المغني لابن قدامةصفحات 132-171
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا

صفحات 132-171
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
المغني لابن قدامة
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
مكتبة القاهرة
الطبعة
بدون طبعة
عدد الأجزاء
10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

مَعْنَى اسْتَقَاءَ: تَقَيَّأَ مُسْتَدْعِيًا لِلْقَيْءِ.
وَذَرْعُهُ: خُرُوجٌ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ، فَمَنْ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ صَوْمَهُ يَفْسُدُ بِهِ.
وَمِنْ ذَرَعَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا أَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ اخْتِلَافًا.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى إبْطَالِ صَوْمِ مَنْ اسْتَقَاءَ عَامِدًا وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ الْقَيْءَ لَا يُفْطِرُ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «ثَلَاثٌ لَا يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ: الْحِجَامَةُ وَالْقَيْءُ وَالِاحْتِلَامُ» . وَلِأَنَّ الْفِطْرَ بِمَا يَدْخُلُ لَا بِمَا يَخْرُجُ.
وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ عَامِدًا فَلْيَقْضِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَحَدِيثُهُمْ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، يَرْوِيه عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ، قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَ لَهُمْ يَبْطُلُ بِالْحَيْضِ وَالْمَنِيِّ.
(2042) فَصْلٌ: وَقَلِيلُ الْقَيْءِ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ، فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ؛ لَا يُفْطِرُ إلَّا بِمِلْءِ الْفَمِ.
لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «وَلَكِنْ دَسْعَةٌ تَمْلَأُ الْفَمَ» . وَلِأَنَّ الْيَسِيرَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، فَلَا يُفْطِرُ كَالْبَلْغَمِ.
وَالثَّالِثَةُ، نِصْفُ الْفَمِ، لِأَنَّهُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، فَأَفْطَرَ بِهِ كَالْكَثِيرِ.
وَالْأُولَى أَوْلَى لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ، وَلِأَنَّ سَائِرَ الْمُفْطِرَاتِ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا وَحَدِيثُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ لَا نَعْرِفُ لَهُ أَصْلًا.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْقَيْءِ طَعَامًا، أَوْ مُرَارًا، أَوْ بَلْغَمًا، أَوْ دَمًا، أَوْ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ دَاخِلٌ تَحْتَ عُمُومِ الْحَدِيثِ وَالْمَعْنَى، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

[مَسْأَلَةُ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ وَهُوَ صَائِم]

(2043) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ، فَقَدْ أَفْطَرَ)

لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ مِنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ فِي أَثْنَاءِ الصَّوْمِ، أَنَّهُ يَفْسُدُ صَوْمُهُ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، إذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ.
سَوَاءٌ أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ، أَوْ بَعْدَ انْقِضَائِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ رِدَّتُهُ بِاعْتِقَادِهِ مَا يَكْفُرُ بِهِ، أَوْ شَكِّهِ فِيمَا يَكْفُرُ بِالشَّكِّ فِيهِ، أَوْ بِالنُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ، مُسْتَهْزِئًا أَوْ غَيْرَ مُسْتَهْزِئٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: 65] ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 66] . وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ، فَأَبْطَلَتْهَا الرِّدَّةُ، كَالصَّلَاةِ وَالْحَجَّ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ، فَنَافَاهَا الْكُفْرُ، كَالصَّلَاةِ.

[مَسْأَلَةُ مَنْ نَوَى الْإِفْطَارَ]

(2044) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ نَوَى الْإِفْطَارَ فَقَدْ أَفْطَرَ) هَذَا الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ قَالُوا: إنْ عَادَ فَنَوَى قَبْلَ أَنْ يَنْتَصِفَ النَّهَارُ أَجْزَأَهُ.
بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ أَنَّ الصَّوْمَ يُجْزِئُ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ.
وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَفْسُدُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يَلْزَمُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهَا، فَلَمْ تَفْسُدْ بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْهَا، كَالْحَجِّ.
وَلَنَا أَنَّهَا عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ، فَفَسَدَتْ بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْهَا، كَالصَّلَاةِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ النِّيَّةِ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْعِبَادَةِ، وَلَكِنْ لَمَّا شَقَّ اعْتِبَارُ حَقِيقَتِهَا اُعْتُبِرَ بَقَاءُ حُكْمِهَا، وَهُوَ أَنْ لَا يَنْوِيَ قَطْعَهَا فَإِذَا نَوَاهُ زَالَتْ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، فَفَسَدَ الصَّوْمُ لِزَوَالِ شَرْطِهِ.
وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ لَا يَطَّرِدُ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْحَجَّ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِالنِّيَّةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْمُبْهَمَةِ، وَبِالنِّيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، فَافْتَرَقَا.

[فَصْلُ صَوْمُ النَّافِلَةِ]

فَصْلٌ: فَأَمَّا صَوْمُ النَّافِلَةِ، فَإِنْ نَوَى الْفِطْرَ، ثُمَّ لَمْ يَنْوِ الصَّوْمَ بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ انْقَطَعَتْ، وَلَمْ تُوجَدْ نِيَّةٌ غَيْرُهَا فَأَشْبَهَ مَنْ لَمْ يَنْوِ أَصْلًا.
وَإِنْ عَادَ فَنَوَى الصَّوْمَ، صَحَّ صَوْمُهُ، كَمَا لَوْ أَصْبَحَ غَيْرَ نَاوٍ لِلصَّوْمِ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْفِطْرِ إنَّمَا أَبْطَلَتْ الْفَرْضَ لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ النِّيَّةِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي جَمِيعِ النَّهَارِ حُكْمًا وَخُلُوِّ بَعْضِ أَجْزَاءِ النَّهَارِ عَنْهَا، وَالنَّفَلُ مُخَالِفٌ لِلْفَرْضِ فِي ذَلِكَ، فَلَمْ تَمْنَعْ صِحَّتَهُ نِيَّةُ الْفِطْرِ فِي زَمَنٍ لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ نِيَّةِ الصَّوْمِ فِيهِ، وَلِأَنَّ نِيَّةَ الْفِطْرِ لَا تَزِيدُ عَلَى عَدَمِ النِّيَّةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَعَدَمُهَا لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ إذَا نَوَى بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ إذَا نَوَى الْفِطْرَ، ثُمَّ نَوَى الصَّوْمَ بَعْدَهُ، بِخِلَافِ الْوَاجِبِ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: إذَا أَصْبَحَ صَائِمًا، ثُمَّ عَزَمَ عَلَى الْفِطْرِ، فَلَمْ يُفْطِرْ حَتَّى بَدَا لَهُ، ثُمَّ قَالَ:

لَا، بَلْ أُتِمُّ صَوْمِي مِنْ الْوَاجِبِ.
لَمْ يُجْزِئْهُ حَتَّى يَكُونَ عَازِمًا عَلَى الصَّوْمِ يَوْمَهُ كُلَّهُ، وَلَوْ كَانَ تَطَوُّعًا كَانَ أَسْهَلَ.
وَظَاهِرُ هَذَا مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَسْأَلُ أَهْلَهُ: هَلْ مِنْ غَدَاءٍ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا.
قَالَ: إنِّي إذًا صَائِمٌ» .

[فَصْلُ نَوَى أَنَّهُ سَيُفْطِرُ سَاعَةً أُخْرَى]

(2046) فَصْلٌ: وَإِنْ نَوَى أَنَّهُ سَيُفْطِرُ سَاعَةً أُخْرَى.
فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ هُوَ كَنِيَّةِ الْفِطْرِ فِي وَقْتِهِ، وَإِنْ تَرَدَّدَ فِي الْفِطْرِ.
فَعَلَى وَجْهَيْنِ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ نَوَى أَنَّنِي إنْ وَجَدْت طَعَامًا أَفْطَرْت، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ أَتْمَمْت صَوْمِي.
خُرِّجَ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يُفْطِرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ جَازِمًا بِنِيَّةِ الصَّوْمِ، وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ ابْتِدَاءُ النِّيَّةِ بِمِثْلِ هَذَا.
وَالثَّانِي: لَا يُفْطِرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْفِطْرَ بِنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ، فَإِنَّ النِّيَّةَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ، وَلِذَلِكَ لَا يَنْعَقِدُ الصَّوْمُ بِمِثْلِ هَذِهِ النِّيَّةِ.

[مَسْأَلَةُ جَامَعَ الصَّائِمُ فِي الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ أَوْ دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا]

(2047) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ جَامَعَ فِي الْفَرْجِ، فَأَنْزَلَ، أَوْ لَمْ يُنْزِلْ، أَوْ دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، إذَا كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا، فِي أَنَّ مَنْ جَامَعَ فِي الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ، أَوْ دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ، أَنَّهُ يَفْسُدُ صَوْمُهُ إذَا كَانَ عَامِدًا، وَقَدْ دَلَّتْ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا مَسَائِلُ أَرْبَعٍ؛ (2048) إحْدَاهَا: أَنَّ مَنْ أَفْسَدَ صَوْمًا وَاجِبًا بِجِمَاعٍ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، سَوَاءٌ كَانَ فِي رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: مَنْ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ الْأَعْرَابِيَّ بِالْقَضَاءِ.
وَحُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ كَفَّرَ بِالصِّيَامِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ.
وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْمُجَامِعِ: «وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْأَثْرَمُ.
وَلِأَنَّهُ أَفْسَدَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، فَلَزِمَهُ قَضَاؤُهُ، كَمَا لَوْ أَفْسَدَهُ بِالْأَكْلِ، أَوْ أَفْسَدَ صَوْمَهُ الْوَاجِبَ بِالْجِمَاعِ، فَلَزِمَهُ قَضَاؤُهُ، كَغَيْرِ رَمَضَانَ.

(2049) الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَلْزَمُ مَنْ جَامَعَ فِي الْفَرْجِ فِي رَمَضَانَ عَامِدًا، أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَحُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِ قَضَائِهَا، فَلَا تَجِبُ فِي أَدَائِهَا، كَالصَّلَاةِ.

وَلَنَا: مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكْتُ.
قَالَ مَا لَك؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تَعْتِقُهَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَمَكَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ.
وَالْعَرَقُ: الْمِكْتَلُ، فَقَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ؟ فَقَالَ: أَنَا، قَالَ: خُذْ هَذَا، فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ الرَّجُلُ: عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَاَللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي.
فَضَحِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَطْعِمْهُ أَهْلَك» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ الْأَدَاءِ فِي ذَلِكَ بِالْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ يَتَعَلَّقُ بِزَمَنٍ مَخْصُوصٍ يَتَعَيَّنُ بِهِ، وَالْقَضَاءُ مَحَلُّهُ الذِّمَّةُ، وَالصَّلَاةُ لَا يَدْخُلُ فِي جُبْرَانِهَا الْمَالُ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.

(2050) الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ، أَنَّ الْجِمَاعَ دُونَ الْفَرْجِ، إذَا اقْتَرَنَ بِهِ الْإِنْزَالُ، فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَإِسْحَاقَ؛ لِأَنَّهُ فِطْرٌ بِجِمَاعٍ، فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ كَالْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا كَفَّارَةَ فِيهِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ فِطْرٌ بِغَيْرِ جِمَاعٍ تَامٍّ، فَأَشْبَهَ الْقُبْلَةَ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، وَلَا نَصَّ فِي وُجُوبِهَا وَلَا إجْمَاعَ وَلَا قِيَاسَ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُوجِبُهَا مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ، وَيَجِبُ بِهِ الْحَدُّ إذَا كَانَ مُحَرَّمًا، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ اثْنَا عَشَرَ حُكْمًا.
وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ الْجِمَاعُ بِدُونِ الْإِنْزَالِ، وَالْجِمَاعُ هَاهُنَا غَيْرُ مُوجِبٍ، فَلَمْ يَصِحَّ اعْتِبَارُهُ بِهِ.

(2051) الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ، أَنَّهُ جَامَعَ نَاسِيًا، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ كَالْعَامِدِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَابْنِ الْمَاجِشُونِ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ تَوَقَّفَ عَنْ الْجَوَابِ، وَقَالَ: أَجْبُنُ أَنْ أَقُولَ فِيهِ شَيْئًا، وَأَنْ أَقُولَ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
قَالَ: سَمِعْته غَيْرَ مَرَّةٍ لَا يَنْفُذُ لَهُ فِيهِ قَوْلٌ.
وَنَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ: كُلُّ أَمْرٍ غُلِبَ عَلَيْهِ الصَّائِمُ، لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَلَا غَيْرُهُ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى إسْقَاطِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَمُجَاهِدٍ، وَالثَّوْرِيِّ،

وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى حَرَّمَهُ الصَّوْمُ، فَإِذَا وُجِدَ مِنْهُ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا، لَمْ يُفْسِدْهُ؛ كَالْأَكْلِ.
وَكَانَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ، يُوجِبُونَ الْقَضَاءَ دُونَ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لِرَفْعِ الْإِثْمِ، وَهُوَ مَحْطُوطٌ عَنْ النَّاسِي.
وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ الَّذِي قَالَ: وَقَعْت عَلَى امْرَأَتِي.
بِالْكَفَّارَةِ، وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْ الْعَمْدِ، وَلَوْ افْتَرَقَ الْحَالُ لَسَأَلَ وَاسْتَفْصَلَ، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ التَّعْلِيلُ بِمَا تَنَاوَلَهُ لَفْظُ السَّائِلِ وَهُوَ الْوُقُوعُ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي الصَّوْمِ، وَلِأَنَّ السُّؤَالَ كَالْمُعَادِ فِي الْجَوَابِ، فَكَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ وَقَعَ عَلَى أَهْلِهِ فِي رَمَضَانَ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً» . فَإِنْ قِيلَ: فَفِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْعَمْدِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: هَلَكْت.
وَرُوِيَ: احْتَرَقْت.
قُلْنَا: يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ هَلَكَتِهِ لِمَا يَعْتَقِدُهُ فِي الْجِمَاعِ مَعَ النِّسْيَانِ مِنْ إفْسَادِ الصَّوْمِ، وَخَوْفِهِ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ تُحَرِّمُ الْوَطْءَ، فَاسْتَوَى فِيهَا عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ، كَالْحَجِّ، وَلِأَنَّ إفْسَادَ الصَّوْمِ وَوُجُوبَ الْكَفَّارَةِ حُكْمَانِ يَتَعَلَّقَانِ بِالْجِمَاعِ، لَا تُسْقِطُهُمَا الشُّبْهَةُ، فَاسْتَوَى فِيهِمَا الْعَمْدُ وَالسَّهْوُ، كَسَائِرِ أَحْكَامِهِ.
(2052) فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْفَرْجِ قُبُلًا أَوْ دُبُرًا، مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ: لَا كَفَّارَةَ فِي الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِحْلَالُ وَلَا الْإِحْصَانُ، فَلَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، كَالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ.
وَلَنَا أَنَّهُ أَفْسَدَ صَوْمَ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ فِي الْفَرْجِ، فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ، كَالْوَطْءِ، وَأَمَّا الْوَطْءُ دُونَ الْفَرْجِ، فَلَنَا فِيهِ مَنْعٌ، وَإِنْ سَلَّمْنَا، فَلِأَنَّ الْجِمَاعَ دُونَ الْفَرْجِ لَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ بِمُجَرَّدِهِ؛ بِخِلَافِ الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ.

[فَصْلُ وَطْءُ الصَّائِم فِي فَرْجِ الْبَهِيمَةِ]

(2053) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْوَطْءُ فِي فَرْجِ الْبَهِيمَةِ.
فَذَكَرَ الْقَاضِي، أَنَّهُ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي فَرْجٍ مُوجِبٌ لِلْغُسْلِ، مُفْسِدٌ لِلصَّوْمِ، فَأَشْبَهَ وَطْءَ الْآدَمِيَّةِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ لَا تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ.
وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِوَطْءِ الْآدَمِيَّةِ فِي إيجَابِ الْحَدِّ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي كَثِيرٍ مِنْ أَحْكَامِهِ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَوْطُوءَةِ زَوْجَةً أَوْ أَجْنَبِيَّةً، أَوْ كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً؛ لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ بِوَطْءِ الزَّوْجَةِ، فَبِوَطْءِ الْأَجْنَبِيَّةِ أَوْلَى.

[فَصْلُ فَسَادُ صَوْمُ الْمَرْأَةِ بِالْجِمَاعِ]

(2054) فَصْلٌ: وَيَفْسُدُ صَوْمُ الْمَرْأَةِ بِالْجِمَاعِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْمُفْطِرَاتِ، فَاسْتَوَى فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ، كَالْأَكْلِ وَهَلْ يَلْزَمُهَا الْكَفَّارَةُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، يَلْزَمُهَا.
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَقَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَلِأَنَّهَا هَتَكَتْ صَوْمَ رَمَضَانَ بِالْجِمَاعِ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ كَالرَّجُلِ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا.
قَالَ أَبُو دَاوُد: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ مَنْ أَتَى أَهْلَهُ فِي رَمَضَانَ، أَعْلَيْهَا كَفَّارَةٌ؟ قَالَ: مَا سَمِعْنَا أَنَّ عَلَى امْرَأَةٍ كَفَّارَةً.
وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالرِّوَايَتَيْنِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ الْوَاطِئَ فِي رَمَضَانَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً.
وَلَمْ يَأْمُرْ فِي الْمَرْأَةِ بِشَيْءٍ، مَعَ عِلْمِهِ بِوُجُودِ ذَلِكَ مِنْهَا، وَلِأَنَّهُ حَقُّ مَالٍ يَتَعَلَّقُ بِالْوَطْءِ مِنْ بَيْنِ جِنْسِهِ، فَكَانَ عَلَى الرَّجُلِ كَالْمَهْرِ.

