المغني لابن قدامةصفحات 88-127
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا

صفحات 88-127
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
المغني لابن قدامة
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
مكتبة القاهرة
الطبعة
بدون طبعة
عدد الأجزاء
10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فَلَا يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا، إنَّمَا أَمَرَهُ بِتَنْفِيذِهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ الْمُوَكِّلِ يَنْصَرِفُ إلَى دَفْعِهِ إلَى غَيْرِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ لَهُ الْأَخْذُ إذَا تَنَاوَلَهُ عُمُومُ اللَّفْظِ، كَالْمَسَائِلِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، وَلِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي حَصَلَ بِهِ الِاسْتِحْقَاقُ مُتَحَقِّقٌ فِيهِ، وَاللَّفْظُ مُتَنَاوِلٌ لَهُ، فَجَازَ لَهُ الْأَخْذُ كَغَيْرِهِ.
وَيَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ فِي ذَلِكَ إلَى قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، فَمَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ فِيهِ أَنَّهُ أَرَادَ الْعُمُومَ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ، فَلَهُ الْأَخْذُ مِنْهُ، وَمَا غَلَبَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْهُ، فَلَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ، وَمَا تَسَاوَى فِيهِ الْأَمْرَانِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ.
وَهَلْ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ لِوَلَدِهِ أَوْ وَالِدِهِ أَوْ امْرَأَتِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَوَّلُهُمَا، جَوَازُهُ؛ لِدُخُولِهِمْ، فِي عُمُومِ لَفْظِهِ، وَوُجُودِ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِجَوَازِ الدَّفْعِ إلَيْهِمْ.
فَأَمَّا مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ غَيْرَ هَؤُلَاءِ، فَيَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِمْ، كَمَا يَجُوزُ دَفْعُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ إلَيْهِمْ.

[مَسْأَلَة شِرَاءُ الرَّجُلِ لِنَفْسِهِ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ الطِّفْلِ]

(3775) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَشِرَاءُ الرَّجُلِ لِنَفْسِهِ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ الطِّفْلِ جَائِزٌ.
وَكَذَلِكَ شِرَاؤُهُ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ) . يَعْنِي أَنَّ الْأَبَ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ مِنْ مَالِ ابْنِهِ الَّذِي فِي حِجْرِهِ.
وَيَبِيعَ وَلَدَهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَزَادُوا الْجَدَّ، فَأَبَاحُوا لَهُ ذَلِكَ.
وَقَالَ زُفَرُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ حُكْمَانِ مُتَضَادَّانِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا وَقَابِلًا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ عَمِّهِ مِنْ نَفْسِهِ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا يَلِي بِنَفْسِهِ، فَجَازَ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ، كَالْأَبِ يُزَوِّجُ ابْنَتَهُ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ، وَالسَّيِّدِ يُزَوِّجُ عَبْدَهُ أَمَتَهُ.
وَلَا نُسَلِّمُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَعَلُّقِ حُقُوقِ الْعَقْدِ بِالْعَاقِدِ لِغَيْرِهِ.
فَأَمَّا الْجَدُّ فَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى ابْنِ ابْنِهِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ، فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْأَجْنَبِيِّ.
وَلِأَنَّ التُّهْمَةَ بَيْنَ الْأَبِ وَوَلَدِهِ مُنْتَفِيَةٌ، إذْ مِنْ طَبْعِهِ الشَّفَقَةُ عَلَيْهِ، وَالْمَيْلُ لَهُ، وَتَرْكُ حَظِّ نَفْسِهِ لِحَظِّهِ، فَلِذَلِكَ جَازَ.
وَفَارَقَ الْجَدَّ وَالْوَصِيَّ وَالْحَاكِمَ وَأَمِينَهُ؛ فَإِنَّ التُّهْمَةَ غَيْرُ مُنْتَفِيَةٍ فِي حَقِّهِمْ.
وَأَمَّا تَوَلِّي طَرَفَيْ الْعَقْدِ، فَيَجُوزُ، بِدَلِيلِ الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
وَلَا نُسَلِّمُ مَا ذَكَرَهُ فِيمَا إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ ابْنَةَ عَمِّهِ، بَلْ يَجُوزُ بِدَلِيلِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ قَالَ لِابْنَةِ قَارِظٍ: أَتَجْعَلِينَ أَمْرَكِ إلَيَّ؟ قَالَتْ: نَعَمْ.
قَالَ: قَدْ تَزَوَّجْتُك.
وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَإِنَّ التُّهْمَةَ غَيْرُ مُنْتَفِيَةٍ ثَمَّ.

[مَسْأَلَة فَعَلَ الْوَكِيل بَعْدَ فَسْخِ الْمُوَكِّل أَوْ مَوْتِهِ]

(3776) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَا فَعَلَ الْوَكِيلُ بَعْدَ فَسْخِ الْمُوَكِّلِ أَوْ مَوْتِهِ فَبَاطِلٌ) . وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْوَكَالَةَ عَقْدٌ جَائِزٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، فَلِلْمُوَكِّلِ عَزْلُ وَكِيلِهِ مَتَى شَاءَ، وَلِلْوَكِيلِ عَزْلُ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ، فَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إبْطَالُهُ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي أَكْلِ طَعَامِهِ.
وَتَبْطُلُ أَيْضًا بِمَوْتِ

أَحَدِهِمَا، أَيِّهِمَا كَانَ، وَجُنُونِهِ الْمُطْبِقِ.
وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا كُلِّهِ فِيمَا نَعْلَمُ.
فَمَتَى تَصَرَّفَ الْوَكِيلُ بَعْدَ فَسْخِ الْمُوَكِّلِ، أَوْ مَوْتِهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ إذَا عَلِمَ ذَلِكَ.
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْوَكِيلُ بِالْعَزْلِ، وَلَا مَوْتِ الْمُوَكِّلِ، فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ هَذَا أَنَّهُ يَنْعَزِلُ، عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ.
وَمَتَى تَصَرَّفَ، فَبَانَ أَنَّ تَصَرُّفَهُ بَعْدَ عَزْلِهِ أَوْ مَوْتِ مُوَكِّلِهِ، فَتَصَرُّفُهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ رَفْعُ عَقْدٍ لَا يَفْتَقِرُ إلَى رِضَى صَاحِبِهِ، فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى عِلْمِهِ، كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ، لَا يَنْعَزِلُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ وَعَزْلِهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، لِأَنَّهُ لَوْ انْعَزَلَ قَبْلَ عِلْمِهِ، كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَاتٍ فَتَقَعُ بَاطِلَةً، وَرُبَّمَا بَاعَ الْجَارِيَةَ فَيَطَؤُهَا الْمُشْتَرِي، أَوْ الطَّعَامَ فَيَأْكُلُهُ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ الْمُشْتَرِي، وَيَجِبُ ضَمَانُهُ، وَيَتَضَرَّرُ الْمُشْتَرِي وَالْوَكِيلُ.
وَلِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِأَمْرِ الْمُوَكِّلِ، وَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ الرُّجُوعِ فِي حَقِّ الْمَأْمُورِ قَبْلَ عِلْمِهِ، كَالْفَسْخِ.
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، مَتَى تَصَرَّفَ قَبْلَ الْعِلْمِ، نَفَذَ تَصَرُّفُهُ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إنْ عَزَلَهُ الْمُوَكِّلُ، فَلَا يَنْعَزِلُ قَبْلَ عِلْمِهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ عَزَلَ الْوَكِيلُ نَفْسَهُ، لَمْ يَنْعَزِلْ إلَّا بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِأَمْرِ الْمُوَكِّلِ، فَلَا يَصِحُّ رَدُّ أَمْرِهِ بِغَيْرِ حَضْرَتِهِ، كَالْمُودَعِ فِي رَدِّ الْوَدِيعَةِ.
وَلَنَا، مَا تَقَدَّمَ.
فَأَمَّا الْفَسْخُ فَفِيهِ وَجْهَانِ، كَالرِّوَايَتَيْنِ.
ثُمَّ هُمَا مُفْتَرِقَانِ؛ فَإِنَّ أَمْرَ الشَّارِعِ يَتَضَمَّنُ الْمَعْصِيَةَ بِتَرْكِهِ، وَلَا يَكُونُ عَاصِيًا مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ، وَهَذَا يَتَضَمَّنُ الْعَزْلُ عَنْهُ إبْطَالَ التَّصَرُّفِ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْهُ عَدَمُ الْعِلْمِ.

[فَصْلٌ خُرُوج الْمُوَكِّل وَالْوَكِيل عَنْ كَوْنِهِمَا مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ]

(3777) فَصْلٌ: وَمَتَى خَرَجَ أَحَدُهُمَا عَنْ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ، مِثْلُ أَنْ يُجَنَّ، أَوْ يُحْجَرَ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ، فَلَا يُمَلِّكُهُ غَيْرَهُ مِنْ جِهَتِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي الشَّرِكَةِ: إذَا وَسْوَسَ أَحَدُهُمَا فَهُوَ مِثْلُ الْعَزْلِ.
وَإِنْ حُجِرَ عَلَى الْوَكِيلِ لِفَلْسِ، فَالْوَكَالَةُ بِحَالِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ أَهْلًا لِلتَّصَرُّفِ.
وَإِنْ حُجِرَ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَكَانَتْ الْوَكَالَةُ فِي أَعْيَانِ مَالِهِ، بَطَلَتْ؛ لِانْقِطَاعِ تَصَرُّفِهِ فِي أَعْيَانِ مَالِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ فِي الْخُصُومَةِ، أَوْ الشِّرَاءِ فِي الذِّمَّةِ، أَوْ الطَّلَاقِ، أَوْ الْخُلْعِ، أَوْ الْقِصَاصِ، فَالْوَكَالَةُ بِحَالِهَا؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ أَهْلٌ لِذَلِكَ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ ابْتِدَاءً، فَلَا تَنْقَطِعُ الِاسْتِدَامَةُ.
وَإِنْ فَسَقَ الْوَكِيلُ لَمْ يَنْعَزِلْ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْوَكَالَةُ فِيمَا يُنَافِيهِ الْفِسْقُ، كَالْإِيجَابِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، فَإِنَّهُ يَنْعَزِلُ بِفِسْقِهِ أَوْ فِسْقِ مُوَكِّلِهِ بِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ.
وَإِنْ كَانَ وَكِيلًا فِي الْقَبُولِ لِلْمُوَكِّلِ، لَمْ يَنْعَزِلْ بِفِسْقِ مُوَكِّلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي جَوَازَ قَبُولِهِ.
وَهَلْ يَنْعَزِلُ بِفِسْقِ نَفْسِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.

وَإِنْ كَانَ وَكِيلًا فِيمَا تُشْتَرَطُ فِيهِ الْأَمَانَةُ، كَوَكِيلِ وَلِيِّ الْيَتِيمِ، وَوَلِيِّ الْوَقْفِ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَنَحْوِ هَذَا، انْعَزَلَ بِفِسْقِهِ وَفِسْقِ مُوَكِّلِهِ بِخُرُوجِهِمَا بِذَلِكَ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ.
وَإِنْ كَانَ وَكِيلًا لِوَكِيلِ مَنْ يَتَصَرَّفُ فِي مَالِ نَفْسِهِ، انْعَزَلَ بِفِسْقِهِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ لَيْسَ لَهُ تَوْكِيلُ فَاسِقٍ، وَلَا يَنْعَزِلُ بِفِسْقِ مُوَكِّلِهِ؛ لِأَنَّ مُوَكِّلَهُ وَكِيلٌ لِرَبِّ الْمَالِ، وَلَا يُنَافِيه الْفِسْقُ، وَلَا تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ بِالنَّوْمِ وَالسُّكْرِ وَالْإِغْمَاءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ، وَلَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ، إلَّا أَنْ يَحْصُلَ الْفِسْقُ بِالسُّكْرِ، فَيَكُونَ فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ مَا أَسْلَفْنَاهُ.

[فَصْل التَّعَدِّي فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ]

(3778) فَصْلٌ: وَلَا تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ بِالتَّعَدِّي فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ، مِثْلُ أَنْ يَلْبَسَ الثَّوْبَ، وَيَرْكَبَ الدَّابَّةَ.
وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي، تَبْطُلُ الْوَكَالَةُ؛ لِأَنَّهَا عَقْدُ أَمَانَةٍ، فَتَبْطُلُ بِالتَّعَدِّي كَالْوَدِيعَةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ إذَا تَصَرَّفَ فَقَدْ تَصَرَّفَ بِإِذْنِ مُوَكِّلِهِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ لَمْ يَتَعَدَّ.
وَيُفَارِقُ الْوَدِيعَةَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا أَمَانَةٌ مُجَرَّدَةٌ، فَنَافَاهَا التَّعَدِّي وَالْخِيَانَةُ، وَالْوَكَالَةُ إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ تَضَمَّنَتْ الْأَمَانَةَ، فَإِذَا انْتَفَتْ الْأَمَانَةُ بِالتَّعَدِّي، بَقِيَ الْإِذْنُ بِحَالِهِ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ ثَوْبٍ فَلَبِسَهُ.
صَارَ ضَامِنًا.
فَإِذَا بَاعَهُ، صَحَّ بَيْعُهُ، وَبَرِئَ مِنْ ضَمَانِهِ؛ لِدُخُولِهِ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَضَمَانِهِ.
فَإِذَا قَبَضَ الثَّمَنَ، كَانَ أَمَانَةً فِي يَدِهِ غَيْرَ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِإِذْنِ الْمُوَكِّلِ، وَلَمْ يَتَعَدَّ فِيهِ.
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا، وَوَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ، فَتَعَدَّى فِي الثَّمَنِ، صَارَ ضَامِنًا لَهُ، فَإِذَا اشْتَرَى بِهِ وَسَلَّمَهُ، زَالَ الضَّمَانُ، وَقَبْضُهُ لِلْمَبِيعِ قَبْضُ أَمَانَةٍ وَإِنْ وُجِدَ بِالْمَبِيعِ عَيْبٌ، فَرُدَّ عَلَيْهِ، أَوْ وَجَدَ هُوَ بِمَا اشْتَرَى عَيْبًا، فَرَدَّهُ وَقَبَضَ الثَّمَنَ، كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الْمُزِيلَ لِلضَّمَانِ زَالَ، فَعَادَ مَا زَالَ عَنْهُ.

