَا أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ الْخَوَارِجِ أَتَيَا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَكَانَ مِمَّا أَنْكَرَا عَلَيْهِ رَجْمَ الزَّانِيَيْنِ وَتَحْرِيمَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ خَالَتِهَا، وَقَالَا: لَيْسَ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ لَهُمَا: كَمْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ الصَّلَاةِ؟ قَالَا: خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَسَأَلَهُمَا عَنْ عَدَدِ رَكَعَاتِهَا، فَأَخْبَرَاهُ بِذَلِكَ وَسَأَلَهُمَا عَنْ مِقْدَارِ الزَّكَاةِ وَنُصُبِهَا، فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ: فَأَيْنَ تَجِدَانِ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَا: لَا نَجِدُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ: فَمِنْ أَيْنَ صِرْتُمَا إلَى ذَلِكَ؟ قَالَا: فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ: قَالَ فَكَذَلِكَ هَذَا.
ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَالَةِ وَالْعَمَّةِ، حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، كَعَمَّاتِ آبَائِهَا وَخَالَاتِهِمْ، وَعَمَّاتِ أُمَّهَاتِهَا وَخَالَاتِهِنَّ، وَإِنْ عَلَتْ دَرَجَتُهُنَّ، مِنْ نَسَبٍ كَانَ ذَلِكَ أَوْ مِنْ رَضَاعٍ فَكُلُّ شَخْصَيْنِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتَزَوَّجَ الْآخَرَ، لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا وَالْآخَرُ أُنْثَى لِأَجْلِ الْقَرَابَةِ، لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِتَأْدِيَةِ ذَلِكَ إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ الْقَرِيبَةِ، لِمَا فِي الطِّبَاعِ مِنْ التَّنَافُسِ وَالْغَيْرَةِ بَيْنَ الضَّرَائِرِ وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَأُمِّهَا فِي الْعَقْدِ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ؛ وَلِأَنَّ الْأُمَّ إلَى ابْنَتِهَا أَقْرَبُ مِنْ الْأُخْتَيْنِ، فَإِذَا لَمْ يُجْمَعْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فَالْمَرْأَةُ وَبِنْتُهَا أَوْلَى.
[فَصْلٌ لَا يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ ابْنَتَيْ الْعَمِّ وَابْنَتَيْ الْخَالِ]
فَصْلٌ: وَلَا يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ ابْنَتَيْ الْعَمِّ، وَابْنَتَيْ الْخَالِ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِعَدَمِ النَّصِّ فِيهِمَا بِالتَّحْرِيمِ، وَدُخُولِهِمَا
فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] وَلِأَنَّ إحْدَاهُمَا تَحِلُّ لَهَا الْأُخْرَى لَوْ كَانَتْ ذَكَرًا، وَفِي كَرَاهَةِ ذَلِكَ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا: يُكْرَهُ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَبِهِ قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَرَوَى أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُزَوَّجَ الْمَرْأَةُ عَلَى ذِي قَرَابَتِهَا، كَرَاهِيَةَ الْقَطِيعَةِ؛ وَلِأَنَّهُ مُفْضٍ إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ الْمَأْمُورِ بِصِلَتِهَا، فَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ الْكَرَاهَةُ.
وَالْأُخْرَى: لَا يُكْرَهُ وَهُوَ قَوْلُ
سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَالشَّعْبِيِّ وَحَسَنِ بْنِ حَسَنٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَتْ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ تُحَرِّمُ الْجَمْعَ، فَلَا يَقْتَضِي كَرَاهَتَهُ، كَسَائِرِ الْأَقَارِبِ.