[فَصْلُ أُكْرِهَتْ الْمَرْأَةُ الصائمة عَلَى الْجِمَاعِ]

(2055) فَصْلٌ: وَإِنْ أُكْرِهَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى الْجِمَاعِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ.
قَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ امْرَأَةٍ غَصَبَهَا رَجُلٌ نَفْسَهَا، فَجَامَعَهَا، أَعْلَيْهَا الْقَضَاءُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت: وَعَلَيْهَا كَفَّارَةٌ؟ قَالَ: لَا.
وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ.
وَنَحْوُ ذَلِكَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ، إذَا وَطِئَهَا نَائِمَةً.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي النَّائِمَةِ: عَلَيْهَا الْقَضَاءُ بِلَا كَفَّارَةٍ، وَالْمُكْرَهَةُ عَلَيْهَا الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: إنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ بِوَعِيدٍ حَتَّى فَعَلَتْ، كَقَوْلِنَا وَإِنْ كَانَ إلْجَاءً لَمْ تُفْطِرْ.
وَكَذَلِكَ إنْ وَطِئَهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ.
وَيُخَرَّجُ مِنْ قَوْلِ أَحْمَدَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ - كُلُّ أَمْرٍ غُلِبَ عَلَيْهِ الصَّائِمُ، لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَلَا غَيْرُهُ.
أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهَا إذَا كَانَتْ مُلْجَأَةً أَوْ نَائِمَةً؛ لِأَنَّهَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا فِعْلٌ، فَلَمْ تُفْطِرْ، كَمَا لَوْ صَبَّ فِي حَلْقِهَا مَاءً بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ جِمَاعٌ فِي الْفَرْجِ، فَأَفْسَدَ الصَّوْمَ، كَمَا لَوْ أُكْرِهَتْ بِالْوَعِيدِ، وَلِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ يُفْسِدُهَا الْوَطْءُ، فَفَسَدَتْ بِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ.
وَيُفَارِقُ الْأَكْلَ، فَإِنَّهُ يُعْذَرُ فِيهِ بِالنِّسْيَانِ، بِخِلَافِ الْجِمَاعِ.

[فَصْلُ تَسَاحَقَتْ امْرَأَتَانِ أَثْنَاءَ الصَّوْم فَلَمْ يُنْزِلَا]

فَصْلٌ: فَإِنْ تَسَاحَقَتْ امْرَأَتَانِ، فَلَمْ يُنْزِلَا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا.
وَإِنْ أَنْزَلَتَا، فَسَدَ صَوْمُهُمَا.
وَهَلْ يَكُونُ حُكْمُهُمَا حُكْمَ الْمُجَامِعِ دُونَ الْفَرْجِ إذَا أَنْزَلَ، أَوْ لَا يَلْزَمُهُمَا كَفَّارَةٌ بِحَالٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ

الْجِمَاعَ مِنْ الْمَرْأَةِ هَلْ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَأَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ، أَنَّهُمَا لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ.
وَإِنْ سَاحَقَ الْمَجْبُوبُ فَأَنْزَلَ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ جَامَعَ دُونَ الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ.

[فَصْلُ جَامَعَتْ الْمَرْأَةُ نَاسِيَةً لِلصَّوْمِ]

(2057) فَصْلٌ: وَإِنْ جَامَعَتْ الْمَرْأَةُ نَاسِيَةً لِلصَّوْمِ.
فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: حُكْمُ النِّسْيَانِ حُكْمُ الْإِكْرَاهِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا فِيهِمَا، وَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ يَحْصُلُ بِهِ الْفِطْرُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ مَعَ النِّسْيَانِ، فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهَا الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهُ مُفْسِدٌ لَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، فَأَشْبَهَ الْأَكْلَ.

[فَصْلُ أُكْرِهَ الرَّجُلُ عَلَى الْجِمَاعِ وَهُوَ صَائِم]

(2058) فَصْلٌ: وَإِنْ أُكْرِهَ الرَّجُلُ عَلَى الْجِمَاعِ، فَسَدَ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا أُفْسِدَ صَوْمُ الْمَرْأَةِ فَصَوْمُ الرَّجُلِ أَوْلَى.
وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ، فَقَالَ الْقَاضِي: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْوَطْءِ لَا يُمْكِنُ، لِأَنَّهُ لَا يَطَأُ حَتَّى يَنْتَشِرَ، وَلَا يَنْتَشِرُ إلَّا عَنْ شَهْوَةٍ، فَكَانَ كَغَيْرِ الْمُكْرَهِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فِيهِ.
رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إمَّا أَنْ تَكُونَ عُقُوبَةً، أَوْ مَاحِيَةً لِلذَّنْبِ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهَا مَعَ الْإِكْرَاهِ، لِعَدَمِ الْإِثْمِ فِيهِ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وَلِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِيهِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى مَا وَرَدَ الشَّرْعُ فِيهِ، لَاخْتِلَافِهِمَا فِي وُجُودِ الْعُذْرِ وَعَدَمِهِ.
فَأَمَّا إنْ كَانَ نَائِمًا، مِثْلُ أَنْ كَانَ عُضْوُهُ مُنْتَشِرًا فِي حَالِ نَوْمِهِ، فَاسْتَدْخَلَتْهُ امْرَأَتُهُ.
فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ إلْجَاءً، مِثْلُ أَنْ غَلَبَتْهُ فِي حَالِ يَقَظَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى حَرَّمَهُ الصَّوْمُ حَصَلَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، فَلَمْ يُفْطِرْ بِهِ، كَمَا لَوْ أَطَارَتْ الرِّيحُ إلَى حَلْقِهِ ذُبَابَةً.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْمَرْأَةِ إذَا غَصَبَهَا رَجُلٌ نَفْسَهَا فَجَامَعَهَا: عَلَيْهَا الْقَضَاءُ.
فَالرَّجُلُ أَوْلَى.
وَلِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ يُفْسِدُهَا الْجِمَاعُ، فَاسْتَوَى فِي ذَلِكَ حَالَةُ الِاخْتِيَارِ وَالْإِكْرَاهِ، كَالْحَجِّ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الْجِمَاعِ عَلَى غَيْرِهِ فِي عَدَمِ الْإِفْسَادِ لِتَأَكُّدِهِ بِإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ، وَإِفْسَادِهِ لِلْحَجِّ مِنْ بَيْنَ سَائِرِ مَحْظُورَاتِهِ، وَإِيجَابِ الْحَدَّ بِهِ إذَا كَانَ زِنًا.

[فَصْلُ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْفِطْرِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ]

(2059) فَصْلٌ: وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْفِطْرِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ:

تَجِبُ عَلَى مَنْ وَطِئَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي أَدَائِهَا، فَوَجَبَتْ فِي قَضَائِهَا، كَالْحَجِّ.
وَلَنَا أَنَّهُ جَامَعَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ، كَمَا لَوْ جَامَعَ فِي صِيَامِ الْكَفَّارَةِ، وَيُفَارِقُ الْقَضَاءُ الْأَدَاءَ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ بِزَمَانٍ مُحْتَرَمٍ، فَالْجِمَاعُ فِيهِ هَتْكٌ لَهُ، بِخِلَافِ الْقَضَاءِ.

[فَصْلٌ جَامَعَ الصَّائِم فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ثُمَّ مَرِضَ أَوْ جُنَّ أَوْ كَانَتْ امْرَأَةً فَحَاضَتْ أَوْ نَفِسَتْ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ]

(2060) فَصْلٌ: وَإِذَا جَامَعَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، ثُمَّ مَرِضَ أَوْ جُنَّ، أَوْ كَانَتْ امْرَأَةً فَحَاضَتْ أَوْ نُفِسَتْ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، لَمْ تَسْقُطْ الْكَفَّارَةُ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمْ.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ صَوْمَ هَذَا الْيَوْمِ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مُسْتَحَقًّا، فَلَمْ يَجِبْ بِالْوَطْءِ فِيهِ كَفَّارَةٌ، كَصَوْمِ الْمُسَافِرِ، أَوْ كَمَا لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ مِنْ شَوَّالٍ.
وَلَنَا: أَنَّهُ مَعْنًى طَرَأَ بَعْدَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، فَلَمْ يُسْقِطْهَا، كَالسَّفَرِ، وَلِأَنَّهُ أَفْسَدَ صَوْمًا وَاجِبًا فِي رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ تَامٍّ، فَاسْتَقَرَّتْ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَطْرَأْ عُذْرٌ، وَالْوَطْءُ فِي صَوْمِ الْمُسَافِرِ مَمْنُوعٌ، وَإِنْ سَلِمَ فَالْوَطْءُ ثَمَّ لَمْ يُوجِبْ أَصْلًا، لِأَنَّهُ وَطْءٌ مُبَاحٌ، فِي سَفَرٍ أُبِيحَ الْفِطْرُ فِيهِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، وَكَذَا إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ شَوَّالٍ، فَإِنَّ الْوَطْءَ غَيْرُ مُوجِبٍ، لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ الْوَطْءَ لَمْ يُصَادِفْ رَمَضَانَ، وَالْمُوجِبُ إنَّمَا هُوَ الْوَطْءُ الْمُفْسِدُ لِصَوْمِ رَمَضَانَ.

[فَصْلُ طَلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ مُجَامِعٌ فِي الصَّوْم]

(2061) فَصْلٌ: إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ مُجَامِعٌ، فَاسْتَدَامَ الْجِمَاعَ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ وَطْأَهُ لَمْ يُصَادِفْ صَوْمًا صَحِيحًا، فَلَمْ يُوجِبْ الْكَفَّارَةَ، كَمَا لَوْ تَرَكَ النِّيَّةَ وَجَامَعَ.
وَلَنَا أَنَّهُ تَرَكَ صَوْمَ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ أَثِمَ بِهِ لِحُرْمَةِ الصَّوْمِ، فَوَجَبَتْ بِهِ الْكَفَّارَةُ، كَمَا لَوْ وَطِئَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَعَكْسُهُ إذَا لَمْ يَنْوِ، فَإِنَّهُ يَتْرُكُهُ لِتَرْكِ النِّيَّةِ لَا الْجِمَاعِ، وَلَنَا فِيهِ مَنْعٌ أَيْضًا.
وَأَمَّا إنْ نَزَعَ فِي الْحَالِ مَعَ أَوَّلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ.
وَالْقَاضِي: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ النَّزْعَ جِمَاعٌ يَلْتَذُّ بِهِ، فَتَعَلَّقَ بِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِدَامَةِ، كَالْإِيلَاجِ.
وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ تَرْكٌ لِلْجِمَاعِ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا وَهُوَ فِيهَا، فَخَرَجَ مِنْهَا، كَذَلِكَ هَاهُنَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَبْطُلُ صَوْمُهُ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَكْثَرَ مِمَّا فَعَلَهُ فِي تَرْكِ الْجِمَاعِ، فَأَشْبَهَ الْمُكْرَهَ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَقْرُبُ مِنْ الِاسْتِحَالَةِ، إذْ لَا يَكَادُ يَعْلَمُ أَوَّلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ عَلَى وَجْهٍ يَتَعَقَّبُهُ النَّزْعُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَهُ شَيْءٌ مِنْ الْجِمَاعِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى فَرْضِهَا، وَالْكَلَامِ فِيهَا.

[فَصْلُ جَامَعَ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ]

(2062) فَصْلٌ: وَمَنْ جَامَعَ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ طَلَعَ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَلَوْ عَلِمَ فِي أَثْنَاءِ الْوَطْءِ فَاسْتَدَامَ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَأْثَمْ، فَلَا يَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ، كَوَطْءِ النَّاسِي، وَإِنْ عَلِمَ فَاسْتَدَامَ فَقَدْ حَصَلَ الْوَطْءُ الَّذِي يَأْثَمُ بِهِ فِي غَيْرِ صَوْمٍ.
وَلَنَا حَدِيثُ الْمُجَامِعِ، إذْ أَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّكْفِيرِ، مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ وَلَا تَفْصِيلٍ.
وَلِأَنَّهُ أَفْسَدَ صَوْمَ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ تَامٍّ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، كَمَا لَوْ عَلِمَ، وَوَطْءُ النَّاسِي مَمْنُوعٌ.
ثُمَّ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْفِطْرُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.

[مَسْأَلَةُ كَفَّارَةُ الْجِمَاع فِي نَهَار رَمَضَانَ]

(2063) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْكَفَّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ كَفَّارَةَ الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِي التَّرْتِيبِ، يَلْزَمُهُ الْعِتْقُ إنْ أَمْكَنَهُ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ انْتَقَلَ إلَى الصِّيَامِ، فَإِنْ عَجَزَ انْتَقَلَ إلَى إطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا.
وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ.
وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهَا عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ، وَبِأَيِّهَا كَفَّرَ أَجْزَأَهُ.
وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ؛ لِمَا رَوَى مَالِكٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ، أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، أَوْ إطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَ (أَوْ) حَرْفُ تَخْيِيرٍ.
وَلِأَنَّهَا تَجِبُ بِالْمُخَالَفَةِ، فَكَانَتْ عَلَى التَّخْيِيرِ، كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: الَّذِي نَأْخُذُ بِهِ فِي الَّذِي يُصِيبُ أَهْلَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، أَوْ صِيَامُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَيْسَ التَّحْرِيرُ وَالصِّيَامُ مِنْ كَفَّارَةِ رَمَضَانَ فِي شَيْءٍ.
وَهَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِمُخَالَفَتِهِ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، وَلَا شَيْءَ يَسْتَنِدُ إلَيْهِ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ.
وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ، رَوَاهُ مَعْمَرٌ، وَيُونُسُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَتِيقٍ، وَغَيْرُهُمْ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ لِلْوَاقِعِ عَلَى أَهْلِهِ: هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ:» لَا.
وَذَكَرَ سَائِرَ الْحَدِيثِ، وَهَذَا

لَفْظُ التَّرْتِيبِ، وَالْأَخْذُ بِهَذَا أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ الزُّهْرِيِّ اتَّفَقُوا عَلَى رِوَايَتِهِ هَكَذَا، سِوَى مَالِكٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ، فِيمَا عَلِمْنَا، وَاحْتِمَالُ الْغَلَطِ فِيهِمَا أَكْثَرُ مِنْ احْتِمَالِهِ فِي سَائِرِ أَصْحَابِهِ.
وَلِأَنَّ التَّرْتِيبَ زِيَادَةٌ، وَالْأَخْذُ بِالزِّيَادَةِ مُتَعَيِّنٌ.
وَلِأَنَّ حَدِيثَنَا لَفْظُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَدِيثَهُمْ لَفْظُ الرَّاوِي، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ رَوَاهُ ب (أَوْ) لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ مَعْنَى اللَّفْظَيْنِ سَوَاءٌ، وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ فِيهَا صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَكَانَتْ عَلَى التَّرْتِيبِ، كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ.

[فَصْلُ دُخُول الصِّيَامِ فِي كَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ]

(2064) فَصْلٌ: فَإِذَا عَدِمَ الرَّقَبَةَ، انْتَقَلَ إلَى صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي دُخُولِ الصِّيَامِ فِي كَفَّارَةِ الْوَطْءِ، إلَّا شُذُوذًا لَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ، لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ.
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ مَنْ أَوْجَبَهُ أَنَّهُ شَهْرَانِ مُتَتَابِعَانِ، لِلْخَبَرِ أَيْضًا.
فَإِنْ لَمْ يَشْرَعْ فِي الصِّيَامِ حَتَّى وَجَدَ الرَّقَبَةَ لَزِمَهُ الْعِتْقُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَ الْمُوَاقِعَ عَمَّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، حِينَ أَخْبَرَهُ بِالْعِتْقِ، وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَمَّا كَانَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ حَالَةَ الْمُوَاقَعَةِ، وَهِيَ حَالَةُ الْوُجُوبِ، وَلِأَنَّهُ وَجَدَ الْمُبْدَلَ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالْبَدَلِ، فَلَزِمَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ وَاجِدًا لَهُ حَالَ الْوُجُوبِ.
وَإِنْ شَرَعَ فِي الصَّوْمِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِعْتَاقِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْعِتْقَ فَيُجْزِئَهُ، وَيَكُونُ قَدْ فَعَلَ الْأَوْلَى.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ أَدَاءِ فَرْضِهِ بِالْبَدَلِ، فَبَطَلَ حُكْمُ الْمُبْدَلِ، كَالْمُتَيَمِّمِ يَرَى الْمَاءَ.
وَلَنَا أَنَّهُ شَرَعَ فِي الْكَفَّارَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ، فَأَجْزَأَتْهُ، كَمَا لَوْ اسْتَمَرَّ الْعَجْزُ إلَى فَرَاغِهَا، وَفَارَقَ الْعِتْقُ التَّيَمُّمَ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ، وَإِنَّمَا يَسْتُرُهُ، فَإِذَا وُجِدَ الْمَاءُ ظَهَرَ حُكْمُهُ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ، فَإِنَّهُ يَرْفَعُ حُكْمَ الْجِمَاعِ بِالْكُلِّيَّةِ.
الثَّانِي، أَنَّ الصِّيَامَ تَطُولُ مُدَّتُهُ، فَيَشُقُّ إلْزَامُهُ الْجَمْعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِتْقِ، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ.

[مَسْأَلَةُ دُخُولِ الْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي رَمَضَان]

(2065) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، لِكُلِّ مِسْكِينٍ مَدٌّ مِنْ بُرٍّ، أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي دُخُولِ الْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْخَبَرِ، وَالْوَاجِبُ فِيهِ إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ، وَهُوَ فِي الْخَبَرِ أَيْضًا، وَلِأَنَّهُ إطْعَامٌ فِي كَفَّارَةٍ فِيهَا صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَكَانَ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ مَا يُطْعَمُ كُلُّ مِسْكِينٍ، فَذَهَبَ أَحْمَدُ إلَى أَنَّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّ بُرٍّ، وَذَلِكَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرٍ، فَيَكُونُ الْجَمِيعُ ثَلَاثِينَ صَاعًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ

مِنْ الْبُرِّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ، وَمِنْ غَيْرِهِ صَاعٌ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ: «فَأَطْعِمْ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يُطْعِمُ مَدًّا مِنْ أَيِّ الْأَنْوَاعِ شَاءَ.
وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، فِي حَدِيثِ الْمُجَامِعِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِمِكْتَلٍ مِنْ تَمْرٍ، قَدْرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، فَقَالَ: «خُذْ هَذَا، فَأُطْعِمْهُ عَنْك» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلَنَا مَا رَوَى أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْمَدَنِيِّ قَالَ: «جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ بِنِصْفِ وَسْقٍ شَعِيرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُظَاهِرِ: أَطْعِمْ هَذَا، فَإِنَّ مُدَّيْ شَعِيرٍ مَكَانَ مُدِّ بُرٍّ» . وَلِأَنَّ فِدْيَةَ الْأَذَى نِصْفُ صَاعٍ مِنْ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ، بِلَا خِلَافٍ، فَكَذَا هَذَا.
وَالْمُدُّ مِنْ الْبُرِّ يَقُومُ مَقَامَ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ، بِدَلِيلِ حَدِيثِنَا، وَلِأَنَّ الْإِجْزَاءَ بِمُدٍّ مِنْهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدٍ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي الصَّحَابَةِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ، فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَحَدِيثُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي أُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاصِرًا عَنْ الْوَاجِبِ، فَاجْتُزِئَ بِهِ لِعَجْزِ الْمُكَفِّرِ عَمَّا سِوَاهُ.