[فَصْلٌ وَكَّلَ امْرَأَتَهُ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءِ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا]

(3779) فَصْلٌ: وَإِنْ وَكَّلَ امْرَأَتَهُ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا، لَمْ تَنْفَسِخْ الْوَكَالَةُ؛ لِأَنَّ زَوَالَ النِّكَاحِ لَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْوَكَالَةِ، فَلَا يَقْطَعُ اسْتَدَامَتْهَا.
وَإِنْ وَكَّلَ عَبْدَهُ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ، أَوْ بَاعَهُ، لَمْ يَنْعَزِلْ؛ لِذَلِكَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْعَزِلَ، لِأَنَّ تَوْكِيلَ عَبْدِهِ لَيْسَ بِتَوْكِيلٍ فِي الْحَقِيقَةِ، إنَّمَا هُوَ اسْتِخْدَامٌ بِحَقِّ الْمِلْكِ، فَيَبْطُلُ بِزَوَالِ الْمِلْكِ.
وَإِذَا بَاعَهُ فَقَدْ صَارَ إلَى مِلْكِ مَنْ لَمْ يَأْذَنْ فِي تَوْكِيلِهِ، وَثُبُوتُ مِلْك غَيْرِهِ فِيهِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ تَوْكِيلِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَيَقْطَعُ اسْتَدَامَتْهُ.
وَهَكَذَا الْوَجْهَانِ فِيمَا إذَا وَكَّلَ عَبْدَ غَيْرِهِ ثُمَّ بَاعَهُ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْوَكَالَةَ لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّ سَيِّدَ الْعَبْدِ أَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِ مَالِهِ، وَالْعِتْقُ لَا يُبْطِلُ؛ الْإِذْنَ.
وَهَكَذَا إنْ بَاعَهُ، إلَّا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إنْ رَضِيَ بِبَقَائِهِ عَلَى الْوَكَالَةِ، بَقِيَ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ، بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ وَإِنْ وَكَّلَ عَبْدَ غَيْرِهِ، فَأَعْتَقَهُ، لَمْ تَبْطُلْ الْوَكَالَةُ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ هَذَا تَوْكِيلٌ حَقِيقَةً، وَالْعِتْقُ

غَيْرُ مُنَافٍ لَهُ.
وَإِنْ اشْتَرَاهُ الْمُوَكِّلُ مِنْهُ لَمْ تَبْطُلْ الْوَكَالَةُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ لَهُ لَا يُنَافِي إذْنَهُ لَهُ فِي الْبَيْعِ أَوْ الشِّرَاءِ.

[فَصْلٌ وَكَّلَ مُسْلِمٌ كَافِرًا فِيمَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ]

(3780) فَصْلٌ: وَإِنْ وَكَّلَ مُسْلِمٌ كَافِرًا فِيمَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ، صَحَّ تَوْكِيلُهُ، سَوَاءٌ كَانَ ذِمِّيًّا، أَوْ مُسْتَأْمَنًا، أَوْ حَرْبِيًّا، أَوْ مُرْتَدًّا؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ غَيْرُ مُشْتَرَطَةٍ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الدِّينُ، كَالْبَيْعِ.
وَإِنْ وَكَّلَ مُسْلِمًا فَارْتَدَّ، لَمْ تَبْطُلْ الْوَكَالَةُ، سَوَاءٌ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، أَوْ أَقَامَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بَطَلَتْ وَكَالَتُهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مِنْهُمْ.
وَلَنَا، أَنَّهُ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ لِنَفْسِهِ، فَلَمْ تَبْطُلْ وَكَالَتُهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَلْحَقْ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَلِأَنَّ الرِّدَّةَ لَا تَمْنَعُ ابْتِدَاءَ وَكَالَتِهِ فَلَمْ تَمْنَعْ اسْتِدَامَتَهَا، كَسَائِرِ الْكُفْرِ.
وَإِنْ ارْتَدَّ الْمُوَكِّلُ، لَمْ تَبْطُلْ الْوَكَالَةُ فِيمَا لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، فَأَمَّا الْوَكِيلُ فِي مَالِهِ، فَيَنْبَنِي عَلَى تَصَرُّفِهِ نَفْسِهِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ.
لَمْ يَبْطُلْ تَوْكِيلُهُ، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ مَوْقُوفٌ.
فَوَكَالَتُهُ مَوْقُوفَةٌ، وَإِنْ قُلْنَا: يَبْطُلُ تَصَرُّفُهُ.
بَطَلَ تَوْكِيلُهُ.
وَإِنْ وَكَّلَ فِي حَالِ رِدَّتِهِ، فَفِيهِ الْوُجُوهُ الثَّلَاثَةُ أَيْضًا.

[فَصْلٌ وَكَّلَ رَجُلًا فِي نَقْلِ امْرَأَتِهِ فَقَامَتْ بَيِّنَةٌ بِطَلَاقِ الزَّوْجَةِ]

(3781) فَصْلٌ: وَلَوْ وَكَّلَ رَجُلًا فِي نَقْلِ امْرَأَتِهِ، أَوْ بَيْعِ عَبْدِهِ، أَوْ قَبْضِ دَارِهِ مِنْ فُلَانٍ، فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِطَلَاقِ الزَّوْجَةِ، وَعِتْقِ الْعَبْدِ، وَانْتِقَالِ الدَّارِ عَنْ الْمُوَكِّلِ، بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ؛ لِأَنَّهُ زَالَ تَصَرُّفُ الْمُوَكِّلِ، فَزَالَتْ وَكَالَتُهُ.

[فَصْلٌ تَلَفِ الْعَيْنُ الَّتِي وَكَّلَ فِي التَّصَرُّفِ فِيهَا]

(3782) فَصْلٌ: وَإِنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ الَّتِي وَكَّلَ فِي التَّصَرُّفِ فِيهَا، بَطَلَتْ، الْوَكَالَةُ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهَا ذَهَبَ، فَذَهَبَتْ الْوَكَالَةُ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدٍ فَمَاتَ.
وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ دِينَارًا، وَوَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ بِهِ، فَهَلَكَ الدِّينَارُ، أَوْ ضَاعَ، أَوْ اسْتَقْرَضَهُ الْوَكِيلُ وَتَصَرَّفَ فِيهِ، بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ، سَوَاءٌ وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ بِعَيْنِهِ أَوْ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ إنْ وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ بِعَيْنِهِ، فَقَدْ اسْتَحَالَ الشِّرَاءُ بِعَيْنِهِ بَعْدَ تَلَفِهِ، فَبَطَلَتْ الْوَكَالَةُ، وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ مُطْلَقًا، وَنَقَدَ الدِّينَارَ، بَطَلَتْ، أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ بِهِ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَنْقُدَهُ ثَمَنَ ذَلِكَ الْبَيْعِ، إمَّا قَبْلَ الشِّرَاءِ أَوْ بَعْدَهُ، وَقَدْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ بِتَلَفِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ شِرَاؤُهُ، لَلَزِمَ الْمُوَكِّلَ ثَمَنٌ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَلَا رَضِيَ بِلُزُومِهِ وَإِذَا اسْتَقْرَضَهُ الْوَكِيلُ، ثُمَّ عَزَلَ دِينَارًا عِوَضَهُ، وَاشْتَرَى بِهِ، فَهُوَ كَالشِّرَاءِ لَهُ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ بَطَلَتْ، وَالدِّينَارُ الَّذِي عَزَلَهُ عِوَضًا لَا يَصِيرُ لِلْمُوَكِّلِ حَتَّى يَقْبِضَهُ، فَإِذَا اشْتَرَى لِلْمُوَكِّلِ بِهِ شَيْئًا وَقَفَ عَلَى إجَازَةِ الْمُوَكِّلِ، فَإِنْ أَجَازَهُ صَحَّ وَلَزِمَ الثَّمَنُ، وَإِلَّا لَزِمَ الْوَكِيلَ.
وَعَنْهُ يَلْزَمُ الْوَكِيلَ.
بِكُلِّ حَالٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي: مَتَى اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِهِ لِغَيْرِهِ شَيْئًا، فَالشِّرَاءُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِيَ بِعَيْنِ مَالِهِ مَا يَمْلِكُهُ غَيْرُهُ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: مَتَى اشْتَرَى لِغَيْرِهِ بِمَالِ نَفْسِهِ شَيْئًا، صَحَّ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ، سَوَاءٌ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِ

الْمَالِ أَوْ فِي الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى لَهُ مَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي شِرَائِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَاهُ فِي الذِّمَّةِ.

(3783) فَصْلٌ: نَقَلَ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ، فِي رَجُلٍ كَانَ لَهُ عَلَى آخَرَ دَرَاهِمُ، فَقَالَ لَهُ: إذَا أَمْكَنَك قَضَاؤُهَا فَادْفَعْهَا إلَى فُلَانٍ.
وَغَابَ صَاحِبُ الْحَقِّ، وَلَمْ يُوصِ إلَى هَذَا الَّذِي أَذِنَ لَهُ فِي الْقَبْضِ، لَكِنْ جَعَلَهُ وَكِيلًا، وَتَمَكَّنَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ مِنْ الْقَضَاءِ، فَخَافَ إنْ دَفَعَهَا إلَى الْوَكِيلِ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ قَدْ مَاتَ، وَيَخَافُ التَّبِعَةَ مِنْ الْوَرَثَةِ.
فَقَالَ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ لَعَلَّهُ قَدْ مَاتَ، لَكِنْ يَجْمَعُ بَيْنَ الْوَكِيلِ وَالْوَرَثَةِ، وَيَبْرَأُ إلَيْهِمَا مِنْ ذَلِكَ.
هَذَا ذَكَرَهُ أَحْمَدُ عَلَى طَرِيقِ النَّظَرِ لِلْغَرِيمِ، خَوْفًا مِنْ التَّبِعَةِ مِنْ الْوَرَثَةِ إنْ كَانَ مُوَرِّثُهُمْ قَدْ مَاتَ، فَانْعَزَلَ وَكِيلُهُ وَصَارَ الْحَقُّ لَهُمْ، فَيَرْجِعُونَ عَلَى الدَّافِعِ إلَى الْوَكِيلِ.
فَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ، فَلِلْوَكِيلِ الْمُطَالَبَةُ، وَلِلْآخَرِ الدَّفْعُ إلَيْهِ، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَدْ نَصَّ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ: إذَا وَكَّلَهُ فِي الْحَدِّ وَغَابَ، اسْتَوْفَاهُ الْوَكِيلُ.
وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا؛ لِكَوْنِهِ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، لَكِنَّ هَذَا احْتِيَاطٌ حَسَنٌ، وَتَبْرِئَةٌ لِلْغَرِيمِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَإِزَالَةٌ لِلتَّبِعَةِ عَنْهُ.
وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَكِيلَ انْعَزَلَ بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِمَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ اخْتَارَ أَنْ لَا يَدْفَعَ إلَى الْوَكِيلِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ قَدْ مَاتَ، فَانْتَقَلَ إلَى الْوَرَثَةِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اخْتَارَ هَذَا لِئَلَّا يَكُونَ الْقَاضِي مِمَّنْ يَرَى أَنَّ الْوَكِيلَ يَنْعَزِلُ بِالْمَوْتِ، فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالْعَزْلِ بِهِ.
وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَرَاخِي الْقَبُولِ عَنْ الْإِيجَابِ؛ لِأَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي قَبْضِ الْحَقِّ وَلَمْ يَعْلَمْهُ، وَلَمْ يَكُنْ حَاضِرًا فَيَقْبَلُ.
وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ التَّوْكِيلِ بِغَيْرِ لَفْظِ التَّوْكِيلِ.
وَقَدْ نَقَلَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فِي رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلِ: بِعْ ثَوْبِي.
لَيْسَ شَيْءٌ حَتَّى يَقُولَ: قَدْ وَكَّلْتُك.
وَهَذَا سَهْوٌ مِنْ النَّاقِلِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الدَّلِيلِ عَلَى جَوَازِ التَّوْكِيلِ بِغَيْرِ لَفْظِ التَّوْكِيلِ، وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ.

[مَسْأَلَة وَكَّلَهُ فِي طَلَاقِ زَوْجَتِهِ]

(3784) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا وَكَّلَهُ فِي طَلَاقِ زَوْجَتِهِ، فَهُوَ فِي يَدِهِ حَتَّى يَفْسَخَ أَوْ يَطَأَ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَكَالَةَ إذَا وَقَعَتْ مُطْلَقَةً غَيْرَ مُؤَقَّتَةٍ، مَلَكَ التَّصَرُّفَ أَبَدًا، مَا لَمْ تَنْفَسِخْ الْوَكَالَةُ، وَفَسْخُ الْوَكَالَةِ أَنْ يَقُولَ: فَسَخْت الْوَكَالَةَ، أَوْ أَبْطَلْتهَا، أَوْ نَقَضْتهَا، أَوْ عَزَلْتُك، أَوْ صَرَفْتُك عَنْهَا، وَأَزَلْتُك عَنْهَا.
أَوْ يَنْهَاهُ عَنْ فِعْلِ مَا أَمَرَهُ بِهِ أَوْ وَكَّلَهُ فِيهِ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُقْتَضِيَةِ عَزْلَهُ أَوْ الْمُؤَدِّيَةِ مَعْنَاهُ، أَوْ يَعْزِلَ الْوَكِيلُ نَفْسَهُ، أَوْ يُوجَدَ مَا يَقْتَضِي فَسْخَهَا حُكْمًا، عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَا، أَوْ يَزُولَ مِلْكُهُ عَمَّا قَدْ وَكَّلَهُ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ، أَوْ يُوجَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ عَنْ الْوَكَالَةِ.

