المغني لابن قدامةصفحات 512-551
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،

صفحات 512-551
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
المغني لابن قدامة
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
مكتبة القاهرة
الطبعة
بدون طبعة
عدد الأجزاء
10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

حَلَفْت لَئِنْ عَادُوا لَنَصْطَلِمَنّهُم ... لَجَاءُوا تَرَدَّى حُجْرَتَيْهَا الْمَقَانِبُ وَقَالَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: فَآلَيْت لَا تَنْفَكُّ عَيْنِي حَزِينَةً ... عَلَيْك وَلَا يَنْفَكُّ جِلْدِي أَغْبَرَا وَقَوْلُهُمْ: يَحْتَمِلُ الْقَسَمَ بِغَيْرِ اللَّهِ.
قُلْنَا: إنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى الْقَسَمِ الْمَشْرُوعِ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا مَكْرُوهًا، وَلَوْ حُمِلَ عَلَى الْقَسَمِ بِغَيْرِ اللَّهِ، كَانَ مَكْرُوهًا، وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَمْ يَفْعَلْهُ أَبُو بَكْرٍ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَبَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَمَ الْعَبَّاسِ حِينَ أَقْسَمَ عَلَيْهِ.

[فَصْلٌ قَالَ أَعْزِمُ أَوْ عَزَمْت فِي الْحَلِف]

(7973) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: أَعْزِمُ، أَوْ عَزَمْت.
لَمْ يَكُنْ قَسَمًا، نَوَى بِهِ الْقَسَمَ أَوْ لَمْ يَنْوِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِهَذَا اللَّفْظِ عُرْفٌ فِي شَرْعٍ وَلَا اسْتِعْمَالٍ، وَلَا هُوَ مَوْضِعٌ لِلْقَسَمِ، وَلَا فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَسْتَعِينُ بِاَللَّهِ، أَوْ أَعْتَصِمُ بِاَللَّهِ، أَوْ أَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ، أَوْ عَلِمَ اللَّهُ، أَوْ عَزَّ اللَّهُ، أَوْ تَبَارَكَ اللَّهُ.
وَنَحْوُ هَذَا، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا، نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ لِلْقَسَمِ لُغَةً، وَلَا ثَبَتَ لَهُ عُرْفٌ فِي شَرْعٍ وَلَا اسْتِعْمَالٍ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ شَيْءٌ، كَمَا لَوْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ.

[مَسْأَلَة الْحَلِفَ بِأَمَانَةِ اللَّهِ]

(7974) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (أَوْ بِأَمَانَةِ اللَّهِ) قَالَ الْقَاضِي: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّ الْحَلِفَ بِأَمَانَةِ اللَّهِ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهَا، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْحَلِفَ بِصِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْأَمَانَةَ تُطْلَقُ عَلَى الْفَرَائِضِ وَالْوَدَائِعِ وَالْحُقُوقِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: 72] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] . يَعْنِي الْوَدَائِعَ وَالْحُقُوقَ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» . وَإِذَا كَانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا، لَمْ يُصْرَفْ إلَى أَحَدِ مُحْتَمَلَاتِهِ إلَّا بِنِيَّتِهِ أَوْ دَلِيلٍ صَارِفٍ إلَيْهِ.

وَلَنَا، أَنَّ أَمَانَةَ اللَّهِ صِفَةٌ لَهُ، بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ حَلَفَ بِهَا إذَا نَوَى، وَيَجِبُ حَمْلُهَا عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، لِوُجُوهٍ؛ أَحَدُهَا، أَنَّ حَمْلَهَا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ صَرْفٌ لِيَمِينِ الْمُسْلِمِ إلَى الْمَعْصِيَةِ، أَوْ الْمَكْرُوهِ؛ لِكَوْنِهِ قَسَمًا بِمَخْلُوقٍ، وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الْمُسْلِمِ خِلَافُهُ.
وَالثَّانِي، أَنَّ الْقَسَمَ فِي الْعَادَةِ يَكُونُ بِالْمُعَظَّمِ الْمُحْتَرَمِ دُونَ غَيْرِهِ، وَصِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى أَعْظَمُ حُرْمَةً وَقَدْرًا.
وَالثَّالِثُ، أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْفَرَائِضِ وَالْوَدَائِعِ لَمْ يُعْهَدْ الْقَسَمُ بِهَا، وَلَا يُسْتَحْسَنُ ذَلِكَ لَوْ صُرِّحَ بِهِ، فَكَذَلِكَ لَا يُقْسَمُ بِمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَنْهُ.
الرَّابِعُ، أَنَّ أَمَانَةَ اللَّهِ الْمُضَافَةَ إلَيْهِ، هِيَ صِفَتُهُ، وَغَيْرُهَا يُذْكَرُ غَيْرَ مُضَافٍ إلَيْهِ، كَمَا ذُكِرَ فِي الْآيَاتِ وَالْخَبَرِ.
الْخَامِسُ، أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌ فِي كُلِّ أَمَانَةِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ إذَا أُضِيفَ إلَى مَعْرِفَةٍ، أَفَادَ الِاسْتِغْرَاقَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ أَمَانَةُ اللَّهِ الَّتِي هِيَ صِفَتُهُ، فَتَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهَا مُوجِبَةً لِلْكَفَّارَةِ، كَمَا لَوْ نَوَاهَا.

[فَصْلٌ نَوَى الْحَلِفَ بِأَمَانَةِ اللَّهِ]

(7975) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: وَالْأَمَانَةِ لَا فَعَلْت.
وَنَوَى الْحَلِفَ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، فَهُوَ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ مُوجِبَةٌ لِلْكَفَّارَةِ.
وَإِنْ أَطْلَقَ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا؛ يَكُونُ يَمِينًا؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْوُجُوهِ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يَكُونُ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُضِفْهَا إلَى اللَّهِ - تَعَالَى، فَيَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: وَالْعَهْدِ، وَالْمِيثَاقِ، وَالْجَبَرُوتِ، وَالْعَظَمَةِ، وَالْأَمَانَاتِ.
فَإِنْ نَوَى يَمِينًا كَانَ يَمِينًا، وَإِلَّا فَلَا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْأَمَانَةِ رِوَايَتَيْنِ، فَيَخْرُجُ فِي سَائِرِ مَا ذَكَرُوهُ وَجْهَانِ، قِيَاسًا عَلَيْهَا.

[فَصْلٌ الْحَلِفُ بِأَمَانَةِ اللَّهِ]

(7976) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ الْحَلِفُ بِالْأَمَانَةِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ، فَلَيْسَ مِنَّا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَرُوِيَ عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ: أَنَّ رَجُلًا حَلَفَ عِنْدَهُ بِالْأَمَانَةِ، فَجَعَلَ يَبْكِي بُكَاءً شَدِيدًا، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: هَلْ كَانَ هَذَا يُكْرَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَانَ عُمَرُ يَنْهَى عَنْ الْحَلِفِ بِالْأَمَانَةِ أَشَدَّ النَّهْيِ.

[فَصْل تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِالْحَلِفِ بِمَخْلُوقِ كَالْكَعْبَةِ]

(7977) فَصْلٌ: وَلَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِالْحَلِفِ بِمَخْلُوقٍ؛ كَالْكَعْبَةِ، وَالْأَنْبِيَاءِ، وَسَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ فِيهَا.
هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: الْحَلِفُ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمِينٌ مُوجِبَةٌ لِلْكَفَّارَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: إذَا حَلَفَ بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَنِثَ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: لِأَنَّهُ أَحَدُ شَرْطَيْ الشَّهَادَةِ، فَالْحَلِفُ بِهِ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ، كَالْحَلِفِ بِاسْمِ اللَّهِ - تَعَالَى.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ» . وَلِأَنَّهُ

حَلِفٌ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَلَمْ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، كَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ، فَلَمْ تَجِبْ الْكَفَّارَةُ بِالْحَلِفِ بِهِ، كَإِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ اسْمِ غَيْرِ اللَّهِ عَلَى اسْمِهِ؛ لِعَدَمِ الشَّبَهِ، وَانْتِفَاءِ الْمُمَاثَلَةِ.
وَكَلَامُ أَحْمَدَ فِي هَذَا يُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْإِيجَابِ.

[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ بِكُلِّ أَلْفَاظِ الْقَسَمِ كُلِّهَا عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ فَحَنِثَ]

(7978) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ حَلَفَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، فَحَنِثَ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ بِجَمِيعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْخِرَقِيِّ، وَمَا يَقُومُ مَقَامَهَا، أَوْ كَرَّرَ الْيَمِينَ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، مِثْلَ إنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا.
فَحَنِثَ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ.
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَعُرْوَةُ، وَإِسْحَاقُ.
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالنَّخَعِيِّ، وَحَمَّادٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، فِيمَنْ قَالَ: عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ وَكَفَالَتُهُ.
ثُمَّ حَنِثَ: فَعَلَيْهِ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: عَلَيْهِ بِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةٌ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ التَّأْكِيدَ وَالتَّفْهِيمَ.
وَنَحْوُهُ عَنْ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَعَنْ الشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، إنْ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ كَقَوْلِنَا، وَإِنْ كَانَ فِي مَجَالِسَ كَقَوْلِهِمْ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ أَسْبَابَ الْكَفَّارَاتِ تَكَرَّرَتْ، فَتُكَرَّرُ الْكَفَّارَاتُ، كَالْقَتْلِ لِآدَمِيٍّ، وَصَيْدِ حَرَمِيٍّ.
وَلِأَنَّ الْيَمِينَ الثَّانِيَةَ مِثْلُ الْأُولَى، فَتَقْتَضِي مَا تَقْتَضِيهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ حِنْثٌ وَاحِدٌ أَوْجَبَ جِنْسًا وَاحِدًا مِنْ الْكَفَّارَاتِ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ، كَمَا لَوْ قَصْدَ التَّأْكِيدَ وَالتَّفْهِيمَ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهَا أَسْبَابٌ تَكَرَّرَتْ.
لَا نُسَلِّمُهُ؛ فَإِنَّ السَّبَبَ الْحِنْثُ، وَهُوَ وَاحِدٌ، وَإِنْ سَلَّمْنَا، فَيَنْتَقِضُ بِمَا إذَا تَكَرَّرَ الْوَطْءُ فِي رَمَضَانَ فِي أَيَّامٍ، وَبِالْحُدُودِ إذَا تَكَرَّرَتْ أَسْبَابُهَا، فَإِنَّهَا كَفَّارَاتٌ، وَبِمَا إذَا قَصْدَ التَّأْكِيدَ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الصَّيْدِ الْحَرَمِيِّ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ بَدَلٌ، وَلِذَلِكَ تَزْدَادُ بِكِبَرِ الصَّيْدِ، وَتَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ، فَهِيَ كَدِيَةِ الْقَتِيلِ، وَلَا عَلَى كَفَّارَةِ قَتْلِ الْآدَمِيِّ؛ لِأَنَّهَا أُجْرِيَتْ مَجْرَى الْبَدَلِ أَيْضًا لِحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى، لِأَنَّهُ لَمَّا أَتْلَفَ آدَمِيًّا عَابِدًا لِلَّهِ تَعَالَى، نَاسَبَ أَنْ يُوجِدَ عَبْدًا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْعِبَادَةِ، فَلَمَّا عَجَزَ عَنْ الْإِيجَادِ، لَزِمَهُ إعْتَاقُ رَقَبَةٍ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ إيجَادٌ لِلْعَبْدِ بِتَخْلِيصِهِ مِنْ رِقِّ الْعُبُودِيَّةِ وَشُغْلِهَا، إلَى فَرَاغِ الْبَالِ لِلْعِبَادَةِ بِالْحُرِّيَّةِ الَّتِي حَصَلَتْ بِالْإِعْتَاقِ.
ثُمَّ الْفَرْقُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّ السَّبَبَ هَاهُنَا تَكَرَّرَ بِكَمَالِهِ وَشُرُوطِهِ، وَفِي مَحَلِّ النِّزَاعِ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ إمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ السَّبَبَ، أَوْ جُزْءًا مِنْهُ، أَوْ شَرْطًا لَهُ، بِدَلِيلِ تَوَقُّفِ الْحُكْمِ عَلَى وُجُودِهِ، وَأَيًّا مَا كَانَ، فَلَمْ يَتَكَرَّرْ، فَلَمْ يَجُزْ الْإِلْحَاقُ ثَمَّ، وَإِنْ صَحَّ الْقِيَاسُ، فَقِيَاسُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ عَلَى مِثْلِهَا، أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهَا عَلَى الْقَتْلِ؛ لِبُعْدِ مَا بَيْنَهُمَا.

[فَصْل حَلَفَ يَمِينًا وَاحِدَةً عَلَى أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ]

(7979) فَصْلٌ: وَإِذَا حَلَفَ يَمِينًا وَاحِدَةً عَلَى أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَكَلْت، وَلَا شَرِبْت، وَلَا لَبِسْت.
فَحَنِثَ فِي

الْجَمِيعِ، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ وَاحِدَةٌ، وَالْحِنْثَ وَاحِدٌ، فَإِنَّهُ بِفِعْلِ وَاحِدٍ مِنْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ يَحْنَثُ، وَتَنْحَلُّ الْيَمِينُ.
وَإِنْ حَلَفَ أَيْمَانًا عَلَى أَجْنَاسٍ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَكَلَتْ، وَاَللَّهِ لَا شَرِبْت، وَاَللَّهِ لَا لَبِسْت.
فَحَنِثَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، فَإِنْ أَخْرَجَهَا ثُمَّ حَنِثَ فِي يَمِينٍ أُخْرَى، لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ أُخْرَى.
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا أَيْضًا خِلَافًا؛ لِأَنَّ الْحِنْثَ فِي الثَّانِيَةِ تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ بَعْدَ أَنْ كَفَّرَ عَنْ الْأُولَى، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَطِئَ فِي رَمَضَانَ فَكَفَّرَ، ثُمَّ وَطِئَ مَرَّةً أُخْرَى.
وَإِنْ حَنِثَ فِي الْجَمِيعِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ، فَعَلَيْهِ فِي كُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةٌ.
هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.
وَرَوَاهُ الْمَرُّوذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ.
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: تُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَرَوَاهَا ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ.
قَالَ الْقَاضِي: وَهِيَ الصَّحِيحَةُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ قَوْلٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَمَذْهَبُهُ أَنَّ كَفَّارَةً وَاحِدَةً تُجْزِئُهُ.
وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَاتٌ مِنْ جِنْسٍ، فَتَدَاخَلَتْ، كَالْحُدُودِ مِنْ جِنْسٍ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مَحَالُّهَا، بِأَنْ يَسْرِقَ مِنْ جَمَاعَةٍ، أَوْ يَزْنِيَ بِنِسَاءٍ.
وَلَنَا، أَنَّهُنَّ أَيْمَانٌ لَا يَحْنَثُ فِي إحْدَاهُنَّ بِالْحِنْثِ فِي الْأُخْرَى، فَلَمْ تَتَكَفَّرْ إحْدَاهُمَا بِكَفَّارَةِ الْأُخْرَى، كَمَا لَوْ كَفَّرَ عَنْ إحْدَاهُمَا قَبْلَ الْحِنْثِ فِي الْأُخْرَى، وَكَالْأَيْمَانِ الْمُخْتَلِفَةِ الْكَفَّارَةِ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْأَيْمَانَ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ؛ فَإِنَّهُ مَتَى حَنِثَ فِي إحْدَاهُمَا كَانَ حَانِثًا فِي الْأُخْرَى، فَإِنْ كَانَ الْحِنْثُ وَاحِدًا، كَانَتْ الْكَفَّارَةُ وَاحِدَةً، وَهَا هُنَا تَعَدَّدَ الْحِنْثُ، فَتَعَدَّدَتْ الْكَفَّارَاتُ، وَفَارَقَ الْحُدُودَ؛ فَإِنَّهَا وَجَبَتْ لِلزَّجْرِ، وَتَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، وَلِأَنَّ الْحُدُودَ عُقُوبَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فَالْمُوَالَاةُ بَيْنَهَا رُبَّمَا أَفْضَتْ إلَى التَّلَفِ، فَاجْتُزِئَ بِأَحَدِهَا، وَهَا هُنَا الْوَاجِبُ إخْرَاجُ مَالٍ يَسِيرٍ، أَوْ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلَا يَلْزَمُ الضَّرَرُ الْكَثِيرُ بِالْمُوَالَاةِ فِيهِ، وَلَا يُخْشَى مِنْهُ التَّلَفُ.

[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ بِيَمِينَيْنِ مُخْتَلِفِي الْكَفَّارَةِ]

(7980) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ بِيَمِينَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الْكَفَّارَةِ، لَزِمَتْهُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْيَمِينَيْنِ كَفَّارَتُهَا) هَذَا مِثْلُ الْحَلِفِ بِاَللَّهِ وَبِالظِّهَارِ، وَبِعِتْقِ عَبْدِهِ، فَإِذَا حَنِثَ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَكَفَّارَةُ ظِهَارٍ، وَيَعْتِقُ الْعَبْدُ؛ لِأَنَّ تَدَاخُلَ الْأَحْكَامِ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ، كَالْحُدُودِ مِنْ جِنْسٍ، وَالْكَفَّارَاتُ هَاهُنَا أَجْنَاسٌ، وَأَسْبَابُهَا مُخْتَلِفَةٌ، فَلَمْ تَتَدَاخَلْ، كَحَدِّ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ وَالشُّرْبِ.

[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ بِحَقِّ الْقُرْآنِ]

(7981) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ حَلَفَ بِحَقِّ الْقُرْآنِ، لَزِمَتْهُ بِكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَالْحَسَنِ.
وَعَنْهُ، أَنَّ الْوَاجِبَ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَهُوَ قِيَاسُ

الْمَذْهَبِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ؛ لِأَنَّ الْحَلِفَ بِصِفَاتِ اللَّهِ كُلِّهَا، وَتَكَرُّرَ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ، لَا يُوجِبُ أَكْثَرَ مِنْ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ، فَالْحَلِفُ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ أَوْلَى أَنْ تُجْزِئَهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، مَا رَوَى مُجَاهِدٌ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ حَلَفَ بِسُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ، فَعَلَيْهِ بِكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةُ يَمِينٍ صَبْرٍ، فَمَنْ شَاءَ بَرَّ، وَمَنْ شَاءَ فَجَرَ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
وَلِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: عَلَيْهِ بِكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
وَلَمْ نَعْرِفْ مُخَالِفًا لَهُ فِي الصَّحَابَةِ، فَكَانَ إجْمَاعًا.
قَالَ أَحْمَدُ: وَمَا أَعْلَمُ شَيْئًا يَدْفَعُهُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ كَلَامَ أَحْمَدَ، فِي كُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةٌ، عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: عَلَيْهِ بِكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةٌ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَرَدُّهُ إلَى وَاحِدَةٍ عِنْدَ الْعَجْزِ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهَا غَيْرُ وَاجِبٍ.
وَكَلَامُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا يُحْمَلُ عَلَى الِاخْتِيَارِ، وَالِاحْتِيَاطِ لِكَلَامِ اللَّهِ، وَالْمُبَالَغَةِ فِي تَعْظِيمِهِ، كَمَا أَنَّ عَائِشَةَ أَعْتَقَتْ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً حِينَ حَلَفَتْ بِالْعَهْدِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ، وَلَا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 89] . وَهَذِهِ يَمِينٌ، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْأَيْمَانِ الْمُنْعَقِدَةِ، وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، فَلَمْ تُوجِبْ كَفَّارَاتٍ، كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ، وَلِأَنَّ إيجَابَ كَفَّارَاتٍ بِعَدَدِ الْآيَاتِ يُفْضِي إلَى الْمَنْعِ مِنْ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ؛ لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ بِحِنْثِهِ تَلْزَمُهُ هَذِهِ الْكَفَّارَاتُ كُلُّهَا، تَرَكَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ كَائِنًا مَا كَانَ، وَقَدْ يَكُونُ بِرًّا وَتَقْوَى وَإِصْلَاحًا، فَتَمْنَعُهُ مِنْهُ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ - تَعَالَى - عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: 224] . وَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ كَفَّارَاتٍ بِعَدَدِ الْآيَاتِ، فَلَمْ يُطِقْ، أَجْزَأَتْهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.