[فَصْلُ أَخْرَجَ مِنْ الدَّقِيقِ أَوْ السَّوِيقِ كَفَّارَة الْإِفْطَارِ فِي رَمَضَانَ]

(2066) فَصْلٌ: فَإِنْ أَخْرَجَ مِنْ الدَّقِيقِ أَوْ السَّوِيقِ أَجْزَأَ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ غَدَّى الْمَسَاكِينَ أَوْ عَشَّاهُمْ، لَمْ يُجْزِئْهُ، فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُ قَدَّرَ مَا يُجْزِئُ فِي الدَّفْعِ بِمُدٍّ أَوْ نِصْفِ صَاعٍ، وَإِذَا أَطْعَمَهُمْ لَا يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ اسْتَوْفَى الْوَاجِبَ لَهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَّنَ قَدْرَ مَا يُطْعَمُهُ كُلُّ مِسْكِينٍ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَهِيَ مُقَيِّدَةٌ لِمُطْلَقِ الْإِطْعَامِ الْمَذْكُورِ، وَالْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَلَا يُعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مِسْكِينٍ اسْتَوْفَى مَا يَجِبُ لَهُ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ تَمْلِيكُ الْمِسْكِينِ طَعَامَهُ، وَالْإِطْعَامُ إبَاحَةٌ، وَلَيْسَ بِتَمْلِيكٍ.
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ؛ إنْ أَفْرَدَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ قَدْرَ الْوَاجِبِ لَهُ، فَأَطْعَمَهُ إيَّاهُ، نَظَرْت؛ فَإِنْ قَالَ: هَذَا لَك تَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ شِئْتَ.
أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَّكَهُ إيَّاهُ.
وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لَهُ شَيْئًا، احْتَمَلَ أَنْ يُجْزِئَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَطْعَمَهُ مَا يَجِبُ لَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَلَّكَهُ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمَلَّكْهُ إيَّاهُ.

وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، يُجْزِئُهُ أَنْ يَجْمَعَ سِتِّينَ مِسْكِينًا فَيُطْعِمَهُمْ.
قَالَ أَبُو دَاوُد: سَمِعْت أَحْمَدَ يُسْأَلُ عَنْ امْرَأَةٍ أَفْطَرَتْ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَدْرَكَهَا رَمَضَانُ آخَرُ، ثُمَّ مَاتَتْ.
قَالَ: كَمْ أَفْطَرَتْ؟ قَالَ: ثَلَاثِينَ يَوْمًا.
قَالَ: فَاجْمَعْ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا، وَأُطْعِمْهُمْ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَأُشْبِعْهُمْ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْمُجَامِعِ: (أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا) . وَهَذَا قَدْ أَطْعَمَهُمْ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 4] . وَقَالَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89] . وَهَذَا قَدْ أَطْعَمَهُمْ.
وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ، أَنَّهُ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ، فَجَمَعَ الْمَسَاكِينَ، وَوَضَعَ جِفَانًا فَأَطْعَمَهُمْ.
وَلِأَنَّهُ أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا فَأَجْزَأْهُ، كَمَا لَوْ مَلَّكَهُ إيَّاهُ.
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، إنْ أَطْعَمَهُمْ قَدْرَ الْوَاجِبِ لَهُمْ أَجْزَأْهُ، وَإِنْ أَطْعَمَهُمْ دُونَ ذَلِكَ فَأَشْبَعَهُمْ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَطْعَمَهُمْ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُطْعِمْهُمْ مَا وَجَبَ لَهُمْ.

[فَصْلُ يُجْزِئُ فِي كَفَّارَةِ الْفِطْرِ فِي رَمَضَان مَا يُجْزِئُ فِي الْفِطْرَةِ]

(2067) فَصْلٌ: وَيُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ مَا يُجْزِئُ فِي الْفِطْرَةِ، مِنْ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَدَقِيقِهِمَا، وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَفِي الْأَقِطِ وَجْهَانِ، وَفِي الْخُبْزِ رِوَايَتَانِ، وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي السَّوِيقِ فَإِنْ كَانَ قُوتُهُ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْحُبُوبِ، كَالدُّخْنِ، وَالذُّرَةِ، وَالْأُرْزِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يُجْزِئُ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِي الْفِطْرَةِ.
وَالثَّانِي، يُجْزِئُ.
اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89] ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالْإِطْعَامِ مُطْلَقًا، وَلَمْ يَرِدْ تَقْيِيدُهُ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَجْنَاسِ، فَوَجَبَ إبْقَاؤُهُ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَلِأَنَّهُ أَطْعَمَ الْمِسْكِينَ مِنْ طَعَامِهِ، فَأَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ طَعَامُهُ بُرًّا فَأَطْعَمَهُ مِنْهُ، وَهَذَا أَظْهَرُ.

[فَصْلُ عَجَزَ عَنْ الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ]

(2068) فَصْلٌ: وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ، سَقَطَتْ الْكَفَّارَةُ عَنْهُ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْأَعْرَابِيَّ لَمَّا دَفَعَ إلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّمْرَ، وَأَخْبَرَهُ بِحَاجَتِهِ إلَيْهِ، قَالَ: (أَطْعِمْهُ أَهْلَك) . وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِكَفَّارَةٍ

أُخْرَى.
وَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا بُدَّ مِنْ التَّكْفِيرِ، وَهَذَا خَاصٌّ لِذَلِكَ الْأَعْرَابِيِّ، لَا يَتَعَدَّاهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَخْبَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِعْسَارِهِ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الْعَرَقَ، وَلَمْ يُسْقِطْهَا عَنْهُ، وَلِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ وَاجِبَةٌ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِالْعَجْزِ عَنْهَا، كَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ.
وَهَذَا رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَلَنَا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ، وَدَعْوَى التَّخْصِيصِ لَا تُسْمَعُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ أَخْبَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَجْزِهِ فَلَمْ يُسْقِطْهَا.
قُلْنَا: قَدْ أَسْقَطَهَا عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ؛ لِأَنَّهُ اطِّرَاحٌ لِلنَّصِّ بِالْقِيَاسِ، وَالنَّصُّ أَوْلَى، وَالِاعْتِبَارُ بِالْعَجْزِ فِي حَالَةِ الْوُجُوبِ، وَهِيَ حَالَةُ الْوَطْءِ.

[مَسْأَلَةُ جَامَعَ فِي رَمَضَان فَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى جَامَعَ ثَانِيَةً]

(2069) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ جَامَعَ، فَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى جَامَعَ ثَانِيَةً، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا جَامَعَ ثَانِيًا قَبْلَ التَّكْفِيرِ عَنْ الْأَوَّلِ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، أَوْ فِي يَوْمَيْنِ، فَإِنْ كَانَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةُ تُجْزِئُهُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَإِنْ كَانَ فِي يَوْمَيْنِ مِنْ رَمَضَانَ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، تُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَمَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْي؛ لِأَنَّهَا جَزَاءٌ عَنْ جِنَايَةٍ تَكَرَّرَ سَبَبُهَا قَبْلَ اسْتِيفَائِهَا، فَيَجِبُ أَنْ تَتَدَاخَلَ كَالْحَدِّ.
وَالثَّانِي: لَا تُجْزِئُ وَاحِدَةٌ، وَيَلْزَمُهُ كَفَّارَتَانِ.
اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ، وَمَكْحُولٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُنْفَرِدَةٌ، فَإِذَا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِهِ لَمْ تَتَدَاخَلْ، كَرَمَضَانَيْنِ، وَكَالْحَجَّتَيْنِ.

[مَسْأَلَةُ جَامَعَ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ كَفَّرَ ثُمَّ جَامَعَ ثَانِيَةً]

(2070) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ ثَانِيَةً، فَكَفَّارَةُ ثَانِيَةٌ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ ثَانِيَةً، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، أَوْ فِي يَوْمَيْنِ، فَإِنْ كَانَ فِي يَوْمَيْنِ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ.
فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي كُلِّ مَنْ لَزِمَهُ الْإِمْسَاكُ وَحَرُمَ عَلَيْهِ الْجِمَاعُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَائِمًا، مِثْلُ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ إلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، أَوْ نَسِيَ النِّيَّةَ، أَوْ أَكَلَ عَامِدًا، ثُمَّ جَامَعَ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا شَيْء عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْجِمَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ الصَّوْمَ، وَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّتَهُ، فَلَمْ يُوجِبْ شَيْئًا، كَالْجِمَاعِ فِي اللَّيْلِ.
وَلَنَا أَنَّ الصَّوْمَ فِي رَمَضَانَ عِبَادَةٌ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْجِمَاعِ فِيهَا، فَتَكَرَّرَتْ بِتَكَرُّرِ الْوَطْءِ إذَا كَانَ

بَعْدَ التَّكْفِيرِ، كَالْحَجِّ، وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ لِحُرْمَةِ رَمَضَانَ، فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ كَالْأَوَّلِ، وَفَارَقَ الْوَطْءَ فِي اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ.
فَإِنْ قِيلَ: الْوَطْءُ الْأَوَّلُ تَضَمَّنَ هَتْكَ الصَّوْمِ، وَهُوَ مُؤَثِّرٌ فِي الْإِيجَابِ، فَلَا يَصِحُّ إلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ.
قُلْنَا: هُوَ مُلْغًى بِمَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَهُوَ مُجَامِعٌ فَاسْتَدَامَ، فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَهْتِكْ الصَّوْمَ.

[فَصْلُ أَصْبَحَ مُفْطِرًا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِالرُّؤْيَةِ]

(2071) فَصْلٌ: إذَا أَصْبَحَ مُفْطِرًا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ، فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِالرُّؤْيَةِ، لَزِمَهُ الْإِمْسَاكُ وَالْقَضَاءُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: يَأْكُلُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ غَيْرَ عَطَاءٍ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ ذَلِكَ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا ذَكَرَهَا غَيْرَهُ، وَأَظُنُّ هَذَا غَلَطًا؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ قَدْ نَصَّ عَلَى إيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ وَطِئَ ثُمَّ كَفَّرَ ثُمَّ عَادَ فَوَطِئَ فِي يَوْمِهِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْيَوْمِ لَمْ تَذْهَبْ، فَإِذَا أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَى غَيْرِ الصَّائِمِ لِحُرْمَةِ الْيَوْمِ، فَكَيْفَ يُبِيحُ الْأَكْلَ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذَا عَلَى الْمُسَافِرِ إذَا قَدِمَ وَهُوَ مُفْطِرٌ وَأَشْبَاهِهِ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ كَانَ لَهُ الْفِطْرُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَهَذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ الْفِطْرُ فِي الْبَاطِنِ مُبَاحًا، فَأَشْبَهَ مَنْ أَكَلَ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ وَقَدْ كَانَ طَلَعَ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَإِنْ جَامَعَ فِيهِ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، كَاَلَّذِي أَصْبَحَ لَا يَنْوِي الصِّيَامَ، أَوْ أَكَلَ ثُمَّ جَامَعَ.
وَإِنْ كَانَ جِمَاعُهُ قَبْلَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ جَامَعَ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ وَقَدْ كَانَ طَلَعَ، عَلَى مَا مَضَى فِيهِ.

[فَصْلُ كُلُّ مِنْ أَفْطَرَ وَالصَّوْمُ لَازِمٌ لَهُ]

(2072) فَصْلٌ: وَكُلُّ مَنْ أَفْطَرَ وَالصَّوْمُ لَازِمٌ لَهُ، كَالْمُفْطِرِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَالْمُفْطِرِ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ وَقَدْ كَانَ طَلَعَ، أَوْ يَظُنُّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَابَتْ وَلَمْ تَغِبْ، أَوْ النَّاسِي لِنِيَّةِ الصَّوْمِ، وَنَحْوِهِمْ، يَلْزَمُهُمْ الْإِمْسَاكُ.
لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ اخْتِلَافًا.
إلَّا أَنَّهُ يُخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ عَطَاءٍ فِي الْمَعْذُورِ فِي الْفِطْرِ، إبَاحَةُ فِطْرِ بَقِيَّةِ يَوْمِهِ، قِيَاسًا عَلَى قَوْلِهِ فِيمَا إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِالرُّؤْيَةِ.
وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ، لَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ.

[فَصْلُ مَنْ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا]

(2073) فَصْلٌ: فَأَمَّا مَنْ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْمُسَافِرِ، وَالصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ، وَالْكَافِرِ، وَالْمَرِيضِ، إذَا زَالَتْ أَعْذَارُهُمْ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، فَطَهُرَتْ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ، وَأَقَامَ الْمُسَافِرُ، وَبَلَغَ الصَّبِيُّ، وَأَفَاقَ الْمَجْنُونُ، وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ، وَصَحَّ الْمَرِيضُ الْمُفْطِرُ، فَفِيهِمْ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يَلْزَمُهُمْ الْإِمْسَاكُ فِي بَقِيَّةِ الْيَوْمِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ،

وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَالْعَنْبَرِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى لَوْ وُجِدَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْجَبَ الصِّيَامَ، فَإِذَا طَرَأَ بَعْدَ الْفَجْرِ أَوْجَبَ الْإِمْسَاكَ، كَقِيَامِ الْبَيِّنَةِ بِالرُّؤْيَةِ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يَلْزَمُهُمْ الْإِمْسَاكُ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَكَلَ أَوَّلَ النَّهَارِ فَلْيَأْكُلْ آخِرَهُ.
وَلِأَنَّهُ أُبِيحَ لَهُ فِطْرُ أَوَّلِ النَّهَارِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فَإِذَا أَفْطَرَ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَدِيمَهُ إلَى آخِرِ النَّهَارِ، كَمَا لَوْ دَامَ الْعُذْرُ.
فَإِذَا جَامَعَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ، بَعْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ، انْبَنَى عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي وُجُوبِ الْإِمْسَاكِ؛ فَإِنْ قُلْنَا: يَلْزَمُهُ الْإِمْسَاكُ.
فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِالرُّؤْيَةِ فِي حَقِّهِ إذَا جَامَعَ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَلْزَمُهُ الْإِمْسَاكُ.
فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مِنْ أَحَدِ هَؤُلَاءِ، وَالْآخَرُ لَا عُذْرَ لَهُ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ حُكْمُ نَفْسِهِ، عَلَى مَا مَضَى.
وَإِنْ كَانَا جَمِيعًا مَعْذُورَيْنِ فَحُكْمُهُمَا مَا ذَكَرْنَاهُ، سَوَاءٌ اتَّفَقَ عُذْرُهُمَا، مِثْلُ أَنْ يَقْدَمَا مِنْ سَفَرٍ، أَوْ يَصِحَّا مِنْ مَرَضٍ، أَوْ اخْتَلَفَ، مِثْلُ أَنْ يَقْدَمَ الزَّوْجُ مِنْ سَفَرٍ، وَتَطْهُرَ الْمَرْأَةُ مِنْ الْحَيْضِ، فَيُصِيبَهَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ قَدْ طَهُرَتْ مِنْ حَيْضٍ، فَأَصَابَهَا.
فَأَمَّا إنَّ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ أَوْ مَرَضِهِ أَوْ صِغَرِهِ، ثُمَّ زَالَ عُذْرُهُ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إنْ وَطِئَ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، فِي الْمُسَافِرِ خَاصَّةً: وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَهُ الْفِطْرُ لِأَنَّهُ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فَكَانَتْ لَهُ اسْتِدَامَتُهُ، كَمَا لَوْ قَدِمَ مُفْطِرًا.
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ فَإِنَّ سَبَبَ الرُّخْصَةِ زَالَ قَبْلَ التَّرَخُّصِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ قَدِمَتْ بِهِ السَّفِينَةُ قَبْلَ قَصْرِ الصَّلَاةِ، وَكَالْمَرِيضِ يَبْرَأُ، وَالصَّبِيِّ يَبْلُغُ.
وَهَذَا يَنْقُضُ مَا ذَكَرُوهُ.
وَلَوْ عَلِمَ الصَّبِيُّ أَنَّهُ يَبْلُغُ فِي أَثْنَاء النَّهَارِ بِالسِّنِّ، أَوْ عَلِمَ الْمُسَافِرُ أَنَّهُ يَقْدَمُ، لَمْ يَلْزَمْهُمَا الصِّيَامُ قَبْلَ زَوَالِ عُذْرِهِمَا؛ لِأَنَّ سَبَبَ الرُّخْصَةِ مَوْجُودٌ، فَيَثْبُتُ حُكْمُهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمَا ذَلِكَ.

[فَصْلُ يَلْزَمُ الْمُسَافِرَ وَالْحَائِضَ وَالْمَرِيضَ الْقَضَاءُ إذَا أَفْطَرُوا]

(2074) فَصْلٌ: وَيَلْزَمُ الْمُسَافِرَ وَالْحَائِضَ وَالْمَرِيضَ الْقَضَاءُ، إذَا أَفْطَرُوا، بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] . وَالتَّقْدِيرُ: فَأَفْطَرَ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: كُنَّا نَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ.
وَإِنْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ، أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ، أَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ، فِي أَثْنَاء النَّهَارِ، وَالصَّبِيُّ مُفْطِرٌ، فَفِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُدْرِكُوا وَقْتًا يُمْكِنُهُمْ التَّلَبُّسُ بِالْعِبَادَةِ فِيهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ زَالَ عُذْرُهُمْ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ.

وَالثَّانِيَةُ: يَلْزَمُهُمْ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهُمْ أَدْرَكُوا بَعْضَ وَقْتِ الْعِبَادَةِ، فَلَزِمَهُمْ الْقَضَاءُ، كَمَا لَوْ أَدْرَكُوا بَعْضَ وَقْتِ الصَّلَاةِ.

