باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَامِلَ إنَّمَا يَأْخُذُ أَجْرَ عِمَالَتِهِ، فَإِذَا أَخْرَجَ الرَّجُلُ زَكَاةَ نَفْسِهِ، لَمْ يَكُنْ ثَمَّ عَامِلٌ عَلَيْهَا، وَلَا مَنْ يَسْتَحِقُّ أَجْرًا، فَيَسْقُطُ سَهْمُهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ جَوَائِزُ السُّلْطَانِ]
(5132) فَصْلٌ: فِي جَوَائِزِ السُّلْطَانِ، كَانَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَتَوَرَّعُ عَنْهَا، وَيَمْنَعُ بَنِيهِ وَعَمَّهُ مِنْ أَخْذِهَا، وَهَجَرَهُمْ حِينَ قَبِلُوهَا، وَسَدَّ الْأَبْوَابَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ حِينَ أَخَذُوهَا، وَلَمْ يَكُنْ يَأْكُلُ مِنْ بُيُوتِهِمْ شَيْئًا، وَلَا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ يُصْنَعُ عِنْدَهُمْ.
وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ بِمَا أَخَذُوهُ.
وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ، لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ تَخْتَلِطُ بِمَا يَأْخُذُونَهُ مِنْ الْحَرَامِ مِنْ الظُّلْمِ وَغَيْرِهِ، فَيَصِيرُ شُبْهَةً، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَاقَعَ الشُّبُهَاتِ أَوْشَكَ أَنْ يَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاتِعِ حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ» . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» .
وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنْ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ تَنَزَّهُوا عَنْ مَالِ السُّلْطَانِ؛ مِنْهُمْ حُذَيْفَةُ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ، وَمُعَاذٌ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عُمَرَ.
وَلَمْ يَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ذَلِكَ حَرَامًا؛ فَإِنَّهُ سُئِلَ، فَقِيلَ لَهُ: مَالُ السُّلْطَانِ حَرَامٌ؟ فَقَالَ: لَا، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُتَنَزَّهَ عَنْهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَّا وَلَهُ فِي هَذِهِ الدَّرَاهِمِ حَقٌّ، فَكَيْفَ أَقُولُ إنَّهَا سُحْتٌ؟ وَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَكَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، يَقْبَلُونَ جَوَائِزَ مُعَاوِيَةَ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِجَوَائِزِ السُّلْطَانِ، مَا يُعْطِيكُمْ مِنْ الْحَلَالِ أَكْثَرُ مِمَّا يُعْطِيكُمْ مِنْ الْحَرَامِ وَقَالَ: لَا تَسْأَلْ السُّلْطَانَ شَيْئًا، فَإِنْ أَعْطَاكَ فَخُذْ؛ فَإِنَّ مَا فِي بَيْتِ الْمَالِ مِنْ الْحَلَالِ أَكْثَرُ مِمَّا فِيهِ مِنْ الْحَرَامِ.
وَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَيْبَةَ الْبُحْتُرِيُّ " فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ " أَنَّ الْحَسَنَ، وَابْنَ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيَّ، دَخَلُوا عَلَى عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ فَأَمَرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَلِفِ دِرْهَمٍ، وَأَمَرَ لِلْحَسَنِ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ، فَقَبَضَ الْحَسَنُ جَائِزَتَهُ،
وَأَبَى ابْنُ سِيرِينَ أَنْ يَقْبِضَ، فَقَالَ لِابْنِ سِيرِينَ: مَا لَكَ لَا تَقْبِضُ؟ قَالَ: حَتَّى يَعُمَّ النَّاسَ.
فَقَالَ الْحَسَنُ: وَاَللَّهِ لَوْ عَرَضَ لَكَ وَلِي لِصٌّ، فَأَخَذَ رِدَائِي وَرِدَاءَك، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ رِدَائِي، كُنْت أَقُولُ: لَا أَقْبَلُ رِدَائِي حَتَّى تَرُدَّ عَلَى ابْنِ سِيرِينَ رِدَاءَهُ؟ كُنْت أُحِبُّ أَنْ تَكُونَ أَفْقَهَ مِمَّا أَنْتَ يَا ابْنَ سِيرِينَ.
وَلِأَنَّ جَوَائِزَ السُّلْطَانِ لَهَا وَجْهٌ فِي الْإِبَاحَةِ وَالتَّحْلِيلِ، فَإِنَّ لَهُ جِهَاتٍ كَثِيرَةً مِنْ الْفَيْءِ وَالصَّدَقَةِ وَغَيْرِهِمَا.
(5133) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: جَوَائِزُ السُّلْطَانِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الصَّدَقَةِ.
يَعْنِي أَنَّ الصَّدَقَةَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، صِينَ عَنْهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَآلُهُ، لِدَنَاءَتِهَا، وَلَمْ يُصَانُوا عَنْ جَوَائِزِ السُّلْطَانِ.
وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَمَّنْ عَامَلَ السُّلْطَانَ فَرَبِحَ أَلْفًا، وَآخَرَ أَجَازَهُ السُّلْطَانُ بِأَلْفٍ، أَيُّهُمَا أَحَبُّ إلَيْك؟ قَالَ: الْجَائِزَةُ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِي يَرْبَحُ عَلَيْهِ أَلْفًا، لَا يَرْبَحُهَا فِي الْغَالِبِ إلَّا بِنَوْعٍ مِنْ التَّدْلِيسِ وَالْغَبْنِ الْفَاحِشِ، وَالْجَائِزَةُ عَطَاءٌ مِنْ الْإِمَامِ بِرِضَاهُ، لَا تَدْلِيسَ فِيهَا وَلَا غَبْنَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: إذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ السُّلْطَانِ رَجُلٌ.
يَعْنِي فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَخْذِهِ مِنْهُ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَسَائِطَ كُلَّمَا كَثُرَتْ، قَرُبَتْ إلَى الْحِلِّ؛ لِأَنَّهَا مَعَ الْبُعْدِ تَتَبَدَّلُ، وَتَحْصُلُ فِيهَا أَسْبَابٌ مُبِيحَةٌ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[كِتَاب النِّكَاح]
ِ النِّكَاحُ فِي الشَّرْعِ: هُوَ عَقْدُ التَّزْوِيجِ، فَعِنْدَ إطْلَاقِ لَفْظِهِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ، مَا لَمْ يَصْرِفْهُ عَنْهُ دَلِيلٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي: الْأَشْبَهُ بِأَصْلِنَا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ جَمِيعًا؛ لِقَوْلِنَا بِتَحْرِيمِ مَوْطُوءَةِ الْأَبِ مِنْ غَيْرِ تَزْوِيجٍ، لِدُخُولِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22] . وَقِيلَ: بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ، مَجَازٌ فِي الْعَقْدِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: أَنْكَحْنَا الْفَرَا، فَسَنَرَى.
أَيْ أَضْرَبْنَا فَحْلَ حُمُرِ الْوَحْشِ أُمَّهُ، فَسَنَرَى مَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُمَا.
يُضْرَبُ مَثَلًا لِلْأَمْرِ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ.
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
وَمِنْ أَيِّمٍ قَدْ أَنْكَحَتْنَا رِمَاحُنَا ... وَأُخْرَى عَلَى خَالٍ وَعَمٍّ تَلَهَّفُ
وَالصَّحِيحُ مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّ الْأَشْهَرَ اسْتِعْمَالُ لَفْظَةِ النِّكَاحِ بِإِزَاءِ الْعَقْدِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلِسَانِ أَهْلِ الْعُرْفِ.
وَقَدْ قِيلَ: لَيْسَ فِي الْكِتَابِ لَفْظُ نِكَاحٍ بِمَعْنَى الْوَطْءِ، إلَّا قَوْلُهُ: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] . وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ نَفْيُهُ عَنْ الْوَطْءِ، فَيُقَال: هَذَا سِفَاحٌ وَلَيْسَ بِنِكَاحٍ.
وَيُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَنَّهُ قَالَ: «وُلِدْت مِنْ نِكَاحٍ، لَا مِنْ سِفَاحٍ» . وَيُقَالُ
عَنْ السُّرِّيَّةِ: لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ، وَلَا مَنْكُوحَةٍ.
وَلِأَنَّ النِّكَاحَ أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ اللَّذَيْنِ يَنْعَقِدُ بِهِمَا عَقْدُ النِّكَاحِ، فَكَانَ حَقِيقَةً فِيهِ، كَاللَّفْظِ الْآخَرِ.
وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي يُفْضِي إلَى كَوْنِ اللَّفْظِ مُشْتَرَكًا وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْآخَرُونَ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ فِي الْجُمْلَةِ، وَالِاسْتِعْمَالُ فِيمَا قُلْنَا أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ، ثُمَّ لَوْ قُدِّرَ كَوْنُهُ مَجَازًا فِي الْعَقْدِ لَكَانَ اسْمًا عُرْفِيًّا، يَجِبُ صَرْفُ اللَّفْظِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَيْهِ؛ لِشُهْرَتِهِ، كَسَائِرِ الْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ.
(5134) فَصْلٌ: وَالْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ النِّكَاحِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3] .
الْآيَةَ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32] . وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيَصُمْ، فَإِنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجَاءٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فِي آيٍ وَأَخْبَارٍ سِوَى ذَلِكَ كَثِيرَةٍ.
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ مَشْرُوعٌ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُجُوبِهِ؛ فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، إلَّا أَنْ يَخَافَ أَحَدٌ عَلَى نَفْسِهِ الْوُقُوعَ فِي مَحْظُورٍ بِتَرْكِهِ، فَيَلْزَمُهُ إعْفَافُ نَفْسِهِ
وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: هُوَ وَاجِبٌ.
وَحَكَاهُ عَنْ أَحْمَدَ.
وَحَكَى عَنْ دَاوُد أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْعُمَرِ مَرَّةً وَاحِدَةً؛ لِلْآيَةِ وَالْخَبَرِ.
وَلَنَا، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حِينَ أَمَرَ بِهِ.
عَلَّقَهُ عَلَى الِاسْتِطَابَةِ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3]
وَالْوَاجِبُ لَا يَقِفُ عَلَى الِاسْتِطَابَةِ، وَقَالَ: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3] . وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ النَّدْبُ، وَكَذَلِكَ الْخَبَرُ يُحْمَلُ عَلَى النَّدْبِ، أَوْ عَلَى مَنْ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ الْوُقُوعَ فِي الْمَحْظُورِ بِتَرْكِ النِّكَاحِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ كَلَامُ أَحْمَدَ وَأَبِي بَكْرٍ، فِي إيجَابِ النِّكَاحِ.
[فَصْلٌ النَّاسُ فِي النِّكَاحِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرِب]
(5135) فَصْلٌ: وَالنَّاسُ فِي النِّكَاحِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ؛ مِنْهُمْ مَنْ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الْوُقُوعَ فِي مَحْظُورٍ إنْ تَرَكَ النِّكَاحَ، فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ النِّكَاحُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ إعْفَافُ نَفْسِهِ، وَصَوْنُهَا عَنْ الْحَرَامِ، وَطَرِيقُهُ النِّكَاحُ.
الثَّانِي، مَنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ، وَهُوَ مَنْ لَهُ شَهْوَةٌ يَأْمَنُ مَعَهَا الْوُقُوعَ فِي مَحْظُورٍ، فَهَذَا الِاشْتِغَالُ لَهُ بِهِ أَوْلَى مِنْ التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَةِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَفِعْلِهِمْ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَجَلِي إلَّا عَشْرَةُ أَيَّامٍ، وَأَعْلَمُ أَنِّي أَمُوتُ فِي آخِرِهَا يَوْمًا، وَلِي طَوْلُ النِّكَاحِ فِيهِنَّ، لَتَزَوَّجْت مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: تَزَوَّجْ، فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ: قَالَ لِي طَاوُسٌ: لَتَنْكِحْنَ، أَوْ لَأَقُولَنَّ لَك مَا قَالَ عُمَرُ لِأَبِي الزَّوَائِدِ: مَا يَمْنَعُك عَنْ النِّكَاحِ إلَّا عَجْزٌ أَوْ فُجُورٌ.
قَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: لَيْسَتْ الْعُزْبَةُ مِنْ أَمْرِ الْإِسْلَامِ، فِي شَيْءٍ.
وَقَالَ: مَنْ دَعَاكَ إلَى غَيْرِ التَّزْوِيجِ، فَقَدْ دَعَاكَ إلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ، وَلَوْ تَزَوَّجَ بِشْرٌ كَانَ قَدْ تَمَّ أَمْرُهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: التَّخَلِّي لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَدَحَ يَحْيَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِقَوْلِهِ: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: 39] وَالْحَصُورُ: الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ فَلَوْ كَانَ النِّكَاحُ أَفْضَلَ لَمَا مَدَحَ بِتَرْكِهِ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران: 14] . وَهَذَا فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَكَانَ الِاشْتِغَالُ بِالْعِبَادَةِ أَفْضَلَ مِنْهُ، كَالْبَيْعِ.
وَلَنَا، مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ بِهِ وَحَثِّهِمَا عَلَيْهِ، «وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَلَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» . وَقَالَ سَعْدٌ: لَقَدْ «رَدَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ» ، وَلَوْ أَحَلَّهُ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ، وَيَنْهَى عَنْ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا، وَيَقُولُ: تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.» رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَهَذَا حَثٌّ عَلَى النِّكَاحِ شَدِيدٌ، وَوَعِيدٌ عَلَى تَرْكِهِ يُقَرِّبُهُ إلَى الْوُجُوبِ، وَالتَّخَلِّي مِنْهُ إلَى التَّحْرِيمِ، وَلَوْ كَانَ التَّخَلِّي أَفْضَلَ لَانْعَكَسَ الْأَمْرُ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزَوَّجَ، وَبَالَغَ فِي الْعَدَدِ، وَفَعَلَ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ، وَلَا يَشْتَغِلُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ إلَّا بِالْأَفْضَلِ، وَلَا تَجْتَمِعُ الصَّحَابَةُ عَلَى تَرْكِ الْأَفْضَلِ، وَالِاشْتِغَالِ بِالْأَدْنَى، وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ مَنْ يُفَضِّلُ التَّخَلِّيَ لَمْ يَفْعَلْهُ.
فَكَيْفَ أَجْمَعُوا عَلَى النِّكَاحِ فِي فِعْلِهِ، وَخَالَفُوهُ فِي فَضْلِهِ، أَفَمَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَتْبَعُ الْأَفْضَلَ عِنْدَهُ وَيَعْمَلُ بِالْأَوْلَى؟ وَلِأَنَّ مَصَالِحَ النِّكَاحِ أَكْثَرُ، فَإِنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى تَحْصِينِ الدِّينِ، وَإِحْرَازِهِ، وَتَحْصِينِ الْمَرْأَةِ وَحِفْظِهَا، وَالْقِيَامِ بِهَا، وَإِيجَادِ النَّسْلِ، وَتَكْثِيرِ الْأُمَّةِ، وَتَحْقِيقِ مُبَاهَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ الرَّاجِحِ أَحَدُهَا عَلَى نَفْلِ الْعِبَادَةِ، فَمَجْمُوعُهَا أَوْلَى.
وَقَدْ رَوَيْنَا فِي أَخْبَارِ الْمُتَقَدِّمِينَ، أَنَّ قَوْمًا ذَكَرُوا لَنَبِيٍّ لَهُمْ فَضْلَ عَابِدٍ لَهُمْ، فَقَالَ: أَمَّا إنَّهُ لَتَارِكٌ لِشَيْءٍ مِنْ السُّنَّةِ، فَبَلَغَ الْعَابِدَ، فَأَتَى النَّبِيَّ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إنَّك تَرَكْت التَّزْوِيجَ.
فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَمَا هُوَ إلَّا هَذَا، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ احْتِقَارَهُ لِذَلِكَ، قَالَ: أَرَأَيْت لَوْ تَرَكَ النَّاسُ كُلُّهُمْ التَّزْوِيجَ مَنْ كَانَ يَقُومُ بِالْجِهَادِ، وَيَنْفِي الْعَدُوَّ، وَيَقُومُ بِفَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُدُودِهِ؟ وَأَمَّا مَا ذُكِرَ عَنْ يَحْيَى، فَهُوَ شَرْعُهُ، وَشَرْعُنَا وَارِدٌ بِخِلَافِهِ، فَهُوَ أَوْلَى
وَالْبَيْعُ لَا يَشْتَمِلُ عَلَى مَصَالِحِ النِّكَاحِ، وَلَا يُقَارِبُهَا.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ، مَنْ لَا شَهْوَةَ لَهُ، إمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ لَهُ شَهْوَةٌ كَالْعِنِّينِ، أَوْ كَانَتْ لَهُ شَهْوَةٌ فَذَهَبَتْ بِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يُسْتَحَبُّ لَهُ النِّكَاحُ؛ لِعُمُومِ مَا ذَكَرْنَا.
وَالثَّانِي، التَّخَلِّي لَهُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحَصِّلُ مَصَالِحَ النِّكَاحِ، وَيَمْنَعُ زَوْجَتَهُ مِنْ التَّحْصِينِ بِغَيْرِهِ، وَيُضِرُّ بِهَا، وَيَحْبِسُهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَيُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِوَاجِبَاتٍ وَحُقُوقٍ لَعَلَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقِيَامِ بِهَا، وَيَشْتَغِلُ عَنْ الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ
وَالْأَخْبَارُ تُحْمَلُ عَلَى مَنْ لَهُ شَهْوَةٌ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَادِرِ عَلَى الْإِنْفَاقِ وَالْعَاجِزِ عَنْهُ، قَالَ: يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مَا يُنْفِقُ، أَنْفَقَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ، صَبَرَ، وَلَوْ تَزَوَّجَ بِشْرٌ كَانَ قَدْ تَمَّ أَمْرُهُ.
وَاحْتَجَّ «بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصْبِحُ وَمَا عِنْدَهُمْ شَيْءٌ، وَيُمْسِي وَمَا عِنْدَهُمْ شَيْءٌ» . «وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّجَ رَجُلًا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى خَاتَمِ حَدِيدٍ، وَلَا وَجَدَ إلَّا إزَارَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ رِدَاءٌ.» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رَجُلٍ قَلِيلِ الْكَسْبِ، يَضْعُفُ قَلْبُهُ عَنْ الْعِيَالِ: اللَّهُ يَرْزُقُهُمْ، التَّزْوِيجُ أَحْصَنُ لَهُ، رُبَّمَا أَتَى عَلَيْهِ وَقْتٌ لَا يَمْلِكُ قَلْبَهُ.
وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ يُمْكِنُهُ التَّزْوِيجُ، فَأَمَّا مَنْ لَا يُمْكِنُهُ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: 33]
[مَسْأَلَةٌ لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيِّ وَشَاهِدَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ]
[فَصَلِّ النِّكَاحَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِوَلِيٍّ]
(5136) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَلَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ فُصُولٍ:
(5137) أَحَدُهَا: أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِوَلِيٍّ، وَلَا تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ تَزْوِيجَ نَفْسِهَا وَلَا غَيْرِهَا، وَلَا تَوْكِيلَ غَيْرِ وَلِيِّهَا فِي تَزْوِيجِهَا.
فَإِنْ فَعَلَتْ، لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ.
رُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ الْعَنْبَرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَأَبِي يُوسُفَ: لَا يَجُوزُ لَهَا ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ، فَإِنْ فَعَلَتْ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَتِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَهَا أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا وَغَيْرَهَا، وَتُوَكِّلَ فِي النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: 232] . أَضَافَ النِّكَاحَ إلَيْهِنَّ، وَنَهَى عَنْ مَنْعِهِنَّ مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّهَا، وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الْمُبَاشَرَةِ، فَصَحَّ مِنْهَا، كَبَيْعِ أَمَتِهَا، وَلِأَنَّهَا إذَا مَلَكَتْ بَيْعَ أَمَتِهَا، وَهُوَ تَصَرُّفٌ فِي رَقَبَتِهَا وَسَائِرِ مَنَافِعِهَا، فَفِي النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ عَقْدٌ عَلَى بَعْضِ مَنَافِعِهَا أَوْلَى
وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» . رَوَتْهُ عَائِشَةُ، وَأَبُو مُوسَى، وَابْنُ عَبَّاسٍ.
قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سَأَلْت أَحْمَدَ وَيَحْيَى عَنْ حَدِيثِ: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» . فَقَالَا: صَحِيحٌ.