[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ بِنَحْرِ وَلَدِهِ]

(7982) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فِيمَنْ حَلَفَ بِنَحْرِ وَلَدِهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَالْأُخْرَى يَذْبَحُ كَبْشًا) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيمَنْ حَلَفَ بِنَحْرِ وَلَدِهِ، نَحْوَ أَنْ يَقُولَ: إنَّ فَعَلْت كَذَا، فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَذْبَحَ وَلَدِي.
أَوْ يَقُولَ: وَلَدِي نَحِيرٌ إنْ فَعَلْت كَذَا.
أَوْ نَذَرَ ذَبْحَ وَلَدِهِ مُطْلَقًا، غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِشَرْطٍ.
فَعَنْ أَحْمَدَ، عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
وَهَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ هَذَا نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، أَوْ نَذْرُ لَجَاجٍ، وَكِلَاهُمَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِامْرَأَةٍ نَذَرَتْ أَنْ تَذْبَحَ ابْنَهَا: لَا تَنْحَرِي ابْنَك، وَكَفِّرِي عَنْ يَمِينِك.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، كَفَّارَتُهُ ذَبْحُ كَبْشٍ، وَيُطْعِمُهُ لِلْمَسَاكِينِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ نَذْرَ ذَبْحِ الْوَلَدِ جُعِلَ فِي الشَّرْعِ كَنَذْرِ ذَبْحِ شَاةٍ، بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى أَمَرَ إبْرَاهِيمَ بِذَبْحِ وَلَدِهِ، وَكَانَ أَمْرًا بِذَبْحِ شَاةٍ، وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ، وَدَلِيلُ أَنَّهُ أُمِرَ بِذَبْحِ شَاةٍ، أَنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ

بِالْفَحْشَاءِ، وَلَا بِالْمَعَاصِي، وَذَبْحُ الْوَلَدِ مِنْ كَبَائِرِ الْمَعَاصِي.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: 31] . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ.
قِيلَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ؛ خَشْيَةَ أَنْ يُطْعِمَ مَعَكَ» . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءِ، وَلَا يَجِبُ بِهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ، وَلَا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» . وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ، فَلَا يَعْصِهِ» . وَلَنَا، قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» . وَلِأَنَّ النَّذْرَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْيَمِينِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «النَّذْرُ حَلِفُهُ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» . فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ حَلَفَ لَيَذْبَحَنَّ وَلَدَهُ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ النَّذْرَ لِذَبْحِ الْوَلَدِ كِنَايَةٌ عَنْ ذَبْحِ كَبْشٍ.
لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ لَوْ كَانَ مَأْمُورًا بِذَبْحِ كَبْشٍ، لَمْ يَكُنْ الْكَبْشُ فِدَاءً، وَلَا كَانَ مُصَدِّقًا لِلرُّؤْيَا قَبْلَ ذَبْحِ الْكَبْشِ، وَإِنَّمَا أُمِرَ بِذَبْحِ ابْنِهِ ابْتِلَاءً، ثُمَّ فُدِيَ بِالْكَبْشِ، وَهَذَا أَمْرٌ اخْتَصَّ بِإِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، لَا يَتَعَدَّاهُ إلَى غَيْرِهِ، لَحِكْمَةٍ عَلِمَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ.
ثُمَّ لَوْ كَانَ إبْرَاهِيمُ مَأْمُورًا بِذَبْحِ كَبْشٍ، فَقَدْ وَرَدَ شَرْعُنَا بِخِلَافِهِ، فَإِنَّ نَذْرَ ذَبْحِ الِابْنِ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ فِي شَرْعِنَا، وَلَا مُبَاحٍ، بَلْ هُوَ مَعْصِيَةٌ، فَتَكُونُ كَفَّارَتُهُ كَكَفَّارَةِ سَائِرِ نُذُورِ الْمَعَاصِي.

[فَصْلٌ نَذَرَ ذَبْحَ نَفْسِهِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ]

(7983) فَصْلٌ: وَإِنْ نَذَرَ ذَبْحَ نَفْسِهِ، أَوْ أَجْنَبِيٍّ، فَفِيهِ أَيْضًا عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ، فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ نَفْسَهُ إذَا حَنِثَ: يَذْبَحُ شَاةً.
وَكَذَلِكَ إنْ نَذَرَ ذَبْحَ أَجْنَبِيٍّ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي الَّذِي قَالَ: أَنَا أَنْحَرُ فُلَانًا.
فَقَالَ: عَلَيْهِ ذَبْحُ كَبْشٍ.
وَلِأَنَّهُ نَذَرَ ذَبْحَ آدَمِيٍّ، فَكَانَ عَلَيْهِ ذَبْحُ كَبْشٍ، كَنَذْرِ ذَبْحِ ابْنِهِ.
وَالثَّانِيَةُ، عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، فَكَانَ مُوجَبُهُ كَفَّارَةً، لِمَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَرَوَى الْجُوزَجَانِيُّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ:

إنِّي نَذَرْت أَنَّ أَنْحَرَ نَفْسِي.
قَالَ: فَتَجَهَّمَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَأَفَّفَ مِنْهُ، ثُمَّ أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ: أَهْدِ مِائَةَ بَدَنَةٍ.
ثُمَّ أَتَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْت لَوْ نَذَرْت أَنْ لَا تُكَلِّمَ أَبَاكَ أَوْ أَخَاكَ؟ إنَّمَا هَذِهِ خُطْوَةٌ مِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، اسْتَغْفِرْ اللَّهَ، وَتُبْ إلَيْهِ.
ثُمَّ رَجَعَ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: أَصَابَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ.
وَرَجَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ.
وَالصَّحِيحُ فِي هَذَا، أَنَّهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، حُكْمُهُ حُكْمُ نَذْرِ سَائِرِ الْمَعَاصِي لَا غَيْرُ.

[فَصْلٌ امْرَأَةٍ نَذَرَتْ نَحْرَ وَلَدِهَا وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ]

(7984) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ، فِي امْرَأَةٍ نَذَرَتْ نَحْرَ وَلَدِهَا، وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ: تَذْبَحُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ كَبْشًا، وَتُكَفِّرُ يَمِينَهَا.
وَهَذَا عَلَى قَوْلِهِ: إنَّ كَفَّارَةَ نَذْرِ ذَبْحِ الْوَلَدِ ذَبْحُ كَبْشٍ.
جَعَلَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ كَبْشًا؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْوَاحِدِ إذَا أُضِيفَ اقْتَضَى التَّعْمِيمَ، فَكَانَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ كَبْشٌ.
فَإِنْ عَنَتْ بِنَذْرِهَا وَاحِدًا فَإِنَّمَا عَلَيْهَا كَبْشٌ وَاحِدٌ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، لَمَّا أُمِرَ بِذَبْحِ ابْنِهِ الْوَاحِدِ، فُدِيَ بِكَبْشٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَفْدِ غَيْرَ مَنْ أُمِرَ بِذَبْحِهِ مِنْ أَوْلَادِهِ، وَكَذَا هَاهُنَا، وَعَبْدُ الْمُطَّلِبِ لَمَّا نَذَرَ ذَبْحَ ابْنٍ مِنْ بَنِيهِ إنْ بَلَغُوا عَشَرَةً، لَمْ يَفْدِ مِنْهُمْ إلَّا وَاحِدًا.
وَسَوَاءٌ نَذَرَتْهُ مُعَيَّنًا، أَوْ عَنَتْ وَاحِدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، فَأَمَّا قَوْلُ أَحْمَدَ: وَتُكَفِّرُ يَمِينَهَا.
فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ ذَبْحَ الْكِبَاشِ كَفَّارَةُ يَمِينِهَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ نَذْرِهَا يَمِينٌ.
وَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، تُجْزِئُهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ، عَلَى مَا سَبَقَ.

[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ بِعِتْقِ مَا يَمْلِكُ فَحَنِثَ]

(7985) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ حَلَفَ بِعِتْقِ مَا يَمْلِكُ، فَحَنِثَ، عَتَقَ عَلَيْهِ كُلُّ مَا يَمْلِكُ مِنْ عَبِيدِهِ، وَإِمَائِهِ، وَمُكَاتَبِيهِ، وَمُدَبَّرِيهِ، وَأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ، وَشِقْصٍ يَمْلِكُهُ مِنْ مَمْلُوكِهِ) مَعْنَاهُ إذَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا، فَكُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ أَوْ عَتِيقٌ، أَوْ فَكُلٌّ مَا أَمْلِكُ حُرٌّ.
فَإِنَّ هَذَا إذَا حَنِثَ عَتَقَ مَمَالِيكُهُ، وَلَمْ تُغْنِ عَنْهُ كَفَّارَةٌ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ، وَأَبِي سَلَمَةَ، وَحَفْصَةَ، وَزَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، وَالْحَسَنِ، وَأَبِي ثَوْرٍ: تُجْزِئُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
لِأَنَّهَا يَمِينٌ، فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 89] . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: قَالَتْ مَوْلَاتِي لَيْلَى بِنْتُ الْعَجْمَاءِ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لَهَا مُحَرَّرٌ، وَكُلُّ مَالٍ لَهَا هَدْيٌ، وَهِيَ يَهُودِيَّةٌ وَهِيَ نَصْرَانِيَّةٌ إنْ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَك وَبَيْنَ امْرَأَتِك.
قَالَ: فَأَتَيْت زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ، ثُمَّ أَتَيْت حَفْصَةَ.
إلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ أَتَيْت ابْنَ عُمَرَ، فَجَاءَ مَعِي إلَيْهَا، فَقَامَ عَلَى الْبَابِ فَسَلَّمَ، فَقَالَ: أَمِنْ حِجَارَةٍ أَنْتِ أَمْ مِنْ حَدِيدٍ؟ أَفْتَتْكِ زَيْنَبُ، وَأَفْتَتْكِ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، كَفِّرِي عَنْ يَمِينِك، وَخَلِّي بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ.
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَالْجُوزَجَانِيُّ مُطَوَّلًا.

وَلَنَا، أَنَّهُ عَلَّقَ الْعِتْقَ عَلَى شَرْطٍ، وَهُوَ قَابِلٌ لِلتَّعْلِيقِ، فَيَقَعُ بِوُجُودِ شَرْطِهِ، كَالطَّلَاقِ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالطَّلَاقِ، وَالْعِتْقُ فِي مَعْنَاهُ، وَلِأَنَّ الْعِتْقَ لَيْسَ بِيَمِينٍ فِي الْحَقِيقَةِ، إنَّمَا هُوَ تَعْلِيقٌ عَلَى شَرْطٍ، فَأَشْبَهَ الطَّلَاقَ.
فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ فِيهِ: كَفِّرِي يَمِينَك، وَأَعْتِقِي جَارِيَتَك.
وَهَذِهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَمْلُوكٌ سِوَاهَا.

[فَصْلٌ قَالَ إنْ فَعَلْت فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَ عَبْدِي أَوْ أُحَرِّرَهُ]

(7986) فَصْلٌ: فَأَمَّا إنْ قَالَ: إنْ فَعَلْت، فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَ عَبْدِي أَوْ أُحَرِّرَهُ.
أَوْ نَحْوَ هَذَا، لَمْ يُعْتَقْ بِحِنْثِهِ، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي نَذْرِ اللَّجَاجِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يُعَلِّقْ عِتْقَ الْعَبْدِ، إنَّمَا حَلَفَ عَلَى تَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِشَرْطٍ، بِخِلَافِ الَّذِي قَبْلَهُ.
(7987) فَصْلٌ: وَإِذَا حَنِثَ، عَتَقَ عَلَيْهِ عَبِيدُهُ، وَإِمَاؤُهُ، وَمُدَبَّرُوهُ، وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ، وَمُكَاتَبُوهُ، وَالْأَشْقَاصُ الَّتِي يَمْلِكُهَا مِنْ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَالْمُزَنِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى؛ لَا يَعْتِقُ الشِّقْصُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ.
وَلَعَلَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الشِّقْصَ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْعَبْدِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَصَاحِبَاهُ، وَإِسْحَاقُ: لَا يَعْتِقُ الْمُكَاتَبُ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ مِلْكِ سَيِّدِهِ وَتَصَرُّفِهِ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي اسْمِ مَمَالِيكِهِ، كَالْحُرِّ.
وَقَالَ الرَّبِيعُ: سَمَاعِي مِنْ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ يَعْتِقُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مَمْلُوكُهُ، فَيَعْتِقُ، كَالْمُدَبَّرِ؛ وَدَلِيلُ كَوْنِهِ مَمْلُوكَهُ، قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» . وَقَوْلُهُ لِعَائِشَةَ: «اشْتَرِي بَرِيرَةَ، وَأَعْتِقِيهَا» وَكَانَتْ مُكَاتَبَةً، وَلَا يَصِحُّ شِرَاءُ غَيْرِ الْمَمْلُوكِ وَلَا عِتْقُهُ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ إعْتَاقُهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَأَحْكَامُهُ أَحْكَامُ الْعَبِيدِ، وَلِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَالِكٍ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ إعْتَاقُهُ بِالْمُبَاشَرَةِ، فَدَخَلَ فِي الْعِتْقِ بِالتَّعْلِيقِ، كَسَائِرِ عَبِيدِهِ.
وَأَمَّا الشِّقْصُ، فَإِنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ، قَابِلٌ لِلتَّحْرِيرِ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ لَفْظِهِ.

[فَصْل قَالَ عَبْدُ فُلَانٍ حُرٌّ إنْ دَخَلْت الدَّارَ ثُمَّ دَخَلَهَا]

(7988) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: عَبْدُ فُلَانٍ حُرٌّ، إنْ دَخَلْت الدَّارَ.
ثُمَّ دَخَلَهَا، لَمْ يَعْتِقْ الْعَبْدُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتِقُ بِإِعْتَاقِهِ نَاجِزًا، فَلَا يَعْتِقُ بِالتَّعْلِيقِ أَوْلَى.
وَهَلْ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ؟ فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ أَبِي مُوسَى؛ إحْدَاهُمَا؛ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ بِالْعِتْقِ فِيمَا لَا يَقَعُ بِالْحِنْثِ، فَلَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ، كَمَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَ فُلَانًا.
وَالثَّانِيَةُ، لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ بِإِخْرَاجِ مَالِ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، كَمَا لَوْ قَالَ: مَالُ فُلَانٍ صَدَقَةٌ، إنْ دَخَلْت الدَّارَ.
وَلِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْعِتْقِ عَلَى صِفَةٍ، فَلَمْ تَجِبْ بِهِ كَفَّارَةٌ، كَسَائِرِ التَّعْلِيقِ.
وَأَمَّا إذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتِقَ

عَبْدًا.
فَإِنَّهُ نَذْرٌ، فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ؛ لِكَوْنِ النَّذْرِ كَالْيَمِينِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ هَاهُنَا، فَإِنَّهُ إنَّمَا عَلَّقَ الْعِتْقَ عَلَى صِفَةٍ، فَوُجُودُ الصِّفَةِ أَثَّرَ فِي جَعْلِ الْمُعَلَّقِ كَالْمُنْجَزِ، وَلَوْ نَجَزَ الْعِتْقُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا.

[فَصْلٌ فَإِنْ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَمَالُ فُلَانٍ صَدَقَةٌ]

(7989) فَصْلٌ فَإِنْ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَمَالُ فُلَانٍ صَدَقَةٌ، أَوْ فَعَلَى فُلَانٍ حِجَّةٌ، أَوْ فَمَالُ فُلَانٍ حَرَامٌ عَلَيْهِ أَوْ هُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ.
وَأَشْبَاهَ هَذَا، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِيَمِينٍ، وَلَا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ.
وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ فِيهِ بِكَفَّارَةٍ وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ.

[مَسْأَلَةٌ وَمِنْ حَلَفَ فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ وَبَعْدَهُ]

(7990) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَمَنْ حَلَفَ فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ وَبَعْدَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْكَفَّارَةُ صَوْمًا، أَوْ غَيْرَهُ، إلَّا فِي الظِّهَارِ وَالْحَرَامِ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ قَبْلَ الْحِنْثِ الظِّهَارُ وَالْحَرَامُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا عَطَفَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ لِاخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، فِيمَا عَلِمْنَاهُ، فِي وُجُوبِ تَقْدِيمِ كَفَّارَتِهِ عَلَى الْوَطْءِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3] . فَأَمَّا كَفَّارَةُ سَائِرِ الْأَيْمَانِ، فَإِنَّهَا تَجُوزُ قَبْلَ الْحِنْثِ وَبَعْدَهُ، صَوْمًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَهُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ جَوَازُ تَقْدِيمِ التَّكْفِيرِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَابْنُهُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، وَمَسْلَمَةُ بْنُ مَخْلَدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَرَبِيعَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا تُجْزِئُ الْكَفَّارَةُ قَبْلَ الْحِنْثِ؛ لِأَنَّهُ تَكْفِيرٌ قَبْلَ وُجُودِ سَبَبِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَفَّرَ قَبْلَ الْيَمِينِ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّ سَبَبَ التَّكْفِيرِ الْحِنْثُ، إذْ هُوَ هَتْكُ الِاسْمِ الْمُعَظَّمِ الْمُحْتَرَمِ، وَلَمْ يُوجَدْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ كَقَوْلِنَا فِي الْإِعْتَاقِ وَالْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ، وَكَقَوْلِهِمْ فِي الصِّيَامِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ.
فَلَمْ يَجُزْ فِعْلُهُ قَبْلَ وُجُوبِهِ لِغَيْرِ مَشَقَّةٍ، كَالصَّلَاةِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَفِي لَفْظٍ: «وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالْأَثْرَمُ وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَعْدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوَ ذَلِكَ.
رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
وَعَنْ أَبِي مُوسَى، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنِّي إنْ شَاءَ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إلَّا كَفَّرْت عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ.
أَوْ أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفَّرْت عَنْ يَمِينِي» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلِأَنَّهُ كَفَّرَ بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ، فَأَجْزَأَ، كَمَا لَوْ كَفَّرَ بَعْدَ الْجَرْحِ، وَقَبْلَ الزَّهُوقِ، وَالسَّبَبُ هُوَ الْيَمِينُ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: 89] . وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2] . وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَكَفَّرْت عَنْ يَمِينِي وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك» . وَتَسْمِيَةِ الْكَفَّارَةِ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ، وَبِهَذَا يَنْفَصِلُ عَمَّا ذَكَرُوهُ، فَإِنَّ الْحِنْثَ شَرْطٌ وَلَيْسَ بِسَبَبٍ، وَتَعْجِيلُ حَقِّ الْمَالِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ وَقَبْلَ وُجُودِ شَرْطِهِ جَائِزٌ، بِدَلِيلِ تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ بَعْدَ وُجُودِ النِّصَابِ وَقَبْلَ الْحَوْلِ، وَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ بَعْدَ الْجَرْحِ وَقَبْلَ الزَّهُوقِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدَ الْبَرِّ: الْعَجَبُ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، أَجَازُوا تَقْدِيمَ الزَّكَاةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْوُوا فِيهَا مِثْلَ هَذِهِ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ، وَيَأْبُونَ تَقْدِيمَ الْكَفَّارَةِ مَعَ كَثْرَةِ الرِّوَايَةِ الْوَارِدَةِ فِيهَا، وَالْحُجَّةُ فِي السُّنَّةِ، وَمَنْ خَالَفَهَا مَحْجُوجٌ بِهَا.
فَأَمَّا أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فَهُمْ مَحْجُوجُونَ بِالْأَحَادِيثِ، مَعَ أَنَّهُمْ قَدْ احْتَجُّوا بِهَا فِي الْبَعْضِ، وَخَالَفُوهَا فِي الْبَعْضِ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ مَا جَمَعَ بَيْنَهُ النَّصُّ وَلِأَنَّ الصِّيَامَ نَوْعُ تَكْفِيرٍ، فَجَازَ قَبْلَ الْحِنْثِ، كَالتَّكْفِيرِ بِالْمَالِ، وَقِيَاسُ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْكَفَّارَةِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهَا عَلَى الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ بِأَصْلِ الْوَضْعِ.

[فَصْلٌ التَّكْفِيرُ قَبْلَ الْيَمِينِ]

(7991) فَصْلٌ: فَأَمَّا التَّكْفِيرُ قَبْلَ الْيَمِينِ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ تَقْدِيمٌ لِلْحُكْمِ قَبْلَ سَبَبِهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَتَقْدِيمِ الزَّكَاةِ قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ، وَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ قَبْلَ الْجَرْحِ.

[فَصْلٌ التَّكْفِير قَبْلَ الْحِنْثِ وَبَعْدَهُ]

(7992) فَصْلٌ وَالتَّكْفِيرُ قَبْلَ الْحِنْثِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ فِي الْفَضِيلَةِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: بَعْدَهُ أَفْضَلُ عِنْدَ أَحْمَدَ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ وَحُصُولِ الْيَقِينِ بِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِيهِ، فِيهَا التَّقْدِيمُ مَرَّةً وَالتَّأْخِيرُ أُخْرَى، وَهَذَا دَلِيلُ التَّسْوِيَةِ، وَلِأَنَّهُ تَعْجِيلُ مَالٍ يَجُوزُ تَعْجِيلُهُ قَبْلَ وُجُوبِهِ، فَلَمْ يَكُنْ التَّأْخِيرُ أَفْضَلَ، كَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ وَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ، وَمَا ذَكَرُوهُ مُعَارَضٌ بِتَعْجِيلِ النَّفْعِ لِلْفُقَرَاءِ، وَالتَّبَرُّعِ بِمَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، وَعَلَى أَنَّ الْخِلَافَ الْمُخَالِفَ لِلنُّصُوصِ لَا يُوجِبُ تَفْضِيلَ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، كَتَرْكِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ.

[فَصْلٌ كَانَ الْحِنْثُ فِي الْيَمِينِ مَحْظُورًا فَعَجَّلَ الْكَفَّارَةَ قَبْلَهُ]

(7993) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ الْحِنْثُ فِي الْيَمِينِ مَحْظُورًا، فَعَجَّلَ الْكَفَّارَةَ قَبْلَهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَجَّلَ أَحَدَهُمَا تُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ عَجَّلَ الْكَفَّارَةَ بَعْدَ سَبَبَهَا، فَأَجْزَأَتْهُ، كَمَا لَوْ كَانَ الْحِنْثُ مُبَاحًا.

وَالثَّانِي، لَا تُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ التَّعْجِيلَ رُخْصَةٌ، فَلَا يُسْتَبَاحُ بِالْمَعْصِيَةِ؛ كَالْقَصْرِ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، وَالْحَدِيثُ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْمَعْصِيَةَ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: «إذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ» . وَهَذَا لَمْ يَرَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا وَجْهَانِ، كَمَا ذَكَرْنَا.