[مَسْأَلَةُ أَكَلَ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ وَقَدْ كَانَ طَلَعَ]

مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ أَكَلَ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ، وَقَدْ كَانَ طَلَعَ، أَوْ أَفْطَرَ يَظُنُّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَابَتْ، وَلَمْ تَغِبْ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ.
وَحُكِيَ عَنْ عُرْوَةَ، وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ، وَإِسْحَاقَ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِمْ؛ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: كُنْت جَالِسًا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ، فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأُتِينَا بِعِسَاسٍ فِيهَا شَرَابٌ مِنْ بَيْتِ حَفْصَةَ، فَشَرِبْنَا، وَنَحْنُ نَرَى أَنَّهُ مِنْ اللَّيْلِ، ثُمَّ انْكَشَفَ السَّحَابُ، فَإِذَا الشَّمْسُ طَالِعَةٌ.
قَالَ: فَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ: نَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ.
فَقَالَ عُمَرُ: وَاَللَّهِ لَا نَقْضِيه، مَا تَجَانَفْنَا لَإِثْمٍ.
وَلِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْأَكْلَ فِي الصَّوْمِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ، كَالنَّاسِي.
وَلَنَا أَنَّهُ أَكَلَ مُخْتَارًا، ذَاكِرًا لِلصَّوْمِ، فَأَفْطَرَ، كَمَا لَوْ أَكَلَ يَوْمَ الشَّكَّ، وَلِأَنَّهُ جَهْلٌ بِوَقْتِ الصِّيَامِ، فَلَمْ يُعْذَرْ بِهِ، كَالْجَهْلِ بِأَوَّلِ رَمَضَانَ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ أَكْلَ الْعَامِدِ، وَفَارَقَ النَّاسِيَ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ.
وَأَمَّا الْخَبَرُ، فَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ: مَنْ أَكَلَ فَلْيَقْضِ يَوْمًا مَكَانَهُ.
وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي (الْمُوَطَّأِ) ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ: الْخَطْبُ يَسِيرٌ.
يَعْنِي خِفَّةَ الْقَضَاءِ.
وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ.
عَنْ فَاطِمَةَ امْرَأَتِهِ، عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: «أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَوْمٍ غَيْمٍ، ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ.
قِيلَ لِهِشَامٍ: أُمِرُوا بِالْقَضَاءِ؟ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ قَضَاءٍ؟» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

[فَصْلُ أَكَلَ الصَّائِم شَاكًّا فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ]

(2076) فَصْلٌ: وَإِنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ الْأَمْرَ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَلَهُ الْأَكْلُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ طُلُوعَ الْفَجْرِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْي.
وَرُوِيَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَابْنِ عُمَرَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَقَالَ مَالِكٌ؛ يَجِبُ الْقَضَاءُ؛

لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الصَّوْمِ فِي ذِمَّتِهِ، فَلَا يَسْقُطُ بِالشَّكِّ، وَلِأَنَّهُ أَكَلَ شَاكًّا فِي النَّهَارِ وَاللَّيْلِ، فَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ، كَمَا لَوْ أَكَلَ شَاكًّا فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187] . مَدَّ الْأَكْلَ إلَى غَايَةِ التَّبَيُّنِ، وَقَدْ يَكُونُ شَاكًّا قَبْلَ التَّبَيُّنِ، فَلَوْ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ لَحَرُمَ عَلَيْهِ الْأَكْلُ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَكُلُوا، وَاشْرَبُوا، حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى، لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْت أَصْبَحْت.
وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ، فَيَكُونُ زَمَانُ الشَّكِّ مِنْهُ مَا لَمْ يُعْلَمْ يَقِينُ زَوَالِهِ، بِخِلَافِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النَّهَارِ، فَبَنَى عَلَيْهِ.

[فَصْلُ أَكَلَ الصَّائِم شَاكًّا فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ]

(2077) فَصْلٌ: وَإِنْ أَكَلَ شَاكًّا فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النَّهَارِ.
وَإِنْ كَانَ حِينَ الْأَكْلِ ظَانًّا أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ، أَوْ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ، ثُمَّ شَكَّ بَعْدَ الْأَكْلِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ يَقِينٌ أَزَالَ ذَلِكَ الظَّنَّ الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ، ثُمَّ شَكَّ فِي الْإِصَابَةِ بَعْدَ صَلَاتِهِ.

[مَسْأَلَةُ الْجُنُبَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الْغُسْلَ حَتَّى يُصْبِحَ ثُمَّ يَغْتَسِلَ وَيُتِمَّ صَوْمَهُ]

مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمُبَاحٌ لِمَنْ جَامَعَ بِاللَّيْلِ أَنْ لَا يَغْتَسِلَ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ، وَهُوَ عَلَى صَوْمِهِ) وَجُمْلَتُهُ، أَنَّ الْجُنُبَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الْغُسْلَ حَتَّى يُصْبِحَ، ثُمَّ يَغْتَسِلَ، وَيُتِمَّ صَوْمَهُ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ عَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَزَيْدٌ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةُ، وَأُمُّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، فِي أَهْلِ الْحِجَازِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي أَهْلِ الشَّامِ، وَاللَّيْثُ، فِي أَهْلِ مِصْرَ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ، فِي أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَدَاوُد، فِي أَهْلِ الظَّاهِرِ.
وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: لَا صَوْمَ لَهُ.
وَيَرْوِي ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: رَجَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ فُتْيَاهُ.
وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَا: يُتِمُّ صَوْمَهُ وَيَقْضِي.
وَعَنْ النَّخَعِيِّ فِي رِوَايَةٍ: يَقْضِي فِي الْفَرْضِ دُونَ التَّطَوُّعَ.
وَعَنْ عُرْوَةَ، وَطَاوُسٍ: إنْ عَلِمَ بِجَنَابَتِهِ فِي رَمَضَانَ، فَلَمْ يَغْتَسِلْ حَتَّى أَصْبَحَ، فَهُوَ مُفْطِرٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَهُوَ صَائِمٌ.
وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، الَّذِي رَجَعَ عَنْهُ.
وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: «ذَهَبْت أَنَا وَأَبِي حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنْ كَانَ لَيُصْبِحُ جُنُبًا، مِنْ جِمَاعٍ، مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ، ثُمَّ يَصُومُهُ» . ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَأَخْبَرْنَاهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: هُمَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ، إنَّمَا حَدَّثَنِيهِ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِي خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَى الصَّائِمِ بَعْدَ النَّوْمِ، فَلَمَّا أَبَاحَ اللَّهُ الْجِمَاعَ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، جَازَ لِلْجُنُبِ إذَا أَصْبَحَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ أَنْ يَصُومَ.
وَرَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنِّي أُصْبِحُ جُنُبًا، وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَأَنَا أُصْبِحُ جُنُبًا، وَأَنَا أُرِيدُ الصِّيَامَ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّك لَسْتَ مِثْلَنَا قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ.
فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ: إنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي» . رَوَاهُ مَالِكٌ، فِي (مُوَطَّئِهِ) وَمُسْلِمٌ فِي (صَحِيحِهِ) .

[مَسْأَلَةُ الْمَرْأَةُ إذَا انْقَطَعَ حَيْضُهَا مِنْ اللَّيْلِ فَهِيَ صَائِمَةٌ إذَا نَوَتْ الصَّوْمَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ]

(2079) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ إذَا انْقَطَعَ حَيْضُهَا مِنْ اللَّيْلِ، فَهِيَ صَائِمَةٌ إذَا نَوَتْ الصَّوْمَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَتَغْتَسِلُ إذَا أَصْبَحَتْ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمَرْأَةِ إذَا انْقَطَعَ حَيْضُهَا مِنْ اللَّيْلِ، كَالْحُكْمِ فِي الْجُنُبِ سَوَاءٌ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَنْقَطِعَ حَيْضُهَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّهُ إنَّ وُجِدَ جُزْءٌ مِنْهُ فِي النَّهَارِ أَفْسَدَ الصَّوْمَ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَنْوِيَ الصَّوْمَ أَيْضًا مِنْ اللَّيْلِ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ.
قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ، وَالْعَنْبَرِيُّ: تَقْضِي، فَرَّطَتْ فِي الِاغْتِسَالِ أَوْ لَمْ تُفَرِّطْ؛ لِأَنَّ حَدَثَ الْحَيْضِ يَمْنَعُ الصَّوْمَ، بِخِلَافِ الْجَنَابَةِ.
وَلَنَا أَنَّهُ حَدَثٌ يُوجِبُ الْغُسْلَ، فَتَأْخِيرُ الْغُسْلِ مِنْهُ إلَى أَنْ يُصْبِحَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ، كَالْجَنَابَةِ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ، فَإِنَّ مَنْ طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ لَيْسَتْ حَائِضًا، وَإِنَّمَا عَلَيْهَا حَدَثٌ مُوجِبٌ لِلْغُسْلِ، فَهِيَ كَالْجُنُبِ، فَإِنَّ الْجِمَاعَ الْمُوجِبَ لِلْغُسْلِ لَوْ وُجِدَ فِي الصَّوْمِ أَفْسَدَهُ، كَالْحَيْضِ، وَبَقَاءُ وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْهُ كَبَقَاءِ وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضِ.
وَقَدْ اسْتَدَلَّ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187] . فَلَمَّا أَبَاحَ الْمُبَاشَرَةَ إلَى تَبَيُّنِ الْفَجْرِ، عُلِمَ أَنَّ الْغُسْلَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَهُ.

[مَسْأَلَةُ الْحَامِلُ إذَا خَافَتْ عَلَى جَنِينِهَا وَالْمُرْضِعُ عَلَى وَلَدِهَا مِنْ الصَّوْم]

(2080) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْحَامِلُ إذَا خَافَتْ عَلَى جَنِينِهَا، وَالْمُرْضِعُ عَلَى وَلَدِهَا، أَفْطَرَتَا، وَقَضَتَا، وَأَطْعَمَتَا عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَامِلَ وَالْمُرْضِعَ، إذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا، فَلَهُمَا الْفِطْرُ، وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ فَحَسْبُ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ اخْتِلَافًا؛ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضِ الْخَائِفِ عَلَى نَفْسِهِ.
وَإِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا أَفْطَرَتَا، وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ وَإِطْعَامُ مِسْكِينٍ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ.
وَهَذَا يُرْوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ

الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ اللَّيْثُ: الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمُرْضِعِ دُونَ الْحَامِلِ.
وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ، لِأَنَّ الْمُرْضِعَ يُمْكِنُهَا أَنْ تَسْتَرْضِعَ لِوَلَدِهَا، بِخِلَافِ الْحَامِلِ، وَلِأَنَّ الْحَمْلَ مُتَّصِلٌ بِالْحَامِلِ، فَالْخَوْفُ عَلَيْهِ كَالْخَوْفِ عَلَى بَعْضِ أَعْضَائِهَا.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا؛ لِمَا رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كَعْبٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنْ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ - أَوْ - الصِّيَامَ» وَاَللَّهِ لَقَدْ قَالَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا.
رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِكَفَّارَةٍ، وَلِأَنَّهُ فِطْرٌ أُبِيحَ لِعُذْرٍ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ كَفَّارَةٌ، كَالْفِطْرِ لِلْمَرَضِ.
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] . وَهُمَا دَاخِلَتَانِ فِي عُمُومِ الْآيَةِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتْ رُخْصَةً لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ، وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ، وَهُمَا يُطِيقَانِ الصِّيَامَ، أَنْ يُفْطِرَا، وَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَالْحُبْلَى وَالْمُرْضِعُ إذَا خَافَتَا عَلَى أَوْلَادِهِمَا، أَفْطَرَتَا، وَأَطْعَمَتَا.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ.
وَلِأَنَّهُ فِطْرٌ بِسَبَبِ نَفْسٍ عَاجِزَةٍ عَنْ طَرِيقِ الْخِلْقَةِ، فَوَجَبَتْ بِهِ الْكَفَّارَةُ، كَالشَّيْخِ الْهَرِمِ، وَخَبَرُهُمْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْكَفَّارَةِ، فَكَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى الدَّلِيلِ، كَالْقَضَاءِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ، وَالْمَرِيضُ أَخَفُّ حَالًا مِنْ هَاتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُفْطِرُ بِسَبَبِ نَفْسِهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِي إطْعَامِ الْمِسْكِينِ مُدُّ بُرٍّ، أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرٍ.
وَالْخِلَافُ فِيهِ، كَالْخِلَافِ فِي إطْعَامِ الْمَسَاكِينِ فِي كَفَّارَةِ الْجِمَاعِ، إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْقَضَاءَ لَازِمٌ لَهُمَا.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْآيَةَ تَنَاوَلَتْهُمَا، وَلَيْسَ فِيهَا إلَّا الْإِطْعَامُ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ» . وَلَنَا أَنَّهُمَا يُطِيقَانِ الْقَضَاءَ، فَلَزِمَهُمَا، كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ، وَالْآيَةُ أَوْجَبَتْ الْإِطْعَامَ، وَلَمْ تَتَعَرَّضْ لِلْقَضَاءِ، فَأَخَذْنَاهُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ.
وَالْمُرَادُ بِوَضْعِ الصَّوْمِ وَضْعُهُ فِي مُدَّةِ عُذْرِهِمَا، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ» . وَلَا يُشْبِهَانِ الشَّيْخَ الْهَرِمِ،

لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْقَضَاءِ، وَهُمَا يَقْدِرَانِ عَلَيْهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: أَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
يَعْنِي وَلَا أَقُولُ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ فِي مَنْعِ الْقَضَاءِ.

[مَسْأَلَةُ عَجَزَ عَنْ الصَّوْمِ لَكَبَّرَ]

(2081) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا عَجَزَ عَنْ الصَّوْمِ لِكِبَرٍ أَفْطَرَ، وَأَطْعَمَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّيْخَ الْكَبِيرَ، وَالْعَجُوزَ، إذَا كَانَ يُجْهِدُهُمَا الصَّوْمُ، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمَا مَشَقَّةً شَدِيدَةً، فَلَهُمَا أَنْ يُفْطِرَا وَيُطْعِمَا لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا.
وَهَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَطَاوُسٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الصَّوْمَ لِعَجْزِهِ، فَلَمْ تَجِبْ فِدْيَةٌ، كَمَا لَوْ تَرَكَهُ لِمَرَضٍ اتَّصَلَ بِهِ الْمَوْتُ.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَلَنَا الْآيَةُ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِهَا: نَزَلَتْ رُخْصَةً لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ.
وَلِأَنَّ الْأَدَاءَ صَوْمٌ وَاجِبٌ، فَجَازَ أَنْ يَسْقُطَ إلَى الْكَفَّارَةِ كَالْقَضَاءِ.
وَأَمَّا الْمَرِيضُ إذَا مَاتَ، فَلَا يَجِبُ الْإِطْعَامُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَجِبَ عَلَى الْمَيِّتِ ابْتِدَاءً، بِخِلَافِ مَا إذَا أَمْكَنَهُ الصَّوْمُ، فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى مَاتَ، لِأَنَّ وُجُوبَ الْإِطْعَامِ يَسْتَنِدُ إلَى حَالِ الْحَيَاةِ، وَالشَّيْخُ الْهَرِمُ لَهُ ذِمَّةٌ صَحِيحَةٌ، فَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْإِطْعَامِ أَيْضًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] .

[فَصْلُ الْمَرِيضُ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ يُفْطِر وَيُطْعِمُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا]

(2082) فَصْلٌ: وَالْمَرِيضُ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، يُفْطِرُ، وَيُطْعِمُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الشَّيْخِ.
قَالَ أَحْمَدُ، - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي مَنْ بِهِ شَهْوَةُ الْجِمَاعِ غَالِبَةٌ، لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ، وَيَخَافُ أَنْ تَنْشَقَّ أُنْثَيَاهُ: أَطْعِمْ.
أَبَاحَ لَهُ الْفِطْرَ؛ لِأَنَّهُ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ، فَهُوَ كَالْمَرِيضِ، وَمِنْ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الْهَلَاكَ لِعَطَشٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَأَوْجَبَ الْإِطْعَامَ بَدَلًا عَنْ الصِّيَامِ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَا يَرْجُو إمْكَانَ الْقَضَاءِ، فَإِنْ رَجَا ذَلِكَ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَالْوَاجِبُ انْتِظَارُ الْقَضَاءِ وَفِعْلُهُ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] . وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَى الْفِدْيَةِ عِنْدَ الْيَأْسِ مِنْ الْقَضَاءِ، فَإِنْ أَطْعَمَ مَعَ يَأْسِهِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الصِّيَامِ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ قَدْ بَرِئَتْ بِأَدَاءِ الْفِدْيَةِ الَّتِي كَانَتْ هِيَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَعُدْ إلَى الشُّغْلِ بِمَا بَرِئَتْ مِنْهُ، وَلِهَذَا قَالَ الْخِرَقِيِّ: فَمَنْ كَانَ مَرِيضًا لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، أَوْ شَيْخًا لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَقَامَ مِنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَيَعْتَمِرُ، وَقَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ، وَإِنْ عُوفِيَ.
وَاحْتَمَلَ أَنْ يَلْزَمَهُ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ الْإِطْعَامَ بَدَلُ يَأْسٍ، وَقَدْ تَبَيَّنَّا ذَهَابَ الْيَأْسِ، فَأَشْبَهَ مَنْ اعْتَدَّتْ بِالشُّهُورِ عِنْدَ الْيَأْسِ مِنْ الْحَيْضِ، ثُمَّ حَاضَتْ.

[مَسْأَلَةُ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ أَوْ نَفِسَتْ وَهِيَ صَائِمَةٌ]

(2083) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ، أَوْ نَفِسَتْ، أَفْطَرَتْ وَقَضَتْ؛ فَإِنْ صَامَتْ، لَمْ يُجْزِئْهَا)

أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ لَا يَحِلُّ لَهُمَا الصَّوْمُ، وَأَنَّهُمَا يُفْطِرَانِ رَمَضَانَ، وَيَقْضِيَانِ، وَأَنَّهُمَا إذَا صَامَتَا لَمْ يُجْزِئْهُمَا الصَّوْمُ، وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ: «كُنَّا نَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالْأَمْرُ إنَّمَا هُوَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَلَيْسَ إحْدَاكُنَّ إذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ، فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ دَمَ النِّفَاسِ هُوَ دَمُ الْحَيْضِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُهُ.
وَمَتَى وُجِدَ الْحَيْضُ فِي جُزْءٍ مِنْ النَّهَارِ فَسَدَ صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، سَوَاءٌ وُجِدَ فِي أَوَّلِهِ أَوْ فِي آخِرِهِ، وَمَتَى نَوَتْ الْحَائِضُ الصَّوْمَ، وَأَمْسَكَتْ، مَعَ عِلْمِهَا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ، أَتَمَّتْ، وَلَمْ يُجْزِئْهَا.