[مَسْأَلَةٌ عَقَدَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا]
(5353) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا عَقَدَ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَى ابْنِهِ وَأَبِيهِ، وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا، وَالْجَدُّ وَإِنْ عَلَا فِيمَا قُلْت بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ، وَابْنُ الِابْنِ فِيهِ وَإِنْ سَفَلَ بِمَنْزِلَةِ الِابْنِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا عَقَدَ الرَّجُلُ عَقْدَ النِّكَاحِ عَلَيْهَا، حَرُمَتْ عَلَى أَبِيهِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: 23] وَهَذِهِ مِنْ حَلَائِلِ أَبْنَائِهِ، وَتَحْرُمُ عَلَى ابْنِهِ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: 22] وَهَذِهِ قَدْ نَكَحَهَا أَبُوهُ، وَتَحْرُمُ أُمُّهَا عَلَيْهِ لَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23] وَهَذِهِ مِنْهُنَّ وَلَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ - بِحَمْدِ اللَّهِ -، إلَّا شَيْءٌ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَالْجَدُّ كَالْأَبِ فِي هَذَا، وَابْنُ الِابْنِ كَالِابْنِ.
فِيهِ؛ لِأَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ فِي اسْمِ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ، وَالْوَارِثُ وَغَيْرُهُ، مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ، وَمِنْ وَلَدِ الْبَنِينَ أَوْ وَلَدِ الْبَنَاتِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
[مَسْأَلَةٌ كُلُّ مُحَرَّمَةٍ تَحْرُمُ ابْنَتُهَا]
(5354) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَكُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ، فَبَنَاتُهُنَّ فِي التَّحْرِيمِ كَهُنَّ، إلَّا بَنَاتِ الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ وَبَنَاتِ مَنْ نَكَحَهُنَّ الْآبَاءُ وَالْأَبْنَاءُ، فَإِنَّهُنَّ مُحَلَّلَاتٌ، وَكَذَلِكَ بَنَاتُ الزَّوْجَةِ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مُحَرَّمَةٍ تَحْرُمُ ابْنَتُهَا، لِتَنَاوُلِ التَّحْرِيمِ لَهَا، فَالْأُمَّهَاتُ تَحْرُمُ بَنَاتُهُنَّ؛ لِأَنَّهُنَّ
أَخَوَاتٌ أَوْ عَمَّاتٌ أَوْ خَالَاتٌ، وَالْبَنَاتُ تَحْرُمُ بَنَاتُهُنَّ؛ لِأَنَّهُنَّ بَنَاتٌ وَيَحْرُمُ بَنَاتُ الْأَخَوَاتِ وَبَنَاتُهُنَّ؛ لِأَنَّهُنَّ بَنَاتُ الْأُخْتِ، وَكَذَلِكَ بَنَاتُ بَنَاتِ الْأَخِ، إلَّا بَنَاتِ الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ فَلَا يَحْرُمْنَ بِالْإِجْمَاعِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ﴾ [الأحزاب: 50] . فَأَحَلَّهُنَّ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلِأَنَّهُنَّ لَمْ يُذْكَرْنَ فِي التَّحْرِيمِ فَيَدْخُلْنَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] وَكَذَلِكَ لَا يَحْرُمُ بَنَاتُ زَوْجَاتِ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ؛ لِأَنَّهُنَّ حُرِّمْنَ لِكَوْنِهِنَّ حَلَائِلَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي بَنَاتِهِنَّ، وَلَا وُجِدَتْ فِيهِنَّ عِلَّةٌ أُخْرَى تَقْتَضِي تَحْرِيمَهُنَّ فَدَخَلْنَ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] . وَكَذَلِكَ بَنَاتُ الزَّوْجَةِ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا مُحَلَّلَاتٌ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 23] وَهُنَّ الرَّبَائِبُ، وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ حُرِّمَتْ أُمُّهُنَّ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا؛ لِأَنَّهَا مُحَلَّلَةٌ، فَيُشْتَبَهُ حُكْمُهَا فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ حُرِّمَتْ ابْنَةُ الرَّبِيبَةِ، وَلَمْ تُحَرَّمْ ابْنَةُ حَلِيلَةِ الِابْنِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ ابْنَةَ الرَّبِيبَةِ رَبِيبَةٌ، وَابْنَةَ الْحَلِيلَةِ لَيْسَتْ حَلِيلَةً؛ وَلِأَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ أَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهَا، وَالْخَلْوَةِ بِهَا، بِكَوْنِهَا فِي حِجْرِهِ فِي بَيْتِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يُوجَدُ فِي بِنْتِهَا وَإِنْ سَفَلَتْ، وَالْحَلِيلَةُ حُرِّمَتْ بِنِكَاحِ الْأَبِ وَالِابْنِ لَهَا، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي ابْنَتِهَا.