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَنَّهُ قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ، فَإِنْ أَصَابَهَا، فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنْ اشْتَجَرُوا، فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ الزُّهْرِيَّ رَوَاهُ وَقَدْ أَنْكَرَهُ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: سَأَلْت الزُّهْرِيَّ عَنْهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ.
قُلْنَا لَهُ: لَمْ يَقُلْ هَذَا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٌ غَيْرُ ابْنِ عُلَيَّةَ، كَذَلِكَ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَيَحْيَى، وَلَوْ ثَبَتَ هَذَا لَمْ يَكُنْ حُجَّةً؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَقَلَهُ ثِقَاتٌ عَنْهُ، فَلَوْ نَسِيَهُ الزُّهْرِيُّ لَمْ يَضُرَّهُ؛
لِأَنَّ النِّسْيَانَ لَمْ يُعْصَمْ مِنْهُ إنْسَانٌ.
قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نَسِيَ آدَم، فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ» . وَلِأَنَّهَا مَوْلَى عَلَيْهَا فِي النِّكَاحِ، فَلَا تَلِيهِ، كَالصَّغِيرَةِ، وَأَمَّا الْآيَةُ، فَإِنَّ عَضْلَهَا الِامْتِنَاعُ مِنْ تَزْوِيجِهَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نِكَاحَهَا إلَى الْوَلِيِّ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، حِينَ امْتَنَعَ مِنْ تَزْوِيجِ أُخْتِهِ، فَدَعَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَزَوَّجَهَا.
وَأَضَافَهُ إلَيْهَا لِأَنَّهَا مَحَلٌّ لَهُ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا تَزْوِيجُ أَحَدٍ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، لَهَا تَزْوِيجُ أَمَتِهَا.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ عِبَارَتِهَا فِي النِّكَاحِ، فَيُخَرَّجُ مِنْهُ أَنَّ لَهَا تَزْوِيجَ نَفْسِهَا بِإِذْنِ وَلِيِّهَا، وَتَزْوِيجَ غَيْرِهَا بِالْوَكَالَةِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوْلًا لِابْنِ سِيرِينَ وَمَنْ مَعَهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» . فَمَفْهُومُهُ صِحَّتُهُ بِإِذْنِهِ
وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ إنَّمَا مُنِعَتْ الِاسْتِقْلَالَ بِالنِّكَاحِ، لِقُصُورِ عَقْلِهَا، فَلَا يُؤْمَنُ انْخِدَاعُهَا وَوُقُوعُهُ مِنْهَا عَلَى وَجْهِ الْمَفْسَدَةِ، وَهَذَا مَأْمُونٌ فِيمَا إذَا أَذِنَ فِيهِ وَلِيُّهَا.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» . وَهَذَا يُقَدَّمُ عَلَى دَلِيلِ الْخِطَابِ، وَالتَّخْصِيصُ هَاهُنَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّهَا لَا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا إلَّا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا، وَالْعِلَّةُ فِي مَنْعِهَا، صِيَانَتُهَا عَنْ مُبَاشَرَةِ مَا يُشْعِرُ بِوَقَاحَتِهَا وَرُعُونَتِهَا وَمَيْلِهَا إلَى الرِّجَالِ، وَذَلِكَ يُنَافِي حَالَ أَهْلِ الصِّيَانَةِ وَالْمُرُوءَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(5138) فَصْلٌ: فَإِنْ حَكَمَ بِصِحَّةِ هَذَا الْعَقْدِ حَاكِمٌ، أَوْ كَانَ الْمُتَوَلِّي لِعَقْدِهِ حَاكِمًا، لَمْ يَجُزْ نَقْضُهُ
وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ.
وَخَرَّجَ الْقَاضِي فِي هَذَا وَجْهًا خَاصَّةً أَنَّهُ يُنْقَضُ.
وَهُوَ قَوْلُ الْإِصْطَخْرِيِّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ نَصًّا.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا مَسْأَلَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، وَيَسُوغُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ، فَلَمْ يَجُزْ نَقْضُ الْحُكْمِ لَهُ، كَمَا لَوْ حَكَمَ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ، وَهَذَا النَّصُّ مُتَأَوَّلٌ وَفِي صِحَّتِهِ كَلَامٌ، وَقَدْ عَارَضَهُ ظَوَاهِرُ.
[فَصْلُ النِّكَاح لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ]
(5139) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ.
هَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَالْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَصِحُّ بِغَيْرِ شُهُودٍ.
وَفَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَسَالِمٌ وَحَمْزَةُ ابْنَا ابْنِ عُمَرَ.
وَبِهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونُ، وَالْعَنْبَرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ
وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، إذَا أَعْلَنُوهُ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَثْبُتُ فِي الشَّاهِدَيْنِ فِي النِّكَاحِ خَبَرٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ» . مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ، إلَّا أَنَّ فِي نَقْلِهِ ذَلِكَ ضَعِيفًا، فَلَمْ أَذْكُرْهُ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَقَدْ أَعْتَقَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ فَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ شُهُودٍ.
قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَارِيَةً بِسَبْعَةِ قُرُوشٍ، فَقَالَ النَّاسُ: مَا نَدْرِي أَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ أَمْ جَعَلَهَا أُمَّ وَلَدٍ؟ فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَ حَجَبَهَا، فَعَلِمُوا أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ: فَاسْتَدَلُّوا عَلَى تَزْوِيجِهَا بِالْحِجَابِ.
وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونُ: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِشْهَادِ فِي الْبَيْعِ دُونَ النِّكَاحِ، فَاشْتَرَطَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ الشَّهَادَةَ لِلنِّكَاحِ، وَلَمْ يَشْتَرِطُوهَا لِلْبَيْعِ، وَوَجْهُ الْأُولَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ، وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» . رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ.
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا بُدَّ فِي النِّكَاحِ مِنْ أَرْبَعَةٍ؛ الْوَلِيُّ، وَالزَّوْجُ، وَالشَّاهِدَانِ» . وَلِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ غَيْرِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَهُوَ الْوَلَدُ، فَاشْتُرِطَتْ الشَّهَادَةُ فِيهِ، لِئَلَّا يَجْحَدَهُ أَبُوهُ، فَيَضِيعَ نَسَبُهُ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ
فَأَمَّا نِكَاحُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَغَيْرِ شُهُودٍ، فَمِنْ خَصَائِصِهِ فِي النِّكَاحِ، فَلَا يُلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ.
(5140) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِشَهَادَةِ مُسْلِمَيْنِ، سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجَانِ مُسْلِمَيْنِ، أَوْ الزَّوْجُ وَحْدَهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ ذِمِّيَّةً، صَحَّ بِشَهَادَةِ ذِمِّيَّيْنِ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ، مَبْنِيًّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ بِقَبُولِ شَهَادَةِ بَعْضِ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى بَعْضٍ.
وَلَنَا، قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ، وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ»
وَلِأَنَّهُ نِكَاحُ مُسْلِمٍ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِشَهَادَةِ ذِمِّيَّيْنِ، كَنِكَاحِ الْمُسْلِمَيْنِ.
(5141) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْفَاسِقَانِ، فَفِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِشَهَادَتِهِمَا رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يَنْعَقِدُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِلْخَبَرِ.
وَلِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِمَا، فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِحُضُورِهِمَا، كَالْمَجْنُونَيْنِ.
وَالثَّانِيَةُ، يَنْعَقِدُ بِشَهَادَتِهِمَا.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهَا تَحَمُّلٌ، فَصَحَّتْ مِنْ الْفَاسِقِ، كَسَائِرِ التَّحَمُّلَاتِ.
وَعَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ لَا يُعْتَبَرُ حَقِيقَةُ الْعَدَالَةِ، بَلْ يَنْعَقِدُ بِشَهَادَةِ مَسْتُورِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَكُونُ فِي الْقُرَى وَالْبَادِيَةِ، وَبَيْنَ عَامَّةِ النَّاسِ، مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ حَقِيقَةَ الْعَدَالَةِ، فَاعْتِبَارُ ذَلِكَ يَشُقُّ
فَاكْتُفِيَ بِظَاهِرِ الْحَالِ، وَكَوْنِ الشَّاهِدِ مَسْتُورًا لَمْ يَظْهَرْ فِسْقُهُ، فَإِنْ تَبَيَّنَ بَعْدَ الْعَقْدِ أَنَّهُ كَانَ فَاسِقًا، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ الْعَدَالَةُ ظَاهِرًا، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ ظَاهِرَ الْفِسْقِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ.
وَقِيلَ: نَتَبَيَّنُ أَنَّ النِّكَاحَ كَانَ فَاسِدًا؛ لِعَدَمِ الشَّرْطِ.
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْعَدَالَةُ فِي الْبَاطِنِ شَرْطًا، لَوَجَبَ الْكَشْفُ عَنْهَا؛ لِأَنَّهُ مَعَ الشَّكِّ فِيهَا يَكُونُ مَشْكُوكًا فِي شَرْطِ النِّكَاحِ، فَلَا يَنْعَقِدُ، وَلَا تَحِلُّ الْمَرْأَةُ مَعَ الشَّكِّ فِي صِحَّةِ نِكَاحِهَا.
وَإِنْ حَدَثَ الْفِسْقُ فِيهِمَا، لَمْ يُؤَثِّرْ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ حَالَةَ الْعَقْدِ.
وَلَوْ أَقَرَّ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ أَنَّهُمَا نَكَحَا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ، قُبِلَ قَوْلُهُمَا، وَثَبَتَ النِّكَاحُ بِإِقْرَارِهِمَا.
(5142) فَصْلٌ: وَلَا يَنْعَقِدُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
وَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: إذَا تَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ نِسْوَةٍ، لَمْ يَجُزْ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ، فَهُوَ أَهْوَنُ.
فَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا رِوَايَةٌ أُخْرَى فِي انْعِقَادِهِ بِذَلِكَ.
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَيُرْوَى عَنْ الشَّعْبِيِّ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَانْعَقَدَ بِشَهَادَتِهِنَّ مَعَ الرِّجَالِ، كَالْبَيْعِ.
وَلَنَا، أَنَّ الزُّهْرِيَّ قَالَ: مَضَتْ السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ، وَلَا فِي النِّكَاحِ، وَلَا فِي الطَّلَاقِ.
رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، فِي " الْأَمْوَالِ "
وَهَذَا يَنْصَرِفُ إلَى سُنَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالُ، وَيَحْضُرُهُ الرِّجَالُ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ، فَلَمْ يَثْبُتْ بِشَهَادَتِهِنَّ كَالْحُدُودِ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْبَيْعَ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَحْمَدَ إنَّمَا قَالَ: هُوَ أَهْوَنُ.
لِوُقُوعِ الْخِلَافِ فِيهِ، فَلَا يَكُونُ رِوَايَةً.
(5143) فَصْلٌ: وَلَا يَنْعَقِدُ بِشَهَادَةِ صَبِيَّيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَنْعَقِدَ بِشَهَادَةِ مُرَاهِقَيْنِ عَاقِلَيْنِ.
وَلَا يَنْعَقِدُ بِشَهَادَةِ مَجْنُونَيْنِ، وَلَا سَائِرِ مَنْ لَا شَهَادَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ كَالْعَدَمِ.
وَلَا يَنْعَقِدُ بِشَهَادَةِ أَصَمَّيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَسْمَعَانِ.
وَلَا أَخْرَسَيْنِ؛ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْأَدَاءِ مِنْهُمَا.
وَفِي انْعِقَادِهِ بِحُضُورِ أَهْلِ الصَّنَائِعِ الزَّرِيَّةِ كَالْحَجَّامِ وَنَحْوِهِ، وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ
وَفِي انْعِقَادِهِ بِشَهَادَةِ عَدُوَّيْنِ أَوْ ابْنَيْ الزَّوْجَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَجْهَانِ؛
أَحَدُهُمَا، يَنْعَقِدُ.
اخْتَارَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ بَطَّةَ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ «إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ.» وَلِأَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِهِمَا نِكَاحُ غَيْرِ هَذَا الزَّوَاجِ، فَانْعَقَدَ بِهِمَا نِكَاحُهُ، كَسَائِرِ الْعُدُولِ.
وَالثَّانِي، لَا يَنْعَقِدُ بِشَهَادَتِهِمَا؛ لِأَنَّ الْعَدُوَّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى عَدُوِّهِ، وَالِابْنُ لَا تَقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِوَالِدِهِ.
(5144) فَصْلٌ: وَيَنْعَقِدُ بِشَهَادَةِ عَبْدَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَنْعَقِدُ.
وَمَبْنَى الْخِلَافِ عَلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِمَا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ
وَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَيَنْعَقِدُ بِشَهَادَةِ ضَرِيرَيْنِ.
وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ فِي ذَلِكَ.
وَلَنَا، أَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى قَوْلٍ، فَصَحَّتْ مِنْ الْأَعْمَى، كَالشَّهَادَةِ بِالِاسْتِفَاضَةِ، وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ بِشَهَادَتِهِمَا إذَا تَيَقَّنَ الصَّوْتَ وَعَلِمَ صَوْتَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَشُكُّ فِيهِمَا، كَمَا يَعْلَمُ ذَلِكَ مَنْ يَرَاهُمَا، وَإِلَّا فَلَا.
[فَصْلٌ تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ تَزْوِيجًا فَاسِدًا]
فَصْلٌ: وَإِذَا تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ تَزْوِيجًا فَاسِدًا، لَمْ يَجُزْ تَزْوِيجُهَا لِغَيْرِ مَنْ تَزَوَّجَهَا حَتَّى يُطَلِّقَهَا أَوْ يَفْسَخَ نِكَاحَهَا.
وَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ طَلَاقِهَا، فَسَخَ الْحَاكِمُ نِكَاحَهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا حَاجَةَ إلَى فَسْخٍ وَلَا طَلَاقٍ؛ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ، أَشْبَهَ النِّكَاحَ فِي الْعِدَّةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ نِكَاحٌ يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ، فَاحْتِيجَ فِي التَّفْرِيقِ فِيهِ إلَى إيقَاعِ فُرْقَةٍ، كَالصَّحِيحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَلِأَنَّ تَزْوِيجَهَا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ يُفْضِي إلَى تَسْلِيطِ زَوْجَيْنِ عَلَيْهَا، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْتَقِدُ أَنَّ نِكَاحَهُ الصَّحِيحُ، وَنِكَاحَ الْآخَرِ الْفَاسِدُ، وَيُفَارِقُ النِّكَاحَ الْبَاطِلَ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ
وَإِذَا زُوِّجَتْ بِآخَرَ قَبْلَ التَّفْرِيقِ، لَمْ يَصِحَّ الثَّانِي أَيْضًا، وَلَمْ يَجُزْ تَزْوِيجُهَا الثَّالِثَ حَتَّى يُطَلِّقَ الْأَوَّلَانِ أَوْ يُفْسَخَ نِكَاحُهُمَا، وَمَتَى فُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ قَبْضٌ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ عِوَضٌ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَإِنْ كَانَ التَّفْرِيقُ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَلَهَا الْمَهْرُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» . وَإِنْ تَكَرَّرَ الْوَطْءُ فَالْمَهْرُ وَاحِدٌ؛ لِلْحَدِيثِ، وَلِأَنَّهُ إصَابَةٌ فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ، أَشْبَهَ الْإِصَابَةَ فِي عَقْدٍ صَحِيحٍ.
(5146) فَصْلٌ: وَالْوَاجِبُ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْعَبْدِ يَتَزَوَّجُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ: يُعْطِي شَيْئًا
قَالَ الْقَاضِي: يَعْنِي مَهْرَ الْمِثْلِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ؛ لِقَوْلِهِ: «وَإِذَا زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ فَالنِّكَاحُ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا» . وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ لَهَا الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ عَائِشَةَ: «وَلَهَا الَّذِي أَعْطَاهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا.» قَالَ الْقَاضِي: حَدَّثْنَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادَيْهِمَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْوَاجِبُ الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهَا إنْ رَضِيَتْ بِدُونِ مَهْرِ مِثْلِهَا فَلَيْسَ لَهَا أَكْثَرُ مِنْهُ، كَالْعَقْدِ الصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى أَكْثَرَ لَمْ يَجِبْ الزَّائِدُ؛ لِأَنَّهُ بِغَيْرِ عَقْدٍ صَحِيحٍ
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» . فَجَعَلَ لَهَا الْمَهْرَ الْمُمَيَّزَ بِالْإِصَابَةِ، وَالْإِصَابَةُ إنَّمَا تُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ، وَلِأَنَّ الْعَقْدَ لَيْسَ بِمُوجِبٍ، بِدَلِيلِ الْخَبَرِ، وَأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ مَسِّهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا شَيْءٌ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا كَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَبَقِيَ الْوَطْءُ مُوجِبًا بِمُفْرَدِهِ، فَأَوْجَبَ مَهْرَ الْمِثْلِ، كَوَطْءِ الشُّبْهَةِ، وَلِأَنَّ التَّسْمِيَةَ لَوْ فَسَدَتْ لَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ، فَإِذَا فَسَدَ الْعَقْدُ مِنْ أَصِلْهُ كَانَ أَوْلَى.
وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ إنَّهَا رَضِيَتْ بِدُونِ صَدَاقِهَا.
إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ الْعَقْدُ هُوَ الْمُوجِبُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ بِالْإِصَابَةِ، فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ كَامِلًا، كَوَطْءِ الشُّبْهَةِ.
(5147) فَصْلٌ: وَلَا يَجِبُ لَهَا بِالْخَلْوَةِ شَيْءٌ.
فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ لَهَا الْمَهْرَ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا.
يَعْنِي أَصَابَ.
وَلَمْ يُصِبْهَا.
وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْمَهْرَ يَسْتَقِرُّ بِالْخَلْوَةِ، قِيَاسًا عَلَى الْعَقْدِ الصَّحِيحِ، وَبِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ الْمُسَمَّى بِالْعَقْدِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ.
[فَصْلٌ لَا حَدَّ فِي وَطْءِ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ]
(5148) فَصْلٌ: وَلَا حَدَّ فِي وَطْءِ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، سَوَاءٌ اعْتَقَدَا حِلَّهُ أَوْ حُرْمَتَهُ.
وَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْحَدُّ بِالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ، إذَا اعْتَقَدَا حُرْمَتَهُ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ الصَّيْرَفِيِّ، مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، إنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا» . وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: مَا كَانَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشَدَّ فِي النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ مِنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يَضْرِبُ فِيهِ
وَرَوَى الشَّالَنْجِيُّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، أَنَّ الطَّرِيقَ جَمَعَتْ رَكْبًا فِيهِ امْرَأَةٌ ثَيِّبٌ،
فَخَطَبَهَا رَجُلٌ، فَأَنْكَحَهَا رَجُلٌ وَهُوَ غَيْرُ وَلِيٍّ بِصَدَاقٍ وَشُهُودٍ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى عُمَرَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رُفِعَ إلَيْهِ أَمْرُهُمَا، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَجَلَدَ النَّاكِحَ وَالْمُنْكِحَ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا مُخْتَلَفٌ فِي إبَاحَتِهِ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ الْحَدُّ، كَالنِّكَاحِ بِغَيْرِ شُهُودٍ، وَلِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ أَقْوَى الشُّبُهَاتِ، وَتَسْمِيَتُهَا زَانِيَةً يَجُوزُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ سَمَّاهَا بِذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَعُمَرُ جَلَدَهُمَا أَدَبًا وَتَعْزِيرًا، وَلِذَلِكَ جَلَدَ الْمُنْكِحَ وَلَمْ يَجْلِدْ الْمَرْأَةَ، وَجَلَدَهُمَا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ مَعَ اعْتِقَادِهِمَا حِلَّهُ.
وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَلِيٍّ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ عَلِيٍّ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ أَوْجَبَ الْحَدَّ فِيهِ، فَإِنَّ عَلِيًّا أَشَدُّ النَّاسِ فِيهِ، وَقَدْ انْتَهَى الْأَمْرُ إلَى الْجَلْدِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ سَائِرَ النَّاسِ وَالصَّحَابَةِ لَمْ يَرَوْا فِيهِ جَلْدًا
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ أَوْجَبْتُمْ الْحَدَّ عَلَى شَارِبِ النَّبِيذِ، مَعَ الِاخْتِلَافِ فِيهِ؟ قُلْنَا: هُوَ مُفَارِقٌ لِمَسْأَلَتِنَا، بِدَلِيلِ أَنَّا نَحُدُّ مَنْ اعْتَقَدَ حِلَّهُ، وَلِأَنَّ يَسِيرَ النَّبِيذِ يَدْعُو إلَى كَثِيرِهِ، الْمُتَّفَقِ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَهَذَا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ يُغْنِي عَنْ الزِّنَى الْمَجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ، فَافْتَرَقَا.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ مَنْ اعْتَقَدَ حِلَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إثْمٌ وَلَا أَدَبٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، وَمَنْ اعْتَقَدَ حُرْمَتَهُ أَثِمَ وَأُدِّبَ.
وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ مِنْهُ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ فِي الْحَالَيْنِ.
(5149) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْأَنْكِحَةُ الْبَاطِلَةُ، كَنِكَاحِ الْمَرْأَةِ الْمُزَوَّجَةِ أَوْ الْمُعْتَدَّةِ، أَوْ شِبْهِهِ، فَإِذَا عَلِمَا الْحِلَّ وَالتَّحْرِيمَ، فَهُمَا زَانِيَانِ، وَعَلَيْهِمَا الْحَدُّ، وَلَا يَلْحَقُ النَّسَبُ فِيهِ.
[فَصْلٌ يُسَاوِي الْفَاسِدُ مِنْ النِّكَاح الصَّحِيحَ فِي اللَّعَّان]
(5150) فَصْلٌ: وَيُسَاوِي الْفَاسِدُ الصَّحِيحَ فِي اللِّعَانِ، إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ عَنْهُ، لِكَوْنِ النَّسَبِ لَاحِقًا بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ، فَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَتَجِبُ الْعِدَّةُ بِالْخَلْوَةِ فِيهِ، وَعِدَّةُ الْوَفَاةِ بِالْمَوْتِ فِيهِ، وَالْإِحْدَادُ، وَكُلُّ ذَلِكَ احْتِيَاطًا لَهَا.
وَيُفَارِقُ الصَّحِيحَ فِي أَنَّهُ لَا يُثْبِتُ التَّوَارُثَ، وَلَا تَحْصُلُ بِهِ الْإِبَاحَةُ لِلْمُتَزَوِّجِ، وَلَا الْحِلُّ لِلزَّوْجِ الْمُطَلَّقِ ثَلَاثًا بِالْوَطْءِ فِيهِ، وَلَا يَحْصُلُ الْإِحْصَانُ بِالْوَطْءِ فِيهِ، وَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْإِيلَاءِ بِالْيَمِينِ فِيهِ، وَلَا يَحْرُمُ الطَّلَاقُ فِيهِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ.
[مَسْأَلَةٌ أَحَقُّ النَّاسِ بِنِكَاحِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ أَبُوهَا]
(5151) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَأَحَقُّ النَّاسِ بِنِكَاحِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ أَبُوهَا) . إنَّمَا قَيَّدَ الْمَرْأَةَ بِالْحُرَّةِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ لَا وِلَايَةَ لِأَبِيهَا عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا وَلِيُّهَا سَيِّدُهَا.
بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ.
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ الْحُرَّةُ، فَأَوْلَى النَّاسِ بِتَزْوِيجِهَا أَبُوهَا، وَلَا وِلَايَةَ لَأَحَدٍ مَعَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ
أَبِي حَنِيفَةَ؛ وَقَالَ مَالِكٌ وَالْعَنْبَرِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: الِابْنُ أَوْلَى.
وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْهُ بِالْمِيرَاثِ، وَأَقْوَى تَعْصِيبًا، وَلِهَذَا يَرِثُ بِوَلَاءِ أَبِيهِ دُونَ جَدِّهِ
وَلَنَا، أَنَّ الْوَلَدَ مَوْهُوبٌ لِأَبِيهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [الأنبياء: 90] . وَقَالَ زَكَرِيَّا: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: 38] . وَقَالَ: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: 5] وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: 39] . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيك» . وَإِثْبَاتُ وِلَايَةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ عَلَى الْهِبَةِ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ، وَلِأَنَّ الْأَبَ أَكْمَلُ نَظَرًا، وَأَشَدُّ شَفَقَةً، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ فِي الْوِلَايَةِ، كَتَقْدِيمِهِ عَلَى الْجَدِّ، وَلِأَنَّ الْأَبَ يَلِي وَلَدَهُ فِي صِغَرِهِ وَسَفَهِهِ وَجُنُونِهِ، فَيَلِيهِ فِي سَائِرِ مَا ثَبَتَتْ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِ فِيهِ، بِخِلَافِ وِلَايَةِ الِابْنِ، وَلِذَلِكَ اخْتَصَّ بِوِلَايَةِ الْمَالِ، وَجَازَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهَا مِنْ مَالِهِ.
وَلَهُ مِنْ مَالِهَا، إذَا كَانَتْ صَغِيرَةً، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الْوِلَايَةَ احْتِكَامٌ، وَاحْتِكَامُ الْأَصْلِ عَلَى فَرْعِهِ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ، وَفَارَقَ الْمِيرَاثَ، فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ لَهُ النَّظَرُ، وَلِهَذَا يَرِثُ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَلَيْسَ فِيهِ احْتِكَامٌ وَلَا وِلَايَةَ عَلَى الْمَوْرُوثِ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ.
[مَسْأَلَةٌ الْجَدّ أَبُو الْأَبِ وَإِنْ عَلَتْ دَرَجَتُهُ أَحَقُّ بِالْوِلَايَةِ فِي النِّكَاح مِنْ الِابْنِ وَسَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ]
(5152) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: ثُمَّ أَبُوهُ وَإِنْ عَلَا يَعْنِي أَنَّ الْجَدَّ أَبَا الْأَبِ وَإِنْ عَلَتْ دَرَجَتُهُ، فَهُوَ أَحَقُّ بِالْوِلَايَةِ مِنْ الِابْنِ وَسَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ الِابْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْجَدِّ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ وَمَنْ وَافَقَهُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، أَنَّ الْأَخَ يُقَدَّمُ عَلَى الْجَدِّ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الْجَدَّ يُدْلِي بِأُبُوَّةِ الْأَبِ، وَالْأَخَ يُدْلِي بِبُنُوَّةٍ، وَالْبُنُوَّةُ مُقَدَّمَةٌ
وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْجَدَّ وَالْأَخَ سَوَاءٌ؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمِيرَاثِ بِالتَّعْصِيبِ، وَاسْتِوَائِهِمَا فِي الْقَرَابَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي الْوِلَايَةِ كَالْأَخَوَيْنِ، وَلِأَنَّهُمَا عَصَبَتَانِ لَا يَسْقُطُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، فَاسْتَوَيَا فِي الْوِلَايَةِ كَالْأَخَوَيْنِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْجَدَّ لَهُ إيلَادٌ وَتَعْصِيبٌ، فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِمَا، كَالْأَبِ، وَلِأَنَّ الِابْنَ وَالْأَخَ يُقَادَانِ بِهَا، وَيُقْطَعَانِ بِسَرِقَةِ مَالِهَا، وَالْجَدَّ بِخِلَافِهِ، وَالْجَدُّ لَا يَسْقُطُ فِي الْمِيرَاثِ إلَّا بِالْأَبِ، وَالْأَخُ يَسْقُطُ بِهِ وَبِالِابْنِ وَابْنِهِ، وَإِذَا ضَاقَ
الْمَالُ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ جَدٌّ وَأَخٌ، سَقَطَ الْأَخُ وَحْدَهُ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِمَا كَالْأَبِ، وَلِتَقَدُّمِهِ عَلَى الْعَمِّ وَسَائِرِ الْعَصَبَاتِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْجَدُّ وَإِنْ عَلَا أَوْلَى مِنْ جَمِيعِ الْعَصَبَاتِ غَيْرَ الْأَبِ، وَأَوْلَى الْأَجْدَادِ أَقْرَبُهُمْ وَأَحَقُّهُمْ فِي الْمِيرَاثِ.
[مَسْأَلَةٌ مَتَى عَدَم الْأَبُ وَآبَاؤُهُ فَأَوْلَى النَّاسِ بِتَزْوِيجِ الْمَرْأَةِ ابْنُهَا ثُمَّ ابْنُهُ بَعْدَهُ]
(5153) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: ثُمَّ ابْنُهَا وَابْنُهُ وَإِنْ سَفَلَ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ مَتَى عُدِمَ الْأَبُ وَآبَاؤُهُ، فَأَوْلَى النَّاسِ بِتَزْوِيجِ الْمَرْأَةِ ابْنُهَا، ثُمَّ ابْنُهُ بَعْدَهُ وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُ، الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْهُمْ.
وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا وِلَايَةَ لِلِابْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ابْنَ عَمٍّ، أَوْ مَوْلَى، أَوْ حَاكِمًا، فَيَلِي بِذَلِكَ، لَا بِالْبُنُوَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُنَاسِبٍ لَهَا، فَلَا يَلِي نِكَاحَهَا كَخَالِهَا، وَلِأَنَّ طَبْعَهُ يَنْفِرُ مِنْ تَزْوِيجِهَا، فَلَا يَنْظُرُ لَهَا.
وَلَنَا، مَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّهَا لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، أَرْسَلَ إلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِي شَاهِدًا.
قَالَ: لَيْسَ مِنْ أَوْلِيَائِك شَاهِدٌ وَلَا غَائِبٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ.
فَقَالَتْ: قُمْ يَا عُمَرُ، فَزَوِّجْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَزَوَّجَهُ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فَحَدِيثُ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، حِينَ تَزَوَّجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّهُ أُمَّ سَلَمَةَ، أَلَيْسَ كَانَ صَغِيرًا؟ قَالَ: وَمَنْ يَقُولُ كَانَ صَغِيرًا، لَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ.
وَلِأَنَّهُ عَدْلٌ مِنْ عَصَبَتِهَا، فَثَبَتَ لَهُ وِلَايَةُ تَزْوِيجِهَا كَأَخِيهَا.
وَقَوْلُهُمْ: لَيْسَ بِمُنَاسِبٍ لَهَا.
يَبْطُلُ بِالْحَاكِمِ وَالْمَوْلَى.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ طَبْعَهُ يَنْفِرُ مِنْ تَزْوِيجِهَا
قُلْنَا: هَذَا مُعَارِضٌ فِي الْفَرْعِ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ، ثُمَّ يَبْطُلُ بِمَا إذَا كَانَ ابْنَ عَمٍّ أَوْ مَوْلَى أَوْ حَاكِمًا.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْأَخِ وَمَنْ بَعْدَهُ.
بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِوِلَايَتِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْهُ تَعْصِيبًا، وَقَدْ اسْتَوَيَا فِي عَدَمِ الْإِيلَادِ.
[مَسْأَلَةٌ تَقْدِيمِ الْأَخِ بَعْدَ عَمُودِيّ النَّسَبِ فِي وِلَايَة النِّكَاح]
مَسْأَلَةٌ؛ (5154) قَالَ: ثُمَّ أَخُوهَا لِأَبِيهَا وَأُمِّهَا.
لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَقْدِيمِ الْأَخِ بَعْدَ عَمُودَيْ النَّسَبِ؛ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ الْعُصُبَاتِ بَعْدَهُمْ، فَإِنَّهُ ابْنُ الْأَبِ، وَأَقْوَاهُمْ تَعْصِيبًا، وَأَحَقُّهُمْ بِالْمِيرَاثِ.
[مَسْأَلَةٌ الْأَخُ لِأَبِ مِثْل الْأَخ الشَّقِيق فِي وِلَايَة النِّكَاح]
(5155) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَالْأَخُ لِلْأَبِ مِثْلُهُ.
اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْأَخِ لِلْأَبَوَيْنِ وَالْأَخِ لِلْأَبِ إذَا اجْتَمَعَا فَالْمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْوِلَايَةِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ؛ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْإِدْلَاءِ بِالْجِهَةِ الَّتِي تُسْتَفَادُ مِنْهَا الْعُصُوبَةُ، وَهِيَ جِهَةُ الْأَبِ، فَاسْتَوَيَا فِي الْوِلَايَةِ، كَمَا لَوْ كَانَا مِنْ أَبٍ، وَإِنَّمَا يُرَجَّحُ الْآخَرُ فِي الْمِيرَاثِ بِجِهَةِ الْأُمِّ، وَلَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْوِلَايَةِ، فَلَمْ يُرَجَّحْ بِهَا، كَالْعَمَّيْنِ أَحَدُهُمَا خَالٌ، وَابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ مِنْ أُمٍّ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، الْأَخُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ أَوْلَى.
وَاخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّهُ حَقٌّ يُسْتَفَادُ بِالتَّعْصِيبِ، فَقُدِّمَ فِيهِ الْأَخُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ، كَالْمِيرَاثِ وَكَاسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ بِالْوَلَاءِ، فَإِنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ فِيهِ، وَقَدْ قُدِّمَ الْأَخُ لِلْأَبَوَيْنِ فِيهِ.
وَبِهَذَا يَبْطُلُ مَا ذَكَرْنَاهُ لِلرِّوَايَةِ الْأُولَى.
وَهَكَذَا الْخِلَافُ فِي بَنِي الْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ وَبَنِيهِمْ.
فَأَمَّا إذَا كَانَ ابْنَا عَمٍّ لِأَبٍ، أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ، فَهُمَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي التَّعْصِيبِ وَالْإِرْثِ بِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِمَا مِنْ الْخِلَافِ مِثْلُ مَا فِي ابْنِ عَمٍّ مِنْ أَبَوَيْنِ وَابْنِ عَمٍّ مِنْ أَبٍ؛ لِأَنَّهُ يُرَجَّحُ بِجِهَةِ أُمِّهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ جِهَةَ أُمِّهِ يَرِثُ بِهَا مُنْفَرِدَةً، وَمَا وَرِثَ بِهِ مُنْفَرِدًا لَمْ يُرَجَّحْ بِهِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُرَجَّحْ بِهِ فِي الْمِيرَاثِ بِالْوَلَاءِ وَلَا فِي غَيْرِهِ
فَعَلَى هَذَا، إذَا اجْتَمَعَ ابْنُ عَمٍّ لِأَبَوَيْنِ وَابْنُ عَمٍّ لِأَبٍ هُوَ أَخٌ مِنْ أُمٍّ، فَالْوِلَايَةُ لِابْنِ الْعَمِّ مِنْ الْأَبَوَيْنِ عِنْدَ مَنْ يَرَى تَقْدِيمَ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ.
[مَسْأَلَةٌ الْوِلَايَة فِي النِّكَاح تَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْتِيبِ الْإِرْثِ بِالتَّعْصِيبِ]
(5156) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: ثُمَّ أَوْلَادُهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا، ثُمَّ الْعُمُومَةُ، ثُمَّ أَوْلَادُهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا، ثُمَّ عُمُومَةُ الْأَبِ.
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْوِلَايَةَ بَعْدَ مَنْ ذَكَرْنَا تَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْتِيبِ الْإِرْثِ بِالتَّعْصِيبِ، فَأَحَقُّهُمْ بِالْمِيرَاثِ أَحَقُّهُمْ بِالْوِلَايَةِ، فَأَوْلَاهُمْ بَعْدَ الْآبَاءِ بَنُو الْمَرْأَةِ، ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا، ثُمَّ بَنَوْا أَبِيهَا وَهُمْ الْإِخْوَةُ، ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا، ثُمَّ بَنُو جَدِّهَا وَهُمْ الْأَعْمَامُ، ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا، ثُمَّ بَنُو جَدِّ الْأَبِ وَهُمْ أَعْمَامُ الْأَبِ، ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا، ثُمَّ بَنُو جَدِّ الْجَدِّ، ثُمَّ بَنُوهُمْ، وَعَلَى هَذَا لَا يَلِي بَنُو أَبٍ أَعْلَى مَعَ بَنِي أَبٍ أَقْرَبَ مِنْهُ وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُمْ، وَأَوْلَى وَلَدِ كُلِّ أَبٍ أَقْرَبُهُمْ إلَيْهِ
لِأَنَّ مَبْنَى الْوِلَايَةِ عَلَى النَّظَرِ وَالشَّفَقَةِ، وَذَلِكَ مُعْتَبَرٌ بِمَظِنَّتِهِ، وَهِيَ الْقَرَابَةُ، فَأَقْرَبُهُمْ أَشْفَقُهُمْ.
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
[فَصْلٌ لَا وِلَايَةَ فِي النِّكَاح لِغَيْرِ الْعُصُبَات مِنْ الْأَقَارِبِ]
(5157) فَصْلٌ: وَلَا وِلَايَةَ لِغَيْرِ الْعَصَبَاتِ مِنْ الْأَقَارِبِ، كَالْأَخِ مِنْ الْأُمِّ، وَالْخَالِ، وَعَمِّ الْأُمِّ، وَالْجَدِّ أَبِي الْأُمِّ وَنَحْوِهِمْ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَالثَّانِيَةُ، أَنَّ كُلَّ مَنْ يَرِثُ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ يَلِي؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ مِيرَاثِهَا، فَوَلِيَهَا كَعَصَبَاتِهَا.
وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّهُ قَالَ: إذَا بَلَغَ النِّسَاءُ نَصَّ الْحَقَائِقِ، فَالْعَصَبَةُ أَوْلَى.
إذَا أَدْرَكْنَ رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، فِي " الْغَرِيبِ ".
وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَصَبَاتِهَا فَأَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ.
[مَسْأَلَةٌ الْمَرْأَةَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا عُصْبَة مِنْ نَسَبِهَا فِي وِلَايَة النِّكَاح]
(5158) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: ثُمَّ الْمَوْلَى الْمُنْعِمُ، ثُمَّ أَقْرَبُ عَصَبَتِهِ بِهِ.
لَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ فِي أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا عَصَبَةٌ مِنْ نَسَبِهَا، أَنَّ مَوْلَاهَا يُزَوِّجُهَا، وَلَا فِي أَنَّ الْعَصَبَةَ الْمُنَاسِبَ أَوْلَى مِنْهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عَصَبَةُ مَوْلَاتِهِ، يَرِثُهَا وَيَعْقِلُ عَنْهَا عِنْدَ عَدَمِ عَصَبَاتِهَا، فَلِذَلِكَ يُزَوِّجُهَا، وَقُدِّمَ عَلَيْهِ الْمُنَاسِبُونَ كَمَا قُدِّمُوا عَلَيْهِ فِي الْإِرْثِ وَالْعَقْلِ.
فَإِنْ عُدِمَ الْمَوْلَى، أَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ، كَالْمَرْأَةِ وَالطِّفْلِ وَالْكَافِرِ، فَعَصَبَاتُهُ الْأَقْرَبُ مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبُ، عَلَى تَرْتِيبِ الْمِيرَاثِ، ثُمَّ مَوْلَى الْمَوْلَى، ثُمَّ عَصَبَاتُهُ مِنْ بَعْدِهِ، كَالْمِيرَاثِ سَوَاءٌ.
فَإِنْ اجْتَمَعَ ابْنُ الْمُعْتِقِ وَأَبُوهُ، فَالِابْنُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِالْمِيرَاثِ وَأَقْوَى فِي التَّعْصِيبِ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ الْأَبُ الْمُنَاسِبُ عَلَى الِابْنِ الْمُنَاسِبِ لِزِيَادَةِ شَفَقَتِهِ وَفَضِيلَةِ وِلَادَتِهِ، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِي أَبِي الْمُعْتِقِ، فَرُجِعَ بِهِ إلَى الْأَصْلِ.
[مَسْأَلَةٌ لِلسُّلْطَانِ وِلَايَةَ تَزْوِيج الْمَرْأَةِ عِنْدَ عَدَمِ أَوْلِيَائِهَا أَوْ عَضَلهمْ]
(5159) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: ثُمَّ السُّلْطَانُ.
لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي أَنَّ لِلسُّلْطَانِ وِلَايَةَ تَزْوِيجِ الْمَرْأَةِ عِنْدَ عَدَمِ أَوْلِيَائِهَا أَوْ عَضْلِهِمْ.
وَبِهِ يَقُولُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» وَرَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ «أَنَّ النَّجَاشِيَّ زَوَّجَهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَتْ عِنْدَهُ.
وَلِأَنَّ» لِلسُّلْطَانِ وِلَايَةً عَامَّةً بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَلِي الْمَالَ، وَيَحْفَظُ الضَّوَالَّ، فَكَانَتْ لَهُ الْوِلَايَةُ فِي النِّكَاحِ كَالْأَبِ.