فَإِذَا وَكَّلَهُ فِي طَلَاقِ امْرَأَتِهِ، ثُمَّ وَطِئَهَا، انْفَسَخَتْ الْوَكَالَةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى رَغْبَتِهِ فِيهَا، وَاخْتِيَارِهِ إمْسَاكَهَا.
وَكَذَلِكَ إنْ وَطِئَهَا بَعْدَ طَلَاقِهَا طَلَاقًا رَجْعِيَّا، كَانَ ارْتِجَاعًا لَهَا، فَإِذَا اقْتَضَى رَجْعَتَهَا بَعْدَ طَلَاقِهَا، فَلَأَنْ يَقْتَضِيَ اسْتِبْقَاءَهَا عَلَى نِكَاحِهَا وَمَنْعَ طَلَاقِهَا أَوْلَى.
وَإِنْ بَاشَرَهَا دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ قَبَّلَهَا، أَوْ فَعَلَ بِهَا مَا يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ الزَّوْجِ، فَهَلْ تَنْفَسِخُ الْوَكَالَةُ فِي الطَّلَاقِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ فِي حُصُولِ الرَّجْعَةِ بِهِ.
وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدٍ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ، أَوْ بَاعَهُ بَيْعًا صَحِيحًا، أَوْ كَاتَبَهُ، أَوْ دَبَّرَهُ، انْفَسَخَتْ الْوَكَالَةُ؛ لِأَنَّهُ بِزَوَالِ مِلْكِهِ لَا يَبْقَى لَهُ إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ، وَفِي الْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ الرُّجُوعَ عَنْ بَيْعِهِ.
وَإِنْ بَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا لَمْ تَبْطُلْ الْوَكَالَةُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ فِي الْعَبْدِ لَمْ يَزُلْ.
ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.

[مَسْأَلَة وُكِّلَ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ فَاشْتَرَى غَيْرَهُ]

(3785) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ وُكِّلَ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ فَاشْتَرَى غَيْرَهُ، كَانَ الْآمِرُ مُخَيَّرًا فِي قَبُولِ الشِّرَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ، لَزِمَ الْوَكِيلَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِ الْمَالِ، فَيَبْطُلُ الشِّرَاءُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْوَكِيلَ فِي الشِّرَاءِ إذَا خَالَفَ مُوَكِّلَهُ، فَاشْتَرَى غَيْرَ مَا وُكِّلَ فِي شِرَائِهِ، مِثْلُ أَنْ يُوَكِّلَهُ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ فَيَشْتَرِيَ جَارِيَةً، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهُ فِي ذِمَّتِهِ أَوْ بِعَيْنِ الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ فِي ذِمَّتِهِ، ثُمَّ نَقَدَ ثَمَنَهُ، فَالشِّرَاءُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَى بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِلْكًا لِغَيْرِهِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا يَصِحُّ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَهُ عَلَى أَنَّهُ لِلْمُوَكِّلِ، وَلَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يَتَصَرَّفْ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ لَمْ يَنْوِهِ لِغَيْرِهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، الشِّرَاءُ لَازِمٌ لِلْمُشْتَرِي.
وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ بِغَيْرِ إذْنِ غَيْرِهِ، فَكَانَ الشِّرَاءُ لَهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَنْوِ غَيْرَهُ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، يَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْمُوَكِّلِ، فَإِنْ أَجَازَهُ لَزِمَهُ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى لَهُ وَقَدْ أَجَازَهُ، فَلَزِمَهُ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى بِإِذْنِهِ، وَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ لَزِمَ الْوَكِيلَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَلْزَمَ الْمُوَكِّلَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فِي شِرَائِهِ، وَلَزِمَ الْوَكِيلَ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ صَدَرَ مِنْهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ لِغَيْرِهِ، فَيَثْبُتُ فِي حَقِّهِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا فِي ذِمَّتِهِ لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، سَوَاءٌ كَانَ وَكِيلًا لِلَّذِي قَصَدَ الشِّرَاءَ لَهُ، أَوْ لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا لَهُ.

فَأَمَّا إنْ اشْتَرَى بِعَيْنِ الْمَالِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: بِعْنِي الْجَارِيَةَ بِهَذِهِ الدَّنَانِيرِ.
أَوْ بَاعَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ صَحِيحٌ، وَيَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ، فَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ بَطَلَ، وَإِنْ أَجَازَهُ صَحَّ؛ لِحَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ الْجَعْدِ، «أَنَّهُ بَاعَ مَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي بَيْعِهِ، فَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَعَا لَهُ» وَلِأَنَّهُ تَصَرَّفَ لَهُ بِخَيْرٍ، فَصَحَّ، وَوَقَفَ عَلَى الْإِجَازَةِ، كَالْوَصِيَّةِ بِالزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى، أَنَّهُ عَقَدَ عَلَى مَالِ مَنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الْعَقْدِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ بَاعَ مَالَ الصَّبِيِّ الْمُرَاهِقِ، ثُمَّ بَلَغَ، فَأَجَازَهُ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَك» . يَعْنِي مَا لَمْ تَمْلِكْ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عُرْوَةَ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ وَكِيلًا مُطْلَقًا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ بَاعَ وَسَلَّمَ الْمَبِيعَ وَأَخَذَ ثَمَنَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ جَائِزًا لِمَنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ اتِّفَاقًا.
وَمَتَى حَكَمْنَا بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ، فَاعْتَرَفَ لَهُ الْعَاقِدُ مَعَهُ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ، أَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، فَعَلَيْهِ رَدُّ مَا أَخَذَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِذَلِكَ، وَلَا قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ، حَلَفَ الْعَاقِدُ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ رَدُّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ تَصَرُّفَ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ، فَلَا يُصَدَّقُ عَلَى غَيْرِهِ فِيمَا يُبْطِلُ عَقْدَهُ.
وَإِنْ ادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهُ بَاعَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَلَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي: إنَّك بِعْت مَالَ غَيْرِك بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَأَنْكَرَ الْبَائِعُ ذَلِكَ.
وَقَالَ: بَلْ بِعْت مِلْكِي.
أَوْ قَالَ: بِعْت مَالَ مُوَكِّلِي بِإِذْنِهِ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ أَيْضًا.
وَإِنْ اتَّفَقَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي عَلَى مَا يُبْطِلُ الْبَيْعَ، وَقَالَ الْمُوَكِّلُ: بَلْ الْبَيْعُ صَحِيحٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ رَدُّ مَا أَخَذَهُ مِنْ الْعِوَضِ.

[فَصْلٌ وَكَّلَهُ فِي أَنْ يَتَزَوَّجَ لَهُ امْرَأَةً فَتَزَوَّجَ لَهُ غَيْرَهَا]

(3786) فَصْلٌ: وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي أَنْ يَتَزَوَّجَ لَهُ امْرَأَةً، فَتَزَوَّجَ لَهُ غَيْرَهَا، أَوْ تَزَوَّجَ لَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ بِكُلِّ حَالٍ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ النِّكَاحِ ذِكْرَ الزَّوْجِ، فَإِذَا كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، لَمْ يَقَعْ لَهُ وَلَا لِلْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَعْيَانُ الزَّوْجَيْنِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ الْمُشْتَرَى لَهُ، فَافْتَرَقَا.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، يَصِحُّ النِّكَاحُ، وَيَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْمُتَزَوَّجِ لَهُ، فَإِنْ أَجَازَهُ صَحَّ، وَإِلَّا بَطَلَ.
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي الْبَيْعِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ.

[فَصْلٌ قَالَ لِرَجُلِ اشْتَرِ لِي بِدَيْنِي عَلَيْك طَعَامًا]

(3787) فَصْلٌ: قَالَ الْقَاضِي: إذَا قَالَ لِرَجُلٍ: اشْتَرِ لِي بِدَيْنِي عَلَيْك طَعَامًا.
لَمْ يَصِحَّ.
وَلَوْ قَالَ: تَسَلَّفْ لِي أَلْفًا مِنْ مَالِك فِي كُرِّ طَعَامٍ.
فَفَعَلَ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْإِنْسَانُ بِمَالِهِ مَا يَمْلِكُهُ غَيْرُهُ.

وَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي فِي ذِمَّتِك.
أَوْ قَالَ: تَسَلَّفْ لِي أَلْفًا فِي كُرِّ طَعَامٍ، وَاقْضِ الثَّمَنَ عَنِّي مِنْ مَالِك، أَوْ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي لِي عَلَيْك.
صَحَّ؛ لِأَنَّهُ إذَا اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ حَصَلَ الشِّرَاءُ لِلْمُوَكِّلِ وَالثَّمَنُ عَلَيْهِ، فَإِذَا قَضَاهُ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ، فَقَدْ دَفَعَ الدَّيْنَ إلَى مَنْ أَمَرَهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ بِدَفْعِهِ إلَيْهِ، وَإِنْ قَضَاهُ مِنْ مَالِهِ عَنْ دَيْنِ السَّلَفِ الَّذِي عَلَيْهِ، صَارَ قَرْضًا عَلَيْهِ.

[فَصْلٌ لَا يَمْلِكُ الْوَكِيلُ مِنْ التَّصَرُّفِ إلَّا مَا يَقْتَضِيه إذْنُ مُوَكِّلِهِ مِنْ جِهَةِ النُّطْقِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الْعُرْفِ]

(3788) فَصْلٌ: وَلَا يَمْلِكُ الْوَكِيلُ مِنْ التَّصَرُّفِ إلَّا مَا يَقْتَضِيه إذْنُ مُوَكِّلِهِ، مِنْ جِهَةِ النُّطْقِ، أَوْ مِنْ جِهَةِ الْعُرْفِ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ بِالْإِذْنِ، فَاخْتَصَّ بِمَا أَذِنَ فِيهِ، وَالْإِذْنُ يُعْرَفُ بِالنُّطْقِ تَارَةً وَبِالْعُرْفِ أُخْرَى.
وَلَوْ وَكَّلَ رَجُلًا فِي التَّصَرُّفِ فِي زَمَنٍ مُقَيَّدٍ، لَمْ يَمْلِكْ التَّصَرُّفَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ إذْنُهُ مُطْلَقًا وَلَا عُرْفًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُؤْثِرُ التَّصَرُّفَ فِي زَمَنِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَلِهَذَا لَمَّا عَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى لِعِبَادَتِهِ وَقْتًا، لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ وَلَا تَأْخِيرُهَا عَنْهُ.
فَلَوْ قَالَ لَهُ: بِعْ ثَوْبِي غَدًا.
لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ الْيَوْمَ وَلَا بَعْدَ غَدٍ.
وَإِنْ عَيَّنَ لَهُ الْمَكَانَ، وَكَانَ يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ، مِثْلُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِبَيْعِ ثَوْبِهِ فِي سُوقٍ، وَكَانَ ذَلِكَ السُّوقُ مَعْرُوفًا بِجَوْدَةِ، النَّقْدِ، أَوْ كَثْرَةِ الثَّمَنِ، أَوْ حِلِّهِ، أَوْ بِصَلَاحِ أَهْلِهِ، أَوْ بِمَوَدَّةٍ بَيْنَ الْمُوَكِّلِ وَبَيْنَهُمْ، تَقَيَّدَ الْإِذْنُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى أَمْرٍ لَهُ فِيهِ غَرَضٌ، فَلَمْ يَجُزْ تَفْوِيتُهُ.
وَإِنْ كَانَ هُوَ وَغَيْرُهُ سَوَاءً فِي الْغَرَضِ، لَمْ يَتَقَيَّدْ الْإِذْنُ بِهِ، وَجَازَ لَهُ الْبَيْعُ فِي غَيْرِهِ؛ لِمُسَاوَاتِهِ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ فِي الْغَرَضِ، فَكَانَ تَنْصِيصُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا إذْنًا فِي الْآخَرِ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ أَوْ اسْتَعَارَ أَرْضًا لِزِرَاعَةِ شَيْءٍ، كَانَ إذْنًا فِي زِرَاعَةِ مِثْلِهِ فَمَا دُونَهُ، وَلَوْ اشْتَرَى عَقَارًا كَانَ لَهُ أَنْ يُسْكِنَهُ مِثْلَهُ، وَلَوْ نَذَرَ صَلَاةً أَوْ اعْتِكَافًا فِي مَسْجِدٍ، جَازَ الِاعْتِكَافُ وَالصَّلَاةُ فِي غَيْرِهِ وَسَوَاءٌ قَدَّرَ لَهُ الثَّمَنَ أَوْ لَمْ يُقَدِّرْهُ.
وَإِنْ عَيَّنَ لَهُ الْمُشْتَرِي، فَقَالَ: بِعْهُ فُلَانًا.
لَمْ يَمْلِكْ بَيْعَهُ لِغَيْرِهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ، سَوَاءٌ قَدَّرَ لَهُ الثَّمَنَ أَوْ لَمْ يُقَدِّرْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي تَمْلِيكِهِ إيَّاهُ دُونَ غَيْرِهِ، إلَّا أَنْ يَعْلَمَ الْوَكِيلُ بِقَرِينَةِ أَوْ صَرِيحٍ أَنَّهُ لَا غَرَضَ لَهُ فِي عَيْنِ الْمُشْتَرِي.

[فَصْلٌ وَكَّلَهُ فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ]

(3789) فَصْلٌ: وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ، لَمْ يَمْلِكْهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْمُوَكِّلَ لَا يَمْلِكُهُ، فَالْوَكِيلُ أَوْلَى.
وَلَا يَمْلِكُ الصَّحِيحَ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَمْلِكُ الصَّحِيحَ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَذِنَ فِي الْفَاسِدِ، فَالصَّحِيحُ أَوْلَى.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي مُحَرَّمٍ، فَلَمْ يَمْلِكْ الْحَلَالَ بِهَذَا الْإِذْنِ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي شِرَاءِ خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ، لَمْ يَمْلِكْ شِرَاءَ الْخَيْلِ وَالْغَنَمِ.