[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ فَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى]

(7994) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا حَلَفَ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى.
فَإِنْ شَاءَ فَعَلَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْيَمِينِ كَلَامٌ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَالِفَ إذَا قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ.
مَعَ يَمِينِهِ، فَهَذَا يُسَمَّى اسْتِثْنَاءً، فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَقَدْ اسْتَثْنَى» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَسْمِيَتِهِ اسْتِثْنَاءً، وَأَنَّهُ مَتَى اسْتَثْنَى فِي يَمِينِهِ لِمَ يَحْنَثْ فِيهَا، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ.
لَمْ يَحْنَثْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَرَوَى أَبُو دَاوُد: «مَنْ حَلَفَ، فَاسْتَثْنَى فَإِنْ شَاءَ رَجَعَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ» وَلِأَنَّهُ مَتَى قَالَ: لَأَفْعَلَنَّ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ مَتَى شَاءَ اللَّهُ فَعَلَ، وَمَتَى لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ ذَلِكَ، فَإِنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ، بِحَيْثُ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا كَلَامٌ أَجْنَبِيٌّ، وَلَا يَسْكُتُ بَيْنَهُمَا سُكُوتًا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ فِيهِ، فَأَمَّا السُّكُوتُ لِانْقِطَاعِ نَفَسِهِ أَوْ صَوْتِهِ، أَوْ عَيٍّ، أَوْ عَارِضٍ، مِنْ عَطْسَةٍ، أَوْ شَيْءٍ غَيْرِهَا، فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ، وَثُبُوتَ حُكْمِهِ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَإِسْحَاقُ الرَّأْيِ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ، فَاسْتَثْنَى» وَهَذَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ عَقِيبَهُ، وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ، فَاعْتُبِرَ اتِّصَالُهُ بِهِ، كَالشَّرْطِ وَجَوَابِهِ، وَخَبَرِ الْمُبْتَدَأِ، وَالِاسْتِثْنَاءِ بِإِلَّا، وَلِأَنَّ الْحَالِفَ إذَا سَكَتَ ثَبَتَ حُكْمُ يَمِينِهِ، وَانْعَقَدَتْ مُوجِبَةً لِحُكْمِهَا، وَبَعْدَ ثُبُوتِهِ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ وَلَا تَغْيِيرُهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: حَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: «إذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك» . وَلَمْ يَقُلْ: فَاسْتَثْنِ.
وَلَوْ جَازَ الِاسْتِثْنَاءُ فِي كُلِّ حَالٍ، لَمْ يَحْنَثْ حَانِثٌ بِهِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ إذَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا.
قَالَ، فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا.
ثُمَّ سَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ» إنَّمَا هُوَ اسْتِثْنَاءٌ بِالْقُرْبِ، وَلَمْ يَخْلِطْ كَلَامَهُ بِغَيْرِهِ.
وَنَقَلَ عَنْهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ مِثْلَ هَذَا، وَزَادَ قَالَ: وَلَا أَقُولُ فِيهِ بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ.
يَعْنِي مَنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ

إلَّا مُتَّصِلًا.
وَيَحْتَمِلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ هَذَا؛ لِأَنَّهُ قَالَ: إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْيَمِينِ كَلَامٌ.
وَلَمْ يَشْتَرِطْ اتِّصَالَ الْكَلَامِ وَعَدَمَ السُّكُوتِ.
وَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ فِي رَجُلٍ حَلَفَ: لَا أَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا.
ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً لَا يَتَكَلَّمُ، وَلَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ، فَقَالَ لَهُ إنْسَانٌ: قُلْ: إنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ.
أَيُكَفِّرُ، يَمِينَهُ؟ قَالَ: أُرَاهُ قَدْ اسْتَثْنَى.
وَقَالَ قَتَادَةُ: لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِي قَبْلَ أَنْ يَقُومَ أَوْ يَتَكَلَّمَ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَثْنَى بَعْدَ سُكُوتِهِ، إذْ قَالَ: «وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا.
ثُمَّ سَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ» وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَزَادَ: قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: ثُمَّ لَمْ يَغْزُهُمْ.
وَيُشْتَرَطُ، عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة، أَنْ لَا يُطِيلَ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَتَكَلَّمَ بَيْنَهُمَا بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، أَنَّهُ قَالَ: يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مَا دَامَ فِي الْمَجْلِسِ.
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ، وَعَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: قَدْرُ حَلْبِ النَّاقَةِ الْغَرُوزَةِ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ بَعْدَ حِينٍ وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ.
وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يَصِحُّ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَتَقْدِيرُهُ بِمَجْلِسٍ أَوْ غَيْرِهِ لَا يَصْلُحُ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَاتِ بَابُهَا التَّوْقِيفُ، فَلَا يُصَارُ إلَيْهَا بِالتَّحَكُّمِ.

[فَصْلٌ الِاسْتِثْنَاءُ بِالْقَلْبِ فِي الْيَمِين]

(7995) فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ بِلِسَانِهِ، وَلَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِثْنَاءُ بِالْقَلْبِ.
فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ» . وَالْقَوْلُ هُوَ النُّطْقُ، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ، فَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ: إنْ كَانَ مَظْلُومًا فَاسْتَثْنَى فِي نَفْسِهِ؛ رَجَوْت أَنْ يَجُوزَ إذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ.
فَهَذَا فِي حَقِّ الْخَائِفِ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ أَوْ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَأَوِّلِ، وَأَمَّا فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَلَا.
(7996) فَصْلٌ: وَاشْتَرَطَ الْقَاضِي أَنْ يَقْصِدَ الِاسْتِثْنَاءَ، فَلَوْ أَرَادَ الْجَزْمَ، فَسَبَقَ لِسَانُهُ إلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، أَوْ كَانَتْ عَادَتُهُ جَارِيَةً بِالِاسْتِثْنَاءِ، فَجَرَى لِسَانُهُ عَلَى الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَمَّا لَمْ يَنْعَقِدْ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، فَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ حَتَّى يَقْصِدَهُ مَعَ ابْتِدَاءِ يَمِينِهِ، فَلَوْ حَلَفَ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلِاسْتِثْنَاءِ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْيَمِينِ فَاسْتَثْنَى لَمْ يَنْفَعْهُ.
وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ هَذَا

يُخَالِفُ عُمُومَ الْخَبَرِ، فَإِنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ» وَلِأَنَّ لَفْظَ الِاسْتِثْنَاءِ يَكُونُ عَقِيبَ يَمِينِهِ، فَكَذَلِكَ نِيَّتُهُ

[فَصْلٌ الِاسْتِثْنَاءُ فِي كُلِّ يَمِينٍ مُكَفِّرَةٍ]

(7997) فَصْلٌ: يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي كُلِّ يَمِينٍ مُكَفَّرَةٍ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَالظِّهَارِ، وَالنَّذْرِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: مَنْ اسْتَثْنَى فِي يَمِينٍ تَدْخُلُهَا كَفَّارَةٌ، فَلَهُ ثُنْيَاهُ، لِأَنَّهَا أَيْمَانٌ مُكَفَّرَةٌ، فَدَخَلَهَا الِاسْتِثْنَاءُ، كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، فَلَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
أَوْ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، إنْ شَاءَ اللَّهُ.
أَوْ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ، فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، إنْ شَاءَ اللَّهُ.
أَوْ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، إنْ شَاءَ اللَّهُ.
لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهَا أَيْمَانٌ فَتَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: «مَنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ.
لَمْ يَحْنَثْ» .

[فَصْلٌ قَالَ وَاَللَّهِ لَأَشْرَبَنَّ الْيَوْمَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ]

(7998) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَشْرَبَنَّ الْيَوْمَ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ.
أَوْ: لَا أَشْرَبُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ.
لَمْ يَحْنَثْ بِالشُّرْبِ وَلَا بِتَرْكِهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْإِثْبَاتِ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَقْدِيمِ الِاسْتِثْنَاءِ وَتَأْخِيرِهِ فِي هَذَا كُلِّهِ، فَإِذَا قَالَ: وَاَللَّهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، لَا أَشْرَبُ الْيَوْمَ.
أَوْ: لَأَشْرَبَنَّ الْيَوْمَ.
فَفَعَلَ أَوْ تَرَكَ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الشَّرْطِ وَتَأْخِيرَهُ سَوَاءٌ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: 176] .

[فَصْلٌ قَالَ وَاَللَّهِ لَأُشْرِبْنَ الْيَوْمَ إنْ شَاءَ زَيْدٌ]

(7999) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَشْرَبَنَّ الْيَوْمَ، إنْ شَاءَ زَيْدٌ.
فَشَاءَ زَيْدٌ، لَزِمَهُ الشُّرْبُ، فَإِنْ تَرَكَهُ حَتَّى مَضَى الْيَوْمُ حَنِثَ، وَإِنْ لَمْ يَشَأْ زَيْدٌ لَمْ يَلْزَمْهُ يَمِينٌ، فَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ مَشِيئَتُهُ لِغَيْبَةٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ مَوْتٍ، انْحَلَّتْ الْيَمِينُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ.
وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ فَقَدْ مَنَعَ نَفْسَهُ الشُّرْبَ إلَّا أَنْ تُوجَدَ مَشِيئَةُ زَيْدٍ فَإِنْ شَاءَ فَلَهُ الشُّرْبُ، وَإِنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَشْرَبْ، وَإِنْ خَفِيَتْ مَشِيئَتُهُ لِغِيبَةٍ أَوْ مَوْتٍ أَوْ جُنُونٍ، لَمْ يَشْرَبْ، وَإِنْ شَرِبَ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ إلَّا أَنْ تُوجَدَ الْمَشِيئَةُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَشْرَبَ قَبْلَ وُجُودِهَا.
وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَشْرَبَنَّ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ.
فَقَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الشُّرْبَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ أَنْ لَا يَشْرَبَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ ضِدُّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ إيجَابٌ لِشُرْبِهِ بِيَمِينِهِ، فَإِنْ شَرِبَ قَبْلَ مَشِيئَةِ زَيْدٍ بَرَّ.
وَإِنْ قَالَ زَيْدٌ: قَدْ شِئْت أَنْ لَا يَشْرَبَ.
انْحَلَّتْ الْيَمِينُ؛ لِأَنَّهَا مُعَلَّقَةٌ بِعَدَمِ مَشِيئَتِهِ لِتَرْكِ الشُّرْبِ، وَلَمْ تَتَقَدَّمْ، فَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُهَا.
وَإِنْ قَالَ: قَدْ شِئْت أَنْ يَشْرَبَ.
أَوْ: مَا شِئْت أَنْ لَا يَشْرَبَ.
لَمْ تَنْحَلَّ الْيَمِينُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَشِيئَةَ غَيْرُ الْمُسْتَثْنَاةِ، فَإِنْ خَفِيَتْ مَشِيئَتُهُ، لَزِمَهُ الشُّرْبُ لِأَنَّهُ عَلَّقَ وُجُوبَ الشُّرْبِ بِعَدَمِ الْمَشِيئَةِ، وَهِيَ مَعْدُومَةٌ بِحُكْمِ الْأَصْلِ.
وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُ الْيَوْمَ، إنْ

شَاءَ زَيْدٌ.
فَقَالَ زَيْدٌ: قَدْ شِئْت أَنْ لَا تَشْرَبَ.
فَشَرِبَ حَنِثَ، وَإِنْ شَرِبَ قَبْلَ مَشِيئَتِهِ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ الشُّرْبِ مُعَلَّقٌ بِمَشِيئَتِهِ، وَلَمْ تَثْبُتْ مَشِيئَتُهُ، فَلَمْ يَثْبُتْ الِامْتِنَاعُ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا.
وَإِنْ خَفِيَتْ مَشِيئَتُهُ، فَهِيَ فِي حُكْمِ الْمَعْدُومَةِ.
وَالْمَشِيئَةُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ أَنْ يَقُولَ بِلِسَانِهِ.

[مَسْأَلَةٌ اسْتَثْنَى فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ]

(8000) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا اسْتَثْنَى فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، فَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، أَنَّهُ تَوَقَّفَ عَنْ الْجَوَابِ.
وَقَدْ قَطَعَ فِي مَوْضِعٍ، أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِثْنَاءُ يَعْنِي إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، إنْ شَاءَ اللَّهُ.
أَوْ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي الْجَوَابِ؛ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهَا، وَتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ، وَفِي مَوْضِعٍ قَطَعَ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِمَا.
قَالَ، فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ وَحَنْبَلٍ: مَنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ.
لَمْ يَحْنَثْ، وَلَيْسَ لَهُ اسْتِثْنَاءٌ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ.
قَالَ حَنْبَلٌ: قَالَ: لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الْأَيْمَانِ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ.
وَقَالَ طَاوُسٌ، وَحَمَّادٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِمَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ» . وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ بِشَرْطٍ لَمْ يَتَحَقَّقْ وُجُودُهُ، فَلَمْ يَقَعَا، كَمَا لَوْ عَلَّقَهُ بِمَشِيئَةِ زَيْدٍ، وَلَمْ تَتَحَقَّقْ مَشِيئَتُهُ وَلَنَا، أَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ فِي مَحَلٍّ قَابِلٍ، فَوَقَعَ، كَمَا لَوْ لَمْ يَسْتَثْنِ، وَالْحَدِيثُ إنَّمَا تَنَاوَلَ الْأَيْمَانَ، وَلِيس هَذَا بِيَمِينٍ، إنَّمَا هُوَ تَعْلِيقٌ عَلَى شَرْطٍ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إنَّمَا وَرَدَّ التَّوْقِيفُ بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى، وَقَوْلُ الْمُتَقَدِّمِينَ: الْأَيْمَانُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ.
إنَّمَا جَاءَ عَلَى التَّقْرِيبِ، وَالِاتِّسَاعِ وَلَا يَمِينَ فِي الْحَقِيقَةِ إلَّا بِاَللَّهِ - تَعَالَى، وَهَذَا طَلَاقٌ وَعَتَاقٌ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الطَّلَاقِ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا.

[مَسْأَلَة قَالَ إنْ تَزَوَّجَتْ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ]

(8001) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا قَالَ: إنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ.
لَمْ تَطْلُقْ إنْ تَزَوَّجَ بِهَا.
وَإِنْ قَالَ: إذَا مَلَكْت فُلَانًا فَهُوَ حُرٌّ فَمَلَكَهُ صَارَ حُرًّا اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ، فَعَنْهُ: لَا يَقَعُ طَلَاقٌ، وَلَا عِتْقٌ.
رُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَعُرْوَةُ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَسَوَّارٌ وَالْقَاضِي، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَشُرَيْحٍ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ، قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ

أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا نَذْرَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا طَلَاقَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهُوَ أَحْسَنُ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ، وَإِنْ عَيَّنَهَا» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي عَنْ الْخَلَّالِ، عَنْ الرَّمَادِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنْ الضَّحَّاكِ، عَنْ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ» . قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِدَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ.
وَلِأَنَّ مَنْ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ وَعِتْقُهُ بِالْمُبَاشَرَةِ، لَمْ تَنْعَقِدْ لَهُ صِفَةٌ، كَالْمَجْنُونِ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدْ، أَنَّهُ يَصِحُّ فِي الْعِتْقِ وَلَا يَصِحُّ فِي الطَّلَاقِ.
قَالَ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: إذَا قَالَ: إنْ اشْتَرَيْت هَذَا الْغُلَامَ فَهُوَ حُرٌّ.
فَاشْتَرَاهُ عَتَقَ، وَإِنْ قَالَ: إنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ.
فَهَذَا غَيْرُ الطَّلَاقِ، هَذَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالطَّلَاقُ يَمِينٌ، لَيْسَ هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَا فِيهِ قُرْبَةٌ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي كِتَابِ الشَّافِي: لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ الطَّلَاقَ إذَا وَقَعَ قَبْلَ النِّكَاحِ لَا يَقَعُ، وَأَنَّ الْعَتَاقَ يَقَعُ، إلَّا مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هَارُونُ فِي الْعِتْقِ، أَنَّهُ لَا يَقَعُ، وَمَا أُرَاهُ إلَّا غَلَطًا، كَذَلِكَ سَمِعْت الْخَلَّالَ يَقُولُ، فَإِنْ كَانَ حَفِظَ فَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، أَنَّ نَاذِرَ الْعِتْقِ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَأَنَّ نَاذِرَ الطَّلَاقِ لَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ، فَكَمَا افْتَرَقَا فِي النَّذْرِ، جَازَ أَنْ يَفْتَرِقَا فِي الْيَمِينِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ فَهُوَ حُرُّ.
فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَهُوَ تَعْلِيقٌ لِلْحُرِّيَّةِ عَلَى الْمِلْكِ.
وَعَنْ أَحْمَدْ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، مَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ.
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى الْأَخْطَارِ، فَصَحَّ تَعْلِيقُهُ عَلَى حُدُوثِ الْمِلْكِ، كَالْوَصِيَّةِ وَالنَّذْرِ وَالْيَمِينِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ خَصَّ جِنْسًا مِنْ الْأَجْنَاسِ، أَوْ عَبْدًا بِعَيْنِهِ، عَتَقَ إذَا مَلَكَهُ، وَإِنْ قَالَ: كُلُّ عَبْدٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ.
لَمْ يَصِحَّ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ قَبْلَ الْمِلْكِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
أَوْ لِأَمَةِ غَيْرِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ حُرَّةٌ ثُمَّ تَزَوَّجَ الْأَجْنَبِيَّةَ، وَمَلَكَ الْأَمَةَ، وَدَخَلَتَا الدَّارَ، فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ، وَلَا تَعْتِقُ الْأَمَةُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.

[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَنْكِحَ فُلَانَةَ أَوْ لَا اشْتَرَيْت فُلَانَةَ فَنَكَحَهَا نِكَاحًا فَاسِدًا]

(8002) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَنْكِحَ فُلَانَةَ، أَوْ: لَا اشْتَرَيْت فُلَانَةَ.
فَنَكَحَهَا نِكَاحًا فَاسِدًا، أَوْ اشْتَرَاهَا شِرَاءً فَاسِدًا، لَمْ يَحْنَثْ

وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ زَوَّجْتُك، أَوْ بِعْتُك، فَأَنْتَ حُرٌّ.
فَزَوَّجَهُ تَزْوِيجًا فَاسِدًا، لَمْ يَعْتِقْ، وَإِنْ بَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا يُمْلَكُ بِهِ، حَنِثَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ عِنْدَهُ يَثْبُتُ بِهِ الْمِلْكُ، إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ.
وَلَنَا، أَنَّ اسْمَ الْبَيْعِ يَنْصَرِفُ إلَى الصَّحِيحِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ - تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] . وَأَكْثَرُ أَلْفَاظِهِ فِي الْبَيْعِ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى الصَّحِيحِ، فَلَا يَحْنَثُ بِمَا دُونَهُ، كَمَا فِي النِّكَاحِ، وَكَالصَّلَاةِ، وَغَيْرِهِمَا، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ ثُبُوتِ الْمِلْكِ بِهِ لَا نُسَلِّمُهُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يَحْنَثُ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ.
وَهَلْ يَحْنَثُ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إنْ نَكَحَهَا نِكَاحًا مُخْتَلَفًا فِيهِ، مِثْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ، أَوْ بَاعَ فِي وَقْتِ النِّدَاءِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى إنْ تَزَوَّجَهَا تَزْوِيجًا مُخْتَلَفًا فِيهِ، أَوْ مَلَكَ مِلْكًا مُخْتَلَفًا فِيهِ، حَنِثَ فِيهِمَا جَمِيعًا.
وَلَنَا، أَنَّهُ نِكَاحٌ فَاسِدٌ، وَبَيْعٌ فَاسِدٌ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِهِمَا، كَالْمُتَّفَقِ عَلَى فَسَادِهِمَا.
(8003) فَصْلٌ: وَالْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلُ سَوَاءٌ فِي هَذَا.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إذَا حَلَفَ مَا صَلَّيْت وَلَا تَزَوَّجْت، وَلَا بِعْت، وَكَانَ قَدْ فَعَلَهُ فَاسِدًا، حَنِثَ؛ لِأَنَّ الْمَاضِيَ لَا يُقْصَدُ مِنْهُ إلَّا الِاسْمُ، وَالِاسْمُ يَتَنَاوَلُهُ، وَالْمُسْتَقْبَلُ بِخِلَافِهِ، فَإِنَّهُ يُرَادُ بِالنِّكَاحِ وَالْبَيْعِ الْمِلْكُ، وَبِالصَّلَاةِ الْقُرْبَةُ.
وَلَنَا، أَنَّ مَا لَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، لَا يَتَنَاوَلُهُ فِي الْمَاضِي، كَالْإِيجَابِ، وَكَغَيْرِ الْمُسَمَّى وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ لَا يَتَنَاوَلُهُ إلَّا الشَّرْعِيُّ، وَلَا يَحْصُلُ.