[مَسْأَلَةُ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ مِنْ رَمَضَانَ]

(2084) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ أَمْكَنَهَا الْقَضَاءُ فَلَمْ تَقْضِ حَتَّى مَاتَتْ، أُطْعِمَ عَنْهَا لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ مِنْ رَمَضَانَ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ إمْكَانِ الصِّيَامِ، إمَّا لِضِيقِ الْوَقْتِ، أَوْ لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ، أَوْ عَجْزٍ عَنْ الصَّوْمِ، فَهَذَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَحُكِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَقَتَادَةَ أَنَّهُمَا قَالَا: يَجِبُ الْإِطْعَامُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ سَقَطَ بِالْعَجْزِ عَنْهُ، فَوَجَبَ الْإِطْعَامُ عَنْ، كَالشَّيْخِ الْهَرِمِ إذَا تَرَكَ الصِّيَامَ، لِعَجْزِهِ عَنْهُ.
وَلَنَا أَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَجَبَ بِالشَّرْعِ، مَاتَ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَبْلَ إمْكَانِ فِعْلِهِ، فَسَقَطَ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ، كَالْحَجِّ.
وَيُفَارِقُ الشَّيْخَ الْهَرِمَ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْمَيِّتِ.
الْحَالُ الثَّانِي، أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ إمْكَانِ الْقَضَاءِ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُطْعَمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ، وَابْنُ عُلَيَّةَ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، فِي الصَّحِيحِ عَنْهُمْ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: يُصَامُ عَنْهُ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ، صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ.
وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ، فَلْيُطْعِمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: الصَّحِيحُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفٌ.
وَعَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا، قَالَتْ: يُطْعَمُ عَنْهُ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ، وَلَا يُصَامُ عَنْهُ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ؟ يَصُومُ شَهْرًا، وَعَلَيْهِ صَوْمُ رَمَضَانَ.
قَالَ: أَمَّا رَمَضَانُ فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ، وَأَمَّا النَّذْرُ، فَيُصَامُ عَنْهُ.
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ فِي (السُّنَنِ) . وَلِأَنَّ الصَّوْمَ لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ حَالَ الْحَيَاةِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْوَفَاةِ، كَالصَّلَاةِ،

فَأَمَّا حَدِيثُهُمْ فَهُوَ فِي النَّذْرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ، كَذَلِكَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «قَالَتْ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ، فَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ قَالَ: أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّك دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ، أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكَ عَنْهَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ.
قَالَ: فَصُومِي عَنْ أُمِّك» . وَقَالَتْ عَائِشَةُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ كَقَوْلِنَا، وَهُمَا رَاوِيَا حَدِيثِهِمْ، فَدَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.

[فَصْلُ صَوْمُ النَّذْرِ]

(2085) فَصْلٌ: فَأَمَّا صَوْمُ النَّذْرِ فَيَفْعَلُهُ الْوَلِيُّ عَنْهُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَاللَّيْثِ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَقَالَ سَائِرُ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الْفُقَهَاءِ: يُطْعِمُ عَنْهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ.
وَلَنَا الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي رَوَيْنَاهَا قَبْلَ هَذَا، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ، وَفِيهَا غُنْيَةً عَنْ كُلِّ قَوْلٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّذْرِ وَغَيْرِهِ أَنَّ النِّيَابَةَ تَدْخُلُ الْعِبَادَةَ بِحَسَبِ خِفَّتِهَا، وَالنَّذْرُ أَخَفُّ حُكْمًا؛ لِكَوْنِهِ لَمْ يَجِبْ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَهُ النَّاذِرُ عَلَى نَفْسِهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْوَلِيِّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ قَضَاءُ دَيْنِ الْمَيِّتِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِتَرِكَتِهِ إنْ كَانَتْ لَهُ تَرِكَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَرِكَةٌ، فَلَا شَيْءَ عَلَى وَارِثِهِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقْضَى عَنْهُ، لِتَفْرِيغِ ذِمَّتِهِ، وَفَكِّ رِهَانِهِ، كَذَلِكَ هَاهُنَا، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْوَلِيِّ، بَلْ كُلُّ مَنْ صَامَ عَنْهُ قَضَى ذَلِكَ عَنْهُ، وَأَجْزَأَ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ، فَأَشْبَهَ قَضَاءَ الدَّيْنِ عَنْهُ.

[مَسْأَلَةُ لَمْ تَمُتْ الْمُفَرِّطَةُ فِي الْقَضَاء حَتَّى أَظَلَّهَا شَهْرُ رَمَضَانَ آخَرُ]

(2086) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ لَمْ تَمُتْ الْمُفَرِّطَةُ حَتَّى أَظَلَّهَا شَهْرُ رَمَضَانَ آخَرَ، صَامَتْهُ، ثُمَّ قَضَتْ مَا كَانَ عَلَيْهَا، ثُمَّ أَطْعَمَتْ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ فِي الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ، إذَا فَرَّطَا فِي الْقَضَاءِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ صَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، فَلَهُ تَأْخِيرُهُ مَا لَمْ يَدْخُلْ رَمَضَانُ آخَرُ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصِّيَامُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَمَا أَقْضِيه حَتَّى يَجِيءَ شَعْبَانُ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُ الْقَضَاءِ إلَى رَمَضَانَ آخَرَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لَمْ تُؤَخِّرْهُ إلَى ذَلِكَ، وَلَوْ أَمْكَنَهَا لَأَخَّرَتْهُ، وَلِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُ الْأُولَى عَنْ الثَّانِيَةِ، كَالصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ.
فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ رَمَضَانَ آخَرَ نَظَرْنَا؛ فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْقَضَاءُ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَعَلَيْهِ مَعَ الْقَضَاءِ إطْعَامُ مِسْكِينٍ لِكُلِّ يَوْمٍ.
وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ،

وَالنَّخَعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِي تَأْخِيرِهِ كَفَّارَةٌ، كَمَا لَوْ أَخَّرَ الْأَدَاءَ وَالنَّذْرَ.
وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُمْ قَالُوا: أَطْعِمْ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا.
وَلَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافُهُمْ.
وَرُوِيَ مُسْنَدًا مِنْ طَرِيقٍ ضَعِيفٍ، وَلِأَنَّ تَأْخِيرَ صَوْمِ رَمَضَانَ عَنْ وَقْتِهِ إذَا لَمْ يُوجِبْ الْقَضَاءَ، أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ، كَالشَّيْخِ الْهَرِمِ.

[فَصْلُ أَخَّرَ الْقَضَاء لِغَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَانَانِ أَوْ أَكْثَرُ]

(2087) فَصْلٌ: فَإِنْ أَخَّرَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَانَانِ أَوْ أَكْثَرُ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ فِدْيَةٍ مَعَ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ التَّأْخِيرِ لَا يَزْدَادُ بِهَا الْوَاجِبُ، كَمَا لَوْ أَخَّرَ الْحَجَّ الْوَاجِبَ سِنِينَ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ فِعْلِهِ.

[فَصْلُ مَاتَ الْمُفَرِّطُ بَعْدَ أَنَّ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ]

(2088) فَصْلٌ: وَإِنْ مَاتَ الْمُفَرِّطُ بَعْدَ أَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ، أُطْعِمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ وَاحِدٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِيمَا رَوَى عَنْهُ أَبُو دَاوُد، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ امْرَأَةٍ أَفْطَرَتْ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَدْرَكَهَا رَمَضَانُ آخَرُ، ثُمَّ مَاتَتْ؟ قَالَ: يُطْعَمُ عَنْهَا.
قَالَ لَهُ السَّائِلُ: كَمْ أُطْعِمُ؟ قَالَ: كَمْ أَفْطَرَتْ؟ قَالَ: ثَلَاثِينَ يَوْمًا.
قَالَ اجْمَعْ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا، وَأُطْعِمْهُمْ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَأُشْبِعْهُمْ.
قَالَ: مَا أُطْعِمُهُمْ؟ قَالَ خُبْزًا وَلَحْمًا إنَّ قَدَرْت مِنْ أَوْسَطِ طَعَامِكُمْ.
وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بِإِخْرَاجِ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ، أَزَالَ تَفْرِيطَهُ بِالتَّأْخِيرِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُطْعَمُ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ فَقِيرَانِ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ بَعْدَ التَّفْرِيطِ بِدُونِ التَّأْخِيرِ عَنْ رَمَضَانَ آخَرَ يُوجِبُ كَفَّارَةً، وَالتَّأْخِيرُ بِدُونِ الْمَوْتِ يُوجِبُ كَفَّارَةً، فَإِذَا اجْتَمَعَا وَجَبَتْ كَفَّارَتَانِ، كَمَا لَوْ فَرَّطَ فِي يَوْمَيْنِ.

[فَصْلُ التَّطَوُّعِ بِالصَّوْمِ مِمَّنْ عَلَيْهِ صَوْمُ فَرْضٍ]

(2089) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي جَوَازِ التَّطَوُّعِ بِالصَّوْمِ، مِمَّنْ عَلَيْهِ صَوْمُ فَرْضٍ، فَنَقَلَ عَنْهُ حَنْبَلٌ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِالصَّوْمِ، وَعَلَيْهِ صَوْمٌ مِنْ الْفَرْضِ حَتَّى يَقْضِيَهُ، يَبْدَأُ بِالْفَرْضِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ نَذْرٌ صَامَهُ يَعْنِي بَعْدَ الْفَرْضِ.
وَرَوَى حَنْبَلٌ، عَنْ أَحْمَدَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ صَامَ تَطَوُّعًا، وَعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَيْءٌ لَمْ يَقْضِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُتَقَبَّلُ مِنْهُ حَتَّى يَصُومَهُ» . وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ يَدْخُلُ فِي جُبْرَانِهَا الْمَالُ، فَلَمْ يَصِحَّ التَّطَوُّعُ بِهَا قَبْلَ أَدَاءِ فَرْضِهَا، كَالْحَجِّ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَجُوزُ

لَهُ التَّطَوُّعُ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِوَقْتِ مُوَسَّعٍ، فَجَازَ التَّطَوُّعُ فِي وَقْتِهَا قَبْلَ فِعْلِهَا، كَالصَّلَاةِ يَتَطَوَّعُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ الْحَجُّ.
وَلِأَنَّ التَّطَوُّعَ بِالْحَجِّ يَمْنَعُ فِعْلَ وَاجِبِهِ الْمُتَعَيِّنِ، فَأَشْبَهَ صَوْمَ التَّطَوُّعِ فِي رَمَضَانَ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
وَالْحَدِيثُ يَرْوِيه ابْنُ لَهِيعَةَ، وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَفِي سِيَاقِهِ مَا هُوَ مَتْرُوكٌ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ: (وَمَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ، وَعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَيْءٌ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ) . وَيُخَرَّجُ فِي التَّطَوُّعِ بِالصَّلَاةِ فِي حَقِّ مَنْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الصَّوْمِ.

[فَصْلُ الْقَضَاءِ فِي عَشْرِ ذِي الْحَجَّةِ]

(2090) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي كَرَاهَةِ الْقَضَاءِ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، فَرُوِيَ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ.
وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِبُّ قَضَاءَ رَمَضَانَ فِي الْعَشْرِ.
وَلِأَنَّهُ أَيَّامُ عِبَادَةٍ، فَلَمْ يُكْرَهْ الْقَضَاءُ فِيهِ، كَعَشْرِ الْمُحَرَّمِ.
وَالثَّانِيَةُ، يُكْرَهُ الْقَضَاءُ فِيهِ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَرِهَهُ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ.
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ» . فَاسْتُحِبَّ إخْلَاؤُهَا لِلتَّطَوُّعِ، لِيَنَالَ فَضِيلَتَهَا.
وَيَجْعَلُ الْقَضَاءَ فِي غَيْرِهَا.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ مَبْنِيَّتَانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي إبَاحَةِ التَّطَوُّعِ قَبْلَ صَوْمِ الْفَرْضِ وَتَحْرِيمِهِ، فَمَنْ أَبَاحَهُ كَرِهَ الْقَضَاءَ فِيهَا، لِيُوَفِّرهَا عَلَى التَّطَوُّعِ، لِيَنَالَ فَضْلَهُ فِيهَا مَعَ فِعْلِ الْقَضَاءِ، وَمِنْ حَرَّمَهُ لَمْ يَكْرَهْهُ فِيهَا، بَلْ اسْتَحَبَّ فِعْلَهُ فِيهَا، لِئَلَّا يَخْلُوَ مِنْ الْعِبَادَةِ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَيَقْوَى عِنْدِي أَنَّ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ فَرْعٌ عَلَى إبَاحَةِ التَّطَوُّعِ قَبْلَ الْفَرْضِ، أَمَّا عَلَى رِوَايَةِ التَّحْرِيمِ، فَيَكُونُ صَوْمُهَا تَطَوُّعًا قَبْلَ الْفَرْضِ مُحَرَّمًا، وَذَلِكَ أَبْلَغُ مِنْ الْكَرَاهَةِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةُ الْمَرَضُ الْمُبِيحُ لِلْفِطْرِ فِي رَمَضَان]

(2091) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلِلْمَرِيضِ أَنْ يُفْطِرَ إذَا كَانَ الصَّوْمُ يَزِيدُ فِي مَرَضِهِ، فَإِنْ تَحَمَّلَ وَصَامَ، كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ، وَأَجْزَأَهُ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى إبَاحَةِ الْفِطْرِ لِلْمَرِيضِ فِي الْجُمْلَةِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] وَالْمَرَضُ الْمُبِيحُ لِلْفِطْرِ هُوَ الشَّدِيدُ الَّذِي يَزِيدُ بِالصَّوْمِ أَوْ يُخْشَى تَبَاطُؤُ بُرْئِهِ.
قِيلَ لِأَحْمَدَ: مَتَى يُفْطِرُ الْمَرِيضُ؟ قَالَ: إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ.
قِيلَ: مِثْلُ الْحُمَّى؟ قَالَ: وَأَيُّ مَرَضٍ أَشَدُّ مِنْ الْحُمَّى، وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ أَبَاحَ الْفِطْرَ بِكُلِّ مَرَضٍ، حَتَّى مِنْ وَجَعِ

الْإِصْبَعِ وَالضِّرْسِ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْمُسَافِرَ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ، فَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ.
وَلَنَا أَنَّهُ شَاهِدٌ لِلشَّهْرِ، لَا يُؤْذِيهِ الصَّوْمُ، فَلَزِمَهُ، كَالصَّحِيحِ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ فِي الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ جَمِيعًا، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ، أَنَّ السَّفَرَ اُعْتُبِرَتْ فِيهِ الْمَظِنَّةُ، وَهُوَ السَّفَرُ الطَّوِيلُ، حَيْثُ لَمْ يُمْكِنْ اعْتِبَارُ الْحِكْمَةِ بِنَفْسِهَا، فَإِنَّ قَلِيلَ الْمَشَقَّةِ لَا يُبِيحُ، وَكَثِيرَهَا لَا ضَابِطَ لَهُ فِي نَفْسِهِ، فَاعْتُبِرَتْ بِمَظِنَّتِهَا، وَهُوَ السَّفَرُ الطَّوِيلُ، فَدَارَ الْحُكْمُ مَعَ الْمَظِنَّةِ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَالْمَرَضُ لَا ضَابِطَ لَهُ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَاضَ تَخْتَلِفُ، مِنْهَا مَا يَضُرُّ صَاحِبَهُ الصَّوْمُ وَمِنْهَا مَا لَا أَثَرَ لِلصَّوْمِ فِيهِ، كَوَجَعِ الضِّرْسِ، وَجُرْحٍ فِي الْإِصْبَعِ، وَالدُّمَّلِ، وَالْقَرْحَةِ الْيَسِيرَةِ، وَالْجَرَبِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، فَلَمْ يَصْلُحْ الْمَرَضُ ضَابِطًا، وَأَمْكَنَ اعْتِبَارُ الْحِكْمَةِ، وَهُوَ مَا يُخَافُ مِنْهُ الضَّرَرُ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنْ تَحَمَّلَ الْمَرِيضُ وَصَامَ مَعَ هَذَا، فَقَدْ فَعَلَ مَكْرُوهًا؛ لِمَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ الْإِضْرَارِ بِنَفْسِهِ، وَتَرْكِهِ تَخْفِيفَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَبُولَ رُخْصَتِهِ، وَيَصِحُّ صَوْمُهُ وَيُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ عَزِيمَةٌ أُبِيحَ تَرْكُهَا رُخْصَةٌ، فَإِذَا تَحَمَّلَهُ أَجْزَأْهُ، كَالْمَرِيضِ الَّذِي يُبَاحُ لَهُ تَرْكُ الْجُمُعَةِ إذَا حَضَرَهَا، وَاَلَّذِي يُبَاحُ لَهُ تَرْكُ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ إذَا قَامَ فِيهَا.
(2092) فَصْلٌ: وَالصَّحِيحُ الَّذِي يَخْشَى الْمَرَضَ بِالصِّيَامِ، كَالْمَرِيضِ الَّذِي يَخَافُ زِيَادَتَهُ فِي إبَاحَةِ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ إنَّمَا أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ خَوْفًا مِمَّا يَتَجَدَّدُ بِصِيَامِهِ، مِنْ زِيَادَةِ الْمَرَضِ وَتَطَاوُلِهِ، فَالْخَوْفُ مِنْ تَجَدُّدِ الْمَرَضِ فِي مَعْنَاهُ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي مَنْ بِهِ شَهْوَةٌ غَالِبَةٌ لِلْجِمَاعِ، يَخَافُ أَنْ تَنْشَقَّ أُنْثَيَاهُ، فَلَهُ الْفِطْرُ.
وَقَالَ فِي الْجَارِيَةِ: تَصُومُ إذَا حَاضَتْ، فَإِنْ جَهَدَهَا الصَّوْمُ فَلْتُفْطِرْ، وَلْتَقْضِ.
يَعْنِي إذَا حَاضَتْ وَهِيَ صَغِيرَةٌ لَمْ تَبْلُغْ خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا إذَا كَانَتْ تَخَافُ الْمَرَضَ بِالصِّيَامِ، أُبِيحَ لَهَا الْفِطْرُ، وَإِلَّا فَلَا.