[فَصْل وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ عَقَارٍ أَوْ شِرَائِهِ]

(3790) فَصْلٌ: وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ عَقَارٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ شِرَائِهِ، لَمْ يَمْلِكْ الْعَقْدَ عَلَى بَعْضِهِ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ تَنَاوَلَ جَمِيعَهُ، وَفِي التَّبْعِيضِ إضْرَارٌ بِالْمُوَكَّلِ وَتَشْقِيصٌ لِمِلْكِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ فِيهِ.
وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبِيدٍ أَوْ شِرَائِهِمْ، مَلَكَ الْعَقْدَ عَلَيْهِمْ جُمْلَةً وَاحِدَةً وَاحِدًا وَاحِدًا، لِأَنَّ الْإِذْنَ يَتَنَاوَلُ الْعَقْدَ عَلَيْهِمْ جُمْلَةً، وَالْعُرْفُ فِي بَيْعِهِمْ وَشِرَائِهِمْ الْعَقْدُ عَلَى وَاحِدٍ وَاحِدٍ، وَلَا ضَرَرَ فِي جَمْعِهِمْ وَلَا إفْرَادِهِمْ.
وَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبِيدًا صَفْقَةً وَاحِدَةً، أَوْ وَاحِدًا وَاحِدًا، أَوْ بِعْهُمْ.
لَمْ تَجُزْ مُخَالَفَتُهُ؛ لِأَنَّ تَنْصِيصَهُ عَلَى ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى غَرَضِهِ فِيهِ، فَلَمْ يَتَنَاوَلْ إذْنُهُ سِوَاهُ.
وَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدَيْنِ صَفْقَةً.
فَاشْتَرَى عَبْدَيْنِ لِاثْنَيْنِ مُشْتَرَكَيْنِ بَيْنَهُمَا، مِنْ وَكِيلِهِمَا، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا بِإِذْنِ الْآخَرِ، جَازَ.
وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَبْدٌ مُفْرَدٌ، فَاشْتَرَاهُمَا مِنْ الْمَالِكَيْنِ، بِأَنْ أَوْجَبَا لَهُ الْبَيْعَ فِيهِمَا، وَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمَا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ عَقْدَ الْوَاحِدِ مَعَ الِاثْنَيْنِ عَقْدَانِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ هُوَ الشِّرَاءُ، وَهُوَ مُتَّحِدٌ، وَالْغَرَضُ لَا يَخْتَلِفُ.
وَإِنْ اشْتَرَاهُمَا مِنْ وَكِيلِهِمَا، وَعَيَّنَ ثَمَنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُك هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ، هَذَا بِمِائَةٍ وَهَذَا بِمِائَتَيْنِ.
فَقَالَ: قَبِلْت.
احْتَمَلَ أَيْضًا وَجْهَيْنِ.
وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ ثَمَنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ ثَمَنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَجْهُولٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ وَيُقَسَّطَ الثَّمَنُ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمَا.

[فَصْلٌ دَفَعَ إلَيْهِ دَرَاهِم وَقَالَ اشْتَرِ لِي بِهَذِهِ عَبْدًا]

(3791) فَصْلٌ: فَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ دَرَاهِمَ، وَقَالَ اشْتَرِ لِي بِهَذِهِ عَبْدًا.
كَانَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِعَيْنِهَا، وَفِي الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ يَقَعُ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، فَإِذَا أَطْلَقَ الْوَكَالَةَ، كَانَ لَهُ فِعْلُ مَا شَاءَ مِنْهُمَا.
وَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ بِعَيْنِهَا.
فَاشْتَرَاهُ فِي ذِمَّتِهِ، ثُمَّ نَقَدَهَا، لَمْ يَلْزَمْ الْمُوَكِّلَ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَعَيَّنَ الثَّمَنُ، انْفَسَخَ الْعَقْدُ بِتَلَفِهِ، أَوْ كَوْنِهِ مَغْصُوبًا، وَلَمْ يَلْزَمْهُ ثَمَنٌ فِي ذِمَّتِهِ، وَهَذَا غَرَضٌ لِلْمُوَكِّلِ، فَلَمْ تَجُزْ مُخَالَفَتُهُ، وَيَقَعُ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ.
وَهَلْ يَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْمُوَكِّلِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي فِي ذِمَّتِك، وَانْقُدْ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ ثَمَنًا.
فَاشْتَرَاهُ بِعَيْنِهَا، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي عَقْدٍ يَلْزَمُهُ بِهِ الثَّمَنُ مَعَ بَقَاءِ الدَّرَاهِمِ وَتَلَفِهَا، فَكَانَ إذْنًا فِي عَبْدٍ لَا يَلْزَمُهُ الثَّمَنُ إلَّا مَعَ

بَقَائِهَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي الشِّرَاءِ بِغَيْرِ عَيْنِهَا، لِكَوْنِهَا فِيهَا شُبْهَةٌ لَا يُحِبُّ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا، أَوْ يُحِبُّ وُقُوعُ الْعَقْدِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْفَسِخُ بِتَلَفِهَا، وَلَا يَبْطُلُ بِتَحْرِيمِهَا، وَهَذَا غَرَضٌ صَحِيحٌ، فَلَا يَجُوزُ تَفْوِيتُهُ عَلَيْهِ، كَمَا لَمْ يَجُزْ تَفْوِيتُ غَرَضِهِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كُلِّهِ كَنَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ.

[فَصْلٌ عَيَّنَ الْمُوَكِّل لِلْوَكِيلِ الشِّرَاءَ بِنَقْدِ أَوْ حَالًا]

(3792) فَصْلٌ: وَإِنْ عَيَّنَ لَهُ الشِّرَاءَ بِنَقْدٍ أَوْ حَالًا، لَمْ تَجُزْ مُخَالَفَتُهُ.
وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي النَّسِيئَةِ وَالْبَيْعِ بِأَيِّ نَقْدٍ شَاءَ، جَازَ.
وَإِنْ أَطْلَقَ، لَمْ يَبِعْ إلَّا حَالًّا بِنَقْدِ الْبَلَدِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْبَيْعِ الْحُلُولُ، وَإِطْلَاقُ النَّقْدِ يَنْصَرِفُ إلَى نَقْدِ الْبَلَدِ، وَلِهَذَا لَوْ بَاعَ عَبْدَهُ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ وَأَطْلَقَ، حُمِلَ عَلَى الْحُلُولِ بِنَقْدِ الْبَلَدِ.
وَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدَانِ، بَاعَ بِأَغْلَبِهِمَا، فَإِنْ تَسَاوَيَا، بَاعَ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ: لَهُ الْبَيْعُ نَسَاءً؛ لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ فَأَشْبَهَ الْحَالَ.
وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ فِي الْمُضَارِبِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا.
وَالْأَوَّلُ؛ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ الْبَيْعَ حُمِلَ عَلَى الْحُلُولِ، فَكَذَلِكَ إذَا أَطْلَقَ الْوَكَالَةَ فِيهِ، وَلَا نُسَلِّمُ تَسَاوِي الْعَادَةِ فِيهِمَا، فَإِنَّ بَيْعَ الْحَالِ أَكْثَرُ، وَيُفَارِقُ الْمُضَارَبَةَ لِوَجْهَيْنِ؛ أَحَدِهِمَا، أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْمُضَارَبَةِ الرِّبْحُ، لَا دَفْعُ الْحَاجَةِ بِالثَّمَنِ فِي الْحَالِ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَقْصُودُ فِي الْوَكَالَةِ دَفْعَ حَاجَةٍ نَاجِزَةٍ تَفُوتُ بِتَأْخِيرِ الثَّمَنِ.
وَالثَّانِي، أَنَّ اسْتِيفَاءَ الثَّمَنِ فِي الْمُضَارَبَةِ عَلَى الْمُضَارِبِ، فَيَعُودُ ضَرَرُ التَّأْخِيرِ فِي التَّقَاضِي عَلَيْهِ، وَهَا هُنَا بِخِلَافِهِ، فَلَا يَرْضَى بِهِ الْمُوَكِّلُ، وَلِأَنَّ الضَّرَرَ فِي تَوَى الثَّمَنِ عَلَى الْمُضَارِبِ، لِأَنَّهُ يَحْسِبُ مِنْ الرِّبْحِ، لِكَوْنِ الرِّبْحِ وِقَايَةً لِرَأْسِ الْمَالِ، وَهَا هُنَا يَعُودُ عَلَى الْمُوَكِّلِ، فَانْقَطَعَ الْإِلْحَاقُ.

[فَصْلٌ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ سِلْعَةٍ نَسِيئَةً فَبَاعَهَا نَقْدًا بِدُونِ ثَمَنِهَا نَسِيئَةً أَوْ بِدُونِ مَا عَيَّنَهُ لَهُ]

(3793) فَصْلٌ: إذَا وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ سِلْعَةٍ نَسِيئَةً، فَبَاعَهَا نَقْدًا بِدُونِ ثَمَنِهَا نَسِيئَةً، أَوْ بِدُونِ مَا عَيَّنَهُ لَهُ، لَمْ يَنْفُذْ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمُوَكِّلِهِ، لِأَنَّهُ رَضِيَ بِثَمَنِ النَّسِيئَةِ دُونَ النَّقْدِ.
وَإِنْ بَاعَهَا نَقْدًا بِمَا تُسَاوِي نَسِيئَةً، أَوْ عَيَّنَ لَهُ ثَمَنَهَا فَبَاعَهَا بِهِ نَقْدًا، فَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا فَكَانَ مَأْذُونًا فِيهِ عُرْفًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِهَا بِعَشْرَةٍ فَبَاعَهَا بِأَكْثَرَ مِنْهَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُنْظَرَ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرَضٌ فِي النَّسِيئَةِ صَحَّ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا غَرَضٌ، نَحْوُ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مِمَّا يُسْتَضَرُّ بِحِفْظِهِ فِي الْحَالِ، أَوْ يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْ التَّلَفِ أَوْ الْمُتَغَلِّبِينَ، أَوْ يَتَغَيَّرُ عَنْ حَالِهِ إلَى وَقْتِ الْحُلُولِ، فَهُوَ كَمَنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحُلُولِ لَا يَتَنَاوَلُ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ إلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ فِي الْمَصْلَحَةِ، كَالْمَنْطُوقِ أَوْ أَكْثَرَ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ ثَابِتًا بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ أَوْ الْمُمَاثَلَةِ، وَمَتَى

كَانَ فِي الْمَنْطُوقِ بِهِ غَرَضٌ مُخْتَصٌّ بِهِ لَمْ يَجُزْ تَفْوِيتُهُ، وَلَا ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي غَيْرِهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي نَحْوَ هَذَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ.

[فَصْل وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ بِثَمَنِ نَقْدًا فَاشْتَرَاهُ نَسِيئَةً بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ النَّقْدِ]

(3794) فَصْلٌ: وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي الشِّرَاءِ بِثَمَنِ نَقْدًا، فَاشْتَرَاهُ نَسِيئَةً بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ النَّقْدِ، لَمْ يَقَعْ لِلْمُوَكِّلِ.
وَإِنْ اشْتَرَاهُ نَسِيئَةً بِثَمَنِهِ نَقْدًا، أَوْ بِمَا عَيَّنَهُ لَهُ، فَهِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.
وَيَصِحُّ لِلْمُوَكِّلِ فِي قَوْلِ الْقَاضِي.
وَعَلَى مَا ذَكَرْنَا يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ، نَحْوُ أَنْ يُسْتَضَرَّ بِبَقَاءِ الثَّمَنِ مَعَهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ، كَقَوْلِنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيّ فِي صِحَّةِ الشِّرَاءِ وَجْهَانِ.

[فَصْلٌ لَا يَبِيع الْوَكِيل بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَلَا يَشْتَرِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ]

(3795) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ، أَوْ دُونَ مَا قَدَّرَهُ لَهُ، وَلَا يَشْتَرِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا قَدَّرَ لَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا أَطْلَقَ الْوَكَالَةَ فِي الْبَيْعِ، فَلَهُ الْبَيْعُ بِأَيِّ ثَمَنٍ كَانَ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ فِي الْإِذْنِ مُطْلَقٌ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى إطْلَاقِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ تَوْكِيلٌ مُطْلَقٌ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، فَاقْتَضَى ثَمَنَ الْمِثْلِ، كَالشِّرَاءِ، فَإِنَّهُ وَافَقَ عَلَيْهِ، وَمَا ذَكَرَهُ يَنْتَقِضُ بِالشِّرَاءِ.
فَإِنْ بَاعَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، أَوْ اشْتَرَى بِأَكْثَرَ مِنْهُ مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ، أَوْ بَاعَ بِدُونِ مَا قَدَّرَهُ لَهُ، أَوْ اشْتَرَى بِأَكْثَرَ مِنْهُ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ دُونَ الشِّرَاءِ، وَيَضْمَنُ الْوَكِيلُ النَّقْصَ؛ لِأَنَّ مَنْ صَحَّ بَيْعُهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، صَحَّ بِدُونِهِ كَالْمَرِيضِ.
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَكُونُ الْبَيْعُ صَحِيحًا، وَعَلَى الْوَكِيلِ ضَمَانُ النَّقْصِ، وَفِي قَدْرِهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، مَا بَيْنَ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَمَا بَاعَهُ بِهِ.
وَالثَّانِي، مَا بَيْنَ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ، وَمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ، لِأَنَّ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ يَصِحُّ بَيْعُهُ بِهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لِلْوَكِيلِ فِي هَذَا الْبَيْعِ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ الْأَجْنَبِيِّ.
وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانٌ، فَأَشْبَهَ الشِّرَاءَ.
وَكُلُّ تَصَرُّفٍ كَانَ الْوَكِيلُ مُخَالِفًا فِيهِ لِمُوَكِّلِهِ، فَحُكْمُهُ فِيهِ حُكْمُ تَصَرُّفِ الْأَجْنَبِيِّ، عَلَى مَا يُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَأَمَّا مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ عَادَةً، فَمَعْفُوٌّ عَنْهُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُوَكِّلُ قَدَّرَ لَهُ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ يُعَدُّ ثَمَنَ الْمِثْلِ، وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ.
وَلَوْ حَضَرَ مِنْ يَزِيدُ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبِيعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ الِاحْتِيَاطَ وَطَلَبَ الْحَظِّ لِمُوَكِّلِهِ.
وَإِنْ بَاعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، فَحَضَرَ مَنْ يَزِيدُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، لَمْ يَلْزَمْهُ فَسْخُ الْعَقْدِ،

فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مَمْنُوعٌ مِنْهَا، مَنْهِيٌّ عَنْهَا، فَلَا يَلْزَمُ الرُّجُوعُ إلَيْهَا، وَلِأَنَّ الْمُزَايِدَ قَدْ لَا يَثْبُتُ عَلَى الزِّيَادَةِ، فَلَا يَلْزَمُ الْفَسْخُ بِالشَّكِّ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ فِي الثَّمَنِ أَمْكَنَ تَحْصِيلُهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَجَازَ بِهِ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَالنَّهْيُ يَتَوَجَّهُ إلَى الَّذِي زَادَ لَا إلَى الْوَكِيلِ، فَأَشْبَهَ مَنْ جَاءَتْهُ الزِّيَادَةُ قَبْلَ الْبَيْعِ وَبَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ.