[فَصْلٌ حَلَفَ لَا يَبِيعُ فَبَاعَ بَيْعًا فِيهِ الْخِيَارُ]

(8004) فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ، فَبَاعَ بَيْعًا فِيهِ الْخِيَارُ، حَنِثَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ بَيْعٌ صَحِيحٌ شَرْعِيٌّ، فَيَحْنَثُ بِهِ، كَالْبَيْعِ اللَّازِمِ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ فَإِنَّ بَيْعَ الْخِيَارِ يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ بِالِاتِّفَاقِ، وَهُوَ سَبَبٌ لَهُ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ

[فَصْل حَلَفَ لَا يَبِيعُ أَوْ لَا يُزَوِّجُ فَأَوْجَبَ الْبَيْعَ وَالنِّكَاحَ وَلَمْ يَقْبَلْ الْمُتَزَوِّجُ وَالْمُشْتَرِي]

فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ، أَوْ لَا يُزَوِّجُ، فَأَوْجَبَ الْبَيْعَ وَالنِّكَاحَ، وَلَمْ يَقْبَلْ الْمُتَزَوِّجُ وَالْمُشْتَرِي، لَمْ يَحْنَثْ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَالنِّكَاحَ عَقْدَانِ لَا يَتِمَّانِ إلَّا بِالْقَبُولِ فَلَمْ يَقَعْ الِاسْمُ

عَلَى الْإِيجَابِ بِدُونِهِ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِهِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَهَبُ، وَلَا يُعِيرُ فَأَوْجَبَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَقْبَلْ الْآخَرُ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَحْنَثُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَابْنِ سُرَيْجٍ، لِأَنَّ الْهِبَةَ وَالْعَارِيَّةَ لَا عِوَضَ فِيهِمَا، فَكَانَ مُسَمَّاهُمَا الْإِيجَابَ، وَالْقَبُولُ شَرْطٌ لِنَقْلِ الْمِلْكِ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ السَّبَبِ، فَيَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ فِيهِمَا، كَالْوَصِيَّةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْقَبُولِ، فَلَمْ يَحْنَثْ فِيهِ بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ، كَالنِّكَاحِ وَالْبَيْعِ.
فَأَمَّا الْوَصِيَّةُ وَالْهَدِيَّةُ وَالصَّدَقَةُ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَحْنَثُ فِيهَا بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ.
وَلَا أَعْلَمُ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ فِيهَا، إلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يُخَالِفُ فِي الْوَصِيَّةِ وَالْهَدِيَّةِ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَقَعُ عَلَيْهِمَا بِدُونِ الْقَبُولِ، وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: 180] إنَّمَا أَرَادَ الْإِيجَابَ دُونَ الْقَبُولِ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ صَحِيحَةٌ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَلَا قَبُولَ لَهَا حِينَئِذٍ.
(8006) فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ، حَنِثَ بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ، وَالْقَبُولُ الصَّحِيحُ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِهِ الْمُسَمَّى الشَّرْعِيُّ، فَتَنَاوَلَهُ يَمِينُهُ.
وَإِنْ حَلَفَ لَيَتَزَوَّجَنَّ، بَرَّ بِذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَسَوَاءٌ تَزَوَّجَ نَظِيرَتَهَا أَوْ دُونَهَا أَوْ أَعْلَى مِنْهَا، إلَّا أَنْ يَحْتَالَ عَلَى حَلِّ يَمِينِهِ بِتَزْوِيجٍ لَا يُحَصِّلُ مَقْصُودَهَا، مِثْلَ أَنْ يُوَاطِئَ امْرَأَتَهُ عَلَى نِكَاحٍ لَا يَغِيظُهَا بِهِ، لِيَبَرَّ فِي يَمِينِهِ، فَلَا يَبَرُّ بِهَذَا.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا حَلَفَ لَيَتَزَوَّجَنَّ عَلَى امْرَأَتِهِ، لَا يَبَرُّ حَتَّى يَتَزَوَّجَ نَظِيرَتَهَا، وَيَدْخُلَ بِهَا.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ غَيْظَ زَوْجَتِهِ، وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِذَلِكَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ تَزَوَّجَ تَزْوِيجًا صَحِيحًا، فَبَرَّ بِهِ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ نَظِيرَتَهَا، وَدَخَلَ بِهَا، وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْغَيْظَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِتَزْوِيجِ نَظِيرَتِهَا، وَالدُّخُولِ بِهَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ فَإِنَّ الْغَيْظَ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْخِطْبَةِ، وَإِنْ حَصَلَ بِمَا ذَكَرُوهُ زِيَادَةٌ فِي الْغَيْظِ فَلَا تَلْزَمُهُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْغَيْظِ الَّذِي يَحْصُلُ بِمَا تَنَاوَلَتْهُ يَمِينُهُ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ نِكَاحُ اثْنَتَيْنِ وَلَا ثَلَاثٍ، وَلَا أَعْلَى مِنْ نَظِيرَتِهَا، وَاَلَّذِي تَنَاوَلَتْهُ يَمِينُهُ مُجَرَّدُ التَّزْوِيجِ، وَلِذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ عَلَى امْرَأَتِهِ، حَنِثَ بِهَذَا، فَكَذَلِكَ يَحْصُلُ الْبَرُّ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُسَمَّى وَاحِدٌ، فَمَا تَنَاوَلَهُ النَّفْيُ تَنَاوَلَهُ فِي الْإِثْبَاتِ، وَإِنَّمَا لَا يَبَرُّ إذَا تَزَوَّجَ تَزْوِيجًا لَا يَحْصُلُ بِهِ الْغَيْظُ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الصُّورَةِ وَنَظَائِرِهَا؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْأَيْمَانِ عَلَى الْمَقَاصِدِ وَالنِّيَّاتِ، وَلَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُهُ، وَلِأَنَّ التَّزْوِيجَ هَاهُنَا يَحْصُلُ حِيلَةً عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْ يَمِينِهِ بِمَا لَا يُحَصِّلُ مَقْصُودَهَا، فَلَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ حِيلَتُهُ.
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا، فَقَالَ: إذَا حَلَفَ لَيَتَزَوَّجَنَّ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَتَزَوَّجَ بِعَجُوزٍ أَوْ زِنْجِيَّةٍ، لَا يَبَرُّ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُغَيِّرَهَا وَيَغُمَّهَا، وَبِهَذَا لَا تَغَارُ وَلَا تَغْتَمُّ.
فَعَلَّلَهُ أَحْمَدُ بِمَا لَا يَغِيظُ بِهِ الزَّوْجَةَ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ أَنْ تَكُونَ نَظِيرَتَهَا؛ لِأَنَّ الْغَيْظَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ قَدَّرَ أَنْ تَزَوُّجَ الْعَجُوزِ يَغِيظُهَا وَالزِّنْجِيَّةِ، لَبَرَّ بِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَغِيظُهَا، لِأَنَّهَا تَعْلَمُ أَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ حِيلَةً لِئَلَّا يَغِيظَهَا، وَيَبَرَّ بِهِ.

[فَصْلٌ حَلَفَ لَا تَسَرَّيْت فَوَطِئَ جَارِيَتَهُ]

(8007) فَصْلٌ: إذَا حَلَفَ: لَا تَسَرَّيْت.
فَوَطِئَ جَارِيَتَهُ، حَنِثَ، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَطَأَ فَيُنْزِلَ، فَحْلًا كَانَ أَوْ خَصِيًّا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحْنَثُ حَتَّى يُحْصِنَهَا وَيَحْجُبَهَا عَنْ النَّاسِ؛ لِأَنَّ التَّسَرِّيَ مَأْخُوذٌ مِنْ السِّرِّ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ كَهَذِهِ.
وَلَنَا، أَنَّ التَّسَرِّيَ مَأْخُوذٌ مِنْ السِّرِّ، وَهُوَ الْوَطْءُ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي السِّرِّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: 235] وَقَالَ الشَّاعِرُ: فَلَنْ تَطْلُبُوا سِرَّهَا لِلْغِنَى ... وَلَنْ تُسْلِمُوهَا لِإِزْهَادِهَا وَقَالَ آخِرُ أَلَا زَعَمَتْ بَسْبَاسَةُ الْقَوْمِ أَنَّنِي ... كَبِرْت وَأَنْ لَا يُحْسِنَ السِّرَّ أَمْثَالِي وَلِأَنَّ كُلَّ حُكْمٍ تَعَلَّقَ بِالْوَطْءِ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْإِنْزَالُ وَلَا التَّحْصِينُ، كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ.

[فَصْلٌ حَلَفَ لَا يَهَبُ لَهُ فَأَهْدَى إلَيْهِ أَوْ أَعْمُرهُ]

(8008) فَصْلٌ: إذَا حَلَفَ لَا يَهَبُ لَهُ، فَأَهْدَى إلَيْهِ، أَوْ أَعْمَرَهُ حَنِثَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْهِبَةِ، وَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْ الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ، أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِلَّهِ - تَعَالَى عَلَيْهِ، يَجِبُ إخْرَاجُهُ، فَلَيْسَ هُوَ بِهِبَةٍ مِنْهُ، وَإِنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ تَطَوُّعًا، فَقَالَ الْقَاضِي: يَحْنَثُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَحْنَثُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ اسْمًا وَحُكْمًا؛ بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ» . وَكَانَتْ الصَّدَقَةُ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ، وَالْهَدِيَّةُ حَلَالٌ لَهُ، وَكَانَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ، وَمَعَ هَذَا الِاخْتِلَافِ لَا يَحْنَثُ فِي أَحَدِهِمَا بِفِعْلِ الْآخَرِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ تَبَرَّعَ بِعَيْنٍ فِي الْحَيَاةِ، فَحَنِثَ بِهِ، كَالْهَدِيَّةِ، وَلِأَنَّ الصَّدَقَةَ تُسَمَّى هِبَةً، فَلَوْ تَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ، قِيلَ: وَهَبَ دِرْهَمًا، وَتَبَرَّعَ بِدِرْهَمٍ.
وَاخْتِلَافُ التَّسْمِيَة لِكَوْنِ الصَّدَقَةِ نَوْعًا مِنْ الْهِبَةِ، فَيَخْتَصُّ بَاسِمٍ دُونَهَا،

كَاخْتِصَاصِ الْهَدِيَّةِ وَالْعُمْرَى بِاسْمَيْنِ، وَلَمْ يُخْرِجْهُمَا ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِمَا هِبَةً، وَكَذَلِكَ اخْتِلَافُ الْأَحْكَامِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَثْبُتُ لِلنَّوْعِ مَا لَا يَثْبُتُ لِلْجِنْسِ، كَمَا يَثْبُتُ لِلْآدَمِيِّ مِنْ الْأَحْكَامِ مَا لَا يَثْبُتُ لِمُطْلَقِ الْحَيَوَانِ.
وَإِنْ وَصَّى لَهُ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ، وَالْوَصِيَّةُ إنَّمَا تُمْلَكُ بِالْقَبُولِ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَإِنْ أَعَارَهُ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكُ الْأَعْيَانِ، وَلَيْسَ فِي الْعَارِيَّةِ تَمْلِيكُ عَيْنٍ، وَلِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لَا يَمْلِكُ الْمَنْفَعَةَ، وَإِنَّمَا يَسْتَبِيحُهَا، وَلِهَذَا يَمْلِكُ الْمُعِيرُ الرُّجُوعَ فِيهَا، وَلَا يَمْلِكُ الْمُسْتَعِيرُ إجَارَتَهَا، وَلَا إعَارَتَهَا.
هَذَا قَوْلُ الْقَاضِي، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ هِبَةُ الْمَنْفَعَةِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَإِنْ أَضَافَهُ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْلِكْهُ شَيْئًا، وَإِنَّمَا أَبَاحَهُ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ بِغَيْرِ الْأَكْلِ.
وَإِنْ بَاعَهُ وَحَابَاهُ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ يَمْلِكُ الشَّفِيعُ أَخْذَ جَمِيعِ الْمَبِيعِ، وَلَوْ كَانَ هِبَةً أَوْ بَعْضُهُ هِبَةً، لَمْ يَمْلِكْ أَخْذَهُ كُلَّهُ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَحْنَثُ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَتْرُكُ لَهُ بَعْضَ الْمَبِيعِ بِغَيْرِ ثَمَنٍ، أَوْ وَهَبَهُ بَعْضَ الثَّمَنِ.
وَإِنْ وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ لَهُ بِعَيْنٍ فِي الْحَيَاةِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يُمْلَكُ، فِي رِوَايَةٍ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، فَوَهَبَ لَهُ، لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ نَوْعٌ مِنْ الْهِبَةِ، وَلَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ عَلَى نَوْعٍ بِفِعْلِ نَوْعٍ آخَرَ، وَلَا يَثْبُتُ لِلْجِنْسِ حُكْمُ النَّوْعِ، وَلِهَذَا حَرُمَتْ الصَّدَقَةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَمْ تَحْرُمْ الْهِبَةُ وَلَا الْهَدِيَّةُ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَهَبُ لَهُ شَيْئًا، فَأَسْقَطَ عَنْهُ دَيْنًا، لَمْ يَحْنَثْ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكُ عَيْنٍ، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ.

[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ فُلَانًا أَوْ لَا يَضْرِبَهُ فَوَكَّلَ فِي الشِّرَاءِ وَالضَّرْبِ]

مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ فُلَانًا، أَوْ لَا يَضْرِبَهُ، فَوَكَّلَ فِي الشِّرَاءِ وَالضَّرْبِ، حَنِثَ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا، فَوَكَّلَ مَنْ فَعَلَهُ، حَنِثَ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مُبَاشَرَتَهُ بِنَفْسِهِ.
وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَحْنَثُ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِيَمِينِهِ أَنْ لَا يَسْتَنِيبَ فِي فِعْلِهِ، أَوْ يَكُونَ مِمَّنْ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ بِمُبَاشَرَتِهِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ إضَافَةِ الْفِعْلِ يَقْتَضِي مُبَاشَرَتَهُ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ وَكُلَّهُ فِي الْبَيْعِ لَمْ يَجُزْ لِلْوَكِيلِ تَوْكِيلُ غَيْرِهِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ وَلَا يَضْرِبُ، فَأَمَرَ مَنْ فِعْلِهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَتَوَلَّاهُ، كَالسُّلْطَانِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ، فَأَمَرَ مَنْ حَلَقَهُ، فَقِيلَ: فِيهِ قَوْلَانِ وَقِيلَ: يَحْنَثُ، قَوْلًا وَاحِدًا.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ، فَوَكَّلَ مَنْ بَاعَ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ، وَلَا يَتَزَوَّجُ، فَوَكَّلَ مَنْ فَعَلَهُ، حَنِثَ.
وَلَنَا أَنَّ الْفِعْلَ يُطْلَقُ عَلَى مَنْ وَكَّلَ فِيهِ، وَأَمَرَ بِهِ، فَيَحْنَثُ بِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ، وَكَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ، فَأَمَرَ مَنْ حَلَقَهُ، أَوْ لَا يَضْرِبُ، فَوَكَّلَ مَنْ ضَرَبَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] وَقَالَ: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27] . وَكَانَ هَذَا مُتَنَاوِلًا لِلِاسْتِنَابَةِ فِيهِ.
وَلِأَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ وُجِدَ مِنْ نَائِبِهِ، فَحَنِثَ بِهِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، فَأَمَرَ مَنْ حَمَلَهُ إلَيْهَا.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ إضَافَةَ الْفِعْلِ إلَيْهِ تَقْتَضِي الْمُبَاشَرَةَ بِمَنْعِهِ.
وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إذَا وَكَّلَ فِي فِعْلٍ يَمْتَنِعُ عَلَى الْوَكِيلِ التَّوْكِيلُ فِيهِ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا، فَلِأَنَّ التَّوْكِيلَ يُقْصَدُ بِهِ الْأَمَانَةُ وَالْحِذْقُ، وَالنَّاسُ يَخْتَلِفُونَ فِيهِمَا، فَإِذَا عَيَّنَ وَاحِدًا، لَمْ تَجُزْ مُخَالَفَةُ تَعْيِينِهِ، بِخِلَافِ الْيَمِينِ.
فَأَمَّا إنْ نَوَى بِيَمِينِهِ الْمُبَاشَرَةَ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، أَوْ كَانَ سَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِيهَا، أَوْ قَرِينَةُ حَالِهِ، تَخَصَّصَ بِهَا؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهُ يُقَيَّدُ بِنِيَّتِهِ، أَوْ بِمَا دَلَّ عَلَيْهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ بِلَفْظِهِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَيَشْتَرِيَنَّ، أَوْ لَيَبِيعَنَّ، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ، فَوَكَّلَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، بَرَّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي طَرَفِ النَّفْيِ، وَلِذَلِكَ لَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ» . تَنَاوَلَ مَنْ حُلِقَ رَأْسُهُ بِأَمْرِهِ.

[فَصْلٌ حَلَفَ لِيُطَلِّقْنَ زَوْجَتَهُ أَوْ لَا يُطَلِّقُهَا فَوَكَّلَ مَنْ طَلَّقَهَا]

(8010) فَصْلٌ: وَإِنْ حَلَفَ لَيُطَلِّقَنَّ زَوْجَتَهُ، أَوْ لَا يُطَلِّقُهَا، فَوَكَّلَ مَنْ طَلَّقَهَا، أَوْ قَالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ فَطَلَّقَهَا أَوْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي، أَوْ أَمْرُكِ بِيَدِك.
فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا، بَرَّ، وَحَنِثَ.
وَالْخِلَافُ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت، أَوْ إنْ قُمْت.
فَشَاءَتْ، أَوْ قَامَتْ حَنِثَ.
بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مِنْهُ، وَإِنَّمَا هِيَ حَقَّقَتْ شَرْطَهُ.

[فَصْلٌ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ امْرَأَتَهُ فَلَطَمَهَا أَوْ لَكَمَهَا أَوْ ضَرَبَهَا بِعَصَا أَوْ غَيْرِهَا]

(8011) فَصْلٌ: فَإِنْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ امْرَأَتَهُ، فَلَطَمَهَا، أَوْ لَكَمَهَا، أَوْ ضَرَبَهَا بِعَصًا أَوْ غَيْرِهَا، حَنِثَ.
بِغَيْرِ خِلَافٍ.
وَإِنْ عَضَّهَا، أَوْ خَنَقَهَا، أَوْ جَزَّ شَعْرَهَا جَزًّا يُؤْلِمُهَا، قَاصِدًا لِلْإِضْرَارِ بِهَا، حَنِثَ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى ضَرْبًا، فَلَا يَحْنَثُ بِهِ، كَمَا لَوْ شَتَمَهَا شَتْمًا آلَمَهَا.
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا؛ فَإِنَّ مُهَنَّا نَقَلَ عَنْهُ، فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ لَمْ أَضْرِبْك الْيَوْمَ، فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَعَضَّهَا، أَوْ قَرَصَهَا، أَوْ أَمْسَكَ شَعْرَهَا، فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ الْقَاضِي: فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يُدْخِلْهُ فِي إطْلَاقِ اسْمِ الضَّرْبِ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا فِي الْعُرْفِ يُسْتَعْمَلُ لِكَفِّ الْأَذَى الْمُؤْلِمِ لِلْجِسْمِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ، وَلِهَذَا يُقَالُ: تَضَارَبَا.
إذَا فَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَذَا بِصَاحِبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا آلَةٌ، وَفَارَقَ الشَّتْمَ؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤْلِمُ الْجِسْمَ، وَإِنَّمَا يُؤْلِمُ الْقَلْبَ.

[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ بِعِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا فَفَعَلَهُ نَاسِيًا]

(8012) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَمَنْ حَلَفَ بِعِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ، أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا، فَفَعَلَهُ نَاسِيًا، حَنِثَ وَبِهَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَرَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَصْحَابُ

الرَّأْيِ.
وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَابْنُ أَبِي نَجِيحٍ وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَحْنَثُ.
وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ النَّاسِيَ لَا يُكَلَّفُ حَالَ نِسْيَانِهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ الْحِنْثُ، كَالْحَلِفِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ مَعَ النِّسْيَانِ، كَالْإِتْلَافِ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ عُلِّقَ عَلَى شَرْطٍ، فَيُوجَدُ بِوِجْدَانِ شَرْطِهِ، كَالْمَنْعِ مِنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ.