[فَصْلٌ السُّلْطَانُ فِي وِلَايَة النِّكَاح هُوَ الْإِمَامُ أَوْ الْحَاكِمُ أَوْ مَنْ فَوَّضَا إلَيْهِ ذَلِكَ]
(5160) فَصْلٌ: وَالسُّلْطَانُ هَاهُنَا هُوَ الْإِمَامُ، أَوْ الْحَاكِمُ، أَوْ مَنْ فَوَّضَا إلَيْهِ ذَلِكَ.
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي وَالِي الْبَلَدِ، فَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: يُزَوِّجُ وَالِي الْبَلَدِ.
وَقَالَ فِي الرُّسْتَاقِ يَكُونُ فِيهِ الْوَالِي وَلَيْسَ فِيهِ قَاضٍ: يُزَوِّجُ إذَا احْتَاطَ لَهَا فِي الْمَهْرِ وَالْكُفْءِ، أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ؛ لِأَنَّهُ ذُو سُلْطَانٍ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْحَدِيثِ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، فِي الْمَرْأَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ: فَالسُّلْطَانُ الْمُسَلَّطُ عَلَى الشَّيْءِ؛ الْقَاضِي يَقْضِي فِي الْفُرُوجِ وَالْحُدُودِ وَالرَّجْمِ، وَصَاحِبُ الشُّرْطَةِ إنَّمَا هُوَ مُسَلَّطٌ فِي الْأَدَبِ وَالْجِنَايَةِ
وَقَالَ: مَا لِلْوَالِي وِلَايَةٌ إنَّمَا هُوَ الْقَاضِي.
وَتَأَوَّلَ الْقَاضِي الرِّوَايَةَ الْأُولَى عَلَى أَنَّ الْوَالِيَ أَذِنَ لَهُ فِي التَّزْوِيجِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ جَعَلَ لَهُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَوْضِعِ وِلَايَتِهِ قَاضٍ، فَكَأَنَّهُ قَدْ فَوَّضَ إلَيْهِ النَّظَرَ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي وِلَايَتِهِ، وَهَذَا مِنْهَا.
[فَصْلٌ حُكْم وِلَايَة أَهْلُ الْبَغْيِ فِي النِّكَاح]
فَصْلٌ: وَإِذَا اسْتَوْلَى أَهْلُ الْبَغْيِ عَلَى بَلَدٍ، جَرَى حُكْمُ سُلْطَانِهِمْ وَقَاضِيهِمْ فِي ذَلِكَ مَجْرَى الْإِمَامِ وَقَاضِيهِ؛ لِأَنَّهُ أُجْرِيَ مُجْرَاهُ فِي قَبْضِ الصَّدَقَاتِ وَالْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ وَالْأَحْكَامِ، فَكَذَلِكَ فِي هَذَا.
[فَصْلٌ الْمَرْأَةِ تُسْلِمُ عَلَى يَدِ رَجُلٍ لَا يَكُونُ وَلِيًّا لَهَا وَلَا يُزَوِّجُ حَتَّى يَأْتِيَ السُّلْطَانُ]
(5162) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الْمَرْأَةِ تُسْلِمُ عَلَى يَدِ رَجُلٍ، فَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: لَا يَكُونُ وَلِيًّا لَهَا، وَلَا يُزَوِّجُ حَتَّى يَأْتِيَ السُّلْطَانَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَصَبَتِهَا، وَلَا يَعْقِلُ عَنْهَا، وَلَا يَرِثُهَا، فَأَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، فِي امْرَأَةٍ أَسْلَمَتْ عَلَى يَدِ رَجُلٍ: يُزَوِّجُهَا هُوَ.
وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَ السُّلْطَانَ.
وَعَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يُزَوِّجَهَا نَفْسَهُ
وَذَلِكَ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، «أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا السُّنَّةُ فِي الرَّجُلِ يُسْلِمُ عَلَى يَدِ الرَّجُلِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ» . إلَّا أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ: رَاوِيهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ.
[فَصْلٌ لَمْ يُوجَدْ لِلْمَرْأَةِ وَلِي وَلَا ذُو سُلْطَانٍ يَلِي نِكَاحهَا]
(5163) فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لِلْمَرْأَةِ وَلِيٌّ وَلَا ذُو سُلْطَانٍ، فَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُزَوِّجُهَا رَجُلٌ عَدْلٌ بِإِذْنِهَا، فَإِنَّهُ قَالَ فِي دُهْقَانِ قَرْيَةٍ: يُزَوِّجُ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا إذَا احْتَاطَ لَهَا فِي الْكُفْءِ وَالْمَهْرِ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الرُّسْتَاقِ
قَاضٍ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَخَذَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَقِفُ عَلَى وَلِيٍّ.
قَالَ: وَقَالَ الْقَاضِي: نُصُوصُ أَحْمَدَ تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مُخْتَصٌّ بِحَالِ عَدَمِ الْوَلِيِّ وَالسُّلْطَانِ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الرُّسْتَاقِ قَاضٍ
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْوَلِيِّ هَاهُنَا يَمْنَعُ النِّكَاحَ بِالْكُلِّيَّةِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَاشْتِرَاطِ الْمُنَاسِبِ فِي حَقِّ مَنْ لَا مُنَاسِبَ لَهَا.
وَرُوِيَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النِّكَاحُ إلَّا بِوَلِيٍّ؛ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ فِيهِ.
[مَسْأَلَةٌ التَّوْكِيلُ فِي النِّكَاحِ]
(5164) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَوَكِيلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ يَقُومُ مَقَامَهُ وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا.
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي النِّكَاحِ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَلِيُّ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا، مُجْبَرًا أَوْ غَيْرَ مُجْبَرٍ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَكَّلَ أَبَا رَافِعٍ فِي تَزْوِيجِهِ مَيْمُونَةَ، وَوَكَّلَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ فِي تَزْوِيجِهِ أُمَّ حَبِيبَةَ» . وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَجَازَ التَّوْكِيلُ فِيهِ كَالْبَيْعِ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي تَوْكِيلِ غَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَلِي بِالْإِذْنِ، فَلَمْ يَجُزْ التَّوْكِيلُ لَهُ، كَالْوَكِيلِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ يَلِي شَرْعًا، فَكَانَ لَهُ التَّوْكِيلُ كَالْأَبِ، وَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُمْ: إنَّهُ يَلِي بِالْإِذْنِ.
فَإِنَّ وِلَايَتَهُ ثَابِتَةٌ قَبْلَ إذْنِهَا، وَإِنَّمَا إذْنُهَا شَرْطٌ لِصِحَّةِ تَصَرُّفِهِ، فَأَشْبَهَ وِلَايَةَ الْحَاكِمِ عَلَيْهَا، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي التَّزْوِيجِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْمَرْأَةِ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا وِلَايَةَ لَهَا عَلَى نَفْسِهَا، فَكَيْفَ تُنِيبُ لِنَائِبِهَا مِنْ قِبَلِهَا، (5165) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا، فَالْمُقَيَّدُ التَّوْكِيلُ فِي تَزْوِيج رَجُلٍ بِعَيْنِهِ.
وَالْمُطْلَقُ التَّوْكِيلُ فِي تَزْوِيجِ مَنْ يَرْضَاهُ أَوْ مَنْ يَشَاءُ.
قَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ، فِي الرَّجُلِ يُوَلَّى عَلَى أُخْتِهِ أَوْ ابْنَتِهِ، يَقُولُ: إذَا وَجَدْت مَنْ تَرْضَاهُ فَزَوِّجْهُ
فَتَزْوِيجُهُ جَائِزٌ.
وَمَنَعَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ التَّوْكِيلَ الْمُطْلَقَ.
وَلَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ تَرَكَ ابْنَتَهُ عِنْدَ عُمَرَ.
وَقَالَ: إذَا وَجَدْت لَهَا كُفُؤًا فَزَوِّجْهُ إيَّاهَا، وَلَوْ بِشِرَاكِ نَعْلِهِ.
فَزَوَّجَهَا عُمَرُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَهِيَ أُمُّ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ.
وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ فَلَمْ يُنْكَرْ، وَلِأَنَّهُ إذْنٌ فِي النِّكَاحِ، فَجَازَ مُطْلَقًا، كَإِذْنِ الْمَرْأَةِ، أَوْ عَقْدٌ فَجَازَ التَّوْكِيلُ فِيهِ مُطْلَقًا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ لَا يُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ الْوَكَالَةِ إذْنُ الْمَرْأَةِ فِي التَّوْكِيلِ]
(5166) فَصْلٌ: وَلَا يُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ الْوَكَالَةِ إذْنُ الْمَرْأَةِ فِي التَّوْكِيلِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُوَكِّلُ أَبًا أَوْ غَيْرَهُ.
وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى حُضُورِ شَاهِدَيْنِ.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْمُجْبِرِ التَّوْكِيلُ إلَّا بِإِذْنِ الْمَرْأَةِ.
وَخَرَّجَهُ الْقَاضِي عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَوْكِيلِ الْوَكِيلِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْمُوَكَّلِ.
وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِحِلِّ الْوَطْءِ، فَافْتَقَرَ إلَى الشَّهَادَةِ، كَالنِّكَاحِ
وَلَنَا، أَنَّهُ إذْنٌ مِنْ الْوَلِيِّ فِي التَّزْوِيجِ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى إذْنِ الْمَرْأَةِ، وَلَا إلَى إشْهَادٍ، كَإِذْنِ الْحَاكِمِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْوَلِيَّ لَيْسَ بِوَكِيلٍ لِلْمَرْأَةِ، وَهَذَا التَّوْكِيلُ لَا يَمْلِكُ بِهِ الْبُضْعَ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى إشْهَادٍ، بِخِلَافِ النِّكَاحِ.
وَيَبْطُلُ مَا ذَكَرَهُ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ بِالتَّسَرِّي.
[فَصْلٌ يَثْبُتُ لِلْوَكِيلِ مَا يَثْبُتُ لِلْمُوَكِّلِ فِي النِّكَاح]
(5167) فَصْلٌ: وَيَثْبُتُ لِلْوَكِيلِ مَا يَثْبُتُ لِلْمُوَكِّلِ.
وَإِنْ كَانَ لِلْوَلِيِّ الْإِجْبَارُ ثَبَتَ ذَلِكَ لِوَكِيلِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ وِلَايَتُهُ وِلَايَةَ مُرَاجَعَةٍ، احْتَاجَ الْوَكِيلُ إلَى إذْنِهَا وَمُرَاجَعَتِهَا؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ فَيَثْبُتُ لَهُ مِثْلُ مَا ثَبَتَ لِمَنْ يَنُوبُ عَنْهُ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي السُّلْطَانِ وَالْحَاكِمِ يَأْذَنُ لِغَيْرِهِ فِي التَّزْوِيجِ، فَيَكُونُ الْمَأْذُونُ لَهُ قَائِمًا مَقَامَهُ.
[فَصْلٌ هَلْ تُسْتَفَادُ وِلَايَةُ النِّكَاحِ بِالْوَصِيَّةِ]
(5168) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَلْ تُسْتَفَادُ وِلَايَةُ النِّكَاحِ بِالْوَصِيَّةِ؟ فَرُوِيَ أَنَّهَا تُسْتَفَادُ بِهَا.
وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ؛ لِقَوْلِهِ: أَوْ وَصَّى نَاظِرًا لَهُ فِي التَّزْوِيجِ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَمَالِكٍ وَعَنْهُ لَا تُسْتَفَادُ بِالْوَصِيَّةِ.
وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ تَنْتَقِلُ إلَى غَيْرِهِ شَرْعًا، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُوصِيَ بِهَا كَالْحَضَانَةِ، وَلِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الْوَصِيِّ فِي تَضْيِيعِهَا وَوَضْعِهَا عِنْدَ مَنْ لَا يُكَافِئُهَا، فَلَمْ تَثْبُتْ لَهُ الْوِلَايَةُ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَلِأَنَّهَا وِلَايَةُ نِكَاحٍ، فَلَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ بِهَا، كَوِلَايَةِ الْحَاكِمِ
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ: إنْ كَانَ لَهَا عَصَبَةٌ، لَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ بِنِكَاحِهَا؛ لِأَنَّهُ يُسْقِطُ حَقَّهُمْ بِوَصِيَّتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَبَةٌ، جَازَ لِعَدَمِ ذَلِكَ.
وَلَنَا، أَنَّهَا وِلَايَةٌ ثَابِتَةٌ لِلْأَبِ، فَجَازَتْ وَصِيَّتُهُ بِهَا، كَوِلَايَةِ الْمَالِ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهَا فِي حَيَاتِهِ، فَيَكُونَ نَائِبُهُ قَائِمًا مَقَامَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَجَازَ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهَا، كَوِلَايَةِ الْمَالِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِوِلَايَةِ الْمَالِ.
فَعَلَى هَذَا لَا يَصِيرُ وَصِيًّا فِي النِّكَاحِ بِالْوَصِيَّةِ إلَيْهِ فِي الْمَالِ؛ لِأَنَّهَا إحْدَى الْوِلَايَتَيْنِ، فَلَمْ يَمْلِكْهَا بِالْوَصِيَّةِ إلَيْهِ فِي الْمَالِ، كَالْوَصِيَّةِ الْأُخْرَى، قِيَاسًا عَلَى وَصِيَّةِ الْمَالِ لَا تُمْلَكُ بِالْوَصِيَّةِ فِي النِّكَاحِ.
[فَصْلٌ الْوَصِيَّةُ بِالنِّكَاحِ مِنْ كُلِّ ذِي وِلَايَةٍ]
(5169) فَصْلٌ: فَعَلَى هَذَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِالنِّكَاحِ مِنْ كُلِّ ذِي وِلَايَةٍ، سَوَاءٌ كَانَ مُجْبِرًا كَالْأَبِ، أَوْ غَيْرَ مُجْبِرٍ كَغَيْرِهِ، وَوَصِيُّ كُلِّ وَلِيٍّ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ لَهُ الْإِجْبَارُ فَكَذَلِكَ لِوَصِيِّهِ.
وَإِنْ كَانَ يَحْتَاجُ إلَى إذْنِهَا فَوَصِيُّهُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ، فَهُوَ كَالْوَكِيلِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ عَيَّنَ الْأَبُ الزَّوْجَ، مَلَكَ الْوَصِيُّ إجْبَارَهَا، صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ الزَّوْجَ، وَكَانَتْ ابْنَتُهُ كَبِيرَةً، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ، وَاعْتُبِرَ إذْنُهَا، وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً، انْتَظَرْنَا بُلُوغَهَا، فَإِذَا أَذِنَتْ، جَازَ أَنْ يُزَوِّجَهَا بِإِذْنِهَا
وَلَنَا، أَنَّ مَنْ مَلَكَ التَّزْوِيجَ إذَا عُيِّنَ لَهُ الزَّوْجُ، مَلَكَ مَعَ الْإِطْلَاقِ، كَالْوَكِيلِ، وَمَتَى زَوَّجَ وَصِيُّ الْأَبِ الصَّغِيرَةَ فَبَلَغَتْ، فَلَا خِيَارَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوصِي، فَلَمْ يَثْبُتْ فِي تَزْوِيجِهِ خِيَارٌ، كَالْوَكِيلِ.
[مَسْأَلَةٌ كَانَ الْأَقْرَبُ مِنْ عُصْبَة الْمَرْأَة طِفْلًا أَوْ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا زَوَّجَهَا الْأَبْعَدُ مِنْ عُصْبَتهَا]
(5170) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا كَانَ الْأَقْرَبُ مِنْ عَصَبَتِهَا طِفْلًا أَوْ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا، زَوَّجَهَا الْأَبْعَدُ مِنْ عَصَبَتِهَا.
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْوِلَايَةَ لَا تَثْبُتُ لِطِفْلٍ وَلَا عَبْدٍ وَلَا كَافِرٍ عَلَى مُسْلِمَةٍ بِحَالٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ وُجُودُهُمْ كَالْعَدَمِ، فَتَثْبُتُ الْوِلَايَةُ لِمَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُمْ كَمَا لَوْ مَاتُوا.
وَتُعْتَبَرُ لِثُبُوتِ الْوِلَايَةِ لِمَنْ سَمَّيْنَا سِتَّةُ شُرُوطٍ؛ الْعَقْلُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْإِسْلَامُ، وَالذُّكُورِيَّةُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْعَدَالَةُ، عَلَى اخْتِلَافٍ نَذْكُرُهُ.
فَأَمَّا الْعَقْلُ، فَلَا خِلَافَ فِي اعْتِبَارِهِ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ نَظَرًا لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ لَا يُمْكِنُهُ النَّظَرُ، وَلَا يَلِي نَفْسَهُ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ لِصِغَرِهِ كَطِفْلٍ، أَوْ مَنْ ذَهَبَ عَقْلُهُ بِجُنُونٍ أَوْ كِبَرٍ، كَالشَّيْخِ إذَا أَفْنَدَ
قَالَ الْقَاضِي: وَالشَّيْخُ الَّذِي قَدْ ضَعُفَ لِكِبَرِهِ، فَلَا يَعْرِفُ مَوْضِعَ الْحَظِّ لَهَا، لَا وِلَايَةَ لَهُ.
فَأَمَّا الْإِغْمَاءُ فَلَا يُزِيلُ الْوِلَايَةَ؛ لِأَنَّهُ يَزُولُ عَنْ قُرْبٍ، فَهُوَ كَالنَّوْمِ، وَلِذَلِكَ لَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ -. وَمَنْ كَانَ يُجَنُّ فِي الْأَحْيَانِ لَمْ تَزُلْ وِلَايَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَدِيمُ زَوَالُ عَقْلِهِ، فَهُوَ كَالْإِغْمَاءِ.
الشَّرْطُ الثَّانِي، الْحُرِّيَّةُ، فَلَا وِلَايَةَ لَعَبْدٍ فِي قَوْلِ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَعَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجَهَا الْعَبْدُ بِإِذْنِهَا، بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تُزَوِّجُ نَفْسَهَا، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ
الشَّرْطُ الثَّالِثُ، الْإِسْلَامُ، فَلَا يَثْبُتُ لِكَافِرٍ وِلَايَةٌ عَلَى مُسْلِمَةٍ.
وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَيْضًا.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَامَّةُ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى هَذَا.
قَالَ أَحْمَدُ: بَلَغَنَا أَنَّ عَلِيًّا أَجَازَ نِكَاحَ أَخٍ، وَرَدَّ نِكَاحَ الْأَبِ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ، الذُّكُورِيَّةُ شَرْطٌ لِلْوِلَايَةِ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهَا الْكَمَالُ، وَالْمَرْأَةُ نَاقِصَةٌ قَاصِرَةٌ، تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهَا لِقُصُورِهَا عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهَا، فَلَأَنْ لَا تَثْبُتَ لَهَا وِلَايَةٌ عَلَى غَيْرِهَا أَوْلَى.
الشَّرْطُ الْخَامِسُ، الْبُلُوغُ شَرْطٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُزَوِّجُ الْغُلَامُ حَتَّى يَحْتَلِمَ، لَيْسَ لَهُ أَمْرٌ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَعَنْ أَحْمَدَ،
رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ إذَا بَلَغَ عَشْرًا زَوَّجَ، وَتَزَوَّجَ، وَطَلَّقَ، وَأُجِيزَتْ وَكَالَتُهُ فِي الطَّلَاقِ.
وَهَذَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ؛ لِتَخْصِيصِهِ الْمَسْلُوبَ الْوِلَايَةُ بِكَوْنِهِ طِفْلًا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ وَوَصِيَّتُهُ وَطَلَاقُهُ، فَثَبَتَتْ لَهُ الْوِلَايَةُ كَالْبَالِغِ.
وَالْأَوَّلُ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ يُعْتَبَرُ لَهَا كَمَالُ الْحَالِ، لِأَنَّهَا تَنْفِيذُ التَّصَرُّفِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ اُعْتُبِرَتْ نَظَرًا لَهُ، وَالصَّبِيُّ مَوْلًى عَلَيْهِ لِقُصُورِهِ، فَلَا تَثْبُتُ لَهُ الْوِلَايَةُ، كَالْمَرْأَةِ.
الشَّرْطُ السَّادِسُ، الْعَدَالَةُ.
فِي كَوْنِهَا شَرْطًا رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، هِيَ شَرْطٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا كَانَ الْقَاضِي مِثْلَ ابْنِ الْحَلَبِيِّ وَابْنِ الْجَعْدِيِّ اسْتَقْبَلَ النِّكَاحَ.
فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ أَفْسَدَ النِّكَاحَ لِانْتِفَاءِ عَدَالَةِ الْمُتَوَلِّي لَهُ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: لَا نِكَاحَ إلَّا بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَوَلِيٍّ مُرْشِدٍ.
قَالَ أَحْمَدُ: أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ رُوِيَ - يَعْنِي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ.
وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَهَا وَلِيٌّ مَسْخُوطٌ عَلَيْهِ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ»
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْبَرْقَانِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ، وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» . وَلِأَنَّهَا وِلَايَةٌ نَظَرِيَّةٌ، فَلَا يَسْتَبِدُّ بِهَا الْفَاسِقُ، كَوِلَايَةِ الْمَالِ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، لَيْسَتْ بِشَرْطٍ.
نَقَلَ مُثَنَّى بْنُ جَامِعٍ، أَنَّهُ سَأَلَ أَحْمَدَ: إذَا تَزَوَّجَ بِوَلِيٍّ فَاسِقٍ، وَشُهُودٍ غَيْرِ عُدُولٍ؟ فَلَمْ يَرَ أَنَّهُ يَفْسُدُ مِنْ النِّكَاحِ شَيْءٌ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الطِّفْلَ وَالْعَبْدَ وَالْكَافِرَ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْفَاسِقَ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَلِي نِكَاحَ نَفْسِهِ، فَتَثْبُتُ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَى غَيْرِهِ، كَالْعَدْلِ، وَلِأَنَّ سَبَبَ الْوِلَايَةِ الْقَرَابَةُ، وَشَرْطَهَا النَّظَرُ، وَهَذَا قَرِيبٌ نَاظِرٌ، فَيَلِي كَالْعَدْلِ
(5171) فَصْلٌ: وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا؛ لِأَنَّ شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، زَوَّجَ ابْنَتَهُ وَهُوَ أَعْمَى، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي النِّكَاحِ يُعْرَفُ بِالسَّمَاعِ وَالِاسْتِفَاضَةِ، فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى النَّظَرِ.
وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ نَاطِقًا، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَلِيَ الْأَخْرَسُ إذَا كَانَ مَفْهُومَ الْإِشَارَةِ؛ لِأَنَّ إشَارَتَهُ تَقُومُ مَقَامَ نُطْقِهِ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ وَالْأَحْكَامِ، فَكَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ.
[فَصْلٌ مَنْ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ الْوِلَايَة فِي النِّكَاح لَا يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ]
(5172) فَصْلٌ: وَمَنْ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ الْوِلَايَةُ، لَا يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ؛ لِأَنَّ وَكِيلَهُ نَائِبٌ عَنْهُ وَقَائِمٌ مَقَامَهُ.
وَإِنْ وَكَّلَهُ الْوَلِيُّ فِي تَزْوِيجِ مُوَلِّيَتِهِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا، وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَمْلِكْ تَزْوِيجَ مُنَاسَبَتِهِ بِوِلَايَةِ النَّسَبِ، فَلَأَنْ لَا يَمْلِكَ تَزْوِيجَ مُنَاسَبَةِ غَيْرِهِ بِالتَّوْكِيلِ أَوْلَى.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ تَوْكِيلُ الْعَبْدِ وَالْفَاسِقِ وَالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ فِي الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ اللَّفْظِ بِالْعَقْدِ، وَعِبَارَتُهُمْ فِيهِ صَحِيحَةٌ، وَلِذَلِكَ صَحَّ قَبُولُهُمْ النِّكَاحَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّمَا سُلِبُوا الْوِلَايَةَ نَفْسَهَا؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ لَهَا الْكَمَالُ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ فِي اللَّفْظِ بِهِ
فَأَمَّا إنْ وَكَّلَهُ الزَّوْجُ فِي قَبُولِ النِّكَاحِ لَهُ، أَوْ وَكَّلَهُ الْأَبُ فِي قَبُولِ النِّكَاحِ لَابْنِهِ الصَّغِيرِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ طَرَفَيْ الْعَقْدِ، فَلَمْ يَجُزْ تَوْكِيلُهُ فِيهِ كَالْإِيجَابِ.
وَيُحْتَمَلُ جَوَازُ تَوْكِيلِ مَنْ ذَكَرْنَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِهِ، وَيَصِحُّ قَبُولُهُمْ النِّكَاحَ لِأَنْفُسِهِمْ، فَجَازَ أَنْ يَنُوبُوا فِيهِ عَنْ غَيْرِهِمْ، كَالْبَيْعِ.
وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي الْعَبْدِ.
[مَسْأَلَةٌ يُزَوِّجُ أَمَةَ الْمَرْأَةِ بِإِذْنِهَا مَنْ يُزَوِّجُهَا]
(5173) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيُزَوِّجُ أَمَةَ الْمَرْأَةِ بِإِذْنِهَا مَنْ يُزَوِّجُهَا) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي مَنْ يُزَوِّجُ أَمَةَ الْمَرْأَةِ، فَرُوِيَ عَنْهُ، أَنَّهُ يَلِي نِكَاحَهَا وَلِيُّ سَيِّدَتِهَا.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ كَوْنُ الْوِلَايَةِ لَهَا، فَامْتَنَعَتْ فِي حَقِّهَا لِقُصُورِهَا، فَتَثْبُتُ لِأَوْلِيَائِهَا، كَوِلَايَةِ نَفْسِهَا، وَلِأَنَّهُمْ يَلُونَهَا لَوْ عَتَقَتْ، فَفِي حَالِ رِقِّهَا أَوْلَى.
ثُمَّ إنْ كَانَتْ سَيِّدَتُهَا رَشِيدَةً، لَمْ يَجُزْ تَزْوِيجُ أَمَتِهَا إلَّا بِإِذْنِهَا؛ لِأَنَّهَا مَالُهَا، وَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي مَالِ رَشِيدٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَيُعْتَبَرُ نُطْقُهَا بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا؛ لِأَنَّ صُمَاتَهَا إنَّمَا اُكْتُفِيَ بِهِ فِي تَزْوِيجِ نَفْسِهَا لِحَيَائِهَا.
وَلَا تَسْتَحْيِي مِنْ تَزْوِيجِ أَمَتِهَا، وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ مَجْنُونَةً أَوْ سَفِيهَةً، وَلِوَلِيِّهَا وِلَايَةٌ عَلَى مَالِهَا، فَلَهُ تَزْوِيجُ أَمَتِهَا، إنْ كَانَ الْحَظُّ فِي تَزْوِيجِهَا، وَإِلَّا فَلَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَهَا.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي أَمَةِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: لَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُهَا بِحَالٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا بِمَالِ الصَّغِيرَةِ؛ لِأَنَّهَا رُبَّمَا حَمَلَتْ.
فَتَلِفَتْ.
وَلَنَا، أَنَّ لَهُ التَّصَرُّفَ بِمَا فِيهِ الْحَظُّ، وَالتَّزْوِيجُ هَاهُنَا فِيهِ الْحَظُّ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ، فَجَازَ، كَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ الْجَائِزَةِ وَاحْتِمَالُ الْخَطَرِ مَرْجُوحٌ لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْصِيلِ مَهْرِهَا، وَوَلَدِهَا، وَكِفَايَةِ مُؤْنَتِهَا، وَصِيَانَتِهَا عَنْ الزِّنَى الْمُوجِبِ لِلْحَدِّ فِي حَقِّهَا، وَنَقْصِ قِيمَتِهَا، وَالْمَرْجُوحُ كَالْمَعْدُومِ
وَإِنْ كَانَ وَلِيُّهَا فِي مَالِهَا غَيْرَ وَلِيِّ تَزْوِيجِهَا، فَوِلَايَةُ تَزْوِيجِهَا لِلْوَلِيِّ فِي الْمَالِ دُونَ وَلِيِّ التَّزْوِيجِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي الْمَالِ، وَهِيَ مَالٌ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُوَلِّيَ أَمْرَ أَمَتِهَا رَجُلًا يُزَوِّجُهَا.
نَقَلَهَا عَنْ أَحْمَدَ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوِلَايَةِ الْمِلْكُ، وَقَدْ تَحَقُّقَ فِي الْمَرْأَةِ، وَامْتَنَعَتْ الْمُنَاشَزَةُ لِنَقْصِ الْأُنُوثَة، فَمَلَكَتْ التَّوْكِيلَ، كَالرَّجُلِ الْمَرِيضِ وَالْغَائِبِ.
وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ كَلَامٌ يَحْتَمِلُ رِوَايَةً ثَالِثَةً، وَهُوَ أَنَّ سَيِّدَتَهَا تُزَوِّجُهَا، فَإِنَّهُ قِيلَ لَهُ: تُزَوِّجُ أَمَتَهَا؟ قَالَ: قَدْ قِيلَ ذَلِكَ، هِيَ مَالُهَا.
وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ ذَهَبَ إلَيْهِ
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهَا مَالِكَةٌ لَهَا، وَوِلَايَتُهَا تَامَّةٌ عَلَيْهَا، فَمَلَكَتْ تَزْوِيجَهَا، كَالسَّيِّدِ، وَلِأَنَّهَا تَمْلِكُ بَيْعَهَا وَإِجَارَتَهَا، فَمَلَكَتْ تَزْوِيجَهَا، كَسَيِّدِهَا، وَلِأَنَّ الْوِلَايَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ عَلَى الْمَرْأَةِ لِتَحْصِيلِ الْكِفَايَةِ، وَصِيَانَةً لِحَظِّ الْأَوْلِيَاءِ فِي تَحْصِيلِهَا، فَلَا تَثْبُتُ عَلَيْهَا الْوِلَايَةُ فِي أَمَتِهَا؛ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ الْكِفَايَةِ، وَعَدَمِ الْحَقِّ لِلْأَوْلِيَاءِ فِيهَا.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ هَذَا حِكَايَةً لِمَذْهَبِ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ فِي سِيَاقِهَا: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ تَأْمُرَ مَنْ يُزَوِّجُهَا؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ لَا يَعْقِدْنَ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُنْكِحُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ» .
وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: زَوِّجُوا، فَإِنَّ النِّسَاءَ لَا يُزَوِّجْنَ، وَاعْقِدُوا، فَإِنَّ النِّسَاءَ لَا يَعْقِدْنَ.
وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَمْلِكُ أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا، فَغَيْرَهَا أَوْلَى.
[مَسْأَلَةٌ يُزَوِّجُ مَوْلَاتَهَا مَنْ يُزَوِّجُ أَمَتَهَا]
مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَيُزَوِّجُ مَوْلَاتَهَا مَنْ يُزَوِّجُ أَمَتَهَا يَعْنِي عَتِيقَتَهَا.
وَهَذِهِ فِيهَا رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، أَنَّ لِمَوْلَاتِهَا التَّوْكِيلَ فِي تَزْوِيجِهَا رَجُلًا؛ لِأَنَّهَا عَصَبَتُهَا، وَتَرِثُهَا بِالتَّعْصِيبِ، فَأَشْبَهْت الْمُعْتِقَ.
وَالثَّانِيَةُ، وَلِيُّ سَيِّدَتِهَا وَلِيُّهَا.
وَهِيَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ وِلَايَةٌ لِنِكَاحِ حُرَّةٍ، وَالْمَرْأَةُ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ، فَيَكُونُ إلَى عَصَبَاتِهَا، لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ عَنْهَا، وَيَرِثُونَهَا بِالتَّعْصِيبِ عِنْدَ عَدَمِ سَيِّدَتِهَا، فَكَانُوا أَوْلِيَاءَهَا، كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ عَلَى الْمُعْتِقِ تَزْوِيجُ مُعْتَقَتِهِ لِمَوْتٍ أَوْ جُنُونٍ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ إذَا انْقَرَضَ الْعَصَبَةُ مِنْ النَّسَبِ، وَلِي الْمَوْلَى الْمُعْتِقُ ثُمَّ عَصَبَاتُهُ مِنْ بَعْدِهِ، الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، كَذَا هَاهُنَا، إلَّا أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا تَقْدِيمُ أَبِي الْمُعْتَقَةِ عَلَى ابْنِهَا، لِأَنَّهُ الَّذِي يُزَوِّجُهَا.
وَذَكَرْنَا ثَمَّ خِلَافَ هَذَا.
وَيُعْتَبَرُ فِي وِلَايَتِهِ شَرْطَانِ؛ أَحَدُهُمَا، عَدَمُ الْعَصَبَةِ مِنْ النَّسَبِ؛ لِأَنَّ الْمُنَاسِبَ أَقْرَبُ مِنْ الْمُعْتِقِ، وَأَوْلَى مِنْهُ.
الثَّانِي، إذْنُ الْمُزَوِّجَةِ؛ لِأَنَّهَا حُرَّةٌ، وَلَيْسَتْ لَهُ وِلَايَةُ إجْبَارٍ، فَإِنَّهُ أَبْعَدُ الْعَصَبَاتِ، وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ مَوْلَاتِهَا؛ لِأَنَّهَا لَا وِلَايَةَ لَهَا وَلَا مِلْكَ، فَأَشْبَهَتْ قَرِيبَ الطِّفْلِ إذَا زَوَّجَ الْبَعِيدَ.
[فَصْلٌ إنْ كَانَ لِلْأَمَةِ مَوْلَى فَهُوَ وَلِيُّهَا فِي نِكَاحهَا وَإِنْ كَانَ لَهَا مَوْلَيَانِ فَالْوِلَايَةُ لَهُمَا]
(5175) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ لِلْأَمَةِ مَوْلًى، فَهُوَ وَلِيُّهَا، وَإِنْ كَانَ لَهَا مَوْلَيَانِ، فَالْوِلَايَةُ لَهُمَا، وَلَيْسَ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا الِاسْتِقْلَالُ بِالْوِلَايَةِ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إلَّا نِصْفَهَا.
وَإِنْ اشْتَجَرَا لَمْ يَكُنْ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَنُوبَ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ تَزْوِيجَهَا تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ، بِخِلَافِ الْحُرَّةِ، فَإِنَّ نِكَاحَهَا حَقٌّ لَهَا، وَنَفْعَهُ عَائِدٌ إلَيْهَا، وَنِكَاحُ الْأَمَةِ حَقٌّ لِسَيِّدِهَا، وَنَفْعُهُ عَائِدٌ إلَيْهِ، فَلَمْ يَثْبُتْ لِلسُّلْطَانِ عَنْهُ فِيهِ.
فَإِنْ أَعْتَقَاهَا وَلَهَا عَصَبَةٌ مُنَاسِبٌ، فَهُوَ أَوْلَى مِنْهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَصَبَةٌ، فَهُمَا وَلِيَّاهَا، وَلَا يَسْتَقِلُّ أَحَدُهُمَا بِالتَّزْوِيجِ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَى نِصْفِهَا
فَإِنْ اشْتَجَرَا أَمَامَ
الْحَاكِمِ أَقَامَ الْحَاكِمُ مُقَامَ الْمُمْتَنِعِ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ حُرَّةً، وَصَارَ نِكَاحُهَا حَقًّا لَهَا.
وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ أَوْ الْمُعْتِقَةُ وَاحِدًا، وَلَهُ عَصَبَتَانِ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ، كَالِابْنَيْنِ أَوْ الْأَخَوَيْنِ، فَلِأَحَدِهِمَا الِاسْتِقْلَالُ بِتَزْوِيجِهَا، كَمَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ سَيِّدَتِهَا.
[مَسْأَلَةٌ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً هُوَ وَلِيُّهَا]
(5176) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً هُوَ وَلِيُّهَا، جَعَلَ أَمْرَهَا إلَى رَجُلٍ يُزَوِّجُهَا مِنْهُ بِإِذْنِهَا) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ وَلِيَّ الْمَرْأَةِ الَّتِي يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا، وَهُوَ ابْنُ الْعَمِّ، أَوْ الْمَوْلَى أَوْ الْحَاكِمُ، أَوْ السُّلْطَانُ، إذَا أَذِنَتْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ ذَلِكَ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يَلِيَ طَرَفَيْ الْعَقْدِ بِنَفْسِهِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَهُ ذَلِكَ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَرَبِيعَةَ، وَمَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، لِأُمِّ حَكِيمٍ ابْنَةِ قَارِظٍ: أَتَجْعَلِينَ أَمْرَكِ إلَيَّ؟ قَالَتْ: نَعَمْ.
قَالَ: قَدْ تَزَوَّجْتُك.
وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ، فَجَازَ أَنْ يَتَوَلَّاهُمَا، كَمَا لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ وُجِدَ فِيهِ الْإِيجَابُ مِنْ وَلِيٍّ ثَابِتِ الْوِلَايَةِ، وَالْقَبُولُ مِنْ زَوْجٍ هُوَ أَهْلٌ لِلْقَبُولِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ وُجِدَا مِنْ رَجُلَيْنِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا.» فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كُلُّ نِكَاحٍ لَمْ يَحْضُرْهُ أَرْبَعَةٌ فَهُوَ سِفَاحٌ: زَوْجٌ، وَوَلِيٌّ، وَشَاهِدَانِ» . قُلْنَا: هَذَا لَا نَعْرِفُ صِحَّتَهُ، وَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَخْصُوصٌ بِمَنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ، فَيُخَصُّ مِنْهُ مَحِلُّ النِّزَاعِ أَيْضًا
وَهَلْ يَفْتَقِرُ إلَى ذِكْرِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، أَمْ يُكْتَفَى بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: زَوَّجْت نَفْسِي فُلَانَةَ، وَقَبِلْت هَذَا النِّكَاحَ.
لِأَنَّ مَا افْتَقَرَ إلَى الْإِيجَابِ افْتَقَرَ إلَى الْقَبُولِ، كَسَائِرِ الْعُقُودِ.
وَالثَّانِي، يَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ: زَوَّجْت نَفْسِي فُلَانَةَ، أَوْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَة؛ لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَلِأَنَّ إيجَابَهُ يَتَضَمَّنُ الْقَبُولَ، فَأَشْبَهَ إذَا تَقَدَّمَ الِاسْتِدْعَاءُ، وَلِهَذَا قُلْنَا: إذَا قَالَ لِأَمَتِهِ: قَدْ أَعْتَقْتُك، وَجَعَلْت عِتْقَك صَدَاقَك.
انْعَقَدَ النِّكَاحُ بِمُجَرَّدِ هَذَا الْقَوْلِ
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ، وَلَكِنْ يُوَكِّلُ رَجُلًا يُزَوِّجُهُ إيَّاهَا بِإِذْنِهَا.
قَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: لَا يُزَوِّجُ نَفْسَهُ حَتَّى يُوَلِّيَ رَجُلًا، عَلَى حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَهُوَ مَا رَوَى
أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَمَرَ رَجُلًا زَوَّجَهُ امْرَأَةً الْمُغِيرَةُ أَوْلَى بِهِ مِنْهُ.
وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ مَلَكَهُ بِالْإِذْنِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْهِ، كَالْبَيْعِ.
وَبِهَذَا فَارَقَ مَا إذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ
وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، إنْ وَكَّلَ مَنْ يَقْبَلُ لَهُ النِّكَاحَ، وَتَوَلَّى هُوَ الْإِيجَابَ، جَازَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي ابْنِ الْعَمِّ وَالْمَوْلَى: لَا يُزَوِّجُهَا إلَّا الْحَاكِمُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ، وَلَا أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يُزَوِّجُهُ؛ لِأَنَّ وَكِيلَهُ بِمَنْزِلَتِهِ، وَهَذَا عَقْدٌ مَلَكَهُ بِالْإِذْنِ، فَلَا يَتَوَلَّى طَرَفَيْهِ، كَالْبَيْعِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجَهُ مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُمْ مَعَ وُجُودِهِ.
وَلَنَا، مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يَظْهَرْ خِلَافُهُ، وَلِأَنَّ وَكِيلَهُ يَجُوزُ أَنْ يَلِيَ الْعَقْدَ عَلَيْهَا لِغَيْرِهِ، فَصَحَّ أَنْ يَلِيَهُ عَلَيْهَا لَهُ إذَا كَانَتْ تَحِلُّ لَهُ، كَالْإِمَامِ إذَا أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَ مُوَلِّيَتَهُ
وَلِأَنَّ هَذِهِ امْرَأَةٌ، وَلَهَا وَلِيٌّ حَاضِرٌ غَيْرُ عَاضِلٍ، فَلَمْ يَلِهَا الْحَاكِمُ، كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهَا غَيْرَهُ.
وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» . أَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى هَذِهِ.
(5177) فَصْلٌ: وَإِذَا أَذِنَتْ لَهُ فِي تَزْوِيجِهَا، وَلَمْ تُعَيِّنْ الزَّوْجَ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُزَوِّجَهَا نَفْسَهُ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْإِذْنِ يَقْتَضِي تَزْوِيجَهَا غَيْرَهُ، وَيَجُوزُ تَزْوِيجُهَا لِوَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُهُ.
فَإِنْ زَوَّجَهَا لِابْنِهِ الْكَبِيرِ، قَبِلَ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ زَوَّجَهَا لِابْنِهِ الصَّغِيرِ، فَفِيهِ الرِّوَايَتَانِ فِي تَوَلِّي طَرَفَيْ الْعَقْدِ؛ فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَتَوَلَّاهُ
فَوَكَّلَ رَجُلًا يُزَوِّجُهَا لِوَلَدِهِ، وَقَبِلَ هُوَ النِّكَاحَ لَهُ، افْتَقَرَ إلَى إذْنِهَا لِلْوَكِيلِ، عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الْوَكِيلَ لَا يُزَوِّجُهَا إلَّا بِإِذْنِهَا.
وَإِنْ وَكَّلَ رَجُلًا يَقْبَلُ لِوَلَدِهِ النِّكَاحَ، وَأَوْجَبَ هُوَ النِّكَاحَ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى إذْنِهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ أَذِنَتْ لَهُ.
[فَصْلٌ زَوَّجَ أَمَتَهُ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ]
(5178) فَصْلٌ: وَإِذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ، جَازَ لَهُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُ ذَلِكَ بِحُكْمِ الْمِلْكِ، لَا بِحُكْمِ الْإِذْنِ، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.
وَإِنْ كَانَ مَالِكًا لِأَحَدِ طَرَفَيْ الْعَقْدِ، فَوَكَّلَهُ مَالِكُ الطَّرَفِ الْآخَرِ فِيهِ، أَوْ وَكَّلَهُ الْوَلِيُّ فِي الْإِيجَابِ وَالزَّوْجُ فِي الْقَبُولِ، خُرِّجَ فِيهِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ ذَلِكَ بِالْإِذْنِ
وَإِنْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ الْكَبِيرَةَ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ إلَّا بِرِضَاهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يُكَافِئُهَا، فَيُخَرَّجُ فِيهِ أَيْضًا وَجْهَانِ.
وَإِنْ زَوَّجَهُ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَزْوِيجُهَا مِمَّنْ لَا يُكَافِئُهَا.
وَعَنْهُ يَجُوزُ.
وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[مَسْأَلَةٌ لَا يُزَوِّجُ كَافِرٌ مُسْلِمَةً بِحَالِ وَلَا مُسْلِمٌ كَافِرَةً]
(5179) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يُزَوِّجُ كَافِرٌ مُسْلِمَةً بِحَالٍ، وَلَا مُسْلِمٌ كَافِرَةً إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ سُلْطَانًا، أَوْ سَيِّدَ أَمَةٍ)
أَمَّا الْكَافِرُ فَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى مُسْلِمَةٍ بِحَالٍ، بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ؛ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الذِّمِّيِّ: إذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِهِ، هَلْ يَلِي نِكَاحَهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، يَلِيهِ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ، فَيَلِي نِكَاحَهَا كَالْمُسْلِمِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَيْهَا فَيَلِيهِ كَإِجَارَتِهَا.
وَالثَّانِي، لَا يَلِيهِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71] وَلِأَنَّهَا مُسْلِمَةٌ فَلَا يَلِي نِكَاحَهَا كَابْنَتِهِ.
فَعَلَى هَذَا يُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ
وَهَذَا أَوْلَى؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْإِجْمَاعِ.
وَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْكَافِرَةِ، غَيْرَ السَّيِّدِ وَالسُّلْطَانِ وَوَلِيِّ سَيِّدِ الْأَمَةِ الْكَافِرَةِ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: 73] . وَلِأَنَّ مُخْتَلِفَيْ الدِّينِ لَا يَرِثُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، وَلَا يَعْقِلُ عَنْهُ، فَلَمْ يَلِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا.
وَأَمَّا سَيِّدُ الْأَمَةِ الْكَافِرَةِ، فَلَهُ تَزْوِيجُهَا لِكَافِرٍ؛ لِكَوْنِهَا لَا تَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ وَلِيُّ سَيِّدِ الْأَمَةِ الْكَافِرَةِ يَلِي تَزْوِيجَهَا لِكَافِرٍ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ بِالْمِلْكِ، فَلَمْ يَمْنَعْهَا كَوْنُ سَيِّدِ الْأَمَةِ الْكَافِرَةِ مُسْلِمًا، كَسَائِرِ الْوِلَايَاتِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ تَحْتَاجُ إلَى التَّزْوِيجِ.
وَلَا وَلِيَّ لَهَا غَيْرُ سَيِّدِهَا
فَأَمَّا السُّلْطَانُ، فَلَهُ الْوِلَايَةُ عَلَى مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَامَّةٌ عَلَى أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَهَذِهِ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ، فَتَثْبُتُ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهَا، كَالْمُسْلِمَةِ.
وَأَمَّا الْكَافِرُ، فَتَثْبُتُ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ، عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَيُعْتَبَرُ فِيهِمْ الشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَيُخَرَّجُ فِي اعْتِبَارِ عَدَالَتِهِ فِي دِينِهِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي اعْتِبَارِهَا فِي الْمُسْلِمِينَ.
[فَصْلٌ إذَا تَزَوَّجَ الْمُسْلِمُ ذِمِّيَّةً فَوَلِيُّهَا الْكَافِرُ يُزَوِّجُهَا إيَّاهُ]
(5180) فَصْلٌ: إذَا تَزَوَّجَ الْمُسْلِمُ ذِمِّيَّةً، فَوَلِيُّهَا الْكَافِرُ يُزَوِّجُهَا إيَّاهُ.
ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّهَا، فَصَحَّ تَزْوِيجُهُ لَهَا، كَمَا لَوْ زَوَّجَهَا كَافِرًا، وَلِأَنَّ هَذِهِ امْرَأَةٌ لَهَا وَلِيَّ مُنَاسِبٌ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَلِيَهَا غَيْرُهُ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا ذِمِّيٌّ
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُزَوِّجُهَا إلَّا الْحَاكِمُ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: لَا يَعْقِدُ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ عُقْدَةَ نِكَاحٍ لِمُسْلِمٍ وَلَا مُسْلِمَةٍ.
وَوَجْهُهُ أَنَّهُ عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلَى شَهَادَةِ مُسْلِمَيْنِ، فَلَمْ يَصِحَّ بِوِلَايَةِ كَافِرٍ، كَنِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْأُوَلُ أَصَحُّ، وَالشُّهُودُ يُرَادُونَ لِإِثْبَاتِ النِّكَاحِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، بِخِلَافِ الْوِلَايَةِ.
[مَسْأَلَةٌ إذَا زَوَّجَهَا مَنْ غَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ وَهُوَ حَاضِرٌ وَلَمْ يَعْضُلْهَا]
(5181) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ (وَإِذَا زَوَّجَهَا مَنْ غَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ، وَهُوَ حَاضِرٌ، وَلَمْ يَعْضُلْهَا، فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ) . هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى أَحْكَامٍ ثَلَاثَةٍ؛ أَحَدُهَا، أَنَّهُ إذَا زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ الْأَبْعَدُ، مَعَ حُضُورِ الْوَلِيِّ الْأَقْرَبِ، فَأَجَابَتْهُ إلَى تَزْوِيجِهَا مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ، لَمْ يَصِحَّ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ: يَصِحُّ؛ لِأَنَّ هَذَا وَلِيٌّ، فَصَحَّ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا بِإِذْنِهَا كَالْأَقْرَبِ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا مُسْتَحِقٌّ بِالتَّعْصِيبِ، فَلَمْ يَثْبُتْ لِلْأَبْعَدِ مَعَ وُجُودِ الْأَقْرَبِ، كَالْمِيرَاثِ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْقَرِيبُ الْبَعِيدَ.
الْحُكْمُ الثَّانِي، أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ يَقَعُ فَاسِدًا، لَا يَقِفُ عَلَى الْإِجَازَةِ، وَلَا يَصِيرُ بِالْإِجَازَةِ صَحِيحًا، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا زُوِّجَ الْأَجْنَبِيُّ أَوْ زُوِّجَتْ الْمَرْأَةُ الْمُعْتَبَرُ إذْنُهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا، أَوْ تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، فَالنِّكَاحُ فِي هَذَا كُلِّهِ بَاطِلٌ، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يَقِفُ عَلَى الْإِجَازَةِ؛ فَإِنْ أَجَازَهُ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ فَسَدَ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي صَغِيرٍ زَوَّجَهُ عَمُّهُ: فَإِنْ رَضِيَ بِهِ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ، جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ، فَسَخَ
وَإِذَا زُوِّجَتْ الْيَتِيمَةُ، فَلَهَا الْخِيَارُ إذَا بَلَغَتْ.
وَقَالَ: إذَا زُوِّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، ثُمَّ عَلِمَ السَّيِّدُ، فَإِنْ شَاءَ أَنْ يُطَلِّقَ عَلَيْهِ فَالطَّلَاقُ بِيَدِ السَّيِّدِ، فَإِنْ أَذِنَ فِي التَّزْوِيجِ فَالطَّلَاقُ بِيَدِ الْعَبْدِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ يُعْتَبَرُ فِيهَا الْإِذْنُ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَتْ لَهُ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ، فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ.
وَرُوِيَ «أَنَّ فَتَاةً جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: إنَّ أَبِي زَوَّجَنِي مِنْ ابْنِ أَخِيهِ، لِيَرْفَعَ بِي خَسِيسَتَهُ.
قَالَ: فَجَعَلَ الْأَمْرَ إلَيْهَا.
فَقَالَتْ: قَدْ أَجَزْت مَا صَنَعَ أَبِي، وَلَكِنِّي أَرَدْت أَنْ أَعْلَمَ أَنَّ لِلنِّسَاءِ مِنْ الْأَمْرِ شَيْئًا.» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ.
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ: «أَرَدْت أَنْ يَعْلَمَ النِّسَاءُ أَنْ لَيْسَ إلَى الْآبَاءِ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ» . وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يَقِفُ عَلَى الْفَسْخِ، فَوَقَفَ عَلَى الْإِجَازَةِ، كَالْوَصِيَّةِ
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ.» وَقَالَ: «إذَا نَكَحَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ.
إلَّا أَنَّ أَبَا دَاوُد قَالَ: هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا تَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُهُ؛ مِنْ الطَّلَاقِ، وَالْخُلْعِ، وَاللِّعَانِ، وَالتَّوَارُثِ، وَغَيْرِهَا، فَلَمْ يَنْعَقِدْ، كَنِكَاحِ الْمُعْتَدَّةِ.
فَأَمَّا حَدِيثُ الْمَرْأَةِ الَّتِي خَيَّرَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ مُرْسَلٌ عَنْ عِكْرِمَةَ، رَوَاهُ النَّاسُ كَذَلِكَ، وَلَمْ يَذْكُرُوا ابْنَ عَبَّاسٍ
قَالَهُ أَبُو دَاوُد.
ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ هِيَ الَّتِي قَالَتْ: زَوَّجَنِي مِنْ ابْنِ أَخِيهِ لِيَرْفَعَ بِي خَسِيسَتَهُ.
فَخَيَّرَهَا لِتَزْوِيجِهَا مِنْ غَيْرِ كُفْئِهَا، وَهَذَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ وَلَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ، وَالْوَصِيَّةُ يَتَرَاخَى فِيهَا الْقَبُولُ، وَتَجُوزُ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَهِيَ مَعْدُولٌ بِهَا عَنْ سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ، وَلَا تَفْرِيعَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِوُضُوحِهَا.
فَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ تُعْتَبَرُ فِي الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهَا شَرْطٌ لَهُ، فَيُعْتَبَرُ وُجُودُهَا مَعَهُ، كَالْقَبُولِ، وَلَا تُعْتَبَرُ فِي الْإِجَازَةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِعَقْدٍ، وَلِأَنَّهَا إذَا وُجِدَتْ، اسْتَنَدَ الْمِلْكُ إلَى حَالَةِ الْعَقْدِ، حَتَّى لَوْ كَانَ فِي الْعَقْدِ نَمَاءُ مِلْكٍ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، لَا مِنْ حِينِ الْإِجَازَةِ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْإِجَازَةِ، لَمْ يَرِثْهُ الْآخَرُ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ تَمَامِ الْعَقْدِ وَصِحَّتِهِ
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، إنْ كَانَ مِمَّا لَوْ رُفِعَ إلَى الْحَاكِمِ أَجَازَهُ، وَرِثَهُ الْآخَرُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَلْزَمُهُ إجَازَتُهُ، فَهُوَ كَالصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَفْسَخُهُ، لَمْ يَرِثْهُ.
(5182) فَصْلٌ: وَمَتَى تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا، أَوْ الْأَمَةُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا، فَقَدْ ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا مِنْ جُمْلَةِ الصُّوَرِ الَّتِي فِيهَا الرِّوَايَتَانِ.
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِيهَا؛ لِتَصْرِيحِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ بِالْبُطْلَانِ.
وَلِأَنَّ الْإِجَازَةَ إنَّمَا تَكُونُ لِعَقْدٍ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ.
فَأَمَّا مَا لَمْ يَصْدُرْ مِنْ الْأَهْلِ، كَاَلَّذِي عَقَدَهُ الْمَجْنُونُ أَوْ الطِّفْلُ، فَلَا يَقِفُ عَلَى الْإِجَازَةِ، وَهَذَا عَقْدٌ لَمْ يَصْدُرْ مِنْ أَهْلِهِ؛ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَتْ أَهْلًا لَهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لَهَا فِيهِ، لَمْ يَصِحَّ مِنْهَا، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ مَعَ الْإِذْنِ الْمُقَارِنِ، فَلَأَنْ لَا يَصِحَّ بِالْإِجَازَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ أَوْلَى، وَلَا تَفْرِيعَ عَلَى هَذَا
فَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ، فَمَتَى تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ، فَرُفِعَ إلَى الْحَاكِمِ، لَمْ يَمْلِكْ إجَازَتَهُ، وَالْأَمْرُ فِيهِ إلَى الْوَلِيِّ، فَمَتَى رَدَّهُ بَطَلَ؛ لِأَنَّ مَنْ وَقَفَ الْحُكْمُ عَلَى إجَازَتِهِ، بَطَلَ بِرَدِّهِ، كَالْمَرْأَةِ إذَا زُوِّجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهَا.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ إذَا كَانَ الزَّوْجُ كُفُؤًا، أَمَرَ الْحَاكِمُ الْوَلِيَّ بِإِجَازَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَجَازَهُ الْحَاكِمُ، لِأَنَّهُ لَمَّا امْتَنَعَ مِنْ الْإِجَازَةِ صَارَ عَاضِلًا، فَانْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ عَنْهُ إلَى الْحَاكِمِ، كَمَا فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ، وَمَتَى حَصَلْت الْإِصَابَةُ قَبْلَ الْإِجَازَةِ ثُمَّ أُجِيزَ، فَالْمَهْرُ وَاحِدٌ؛ إمَّا الْمُسَمَّى، وَإِمَّا مَهْرُ الْمِثْلِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ مُسْتَنِدَةٌ إلَى حَالَةِ الْعَقْدِ، فَيَثْبُتُ الْحِلُّ وَالْمِلْكُ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْبَيْعِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ
وَمَتَى تَزَوَّجَتْ الْأَمَةُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا، ثُمَّ خَرَجَتْ مِنْ مِلْكِهِ قَبْلَ الْإِجَازَةِ إلَى مَنْ تَحِلُّ لَهُ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ طَرَأَتْ اسْتِبَاحَةٌ صَحِيحَةٌ عَلَى مَوْقُوفَةٍ فَأَبْطَلَتْهَا، وَلِأَنَّهَا أَقْوَى فَأَزَالَتْ الْأَضْعَفَ، كَمَا لَوْ طَرَأَ مِلْكُ يَمِينِهِ عَلَى مِلْكِ نِكَاحِهِ.
وَإِنْ خَرَجَتْ إلَى مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ، كَالْمَرْأَةِ أَوْ اثْنَيْنِ، فَكَذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ إذَا وَقَفَ عَلَى إجَازَةِ شَخْصٍ، لَمْ يَجُزْ بِإِجَازَةِ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ بَاعَ أَمَةَ غَيْرِهِ ثُمَّ بَاعَهَا الْمَالِكُ، فَأَجَازَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي بَيْعَ الْأَجْنَبِيِّ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يَجُوزُ بِإِجَازَةِ الْمَالِكِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ ابْتِدَاءَ الْعَقْدِ، فَمَلَكَ إجَازَتَهُ كَالْأَوَّلِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَخْرُجَ بِبَيْعٍ أَوْ إرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِهِ
فَأَمَّا إنْ أَعْتَقَهَا السَّيِّدُ، احْتَمَلَ أَنْ يَجُوزَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَقَفَ لِحَقِّ الْمَوْلَى، فَإِذَا أَعْتَقَ سَقَطَ حَقُّهُ، فَصَحَّ الْعَقْدُ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّ إبْطَالَ حَقِّ الْمَوْلَى لَيْسَ بِإِجَازَةٍ، وَلِأَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى إنْ بَطَلَ مِنْ الْمِلْكِ، فَلَمْ يَبْطُلْ مِنْ وِلَايَةِ التَّزْوِيجِ، فَإِنَّهُ يَلِيهَا بِالْوَلَاءِ.
(5183) فَصْلٌ: إذَا زُوِّجَتْ الَّتِي يُعْتَبَرُ إذْنُهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا، وَقُلْنَا: يَقِفُ عَلَى إجَازَتِهَا.
فَإِجَازَتُهَا بِالنُّطْقِ، أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى مِنْ التَّمْكِينِ مِنْ الْوَطْءِ، أَوْ الْمُطَالَبَةِ بِالْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ.
وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ؛ لِأَنَّ أَدِلَّةَ الرِّضَى تَقُومُ مَقَامَ النُّطْقِ بِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبَرِيرَةَ: «إنْ وَطِئَك زَوْجُك، فَلَا خِيَارَ لَك.» جَعَلَ تَمْكِينَهَا دَلِيلًا عَلَى إسْقَاطِ حَقِّهَا وَالْمُطَالَبَةِ بِالْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ، وَالتَّمْكِينُ مِنْ الْوَطْءِ دَلِيلٌ عَلَى الرِّضَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ، فَوُجُودُهُ مِنْ الْمَرْأَةِ دَلِيلُ رِضَاهَا بِهِ.
الْحُكْمُ الثَّالِثُ، إذَا عَضَلِهَا وَلِيُّهَا الْأَقْرَبُ، انْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ إلَى الْأَبْعَدِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى، تَنْتَقِلُ إلَى السُّلْطَانِ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَشُرَيْحٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِنْ اشْتَجَرُوا، فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» . وَلِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ عَلَيْهِ امْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهِ، فَقَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَامْتَنَعَ مِنْ قَضَائِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ تَعَذَّرَ التَّزْوِيجُ مِنْ جِهَةِ الْأَقْرَبِ، فَمَلَكَهُ الْأَبْعَدُ، كَمَا لَوْ جُنَّ.
وَلِأَنَّهُ يَفْسُقُ بِالْعَضَلِ، فَتَنْتَقِلُ
الْوِلَايَةُ عَنْهُ، كَمَا لَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ.
فَإِنْ عَضَلَ الْأَوْلِيَاءُ كُلُّهُمْ زَوَّجَ الْحَاكِمُ.
وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لَنَا؛ لِقَوْلِهِ: «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» .
وَهَذِهِ لَهَا وَلِيٌّ.
وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا عَضَلَ الْكُلُّ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: (فَإِنْ اشْتَجَرُوا) . ضَمِيرُ جَمْعٍ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ.
وَالْوِلَايَةُ تُخَالِفُ الدَّيْنَ مِنْ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ؛ أَحَدُهَا، أَنَّهَا حَقٌّ لِلْوَلِيِّ، وَالدَّيْنُ حَقٌّ عَلَيْهِ.