[فَصْلٌ وُكِّلَ فِي بَيْعِ عَبْدٍ بِمِائَةِ فَبَاعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا]

(3796) فَصْلٌ: وَمَنْ وُكِّلَ فِي بَيْعِ عَبْدٍ بِمِائَةٍ، فَبَاعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا، صَحَّ، سَوَاءٌ كَانَتْ الزِّيَادَةُ كَثِيرَةً أَوْ قَلِيلَةً؛ لِأَنَّهُ بَاعَ بِالْمَأْذُونِ فِيهِ وَزَادَ زِيَادَةً تَنْفَعُهُ وَلَا تَضُرُّهُ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ الْمَأْمُورِ بِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، مِثْلُ أَنْ يَأْذَنَ فِي بَيْعِهِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَيَبِيعَهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَدِينَارٍ أَوْ ثَوْبٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ بِمِائَةِ وَثَوْبٍ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْأَثْمَانِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا زِيَادَةٌ تَنْفَعُهُ وَلَا تَضُرُّهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ بِمِائَةٍ وَدِينَارٍ، وَلِأَنَّ الْإِذْنَ فِي بَيْعِهِ بِمِائَةٍ، إذْنٌ فِي بَيْعِهِ بِزِيَادَةٍ عَلَيْهَا عُرْفًا، لِأَنَّ مَنْ رَضِيَ بِمِائَةٍ لَا يَكْرَهُ أَنْ يُزَادَ عَلَيْهَا ثَوْبٌ يَنْفَعُهُ وَلَا يَضُرُّهُ.
وَإِنْ بَاعَهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ، أَوْ بِتِسْعِينَ دِرْهَمًا وَعَشْرَةِ دَنَانِيرَ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، أَوْ بِمِائَةِ ثَوْبٍ، أَوْ بِثَمَانِينَ دِرْهَمًا وَعِشْرِينَ ثَوْبًا، لَمْ يَصِحَّ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ مُوَكِّلَهُ فِي الْجِنْسِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ بِثَوْبٍ يُسَاوِي أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ دِرْهَمٍ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ فِيمَا إذَا جَعَلَ مَكَانَ الدَّرَاهِمِ دَنَانِيرَ، أَوْ مَكَانَ بَعْضِهَا؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عُرْفًا، فَإِنَّ مَنْ رَضِيَ بِدِرْهَمٍ رَضِيَ مَكَانَهُ بِدِينَارٍ، فَجَرَى مَجْرَى بَيْعِهِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَدِينَارٍ.
وَأَمَّا الثِّيَابُ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْأَثْمَانِ.

[فَصْلٌ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدٍ بِمِائَةٍ فَبَاعَ نِصْفَهُ بِهَا أَوْ وَكَّلَهُ مُطْلَقًا فَبَاعَ نِصْفَهُ بِثَمَنِ الْكُلِّ]

(3797) فَصْلٌ: وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدٍ بِمِائَةٍ، فَبَاعَ نِصْفَهُ بِهَا، أَوْ وَكَّلَهُ مُطْلَقًا، فَبَاعَ نِصْفَهُ بِثَمَنِ الْكُلِّ، جَازَ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْعُرْفِ، فَإِنَّ مَنْ رَضِيَ مِائَةً ثَمَنًا لِلْكُلِّ، رَضِيَ بِهَا ثَمَنًا لِلنِّصْفِ، وَلِأَنَّهُ حَصَّلَ لَهُ الْمِائَةَ وَأَبْقَى لَهُ زِيَادَةً تَنْفَعُهُ وَلَا تَضُرُّهُ.
وَلَهُ بَيْعُ النِّصْفِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي بَيْعِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَ الْعَبْدَ كُلَّهُ بِمِثْلَيْ ثَمَنِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَجُوزَ لَهُ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَّلَ لِلْمُوَكِّلِ غَرَضَهُ مِنْ الثَّمَنِ بِبَيْعِ نِصْفِهِ، فَرُبَّمَا لَا يُؤْثِرُ بَيْعَ بَاقِيهِ، لِلْغِنَى عَنْ بَيْعِهِ بِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ ثَمَنِ نِصْفِهِ.
وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي تَوْكِيلِهِ فِي بَيْعِ عَبْدَيْنِ بِمِائَةٍ، إذَا بَاعَ أَحَدَهُمَا بِهَا، صَحَّ.
وَهَلْ يَكُونُ لَهُ بَيْعُ الْعَبْدِ الْآخَرِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
فَأَمَّا إنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدِهِ بِمِائَةٍ، فَبَاعَ بَعْضَهُ بِأَقَلَّ مِنْهَا، لَمْ يَصِحَّ.
وَإِنْ وَكَّلَهُ مُطْلَقًا، فَبَاعَ بَعْضَهُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْكُلِّ، لَمْ يَجُزْ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ فِيمَا إذَا أَطْلَقَ الْوَكَالَةَ.
بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ لِلْوَكِيلِ الْمُطْلَقِ الْبَيْعَ بِمَا شَاءَ،

وَلَنَا، أَنَّ عَلَى الْمُوَكِّلِ ضَرَرًا فِي تَبْعِيضِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ الْإِذْنُ فِيهِ نُطْقًا وَلَا عُرْفًا، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ، فَاشْتَرَى نِصْفَهُ.

[فَصْل وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ بِمِائَةِ فَاشْتَرَاهُ بِخَمْسِينَ أَوْ بِمَا دُونَ الْمِائَةِ]

(3798) فَصْلٌ: وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ بِمِائَةٍ، فَاشْتَرَاهُ بِخَمْسِينَ، أَوْ بِمَا دُونَ الْمِائَةِ، صَحَّ، وَلَزِمَ الْمُوَكِّلَ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْعُرْفِ.
وَإِنْ قَالَ: لَا تَشْتَرِهِ بِأَقَلَّ مِنْ مِائَةٍ، فَخَالَفَهُ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ نَصَّهُ، وَصَرِيحُ قَوْلِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى دَلَالَةِ الْعُرْفِ.
فَإِنْ قَالَ: اشْتَرِهِ بِمِائَةٍ، وَلَا تَشْتَرِهِ بِخَمْسِينَ.
جَازَ لَهُ شِرَاؤُهُ بِمَا فَوْقَ الْخَمْسِينَ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ فِي الشِّرَاءِ بِمِائَةٍ دَلَّ عُرْفًا عَلَى الشِّرَاءِ بِمَا دُونَهَا، خَرَجَ مِنْهُ الْخَمْسُونَ بِصَرِيحِ النَّهْيِ، بَقِيَ فِيمَا فَوْقَهَا عَلَى مُقْتَضَى الْإِذْنِ.
وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِأَقَلَّ مِنْ الْخَمْسِينَ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَجُوزُ؛ لِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ صَرِيحَ نَهْيِهِ، أَشْبَهَ مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسِينَ.
وَالثَّانِي، لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ نَهَاهُ عَنْ الْخَمْسِينَ اسْتِقْلَالًا لَهَا.
فَكَانَ تَنْبِيهًا عَلَى النَّهْيِ عَمَّا هُوَ أَقَلُّ مِنْهُمَا، كَمَا أَنَّ الْإِذْنَ فِي الشِّرَاءِ بِمِائَةٍ إذْنٌ فِيمَا دُونَهَا، فَجَرَى ذَلِكَ مَجْرَى صَرِيحِ نَهْيِهِ، فَإِنَّ تَنْبِيهَ الْكَلَامِ كَنَصِّهِ.
وَإِنْ قَالَ: اشْتَرِهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ.
فَاشْتَرَاهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ.
فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَبَاعَهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ، عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْقَوْلِ فِيهِ.
وَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي نِصْفَهُ بِمِائَةٍ.
فَاشْتَرَاهُ كُلَّهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِهِ بِمِائَةٍ، جَازَ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عُرْفًا.
وَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي نِصْفَهُ بِمِائَةٍ، وَلَا تَشْتَرِهِ جَمِيعَهُ، فَاشْتَرَى أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ وَأَقَلَّ مِنْ الْكُلِّ بِمِائَةٍ، صَحَّ، فِي قِيَاسِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، لِكَوْنِ دَلَالَةِ الْعُرْفِ قَاضِيَةً بِالْإِذْنِ فِي شِرَاءِ كُلِّ مَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ، خَرَجَ الْجَمِيعُ بِصَرِيحِ نَهْيِهِ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى مُقْتَضَى الْإِذْنِ.

[فَصْلٌ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ مَوْصُوفٍ بِمِائَةِ فَاشْتَرَاهُ عَلَى الصِّفَةِ بِدُونِهَا]

(3799) فَصْلٌ: وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ مَوْصُوفٍ بِمِائَةٍ، فَاشْتَرَاهُ عَلَى الصِّفَةِ بِدُونِهَا، جَازَ؛ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عُرْفًا.
وَإِنْ خَالَفَهُ فِي الصِّفَةِ، أَوْ اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا، لَمْ يَلْزَمْ الْمُوَكِّلَ.
وَإِنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا بِمِائَةٍ فَاشْتَرَى عَبْدًا يُسَاوِي مِائَةً بِدُونِهَا، جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهُ بِمِائَةٍ جَازَ، فَإِذَا اشْتَرَاهُ بِدُونِهَا فَقَدْ زَادَهُ خَيْرًا، فَيَجُوزُ.
وَإِنْ كَانَ لَا يُسَاوِي مِائَةً، لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ يُسَاوِي أَكْثَرَ مِمَّا اشْتَرَاهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ أَمْرَهُ، وَلَمْ يُحَصِّلْ غَرَضَهُ.

[فَصْلٌ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ شَاةٍ بِدِينَارٍ فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ تُسَاوِي كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَقَلِّ مِنْ دِينَارٍ]

(3800) فَصْلٌ: وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ شَاةٍ بِدِينَارٍ، فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ تُسَاوِي كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَقَلَّ مِنْ دِينَار لَمْ يَقَعْ

لِلْمُوَكِّلِ.
وَإِنْ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تُسَاوِي دِينَارًا.
أَوْ إحْدَاهُمَا تُسَاوِي دِينَارًا وَالْأُخْرَى أَقَلَّ مِنْ دِينَارٍ، صَحَّ، وَلَزِمَ الْمُوَكِّلَ.
وَهَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقَعُ لِلْمُوَكِّلِ إحْدَى الشَّاتَيْنِ بِنِصْفِ دِينَارٍ، وَالْأُخْرَى لِلْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ إلَّا بِإِلْزَامِهِ عُهْدَةَ شَاةٍ وَاحِدَةٍ.
وَلَنَا، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى عُرْوَةَ بْنَ الْجَعْدِ دِينَارًا، فَقَالَ: اشْتَرِ لَنَا بِهِ شَاةً.
قَالَ: فَأَتَيْت الْجَلَبَ، فَاشْتَرَيْت شَاتَيْنِ بِدِينَارٍ، فَجِئْت أَسُوقُهُمَا، أَوْ أَقُودُهُمَا، فَلَقِيَنِي رَجُلٌ بِالطَّرِيقِ، فَسَاوَمَنِي، فَبِعْت مِنْهُ شَاةً بِدِينَارٍ، فَأَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالدِّينَارِ وَالشَّاةِ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا دِينَارُكُمْ، وَهَذِهِ شَاتُكُمْ.
قَالَ: وَصَنَعْتَ كَيْفَ؟ فَحَدَّثْته الْحَدِيثَ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُ فِي صَفْقَةِ يَمِينِهِ.» وَلِأَنَّهُ حَصَّلَ لَهُ الْمَأْذُونَ فِيهِ وَزِيَادَةً مِنْ جِنْسِهِ تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، فَوَقَعَ ذَلِكَ لَهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ بِعْهُ بِدِينَارٍ.
فَبَاعَهُ بِدِينَارَيْنِ، وَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِالْبَيْعِ.
فَإِنْ بَاعَ الْوَكِيلُ إحْدَى الشَّاتَيْنِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمُوَكِّلِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، الْبَيْعُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَالَ مُوَكِّلِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَلَمْ يَجُزْ كَبَيْعِ الشَّاتَيْنِ.
وَالثَّانِي، إنْ كَانَتْ الْبَاقِيَةُ تُسَاوِي دِينَارًا جَازَ، لِحَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ الْجَعْدِ الْبَارِقِيِّ، وَلِأَنَّهُ حَصَّلَ لَهُ الْمَقْصُودَ، وَالزِّيَادَةُ لَوْ كَانَتْ غَيْرَ الشَّاةِ جَازَ، فَجَازَ لَهُ إبْدَالُهَا بِغَيْرِهَا.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ صِحَّةُ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ بِحَدِيثِ عُرْوَةَ وَذَهَبَ إلَيْهِ.
وَإِذَا قُلْنَا: لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ الشَّاةِ.
فَبَاعَهَا، فَهَلْ يَقَعُ الْبَيْعُ بَاطِلًا أَوْ صَحِيحًا مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ الْمُوَكِّلِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَهَذَا أَصْلٌ لِكُلِّ مَنْ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَوَكِيلٌ يُخَالِفُ مُوَكِّلَهُ، هَلْ يَقَعُ بَاطِلًا أَوْ يَصِحُّ وَيَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ هَاهُنَا وَجْهَانِ.