[مَسْأَلَةٌ وَطْءُ الْحَرَامِ مُحَرِّمٌ]
(5355) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَوَطْءُ الْحَرَامِ مُحَرِّمٌ كَمَا يُحَرِّمُ وَطْءُ الْحَلَالِ وَالشُّبْهَةِ) يَعْنِي أَنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ، فَإِذَا زَنَى بِامْرَأَةٍ حَرُمَتْ عَلَى أَبِيهِ وَابْنِهِ، وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا وَابْنَتُهَا، كَمَا لَوْ وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ أَوْ حَلَالًا وَلَوْ وَطِئَ أُمَّ امْرَأَتِهِ أَوْ بِنْتَهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا، فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَرَوَى
ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ الْوَطْءَ الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ.
وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَيَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ، وَعُرْوَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ» وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ لَا تَصِيرُ بِهِ الْمَوْطُوءَةُ فِرَاشًا، فَلَا يُحَرِّمُ كَوَطْءِ الصَّغِيرَةِ.
وَلَنَا قَوْله تَعَالَى تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22] وَالْوَطْءُ يُسَمَّى نِكَاحًا قَالَ الشَّاعِرُ:
إذَا زَنَيْت فَأَجِدْ نِكَاحًا فَحُمِلَ فِي عُمُومِ الْآيَةِ، وَفِي الْآيَةِ قَرِينَةٌ تَصْرِفُهُ إلَى الْوَطْءِ، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا﴾ [النساء: 22] وَهَذَا التَّغْلِيظُ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْوَطْءِ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى رَجُلٍ نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا» وَرَوَى الْجُوزَجَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: (مَلْعُونٌ مَنْ نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا) فَذَكَرْته لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَأَعْجَبَهُ وَلِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ مِنْ التَّحْرِيمِ بِالْوَطْءِ الْمُبَاحِ تَعَلَّقَ بِالْمَحْظُورِ كَوَطْءِ الْحَائِضِ؛ وَلِأَنَّ النِّكَاحَ عَقْدٌ يُفْسِدُهُ الْوَطْءُ بِالشُّبْهَةِ، فَأَفْسَدَهُ الْوَطْءُ الْحَرَامُ كَالْإِحْرَامِ، وَحَدِيثُهُمْ لَا نَعْرِفُ صِحَّتَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ أَشْوَعَ وَبَعْضِ قُضَاةِ الْعِرَاقِ كَذَلِكَ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَقِيلَ: إنَّهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَوَطْءُ الصَّغِيرَةِ مَمْنُوعٌ، ثُمَّ يَبْطُلُ بِوَطْءِ الشُّبْهَةِ.
[فَصْلٌ الْوَطْءُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ]
(5356) فَصْلٌ: وَالْوَطْءُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ؛ مُبَاحٌ، وَهُوَ الْوَطْءُ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ، فَيَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ بِالْإِجْمَاعِ، وَيُعْتَبَرُ مَحْرَمًا لِمَنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ، بِسَبَبٍ مُبَاحٍ، أَشْبَهَ النَّسَبَ.
الثَّانِي: الْوَطْءُ بِالشُّبْهَةِ، وَهُوَ الْوَطْءُ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ، أَوْ شِرَاءٍ فَاسِدٍ، أَوْ وَطْءُ امْرَأَةٍ ظَنَّهَا امْرَأَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ، أَوْ وَطْءُ الْأَمَةِ.
الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَأَشْبَاهُ هَذَا يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ كَتَعَلُّقِهِ بِالْوَطْءِ الْمُبَاحِ إجْمَاعًا.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ، عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا وَطِئَ امْرَأَةً بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ، أَوْ بِشِرَاءٍ فَاسِدٍ، أَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى أَبِيهِ وَابْنِهِ وَأَجْدَادِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ يَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ، فَأَثْبَتَ التَّحْرِيمَ، كَالْوَطْءِ الْمُبَاحِ.
وَلَا يَصِيرُ بِهِ الرَّجُلُ مَحْرَمًا لِمَنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ، وَلَا يُبَاحُ لَهُ بِهِ النَّظَرُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَيْسَ بِمُبَاحٍ؛ وَلِأَنَّ الْمَحْرَمِيَّةَ تَتَعَلَّقُ بِكَمَالِ حُرْمَةِ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّهَا إبَاحَةٌ؛ وَلِأَنَّ الْمَوْطُوءَةَ لَمْ يَسْتَبِحْ النَّظَرُ إلَيْهَا فَلَأَنْ لَا يَسْتَبِيحَ النَّظَرُ إلَى غَيْرِهَا أَوْلَى.
الثَّالِثُ: الْحَرَامُ الْمَحْضُ، وَهُوَ الزِّنَا، فَيَثْبُتُ بِهِ التَّحْرِيمُ، عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ، وَلَا تَثْبُتُ بِهِ الْمَحْرَمِيَّةُ، وَلَا إبَاحَةُ النَّظَرِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ بِوَطْءِ الشُّبْهَةِ، فَبِالْحَرَامِ الْمَحْضِ أَوْلَى، وَلَا يَثْبُتُ بِهِ نَسَبٌ، وَلَا يَجِبُ بِهِ الْمَهْرُ إذَا طَاوَعَتْهُ فِيهِ.
[فَصْلٌ الزِّنَى فِي الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ]
(5357) فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذَكَرْنَا بَيْن الزِّنَى فِي الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ فِيمَا إذَا وُجِدَ فِي الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ، فَكَذَلِكَ فِي الزِّنَى.
فَإِنْ تَلَوَّطَ بِغُلَامٍ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ أَيْضًا، فَيَحْرُمُ عَلَى اللَّائِطِ أُمُّ الْغُلَامِ وَابْنَتُهُ، وَعَلَى الْغُلَامِ أُمُّ اللَّائِطِ وَابْنَتُهُ.
قَالَ: وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي الْفَرْجِ، فَنَشَرَ الْحُرْمَةَ، كَوَطْءِ الْمَرْأَةِ، وَلِأَنَّهَا بِنْتُ مَنْ وَطِئَهُ وَأُمُّهُ، فَحَرُمَتَا عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْمَوْطُوءَةُ أُنْثَى.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَكُونُ ذَلِكَ كَالْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ، يَكُونُ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِنَّ فِي التَّحْرِيمِ، فَيَدْخُلْنَ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] وَلِأَنَّهُنَّ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِنَّ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَثْبُتَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ فِيهِنَّ، فَإِنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِنَّ فِي هَذَا حَلَائِلُ الْأَبْنَاءِ، وَمَنْ نَكَحَهُنَّ الْآبَاءُ وَأُمَّهَاتُ النِّسَاءِ وَبَنَاتُهُنَّ، وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ مِنْهُنَّ، وَلَا فِي مَعْنَاهُنَّ
؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي الْمَرْأَةِ يَكُونُ سَبَبًا لِلْبَعْضِيَّةِ، وَيُوجِبُ الْمَهْرَ، وَيَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ، وَتَصِيرُ بِهِ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا، وَيُثْبِتُ أَحْكَامًا لَا يُثْبِتُهَا اللِّوَاطُ، فَلَا يَجُوزُ إلْحَاقُهُ بِهِنَّ؛ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ، وَانْقِطَاعِ الشَّبَهِ، وَلِذَلِكَ لَوْ أَرْضَعَ الرَّجُلُ طِفْلًا، لَمْ يَثْبُتْ بِهِ حُكْمُ التَّحْرِيمِ، فَهَاهُنَا أَوْلَى.