[فَصْلُ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ لِشِدَّةِ شَبَقِهِ]

(2093) فَصْلٌ: وَمَنْ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ لِشِدَّةِ شَبَقِهِ، إنَّ أَمْكَنَهُ اسْتِدْفَاعُ الشَّهْوَةِ بِغَيْرِ جِمَاعٍ، كَالِاسْتِمْنَاءِ بِيَدِهِ، أَوْ بِيَدِ امْرَأَتِهِ أَوْ جَارِيَتِهِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْجِمَاعُ؛ لِأَنَّهُ فِطْرٌ لِلضَّرُورَةِ، فَلَمْ تُبَحْ لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا تَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرُورَةُ، كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ.
وَإِنْ جَامَعَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
وَكَذَلِكَ إنْ أَمْكَنَهُ دَفْعُهَا بِمَا لَا يُفْسِدُ صَوْمَ غَيْرِهِ، كَوَطْءِ زَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ الصَّغِيرَةِ، أَوْ الْكِتَابِيَّةِ، أَوْ مُبَاشَرَةِ الْكَبِيرَةِ الْمُسْلِمَةِ دُونَ الْفَرْجِ،

أَوْ الِاسْتِمْنَاءِ بِيَدِهَا أَوْ بِيَدِهِ، لَمْ يُبَحْ لَهُ.
إفْسَادُ صَوْمِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ إذَا انْدَفَعَتْ لَمْ يُبَحْ لَهُ مَا وَرَاءَهَا، كَالشِّبَعِ مِنْ الْمَيْتَةِ إذَا انْدَفَعَتْ الضَّرُورَةُ بِسَدِّ الرَّمَقِ.
وَإِنْ لَمْ تَنْدَفِعْ الضَّرُورَةُ إلَّا بِإِفْسَادِ صَوْمِ غَيْرِهِ، أُبِيحَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ، فَأُبِيحَ كَفِطْرِهِ، وَكَالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ يُفْطِرَانِ خَوْفًا عَلَى وَلَدَيْهِمَا.
فَإِنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ؛ حَائِضٌ، وَطَاهِرٌ صَائِمَةٌ، وَدَعَتْهُ الضَّرُورَةُ إلَى وَطْءِ إحْدَاهُمَا، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، وَطْءُ الصَّائِمَةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى النَّهْيِ عَنْ وَطْءِ الْحَائِضِ فِي كِتَابِهِ، وَلِأَنَّ وَطْأَهَا فِيهِ أَذًى لَا يَزُولُ بِالْحَاجَةِ إلَى الْوَطْءِ.
وَالثَّانِي: يُتَخَيَّرُ؛ لِأَنَّ وَطْءَ الصَّائِمَةِ يُفْسِدُ صِيَامَهَا، فَتَتَعَارَضُ الْمَفْسَدَتَانِ، فَيَتَسَاوَيَانِ.

[مَسْأَلَةُ الْمُسَافِرَ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ]

(2094) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَكَذَلِكَ الْمُسَافِرُ) يَعْنِي أَنَّ الْمُسَافِرَ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ، فَإِنْ صَامَ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ، وَأَجْزَأْهُ.
وَجَوَازُ الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ إنْ صَامَ أَجْزَأَهُ.
وَيُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمُ الْمُسَافِرِ قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ عُمَرُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَأْمُرَانِهِ بِالْإِعَادَةِ.
وَرَوَى الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ قَالَ: الصَّائِمُ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ وَقَالَ بِهَذَا قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ «وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَفْطَرَ فِي السَّفَرِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ قَوْمًا صَامُوا، قَالَ: أُولَئِكَ هُمْ الْعُصَاةُ» . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الصَّائِمُ فِي رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ، كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ» . وَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْقَوْلِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا قَوْلٌ يُرْوَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، هَجَرَهُ الْفُقَهَاءُ كُلُّهُمْ، وَالسُّنَّةُ تَرُدُّهُ، وَحُجَّتُهُمْ مَا رُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيّ، أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ، قَالَ: إنْ شِئْت فَصُمْ، وَإِنْ شِئْت فَأَفْطِرْ» وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ النَّسَائِيّ، «أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَجِدُ قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ قَالَ: هِيَ رُخْصَةُ اللَّهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ» . وَقَالَ أَنَسٌ: «كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ رَوَى أَبُو سَعِيدٍ وَأَحَادِيثُهُمْ مَحْمُولَةٌ عَلَى تَفْضِيلِ الْفِطْرِ عَلَى الصِّيَامِ.

[فَصْلُ الْأَفْضَل الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ]

(2095) فَصْلٌ: وَالْأَفْضَلُ عِنْدَ إمَامِنَا، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ

الْمُسَيِّبِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: الصَّوْمُ أَفْضَلُ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ.
وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَنَسٌ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ حُمُولَةٌ يَأْوِي إلَى شِبَعٍ، فَلْيَصُمْ رَمَضَانَ حَيْثُ أَدْرَكَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلِأَنَّ مَنْ خُيِّرَ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ، كَانَ الصَّوْمُ أَفْضَلِ كَالتَّطَوُّعِ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ: أَفْضَلُ الْأَمْرَيْنِ أَيْسَرِهِمَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: 185] وَلَمَّا رَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرو، قَالَ: «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي صَاحِبُ ظَهْرٍ، أُعَالِجُهُ وَأُسَافِرُ عَلَيْهِ، وَأَكْرِيهِ، وَإِنَّهُ رُبَّمَا صَادَفَنِي هَذَا الشَّهْرُ - يَعْنِي رَمَضَان - وَأَنَا أَجِدُ الْقُوَّةَ، وَأَنَا شَابٌّ، وَأَجِدُنِي أَنْ أَصُمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ أَنْ أُؤَخِّرَ، فَيَكُونُ دَيْنًا عَلَيَّ، أَفَأَصُومُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْظَمُ لِأَجْرِي، أَمْ أُفْطِرُ؟ قَالَ: أَيَّ ذَلِكَ شِئْت يَا حَمْزَةُ» وَلَنَا، مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَخْبَارِ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَهُ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «خَيْرُكُمْ الَّذِي يُفْطِرُ فِي السَّفَرِ وَيَقْصُرُ» وَلِأَنَّ فِي الْفِطْرِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، فَكَانَ أَفْضَلِ، كَالْقَصْرِ.
وَقِيَاسُهُمْ يَنْتَقِضُ بِالْمَرِيضِ وَبِصَوْمِ الْأَيَّامِ الْمَكْرُوهِ صَوْمُهَا.

[مَسْأَلَةُ قَضَاءُ شَهْرِ رَمَضَان مُتَفَرِّقًا وَالتَّتَابُعُ أَحْسَنُ]

(2096) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَقَضَاءُ شَهْرِ رَمَضَان مُتَفَرِّقًا يُجْزِئُ، وَالْمُتَتَابِعُ أَحْسَنُ) هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ مُحَيْرِيزٍ، وَأَبِي قِلَابَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالْحَسَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ وَحُكِيَ وُجُوبُ التَّتَابُعِ عَنْ عَلِيٍّ وَابْن عُمَرَ وَالنَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ وَقَالَ دَاوُد: يَجِبُ، وَلَا يُشْتَرَطُ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمُ رَمَضَان، فَلْيَسْرُدْهُ، وَلَا يَقْطَعْهُ» وَلَنَا إطْلَاقُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِالتَّتَابُعِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: نَزَلَتْ " فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مُتَتَابِعَات " فَسَقَطَتْ " مُتَتَابِعَات " قُلْنَا: هَذَا لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنَا صِحَّتُهُ، وَلَوْ صَحَّ فَقَدْ سَقَطَتْ اللَّفْظَةُ الْمُحْتَجُّ بِهَا.
وَأَيْضًا قَوْلُ الصَّحَابَةِ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: إنَّ سَافَرَ؛ فَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ، وَإِنْ شَاءَ تَابَعَ وَرُوِيَ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فِي قَضَاءِ رَمَضَان: إنَّ اللَّهَ لَمْ يُرَخِّصْ لَكُمْ فِي فِطْرِهِ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَشُقّ عَلَيْكُمْ فِي قَضَائِهِ وَرَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ تَقْطِيعِ قَضَاءِ رَمَضَان؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْ كَانَ عَلَى أَحَدِكُمْ دَيْنٌ، فَقَضَاهُ مِنْ الدِّرْهَمِ وَالدِّرْهَمَيْنِ، حَتَّى يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ، هَلْ كَانَ ذَلِكَ قَاضِيًا دَيْنَهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: فَاَللَّهُ أَحَقُّ بِالْعَفْوِ وَالتَّجَاوُزِ مِنْكُمْ» وَلِأَنَّهُ صَوْمٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِزَمَانِ بِعَيْنِهِ.
فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ التَّتَابُعُ، كَالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ، وَخَبَرِهِمْ لَمْ يَثْبُتْ صِحَّتُهُ، فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَنِ لَمْ يَذْكُرُوهُ، وَلَوْ صَحَّ حَمَلْنَاهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، فَإِنَّ الْمُتَتَابِعَ أَحْسَنُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ مُوَافَقَةِ الْخَبَرِ، وَالْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ وَشَبَهِهِ بِالْأَدَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَة مَنْ دَخَلَ فِي صِيَامِ تَطَوُّعٍ فَخَرَجَ مِنْهُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ]

(2097) مَسْأَلَة؛ قَالَ: (وَمَنْ دَخَلَ فِي صِيَامِ تَطَوُّعٍ، فَخَرَجَ مِنْهُ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَضَاهُ فَحَسَنٌ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ دَخَلَ فِي صِيَامِ تَطَوُّعٍ، اُسْتُحِبَّ لَهُ إتْمَامُهُ، وَلَمْ يَجِبْ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا أَصْبَحَا صَائِمَيْنِ، ثُمَّ أَفْطَرَا، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا بَأْسَ بِهِ، مَا لَمْ يَكُنْ نَذْرًا أَوْ قَضَاءَ رَمَضَان وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إذَا صَامَ الرَّجُلُ تَطَوُّعًا، ثُمَّ شَاءَ أَنْ يَقْطَعَهُ قَطَعَهُ، وَإِذَا دَخَلَ فِي صَلَاةٍ تَطَوُّعًا، ثُمَّ شَاءَ أَنْ يَقْطَعَهَا قَطَعَهَا وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَتَى أَصْبَحْت تُرِيدُ الصَّوْمَ، فَأَنْتَ عَلَى آخِرِ النَّظَرَيْنِ، إنَّ شِئْت صُمْت، وَإِنْ شِئْت أَفْطَرْت هَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ وَقَدْ رَوَى حَنْبَلٌ، عَنْ أَحْمَدَ، إذَا أَجْمَعَ عَلَى الصِّيَامِ، فَأَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَأَفْطَرَ مِنْ غَيْر عُذْرٍ، أَعَادَ يَوْمًا مَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ، أَوْ نَذَرَهُ لِيَكُونَ مُوَافِقًا لِسَائِرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ.
وَقَالَ النَّخَعِيّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ إلَّا بِعُذْرِ، فَإِنْ خَرَجَ قَضَى.
وَعَنْ مَالِكٍ: لَا قَضَاء عَلَيْهِ.
وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: «أَصْبَحْت أَنَا وَحَفْصَةُ صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ، فَأُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَأَفْطَرْنَا، ثُمَّ سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: اقْضِيَا يَوْمًا مَكَانَهُ» وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَلْزَمُ بِالنَّذْرِ فَلَزِمَتْ بِالشُّرُوعِ فِيهَا، كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ عَائِشَةَ، «قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمًا، فَقَالَ: هَلْ عِنْدكُمْ شَيْءٌ؟ فَقُلْت: لَا.
قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ.
ثُمَّ مَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَقَدْ أُهْدِيَ إلَيَّ حَيْسٌ، فَخَبَّأْتُ لَهُ مِنْهُ، وَكَانَ يُحِبُّ الْحَيْسَ.
قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَخَبَّأْت لَكَ مِنْهُ، قَالَ: أَدْنِيهِ، أَمَّا إنِّي قَدْ أَصْبَحْت وَأَنَا صَائِمٌ.
فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ لَنَا: إنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ مَثَلُ الرَّجُلِ يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ؛ فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا» هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ النَّسَائِيّ، وَهُوَ أَتَمُّ مِنْ غَيْرِهِ وَرَوَتْ أُمُّ هَانِئٍ، «قَالَتْ: دَخَلْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأُتِيَ بِشَرَابٍ، فَنَاوَلَنِيهِ فَشَرِبْت مِنْهُ، ثُمَّ قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ أَفْطَرْت وَكُنْت صَائِمَةً.
فَقَالَ لَهَا: أَكُنْتِ تَقْضِينَ شَيْئًا؟ قَالَتْ: لَا.
قَالَ: فَلَا يَضُرُّك إنْ كَانَ تَطَوُّعًا» رَوَاهُ سَعِيدٌ وَأَبُو دَاوُد، وَالْأَثْرَمُ وَفِي لَفْظٍ قَالَتْ: «قُلْت، إنِّي صَائِمَةٌ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ الْمُتَطَوِّعَ أَمِيرُ نَفْسِهِ، فَإِنْ شِئْت فَصُومِي، وَإِنْ شِئْت فَأَفْطِرِي» وَلِأَنَّ كُلَّ صَوْمٍ لَوْ أَتَمَّهُ كَانَ تَطَوُّعًا إذَا خَرَجَ مِنْهُ لَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهُ، كَمَا لَوْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَان فَبَانَ مِنْ شَعْبَان أَوْ مِنْ شَوَّالٍ.
فَأَمَّا خَبَرُهُمْ، فَقَالَ أَبُو دَاوُد: لَا يَثْبُتُ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: فِيهِ مَقَالٌ.
وَضَعَّفَهُ الْجُوزَجَانِيُّ وَغَيْرُهُ، ثُمَّ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ إتْمَامُهُ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ اُسْتُحِبَّ قَضَاؤُهُ؛ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ، وَعَمَلًا بِالْخَبَرِ الَّذِي رَوَوْهُ.
(2098) فَصْلٌ: وَسَائِرُ النَّوَافِلِ مِنْ الْأَعْمَالِ حُكْمُهَا حُكْمُ الصِّيَامِ، فِي أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، وَلَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا إذَا خَرَجَ مِنْهَا، إلَّا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَإِنَّهُمَا يُخَالِفَانِ سَائِرَ الْعِبَادَاتِ فِي هَذَا، لِتَأَكُّدِ إحْرَامِهِمَا، وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُمَا بِإِفْسَادِهِمَا.
وَلَوْ اعْتَقَدَ أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ، وَلَمْ يَكُونَا وَاجِبَيْنِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُمَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الصَّلَاةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، فَإِنَّ الْأَثْرَمَ قَالَ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: الرَّجُلُ يُصْبِح صَائِمًا مُتَطَوِّعًا، أَيَكُونُ بِالْخِيَارِ؟ وَالرَّجُلُ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ أَلَهِ أَنْ يَقْطَعَهَا؟ فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَشَدُّ، أَمَّا الصَّلَاةُ فَلَا يَقْطَعُهَا.
قِيلَ لَهُ: فَإِنْ قَطَعَهَا قَضَاهَا؟ قَالَ: إنْ قَضَاهَا فَلِيس فِيهِ اخْتِلَافٌ.
وَمَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيِّ إلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَقَالَ: الصَّلَاةُ ذَاتُ إحْرَامٍ وَإِحْلَالٍ، فَلَزِمَتْ بِالشُّرُوعِ فِيهَا، كَالْحَجِّ.
وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ أَيْضًا.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّ مَا جَازَ تَرْكُ جَمِيعِهِ جَازَ تَرْكُ بَعْضِهِ، كَالصَّدَقَةِ، وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ يُخَالِفَانِ غَيْرَهُمَا.
(2099) فَصْلٌ: وَمِنْ دَخَلَ فِي وَاجِبٍ، كَقَضَاءِ رَمَضَان، أَوْ نَذْرٍ مُعَيَّنٍ أَوْ مُطْلَقٍ، أَوْ صِيَامِ كَفَّارَةٍ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ؛

لِأَنَّ الْمُتَعَيِّنَ وَجَبَ عَلَيْهِ الدُّخُولُ فِيهِ، وَغَيْرَ الْمُتَعَيِّنِ تَعَيَّنَ بِدُخُولِهِ فِيهِ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْفَرْضِ الْمُتَعَيِّنِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا خِلَافٌ بِحَمْدِ اللَّهِ.

[مَسْأَلَةُ إذَا كَانَ لِلْغُلَامِ عَشْرُ سِنِينَ وَأَطَاقَ الصِّيَامَ أَخَذَ بِهِ]

(2100) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَإِذَا كَانَ لِلْغُلَامِ عَشْرُ سِنِينَ، وَأَطَاقَ الصِّيَامَ أَخَذَ بِهِ) يَعْنِي أَنَّهُ يُلْزَمُ الصِّيَامَ، يُؤْمَرُ بِهِ وَيُضْرَبُ عَلَى تَرْكِهِ، لِيَتَمَرَّن عَلَيْهِ، وَيَتَعَوَّدَهُ، كَمَا يُلْزَمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْمَرُ بِهَا، وَمِمَّنْ ذَهَبِ إلَى أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالصِّيَامِ إذَا أَطَاقَهُ، عَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ، وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إذَا أَطَاقَ صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ تُبَاعَا، لَا يَخُورُ فِيهِنَّ وَلَا يَضْعُفُ، حُمِّلَ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَان وَقَالَ إِسْحَاقُ: إذَا بَلَغَ ثِنْتَيْ عَشَرَةَ أُحِبُّ أَنْ يُكَلَّفَ الصَّوْمَ لِلْعَادَةِ.
وَاعْتِبَارُهُ بِالْعَشْرِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالضَّرْبِ عَلَى الصَّلَاةِ عِنْدَهَا، وَاعْتِبَارُ الصَّوْمِ بِالصَّلَاةِ أَحْسَن لِقُرْبِ إحْدَاهُمَا مِنْ الْأُخْرَى، وَاجْتِمَاعِهِمَا فِي أَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ بَدَنِيَّتَانِ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، إلَّا أَنَّ الصَّوْمَ أُشَقُّ فَاعْتُبِرَتْ لَهُ الطَّاقَةُ، لِأَنَّهُ قَدْ يُطِيقُ الصَّلَاةَ مَنْ لَا يُطِيقُهُ.
(2101) فَصْلٌ: وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ حَتَّى يَبْلُغَ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي غُلَامٍ احْتَلَمَ: صَامَ وَلَمْ يَتْرُكْ، وَالْجَارِيَةُ إذَا حَاضَتْ وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى إيجَابِهِ عَلَى الْغُلَامِ الْمُطِيقِ لَهُ إذَا بَلَغَ عَشْرًا؛ لِمَا رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَبِيبَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَطَاقَ الْغُلَامُ صِيَامَ ثَلَاثَة أَيَّامٍ، وَجَبَ عَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَان» وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، أَشْبَهَ الصَّلَاةَ، وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ يُضْرَبَ عَلَى الصَّلَاةِ مِنْ بَلَغَ عَشْرًا.
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
قَالَ الْقَاضِي: الْمَذْهَبُ عِنْدِي، رِوَايَةً وَاحِدَةً: أَنَّ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ لَا تَجِبُ حَتَّى يَبْلُغَ، وَمَا قَالَهُ أَحْمَدُ فِي مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ يَقْضِيهَا.
نَحْمِلُهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ.» وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الصَّبِيِّ، كَالْحَجِّ.
وَحَدِيثُهُمْ مُرْسَلٌ، ثُمَّ نَحْمِلُهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَسَمَّاهُ وَاجِبًا، تَأْكِيدًا لِاسْتِحْبَابِهِ، كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» (2102) فَصْلٌ: إذَا نَوَى الصَّبِيُّ الصَّوْمَ مِنْ اللَّيْلِ، فَبَلَغَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ بِالِاحْتِلَامِ أَوْ السِّنِّ، فَقَالَ الْقَاضِي: يُتِمُّ صَوْمَهُ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
لِأَنَّ نِيَّةَ صَوْمِ رَمَضَان حَصَلَتْ لَيْلًا فَيُجْزِئُهُ كَالْبَالِغِ.
وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ

أَوَّلُ الصَّوْمِ نَفْلًا وَبَاقِيه فَرْضًا، كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي صَوْمِ يَوْمٍ تَطَوُّعًا، ثُمَّ نَذَرَ إتْمَامَهُ.
وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ بَلَغَ فِي أَثْنَائِهَا بَعْدَ مُضِيِّ بَعْضِ أَرْكَانِهَا، فَلَزِمَتْهُ إعَادَتُهَا، كَالصَّلَاةِ، وَالْحَجِّ إذَا بَلَغَ بَعْدَ الْوُقُوفِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ بِبُلُوغِهِ يَلْزَمُهُ صَوْمُ جَمِيعِهِ، وَالْمَاضِي قَبْلَ بُلُوغِهِ نَفْلٌ، فَلَمْ يَجْزِ عَنْ الْفَرْضِ، وَلِهَذَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ فَقَدِمَ وَالنَّاذِرُ صَائِمٌ؛ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ، فَأَمَّا مَا مَضَى مِنْ الشَّهْرِ قَبْلَ بُلُوغِهِ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ قَدْ صَامَهُ أَوْ أَفْطَرَهُ، هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْم.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يَقْضِيه إنْ كَانَ أَفْطَرَهُ وَهُوَ مُطِيقٌ لِصِيَامِهِ.
وَلَنَا أَنَّهُ زَمَنٌ مَضَى فِي حَالِ صِبَاهُ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ الصَّوْمِ فِيهِ، كَمَا لَوْ بَلَغَ بَعْدَ انْسِلَاخِ رَمَضَان.
وَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ وَهُوَ مُفْطِرٌ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ إمْسَاكُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَقَضَاؤُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.