الثَّانِي، أَنَّ الدَّيْنَ لَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ، وَالْوِلَايَةُ تَنْتَقِلُ لِعَارِضٍ؛ مِنْ جُنُونِ الْوَلِيِّ.
أَوْ فِسْقِهِ أَوْ مَوْتِهِ.
الثَّالِثُ، أَنَّ الدَّيْنَ لَا يُعْتَبَرُ فِي بَقَائِهِ الْعَدَالَةُ، وَالْوِلَايَةُ يُعْتَبَرُ لَهَا ذَلِكَ، وَقَدْ زَالَتْ الْعَدَالَةُ بِمَا ذَكَرْنَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ زَالَتْ وِلَايَتُهُ لَمَا صَحَّ مِنْهُ التَّزْوِيجُ إذَا أَجَابَ إلَيْهِ
قُلْنَا: فِسْقُهُ بِامْتِنَاعِهِ، فَإِذَا أَجَابَ فَقَدْ نَزَعَ عَنْ الْمَعْصِيَةِ، وَرَاجَعَ الْحَقَّ، فَزَالَ فِسْقُهُ، فَلِذَلِكَ صَحَّ تَزْوِيجُهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(5184) فَصْلٌ: وَمَعْنَى الْعَضْلِ مَنْعُ الْمَرْأَةِ مِنْ التَّزْوِيجِ بِكُفْئِهَا إذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ، وَرَغِبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي صَاحِبِهِ.
قَالَ مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ: «زَوَّجْت أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ، فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا، فَقُلْت لَهُ: زَوَّجْتُك، وَأَفْرَشْتُك، وَأَكْرَمْتُك، فَطَلَّقْتهَا، ثُمَّ جِئْت تَخْطُبُهَا، لَا وَاَللَّهِ لَا تَعُودُ إلَيْك أَبَدًا.
وَكَانَ رَجُلًا لَا بَأْسَ بِهِ، وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: 232] . فَقُلْت: الْآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: فَزَوَّجَهَا إيَّاهُ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَسَوَاءٌ طَلَبَتْ التَّزْوِيجَ بِمَهْرِ مِثْلِهَا أَوْ دُونَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَهُمْ مَنْعُهَا مِنْ التَّزْوِيجِ بِدُونِ مَهْرِ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ عَارًا، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَى نِسَائِهَا، لِنَقْصِ مَهْرِ مِثْلِهِنَّ.
وَلَنَا، أَنَّ الْمَهْرَ خَالِصُ حَقِّهَا، وَعِوَضٌ يَخْتَصُّ بِهَا، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهَا فِيهِ، كَثَمَنِ عَبْدِهَا، وَأُجْرَةِ دَارِهَا، وَلِأَنَّهَا لَوْ أَسْقَطَتْهُ بَعْدَ وُجُوبِهِ، سَقَطَ كُلُّهُ، فَبَعْضُهُ أَوْلَى، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ لِرَجُلٍ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهُ: الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» . «وَقَالَ لِامْرَأَةِ زُوِّجَتْ بِنَعْلَيْنِ: أَرَضِيَتْ بِنَعْلَيْنِ مِنْ نَفْسِك؟»
قَالَتْ: نَعَمْ.
فَأَجَازَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَوْلُهُمْ: فِيهِ عَارٌ عَلَيْهِمْ.
لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنْ عُمَرَ قَالَ: لَوْ كَانَ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا، أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ، كَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. يَعْنِي غُلُوَّ الصَّدَاقِ.
فَإِنْ رَغِبَتْ فِي كُفْءٍ بِعَيْنِهِ، وَأَرَادَ تَزْوِيجَهَا لِغَيْرِهِ مِنْ أَكْفَائِهَا، وَامْتَنَعَ مِنْ تَزْوِيجِهَا مِنْ الَّذِي أَرَادَتْهُ، كَانَ عَاضِلًا لَهَا.
فَأَمَّا إنْ طَلَبَتْ التَّزْوِيجَ بِغَيْرِ كُفْئِهَا، فَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ عَاضِلًا
لَهَا بِهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ زُوِّجَتْ مِنْ غَيْرِ كُفْئِهَا، كَانَ لَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ، فَلَأَنْ تُمْنَعَ مِنْهُ ابْتِدَاءً أَوْلَى.
[مَسْأَلَةٌ كَانَ وَلِيُّهَا فِي النِّكَاح غَائِبًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَصِلُ إلَيْهِ الْكِتَابُ أَوْ يَصِلُ]
[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ الْوَلِيّ الْأَقْرَبَ إذَا غَابَ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً]
مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا كَانَ وَلِيُّهَا غَائِبًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَصِلُ إلَيْهِ الْكِتَابُ، أَوْ يَصِلُ فَلَا يُجِيبُ عَنْهُ، زَوَّجَهَا مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ مِنْ عَصَبَاتِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَالسُّلْطَانُ.
الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ: (5186) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأَقْرَبَ إذَا غَابَ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً، فَلِلْأَبْعَدِ مِنْ عَصَبَتِهَا تَزْوِيجُهَا دُونَ الْحَاكِمِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الْوُصُولُ إلَى النِّكَاحِ مِنْ الْأَقْرَبِ، مَعَ بَقَاءِ وِلَايَتِهِ، فَيَقُومُ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ، كَمَا لَوْ عَضَلِهَا، وَلِأَنَّ الْأَبْعَدَ مَحْجُوبٌ بِوِلَايَةِ الْأَقْرَبِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّزْوِيجُ، كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا، وَدَلِيلُ بَقَاءِ وِلَايَتِهِ أَنَّهُ لَوْ زَوَّجَ مِنْ حَيْثُ هُوَ، أَوْ وَكَّلَ، صَحَّ
وَلَنَا، قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» . وَهَذِهِ لَهَا وَلِيٌّ، فَلَا يَكُونُ السُّلْطَانُ وَلِيًّا لَهَا، وَلِأَنَّ الْأَقْرَبَ تَعَذَّرَ حُصُولُ التَّزْوِيجِ مِنْهُ، فَتَثْبُتُ الْوِلَايَةُ لِمَنْ يَلِيهِ مِنْ الْعَصَبَاتِ، كَمَا لَوْ جُنَّ أَوْ مَاتَ، وَلِأَنَّهَا حَالَةٌ يَجُوزُ فِيهَا التَّزْوِيجُ لِغَيْرِ الْأَقْرَبِ، فَكَانَ ذَلِكَ لِلْأَبْعَدِ، كَالْأَصْلِ، وَإِذَا عَضَلِهَا الْأَقْرَبُ، فَهُوَ كَمَسْأَلَتِنَا.
[الْفَصْل الثَّانِي الْغَيْبَةِ الْمُنْقَطِعَةِ الَّتِي يَجُوزُ لِلْأَبْعَدِ التَّزْوِيجُ فِي مِثْلِهَا]
(5187) وَالْفَصْلُ الثَّانِي: فِي الْغَيْبَةِ الْمُنْقَطِعَةِ، الَّتِي يَجُوزُ لِلْأَبْعَدِ التَّزْوِيجُ فِي مِثْلِهَا.
فَفِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ: هِيَ مَنْ لَا يَصِلُ إلَيْهِ الْكِتَابُ، أَوْ يَصِلُ فَلَا يُجِيبُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا تَتَعَذَّرُ مُرَاجَعَتُهُ بِالْكُلِّيَّةِ، فَتَكُونُ مُنْقَطِعَةً، أَيْ يَنْقَطِعُ عَنْ إمْكَانِ تَزْوِيجِهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَدُّ الْمَسَافَةِ أَنْ لَا تُرَدَّدَ الْقَوَافِلُ فِيهِ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً؛ لِأَنَّ الْكُفْءَ يَنْتَظِرُ سَنَةً، وَلَا يَنْتَظِرُ أَكْثَرَ مِنْهَا، فَيَلْحَقُ الضَّرَرُ بِتَرْكِ تَزْوِيجِهَا.
وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي مَوْضِعٍ: إذَا كَانَ الْأَبُ بَعِيدَ السَّفَرِ، يُزَوِّجُ الْأَخَ
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالسَّفَرِ الْبَعِيدِ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ السَّفَرُ الَّذِي عُلِّقَتْ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ.
وَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ إلَى أَنَّ حَدَّهَا مَا لَا يُقْطَعُ إلَّا بِكُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: إذَا لَمْ يَكُنْ وَلِيٌّ حَاضِرٌ مِنْ عَصَبَتِهَا، كَتَبَ إلَيْهِمْ حَتَّى يَأْذَنُوا، إلَّا أَنْ تَكُونَ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً، لَا تُدْرَكُ إلَّا بِكُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ، فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ.
وَهَذَا الْقَوْلُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَقْرَبُهَا إلَى الصَّوَابِ، فَإِنَّ التَّحْدِيدَاتِ بَابُهَا التَّوْقِيفُ، وَلَا تَوْقِيفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَتُرَدُّ إلَى مَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ، مِمَّا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِالِانْتِظَارِ فِيهِ، وَيَلْحَقُ الْمَرْأَةَ الضَّرَرُ بِمَنْعِهَا مِنْ التَّزْوِيجِ فِي مِثْلِهِ، فَإِنَّهُ يَتَعَذَّرَ فِي ذَلِكَ الْوُصُولُ إلَى الْمَصْلَحَةِ مِنْ نَظَرِ الْأَقْرَبِ، فَيَكُونَ كَالْمَعْدُومِ، وَالتَّحْدِيدُ بِالْعَامِّ كَبِيرٌ؛ فَإِنَّ الضَّرَرَ
يَلْحَقُ بِالِانْتِظَارِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَيَذْهَبُ الْخَاطِبُ، وَمَنْ لَا يَصِلُ الْكِتَابُ مِنْهُ أَبْعَدُ، وَمَنْ هُوَ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ لَا تَلْحَقُ الْمَشَقَّةُ فِي مُكَاتَبَتِهِ.
وَالتَّوَسُّطُ أَوْلَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْغَيْبَةِ الْمُنْقَطِعَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ كَقَوْلِ الْقَاضِي، وَبَعْضُهُمْ قَالَ: مِنْ الرَّيِّ إلَى بَغْدَادَ.
وَبَعْضُهُمْ قَالَ: مِنْ الْبَصْرَةِ إلَى الرَّقَّةِ وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ يُشْبِهَانِ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي الْغَيْبَةِ الَّتِي يُزَوِّجُ فِيهَا الْحَاكِمُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَسَافَةُ الْقَصْرِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ، وَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ قَرِيبًا.
وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْغَيْبَةُ غَيْرَ مُنْقَطِعَةٍ، أَنَّهُ يُنْتَظَرُ وَيُرَاسَلُ حَتَّى يَقْدَمَ أَوْ يُوَكِّلَ.
فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ الْقَرِيبُ مَحْبُوسًا، أَوْ أَسِيرًا فِي مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ، لَا تُمْكِنُ مُرَاجَعَتُهُ، فَهُوَ كَالْبَعِيدِ، فَإِنَّ الْبُعْدَ لَمْ يُعْتَبَرْ لِعَيْنِهِ، بَلْ لِتَعَذُّرِ الْوُصُولِ إلَى التَّزْوِيجِ بِنَظَرِهِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ هَاهُنَا، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ غَائِبًا لَا يُعْلَمُ أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ، أَوْ عُلِمَ أَنَّهُ قَرِيبٌ، وَلَمْ يُعْلَمْ مَكَانُهُ، فَهُوَ كَالْبَعِيدِ.
[مَسْأَلَةٌ اشْتِرَاطُ الْكَفَاءَةِ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ]
(5189) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا زُوِّجَتْ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي اشْتِرَاطِ الْكَفَاءَةِ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا شَرْطٌ لَهُ.
قَالَ: إذَا تَزَوَّجَ الْمَوْلَى الْعَرَبِيَّةَ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا.
وَهَذَا قَوْلُ سُفْيَانَ وَقَالَ أَحْمَدُ فِي الرَّجُلِ يَشْرَبُ الشَّرَابَ: مَا هُوَ بِكُفْءٍ لَهَا، يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا.
وَقَالَ: لَوْ كَانَ الْمُتَزَوِّجُ حَائِكًا فَرَّقْت بَيْنَهُمَا؛ لِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لِأَمْنَعَنَّ فُرُوجَ ذَوَاتِ الْأَحْسَابِ، إلَّا مِنْ الْأَكْفَاءِ.
رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ.
وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ قَالَ: خَرَجَ سَلْمَانُ وَجَرِيرٌ فِي سَفَرٍ، فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَقَالَ جَرِيرٌ لِسَلْمَانِ: تَقَدَّمْ أَنْتَ.
قَالَ سَلْمَانُ: بَلْ أَنْتَ تَقَدَّمْ، فَإِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْكُمْ فِي صَلَاتِكُمْ، وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُكُمْ، إنَّ اللَّهَ فَضَّلَكُمْ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَعَلَهُ فِيكُمْ.
وَلِأَنَّ التَّزْوِيجَ، مَعَ فَقْدِ الْكَفَاءَةِ، تَصَرُّفٌ فِي حَقِّ مَنْ يَحْدُثُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ زَوَّجَهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا تُنْكِحُوا النِّسَاءَ إلَّا مِنْ الْأَكْفَاءِ، وَلَا يُزَوِّجُهُنَّ إلَّا الْأَوْلِيَاءُ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، إلَّا أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ: هَذَا ضَعِيفٌ، لَا أَصْلَ لَهُ، وَلَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا فِي النِّكَاحِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَابْنِ سِيرِينَ وَابْنِ عَوْنٍ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13] .
وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -. إنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ تَبَنَّى سَالِمًا، وَأَنْكَحَهُ ابْنَةَ أَخِيهِ هِنْدَ ابْنَةَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَهُوَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
«وَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أَنْ تَنْكِحَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ مَوْلَاهُ، فَنَكَحَهَا بِأَمْرِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
«وَزَوَّجَ أَبَاهُ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ابْنَةَ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ الْأَسَدِيَّةَ.» وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِأُخْتِهِ: أُنْشِدُك اللَّهَ أَنْ تَتَزَوَّجِي مُسْلِمًا، وَإِنْ كَانَ أَحْمَرَ رُومِيًّا، أَوْ أَسْوَدَ حَبَشِيًّا.
وَلِأَنَّ الْكَفَاءَةَ لَا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا حَقًّا لِلْمَرْأَةِ، أَوْ الْأَوْلِيَاءِ، أَوْ لَهُمَا، فَلَمْ يُشْتَرَطْ وُجُودُهَا، كَالسَّلَامَةِ مِنْ الْعُيُوبِ.
وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ أَبَا هِنْدٍ حَجَمَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْيَافُوخِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا بَنِي بَيَاضَةَ، أَنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ، وَأَنْكِحُوا إلَيْهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، إلَّا أَنَّ أَحْمَدَ ضَعَّفَهُ، وَأَنْكَرَهُ إنْكَارًا شَدِيدًا.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا غَيْرُ مُشْتَرَطَةٍ، وَمَا رُوِيَ فِيهَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِهَا فِي الْجُمْلَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ اشْتِرَاطُهَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ لِلزَّوْجَةِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ فِيهَا حَقًّا، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ مِنْهُمْ فَلَهُ الْفَسْخُ
وَلِذَلِكَ لَمَّا زَوَّجَ رَجُلٌ ابْنَتَهُ مِنْ ابْنِ أَخِيهِ، لِيَرْفَعَ بِهَا خَسِيسَتَهُ، جَعَلَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخِيَارَ، فَأَجَازَتْ مَا صَنَعَ أَبُوهَا.
وَلَوْ فُقِدَ الشَّرْطُ لَمْ يَكُنْ لَهَا خِيَارٌ.
فَإِذَا قُلْنَا بِاشْتِرَاطِهَا، فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ وُجُودُهَا حَالَ الْعَقْدِ، فَإِنْ عَدِمَتْ بَعْدَهُ، لَمْ يَبْطُلْ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ شُرُوطَ النِّكَاحِ إنَّمَا تُعْتَبَرُ لَدَى الْعَقْدِ.
وَإِنْ كَانَتْ مَعْدُومَةً حَالَ الْعَقْدِ، فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ، حُكْمُهُ حُكْمُ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ، عَلَى مَا مَضَى.
فَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَتْ شَرْطًا.
فَرَضِيَتْ الْمَرْأَةُ وَالْأَوْلِيَاءُ كُلُّهُمْ، صَحَّ النِّكَاحُ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بَعْضُهُمْ، فَهَلْ يَقَعُ الْعَقْدُ بَاطِلًا مِنْ أَصْلِهِ أَوْ صَحِيحًا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَحَدُهُمَا، هُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْكَفَاءَةَ حَقٌّ لِجَمِيعِهِمْ، وَالْعَاقِدُ مُتَصَرِّفٌ فِيهَا بِغَيْرِ رِضَاهُمْ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَتَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ.
وَالثَّانِيَةُ، هُوَ صَحِيحٌ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي رَفَعَتْ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ كُفْئِهَا خَيَّرَهَا، وَلَمْ يُبْطِلْ النِّكَاحَ مِنْ أَصْلِهِ.
وَلِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ بِالْإِذْنِ، وَالنَّقْصُ الْمَوْجُودُ فِيهِ لَا يَمْنَعُ
صِحَّتَهُ، وَإِنَّمَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ، كَالْعَيْبِ مِنْ الْعُنَّةِ وَغَيْرِهَا.
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِمَنْ لَمْ يَرْضَ الْفَسْخُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا رَضِيَتْ الْمَرْأَةُ وَبَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ، لَمْ يَكُنْ لِبَاقِي الْأَوْلِيَاءِ فَسْخٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَقَّ لَا يَتَجَزَّأُ، وَقَدْ أَسْقَطَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ حَقَّهُ، فَسَقَطَ جَمِيعُهُ، كَالْقِصَاصِ.
وَلَنَا، أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ يُعْتَبَرُ رِضَاهُ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِرِضَا غَيْرِهِ، كَالْمَرْأَةِ مَعَ الْوَلِيِّ
فَأَمَّا الْقِصَاصُ فَلَا يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ كَامِلًا، فَإِذَا سَقَطَ بَعْضُهُ، تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ، وَهَاهُنَا بِخِلَافِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ زَوَّجَهَا بِدُونِ مَهْرِ مِثْلِهَا، مَلَكَ الْبَاقُونَ عِنْدَهُمْ الِاعْتِرَاضَ، مَعَ أَنَّهُ خَالِصُ حَقِّهَا، فَهَاهُنَا مَعَ أَنَّهُ حَقٌّ لَهُمْ أَوْلَى.
وَسَوَاءٌ كَانُوا مُتَسَاوِينَ فِي الدَّرَجَةِ، أَوْ مُتَفَاوِتِينَ، فَزَوَّجَ الْأَقْرَبُ، مِثْلُ أَنْ يُزَوِّجَ الْأَبُ بِغَيْرِ كُفْءٍ، فَإِنَّ لِلْإِخْوَةِ الْفَسْخَ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لَيْسَ لَهُمْ فَسْخٌ إذَا زَوَّجَ الْأَقْرَبُ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْأَبْعَدِ مَعَهُ، فَرِضَاؤُهُ لَا يُعْتَبَرُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ وَلِيَ فِي حَالٍ يَلْحَقُهُ الْعَارُ بِفَقْدِ الْكَفَاءَةِ، فَمَلَكَ الْفَسْخَ كَالْمُتَسَاوِيَيْنِ.
[مَسْأَلَةٌ شُرُوط الْكَفَاءَةِ فِي النِّكَاح]
(5190) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَالْكُفْءُ ذُو الدِّينِ وَالْمَنْصِبِ يَعْنِي بِالْمَنْصِبِ الْحَسَبَ، وَهُوَ النَّسَبُ.
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي شُرُوطِ الْكَفَاءَةِ، فَعَنْهُ هُمَا شَرْطَانِ؛ الدِّينُ، وَالْمَنْصِبُ، لَا غَيْرُ.
وَعَنْهُ أَنَّهَا خَمْسَةٌ؛ هَذَانِ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالصِّنَاعَةُ، وَالْيَسَارُ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي، فِي (الْمُجَرَّدِ) أَنَّ فَقْدَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا الرِّوَايَتَانِ فِي الشَّرْطَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ.
قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ الْمُبْطِلَ عَدَمُ الْكَفَاءَةِ فِي النَّسَبِ لَا غَيْرُ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ لَازِمٌ، وَمَا عَدَاهُ غَيْرُ لَازِمٍ، وَلَا يَتَعَدَّى نَقْصُهُ إلَى الْوَلَدِ
وَذَكَرَ فِي (الْجَامِعِ) الرِّوَايَتَيْنِ فِي جَمِيعِ الشُّرُوطِ.
وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ أَيْضًا.
وَقَالَ مَالِكٌ: الْكَفَاءَةُ فِي الدِّينِ لَا غَيْرُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا جُمْلَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ.
وَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَقَوْلِ مَالِكٍ، وَقَوْلٌ آخَرُ أَنَّهَا الْخَمْسَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَالسَّلَامَةُ مِنْ الْعُيُوبِ الْأَرْبَعَةِ فَتَكُونُ سِتَّةً، وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ إلَّا فِي الصَّنْعَةِ وَالسَّلَامَةِ مِنْ الْعُيُوبِ الْأَرْبَعَةِ.
وَلَمْ يَعْتَبِرْ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الدِّينَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَسْكَرُ وَيَخْرُجُ وَيَسْخَرُ مِنْهُ الصِّبْيَانُ، فَلَا يَكُونُ كُفُؤًا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْجُنْدِ الْفِسْقُ، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ نَقْصًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى اعْتِبَارِ الدِّينِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: 18]
وَلِأَنَّ الْفَاسِقَ مَرْذُولٌ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ، غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَالِ، مَسْلُوبُ الْوِلَايَاتِ، نَاقِصٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَعِنْدَ خَلْقِهِ، قَلِيلُ الْحَظِّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ،
فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُفُؤًا لِعَفِيفَةٍ، وَلَا مُسَاوِيًا لَهَا، لَكِنْ يَكُونُ كُفُؤًا لِمِثْلِهِ.
فَأَمَّا الْفَاسِقُ مِنْ الْجُنْدِ، فَهُوَ نَاقِصٌ عِنْدَ أَهْلِ الدِّينِ وَالْمُرُوآت.
وَالدَّلِيلُ عَلَى اعْتِبَارِ النَّسَبِ فِي الْكَفَاءَةِ، قَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَأَمْنَعَنَّ فُرُوجَ ذَوَاتِ الْأَحْسَابِ إلَّا مِنْ الْأَكْفَاءِ.
قَالَ: قُلْت: وَمَا الْأَكْفَاءُ؟ قَالَ فِي الْحَسَبِ.
رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، بِإِسْنَادِهِ.
وَلِأَنَّ الْعَرَبَ يَعُدُّونَ الْكَفَاءَةَ فِي النَّسَبِ، وَيَأْنَفُونَ مِنْ نِكَاحِ الْمَوَالِي، وَيَرَوْنَ ذَلِكَ نَقْصًا وَعَارًا، فَإِذَا أَطْلَقْتَ الْكَفَاءَةَ، وَجَبَ حَمْلُهَا عَلَى الْمُتَعَارَفِ، وَلِأَنَّ فِي فَقْدِ ذَلِكَ عَارًا وَنَقْصًا، فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ فِي الْكَفَاءَةِ كَالدِّينِ.
(5191) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفْت الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ غَيْرَ قُرَيْشٍ مِنْ الْعَرَبِ لَا يُكَافِئُهَا، وَغَيْرَ بَنِي هَاشِمٍ لَا يُكَافِئُهُمْ.
وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» . وَلِأَنَّ الْعَرَبَ فُضِّلَتْ عَلَى الْأُمَمِ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقُرَيْشٌ أَخَصُّ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْعَرَبِ، وَبَنُو هَاشِمٍ أَخُصُّ بِهِ مِنْ قُرَيْشٍ
وَكَذَلِكَ قَالَ عُثْمَانُ وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ إنَّ إخْوَانَنَا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ لَا نُنْكِرُ فَضْلَهُمْ عَلَيْنَا، لِمَكَانِكِ الَّذِي وَضَعَك اللَّهُ بِهِ مِنْهُمْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تُكَافِئُ الْعَجَمُ الْعَرَبَ وَلَا الْعَرَبُ قُرَيْشًا، وَقُرَيْشٌ كُلُّهُمْ أَكْفَاءٌ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: قُرَيْشٌ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْعَرَبَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ، وَالْعَجَمُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّجَ ابْنَتَيْهِ عُثْمَانَ، وَزَوَّجَ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ زَيْنَبَ، وَهُمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَزَوَّجَ عَلِيٌّ عُمَرَ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ، وَتَزَوَّجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَتَزَوَّجَ الْمُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ أُخْتَهَا سُكَيْنَةَ، وَتَزَوَّجَهَا أَيْضًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَتَزَوَّجَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ ضُبَاعَةَ ابْنَةَ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ابْنَةَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَزَوَّجَ أَبُو بَكْرٍ أُخْتَهُ أُمَّ فَرْوَةَ الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ، وَهُمَا كِنْدِيَّانِ، وَتَزَوَّجَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ، وَهِيَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَلِأَنَّ الْعَجَمَ وَالْمَوَالِيَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ، وَإِنْ تَفَاضَلُوا، وَشَرُفَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَكَذَلِكَ الْعَرَبُ.
(5192) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مِنْ شُرُوطِ الْكَفَاءَةِ، فَلَا يَكُونُ الْعَبْدُ كُفُؤًا لِحُرَّةٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيَّرَ بَرِيرَةَ حِينَ عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ.
فَإِذَا ثَبَتَ الْخِيَارُ بِالْحُرِّيَّةِ الطَّارِئَةِ، فَبِالْحُرِّيَّةِ الْمُقَارِنَةِ أَوْلَى.
وَلِأَنَّ نَقْصَ الرِّقِّ كَبِيرٌ، وَضَرَرَهُ بَيِّنٌ، فَإِنَّهُ مَشْغُولٌ عَنْ امْرَأَتِهِ بِحُقُوقِ سَيِّدِهِ، وَلَا يُنْفِقُ نَفَقَةَ الْمُوسِرِينَ، وَلَا يُنْفِقُ عَلَى وَلَدِهِ، وَهُوَ كَالْمَعْدُومِ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفْسِهِ.
وَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكَاحِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ لَبَرِيرَةَ: لَوْ رَاجَعْتِيهِ.
قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَأْمُرُنِي؟ قَالَ: إنَّمَا أَنَا شَفِيعٌ.
قَالَتْ: فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَمُرَاجَعَتُهَا لَهُ ابْتِدَاءُ النِّكَاحِ، فَإِنَّهُ قَدْ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا بِاخْتِيَارِهَا، وَلَا يَشْفَعُ إلَيْهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَنْ تَنْكِحَ عَبْدًا إلَّا وَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ.
(5193) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْيَسَارُ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، هُوَ شَرْطٌ فِي الْكَفَاءَةِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْحَسَبُ الْمَالُ.
وَقَالَ: إنَّ أَحْسَابَ النَّاسِ بَيْنَهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا هَذَا الْمَالُ.
وَقَالَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، حِينَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ خَطَبَهَا: أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ، لَا مَالَ لَهُ»
وَلِأَنَّ عَلَى الْمُوسِرَةِ ضَرَرًا فِي إعْسَارِ زَوْجِهَا؛ لِإِخْلَالِهِ بِنَفَقَتِهَا وَمُؤْنَةِ أَوْلَادِهَا، وَلِهَذَا مَلَكَتْ الْفَسْخَ بِإِخْلَالِهِ بِالنَّفَقَةِ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مُقَارِنًا، وَلِأَنَّ ذَلِكَ مَعْدُودٌ نَقْصًا فِي عُرْفِ النَّاسِ، يَتَفَاضَلُونَ فِيهِ كَتَفَاضُلِهِمْ فِي النَّسَبِ وَأَبْلَغَ، قَالَ نُبَيْهُ بْنُ الْحَجَّاجِ السَّهْمِيُّ:
سَأَلَتَانِي الطَّلَاقَ أَنْ رَأَتَانِي ... قَلَّ مَالِي قَدْ جِئْتُمَانِي بِنُكْرِ
وَيْكَأَنَّ مَنْ لَهُ نَشَبٌ مُحَبَّبٌ ... وَمَنْ يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ
فَكَانَ مِنْ شُرُوطِ الْكَفَاءَةِ، كَالنَّسَبِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لِأَنَّ الْفَقْرَ شَرَفٌ فِي الدِّينِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا» . وَلَيْسَ هُوَ أَمْرًا لَازِمًا، فَأَشْبَهَ الْعَافِيَةَ مِنْ الْمَرَضِ، وَالْيَسَارُ الْمُعْتَبَرُ مَا يَقْدِرُ بِهِ عَلَى الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، حَسْبَ مَا يَجِبُ لَهَا، وَيُمْكِنُهُ أَدَاءُ مَهْرِهَا.
(5194) فَصْلٌ: فَأَمَّا الصِّنَاعَةُ، فَفِيهَا رِوَايَتَانِ أَيْضًا؛ إحْدَاهُمَا، أَنَّهَا شَرْطٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّنَائِعِ الدَّنِيئَةِ، كَالْحَائِكِ، وَالْحَجَّامِ، وَالْحَارِسِ، وَالْكَسَّاحِ، وَالدَّبَّاغِ، وَالْقَيِّمِ، وَالْحَمَّامِيِّ، وَالزَّبَّالِ، فَلَيْسَ بِكُفْءٍ لِبَنَاتِ ذَوِي الْمُرُوءَاتِ، أَوْ أَصْحَابِ الصَّنَائِعِ الْجَلِيلَةِ، كَالتِّجَارَةِ، وَالْبِنَايَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ فِي عُرْفِ النَّاسِ، فَأَشْبَهَ نَقْصَ النَّسَبِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ، إلَّا حَائِكًا، أَوْ حَجَّامًا» . قِيلَ لِأَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَكَيْفَ تَأْخُذُ بِهِ وَأَنْتَ تُضَعِّفُهُ؟ قَالَ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ.
يَعْنِي أَنَّهُ وَرَدَ مُوَافِقًا لِأَهْلِ الْعُرْفِ.
وَرُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِنَقْصٍ، وَيُرْوَى نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِنَقْصٍ فِي الدِّينِ، وَلَا هُوَ لَازِمٌ، فَأَشْبَهَ الضَّعْفَ وَالْمَرَضَ، قَالَ بَعْضُهُمْ:
أَلَا إنَّمَا التَّقْوَى هِيَ الْعِزُّ وَالْكَرَمُ ... وَحُبُّك لِلدُّنْيَا هُوَ الذُّلُّ وَالسَّقَمُ
وَلَيْسَ عَلَى عَبْدٍ تَقِيٍّ نَقِيصَةٌ ... إذَا حَقَّقَ التَّقْوَى وَإِنْ حَاكَ أَوْ حَجَمَ
وَأَمَّا السَّلَامَةُ مِنْ الْعُيُوبِ، فَلَيْسَ مِنْ شُرُوطِ الْكَفَاءَةِ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ النِّكَاحُ بِعَدَمِهَا، وَلَكِنَّهَا تُثْبِتُ الْخِيَارَ لِلْمَرْأَةِ دُونَ الْأَوْلِيَاءِ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ مُخْتَصٌّ بِهَا.
وَلِوَلِيِّهَا مَنْعُهَا مِنْ نِكَاحِ الْمَجْذُومِ وَالْأَبْرَصِ وَالْمَجْنُونِ، وَمَا عَدَا هَذَا فَلَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ فِي الْكَفَاءَةِ.
[فَصْلٌ مِنْ أَسْلَمَ أَوْ عِتْقَ مِنْ الْعَبِيدِ فَهُوَ كُفْءٌ لِمَنْ لَهُ أَبَوَانِ فِي الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ]
ِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ بِكُفْءٍ.
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، أَكْثَرُهُمْ أَسْلَمُوا، وَكَانُوا أَفْضَلَ الْأُمَّةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُمْ غَيْرُ أَكْفَاءٍ لِلتَّابِعِينَ.
[فَصْلٌ وَلَدُ الزِّنَى يَحْتَمِلُ أَنَّ لَا يَكُونَ كُفُؤًا لِذَاتِ نَسَبٍ]
(5196) فَصْلٌ: فَأَمَّا وَلَدُ الزِّنَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ كُفُؤًا لِذَاتِ نَسَبٍ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذُكِرَ لَهُ أَنَّهُ يَنْكِحُ وَيُنْكَحُ إلَيْهِ؟ فَكَأَنَّهُ لَمْ يُجِبْ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تُعَيَّرُ بِهِ هِيَ وَأَوْلِيَاؤُهَا، وَيَتَعَدَّى ذَلِكَ إلَى وَلَدِهَا.
وَأَمَّا كَوْنُهُ لَيْسَ بِكُفْءٍ لِعَرَبِيَّةٍ، فَلَا إشْكَالَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَدْنَى حَالًا مِنْ الْمَوْلَى.
[فَصْلٌ الْمَوَالِي بَعْضُهُمْ لَبَعْضٍ أَكْفَاءٌ فِي النِّكَاح]
(5197) فَصْلٌ: وَالْمَوَالِي بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ، وَكَذَلِكَ الْعَجَمُ، قَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي رَجُلٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ لَهُ مَوْلَاةٌ: يُزَوِّجُهَا الْخُرَاسَانِيَّ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَوَالِي الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» . هُوَ فِي الصَّدَقَةِ،
فَأَمَّا فِي النِّكَاحِ فَلْيَنْكِحْ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ يُكَافِئُهُمْ؛ لِهَذَا الْخَبَرِ، «وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوَّجَ زَيْدًا وَأُسَامَةَ عَرَبِيَّتَيْنِ» وَلِأَنَّ مَوَالِيَ بَنِي هَاشِمٍ سَاوُوهُمْ فِي حِرْمَانِ الصَّدَقَةِ، فَيُسَاوُونَهُمْ فِي الْكَفَاءَةِ
وَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ؛ فَإِنَّهُ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَوَالِي أَكْفَاءَ لِلْعَرَبِ، فَإِنَّ الْمَوْلَى إذَا كَانَ كُفْءَ سَيِّدِهِ كَانَ كُفُؤًا لِمَنْ يُكَافِئُهُ سَيِّدُهُ، فَيَبْطُلُ اعْتِبَارُ الْمَنْصِبِ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّدَقَةِ، لَا فِي النِّكَاحِ.
وَلِهَذَا لَا يُسَاوُونَهُمْ فِي اسْتِحْقَاقِ الْخُمُسِ، وَلَا فِي الْإِمَامَةِ، وَلَا فِي الشَّرَفِ.
وَأَمَّا زَيْدٌ وَأُسَامَةُ، فَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِنِكَاحِهِمَا عَرَبِيَّتَيْنِ عَلَى أَنَّ فَقْدَ الْكَفَاءَةِ لَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ، وَاعْتَذَرَ أَحْمَدُ عَنْ تَزْوِيجِهِمَا، بِأَنَّهُمَا عَرَبِيَّانِ، فَإِنَّهُمَا مِنْ كَلْبٍ، وَإِنَّمَا طَرَأَ عَلَيْهِمَا رِقٌّ.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا حُكْمَ كُلِّ عَرَبِيِّ الْأَصْلِ.
[فَصْلٌ لَا يُزَوِّجُ بِنْتَه مِنْ حَرُورِيٍّ مَرَقَ مِنْ الدِّينِ وَلَا مِنْ الرَّافِضِيِّ وَلَا مِنْ الْقَدَرِيِّ]
(5198) فَصْلٌ: فَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُزَوِّجُ الْجَهْمِيُّ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا.
وَكَذَلِكَ إذَا زَوَّجَ الْوَاقِفِيّ، إذَا كَانَ يُخَاصِمُ وَيَدْعُو، وَإِذَا زَوَّجَ أُخْتَهُ مِنْ هَؤُلَاءِ اللَّفْظِيَّةِ، وَقَدْ كَتَبَ الْحَدِيثَ، فَهَذَا شَرٌّ مِنْ جَهْمِي، يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا.
وَقَالَ: لَا يُزَوِّجُ بِنْتَهُ مِنْ حَرُورِيٍّ مَرَقَ مِنْ الدِّينِ، وَلَا مِنْ الرَّافِضِيِّ، وَلَا مِنْ الْقَدَرِيِّ، فَإِذَا كَانَ لَا يَدْعُو فَلَا بَأْسَ.
وَقَالَ: مَنْ لَمْ يُرَبِّعْ بِعَلِيِّ فِي الْخِلَافَةِ، فَلَا تُنَاكِحُوهُ، وَلَا تُكَلِّمُوهُ.
قَالَ الْقَاضِي: الْمُقَلِّدُ مِنْهُمْ يَصِحُّ تَزْوِيجُهُ، وَمَنْ كَانَ دَاعِيَةً مِنْهُمْ فَلَا يَصِحُّ تَزْوِيجُهُ.
[فَصْلِ الْكَفَاءَةُ فِي النِّكَاح مُعْتَبَرَةٌ فِي الرَّجُلِ دُونَ الْمَرْأَةِ]
(5199) فَصْلٌ: وَالْكَفَاءَةُ مُعْتَبَرَةٌ فِي الرَّجُلِ دُونَ الْمَرْأَةِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا مُكَافِئَ لَهُ، وَقَدْ تَزَوَّجَ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، وَتَزَوَّجَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ، وَتَسَرَّى بِالْإِمَاءِ، وَقَالَ: «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ جَارِيَةٌ، فَعَلَّمَهَا، وَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، وَأَحْسَنَ إلَيْهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ الْوَلَدَ يَشْرُفُ بِشَرَفِ أَبِيهِ، لَا بِأُمِّهِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ فِي الْأُمِّ.
[مَسْأَلَةٌ زَوَّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ فَوَضَعَهَا فِي كَفَاءَةٍ]
(5200) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا زَوَّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ، فَوَضَعَهَا فِي كَفَاءَةٍ، فَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ، وَإِنْ كَرِهَتْ، كَبِيرَةً كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةً.
أَمَّا الْبِكْرُ الصَّغِيرَةُ، فَلَا خِلَافَ فِيهَا.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ نِكَاحَ الْأَبِ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ الصَّغِيرَةَ جَائِزٌ، إذَا زَوَّجَهَا مِنْ كُفْءٍ، وَيَجُوزُ لَهُ تَزْوِيجُهَا مَعَ كَرَاهِيَتِهَا وَامْتِنَاعِهَا.
وَقَدْ دَلَّ عَلَى جَوَازِ تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] فَجَعَلَ لِلَّائِي لَمْ يَحِضْنَ عِدَّةَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَلَا تَكُونُ الْعِدَّةُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ إلَّا مِنْ طَلَاقٍ فِي نِكَاحٍ أَوْ فَسْخٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا تُزَوَّجُ وَتَطْلُقُ، وَلَا إذْنَ لَهَا فَيُعْتَبَرُ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: «تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا ابْنَةُ سِتٍّ، وَبَنَى بِي وَأَنَا ابْنَةُ تِسْعٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي تِلْكَ الْحَالِ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ إذْنُهَا.
وَرَوَى الْأَثْرَمُ، أَنَّ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ تَزَوَّجَ ابْنَةَ الزُّبَيْرِ حِين نَفِسَتْ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: ابْنَةُ الزُّبَيْرِ إنْ مِتّ وَرِثَتْنِي، وَإِنْ عِشْت كَانَتْ امْرَأَتِي.
وَزَوَّجَ عَلِيٌّ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ وَهِيَ صَغِيرَةٌ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. وَأَمَّا الْبِكْرُ الْبَالِغَةُ الْعَاقِلَةُ، فَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَهُ إجْبَارُهَا عَلَى النِّكَاحِ، وَتَزْوِيجُهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا، كَالصَّغِيرَةِ
وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ وَالثَّانِيَةُ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ.
فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ إذْنُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، «أَنَّ جَارِيَةً بِكْرًا، أَتَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَتْ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ، فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.» وَلِأَنَّهَا جَائِزَةُ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهَا، فَلَمْ يَجُزْ إجْبَارُهَا، كَالثَّيِّبِ، وَالرَّجُلِ
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى، مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد.
فَلَمَّا قَسَمَ النِّسَاءَ قِسْمَيْنِ، وَأَثْبَتَ الْحَقَّ لِأَحَدِهِمَا، دَلَّ عَلَى نَفْيِهِ عَنْ الْآخَرِ، وَهِيَ الْبِكْرُ فَيَكُونُ وَلِيُّهَا أَحَقَّ مِنْهَا بِهَا، وَدَلَّ الْحَدِيثُ