[فَصْلٌ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ سِلْعَةٍ مَوْصُوفَةٍ]

(3801) فَصْلٌ: وَإِذَا وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ سِلْعَةٍ مَوْصُوفَةٍ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِيَهَا إلَّا سَلِيمَةً لِأَنَّ إطْلَاقَ الْبَيْعِ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ، وَلِذَلِكَ جَازَ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ.
فَإِنْ اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَهُ، لَمْ يَلْزَمْ الْمُوَكِّلَ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى غَيْرَ مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهُ، صَحَّ، الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ الصَّحِيحِ فِي الظَّاهِرِ، لِعَجْزِهِ عَنْ التَّحَرُّزِ عَنْ شِرَاءِ مَعِيبٍ لَا يَعْلَمُ عَيْبَهُ، فَإِذَا عَلِمَ عَيْبَهُ مَلَكَ رَدَّهُ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ فِي الشِّرَاءِ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ، وَلِلْمُوَكِّلِ رَدُّهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ، فَإِنْ حَضَرَ قَبْلَ رَدِّ الْوَكِيلِ، وَرَضِيَ بِالْعَيْبِ، لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ رَدُّهُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، بِخِلَافِ الْمُضَارِبِ، فَإِنَّ لَهُ الرَّدَّ وَإِنْ رَضِيَ رَبُّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فَلَا يَسْقُطُ بِرِضَى غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ، فَأَرَادَ الْوَكِيلُ الرَّدَّ، فَقَالَ لَهُ الْبَائِعُ: تَوَقَّفْ حَتَّى يَحْضُرَ الْمُوَكِّلُ، فَرُبَّمَا رَضِيَ بِالْعَيْبِ.
لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ فَوَاتَ الرَّدِّ لِهَرَبِ الْبَائِعِ،

وَفَوَاتَ الثَّمَنِ بِتَلَفِهِ، وَإِنْ أَخَّرَهُ بِنَاءً عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، فَلَمْ يَرْضَ بِهِ الْمُوَكِّلُ، لَمْ يَسْقُطْ رَدُّهُ.
وَإِنْ قُلْنَا: الرَّدُّ عَلَى الْفَوْرِ؛ لِأَنَّهُ أَخَّرَهُ بِإِذْنِ الْبَائِعِ فِيهِ.
وَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ: مُوَكِّلُك قَدْ عَلِمَ الْعَيْبَ فَرَضِيَهُ.
لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ لَمْ يُسْتَحْلَفْ الْوَكِيلُ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ عِلْمَهُ، فَيَحْلِفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ لَا يُسْتَحْلَفُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ كَانَ نَائِبًا فِي الْيَمِينَ، وَلَيْسَ بِصَحِيحِ، فَإِنَّهُ لَا نِيَابَةَ هَاهُنَا، وَإِنَّمَا يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ عِلْمِهِ، وَهَذَا لَا يَنُوبُ فِيهِ عَنْ أَحَدٍ.
فَإِنْ رَدَّ الْوَكِيلُ، وَحَضَرَ الْمُوَكِّلُ، وَقَالَ: بَلَغَنِي الْعَيْبُ، وَرَضِيت بِهِ.
وَصَدَّقَهُ الْبَائِعُ، أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ، لَمْ يَقَعْ الرَّدُّ مَوْقِعَهُ، وَكَانَ لِلْمُوَكِّلِ اسْتِرْجَاعُهُ، وَلِلْبَائِعِ رَدُّهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ رِضَاهُ بِهِ عَزَلَ الْوَكِيلَ عَنْ الرَّدِّ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّدُّ، إلَّا أَنْ نَقُولَ: إنَّ الْوَكِيلَ لَا يَنْعَزِلُ حَتَّى يَعْلَمَ الْعَزْلَ.
وَإِنْ رَضِيَ الْوَكِيلُ الْمَعِيبَ، أَوْ أَمْسَكَهُ إمْسَاكًا يَنْقَطِعُ بِهِ الرَّدُّ، فَحَضَرَ الْمُوَكِّلُ، فَأَرَادَ الرَّدَّ، فَلَهُ ذَلِكَ إنْ صَدَّقَهُ الْبَائِعُ أَنَّ الشِّرَاءَ لَهُ، أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ.
وَإِنْ كَذَّبَهُ وَلَمْ تَكُنْ بِهِ بَيِّنَةٌ، فَحَلَّفَهُ الْبَائِعُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الشِّرَاءَ لَهُ، فَلَيْسَ لَهُ رَدُّهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، وَيَلْزَمُ الْوَكِيلَ، وَعَلَيْهِ غَرَامَةُ الثَّمَنِ.
وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لِلْوَكِيلِ شِرَاءُ الْمَعِيبِ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ فِي الْبَيْعِ مُطْلَقًا يَدْخُلُ الْمَعِيبُ فِي إطْلَاقِهِ، وَلِأَنَّهُ أَمِينُهُ فِي الشِّرَاءِ، فَجَازَ لَهُ شِرَاءُ الْمَعِيبِ، كَالْمُضَارِبِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْبَيْعَ بِإِطْلَاقِهِ يَقْتَضِي الصَّحِيحَ دُونَ الْمَعِيبِ، فَكَذَلِكَ الْوَكَالَةُ فِيهِ، وَيُفَارِقُ الْمُضَارَبَةَ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَقْصُودَ فِيهَا الرِّبْحُ، وَالرِّبْحُ يَحْصُلُ مِنْ الْمَعِيبِ كَحُصُولِهِ مِنْ الصَّحِيحِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْوَكَالَةِ شِرَاءُ مَا يَقْتَنِي أَوْ يَدْفَعُ بِهِ حَاجَتَهُ، وَقَدْ يَكُونُ الْعَيْبُ مَانِعًا مِنْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ بِهِ وَمِنْ قِنْيَتِهِ، فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ.
وَقَدْ نَاقَضَ أَبُو حَنِيفَةَ أَصْلَهُ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: 3] : لَا تَجُوزُ الْعَمْيَاءُ وَلَا مَعِيبَةٌ عَيْبًا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ.
وَقَالَ هَاهُنَا: يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ شِرَاءُ الْأَعْمَى وَالْمُقْعَدِ وَمَقْطُوعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ.

[فَصْل أَمَرَهُ بِشِرَاءِ سِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا فَاشْتَرَاهَا فَوَجَدَهَا مَعِيبَةً]

(3802) فَصْلٌ: وَإِنْ أَمَرَهُ بِشِرَاءِ سِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا، فَاشْتَرَاهَا، فَوَجَدَهَا مَعِيبَةً، احْتَمَلَ أَنَّ لَهُ الرَّدَّ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ مَوْصُوفَةٍ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَمْلِكَ الرَّدَّ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ قَطَعَ نَظَرَهُ بِالتَّعْيِينِ، فَرُبَّمَا رَضِيَهُ عَلَى جَمِيعِ صِفَاتِهِ.
وَإِنْ عَلِمَ عَيْبَهُ قَبْلَ شِرَائِهِ، فَهَلْ لَهُ شِرَاؤُهُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَيْضًا، مَبْنِيَّيْنِ عَلَى رَدِّهِ إذَا عَلِمَ عَيْبَهُ بَعْدَ شِرَائِهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ رَدَّهُ.
فَلَيْسَ لَهُ شِرَاؤُهُ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ إذَا جَازَ بِهِ الرَّدُّ بَعْدَ الْعَقْدِ فَلَأَنْ يَمْنَعَ مِنْ الشِّرَاءِ أَوْلَى.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ الرَّدَّ ثَمَّ.
فَلَهُ الشِّرَاءُ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ الْمُوَكِّلِ قَطَعَ نَظَرَهُ وَاجْتِهَادَهُ فِي جَوَازِ الرَّدِّ، فَكَذَلِكَ فِي الشِّرَاءِ.

[فَصْلٌ اشْتَرَى الْوَكِيلُ لِمُوَكِّلِهِ شَيْئًا بِإِذْنِهِ]

(3803) فَصْلٌ: وَإِذَا اشْتَرَى الْوَكِيلُ لِمُوَكِّلِهِ شَيْئًا بِإِذْنِهِ، انْتَقَلَ الْمِلْكُ مِنْ الْبَائِعِ إلَى الْمُوَكِّلِ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِ الْوَكِيلِ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْوَكِيلِ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلَى الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ، وَلَمْ يَنْتَقِلْ إلَى الْمُوَكِّلِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ قَبِلَ عَقْدًا لَغَيْرِهِ صَحَّ لَهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَنْتَقِلَ الْمِلْكُ إلَيْهِ، كَالْأَبِ وَالْوَصِيِّ، وَكَمَا لَوْ تَزَوَّجَ لَهُ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِهِ.
غَيْرُ مُسَلَّمٍ وَيَتَفَرَّعُ عَنْ هَذَا أَنَّ الْمُسْلِمَ لَوْ وَكَّلَ ذِمِّيًّا فِي شِرَاءِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، فَاشْتَرَاهُ لَهُ، لَمْ يَصِحَّ الشِّرَاءُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ، وَيَقَعُ لِلذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ مَالٌ لَهُمْ، لِأَنَّهُمْ يَتَمَوَّلُونَهَا وَيَتَبَايَعُونَهَا، فَصَحَّ تَوْكِيلُهُمْ فِيهَا كَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ.
وَلَنَا، أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ الْعَقْدُ عَلَيْهِ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ فِيهِ، كَتَزْوِيجِ الْمَجُوسِيَّةِ.
وَبِهَذَا خَالَفَ سَائِرَ أَمْوَالِهِمْ.
وَإِذَا بَاعَ الْوَكِيلُ بِثَمَنٍ مُعَيَّنٍ، ثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْمُوَكِّلِ فِي الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَبِيعِ.
وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ فِي الذِّمَّةِ، فَلِلْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ لِلْمُوَكِّلِ الْمُطَالَبَةُ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ دُونَهُ، وَلِهَذَا يَتَعَلَّقُ مَجْلِسُ الصَّرْفِ وَالْخِيَارِ بِهِ دُونَ مُوَكِّلِهِ، فَكَذَلِكَ الْقَبْضُ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا دَيْنٌ لِلْمُوَكِّلِ يَصِحُّ قَبْضُهُ لَهُ، فَمَلَكَ الْمُطَالَبَةَ بِهِ، كَسَائِرِ دُيُونِهِ الَّتِي وَكَّلَ فِيهَا، وَيُفَارِقُ مَجْلِسَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ شُرُوطِ الْعَقْدِ، فَتَعَلَّقَ بِالْعَاقِدِ، كَالْإِيجَابِ، وَالْقَبُولِ.
وَأَمَّا الثَّمَنُ فَهُوَ حَقٌّ لِلْمُوَكِّلِ وَمَالٌ مِنْ أَمْوَالِهِ، فَكَانَتْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ.
وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِهِ، وَإِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْمُوَكِّلِ، وَهِيَ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ، وَقَبْضُ الْمَبِيعِ، وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ، وَضَمَانُ الدَّرْك.
فَأَمَّا ثَمَنُ مَا اشْتَرَاهُ إذَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ فِي ذِمَّةِ الْمُوَكِّلِ أَصْلًا، وَفِي ذِمَّةِ الْوَكِيلِ تَبَعًا، كَالضَّامِنِ، وَلِلْبَائِعِ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، فَإِنْ أَبْرَأَ الْوَكِيلَ لَمْ يَبْرَأْ الْمُوَكِّلُ، وَإِنْ أَبْرَأَ الْمُوَكِّلَ بَرِئَ الْوَكِيلُ أَيْضًا، كَالضَّامِنِ وَالْمَضْمُونِ عَنْهُ سَوَاءٌ.
وَإِنْ دَفَعَ الثَّمَنَ إلَى الْبَائِعِ، فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا، فَرَدَّهُ عَلَى الْوَكِيلِ، كَانَ أَمَانَةً فِي يَدِهِ.
إنْ تَلِفَ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُوَكِّلِ.
وَلَوْ وَكَّلَ رَجُلًا يَتَسَلَّفُ لَهُ أَلْفًا فِي كُرِّ حِنْطَةٍ، فَفَعَلَ، مَلَكَ الْمُوَكِّلُ ثَمَنَهَا، وَالْوَكِيلُ ضَامِنٌ عَنْ مُوَكِّلِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ.

[فَصْلٌ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ ثَوْبًا لِيَبِيعَهُ فَفَعَلَ فَوَهَبَ لَهُ الْمُشْتَرِي مَنْدِيلًا]

(3804) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا: إذَا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ ثَوْبًا لِيَبِيعَهُ، فَفَعَلَ، فَوَهَبَ لَهُ الْمُشْتَرِي مَنْدِيلًا، فَالْمِنْدِيلُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ.
إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ هِبَةَ الْمِنْدِيلِ سَبَبُهَا الْبَيْعُ، فَكَانَ الْمِنْدِيلُ زِيَادَةً فِي الثَّمَنِ، وَالزِّيَادَةُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ تَلْحَقُ بِهِ.