[مَسْأَلَةُ أَسْلَمَ الْكَافِرُ فِي شَهْرِ رَمَضَان]

(2103) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَإِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ فِي شَهْرِ رَمَضَان، صَامَ مَا يَسْتَقْبِلُ مِنْ بَقِيَّةِ شَهْرِهِ) أَمَّا صَوْمُ مَا يَسْتَقْبِلُهُ مِنْ بَقِيَّةِ شَهْرِهِ، فَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَأَمَّا قَضَاءُ مَا مَضَى مِنْ الشَّهْرِ قَبْلَ إسْلَامِهِ، فَلَا يَجِبُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ.
وَعَنْ الْحَسَنِ كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَلَنَا، أَنَّ مَا مَضَى عِبَادَةٌ خَرَجَتْ فِي حَالِ كُفْرِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهُ، كَالرَّمَضَانِ الْمَاضِي.
(2104) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْيَوْمُ الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ إمْسَاكُهُ وَيَقْضِيه.
هَذَا الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَبِهِ قَالَ الْمَاجِشُونِ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ فِي زَمَنِ الْعِبَادَة مَا يُمْكِنُهُ التَّلَبُّسُ بِهَا فِيهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ خُرُوجِ الْيَوْمِ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ.
وَلَنَا أَنَّهُ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ وَقْتِ الْعِبَادَةِ فَلَزِمَتْهُ، كَمَا لَوْ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ.

(2105) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمَجْنُونُ إذَا أَفَاقَ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ، فَعَلَيْهِ صَوْمُ مَا بَقِيَ مِنْ الْأَيَّامِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ.
وَفِي قَضَاءِ الْيَوْمِ الَّذِي أَفَاقَ فِيهِ وَإِمْسَاكِهِ رِوَايَتَانِ.
وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا مَضَى.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيد.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَقْضِي، وَإِنْ مَضَى عَلَيْهِ سُنُونَ.
وَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ؛ لِأَنَّهُ مَعْنَى يُزِيلُ الْعَقْلَ، فَلَمْ يَمْنَعْ وُجُوبَ الصَّوْمِ، كَالْإِغْمَاءِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ جُنَّ جَمِيعَ الشَّهْرِ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَفَاقَ فِي أَثْنَائِهِ قَضَى، مَا مَضَى؛ لِأَنَّ الْجُنُونَ لَا يُنَافِي الصَّوْمَ بِدَلِيلِ مَا لَوْ جُنَّ فِي أَثْنَاءِ الصَّوْمِ لَمْ يَفْسُدْ، فَإِذَا وُجِدَ فِي بَعْضِ الشَّهْرِ، وَجَبَ الْقَضَاءُ، كَالْإِغْمَاءِ.
وَلَنَا أَنَّهُ مَعْنَى يُزِيلُ التَّكْلِيفَ، فَلَمْ يَجِبْ الْقَضَاءُ فِي زَمَانِهِ، كَالصِّغَرِ وَالْكُفْرِ.
وَيَخُصّ أَبَا حَنِيفَةَ بِأَنَّهُ مَعْنَى، لَوْ وُجِدَ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ أَسْقَطَ الْقَضَاءَ، فَإِذَا وُجِدَ فِي بَعْضِهِ أَسْقَطَهُ، كَالصِّغَرِ وَالْكُفْرِ، وَيُفَارِقُ الْإِغْمَاءَ فِي ذَلِكَ.

[مَسْأَلَةُ رَأَى هِلَالَ شَهْرِ رَمَضَان وَحْدَهُ]

(2106) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا رَأَى هِلَالَ شَهْرِ رَمَضَان وَحْدَهُ، صَامَ) الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ مَتَى رَأَى الْهِلَالَ وَاحِدٌ لَزِمَهُ الصِّيَامُ، عَدْلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ، شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَوْ لَمْ يَشْهَدْ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ أَوْ رُدَّتْ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْي، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَإِسْحَاقُ: لَا يَصُومُ.
وَقَدْ رَوَى حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ: لَا يَصُومُ إلَّا فِي جَمَاعَةِ النَّاسِ.
وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ؛ لِأَنَّهُ يَوْمٌ مَحْكُومٌ بِهِ مِنْ شَعْبَان، فَأَشْبَهَ التَّاسِعَ وَالْعِشْرِينَ.
وَلَنَا أَنَّهُ تَيَقَّنَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَان فَلَزِمَهُ صَوْمُهُ، كَمَا لَوْ حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ.
وَكَوْنُهُ مَحْكُومًا بِهِ مِنْ شَعْبَان ظَاهِرٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَأَمَّا فِي الْبَاطِنِ فَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَان، فَلَزِمَهُ صِيَامُهُ كَالْعَدْلِ.
(2107) فَصْلٌ: فَإِنْ أَفْطَرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ بِجِمَاعِ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تَجِبُ؛ لِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ، فَلَا تَجِبُ بِفِعْلِ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، كَالْحَدِّ.
وَلَنَا أَنَّهُ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَان بِجِمَاعِ، فَوَجَبَتْ بِهِ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، كَمَا لَوْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ عُقُوبَة، ثُمَّ قِيَاسهمْ يَنْتَقِضُ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ، مَعَ وُقُوعِ الْخِلَافِ فِيهِ.

[مَسْأَلَةُ يُقْبَلُ فِي هِلَالِ رَمَضَان قَوْلُ وَاحِدٍ عَدْلٍ]

(2108) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ كَانَ عَدْلًا، صَوَّمَ النَّاسَ بِقَوْلِهِ) الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يُقْبَلُ فِي هِلَالِ رَمَضَان قَوْلُ وَاحِدٍ عَدْلٍ، وَيَلْزَمُ النَّاسَ الصِّيَامُ بِقَوْلِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: اثْنَيْنِ أَعْجَبُ إلَيَّ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إنْ رَآهُ وَحْدَهُ، ثُمَّ قَدِمَ الْمِصْرَ، صَامَ النَّاسُ بِقَوْلِهِ، عَلَى مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ الْوَاحِدُ فِي جَمَاعَةِ النَّاسِ، فَذَكَرَ أَنَّهُ رَآهُ دُونَهُمْ، لَمْ يُقْبَلْ إلَّا قَوْلُ اثْنَيْنِ؛ لِأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ مَا عَايَنَ.
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَا يُقْبَلُ إلَّا شَهَادَةُ اثْنَيْنِ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ.
فَقَالَ: إنِّي جَالَسْت أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَأَلْتُهُمْ، وَإِنَّهُمْ حَدَّثُونِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَانْسُكُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَتِمُّوا ثَلَاثِينَ، وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ ذَوَا عَدْلٍ، فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا.» رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
وَلِأَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، فَأَشْبَهَتْ الشَّهَادَةَ عَلَى هِلَالِ شَوَّالٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْغَيْمِ كَقَوْلِنَا، وَفِي الصَّحْوِ: لَا يُقْبَلُ إلَّا الِاسْتِفَاضَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَنْظُرَ الْجَمَاعَةُ إلَى مَطْلَعِ الْهِلَالِ وَأَبْصَارُهُمْ صَحِيحَةٌ، وَالْمَوَانِعُ مُرْتَفِعَةٌ، فَيَرَاهُ وَاحِدٌ دُونَ الْبَاقِينَ.
وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: رَأَيْت الْهِلَالَ.
قَالَ، أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: يَا بِلَالُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ، فَلْيَصُومُوا غَدًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَالَ «تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنِّي رَأَيْته.
فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ وَقْتِ الْفَرِيضَةِ فِيمَا طَرِيقُهُ الْمُشَاهَدَةُ، فَقُبِلَ مِنْ وَاحِدٍ، كَالْخَبَرِ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَلِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيٌّ يَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُخْبِرُ وَالْمُخْبَرُ، فَقُبِلَ مِنْ وَاحِدٍ عَدْلٍ، كَالرِّوَايَةِ، وَخَبَرُهُمْ إنَّمَا يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ، وَخَبَرُنَا أَشْهَرُ مِنْهُ، وَهُوَ يَدُلُّ بِمَنْطُوقِهِ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ، وَيُفَارِقُ الْخَبَرَ عَنْ هِلَالِ شَوَّالٍ، فَإِنَّهُ خُرُوجٌ مِنْ الْعِبَادَةِ، وَهَذَا دُخُولٌ فِيهَا، وَحَدِيثُهُمْ فِي هِلَالَ شَوَّالٍ يُخَالِفُ مَسْأَلَتَنَا،

وَمَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ انْفِرَادُ الْوَاحِدِ بِهِ مَعَ لَطَافَةِ الْمَرْئِيِّ وَبُعْدِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَخْتَلِفَ مَعْرِفَتهمْ بِالْمَطْلِعِ وَمَوَاضِعُ قَصْدِهِمْ وَحِدَّةُ نَظَرِهِمْ، وَلِهَذَا لَوْ حَكَمَ بِرُؤْيَتِهِ حَاكِمٌ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ؛ جَازَ، وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ؛ وَجَبَ قَبُولُ شَهَادَتِهِمَا، وَلَوْ كَانَ مُمْتَنِعًا عَلَى مَا قَالُوهُ لَمْ يَصِحّ فِيهِ حُكْمُ حَاكِمٍ، وَلَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ، وَمَنْ مَنَعَ ثُبُوتَهُ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ، رَدَّ عَلَيْهِ الْخَبَرُ الْأَوَّلُ، وَقِيَاسُهُ عَلَى سَائِرِ الْحُقُوقِ وَسَائِرِ الشُّهُورِ، وَلَوْ أَنَّ جَمَاعَةً فِي مَحْفِلٍ، فَشَهِدَ اثْنَانِ مِنْهُ أَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ، أَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ؛ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا دُونَ مَنْ أَنْكَرَ، وَلَوْ أَنَّ اثْنَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ شَهِدَا عَلَى الْخَطِيبِ أَنَّهُ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي الْخُطْبَةِ شَيْئًا، لَمْ يَشْهَدْ بِهِ غَيْرُهُمَا؛ لَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَا عَلَيْهِ بِفِعْلِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمَا يُشَارِكُهُمَا فِي سَلَامَةِ السَّمْعِ وَصِحَّةِ الْبَصَرِ، كَذَا هَاهُنَا.
(2109) فَصْلٌ: وَإِنْ أَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ يَثِقُ بِقَوْلِهِ؛ لَزِمَهُ الصَّوْمُ.
وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِم؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ بِوَقْتِ الْعِبَادَةِ، يَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُخْبِرُ وَالْمُخْبَرُ، أَشْبَهَ الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخَبَرَ عَنْ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ.
ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَقِيلٍ.
وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَبُولُ الْخَبَرِ، وَإِنْ رَدَّهُ الْحَاكِمُ؛ لِأَنَّ رَدَّ الْحَاكِمِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِحَالِ الْمُخْبِرِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ فِي عَدَمِ الْعَدَالَةِ، وَقَدْ يَجْهَلُ الْحَاكِمُ عَدَالَةَ مَنْ يَعْلَمُ غَيْرُهُ عَدَالَتَهُ.
(2110) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ امْرَأَةً فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ قَبُولُ قَوْلِهَا.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيّ.
فَأَشْبَهَ الرِّوَايَةَ، وَالْخَبَرَ عَنْ الْقِبْلَةِ، وَدُخُولَ وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تُقْبَلَ؛ لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، فَلَمْ يُقْبَلْ فِيهِ قَوْلُ امْرَأَةٍ، كَهِلَالِ شَوَّالٍ.

[مَسْأَلَةُ لَا يُقْبَلُ فِي هِلَالِ شَوَّال إلَّا شَهَادَةُ اثْنَيْنِ عَدْلَيْنِ]

(2111) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَلَا يُفْطِرُ إلَّا بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِي هِلَالِ شَوَّالٍ إلَّا شَهَادَةُ اثْنَيْنِ عَدْلَيْنِ.
فِي قَوْلِ الْفُقَهَاءِ جَمِيعِهِمْ، إلَّا أَبَا ثَوْرٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: يُقْبَلُ قَوْلُ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ طَرَفَيْ شَهْرِ رَمَضَان، أَشْبَهَ الْأَوَّلَ، وَلِأَنَّهُ خَبَرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُخْبِرُ وَالْمُخْبَرُ، أَشْبَهَ الرِّوَايَةَ وَأَخْبَارَ الدِّيَانَاتِ.

وَلَنَا خَبَرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «أَجَازَ شَهَادَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَكَانَ لَا يُجِيزُ عَلَى شَهَادَةِ الْإِفْطَارِ إلَّا شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ» . وَلِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى هِلَالٍ لَا يُدْخَلُ بِهَا فِي الْعِبَادَةِ، فَلَمْ تُقْبَلْ فِيهِ إلَّا شَهَادَةُ اثْنَيْنِ كَسَائِرِ الشُّهُودِ، وَهَذَا يُفَارِقُ الْخَبَرَ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ الْمُخْبِرِ مَعَ وُجُودِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ، وَفُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ، وَهَذَا لَا يُقْبَلُ فِيهِ ذَلِكَ، فَافْتَرَقَا.
(2112) فَصْلٌ: وَلَا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَلَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ الْمُنْفَرِدَاتِ وَإِنْ كَثُرْنَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الشُّهُورِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، وَلَيْسَ بِمَالِ، وَلَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ، فَأَشْبَهَ الْقِصَاصَ، وَكَانَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي مِثْلَ ذَلِكَ فِي رَمَضَان، لَكِنْ تَرَكْنَاهُ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ.
(2113) فَصْلٌ: وَإِذَا صَامُوا بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَلَمْ يَرَوْا هِلَالَ شَوَّالٍ،؛ أَفْطَرُوا وَجْهًا وَاحِدًا.
وَإِنْ صَامُوا بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ، فَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ؛ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُفْطِرُونَ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا» . وَلِأَنَّهُ فِطْرٌ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَنِدَ إلَى شَهَادَةِ وَاحِدٍ، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِهِلَالِ شَوَّالٍ.
وَالثَّانِي: يُفْطِرُونَ.
وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ، وَيُحْكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ إذَا وَجَبَ الْفِطْرُ لِاسْتِكْمَالِ الْعِدَّةِ، لَا بِالشَّهَادَةِ، وَقَدْ يَثْبُتُ تَبَعًا مَا لَا يَثْبُتُ أَصْلًا، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّسَبَ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ، وَتَثْبُتُ بِهَا الْوِلَادَةُ، فَإِذَا ثَبَتَتْ الْوِلَادَةُ ثَبَتَ النَّسَبُ عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ لِلْوِلَادَةِ، كَذَا هَاهُنَا.
وَإِنْ صَامُوا لِأَجْلِ الْغَيْمِ؛ لَمْ يُفْطِرُوا وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ إنَّمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الِاحْتِيَاطِ، فَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةُ لَا يُفْطِرُ إذَا رَأَى هِلَال شَوَّالٍ وَحْدَهُ]

(2114) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يُفْطِرُ إذَا رَآهُ وَحْدَهُ) وَرُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ حَيْثُ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ؛ لِأَنَّهُ يَتَيَقَّنُهُ مِنْ شَوَّالٍ، فَجَازَ لَهُ الْأَكْلُ، كَمَا لَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ.
وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو رَجَاءٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، أَنَّ رَجُلَيْنِ قَدِمَا الْمَدِينَةَ وَقَدْ رَأَيَا الْهِلَالَ، وَقَدْ أَصْبَحَ النَّاسُ صِيَامًا.
فَأَتَيَا عُمَرَ.
فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِأَحَدِهِمَا: أَصَائِمٌ أَنْتَ؟ قَالَ: بَلْ مُفْطِرٌ.
قَالَ: مَا حَمَلَك عَلَى هَذَا؟ قَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأَصُومَ وَقَدْ رَأَيْت الْهِلَالَ.
وَقَالَ لِلْآخَرِ، قَالَ: أَنَا صَائِمٌ.

قَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: لَمْ أَكُنْ لَأُفْطِرُ وَالنَّاسُ صِيَامٌ.
فَقَالَ لِلَّذِي أَفْطَرَ: لَوْلَا مَكَانُ هَذَا لَأَوْجَعْت رَأْسَكَ.
ثُمَّ نُودِيَ فِي النَّاسِ: أَنْ اُخْرُجُوا.
أَخْرَجَهُ سَعِيدٌ، عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ.
وَإِنَّمَا أَرَادَ ضَرْبَهُ لِإِفْطَارِهِ بِرُؤْيَتِهِ، وَدَفَعَ عَنْهُ الضَّرْبَ لِكَمَالِ الشَّهَادَةِ بِهِ وَبِصَاحِبِهِ.
وَلَوْ جَازَ لَهُ الْفِطْرُ لَمَّا أَنْكَرَ عَلَيْهِ، وَلَا تَوَعَّدَهُ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: إنَّمَا يُفْطِرُ يَوْمَ الْفِطْرِ الْإِمَامُ وَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ.
وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمَا، فَكَانَ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّهُ يَوْمٌ مَحْكُومٌ بِهِ مِنْ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَجُزْ الْفِطْرُ فِيهِ كَالْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَفَارَقَ مَا إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ، فَإِنَّهُ مَحْكُومٌ بِهِ مِنْ شَوَّالٍ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ مِنْ شَوَّالٍ.
قُلْنَا: لَا يَثْبُتُ الْيَقِينُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الرَّائِي خُيِّلَ إلَيْهِ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا فِي زَمَنِ عُمَرَ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْت الْهِلَالَ.
فَقَالَ لَهُ: امْسَحْ عَيْنَك.
فَمَسَحَهَا، ثُمَّ قَالَ لَهُ: تَرَاهُ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: لَعَلَّ شَعْرَةً مِنْ حَاجِبِك تَقَوَّسَتْ عَلَى عَيْنِك، فَظَنَنْتهَا هِلَالًا أَوْ مَا هَذَا مَعْنَاهُ فَصْلٌ: فَإِنْ رَآهُ اثْنَانِ، وَلَمْ يَشْهَدَا عِنْدَ الْحَاكِمِ جَازَ لِمَنْ سَمِعَ شَهَادَتَهُمَا الْفِطْرُ، إذَا عَرَفَ عَدَالَتَهُمَا، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفِطْرُ بِقَوْلِهِمَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَإِذَا شَهِدَ اثْنَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا» وَإِنْ شَهِدَا عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَرَدَّ شَهَادَتَهُمَا؛ لِجَهْلِهِ بِحَالِهِمَا، فَلِمَنْ عَلِمَ عَدَالَتَهُمَا الْفِطْرُ بِقَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّ رَدَّ الْحَاكِمِ هَاهُنَا لَيْسَ بِحُكْمٍ مِنْهُ، وَإِنَّمَا هُوَ تَوَقُّفٌ لِعَدَمِ عِلْمِهِ.
فَهُوَ كَالْوُقُوفِ عَنْ الْحُكْمِ انْتِظَارًا لِلْبَيِّنَةِ، وَلِهَذَا لَوْ تَثْبُتُ عَدَالَتُهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ حُكِمَ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدُهُمَا عَدَالَةَ صَاحِبِهِ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ، إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ الْحَاكِمُ، لِئَلَّا يُفْطِرَ بِرُؤْيَتِهِ وَحْدَهُ.

[مَسْأَلَةُ اشْتِبَاه شَهْرُ الصَّوْم عَلَى الْأَسِيرِ]

(2116) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَإِذَا اشْتَبَهَتْ الْأَشْهُرُ عَلَى الْأَسِيرِ، فَإِنْ صَامَ شَهْرًا يُرِيدُ بِهِ شَهْرَ رَمَضَانَ، فَوَافَقَهُ، أَوْ مَا بَعْدَهُ؛ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ وَافَقَ مَا قَبْلَهُ، لَمْ يُجْزِهِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ كَانَ مَحْبُوسًا أَوْ مَطْمُورًا، أَوْ فِي بَعْضِ النَّوَاحِي النَّائِيَةِ عَنْ الْأَمْصَارِ لَا يُمْكِنُهُ تَعَرُّفُ الْأَشْهُرِ بِالْخَبَرِ، فَاشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْأَشْهُرُ، فَإِنَّهُ يَتَحَرَّى وَيَجْتَهِدُ، فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَنْ أَمَارَةٍ تَقُومُ فِي نَفْسِهِ دُخُولُ شَهْرِ رَمَضَانَ صَامَهُ، وَلَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا، أَنْ لَا يَنْكَشِفَ لَهُ الْحَالُ، فَإِنَّ صَوْمَهُ صَحِيحٌ، وَيُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ بِاجْتِهَادِهِ.
فَأَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ صَلَّى فِي يَوْمِ الْغَيْمِ بِالِاجْتِهَادِ.
الثَّانِي: أَنْ يَنْكَشِفَ لَهُ أَنَّهُ وَافَقَ الشَّهْرَ أَوْ مَا بَعْدَهُ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ.
وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ صَامَهُ عَلَى الشَّكِّ فَلَمْ يُجْزِئُهُ، كَمَا لَوْ صَامَ يَوْمَ

الشَّكِّ فَبَانَ مِنْ رَمَضَان.
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ بِالِاجْتِهَادِ فِي مَحَلِّهِ، فَإِذَا أَصَابَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ الْحَالَ؛ أَجْزَأَهُ كَالْقِبْلَةِ إذَا اشْتَبَهَتْ، أَوْ الصَّلَاةِ فِي يَوْمِ الْغَيْمِ إذَا اشْتَبَهَ وَقْتُهَا، وَفَارَقَ يَوْمَ الشَّكِّ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، فَإِنَّ الشَّرْعَ أَمَرَ بِالصَّوْمِ عِنْدَ أَمَارَةٍ عَيَّنَهَا، فَمَا لَمْ تُوجَدْ لَمْ يَجُزْ الصَّوْمُ.
الْحَالُ الثَّالِثُ: وَافَقَ قَبْلَ الشَّهْرِ، فَلَا يُجْزِئُهُ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يُجْزِئُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَ يَوْمُ عَرَفَةَ فَوَقَفُوا قَبْلَهُ.
وَلَنَا أَنَّهُ أَتَى بِالْعِبَادَةِ قَبْلَ وَقْتِهَا، فَلَمْ يُجْزِئْهُ، كَالصَّلَاةِ فِي يَوْمِ الْغَيْمِ.
وَأَمَّا الْحَجُّ فَلَا نُسَلِّمُهُ إلَّا فِيمَا إذَا أَخْطَأَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، لِعَظَمِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ لِنَفَرٍ مِنْهُمْ لَمْ يُجْزِئْهُمْ.
وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُؤْمَنُ مِثْلُهُ فِي الْقَضَاءِ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ.
الْحَالُ الرَّابِعُ: أَنْ يُوَافِقَ بَعْضُهُ رَمَضَانَ دُونَ بَعْضٍ، فَمَا وَافَقَ رَمَضَانَ أَوْ بَعْدَهُ؛ أَجْزَأَهُ وَمَا وَافَقَ قَبْلَهُ؛ لَمْ يُجْزِئْهُ.
(2117) فَصْلٌ: وَإِذَا وَافَقَ صَوْمُهُ بَعْدَ الشَّهْرِ، اُعْتُبِرَ أَنْ يَكُونَ مَا صَامَهُ بِعِدَّةِ أَيَّامِ شَهْرِهِ الَّذِي فَاتَهُ، سَوَاءٌ وَافَقَ مَا بَيْنَ هِلَالَيْنِ أَوْ لَمْ يُوَافِقْ، وَسَوَاءٌ كَانَ الشَّهْرَانِ تَامَّيْنِ أَوْ نَاقِصَيْنِ.
وَلَا يُجْزِئُهُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ إذَا وَافَقَ شَهْرًا بَيْنَ هِلَالَيْنِ أَجْزَأَهُ، سَوَاءٌ كَانَ الشَّهْرَانِ تَامَّيْنِ أَوْ نَاقِصَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا تَامًّا وَالْآخَرُ نَاقِصًا.
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] . وَلِأَنَّهُ فَاتَهُ شَهْرُ رَمَضَانَ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ صِيَامُهُ بِعِدَّةِ مَا فَاتَهُ، كَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ.
وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْخِرَقِيِّ تَعَرُّضٌ لِهَذَا التَّفْصِيلِ، فَلَا يَجُوزُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى مَا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالصَّوَابَ.
فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ إذَا نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ يُجْزِئُهُ مَا بَيْنَ هِلَالَيْنِ؟ قُلْنَا: الْإِطْلَاقُ يُحْمَلُ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ الِاسْمُ، وَالِاسْمُ يَتَنَاوَلُ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ، وَهَاهُنَا يَجِبُ قَضَاءُ مَا تَرَكَ، فَيَجِبُ أَنْ يُرَاعَى فِيهِ عِدَّةُ الْمَتْرُوكِ، كَمَا أَنَّ مَنْ نَذَرَ صَلَاةً أَجْزَأَهُ رَكْعَتَانِ، وَلَوْ تَرَكَ صَلَاةً وَجَبَ قَضَاؤُهَا بِعِدَّةِ رَكَعَاتِهَا، كَذَلِكَ هَاهُنَا الْوَاجِبُ بِعِدَّةِ مَا فَاتَهُ مِنْ الْأَيَّامِ، سَوَاءٌ كَانَ مَا صَامَهُ بَيْن هِلَالَيْنِ أَوْ مِنْ شَهْرَيْنِ، فَإِنْ دَخَلَ فِي صِيَامِهِ يَوْمُ عِيدٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، وَإِنْ وَافَقَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، فَهَلْ يُعْتَدُّ بِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ صَوْمِهَا عَلَى الْفَرْضِ.
(2118) فَصْلٌ: وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّ الْأَسِيرِ دُخُولُ رَمَضَان فَصَامَ، لَمْ يُجْزِئْهُ، وَإِنْ وَافَقَ الشَّهْرَ؛ لِأَنَّهُ صَامَهُ عَلَى الشَّكِّ؛

فَلَمْ يُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ نَوَى لَيْلَةَ الشَّكِّ، إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ؛ فَهُوَ فَرْضِي.
وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ مِنْ غَيْرِ أَمَارَةٍ، فَقَالَ الْقَاضِي: عَلَيْهِ الصِّيَامُ، وَيَقْضِي إذَا عَرَفَ الشَّهْرَ، كَاَلَّذِي خَفِيَتْ عَلَيْهِ دَلَائِلُ الْقِبْلَةِ وَيُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ وَيُعِيدُ.
وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِي مَنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ دَلَائِلُ الْقِبْلَةِ هَلْ يُعِيدُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ كَذَلِكَ يُخَرَّجُ عَلَى قَوْلِهِ هَاهُنَا.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَتَحَرَّى، فَمَتَى غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُ الشَّهْرِ صَحَّ صَوْمُهُ، وَإِنْ لَمْ يَبْنِ عَلَى دَلِيلٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ مَعْرِفَةُ الدَّلِيلِ، وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا مِثْلَ هَذَا فِي الْقِبْلَةِ.
(2119) فَصْلٌ: وَإِذَا صَامَ تَطَوُّعًا، فَوَافَقَ شَهْرَ رَمَضَان، لَمْ يُجْزِئْهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُجْزِئُهُ.
وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى تَعْيِينِ النِّيَّةِ لِرَمَضَانَ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ.

[مَسْأَلَةُ صَوْمَ يَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ]

(2120) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يُصَامُ يَوْمَا الْعِيدَيْنِ، وَلَا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، لَا عَنْ فَرْضٍ، وَلَا عَنْ تَطَوُّعٍ.
فَإِنْ قَصَدَ لِصِيَامِهَا كَانَ عَاصِيًا، وَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الْفَرْضِ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ صَوْمَ يَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، مُحَرَّمٌ فِي التَّطَوُّعِ وَالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ وَالْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ.
وَذَلِكَ لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ، قَالَ: شَهِدْت الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَجَاءَ فَصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: إنَّ هَذَيْنِ يَوْمَيْنِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صِيَامِهِمَا يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَالْآخَرُ يَوْمَ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ؛ يَوْمِ فِطْرٍ، وَيَوْمِ أَضْحَى» . وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ مِثْلُهُ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَتَحْرِيمَهُ.
وَأَمَّا صَوْمُهُمَا عَنْ النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ فَفِيهِ خِلَافٌ.
نَذْكُرُهُ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

[مَسْأَلَةُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ مَنْهِيٌّ عَنْ صِيَامِهَا]

(2121) مَسْأَلَةٌ: قَالَ (وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يَصُومُهَا عَنْ الْفَرْضِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ مَنْهِيٌّ عَنْ صِيَامِهَا أَيْضًا؛ لِمَا رَوَى نُبَيْشَةُ الْهُذَلِيُّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذِكْرٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيَّامَ مِنًى أُنَادِي: أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ» . إلَّا أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْوَاقِدِيِّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ قَالَ: هَذِهِ الْأَيَّامُ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُ بِإِفْطَارِهَا، وَيَنْهَى عَنْ صِيَامِهَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَا يَحِلُّ صِيَامُهَا تَطَوُّعًا، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَعَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُهَا.
وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ وَعَنْ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ كَانَ لَا يُفْطِرُ إلَّا يَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَبْلُغْهُمْ نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صِيَامِهَا، وَلَوْ بَلَغَهُمْ لَمْ يَعْدُوهُ إلَى غَيْرِهِ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ، أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَلَى أَبِيهِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَرَّبَ إلَيْهِمَا طَعَامًا، فَقَالَ: كُلْ، فَقَالَ: إنِّي صَائِمٌ.
فَقَالَ عَمْرٌو: كُلْ، فَهَذِهِ الْأَيَّامُ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُ بِإِفْطَارِهَا، وَيَنْهَى عَنْ صِيَامِهَا.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو أَفْطَرَ لَمَّا بَلَغَهُ نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَأَمَّا صَوْمُهَا لِلْفَرْضِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ صَوْمِهَا، فَأَشْبَهَتْ يَوْمَيْ الْعِيدِ.
وَالثَّانِيَةُ: يَصِحُّ صَوْمُهَا لِلْفَرْضِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَمْرٍو، وَعَائِشَةَ، أَنَّهُمَا قَالَا: لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ أَيْ: الْمُتَمَتِّعُ إذَا عَدِمَ الْهَدْيَ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ كُلُّ مَفْرُوضٍ.

[فَصْلُ إفْرَادُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ]

(2122) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ إفْرَادُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ، إلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ، مِثْلُ مَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا فَيُوَافِقُ صَوْمُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَمَنْ عَادَتُهُ صَوْمُ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ الشَّهْرِ، أَوْ آخِرِهِ، أَوْ يَوْمِ نِصْفِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ.
قَالَ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: صِيَامُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّهْيِ أَنْ يُفْرَدَ، ثُمَّ قَالَ: إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صِيَامٍ كَانَ يَصُومُهُ، وَأَمَّا أَنْ يُفْرَدَ فَلَا.
قَالَ: قُلْت: رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، فَوَقَعَ فِطْرُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَصَوْمُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَفِطْرُهُ يَوْمَ السَّبْتِ، فَصَامَ الْجُمُعَةَ مُفْرَدًا؟ فَقَالَ: هَذَا الْآنَ لَمْ يَتَعَمَّدْ صَوْمَهُ خَاصَّةً، إنَّمَا كُرِهَ أَنْ يَتَعَمَّدَ الْجُمُعَةَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: لَا يُكْرَهُ إفْرَادُ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ يَوْمٌ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْأَيَّامِ.
وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إلَّا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ» . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ: سَأَلْت جَابِرًا، «أَنْهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَعَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهِيَ صَائِمَةٌ، فَقَالَ: «أَصُمْتِ أَمْسِ؟ قَالَتْ: لَا.
قَالَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا؟ قَالَتْ: لَا.
قَالَ: فَأَفْطِرِي» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَفِيهِ أَحَادِيثُ سِوَى هَذِهِ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَكْرُوهَ إفْرَادُهُ؛ لِأَنَّ نَهْيَهُ مُعَلَّلٌ بِكَوْنِهَا لَمْ تَصُمْ أُمْسِ وَلَا غَدًا (2123) فَصْلٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا: يُكْرَهُ إفْرَادُ يَوْمِ السَّبْتِ بِالصَّوْمِ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ، إلَّا فِيمَا اُفْتُرِضَ عَلَيْكُمْ» . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، عَنْ أُخْتِهِ الصَّمَّاءِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ، إلَّا فِيمَا اُفْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إلَّا لِحَاءَ عِنَبَةٍ، أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ، فَلْيَمْضُغْهُ» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد.
وَقَالَ: اسْمُ أُخْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ هُجَيْمَةُ، أَوْ جُهَيْمَةُ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَمَّا صِيَامُ يَوْمِ السَّبْتِ يُفْرَدُ بِهِ فَقَدْ جَاءَ فِيهِ حَدِيثُ الصَّمَّاءِ، وَكَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ يَتَّقِيه، أَيْ: أَنْ يُحَدِّثَنِي بِهِ، وَسَمِعْته مِنْ أَبِي عَاصِمٍ وَالْمَكْرُوهُ إفْرَادُهُ، فَإِنْ صَامَ مَعَهُ غَيْرَهُ؛ لَمْ يُكْرَهْ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجُوَيْرِيَةَ.
وَإِنْ وَافَقَ صَوْمًا لَإِنْسَانٍ، لَمْ يُكْرَهْ، لِمَا قَدَّمْنَاهُ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُكْرَهُ إفْرَادُ يَوْمِ النَّيْرُوزِ وَيَوْمِ الْمِهْرَجَانِ بِالصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُمَا يَوْمَانِ يُعَظِّمُهُمَا الْكُفَّارُ، فَيَكُونُ تَخْصِيصُهُمَا بِالصِّيَامِ دُونَ غَيْرِهِمَا مُوَافَقَةً لَهُمْ فِي تَعْظِيمِهِمَا، فَكُرِهَ كَيَوْمِ السَّبْتِ.
وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا، كُلُّ عِيدٍ لِلْكُفَّارِ، أَوْ يَوْمٍ يُفْرِدُونَهُ بِالتَّعْظِيمِ.

[فَصْلُ إفْرَادُ رَجَبٍ بِالصَّوْمِ]

(2124) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ إفْرَادُ رَجَبٍ بِالصَّوْمِ.
قَالَ أَحْمَدُ: وَإِنْ صَامَهُ رَجُلٌ، أَفْطَرَ فِيهِ يَوْمًا أَوْ أَيَّامًا، بِقَدْرِ مَا لَا يَصُومُهُ كُلَّهُ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ، مَا رَوَى أَحْمَدُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، قَالَ: رَأَيْت عُمَرَ يَضْرِبُ أَكُفَّ الْمُتَرَجِّبِينَ، حَتَّى يَضَعُوهَا فِي الطَّعَامِ.
وَيَقُولُ: كُلُوا، فَإِنَّمَا هُوَ شَهْرٌ كَانَتْ تُعَظِّمُهُ الْجَاهِلِيَّةُ.
وَبِإِسْنَادِهِ

فصول الكتاب · 5 فصل · 621 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المغني لابن قدامة · 621 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
ُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ،
باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
جارٍ التحميل