وَإِنْ قُدِّرَ بَيْنَهُمَا شَبَهٌ مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ، فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ الْكِتَابِ بِهِ، وَاطِّرَاحُ النَّصِّ بِمِثْلِهِ.
[فَصْلٌ نِكَاحُ بِنْتِهِ مِنْ الزِّنَى وَأُخْتِهِ وَبِنْتِ ابْنِهِ وَبِنْتِ بِنْتِهِ وَبِنْتِ أَخِيهِ وَأُخْتِهِ مِنْ الزِّنَى]
(5358) فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ نِكَاحُ بِنْتِهِ مِنْ الزِّنَى، وَأُخْتِهِ، وَبِنْتِ ابْنِهِ، وَبِنْتِ بِنْتِهِ، وَبِنْتِ أَخِيهِ، وَأُخْتِهِ مِنْ الزِّنَى.
وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِهِ: يَجُوزُ ذَلِكَ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ مِنْهُ وَلَا تُنْسَبُ إلَيْهِ شَرْعًا، وَلَا يَجْرِي التَّوَارُثُ بَيْنَهُمَا، وَلَا تَعْتِقُ عَلَيْهِ إذَا مَلَكَهَا، وَلَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا، فَلَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ، كَسَائِرِ الْأَجَانِبِ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] .
وَهَذِهِ بِنْتُهُ، فَإِنَّهَا أُنْثَى مَخْلُوقَةٌ مِنْ مَائِهِ، وَهَذِهِ حَقِيقَةٌ لَا تَخْتَلِفُ بِالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي امْرَأَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ: «اُنْظُرُوهُ.
يَعْنِي وَلَدَهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى صِفَةِ كَذَا فَهُوَ لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ» . يَعْنِي الزَّانِيَ.
وَلِأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ مِنْ مَائِهِ وَهَذِهِ حَقِيقَةٌ لَا تَخْتَلِفُ بِالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ، فَأَشْبَهْت الْمَخْلُوقَةَ مَنْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ، وَلِأَنَّهَا بِضْعَةٌ مِنْهُ، فَلَمْ تَحِلَّ لَهُ، كَبِنْتِهِ مِنْ النِّكَاحِ، وَتَخَلُّفُ بَعْضِ الْأَحْكَامِ لَا يَنْفِي كَوْنَهَا بِنْتًا، كَمَا لَوْ تَخَلَّفَ لِرِقٍّ أَوْ اخْتِلَافِ دِينٍ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَلَا فَرْقَ بَيْن عِلْمِهِ بِكَوْنِهَا مِنْهُ، مِثْلُ أَنْ يَطَأَ امْرَأَةً فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ غَيْرُهُ، ثُمَّ يَحْفَظَهَا حَتَّى تَضَعَ، أَوْ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِكَ جَمَاعَةٌ فِي وَطْءِ امْرَأَةٍ، فَتَأْتِيَ بِوَلَدٍ لَا يُعْلَمُ هَلْ هُوَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ؟ فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى جَمِيعِهِمْ لِوَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّهَا بِنْتُ مَوْطُوءَتِهِمْ.
وَالثَّانِي، أَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهَا بِنْتُ بَعْضِهِمْ، فَتَحْرُمْ عَلَى الْجَمِيعِ، كَمَا لَوْ زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ، وَلَمْ يُعْلَمْ السَّابِقُ مِنْهُمَا، وَتَحْرُمُ عَلَى أَوْلَادِهِمْ؛ لِأَنَّهَا أُخْتُ بَعْضِهِمْ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَإِنْ أَلْحَقَتْهَا الْقَافَةُ بِأَحَدِهِمْ، حَلَّتْ لِأَوْلَادِ الْبَاقِينَ، وَلَمْ تَحِلَّ لَأَحَدٍ مِمَّنْ وَطِئَ أُمَّهَا؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى رَبِيبَتِهِ.