[مَسْأَلَةٌ حَلَفَ فَتَأَوَّلَ فِي يَمِينِهِ]

(8013) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا حَلَفَ، فَتَأَوَّلَ فِي يَمِينِهِ، فَلَهُ تَأْوِيلُهُ إذَا كَانَ مَظْلُومًا، وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا، لَمْ يَنْفَعْهُ تَأْوِيلُهُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «يَمِينُك عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُك» مَعْنَى التَّأْوِيلِ، أَنْ يَقْصِدَ بِكَلَامِهِ مُحْتَمَلًا يُخَالِفُ ظَاهِرَهُ، نَحْوَ أَنْ يَحْلِفَ إنَّهُ أَخِي، يَقْصِدُ أُخُوَّةَ الْإِسْلَامِ، أَوْ الْمُشَابَهَةَ، أَوْ يَعْنِي بِالسَّقْفِ وَالْبِنَاءِ السَّمَاءَ، وَبِالْبِسَاطِ وَالْفِرَاشِ الْأَرْضَ، وَبِالْأَوْتَادِ الْجِبَالَ، وَبِاللِّبَاسِ اللَّيْلَ، أَوْ يَقُولَ: مَا رَأَيْت فُلَانًا.
يَعْنِي مَا ضَرَبْت رِئَتَهُ.
وَلَا ذَكَرْتُهُ.
يُرِيدُ مَا قَطَعْت ذَكَرَهُ.
أَوْ يَقُولَ: جَوَارِيَّ أَحْرَارٌ.
يَعْنِي سُفُنَهُ.
وَنِسَائِي طَوَالِقُ.
يَعْنِي نِسَاءَ الْأَقَارِبِ مِنْهُ.
أَوْ يَقُولَ: مَا كَاتَبْت فُلَانًا، وَلَا عَرَفْته، وَلَا أَعْلَمْته، وَلَا سَأَلْته حَاجَةً، وَلَا أَكَلْت لَهُ دَجَاجَةً، وَلَا فَرُّوجَةً، وَلَا شَرِبْت لَهُ مَاءً، وَلَا فِي بَيْتِي فُرُشٌ وَلَا حَصِيرٌ، وَلَا بَارِيَةٌ وَيَنْوِي بِالْمُكَاتَبَةِ مُكَاتَبَةَ الرَّقِيقِ، وَبِالتَّعْرِيفِ جَعْلَهُ عَرِيفًا، وَبِالْإِعْلَامِ جَعْلَهُ أَعْلَمَ الشَّفَةِ، وَالْحَاجَةِ شَجَرَةً صَغِيرَةً، وَالدَّجَاجَةِ الْكَنَّةَ مِنْ الْغَزْلِ، وَالْفَرُّوجَةِ الدُّرَّاعَةَ، وَالْفُرُشِ صِغَارَ الْإِبِلِ، وَالْحَصِيرِ الْحَبْسَ، وَالْبَارِيَةِ السِّكِّينَ الَّتِي يُبْرَى بِهَا.
أَوْ يَقُولَ: مَا لِفُلَانٍ عِنْدِي وَدِيعَةٌ، وَلَا شَيْءٌ.
يَعْنِي بِ " مَا " " الَّذِي ". أَوْ يَقُولَ: مَا فُلَانٌ هَاهُنَا.
وَيَعْنِي مَوْضِعًا بِعَيْنِهِ.
أَوْ يَقُولَ: وَاَللَّهِ مَا أَكَلْت مِنْ هَذَا شَيْئًا، وَلَا أَخَذْت مِنْهُ.
يَعْنِي الْبَاقِيَ بَعْدَ أَخْذِهِ وَأَكْلِهِ.
فَهَذَا وَأَشْبَاهُهُ مِمَّا يَسْبِقُ إلَى فَهْمِ السَّامِعِ خِلَافُهُ، إذَا عَنَاهُ بِيَمِينِهِ، فَهُوَ تَأْوِيلٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
وَلَا يَخْلُو حَالُ الْحَالِفِ الْمُتَأَوِّلِ، مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ؛ أَحَدُهَا؛ أَنْ يَكُونَ مَظْلُومًا، مِثْلَ مَنْ يَسْتَحْلِفُهُ ظَالِمٌ عَلَى شَيْءٍ، لَوْ صَدَقَهُ لَظَلَمَهُ، أَوْ ظَلَمَ غَيْرَهُ، أَوْ نَالَ مُسْلِمًا مِنْهُ ضَرَرٌ.
فَهَذَا لَهُ تَأْوِيلُهُ.
قَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَحْمَدَ، عَنْ رَجُلٍ لَهُ امْرَأَتَانِ، اسْمُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَاطِمَةُ، فَمَاتَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا، فَحَلَفَ بِطَلَاقِ فَاطِمَةَ، وَنَوَى الَّتِي مَاتَتْ؟ قَالَ: إنْ كَانَ الْمُسْتَحْلِفُ لَهُ ظَالِمًا، فَالنِّيَّةُ نِيَّةُ صَاحِبِ الطَّلَاقِ، وَإِنْ كَانَ الْمُطَلِّقُ هُوَ الظَّالِمَ، فَالنِّيَّةُ نِيَّةُ الَّذِي اسْتَحْلَفَ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سُوَيْد بْنِ حَنْظَلَةَ، قَالَ: خَرَجْنَا نُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَنَا وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ، فَأَخَذَهُ عَدُوٌّ لَهُ، فَتَحَرَّجَ الْقَوْمُ أَنْ يَحْلِفُوا، فَحَلَفْت أَنَّهُ أَخِي، فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: «أَنْتَ أَبَرُّهُمْ وَأَصْدَقُهُمْ، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ» وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنْ الْكَذِبِ» . يَعْنِي سَعَةَ الْمَعَارِيضِ

الَّتِي يُوهِمُ بِهَا السَّامِعَ غَيْرَ مَا عَنَاهُ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: الْكَلَامُ أَوْسَعُ مِنْ أَنْ يَكْذِبَ ظَرِيفٌ يَعْنِي لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَكْذِبَ؛ لِكَثْرَةِ الْمَعَارِيضِ، وَخَصَّ الظَّرِيفَ بِذَلِكَ؛ يَعْنِي بِهِ الْكَيِّسَ الْفَطِنَ، فَإِنَّهُ يَفْطِنُ لِلتَّأْوِيلِ، فَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى الْكَذِبِ.
الْحَالُ الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ ظَالِمًا، كَاَلَّذِي يَسْتَحْلِفُهُ الْحَاكِمُ عَلَى حَقٍّ عِنْدَهُ، فَهَذَا يَنْصَرِفُ يَمِينُهُ إلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ الَّذِي عَنَاهُ الْمُسْتَحْلِفُ، وَلَا يَنْفَعُ الْحَالِفَ تَأْوِيلُهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَمِينُك عَلَى مَا يُصَدِّقُك بِهِ صَاحِبُك» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: الْيَمِينُ عَلَى مَا وَقَعَ لِلْمَحْلُوفِ لَهُ وَلِأَنَّهُ لَوْ سَاغَ التَّأْوِيلُ، لَبَطَلَ الْمَعْنَى الْمُبْتَغَى بِالْيَمِينِ، إذْ مَقْصُودُهَا تَخْوِيفُ الْحَالِفِ لِيَرْتَدِعَ عَنْ الْجُحُودِ، خَوْفًا مِنْ عَاقِبَةِ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ، فَمَتَى سَاغَ التَّأْوِيلُ لَهُ، انْتَفَى ذَلِكَ، وَصَارَ التَّأْوِيلُ وَسِيلَةً إلَى جَحْدِ الْحُقُوقِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
قَالَ إبْرَاهِيمُ، فِي رَجُلٍ اسْتَحْلَفَهُ السُّلْطَانُ بِالطَّلَاقِ عَلَى شَيْءٍ، فَوَرَّى فِي يَمِينِهِ إلَى شَيْءٍ آخَرَ: أَجْزَأَ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا لَمْ تُجْزِئْ عَنْهُ التَّوْرِيَةُ الْحَالُ الثَّالِثُ، لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا وَلَا مَظْلُومًا، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، أَنَّ لَهُ تَأْوِيلَهُ، فَرُوِيَ أَنَّ مُهَنَّا كَانَ عِنْدَهُ، هُوَ وَالْمَرُّوذِيُّ وَجَمَاعَةٌ، فَجَاءَ رَجُلٌ يَطْلُبُ الْمَرُّوذِيَّ، وَلَمْ يُرِدْ الْمَرُّوذِيُّ أَنْ يُكَلِّمَهُ، فَوَضَعَ مُهَنَّا أُصْبُعَهُ فِي كَفِّهِ، وَقَالَ: لَيْسَ الْمَرُّوذِيُّ هَاهُنَا، وَمَا يَصْنَعُ الْمَرُّوذِيُّ هَاهُنَا؟ يُرِيدُ: لَيْسَ هُوَ فِي كَفِّهِ.
وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَرُوِيَ أَنَّ مُهَنَّا قَالَ لَهُ: إنِّي أُرِيدُ الْخُرُوجَ - يَعْنِي السَّفَرَ إلَى بَلَدِهِ - وَأُحِبُّ أَنْ تُسْمِعَنِي الْجُزْءَ الْفُلَانِيَّ.
فَأَسْمَعَهُ إيَّاهُ، ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَلَمْ تَقُلْ إنَّك تُرِيدُ الْخُرُوجَ؟ فَقَالَ لَهُ مُهَنَّا: قُلْت لَك: إنِّي أُرِيدُ الْخُرُوجَ الْآنَ؟ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
رَوَى سَعِيدٌ، عَنْ جَرِيرٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: كَانَ إذَا طَلَبَ إنْسَانٌ إبْرَاهِيمَ، وَلَمْ يُرِدْ إبْرَاهِيمُ أَنْ يَلْقَاهُ، خَرَجَتْ إلَيْهِ الْخَادِمُ، وَقَالَتْ: اُطْلُبُوهُ فِي الْمَسْجِدِ.
وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إنِّي ذَكَرْت رَجُلًا بِشَيْءٍ، فَكَيْفَ لِي أَنْ أَعْتَذِرَ إلَيْهِ؟ قَالَ: قُلْ لَهُ: وَاَللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا قُلْت مِنْ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ.
وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْزَحُ، وَلَا يَقُولُ إلَّا حَقًّا وَمُزَاحُهُ أَنْ يُوهِمَ السَّامِعَ بِكَلَامِهِ غَيْرَ مَا عَنَاهُ، وَهُوَ التَّأْوِيلُ، فَقَالِ لِعَجُوزٍ: «لَا تَدْخُلَ الْجَنَّةَ عَجُوزٌ» . يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ يُنْشِئُهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا.
وَقَالَ أَنَسٌ: إنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، احْمِلْنِي.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «إنَّا حَامِلُوك عَلَى وَلَدِ النَّاقَةِ.
قَالَ: وَمَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ؟ قَالَ: وَهَلْ تَلِدُ الْإِبِلَ إلَّا النُّوقُ؟» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَقَالَ لِامْرَأَةٍ وَقَدْ ذَكَرَتْ لَهُ زَوْجَهَا: أَهُوَ الَّذِي فِي عَيْنِهِ بَيَاضٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ لَصَحِيحُ الْعَيْنِ.
وَأَرَادَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَيَاضَ الَّذِي حُولَ الْحَدَقِ.
وَقَالَ لِرَجُلٍ احْتَضَنَهُ مِنْ وَرَائِهِ: «مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْعَبْدَ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَجِدُنِي إذًا كَاسِدًا.
قَالَ: لَكِنَّك عِنْدَ اللَّهِ لَسْت بِكَاسِدٍ» وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ التَّأْوِيلِ وَالْمَعَارِيضِ، وَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَقًّا، فَقَالَ «لَا أَقُولُ إلَّا حَقًّا» . وَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ، أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ زِيَادٍ، وَقَدْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ، فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ تَرَكْت الْأَمِيرَ؟ قَالَ: تَرَكْتُهُ يَأْمُرُ وَيَنْهَى.
فَلَمَّا مَاتَ قِيلَ لَهُ: كَيْفَ قُلْت ذَلِكَ؟ قَالَ: تَرَكْته يَأْمُرُ بِالصَّبْرِ، وَيَنْهَى عَنْ الْبُكَاءِ وَالْجَزَعِ.
وَيُرْوَى عَنْ شَقِيقٍ، أَنَّ رَجُلًا خَطَبَ امْرَأَةً، وَتَحْتَهُ أُخْرَى، فَقَالُوا: لَا نُزَوِّجُك حَتَّى تُطَلِّقَ امْرَأَتَك.
فَقَالَ: اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ طَلَّقْت ثَلَاثًا.
فَزَوَّجُوهُ، فَأَقَامَ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالُوا: قَدْ طَلَّقْت ثَلَاثًا قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّهُ كَانَ لِي ثَلَاثُ نِسْوَةٍ فَطَلَّقْتهنَّ قَالُوا: بَلَى.
قَالَ قَدْ طَلَّقْت ثَلَاثًا.
فَقَالُوا: مَا هَذَا أَرَدْنَا.
فَذَكَرَ ذَلِكَ شَقِيقٌ لِعُثْمَانَ فَجَعَلَهَا نِيَّتَهُ.
وَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ، أَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسٍ، فَنَظَرَ إلَيْهِ رَجُلٌ ظَنَّ أَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ التَّعْرِيفَ بِهِ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إنَّ لَهُ بَيْتًا وَشَرَفًا.
فَقِيلَ لِلشَّعْبِيِّ بَعْدَ مَا ذَهَبَ الرَّجُلُ: تَعْرِفُهُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ نَظَرَ إلَيَّ.
قِيلَ: فَكَيْفَ أَثْنَيْت عَلَيْهِ؟ قَالَ: شَرَفُهُ أُذُنَاهُ، وَبَيْتُهُ الَّذِي يَسْكُنُهُ.
وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أُخِذَ عَلَى شَرَابٍ، فَقِيلَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا ابْنُ الَّذِي لَا يُنْزِلُ الدَّهْرُ قِدْرَهُ ... وَإِنْ نَزَلَتْ يَوْمًا فَسَوْفَ تَعُودُ تَرَى النَّاسَ أَفْوَاجًا عَلَى بَابِ دَارِهِ ... فَمِنْهُمْ قِيَامٌ حَوْلَهَا وَقُعُودُ فَظَنُّوهُ شَرِيفًا، فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَسَأَلُوا عَنْهُ، فَإِذَا هُوَ ابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ.
وَأَخَذَ الْخَوَارِجُ رَافِضِيًّا، فَقَالُوا لَهُ: تَبْرَأُ مِنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ.
فَقَالَ: أَنَا مِنْ عَلِيٍّ، وَمِنْ عُثْمَانَ بَرِيءٌ.
فَهَذَا وَشِبْهُهُ هُوَ التَّأْوِيلُ الَّذِي لَا يُعْذَرُ بِهِ الظَّالِمُ، وَيَسُوغُ لِغَيْرِهِ مَظْلُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَظْلُومٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ فِي الْمُزَاحِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ بِهِ إلَيْهِ.

[فَصْل وَالْمُسْتَحِيلُ نَوْعَانِ فِي الْيَمِينِ]

(8014) فَصْلٌ: وَالْمُسْتَحِيلُ نَوْعَانِ؛ أَحَدُهُمَا، مُسْتَحِيلٌ عَادَةً، كَصُعُودِ السَّمَاءِ، وَالطَّيَرَانِ، وَقَطْعِ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ فِي مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ، فَإِذَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ، فَإِذَا حَلَفَ عَلَيْهِ، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ، وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ مَأْيُوسٌ مِنْ الْبِرِّ فِيهَا، فَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيُطَلِّقَنَّ امْرَأَتَهُ فَمَاتَتْ.
وَالثَّانِي، الْمُسْتَحِيلُ عَقْلًا، كَرَدِّ أَمْسِ وَشُرْبِ الْمَاءِ الَّذِي فِي الْكُوزِ وَلَا مَاءَ فِيهِ.
فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ، وَلَا تَجِبُ بِهَا كَفَّارَةٌ.
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ قَارَنَهَا مَا يَحُلُّهَا، فَلَمْ تَنْعَقِدْ، كَيَمِينِ الْغَمُوسِ، أَوْ يَمِينٌ عَلَى غَيْرِ مُتَصَوِّرٍ، فَأَشْبَهَتْ يَمِينَ الْغَمُوسِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تَنْعَقِدُ عَلَى مُتَصَوَّرٍ، أَوْ مُتَوَهَّمِ التَّصَوُّرِ، وَلَيْسَ هَاهُنَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا.

وَقَالَ الْقَاضِي: تَنْعَقِدُ مُوجِبَةً لِلْكَفَّارَةِ فِي الْحَالِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَمْ يَفْعَلْ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيُطَلِّقَنَّ امْرَأَتَهُ، فَمَاتَتْ قَبْلَ طَلَاقِهَا، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْمُسْتَحِيلِ عَادَةً، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَعْلَمَ اسْتِحَالَتَهُ أَوْ لَا يَعْلَمَ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ لَيَشْرَبَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِي الْكُوزِ وَلَا مَاءَ فِيهِ، فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ فِيمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا مَاءَ فِيهِ، وَمَنْ لَا يَعْلَمُ.
وَإِنْ حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ فُلَانًا، وَهُوَ مَيِّتٌ، فَهُوَ كَالْمُسْتَحِيلِ عَادَةً؛ لِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ أَنْ يُحْيِيَهُ اللَّهُ فَيَقْتُلَهُ، وَتَنْعَقِدُ يَمِينُهُ عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا.
وَإِنْ حَلَفَ لَأَقْتُلَنَّ الْمَيِّتَ.
يَعْنِي فِي حَالِ مَوْتِهِ، فَهُوَ مُسْتَحِيلٌ عَقْلًا، فَيَكُونُ فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ.

[فَصْلٌ قَالَ وَاَللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ فُلَانٌ كَذَا فَأَحْنَثَهُ وَلَمْ يَفْعَلْ]

(8015) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ فُلَانٌ كَذَا، أَوْ لَا يَفْعَلُ.
أَوْ حَلَفَ عَلَى حَاضِرٍ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ كَذَا.
فَأَحْنَثَهُ، وَلَمْ يَفْعَلْ، فَالْكَفَّارَةُ عَلَى الْحَالِفِ.
كَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَعَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، وَالشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ هُوَ الْحَانِثُ، فَكَانَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الْفَاعِلَ لِمَا يُحْنِثُهُ، وَلِأَنَّ سَبَبَ الْكَفَّارَةِ إمَّا الْيَمِينُ، وَإِمَّا الْحِنْثُ، أَوْ هُمَا، وَأَيُّ ذَلِكَ قُدِّرَ فَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْحَالِفِ.
وَإِنْ قَالَ: أَسْأَلُك بِاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ.
وَأَرَادَ الْيَمِينَ، فَهِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.
وَإِنْ أَرَادَ الشَّفَاعَةَ إلَيْهِ بِاَللَّهِ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَإِنْ قَالَ: بِاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ.
فَهِيَ يَمِينٌ؛ لِأَنَّهُ أَجَابَ بِجَوَابِ الْقَسَمِ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَا يَصْرِفُهَا، وَإِنْ قَالَ بِاَللَّهِ أَفْعَلُ.
فَلَيْسَتْ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجِبْهَا بِجَوَابِ الْقَسَمَ، وَلِذَلِكَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَقُولَ: وَاَللَّهِ أَفْعَلُ.
وَلَا: بِاَللَّهِ أَفْعَلُ.
وَإِنَّمَا صَلَحَ ذَلِكَ فِي التَّاءِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِالْقَسَمِ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سُؤَالٌ، فَلَا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ.
(8016) فَصْلٌ: وَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَهَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: أَقْسَمْت عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَتُخْبِرَنِّي بِمَا أَصَبْت مِمَّا أَخْطَأْت.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُقْسِمْ يَا أَبَا بَكْرٍ» وَلَمْ يُخْبِرْهُ.
وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ إبْرَارُهُ لَأَخْبَرَهُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ إبْرَارُهُ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ، وَيَكُونُ امْتِنَاعُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إبْرَارِ أَبِي بَكْرٍ لِمَا عَلِمَ مِنْ الضَّرَرِ فِيهِ.
وَإِنْ أَجَابَهُ إلَى صُورَةِ مَا أَقْسَمَ عَلَيْهِ دُونَ مَعْنَاهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمَعْنَى، فَحَسَنٌ؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْعَبَّاسَ جَاءَهُ بِرَجُلٍ لِيُبَايِعَهُ عَلَى الْهِجْرَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» . وَقَالَ الْعَبَّاسُ: أَقْسَمْت عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَتُبَايِعَنَّهُ.
فَوَضَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَهُ فِي يَدِهِ، وَقَالَ: «أَبْرَرْت قَسَمَ عَمِّي، وَلَا هِجْرَةَ» . وَأَجَابَهُ إلَى صُورَةِ الْمُبَايَعَةِ، دُونَ مَا قَصَدَ بِيَمِينِهِ.

[فَصْل إجَابَةُ مَنْ سَأَلَ بِاَللَّهِ]

(8017) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ إجَابَةُ مَنْ سَأَلَ بِاَللَّهِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ اسْتَعَاذَ بِاَللَّهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاَللَّهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ اسْتَجَارَ بِاَللَّهِ فَأَجِيرُوهُ، وَمَنْ أَتَى إلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ» وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمْ اللَّهُ، وَثَلَاثَةٌ يَبْغَضُهُمْ اللَّهُ؛ أَمَّا الَّذِينَ يُحِبُّهُمْ اللَّهُ؛ فَرَجُلٌ سَأَلَ قَوْمًا، فَسَأَلَهُمْ بِاَللَّهِ، وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ بِقَرَابَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ بِأَعْقَابِهِمْ، فَأَعْطَاهُ سِرًّا، لَا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ إلَّا اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - وَاَلَّذِي أَعْطَاهُ، وَقَوْمٌ سَارُوا لَيْلَتَهُمْ حَتَّى إذَا كَانَ النَّوْمُ أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِمَّا يَعْدِلُ بِهِ، فَوَضَعُوا رُءُوسَهُمْ، فَقَامَ يَتَمَلَّقُنِي وَيَتْلُو آيَاتِي، وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ، فَلَقُوا الْعَدُوَّ فَهُزِمُوا، فَأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يُفْتَحَ لَهُ، وَالثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يَبْغَضُهُمْ اللَّهُ؛ الشَّيْخُ الزَّانِي، وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ، وَالْغَنِيُّ الظَّلُومُ» رَوَاهُمَا النَّسَائِيّ.

[فَصْلٌ قَالَ حَلَفْت وَلَمْ يَكُنْ حَلَفَ]

(8018) فَصْلٌ: إذَا قَالَ: حَلَفْت.
وَلَمْ يَكُنْ حَلَفَ، فَقَالَ أَحْمَدُ: هِيَ كِذْبَةٌ، لَيْسَ عَلَيْهِ يَمِينٌ.
وَعَنْهُ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ.
وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ - تَعَالَى، فَإِذَا كَذَبَ فِي الْخَبَرِ بِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ حُكْمُهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: مَا صَلَّيْت.
وَقَدْ صَلَّى.
وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ يَمِينٌ.
وَنَوَى الْخَبَرَ، فَهِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا، وَإِنْ نَوَى الْقَسَمَ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هِيَ يَمِينٌ.
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ بِيَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِاسْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - الْمُعَظَّمِ، وَلَا صِفَتِهِ، فَلَمْ يَكُنْ يَمِينًا، كَمَا لَوْ قَالَ: حَلَفْت.
وَهَذَا أَصَحُّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ؛ فَإِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ صِيغَةَ الْيَمِينِ وَالْقَسَمِ، وَإِنَّمَا هِيَ صِيغَةُ الْخَبَرِ، فَلَا يَكُونُ بِهَا حَالِفًا، وَإِنْ قُدِّرَ ثُبُوتُ حُكْمِهَا، لَزِمَهُ أَقَلُّ مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ، وَهُوَ يَمِينٌ مَا، وَلَيْسَتْ كُلُّ يَمِينٍ مُوجِبَةً لِلْكَفَّارَةِ، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ الْيَمِينِ وَقَدْ نَوَى بِهَا الْيَمِينَ، فَتَكُونُ يَمِينًا، كَالصَّرِيحِ.