[فَصْلٌ الشَّهَادَةِ عَلَى الْوَكَالَةِ]

(3805) فَصْلٌ: فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْوَكَالَةِ، إذَا ادَّعَى الْوَكَالَةَ، وَأَقَامَ شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا فِيهَا رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، تَثْبُتُ بِذَلِكَ إذَا كَانَتْ الْوَكَالَةُ بِمَالٍ؛ فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُوَكِّلُ، وَيُشْهِدُ عَلَى نَفْسِهِ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ، إذَا كَانَتْ الْمُطَالَبَةُ بِدَيْنٍ، فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا.
وَالثَّانِيَةُ، لَا تَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ.
نَقَلَهَا الْخِرَقِيِّ بِقَوْلِهِ: وَلَا تُقْبَلُ فِيمَا سِوَى الْأَمْوَالِ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ لِأَقَلَّ مِنْ رَجُلَيْنِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ إثْبَاتٌ لِلتَّصَرُّفِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ كَالرِّوَايَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ فِي الْمَالِ يُقْصَدُ بِهَا الْمَالُ، فَتُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ، كَالْبَيْعِ وَالْقَرْضِ.
فَإِنْ شَهِدَا بِوَكَالَتِهِ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا: قَدْ عَزَلَهُ.
لَمْ تَثْبُتْ وَكَالَتُهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَمْ تَثْبُتْ وَكَالَتُهُ بِذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ بِالْعَزْلِ رَجُلًا غَيْرَهُمَا، لَمْ يَثْبُتْ الْعَزْلُ بِشَهَادَتِهِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ الْعَزْلَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِمَا يَثْبُتُ بِهِ التَّوْكِيلُ.
وَمَتَى عَادَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ بِالتَّوْكِيلِ، فَقَالَ: قَدْ عَزَلَهُ.
لَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِمَا؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ عَنْ الشَّهَادَةِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا.
فَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ الْحُكْمُ بِمَا رَجَعَ عَنْهُ الشَّاهِدُ.
وَإِنْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمَا، ثُمَّ عَادَ أَحَدُهُمَا، فَقَالَ: قَدْ عَزَلَهُ بَعْدَ مَا وَكَّلَهُ.
لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ نَفَذَ بِالشَّهَادَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ الْعَزْلُ.
فَإِنْ قَالَا جَمِيعًا: قَدْ كَانَ عَزَلَهُ؛ ثَبَتَ الْعَزْلُ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ تَمَّتْ فِي الْعَزْلِ، كَتَمَامِهَا فِي التَّوْكِيلِ.

[فَصْلٌ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ وَكَّلَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ وَكَّلَهُ يَوْمَ السَّبْتِ]

(3806) فَصْلٌ: فَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ وَكَّلَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ وَكَّلَهُ يَوْمَ السَّبْتِ، لَمْ تَتِمَّ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غَيْرُ التَّوْكِيلِ يَوْمَ السَّبْتِ، فَلَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمَا عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ.
وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِتَوْكِيلِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ يَوْمَ السَّبْتِ، تَمَّتْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَيْنِ إخْبَارٌ عَنْ عَقْدٍ وَاحِدٍ، وَيَشُقُّ جَمْعَ الشُّهُودِ لِيُقِرَّ عِنْدَهُمْ حَالَةً وَاحِدَةً، فَجُوِّزَ لَهُ الْإِقْرَارُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ وَحْدَهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدَهُ بِالْوَكَالَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِهَا بِالْعَجَمِيَّةِ، ثَبَتَتْ.
وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ وَكَّلَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ وَكَّلَهُ بِالْعَجَمِيَّةِ، لَمْ تَكْمُلْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْعَرَبِيَّةِ غَيْرُ التَّوْكِيلِ بِالْعَجَمِيَّةِ، فَلَمْ تَكْمُلْ الشَّهَادَةُ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ.
وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَالَ: وَكَّلْتُك.
وَشَهِدَ الْآخَرُ، أَنَّهُ قَالَ: أَذِنْت لَك فِي التَّصَرُّفِ.
أَوْ أَنَّهُ قَالَ: جَعَلْتُك وَكِيلًا.
أَوْ شَهِدَ أَنَّهُ قَالَ: جَعَلْتُك جَرْيًا.
لَمْ تَتِمَّ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ

مُخْتَلِفٌ.
وَالْجَرْيُ: الْوَكِيلُ.
وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: أَشْهَدُ أَنَّهُ وَكَّلَهُ.
وَقَالَ الْآخَرُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ تَمَّتْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَحْكِيَا لَفْظَ الْمُوَكِّلِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَا عَنْهُ بِلَفْظِهِمَا، وَاخْتِلَافُ لَفْظِهِمَا لَا يُؤَثِّرُ إذَا اتَّفَقَ مَعْنَاهُ.
وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: أَشْهَدُ أَنَّهُ أَقَرَّ عِنْدِي أَنَّهُ وَكَّلَهُ.
وَقَالَ الْآخَرُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ جَرْيُهُ.
أَوْ أَنَّهُ أَوْصَى إلَيْهِ بِالتَّصَرُّفِ فِي حَيَاتِهِ.
ثَبَتَتْ الْوَكَالَةُ بِذَلِكَ.
وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدِهِ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ وَكَّلَهُ وَزَيْدًا، أَوْ شَهِدَ أَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِهِ، وَقَالَ: لَا تَبِعْهُ حَتَّى تَسْتَأْمِرَنِي، أَوْ تَسْتَأْمِرَ فُلَانًا.
لَمْ تَتِمَّ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَثْبَتَ اسْتِقْلَالَهُ بِالْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ.
وَالثَّانِيَ يَنْفِي ذَلِكَ، فَكَانَا مُخْتَلِفَيْنِ.
وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدِهِ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدِهِ وَجَارِيَتِهِ، حَكَمَ بِالْوَكَالَةِ فِي الْعَبْدِ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ، وَزِيَادَةُ الثَّانِي لَا تَقْدَحُ فِي تَصَرُّفِهِ فِي الْأَوَّلِ، فَلَا تَضُرُّهُ.
وَهَكَذَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِهِ لِزَيْدٍ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِهِ لِزَيْدِ وَإِنْ شَاءَ لِعَمْرٍو.

[فَصْلٌ الْوَكَالَةُ وَالْعَزْلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ]

(3807) فَصْلٌ: وَلَا تَثْبُتُ الْوَكَالَةُ وَالْعَزْلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَثْبُتُ الْوَكَالَةُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثِقَةً.
وَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ لِلْمُخْبَرِ بِذَلِكَ، إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُ الْمُخْبِرِ، بِشَرْطِ الضَّمَانِ إنْ أَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ.
وَيَثْبُتُ الْعَزْلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إذَا كَانَ رَسُولًا؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ فِي هَذَا يَشُقُّ، فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ، وَلِأَنَّهُ أَذِنَ فِي التَّصَرُّفِ وَمَنَعَ مِنْهُ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي هَذَا شُرُوطُ الشَّهَادَةِ، كَاسْتِخْدَامِ غُلَامِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ عَقْدٌ مَالِيٌّ، فَلَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، كَالْبَيْعِ، وَفَارَقَ الِاسْتِخْدَامَ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعَقْدٍ.
وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ فُلَانًا الْغَائِبَ وَكَّلَ فُلَانًا الْحَاضِرَ، فَقَالَ الْوَكِيلُ: مَا عَلِمْت هَذَا، وَأَنَا أَتَصَرَّفُ عَنْهُ.
ثَبَتَتْ الْوَكَالَةُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنِّي لَمْ أَعْلَمْ إلَى الْآنَ، وَقَبُولُ الْوَكَالَةِ يَجُوزُ مُتَرَاخِيًا، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ التَّوْكِيلِ حُضُورُ الْوَكِيلِ وَلَا عِلْمُهُ، فَلَا يَضُرُّ جَهْلُهُ بِهِ.
وَإِنْ قَالَ: مَا أَعْلَمُ صِدْقَ الشَّاهِدَيْنِ.
لَمْ تَثْبُتْ وَكَالَتُهُ؛ لِقَدْحِهِ فِي شَهَادَتِهِمَا.
وَإِنْ قَالَ: مَا عَلِمْت.
وَسَكَتَ، قِيلَ لَهُ: فَسِّرْ.
فَإِنْ فَسَّرَ بِالْأَوَّلِ ثَبَتَتْ وَكَالَتُهُ، وَإِنْ فَسَّرَهُ بِالثَّانِي لَمْ تَثْبُتْ.

[فَصْلٌ سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ بِالْوَكَالَةِ عَلَى الْغَائِبِ]

(3808) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ بِالْوَكَالَةِ عَلَى الْغَائِبِ، وَهُوَ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ فُلَانًا الْغَائِبَ وَكَّلَنِي فِي كَذَا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ.
بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الْغَائِبِ لَا يَصِحُّ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ فِي سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ، فَلَا يُعْتَبَرُ حُضُورُهُ كَغَيْرِهِ.
وَإِذَا قَالَ لَهُ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ: احْلِفْ أَنَّك تَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتِي.
لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ طَعْنٌ فِي الشَّهَادَةِ.
وَإِنْ قَالَ: قَدْ عَزَلَك الْمُوَكِّلُ، فَاحْلِفْ أَنَّهُ مَا عَزَلَك.
لَمْ يُسْتَحْلَفْ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَالْيَمِينُ لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتَ

تَعْلَمُ أَنَّ مُوَكِّلَك قَدْ عَزَلَك.
سُمِعَتْ دَعْوَاهُ.
وَإِنْ طَلَبَ الْيَمِينَ مِنْ الْوَكِيلِ، حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ مُوَكِّلَهُ عَزَلَهُ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى عَلَيْهِ.
وَإِنْ أَقَامَ الْخَصْمُ بَيِّنَةً بِالْعَزْلِ، سُمِعَتْ، وَانْعَزَلَ الْوَكِيلُ.

[فَصْلٌ شَهَادَةُ الْوَكِيلِ عَلَى مُوَكِّلِهِ]

(3809) فَصْلٌ: وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَكِيلِ عَلَى مُوَكِّلِهِ؛ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُرُّ بِهَا نَفْعًا، وَلَا يَدْفَعُ بِهَا ضَرَرًا.
وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ فِيمَا لَمْ يُوَكِّلْهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا.
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ فِيمَا هُوَ وَكِيلٌ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ لِنَفْسِهِ حَقًّا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا وَكَّلَهُ فِي قَبْضِ حَقٍّ، فَشَهِدَ بِهِ لَهُ، ثَبَتَ اسْتِحْقَاقُ قَبْضِهِ، وَلِأَنَّهُ خَصْمٌ فِيهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَمْلِكُ الْمُخَاصَمَةَ فِيهِ.
فَإِنْ شَهِدَ بِمَا كَانَ وَكِيلًا فِيهِ بَعْدَ عَزْلِهِ، لَمْ تُقْبَلْ أَيْضًا، سَوَاءٌ كَانَ خَاصَمَ فِيهِ بِالْوَكَالَةِ أَوْ لَمْ يُخَاصِمْ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ كَانَ لَمْ يُخَاصِمْ فِيهِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ وَلَمْ يُخَاصِمْ فِيهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا فِيهِ.
وَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ بِعَقْدِ الْوَكَالَةِ صَارَ خَصْمًا فِيهِ، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فِيهِ، كَمَا لَوْ خَاصَمَ فِيهِ، وَفَارَقَ مَا لَمْ يَكُنْ وَكِيلًا فِيهِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ خَصْمًا فِيهِ.

[فَصْلٌ كَانَتْ الْأَمَةُ بَيْن نَفْسَيْنِ فَشَهِدَا أَنَّ زَوْجَهَا وَكَّلَ فِي طَلَاقِهَا]

(3810) فَصْلٌ: إذَا كَانَتْ الْأَمَةُ بَيْنَ نَفْسَيْنِ، فَشَهِدَا أَنَّ زَوْجَهَا وَكَّلَ فِي طَلَاقِهَا، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا نَفْعًا، وَهُوَ زَوَالُ حَقِّ الزَّوْجِ مِنْ الْبُضْعِ الَّذِي هُوَ مِلْكُهُمَا.
وَإِنْ شَهِدَا بِعَزْلِ الْوَكِيلِ فِي الطَّلَاقِ، لَمْ تُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُمَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا نَفْعًا، وَهُوَ إبْقَاءُ النَّفَقَةِ عَلَى الزَّوْجِ.
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ ابْنَيْ الرَّجُلِ لَهُ بِالْوَكَالَةِ، وَلَا أَبَوَيْهِ؛ لِأَنَّهُمَا يُثْبِتَانِ لَهُ حَقَّ التَّصَرُّفِ، وَلَا يَثْبُتُ لِلْإِنْسَانِ حَقٌّ بِشَهَادَةِ ابْنِهِ وَلَا أَبِيهِ.
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ ابْنَيْ الْمُوَكِّلِ، وَلَا أَبَوَيْهِ بِالْوَكَالَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ عَلَى الْمُوَكِّلِ يَسْتَحِقُّ بِهِ الْوَكِيلُ الْمُطَالَبَةَ، فَقُبِلَتْ فِيهِ شَهَادَةُ قَرَابَةِ الْمُوَكِّلِ، كَالْإِقْرَارِ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ يَثْبُتُ بِهَا حَقٌّ لِأَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ، فَلَمْ تُقْبَلْ، كَشَهَادَةِ ابْنَيْ الْوَكِيلِ وَأَبَوَيْهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا يُثْبِتَانِ لِأَبِيهِمَا نَائِبًا مُتَصَرِّفًا لَهُ، وَفَارَقَ الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ بِالْإِقْرَارِ، فَإِنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَيْهِ مُتَمَحِّضَةٌ.
وَلَوْ ادَّعَى الْوَكِيلُ الْوَكَالَةَ، فَأَنْكَرَهَا الْمُوَكِّلُ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ ابْنَاهُ أَوْ أَبَوَاهُ، ثَبَتَتْ الْوَكَالَةُ وَأُمْضِيَ تَصَرُّفُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شَهَادَةٌ عَلَيْهِ.
وَإِنْ ادَّعَى الْمُوَكِّلُ أَنَّهُ تَصَرَّفَ بِوَكَالَتِهِ، وَأَنْكَرَ الْوَكِيلُ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ أَبَوَاهُ أَوْ ابْنَاهُ، قُبِلَ أَيْضًا؛ لِذَلِكَ.
وَإِنْ ادَّعَى وَكِيلٌ لِمُوَكِّلِهِ الْغَائِبِ حَقًّا، وَطَالَبَ بِهِ، فَادَّعَى الْخَصْمُ أَنَّ الْمُوَكِّلَ عَزَلَهُ، وَشَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ ابْنَا الْمُوَكِّلِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَثَبَتَ الْعَزْلُ بِهَا؛ لِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ عَلَى أَبِيهِمَا.
وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ الْخَصْمُ عَزْلَهُ، لَمْ تُسْمَعْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ لِمَنْ لَا يَدَّعِيهَا.
فَإِنْ قَبَضَ الْوَكِيلُ، فَحَضَرَ الْمُوَكِّلُ، وَادَّعَى

أَنَّهُ كَانَ قَدْ عَزَلَ الْوَكِيلَ، وَأَنَّ حَقَّهُ بَاقٍ فِي ذِمَّةِ الْغَرِيمِ، وَشَهِدَ لَهُ ابْنَاهُ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا يُثْبِتَانِ حَقًّا لِأَبِيهِمَا.
وَلَوْ ادَّعَى مُكَاتَبٌ الْوَكَالَةَ، فَشَهِدَ لَهُ سَيِّدُهُ، أَوْ ابْنَا سَيِّدِهِ، أَوْ أَبَوَاهُ، لَمْ تُقْبَلْ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ يَشْهَدُ لِعَبْدِهِ، وَابْنَاهُ يَشْهَدَانِ لِعَبْدِ أَبِيهِمَا، وَالْأَبَوَانِ يَشْهَدَانِ لِعَبْدِ ابْنِهِمَا.
فَإِنْ عَتَقَ، فَأَعَادَ الشَّهَادَةَ، فَهَلْ تُقْبَلُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ.