[فَصْلٌ وَطْءُ الْمَيِّتَةِ]
(5359) فَصْلٌ: وَوَطْءُ الْمَيِّتَةِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ؛ لِأَنَّهُ مَعْنَى يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ الْمُؤَبَّدَةَ، فَلَمْ يَخْتَصَّ بِالْحَيَاةِ كَالرَّضَاعِ.
وَالثَّانِي، لَا يَنْشُرُهَا.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلْبَعْضِيَّةِ، وَلِأَنَّ التَّحْرِيمَ يَتَعَلَّقُ بِاسْتِيفَاءِ مَنْفَعَةِ الْوَطْءِ، وَالْمَوْتُ يُبْطِلُ الْمَنَافِعَ.
وَأَمَّا الرَّضَاعُ، فَيُحَرِّمُ؛ لِمَا يَحْصُلُ بِهِ مِنْ إنْبَاتِ اللَّحْمِ وَإِنْشَازِ الْعَظْمِ، وَهَذَا يَحْصُلُ مِنْ لَبَنِ الْمَيِّتَةِ.
وَفِي وَطْءِ الصَّغِيرَةِ أَيْضًا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَنْشُرُهَا.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ لَآدَمِيَّةٍ حَيَّةٍ فِي الْقُبُلِ، أَشْبَهَ وَطْءَ الْكَبِيرَةِ.
وَالثَّانِي، لَا يَنْشُرُهَا.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلْبَعْضِيَّةِ أَشْبَهَ وَطْءَ الْمَيِّتَةِ.
[فَصْلٌ الْمُبَاشَرَةُ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ]
(5360) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمُبَاشَرَةُ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، فَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، لَمْ تَنْشُرْ الْحُرْمَةَ.
بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
وَإِنْ كَانَتْ لَشَهْوَةٍ، وَكَانَتْ فِي أَجْنَبِيَّةٍ، لَمْ تَنْشُرْ الْحُرْمَةَ أَيْضًا.
قَالَ الْجُوزَجَانِيُّ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ رَجُلٍ نَظَرَ إلَى أُمِّ امْرَأَتِهِ فِي شَهْوَةٍ، أَوْ قَبَّلَهَا، أَوْ بَاشَرَهَا.
فَقَالَ: أَنَا أَقُولُ لَا يُحَرِّمُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَّا الْجِمَاعَ.
وَكَذَلِكَ نَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ.
وَإِنْ كَانَتْ الْمُبَاشَرَةُ لِامْرَأَةٍ مُحَلَّلَةٍ لَهُ، كَامْرَأَتِهِ، أَوْ مَمْلُوكَتِهِ، لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ ابْنَتُهَا.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يُحَرِّمُ الرَّبِيبَةَ إلَّا جِمَاعُ أُمِّهَا.
وَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 23] . وَهَذَا لَيْسَ بِدُخُولٍ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ النَّصِّ الصَّرِيحِ مِنْ أَجْلِهِ.
وَأَمَّا تَحْرِيمُ أُمِّهَا، وَتَحْرِيمُهَا عَلَى أَبِي الْمُبَاشِرِ لَهَا وَابْنِهِ؛ فَإِنَّهَا فِي النِّكَاحِ تُحَرَّمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ قَبْلَ الْمُبَاشَرَةِ، فَلَا يَظْهَرُ لِلْمُبَاشَرَةِ أَثَرٌ.
وَأَمَّا الْأَمَةُ، فَمَتَى بَاشَرَهَا دُونَ الْفَرْجِ لَشَهْوَةٍ، فَهَلْ يَثْبُتُ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يَنْشُرُهَا.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَمَسْرُوقٍ.
وَبِهِ قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَالْحَسَنُ، وَمَكْحُولٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ.
وَهُوَ