[فَصْلٌ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ أَوْ حَرَّمَهُ]

(8019) فَصْلٌ: وَإِذَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ، أَوْ حَرَّمَهُ، لَمْ يَصِرْ مُحَرَّمًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِيرُ مُحَرَّمًا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1] . وَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2] وَلِأَنَّ الْحِنْثَ يَتَضَمَّنُ هَتْكَ حُرْمَةِ الِاسْمِ الْمُعَظَّمِ، فَيَكُونُ حَرَامًا، وَلِأَنَّهُ إذَا حَرَّمَهُ، فَقَدْ حَرَّمَ الْحَلَالَ فَيَحْرُمُ كَمَا لَوْ حَرَّمَ زَوْجَتَهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ إذَا أَرَادَ التَّكْفِيرَ، فَلَهُ فِعْلُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَحَلُّ فِعْلِهِ مَعَ كَوْنِهِ مُحَرَّمًا تَنَاقُضٌ وَتَضَادٌّ، وَالْعَجَبُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يُجَوِّزُ التَّكْفِيرَ إلَّا بَعْدَ الْحِنْثِ، وَقَدْ فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى تَحِلَّةَ الْيَمِينِ، فَعَلَى قَوْلِهِ، يَلْزَمُ كَوْنُ الْمُحَرَّمِ مَفْرُوضًا، أَوْ مِنْ ضَرُورَةِ الْمَفْرُوضِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى التَّحِلَّةِ إلَّا بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَهُوَ عِنْدَهُ مُحَرَّمٌ، وَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُحَرَّمًا، لَوَجَبَ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ، كَالظِّهَارِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك» . فَأَمَرَ بِفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ مُحَرَّمًا، لَمْ يَأْمُرْ بِهِ.
وَسَمَّاهُ خَيْرًا، وَالْمُحَرَّمُ لَيْسَ بِخَيْرٍ، وَأَمَّا الْآيَةُ، فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَا قَوْلَهُ: هُوَ عَلَيَّ حَرَامٌ.
أَوْ مَنْعَ نَفْسِهِ مِنْهُ، وَذَلِكَ يُسَمَّى تَحْرِيمًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ [التوبة: 37] . وَقَالَ: ﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 140] وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ التَّحْرِيمُ حَقِيقَةً وَلَا شَرْعًا.

[كِتَاب الْكَفَّارَات]

ِ الْأَصْلُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 89] الْآيَةَ وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك» . فِي أَخْبَارٍ سِوَى هَذَا.
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى.

[مَسْأَلَةٌ وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِالْحِنْثِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ]

(8020) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِالْحِنْثِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَطْعَمَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ مُسْلِمِينَ أَحْرَارًا، كِبَارًا كَانُوا أَوْ صِغَارًا، إذَا أَكَلُوا الطَّعَامَ) أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الْحَانِثَ فِي يَمِينِهِ بِالْخِيَارِ؛ إنْ شَاءَ أَطْعَمَ، وَإِنْ شَاءَ كَسَا، وَإِنْ شَاءَ أَعْتَقَ، أَيَّ ذَلِكَ فَعَلَ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - عَطَفَ بَعْضَ هَذِهِ الْخِصَالِ عَلَى بَعْضٍ بِحَرْفِ " أَوْ "، وَهُوَ لِلتَّخْيِيرِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا كَانَ فِي كِتَابِ اللَّهِ (أَوْ) فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِ، وَمَا كَانَ (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) فَالْأَوَّلَ الْأَوَّلَ.
ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي " التَّفْسِيرِ ". وَالْوَاجِبُ فِي الْإِطْعَامِ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ؛ لِنَصِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عَدَدِهِمْ، إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ فَيَأْتِي ذِكْرُهُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَيُعْتَبَرُ فِي الْمَدْفُوعِ إلَيْهِمْ أَرْبَعَةُ أَوْصَافٍ؛ أَنْ يَكُونُوا مَسَاكِينَ، وَهُمْ الصِّنْفَانِ اللَّذَانِ تُدْفَعُ إلَيْهِمْ الزَّكَاةُ، الْمَذْكُورَانِ فِي أَوَّلِ أَصْنَافِهِمْ، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60] وَالْفُقَرَاءُ مَسَاكِينُ وَزِيَادَةٌ؛ لِكَوْنِ الْفَقِيرِ أَشَدَّ حَاجَةً مِنْ الْمِسْكِينِ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ وَلِأَنَّ الْفَقْرَ وَالْمَسْكَنَةَ فِي غَيْرِ الزَّكَاةِ شَيْءٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا اسْمٌ لِلْحَاجَةِ إلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْكِفَايَةِ، وَلِذَلِكَ لَوْ وَصَّى لِلْفُقَرَاءِ، أَوْ وَقَفَ عَلَيْهِمْ، أَوْ لِلْمَسَاكِينِ، لَكَانَ ذَلِكَ لَهُمْ جَمِيعًا، وَإِنَّمَا جُعِلَا صِنْفَيْنِ فِي الزَّكَاةِ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذَكَرَ الصِّنْفَيْنِ جَمِيعًا بِاسْمَيْنِ، فَاحْتِيجَ إلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا، فَأَمَّا فِي غَيْرِ الزَّكَاةِ.
فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الِاسْمَيْنِ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الصِّنْفَيْنِ؛ لِأَنَّ جِهَةَ اسْتِحْقَاقِهِمْ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ الْحَاجَةُ إلَى مَا تَتِمُّ بِهِ الْكِفَايَةُ، وَلَا يَجُوزُ صَرْفُهَا إلَى غَيْرِهِمْ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَصْنَافِ الزَّكَاةِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِهَا لِلْمَسَاكِينِ، وَخَصَّهُمْ بِهَا، فَلَا تُدْفَعُ إلَى غَيْرِهِمْ، وَلِأَنَّ الْقَدْرَ الْمَدْفُوعَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْكَفَّارَةِ قَدْرٌ يَسِيرٌ، يُرَادُ بِهِ دَفْعُ حَاجَةِ يَوْمِهِ فِي مُؤْنَتِهِ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْأَصْنَافِ لَا تَنْدَفِعُ حَاجَتُهُمْ بِهَذَا؛ لِكَثْرَةِ حَاجَتِهِمْ، وَإِذَا صَرَفُوا مَا يَأْخُذُونَهُ فِي حَاجَتِهِمْ، صَرَفُوهُ إلَى غَيْرِ مَا شُرِعَ لَهُ.

الثَّانِي، أَنْ يَكُونُوا أَحْرَارًا، فَلَا يُجْزِئُ دَفْعُهَا إلَى عَبْدٍ، وَلَا مُكَاتَبٍ، وَلَا أُمِّ وَلَدٍ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَاخْتَارَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ جَوَازَ دَفْعِهَا إلَى مُكَاتَبِ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَتَخَرَّجُ جَوَازُ دَفْعِهَا إلَيْهِ، بِنَاءً عَلَى جَوَازِ إعْتَاقِهِ فِي كَفَّارَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ الزَّكَاةِ، لِحَاجَتِهِ، فَأَشْبَهَ الْمِسْكِينَ.
وَلَنَا، أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - عَدَّهُ صِنْفًا فِي الزَّكَاةِ غَيْرَ صِنْفِ الْمَسَاكِينِ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَسَاكِينِ؛ لِأَنَّ حَاجَتَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ حَاجَتِهِمْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمِسْكِينٍ، وَالْكَفَّارَةُ إنَّمَا هِيَ لِلْمَسَاكِينِ؛ بِدَلِيلِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّ الْمِسْكِينَ يُدْفَعُ إلَيْهِ لِتَتِمَّ كِفَايَتُهُ، وَالْمُكَاتَبُ إنَّمَا يَأْخُذُ لِفِكَاكِ رَقَبَتِهِ، أَمَّا كِفَايَتُهُ فَإِنَّهَا حَاصِلَةٌ بِكَسْبِهِ وَمَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ وَلَا مَالٌ، عَجَّزَهُ سَيِّدُهُ، وَرَجَعَ إلَيْهِ، وَاسْتَغْنَى بِإِنْفَاقِهِ، وَخَالَفَ الزَّكَاةَ؛ فَإِنَّهَا تُصْرَفُ إلَى الْغَنِيِّ، وَالْكَفَّارَةُ بِخِلَافِهَا.
الثَّالِثُ، أَنْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ، وَلَا يَجُوزُ صَرْفُهَا إلَى كَافِرٍ، ذِمِّيًّا كَانَ أَوْ حَرْبِيًّا.
وَبِذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى الذِّمِّيِّ؛ لِدُخُولِهِ فِي اسْمِ الْمَسَاكِينِ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّهُ مِسْكِينٌ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَأَجْزَأَ الدَّفْعُ إلَيْهِ مِنْ الْكَفَّارَةِ، كَالْمُسْلِمِ.
وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ الشَّعْبِيِّ.
وَخَرَّجَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا فِي الْمَذْهَبِ؛ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ إعْتَاقِهِ فِي الْكَفَّارَةِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ يُعْطِيهِمْ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُمْ.
وَلَنَا، إنَّهُمْ كُفَّارٌ، فَلَمْ يَجُزْ إعْطَاؤُهُمْ، كَمُسْتَأْمَنِي أَهْلِ الْحَرْبِ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِهَذَا، فَنَقِيسُ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونُوا قَدْ أَكَلُوا الطَّعَامَ، فَإِنْ كَانَ طِفْلًا لَمْ يُطْعِمْ، لَمْ يَجُزْ الدَّفْعُ إلَيْهِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَقَوْلِ الْقَاضِي.
وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ؛ فَإِنَّهُ قَالَ: يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَى الْفَطِيمِ.
وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يُطْعِمْ، وَيَقْبِضُ لِلصَّغِيرِ وَلِيُّهُ.
وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْمَذْهَبُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ مُسْلِمٌ مُحْتَاجٌ، فَأَشْبَهَ الْكَبِيرَ، وَلِأَنَّ أَكْلَهُ لِلْكَفَّارَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَهَذَا يَصْرِفُ الْكَفَّارَةَ إلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، مِمَّا تَتِمُّ بِهِ كِفَايَتُهُ، فَأَشْبَهَ الْكَبِيرَ.
وَلَنَا، قَوْله تَعَالَى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 89] . وَهَذَا يَقْتَضِي أَكْلَهُمْ لَهُ، فَإِذَا لَمْ تُعْتَبَرْ حَقِيقَةُ أَكْلِهِ اُعْتُبِرَ إمْكَانُهُ وَمَظِنَّتُهُ، وَلَا تَتَحَقَّقُ مَظِنَّتُهُ فِيمَنْ لَا يَأْكُلُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ دَفْعَ حَاجَتِهِ، لَجَازَ دَفْعُ الْقِيمَةِ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ الْإِطْعَامُ، وَهَذَا يُقَيِّدُ مَا ذَكَرُوهُ.
فَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْأَوْصَافُ الْأَرْبَعَةُ فِي وَاحِدٍ، جَازَ الدَّفْعُ إلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، مَحْجُورًا عَلَيْهِ أَوْ غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ، إلَّا أَنَّ مَنْ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ يَقْبِضُ لِنَفْسِهِ، أَوْ يَقْبِضُ لَهُ وَكِيلُهُ، وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ كَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، يَقْبِضُ لَهُ وَلِيُّهُ.

[مَسْأَلَةٌ مِقْدَارُ مَا يُعْطَى كُلُّ مِسْكِينٍ وَجِنْسُهُ مِنْ الْكَفَّارَة]

(8021) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ دَقِيقٍ، أَوْ رِطْلَانِ خُبْزًا، أَوْ مُدَّانِ تَمْرًا أَوْ شَعِيرًا) أَمَّا مِقْدَارُ مَا يُعْطَى كُلُّ مِسْكِينٍ وَجِنْسُهُ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ الظِّهَارِ.
وَنَصَّ الْخِرَقِيِّ عَلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ الدَّقِيقُ وَالْخُبْزُ.
وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَيْهِ أَيْضًا.
وَرُوِيَ عَنْهُ، لَا يُجْزِئُ الْخُبْزُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَقَالَ: لَا يُجْزِئُهُ دَقِيقٌ وَلَا سَوِيقٌ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حَالَةِ الْكَمَالِ وَالِادِّخَارِ وَلَا يُجْزِئُ فِي الزَّكَاةِ، فَلَمْ يُجْزِئْ فِي الْكَفَّارَةِ، كَالْقِيمَةِ.
وَلَنَا؛ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: 89] . وَهَذَا قَدْ أَطْعَمَهُمْ مِنْ أَوْسَطِ مَا يُطْعِمُ أَهْلَهُ، فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ.
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89] . قَالَ: الْخُبْزُ وَاللَّبَنُ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، قَالَ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89] . الْخُبْزُ وَالتَّمْرُ، وَالْخُبْزُ وَالزَّيْتُ، وَالْخُبْزُ وَالسَّمْنُ.
وَقَالَ أَبُو رَزِينٍ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89] : خُبْزٌ وَزَيْتٌ وَخَلٌّ.
وَقَالَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ الْخُبْزُ وَالتَّمْرُ.
وَعَنْ عَلِيٍّ.
الْخُبْزُ: وَالتَّمْرُ، الْخُبْزُ وَالسَّمْنُ، الْخُبْزُ وَاللَّحْمُ.
وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ: أَفْضَلُهُ الْخُبْزُ وَاللَّحْمُ، وَأَوْسَطُهُ الْخُبْزُ وَالسَّمْنُ، وَأَخَسُّهُ الْخُبْزُ وَالتَّمْرُ.
وَقَالَ عُبَيْدَةَ الْخُبْزُ وَالزَّيْتُ.
وَسَأَلَ رَجُلٌ شُرَيْحًا مَا أَوْسَطُ طَعَامِ أَهْلِي؟ فَقَالَ شُرَيْحٌ إنَّ الْخُبْزَ وَالْخَلَّ وَالزَّيْتَ لَطَيِّبٌ.
فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَفَرَأَيْت الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ؟ قَالَ: أَرْفَعُ طَعَامِ أَهِلَك، وَطَعَامِ النَّاسِ؟ وَعَنْ عَلِيٍّ وَالْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ يُغَدِّيهِمْ أَوْ يُعَشِّيهِمْ.
وَهَذَا اتِّفَاقٌ عَلَى تَفْسِيرِ مَا فِي الْآيَةِ بِالْخُبْزِ، وَلِأَنَّهُ أَطْعَمَ الْمَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ طَعَامِ أَهْلِهِ، فَأَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ أَعْطَاهُ حَبًّا، وَيُفَارِقُ الزَّكَاةَ مِنْ وَجْهَيْنِ؛

أَحَدُهُمَا، أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ عُشْرُ الْحَبِّ وَعُشْرُ الْحَبِّ حَبٌّ، فَاعْتُبِرَ الْوَاجِبُ، وَهَا هُنَا الْوَاجِبُ الْإِطْعَامُ، وَالْخُبْزُ أَقْرَبُ إلَيْهِ.
وَالثَّانِي، أَنَّ دَفْعَ الزَّكَاةِ يُرَادُ لِلِاقْتِيَاتِ فِي جَمِيعِ الْعَامِ، فَيَحْتَاجُ إلَى ادِّخَارِهِ، فَاعْتُبِرَ أَنْ يَكُونَ عَلَى صِفَةٍ تُمَكِّنُ مِنْ ادِّخَارَهُ عَامًا، وَالْكَفَّارَةُ تُرَادُ لِدَفْعِ حَاجَةِ يَوْمِهِ، وَلِهَذَا تَقَدَّرَتْ بِمَا الْغَالِبُ أَنَّهُ يَكْفِيهِ لِيَوْمِهِ، وَالْخُبْزُ أَقْرَبُ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَفَاهُ مُؤْنَةَ طَحْنِهِ وَخَبْزِهِ.
إذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَإِنَّهُ إنْ أَعْطَى الْمِسْكِينَ رِطْلَيْ خُبْزٍ بِالْعِرَاقِيِّ، أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مِنْ أَقَلَّ مِنْ مُدٍّ، وَقُدِّرَ ذَلِكَ بِالرِّطْلِ الدِّمَشْقِيِّ الَّذِي هُوَ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ، خَمْسُ أَوَاقٍ وَسُبْعُ أُوقِيَّةٍ، وَإِنْ طَحَنَ مُدًّا، وَخَبَزَهُ، أَجْزَأَهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَكَذَلِكَ إذَا دَفَعَ دَقِيقَ الْمُدِّ إلَى الْمِسْكِينِ، أَجْزَأَهُ.
وَإِنْ دَفَعَ الدَّقِيقَ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ حِنْطَتِهِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: يُجْزِئُهُ بِالْوَزْنِ رِطْلٌ وَثُلُثٌ، وَلَا يُجْزِئُهُ إخْرَاجُ مُدِّ دَقِيقٍ بِالْكَيْلِ؛ لِأَنَّهُ يَرُوعُ بِالطَّحْنِ، فَحُصِّلَ فِي مُدِّ دَقِيقِ الْحَبِّ أَقَلُّ مِنْ مُدٍّ الْحَبِّ.
وَإِنْ زَادَ فِي الدَّقِيقِ عَنْ مُدٍّ، بِحَيْثُ يُعْلَمُ إنَّهُ قَدْرُ مُدِّ حِنْطَةٍ، جَازَ.
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ فِي مُدِّ مِنْ دَقِيقٍ.
يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ إخْرَاجَهُ بِالْوَزْنِ، كَمَا ذَكَرَ أَحْمَدُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ مُدًّا مِنْ الْحِنْطَةِ، طَحَنَهُ ثُمَّ أَخْرَجَ دَقِيقَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ إخْرَاجَ مَا يَعْلَمُ أَنَّ حَبَّهُ مُدٌّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ فِي الدَّقِيقِ وَالْخُبْزِ عَلَى دَقِيقِ الْحِنْطَةِ وَخُبْزِهَا، فَإِنْ أَعْطَى مِنْ الشَّعِيرِ، لَمْ يُجْزِئْهُ إلَّا ضِعْفُ ذَلِكَ، كَمَا لَا يُجْزِئُ مِنْ حَبِّهَا إلَّا ضِعْفُ مَا يُجْزِئُ مِنْ حَبِّ الْبَرِّ.
(8022) فَصْلٌ: وَالْأَفْضَلُ إخْرَاجُ الْحَبِّ؛ لِأَنَّ فِيهِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.
قَالَ أَحْمَدُ التَّمْرُ أَعْجَبُ إلَيَّ، وَالدَّقِيقُ ضَعِيفٌ، وَالتَّمْرُ أَحَبُّ إلَيَّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إخْرَاجُ الْخُبْزِ أَفْضَلَ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لِلْمِسْكِينِ، وَأَقَلُّ كُلْفَةً، وَأَقْرَبُ إلَى حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ بِغُنْيَتِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمِسْكِينَ يَأْكُلُهُ، وَيَسْتَغْنِي بِهِ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ، وَالْحَبُّ يَعْجِزُ عَنْ طَحْنِهِ وَعَجْنِهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى بَيْعِهِ، ثُمَّ يَشْتَرِي بِثَمَنِهِ خُبْزًا، فَيَتَكَلَّفُ حَمْلَ كُلْفَةِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَغَبْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي لَهُ، وَتَأَخُّرَ حُصُولِ النَّفْعِ بِهِ، وَرُبَّمَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ بِثَمَنِهِ مِنْ الْخُبْزِ مَا يَكْفِيهِ لِيَوْمِهِ، فَيَفُوتُ الْمَقْصُودُ مَعَ حُصُولِ الضَّرَرِ.

[فَصْلٌ أَنْ يَكُونَ الْمُخْرَجُ فِي الْكَفَّارَةِ سَالِمًا مِنْ الْعَيْبِ]

فَصْلٌ: وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُخْرَجُ فِي الْكَفَّارَةِ سَالِمًا مِنْ الْعَيْبِ، فَلَا يَكُونُ الْحَبُّ مَسُوسًا، وَلَا مُتَغَيِّرًا طَعْمُهُ،

وَلَا فِيهِ زُؤَانٌ أَوْ تُرَابٌ يَحْتَاجُ إلَى تَنْقِيَةٍ، وَكَذَلِكَ دَقِيقُهُ وَخُبْزُهُ؛ لِأَنَّهُ مُخْرَجٌ فِي حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى، عَمَّا وَجَبَ فِي الذِّمَّةِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مَعِيبًا كَالشَّاةِ فِي الزَّكَاةِ.

[مَسْأَلَةٌ لَا يُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ إخْرَاجُ قِيمَةِ الطَّعَامِ وَلَا الْكِسْوَةِ]

(8024) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ (وَلَوْ أَعْطَاهُمْ مَكَانَ الطَّعَامِ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ وَرِقًا، لَمْ يُجْزِهِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ إخْرَاجُ قِيمَةِ الطَّعَامِ، وَلَا الْكِسْوَةِ، فِي قَوْلِ إمَامِنَا وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَنْ سَمَّيْنَا قَوْلَهُمْ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ، فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالنَّخَعِيِّ.
وَأَجَازَهُ الْأَوْزَاعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ حَاجَةِ الْمِسْكِينِ، وَهُوَ يَحْصُلُ بِالْقِيمَةِ وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: 89] . وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي عَيْنِ الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ، فَلَا يَحْصُلُ التَّكْفِيرُ بِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَدِّ الْوَاجِبَ إذَا لَمْ يُؤَدِّ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِأَدَائِهِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى خَيَّرَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ وَلَوْ جَازَتْ الْقِيمَةُ لَمْ يَنْحَصِرْ التَّخْيِيرُ فِي الثَّلَاثَةِ، وَلِأَنَّهُ، لَوْ أُرِيدَتْ الْقِيمَةُ لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْيِيرِ مَعْنًى؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الطَّعَامِ إنْ سَاوَتْ قِيمَةَ الْكِسْوَةِ، فَهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَكَيْفَ يُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا؟ وَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، فَكَيْفَ يُخَيَّرُ بَيْنَ شَيْءٍ وَبَعْضِهِ؟ ثُمَّ يَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا أَعْطَاهُ فِي الْكِسْوَةِ مَا يُسَاوِي إطْعَامَهُ أَنْ يُجْزِئَهُ، وَهُوَ خِلَافُ الْآيَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ غَلَتْ قِيمَةُ الطَّعَامِ، فَصَارَ نِصْفُ الْمُدِّ يُسَاوِي كِسْوَةَ الْمِسْكِينِ، يَنْبَغِي أَنْ يُجْزِئَهُ نِصْفُ الْمُدِّ وَهُوَ خِلَافُ الْآيَةِ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ مَا يُكَفِّرُ بِهِ فَتَعَيَّنَ مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ كَالْعِتْقِ أَوْ فَلَا تُجْزِئُ فِيهِ الْقِيمَةُ كَالْعِتْقِ فَعَلَى هَذَا، لَوْ أَعْطَاهُمْ أَضْعَافَ قِيمَةِ الطَّعَامِ، لَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَدِّ الْوَاجِبَ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهِ.

[مَسْأَلَةٌ وَيُعْطِي مِنْ أَقَارِبِهِ مَنْ يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ فِي كَفَّارَة الْيَمِينِ]

(8025) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَيُعْطِي مِنْ أَقَارِبِهِ مَنْ يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ) وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ حَقُّ مَالٍ يَجِبُ لِلَّهِ - تَعَالَى، فَجَرَى مَجْرَى الزَّكَاةِ، فِيمَنْ يَدْفَعُ إلَيْهِ مِنْ أَقَارِبِهِ، وَمَنْ لَا يَدْفَعُ إلَيْهِ وَقَدْ سَبَقَ ذَلِكَ فِي بَابِ الزَّكَاةِ

(8026) فَصْلٌ: وَكُلُّ مَنْ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ مِنْ الْغَنِيِّ وَالْكَافِرِ، وَالرَّقِيقِ يُمْنَعُ أَخْذَ الْكَفَّارَةِ، وَهَلْ يُمْنَعُ مِنْهَا بَنُو هَاشِمٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يُمْنَعُونَ مِنْهَا، لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ وَاجِبَةٌ فَمُنِعُوا مِنْهَا لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ» . وَقِيَاسًا عَلَى الزَّكَاةِ.
وَالثَّانِي، لَا يُمْنَعُونَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، فَأَشْبَهَتْ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ.

[مَسْأَلَةٌ لَمْ يُصِبْ إلَّا مِسْكِينًا وَاحِدًا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ]

(8027) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ (وَمَنْ لَمْ يُصِبْ إلَّا مِسْكِينًا وَاحِدًا، رَدَّدَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ تَتِمَّةَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُكَفِّرَ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَجِدَ الْمَسَاكِينَ بِكَمَالِ عَدَدِهِمْ، أَوَّلًا يَجِدَهُمْ، فَإِنْ وَجَدَهُمْ، لَمْ يُجْزِئُهُ إطْعَامُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَلَا أَقَلَّ مِنْ سِتِّينَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَكَفَّارَةِ الْجِمَاعِ فِي رَمَضَانَ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَأَجَازَ الْأَوْزَاعِيُّ دَفْعَهَا إلَى وَاحِدٍ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ إنْ خَصَّ بِهَا أَهْلَ بَيْتٍ شَدِيدِي الْحَاجَةِ، جَازَ، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ، حِينَ أَخْبَرَهُ بِشِدَّةِ حَاجَتِهِ وَحَاجَةِ أَهْلِهِ: (أَطْعِمْهُ عِيَالَك) وَلِأَنَّهُ دَفَعَ حَقَّ اللَّهِ - تَعَالَى - إلَى مَنْ هُوَ مَنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ، فَأَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ دَفَعَ زَكَاتَهُ إلَى وَاحِدٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَجُوزُ أَنْ يُرَدِّدَهَا عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ، إنْ كَانَتْ كَفَّارَةَ يَمِينٍ، أَوْ فِي سِتِّينَ إنْ كَانَ الْوَاجِبُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَيْهِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ.
وَحَكَاهُ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدْ؛ لِأَنَّهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ قَدْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا مَا يَجِبُ لِلْمِسْكِينِ، فَأَجْزَأَ، كَمَا لَوْ أَعْطَى غَيْرَهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَطْعَمَ هَذَا الْمِسْكِينَ مِنْ كَفَّارَةٍ أُخْرَى، أَجْزَأَهُ، فَكَذَلِكَ إذَا أَطْعَمَهُ مِنْ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 89] . وَمَنْ أَطْعَمَ وَاحِدًا، فَمَا أَطْعَمَ عَشَرَةً، فَمَا امْتَثَلَ الْأَمْرَ، فَلَا يُجْزِئُهُ، وَلِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - جَعَلَ كَفَّارَتَهُ إطْعَامَ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ، فَإِذَا لَمْ يُطْعِمْ عَشَرَةً فَمَا أَتَى بِالْكَفَّارَةِ، وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يَجُزْ الدَّفْعُ إلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، لَمْ يَجُزْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، مَعَ اتِّفَاقِ الْحَالِ، كَالْوَلَدِ، فَأَمَّا الْوَاقِعُ عَلَى أَهْلِهِ، فَإِنَّمَا أَسْقَطَ اللَّهُ - تَعَالَى - الْكَفَّارَةَ عَنْهُ، لِعَجْزِهِ عَنْهَا، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَأْكُلُ كَفَّارَةَ نَفْسِهِ، وَلَا يُطْعِمُهَا عَائِلَتَهُ، وَقَدْ أُمِرَ بِذَلِكَ

الْحَالُ الثَّانِي الْعَاجِزُ عَنْ عَدَدِ الْمَسَاكِينِ كُلِّهِمْ، فَإِنَّهُ يُرَدِّدُ عَلَى الْمَوْجُودِينَ مِنْهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ حَتَّى تَتِمَّ عَشَرَةً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا وَاحِدًا، رَدَّدَ عَلَيْهِ، تَتِمَّةَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، وَإِنْ وَجَدَ اثْنَيْنِ، رَدَّدَ عَلَيْهِمَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَعَلَى هَذَا وَنَحْوُ هَذَا.
قَالَ الثَّوْرِيِّ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، لَا يُجْزِئُهُ إلَّا كَمَالُ الْعَدَدِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي حَالِ الْقُدْرَةِ.
وَلَنَا، أَنَّ تَرْدِيدَ الْإِطْعَامِ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ، فِي مَعْنَى إطْعَامِ عَشَرَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ الْحَاجَةَ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَطْعَمَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَاحِدًا، وَالشَّيْءُ بِمَعْنَاهُ يَقُومُ مَقَامَهُ بِصُورَتِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِهَا، وَلِهَذَا شُرِعَتْ الْأَبْدَالُ؛ لِقِيَامِهَا مَقَامَ الْمُبْدَلَاتِ فِي الْمَعْنَى، وَلَا يُجْتَزَأُ بِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمُبْدَلَاتِ، كَذَا هَاهُنَا.

[فَصْلٌ أَطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا حَتَّى أَكْمَلَ الْعَشَرَةَ فِي كَفَّارَة الْيَمِينِ]

(8028) فَصْل: وَإِنْ أَطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، حَتَّى أَكْمَلَ الْعَشَرَةَ، أَجْزَأَهُ، بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ، وَقَدْ أَطْعَمَهُمْ.
وَإِنْ دَفَعَهَا إلَى مَنْ يَظُنُّهُ مِسْكِينًا، فَبَانَ غَنِيًّا، فَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي دَفْعِ الزَّكَاةِ إلَيْهِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يُجْزِئُهُ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُطْعِمْ الْمَسَاكِينَ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ عَلِمَ.
وَالثَّانِي، يُجْزِئُهُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَهَا إلَى مَنْ يَظُنُّهُ مِسْكِينًا، وَظَاهِرُهُ الْمَسْكَنَةُ، فَأَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَهَذَا لِأَنَّ الْفَقْرَ يَخْفَى، وَتَشُقُّ مَعْرِفَةُ حَقِيقَتِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: 273] فَوَجَبَ أَنْ يَكْتَفِيَ بِظُهُورِهِ وَظَنِّهِ، وَكَذَلِكَ لَمَّا سَأَلَ الرَّجُلَانِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الصَّدَقَةِ، قَالَ: «إنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا مِنْهَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» . وَإِنْ بَانَ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا، لَمْ يُجْزِئْهُ، وَجْهًا وَاحِدًا، كَقَوْلِنَا فِي الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكَادُ يَخْفَى، وَلَيْسَ هُوَ فِي مَظِنَّةِ الْخَفَاءِ فَإِنْ كَانَ الدَّافِعُ الْإِمَامَ، فَأَخْطَأَ فِي الْفَقْرِ، لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ أَخْطَأَ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، فَهَلْ يَضْمَنُ؟ عَلَى الْوَجْهَيْنِ؛ بِنَاءً عَلَى خَطَئِهِ فِي الْحَدِّ.

[فَصْلٌ أَطْعَمَ مِسْكِينًا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ كَفَّارَتَيْنِ]

(8029) فَصْلٌ: إذَا أَطْعَمَ مِسْكِينًا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ كَفَّارَتَيْنِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛

أَحَدُهُمَا، يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ أَطْعَمَ عَنْ كُلِّ كَفَّارَةٍ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ، فَأَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ أَطْعَمَهُ فِي يَوْمَيْنِ، وَلِأَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ اثْنَيْنِ، جَازَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ وَاحِدٍ، كَالْقَدْرِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ مِنْ الزَّكَاةِ.
وَالثَّانِي، لَا يُجْزِئُهُ إلَّا عَنْ وَاحِدٍ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ أَعْطَى مِسْكِينًا فِي يَوْمٍ طَعَامَ اثْنَيْنِ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ إلَّا عَنْ وَاحِدٍ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَإِنْ أَطْعَمَ اثْنَيْنِ مِنْ كَفَّارَتَيْنِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، جَازَ.
وَلَا نَعْلَمُ فِي جَوَازِهِ خِلَافًا.
وَكَذَلِكَ إنْ أَطْعَمَ وَاحِدًا مِنْ كَفَّارَتَيْنِ فِي يَوْمَيْنِ،، جَازَ أَيْضًا، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
فَلَوْ كَانَ عَلَى وَاحِدٍ عَشْرُ كَفَّارَاتٍ، وَعِنْدَهُ عَشَرَةُ مَسَاكِينَ، يُطْعِمُهُمْ كُلَّ يَوْمٍ كَفَّارَةً يُفَرِّقُهَا عَلَيْهِمْ، جَازَ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ، فَخَرَجَ عَنْ عُهْدَتِهِ، وَبَيَانُ أَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ، أَنَّهُ أَطْعَمَ عَنْ كُلِّ كَفَّارَةٍ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا يُطْعِمُ أَهْلَهُ، وَالْحُكْمُ فِي الْكِسْوَةِ كَالْحُكْمِ فِي الطَّعَامِ، عَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ.

[مَسْأَلَة الْكِسْوَةَ أَحَدُ أَصْنَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ]

(8030) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ (وَإِنْ شَاءَ كَسَا عَشَرَةَ مَسَاكِينَ؛ لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ يُجْزِئُهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، وَلِلْمَرْأَةِ دِرْعٌ وَخِمَارٌ) لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْكِسْوَةَ أَحَدُ أَصْنَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لِنَصِّ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَيْهَا فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: 89] . وَلَا تَدْخُلُ فِي كَفَّارَةٍ غَيْرِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَلَا يُجْزِئُهُ أَقَلُّ مِنْ كِسْوَةِ عَشَرَةٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: 89] . وَتَتَقَدَّرُ الْكِسْوَةُ بِمَا يُجْزِئُ الصَّلَاةُ فِيهِ؛ فَإِنْ كَانَ رَجُلًا، فَثَوْبٌ تُجْزِئُهُ الصَّلَاةُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً، فَدِرْعٌ وَخِمَارٌ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ.
وَمِمَّنْ قَالَ: لَا يُجْزِئُهُ السَّرَاوِيلُ.
الْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: ثَوْبٌ جَامِعٌ وَقَالَ الْحَسَنُ: كُلُّ مِسْكِينٍ حُلَّةٌ؛ إزَارٌ وَرِدَاءٌ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُجْزِئُهُ ثَوْبٌ ثَوْبٌ.
وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: يُجْزِئُ الْعِمَامَةُ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَبَاءَةٌ وَعِمَامَةٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُجْزِئُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، مِنْ سَرَاوِيلَ، أَوْ إزَارٍ، أَوْ رِدَاءٍ، أَوْ مُقَنَّعَةٍ، أَوْ عِمَامَةٍ، وَفِي الْقَلَنْسُوَةِ وَجْهَانِ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْكِسْوَةِ، فَأَجْزَأَ، كَاَلَّذِي تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْكِسْوَةَ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ، فَلَمْ يَجُزْ فِيهِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، كَالْإِطْعَامِ وَالْإِعْتَاقِ، وَلِأَنَّ التَّكْفِيرَ عِبَادَةٌ تُعْتَبَرُ فِيهَا الْكِسْوَةُ، فَلَمْ يَجُزْ فِيهَا أَقَلُّ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ، كَالصَّلَاةِ، وَلِأَنَّهُ مَصْرُوفٌ إلَى الْمَسَاكِينِ فِي الْكَفَّارَةِ، فَيَتَقَدَّرُ، كَالْإِطْعَامِ، وَلِأَنَّ اللَّابِسَ مَا لَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ إنَّمَا يُسَمَّى عُرْيَانًا، وَلَا مُكْتَسِيًا، وَكَذَلِكَ لَابِسُ السَّرَاوِيلِ وَحْدَهُ، أَوْ مِئْزَرٍ، يُسَمَّى عُرْيَانًا، فَلَا يُجْزِئُهُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: 89]

إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إذَا كَسَا امْرَأَةً، أَعْطَاهَا دِرْعًا وَخِمَارًا؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهَا، وَتُجْزِئُهَا الصَّلَاةُ فِيهِ وَإِنْ، أَعْطَاهَا ثَوْبًا وَاسِعًا، يُمْكِنُهَا أَنْ تَسْتُرَ بِهِ بَدَنَهَا وَرَأْسَهَا، أَجْزَأَهُ ذَلِكَ.
وَإِنْ كَسَا الرَّجُلَ أَجْزَأَهُ قَمِيصٌ، أَوْ ثَوْبٌ يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتُرَ بِهِ عَوْرَتَهُ، وَيَجْعَلَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْئًا، أَوْ ثَوْبَيْنِ يَأْتَزِرُ بِأَحَدِهِمَا، وَيَرْتَدِي بِالْآخَرِ.
وَلَا يُجْزِئُهُ مِئْزَرٌ وَحْدَهُ؛ وَلَا سِرْوَالٌ وَحْدَهُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ.»

[فَصْلٌ يَكْسُوَهُمْ مِنْ جَمِيعِ أَصْنَافِ الْكِسْوَةِ فِي كَفَّارَة الْيَمِينِ]

(8031) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكْسُوَهُمْ مِنْ جَمِيعِ أَصْنَافِ الْكِسْوَةِ؛ مِنْ الْقُطْنِ، وَالْكَتَّانِ، وَالصُّوفِ، وَالشَّعْرِ، وَالْوَبَرِ، وَالْخَزِّ، وَالْحَرِيرِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَمَرَ بِكِسْوَتِهِمْ وَلَمْ يُعَيِّنْ جِنْسًا فَأَيَّ جِنْسٍ كَسَاهُمْ مِنْهُ، خَرَجَ بِهِ عَنْ الْعُهْدَةِ؛ لِوُجُودِ الْكِسْوَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكْسُوَهُمْ لَبِيسًا أَوْ جَدِيدًا، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا قَدْ بَلِيَ وَذَهَبَتْ، مَنْفَعَتُهُ، فَلَا يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ مَعِيبٌ، كَالْحَبِّ الْمَعِيبِ، وَالرَّقَبَةِ إذَا بَطَلَتْ مَنْفَعَتُهَا.
وَسَوَاءٌ كَانَ مَا أَعْطَاهُمْ مَصْبُوغًا أَوْ غَيْرَ مَصْبُوغٍ، أَوْ خَامًا أَوْ مَقْصُورًا؛ لِأَنَّهُ تَحْصُلُ الْكِسْوَةُ الْمَأْمُورُ بِهَا، وَالْحِكْمَةُ الْمَقْصُودَةُ مِنْهَا.

[فَصْلٌ وَاَلَّذِينَ تُجْزِئُ كِسْوَتُهُمْ فِي كَفَّارَة الْيَمِينِ]

(8032) فَصْلٌ: وَاَلَّذِينَ تُجْزِئُ كِسْوَتُهُمْ، هُمْ الْمَسَاكِينُ الَّذِينَ يُجْزِئُ إطْعَامُهُمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى قَالَ: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: 89] . فَيَنْصَرِفُ الضَّمِيرُ إلَيْهِمْ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْمَسَاكِينِ وَأَصْنَافِهِمْ.

[مَسْأَلَةٌ إعْتَاقَ الرَّقَبَةِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ]

(8033) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ شَاءَ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، قَدْ صَلَّتْ وَصَامَتْ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَتَكُونُ سَلِيمَةً، لَيْسَ فِيهَا نَقْصٌ يَضُرُّ بِالْعَمَلِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ إعْتَاقَ الرَّقَبَةِ أَحَدُ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِنَصِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: 89] . وَيُعْتَبَرُ فِي الرَّقَبَةِ ثَلَاثَةُ أَوْصَافٍ؛

أَحَدُهَا، أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً.
فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ الذِّمِّيَّةَ تُجْزِئُ.
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] وَهَذَا مُطْلَقٌ، فَتَدْخُلُ فِيهِ الْكَافِرَةُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ تَحْرِيرٌ فِي كَفَّارَةٍ، فَلَا يُجْزِئُ فِيهِ الْكَافِرَةُ، كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا، أَنَّ الْإِعْتَاقَ يَتَضَمَّنُ تَفْرِيغَ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِعِبَادَةِ رَبِّهِ، وَتَكْمِيلَ أَحْكَامِهِ وَعِبَادَتِهِ وَجِهَادِهِ، وَمَعُونَةَ الْمُسْلِمِ، فَنَاسَبَ ذَلِكَ شَرْعُ إعْتَاقِهِ فِي الْكَفَّارَةِ، تَحْصِيلًا لِهَذِهِ الْمَصَالِحِ، وَالْحُكْمُ مَقْرُونٌ بِهَا فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ الْمَنْصُوصِ عَلَى الْإِيمَانِ فِيهَا، فَيُعَلَّلُ بِهَا، وَيَتَعَدَّى ذَلِكَ الْحَكَمُ إلَى كُلِّ تَحْرِيرٍ فِي كَفَّارَةٍ، فَيَخْتَصُّ بِالْمُؤْمِنَةِ، لِاخْتِصَاصِهَا بِهَذِهِ الْحِكْمَةِ.
وَأَمَّا الْمُطْلَقُ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ، فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، كَمَا حُمِلَ مُطْلَقُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] . عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] . وَإِنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ، حُمِلَ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ.
الثَّانِي، أَنْ تَكُونَ قَدْ صَلَّتْ وَصَامَتْ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَمَالِكٍ، وَإِسْحَاقَ.
قَالَ الْقَاضِي: لَا يُجْزِئُ مَنْ لَهُ دُونَ السَّبْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ مِنْهُ الْعِبَادَاتُ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، الْمُعْتَبَرَ الْفِعْلُ دُونَ السِّنِّ، فَمَنْ صَلَّى وَصَامَ مِمَّنْ لَهُ عَقْلٌ يَعْرِفُ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ، وَيَتَحَقَّقُ مِنْهُ الْإِتْيَانُ بِهِ بِنِيَّتِهِ وَأَرْكَانِهِ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا وَلَمْ يُوجَدَا مِنْهُ، لَمْ يُجْزِئْ فِي الْكَفَّارَةِ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا: يَجُوزُ إعْتَاقُ الطِّفْلِ فِي الْكَفَّارَةِ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِيمَانِ هَاهُنَا الْإِسْلَامُ؛ بِدَلِيلِ إعْتَاقِ الْفَاسِقِ.
قَالَ الثَّوْرِيُّ الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ مُؤْمِنُونَ عِنْدَنَا فِي الْأَحْكَامِ، وَلَا نَدْرِي مَا هُمْ عِنْدَ اللَّهِ.
وَلِهَذَا تَعَلَّقَ حُكْمُ الْقَتْلِ بِكُلِّ مُسْلِمٍ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء: 92] . وَالصَّبِيُّ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ، يَرِثُهُ الْمُسْلِمُونَ وَيَرِثُهُمْ، وَيُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَإِنْ سُبِيَ مُنْفَرِدًا عَنْ أَبَوَيْهِ أَجْزَأَهُ عِتْقُهُ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ سُبِيَ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْ الطِّفْلِ مُسْلِمًا، وَالْآخَرُ كَافِرًا، أَجْزَأَ إعْتَاقُهُ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي، فِي مَوْضِعٍ: يُجْزِئُ إعْتَاقُ الصَّغِيرِ فِي جَمِيعِ الْكَفَّارَاتِ، إلَّا كَفَّارَةَ الْقَتْلِ؛ فَإِنَّهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَلَا يُجْزِئُ إلَّا مَا صَامَ وَصَلَّى، وَمَا كَانَ

فِي الْقُرْآنِ رَقَبَةً لَيْسَتْ بِمُؤْمِنَةٍ، فَالصَّبِيُّ يُجْزِئُ.
وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّ الْوَاجِبَ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ، وَالْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، فَمَا لَمْ تَحْصُلْ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ، لَمْ يَحْصُلْ الْعَمَلُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] قَالَ: قَدْ صَلَّتْ.
وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَإِبْرَاهِيمَ.
وَقَالَ مَكْحُولٌ إذَا وُلِدَ الْمَوْلُودُ فَهُوَ نَسَمَةٌ، فَإِذَا تَقَلَّبَ ظَهْرًا لِبَطْنٍ فَهُوَ رَقَبَةٌ، فَإِذَا صَلَّى فَهُوَ مُؤْمِنَةٌ.
وَلِأَنَّ الطِّفْلَ لَا تَصِحُّ مِنْهُ عِبَادَةٌ؛ لِفَقْدِ التَّكْلِيفِ، فَلَمْ يُجْزِئْ فِي الْكَفَّارَةِ، كَالْمَجْنُونِ، وَلِأَنَّ الصِّبَا نَقْصٌ يَسْتَحِقّ بِهِ النَّفَقَةَ عَلَى الْقَرِيبِ، أَشْبَهَ الزَّمَانَةَ.
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَقْرَبُ إلَى الصِّحَّةِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ الْإِسْلَامُ، وَهُوَ حَاصِلٌ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا «، أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ الْحَكَمِ السُّلَمِيَّ، أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِجَارِيَةٍ، فَقَالَ لَهَا: أَيْنَ اللَّهُ؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ قَالَ: مَنْ أَنَا؟ . قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ.
قَالَ: أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي حَدِيثٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِجَارِيَةٍ أَعْجَمِيَّةٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً.
فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَيْنَ اللَّهُ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إلَى السَّمَاءِ.
قَالَ: مَنْ أَنَا؟ . فَأَشَارَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ وَإِلَى السَّمَاءِ.
أَيْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ.
قَالَ: أَعْتِقْهَا؛» . فَحَكَمَ لَهَا بِالْإِيمَانِ بِهَذَا الْقَوْلِ.

[فَصْلٌ إعْتَاقُ الْجَنِينِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ]

(8034) فَصْلٌ: وَلَا يُجْزِئُ إعْتَاقُ الْجَنِينِ.
فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ مَمْلُوكٌ، فَصَحَّ إعْتَاقُهُ عَنْ الرَّقَبَةِ، كَالْمَوْلُودِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ أَحْكَامُ الدُّنْيَا بَعْدُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ إلَّا بِالْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ لَهُمَا كَوْنُهُ آدَمِيًّا؛ لِكَوْنِهِ ثَبَتَ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ نُطْفَةٌ أَوْ عَلَقَةٌ، وَلَيْسَ بِآدَمِيٍّ فِي تِلْكَ الْحَالِ.
الثَّالِثُ، أَنْ لَا يَكُونَ بِهَا نَقْصٌ يَضُرُّ بِالْعَمَلِ.
وَقَدْ شَرَحْنَا ذَلِكَ فِي الظِّهَارِ.
وَيُجْزِئُ الصَّبِيُّ وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَاضٍ إلَى زَوَالٍ، وَصَاحِبُهُ سَائِرٌ إلَى الْكَمَالِ.
وَلَا يُجْزِئُ الْمَجْنُونُ؛ لِأَنَّ نَقْصَهُ لَا غَايَةَ لِزَوَالِهِ مَعْلُومَةٌ، فَأَشْبَهَ الزَّمِنَ.

[فَصْلٌ أَعْتَقَ غَائِبًا تُعْلَمُ حَيَاتُهُ وَتَجِيءُ أَخْبَارُهُ فِي كَفَّارَة الْيَمِينِ]

(8035) فَصْلٌ: فَإِنْ أَعْتَقَ غَائِبًا تُعْلَمُ حَيَاتُهُ، وَتَجِيءُ أَخْبَارُهُ صَحَّ، وَأَجْزَأَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ، كَالْحَاضِرِ.
وَإِنْ شُكَّ فِي حَيَاتِهِ وَانْقَطَعَ خَبَرُهُ، لَمْ يُحْكَمْ بِالْإِجْزَاءِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ شَغْلُ ذِمَّتِهِ، وَلَا تَبْرَأُ بِالشَّكِّ، وَهَذَا الْعَبْدُ مَشْكُوكٌ فِيهِ

فِي وُجُودِهِ، فَشُكَّ فِي إعْتَاقِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْأَصْلُ حَيَاتُهُ.
قُلْنَا: إلَّا أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمَوْتَ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَقَدْ وُجِدَتْ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ انْقِطَاعُ أَخْبَارِهِ، فَإِنْ تَبَيَّنَ بَعْدَ هَذَا كَوْنُهُ حَيًّا تَبَيَّنَّا صِحَّةَ عِتْقِهِ وَبَرَاءَةَ الذِّمَّةِ مِنْ الْكَفَّارَةِ، وَإِلَّا فَلَا.

[فَصْلٌ أَعْتَقَ غَيْرُهُ عَنْهُ فِي كَفَّارَة الْيَمِينِ]

(8036) فَصْلٌ: وَإِنْ أَعْتَقَ غَيْرُهُ عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، لَمْ يَقَعْ عَنْ الْمُعْتَقِ عَنْهُ، إذَا كَانَ حَيًّا، وَوَلَاؤُهُ لِلْمُعْتِقِ، وَلَا يُجْزِئُ عَنْ كَفَّارَتِهِ، وَإِنْ نَوَى ذَلِكَ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ إذَا أَعْتَقَ عَنْ وَاجِبٍ عَلَى غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، صَحَّ؛ لِأَنَّهُ قَضَى عَنْهُ وَاجِبًا فَصَحَّ، كَمَا لَوْ قَضَى عَنْهُ دَيْنًا.
وَلَنَا، أَنَّهُ عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ، فَلَمْ يَصِحَّ أَدَاؤُهَا عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْأَمْرِ، كَالْحَجِّ وَلِأَنَّهُ أَحَدُ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ، فَلَمْ يَصِحَّ عَنْ الْمُكَفِّرِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، كَالصِّيَامِ.
وَهَكَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا كَفَّرَ عَنْهُ بِإِطْعَامٍ أَوْ كِسْوَةٍ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنُوبَ عَنْهُ فِي الصِّيَامِ بِإِذْنِهِ، وَلَا بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فَلَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ.
فَأَمَّا إنْ أَعْتَقَ عَنْهُ بِأَمْرِهِ، نَظَرْت؛ فَإِنْ جَعَلَ لَهُ عِوَضًا، صَحَّ الْعِتْقُ عَنْ الْمُعْتَقِ عَنْهُ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ، وَأَجْزَأَ عَنْ كَفَّارَتِهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ.
وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَغَيْرُهُمْ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ الْعِتْقُ عَنْهُ بِمَالِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَاهُ وَوَكَّلَ الْبَائِعَ فِي إعْتَاقِهِ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ عِوَضًا، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يَقَعُ الْعِتْقُ عَنْ الْمُعْتَقِ عَنْهُ، وَيُجْزِئُ فِي كَفَّارَتِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ بِأَمْرِهِ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ شَرَطَ عِوَضًا.
وَالْأُخْرَى، لَا يُجْزِئُ، وَوَلَاؤُهُ لِلْمُعْتِقِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ بِعِوَضٍ كَالْبَيْعِ، وَبِغَيْرِ عِوَضٍ كَالْهِبَةِ، وَمِنْ شَرْطِ الْهِبَةِ الْقَبْضُ، وَلَمْ يَحْصُلْ، فَلَمْ يَقَعْ عَنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَفَارَقَ الْبَيْعَ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ.
فَإِنْ كَانَ الْمُعْتَقُ عَنْهُ مَيِّتًا، نَظَرْت؛ فَإِنْ وَصَّى بِالْعِتْقِ، صَحَّ؛ لِأَنَّهُ بِأَمْرِهِ وَإِنْ لَمْ يُوَصِّ بِهِ، فَأَعْتَقَ عَنْهُ أَجْنَبِيٌّ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَائِبٍ عَنْهُ، وَإِنْ أَعْتَقَ عَنْهُ وَارِثُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَاجِبٌ، لَمْ يَصِحَّ الْعِتْقُ عَنْهُ، وَوَقَعَ عَنْ الْمُعْتِقِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ عِتْقٌ وَاجِبٌ، صَحَّ الْعِتْقُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ لَهُ فِي مَالِهِ وَأَدَاءِ وَاجِبَاتِهِ.
فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَكَسَا عَنْهُ أَوْ أَطْعَمَ عَنْهُ، جَازَ، وَإِنْ أَعْتَقَ عَنْهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، فَجَرَى مَجْرَى التَّطَوُّعِ.
وَالثَّانِي يُجْزِئُ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ يَقَعُ وَاجِبًا، لِأَنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَيَّنُ فِيهِ بِالْفِعْلِ، فَأَشْبَهَ الْمُعَيَّنَ مِنْ الْعِتْقِ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ خِصَالِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، فَجَازَ أَنْ يَفْعَلَهُ عَنْهُ، كَالْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ.
وَلَوْ قَالَ مَنْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ: أَطْعِمْ عَنْ كَفَّارَتِي.
أَوْ: اُكْسُ فَفَعَلَ، صَحَّ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، سَوَاءٌ ضَمِنَ لَهُ عِوَضًا، أَوْ لَمْ يَضْمَنْ لَهُ عِوَضًا.

[مَسْأَلَةٌ اشْتَرَاهَا بِشَرْطِ الْعِتْقِ فَأَعْتَقَهَا فِي الْكَفَّارَةِ]

(8037) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَوْ اشْتَرَاهَا بِشَرْطِ الْعِتْقِ فَأَعْتَقَهَا فِي الْكَفَّارَةِ، عَتَقَتْ، وَلَمْ تُجْزِئْهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ) وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَرُوِيَ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَاهَا بِشَرْطِ الْعِتْقِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْبَائِعَ نَقَصَهُ مِنْ الثَّمَنِ لِأَجْلِ هَذَا الشَّرْطِ، فَكَأَنَّهُ أَخَذَ عَنْ الْعِتْقِ عِوَضًا، فَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ: إنْ كَانَتْ رَقَبَةً وَاجِبَةً، لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ رَقَبَةً سَلِيمَةً، وَلِأَنَّ عِتْقَهَا يَسْتَحِقُّ بِسَبَبٍ آخَرَ، وَهُوَ الشَّرْطُ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى قَرِيبَهُ، فَنَوَى بِشِرَائِهِ الْعِتْقَ عَنْ الْكَفَّارَةِ، أَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ.
ثُمَّ نَوَى عِنْدَ دُخُولِهِ أَنَّهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ.

[فَصْلٌ قَالَ لَهُ رَجُلٌ أُعْتِقْ عَبْدَكَ عَنْ كَفَّارَتِك وَلَك عَشَرَةُ دَنَانِير فَفَعَلَ]

(8038) فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَعْتِقْ عَبْدَك عَنْ كَفَّارَتِك، وَلَك عَشَرَةُ دَنَانِيرَ.
فَفَعَلَ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ الرَّقَبَةَ لَمْ تَقَعْ خَالِصَةً عَنْ الْكَفَّارَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي الْعِتْقُ كُلُّهُ يَقَعُ عَنْ بَاذِلِ الْعِوَضِ، وَلَهُ وَلَاؤُهُ.
وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ الْمُعْتِقَ لَمْ يُعْتِقْهُ عَنْ بَاذِلِ الْعِوَضِ، وَلَا رَضِيَ بِإِعْتَاقِهِ عَنْهُ، وَلَا بَاذِلُ الْعِوَضِ طَلَبَ ذَلِكَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ إعْتَاقَهُ مِنْ الْمُعْتِقِ، وَالْوَلَاءُ لَهُ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَعْتِقْهُ، وَالثَّمَنُ عَلَيَّ.
فَالثَّمَنُ عَلَيْهِ وَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ.
فَإِنْ رَدَّ الْعَشَرَةَ عَلَى بَاذِلِهَا، لِيَكُونَ الْعِتْقُ عَنْ الْكَفَّارَةِ وَحْدَهَا، أَوْ عَزَمَ عَلَى رَدِّ الْعَشَرَةِ، أَوْ رَدَّ الْعَشَرَةَ قَبْلَ الْعِتْقِ وَأَعْتَقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ، أَجْزَأَهُ.

[فَصْلٌ اشْتَرَى عَبْدًا يَنْوِي إعْتَاقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا]

(8039) فَصْلٌ: وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا يَنْوِي إعْتَاقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ، فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا لَا يَمْنَعُ مِنْ الْإِجْزَاءِ فِي الْكَفَّارَةِ، فَأَخَذَ أَرْشَهُ ثُمَّ أَعْتَقَ الْعَبْدَ عَنْ كَفَّارَتِهِ، أَجْزَأَهُ، وَكَانَ الْأَرْشُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ إنَّمَا وَقَعَ عَلَى الْعَبْدِ الْمَعِيبِ دُونَ الْأَرْشِ.
وَإِنْ أَعْتَقَهُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى الْعَيْبِ، فَأَخَذَ أَرْشَهُ، فَهُوَ لَهُ أَيْضًا، كَمَا لَوْ أَخَذَهُ قَبْلَ إعْتَاقِهِ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ يَصْرِفُ ذَلِكَ الْأَرْشَ فِي الرِّقَابِ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ سَلِيمٌ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْعِوَضِ عَنْ حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَكَفَّارَةُ الْأَرْشِ مَصْرُوفَةٌ فِي حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى، كَمَا لَوْ بَاعَهُ كَانَ الْأَرْشُ لِلْمُشْتَرِي.
وَإِنْ عَلِمَ الْعَيْبَ، وَلَمْ يَأْخُذْ أَرْشَهُ حَتَّى أَعْتَقَهُ، كَانَ الْأَرْشُ لِلْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ مَعِيبًا عَالِمًا بِعَيْبِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَرْشٌ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهُ.

[مَسْأَلَةٌ اشْتَرَى بَعْضَ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ إذَا مَلَكَهُ يَنْوِي بِشِرَائِهِ الْكَفَّارَةَ]

(8040) مَسْأَلَة؛ قَالَ (وَكَذَلِكَ وَلَوْ اشْتَرَى بَعْضَ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ إذَا مَلَكَهُ، يَنْوِي بِشِرَائِهِ الْكَفَّارَةَ، عَتَقَ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ) وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُجْزِئُهُ: اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ كَفَّارَةِ الْبَائِعِ، فَأَجْزَأَ عَنْ كَفَّارَةِ الْمُشْتَرِي، كَغَيْرِهِ.

وَلَنَا، قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: 92] . وَالتَّحْرِيرُ فِعْلُ الْعِتْقِ، وَلَمْ يَحْصُلْ الْعِتْقُ هَاهُنَا بِتَحْرِيرٍ مِنْهُ، وَلَا إعْتَاقٍ، فَلَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلًا لِلْأَمْرِ، وَلِأَنَّ عِتْقَهُ مُسْتَحَقٌّ بِسَبَبٍ آخَرَ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ وَرِثَهُ يَنْوِي بِهِ الْعِتْقَ عَنْ كَفَّارَتِهِ، أَوْ كَأُمِّ الْوَلَدِ، وَيُخَالِفُ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ الْبَائِعَ يُعْتِقُهُ، وَالْمُشْتَرِي لَمْ يُعْتِقْهُ، إنَّمَا يَعْتِقُ بِإِعْتَاقِ الشَّرْعِ، وَهَذَا عَنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ.
وَالثَّانِي، أَنَّ الْبَائِعَ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ إعْتَاقَهُ، وَالْمُشْتَرِي بِخِلَافِهِ.

[فَصْلٌ مَلَكَ نِصْفَ عَبْدٍ فَأَعْتَقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ]

(8041) فَصْلٌ: إذَا مَلَكَ نِصْفَ عَبْدٍ، فَأَعْتَقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ، عَتَقَ، وَسَرَى إلَى بَاقِيهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا بِقِيمَةِ بَاقِيهِ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ، فِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ الْخَلَّالِ، وَصَاحِبِهِ، وَحَكَاهُ عَنْ أَحْمَدَ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ عِتْقَ نَصِيبِ شَرِيكِهِ لَمْ يَحْصُلْ بِإِعْتَاقِهِ، إنَّمَا حَصَلَ بِالسِّرَايَةِ، وَهِيَ غَيْرُ فِعْلِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ آثَارِ فِعْلِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ يَنْوِي بِهِ الْكَفَّارَةَ، يُحَقِّقُ هَذَا، أَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ بِالْإِعْتَاقِ إلَّا نَصِيبَهُ، فَسَرَى إلَى غَيْرِهِ، وَلَوْ خَصَّ نَصِيبَ غَيْرِهِ بِالْإِعْتَاقِ، لَمْ يُعْتَقْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُ إعْتَاقَ نَصِيبِهِ، لَا نَصِيبِ غَيْرِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: قَالَ غَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا: يُجْزِئُهُ إذَا نَوَى إعْتَاقَ جَمِيعِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدًا كَامِلَ الرِّقِّ، سَلِيمَ الْخَلْقِ، غَيْرَ مُسْتَحِقِّ الْعِتْقِ، نَاوِيًا بِهِ الْكَفَّارَةَ، فَأَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ الْجَمِيعُ مِلْكَهُ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ أَعْتَقَ الْعَبْدَ كُلَّهُ، وَإِنَّمَا أَعْتَقَ نِصْفَهُ، وَعَتَقَ الْبَاقِي عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ شِرَاءَ قَرِيبِهِ، وَلِأَنَّ إعْتَاقَ بَاقِيهِ مُسْتَحَقٌّ بِالسِّرَايَةِ، فَهُوَ كَالْقَرِيبِ، فَعَلَى هَذَا: هَلْ يُجْزِئُهُ عِتْقُ نِصْفِهِ الَّذِي هُوَ مِلْكُهُ وَيُعْتِقُ نِصْفًا آخَرَ، فَتَكْمُلُ الْكَفَّارَةُ؟ يَنْبَنِي عَلَى مَا إذَا أَعْتَقَ نِصْفَيْ عَبْدَيْنِ، وَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى.
وَإِنْ نَوَى عِتْقَ نَصِيبِهِ عَنْ الْكَفَّارَةِ، وَلَمْ يَنْوِ ذَلِكَ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ، لَمْ يُجْزِئْهُ نَصِيبُ شَرِيكِهِ وَفِي نَصِيبِهِ نَفْسِهِ مَا سَنَذْكُرُهُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَوْ كَانَ مُعْسِرًا، فَأَعْتَقَ نَصِيبَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ، فَكَذَلِكَ، فَإِنْ مَلَكَ بَاقِيَهُ، فَأَعْتَقَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ، أَجْزَأَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ صِيَامَ شَهْرٍ، وَإِطْعَامَ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا، لَمْ يُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَأَطْعَمَ خَمْسَةَ مَسَاكِينَ أَوْ كَسَاهُمْ، لَمْ يُجْزِئْهُ.

[فَصْلٌ كَانَ الْعَبْدُ كُلُّهُ لَهُ فَأَعْتَقَ جُزْءًا مِنْهُ فِي كَفَّارَة الْيَمِينِ]

(8042) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ كُلُّهُ لَهُ، فَأَعْتَقَ جُزْءًا مِنْهُ مُعَيَّنًا، أَوْ مُشَاعًا عَتَقَ جَمِيعُهُ.
فَإِنْ كَانَ نَوَى بِهِ الْكَفَّارَةَ، أَجْزَأَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ إعْتَاقَ بَعْضِ الْعَبْدِ إعْتَاقٌ لِجَمِيعِهِ، وَإِنْ نَوَى إعْتَاقَ الْجُزْءِ الَّذِي بَاشَرَهُ بِالْإِعْتَاقِ عَنْ الْكَفَّارَةِ دُونَ غَيْرِهِ، لَمْ يُجْزِئْهُ عِتْقُ غَيْرِهِ.
وَهَلْ يُحْتَسَبُ بِمَا نَوَى بِهِ الْكَفَّارَةَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.

فصول الكتاب · 5 فصل · 621 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المغني لابن قدامة · 621 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
ُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ،
باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
جارٍ التحميل