[فَصْلٌ حَضَرَا عِنْد الْحَاكِمِ فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْآخَرَ وَكَّلَهُ ثُمَّ غَابَ الْمُوَكِّلُ وَحَضَرَ الْوَكِيلُ]

(3811) فَصْلٌ: إذَا حَضَرَ رَجُلَانِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْآخَرَ وَكَّلَهُ، ثُمَّ غَابَ الْمُوَكِّلُ، وَحَضَرَ الْوَكِيلُ، فَقَدَّمَ خَصْمًا لِمُوَكِّلِهِ، وَقَالَ: أَنَا وَكِيلُ فُلَانٍ.
فَأَنْكَرَ الْخَصْمُ كَوْنَهُ وَكِيلَهُ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِعِلْمِهِ.
لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ بِوَكَالَتِهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ.
وَكَانَ الْحَاكِمُ يَعْرِفُ الْمُوَكِّلَ بِعَيْنِهِ وَاسْمِهِ وَنَسَبِهِ، صَدَّقَهُ، وَمَكَّنَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَتَهُ كَالْبَيِّنَةِ.
وَإِنْ عَرَفَهُ بِعَيْنِهِ دُونَ اسْمِهِ وَنَسَبِهِ، لَمْ يَقْبَلْ قَوْلَهُ، حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عِنْدَهُ بِالْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّهُ يُرِيدُ تَثْبِيتَ نَسَبِهِ عِنْدَهُ بِقَوْلِهِ، فَلَمْ يَقْبَلْ.

[فَصْلٌ حَضَرَ عِنْدَ الْحَاكِمِ رَجُلٌ فَادَّعَى أَنَّهُ وَكِيلُ فُلَانٍ الْغَائِبِ]

(3812) فَصْلٌ: وَلَوْ حَضَرَ عِنْدَ الْحَاكِمِ رَجُلٌ، فَادَّعَى أَنَّهُ وَكِيلُ فُلَانٍ الْغَائِبِ، فِي شَيْءٍ عَيَّنَهُ، وَأَحْضَرَ بَيِّنَةً تَشْهَدُ لَهُ بِالْوَكَالَةِ، سَمِعَهَا الْحَاكِمُ.
وَلَوْ ادَّعَى حَقًّا لِمُوَكِّلِهِ قَبْلَ ثُبُوتِ وَكَالَتِهِ، لَمْ يَسْمَعْ الْحَاكِمُ دَعْوَاهُ.
وَبِهِ قَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَسْمَعُهَا إلَّا أَنْ يُقَدِّمَ خَصْمًا مِنْ خُصَمَاءِ الْمُوَكِّلِ، فَيَدَّعِيَ عَلَيْهِ حَقًّا، فَإِذَا أَجَابَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حِينَئِذٍ يَسْمَعُ الْحَاكِمُ الْبَيِّنَةَ، فَحَصَلَ الْخِلَافُ بَيْنَنَا فِي حُكْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّ الْحَاكِمَ عِنْدَنَا يَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَكَالَةِ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ خَصْمٍ، وَعِنْدَهُ لَا يَسْمَعُ.
وَالثَّانِي، أَنَّهُ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ لِمُوَكِّلِهِ قَبْلَ ثُبُوتِ وَكَالَتِهِ، وَعِنْدَهُ تُسْمَعُ.
وَبَنَى أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ لَا يَجُوزُ، وَسَمَاعُ الْبَيِّنَةِ بِالْوَكَالَةِ مِنْ غَيْرِ خَصْمٍ قَضَاءٌ عَلَى الْغَائِبِ، وَأَنَّ الْوَكَالَةَ لَا تُلْزِمُ الْخَصْمَ، مَا لَمْ يَجِبْ الْوَكِيلُ عَنْ دَعْوَى الْخَصْمِ أَنَّك لَسْت بِوَكِيلِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ إثْبَاتٌ لِلْوَكَالَةِ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى حُضُورِ الْمُوَكَّلِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمُوَكَّلُ عَلَيْهِ جَمَاعَةً فَأُحْضِرَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، فَإِنَّ الْبَاقِينَ لَا يُفْتَقَرُ إلَى حُضُورِهِمْ، كَذَلِكَ هَاهُنَا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الدَّعْوَى لَا تُسْمَعُ قَبْلَ ثُبُوتِ الْوَكَالَةِ أَنَّهَا لَا تُسْمَعُ إلَّا مِنْ خَصْمٍ يُخَاصِمُ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ مُوَكِّلِهِ، وَهَذَا لَا يُخَاصِمُ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ وَكِيلٌ لِمَنْ يَدَّعِي لَهُ، فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، كَمَا لَوْ ادَّعَى لِمَنْ لَمْ يَدَّعِ وَكَالَتَهُ، وَفِي هَذَا الْأَصْلِ جَوَابٌ عَمَّا ذَكَرَهُ.

[فَصْلٌ حَضَرَ رَجُلٌ وَادَّعَى عَلَى غَائِبٍ مَالًا فِي وَجْهِ وَكِيلِهِ فَأَنْكَرَهُ فَأَقَامَ بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ]

(3813) فَصْلٌ: وَلَوْ حَضَرَ رَجُلٌ، وَادَّعَى عَلَى غَائِبٍ مَالًا فِي وَجْهِ وَكِيلِهِ، فَأَنْكَرَهُ فَأَقَامَ بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ، حَلَّفَهُ الْحَاكِمُ، وَحَكَمَ لَهُ بِالْمَالِ.
فَإِذَا حَضَرَ الْمُوَكِّلُ، وَجَحَدَ الْوَكَالَةَ، أَوْ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ قَدْ عَزَلَهُ، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى حُضُورِ وَكِيلِهِ.

[فَصْلٌ قَالَ بِعْ هَذَا الثَّوْبَ بِعَشْرَةِ فَمَا زَادَ عَلَيْهَا فَهُوَ لَك]

(3814) فَصْلٌ: إذَا قَالَ: بِعْ هَذَا الثَّوْبَ بِعَشْرَةٍ، فَمَا زَادَ عَلَيْهَا فَهُوَ لَك.
صَحَّ، وَاسْتَحَقَّ الزِّيَادَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَصِحُّ.
وَلَنَا، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ لَا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا، وَلِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي مَالِهِ بِإِذْنِهِ، فَصَحَّ شَرْطُ الرِّبْحِ لَهُ فِي الثَّانِي، كَالْمُضَارِبِ وَالْعَامِلِ فِي الْمُسَاقَاةِ.

[كِتَابُ الْإِقْرَارِ بِالْحُقُوقِ]

ِ الْإِقْرَارُ: هُوَ الِاعْتِرَافُ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: 81] إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران: 81] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: 102] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: 172] . فِي آيٍ كَثِيرَةٍ مِثْلِ هَذَا.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رُوِيَ أَنَّ مَاعِزًا أَقَرَّ بِالزِّنَى، فَرَجَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَلِكَ الْغَامِدِيَّةُ، وَقَالَ: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» . وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ، فَإِنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى صِحَّةِ الْإِقْرَارَ.
وَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ عَلَى وَجْهٍ يَنْفِي عَنْهُ التُّهْمَةَ وَالرِّيبَةَ، فَإِنَّ الْعَاقِلَ لَا يَكْذِبُ عَلَى نَفْسِهِ كَذِبًا يُضِرُّ بِهَا، وَلِهَذَا كَانَ آكَدَ مِنْ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا اعْتَرَفَ لَا تُسْمَعُ عَلَيْهِ الشَّهَادَةُ، وَإِنَّمَا تُسْمَعُ إذَا أَنْكَرَ، وَلَوْ كَذَّبَ الْمُدَّعِي بِبَيِّنَةٍ لَمْ تُسْمَعْ، وَإِنْ كَذَّبَ الْمُقِرَّ ثُمَّ صَدَّقَهُ سُمِعَ.
(3815) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ إلَّا مِنْ عَاقِلٍ مُخْتَارٍ.
فَأَمَّا الطِّفْلُ، وَالْمَجْنُونُ، وَالْمُبَرْسَمُ، وَالنَّائِمُ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُمْ.
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» . فَنَصَّ عَلَى الثَّلَاثَةِ، وَالْمُبَرْسَمُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ فِي مَعْنَى الْمَجْنُونِ وَالنَّائِمِ.
وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ مِنْ غَائِبِ الْعَقْلِ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمٌ، كَالْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ.
وَأَمَّا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ، فَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ، وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ، صَحَّ إقْرَارُهُ فِي قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، فِي الْيَتِيمِ: إذَا أُذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَهُوَ يَعْقِلُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، فَبَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ جَائِزٌ.
وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ اقْتَضَى شَيْئًا مِنْ مَالِهِ، جَازَ بِقَدْرِ مَا أَذِنَ لَهُ وَلِيُّهُ فِيهِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ أَبِي مُوسَى: إنَّمَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ فِيمَا أُذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فِيهِ، فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِحَالٍ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ بَالِغٍ، فَأَشْبَهَ الطِّفْلَ، وَلِأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَا رِوَايَتُهُ، فَأَشْبَهَ الطِّفْلَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ عَاقِلٌ مُخْتَارٌ، يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ، فَصَحَّ إقْرَارُهُ، كَالْبَالِغِ، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ فِيمَا مَضَى، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى رَفْعِ التَّكْلِيفِ وَالْإِثْمِ.
فَإِنْ أَقَرَّ مُرَاهِقٌ غَيْرُ مَأْذُونٍ لَهُ، ثُمَّ اخْتَلَفَ هُوَ وَالْمُقَرُّ لَهُ فِي بُلُوغِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِبُلُوغِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الصِّغَرُ.
وَلَا يَحْلِفُ الْمُقِرُّ؛ لِأَنَّنَا حَكَمْنَا

بِعَدَمِ بُلُوغِهِ، إلَّا أَنْ يَخْتَلِفَا بَعْدَ ثُبُوتِ بُلُوغِهِ، فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ أَنَّهُ حِينَ أَقَرَّ لَمْ يَكُنْ بَالِغًا.
وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسَبَبِ مُبَاحٍ أَوْ مَعْذُورٍ فِيهِ، فَهُوَ كَالْمَجْنُونِ، لَا يُسْمَعُ إقْرَارُهُ.
بِلَا خِلَافٍ.
وَإِنْ كَانَ بِمَعْصِيَةٍ، كَالسَّكْرَانِ، وَمَنْ شَرِبَ مَا يُزِيلُ عَقْلَهُ عَامِدًا لِغَيْرِ حَاجَةٍ، لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَصِحَّ بِنَاءً عَلَى وُقُوعِ طَلَاقِهِ.
وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ أَفْعَالَهُ تَجْرِي مَجْرَى الصَّاحِي.
وَلَنَا أَنَّهُ غَيْرُ عَاقِلٍ، فَلَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ، كَالْمَجْنُونِ الَّذِي سَبَّبَ جُنُونَهُ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ، وَلِأَنَّ السَّكْرَانَ لَا يُوثَقُ بِصِحَّةِ مَا يَقُولُ، وَلَا تَنْتَفِي عَنْهُ التُّهْمَةُ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ، فَلَمْ يُوجَدْ مَعْنَى الْإِقْرَارِ الْمُوجِبِ لِقَبُولِ قَوْلِهِ.
وَأَمَّا الْمُكْرَهُ فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِمَا أُكْرِهَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ.» وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَمْ يَصِحَّ كَالْبَيْعِ.
وَإِنْ أَقَرَّ بِغَيْرِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، مِثْلُ أَنْ يُكْرَهَ عَلَى الْإِقْرَارِ لِرَجُلٍ، فَأَقَرَّ لِغَيْرِهِ، أَوْ بِنَوْعٍ مِنْ الْمَالِ، فَيُقِرَّ بِغَيْرِهِ، أَوْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ، فَأَقَرَّ بِطَلَاقِ أُخْرَى، أَوْ أَقَرَّ بِعِتْقِ عَبْدٍ، صَحَّ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا لَمْ يُكْرَهْ عَلَيْهِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ ابْتِدَاءً.
وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَدَاءِ مَالٍ، فَبَاعَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ لِيُؤَدِّيَ ذَلِكَ، صَحَّ بَيْعُهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْرَهْ عَلَى الْبَيْعِ.
وَمَنْ أَقَرَّ بِحَقٍّ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُكْرَهًا، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، سَوَاءٌ أَقَرَّ عِنْدَ السُّلْطَانِ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِكْرَاهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ دَلَالَةً عَلَى الْإِكْرَاهِ، كَالْقَيْدِ وَالْحَبْسِ وَالتَّوْكِيلِ بِهِ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَ تَدُلُّ عَلَى الْإِكْرَاهِ.
وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ زَائِلَ الْعَقْلِ حَالَ إقْرَارِهِ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ حَتَّى يُعْلَمَ غَيْرُهَا.
وَلَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ بِإِقْرَارِهِ، لَمْ تَفْتَقِرْ صِحَّةُ الشَّهَادَةِ إلَى أَنْ يَقُولُوا طَوْعًا فِي صِحَّةِ عَقْلِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ سَلَامَةُ الْحَالِ وَصِحَّةُ الشَّهَادَةِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ إقْرَارِ السَّفِيهِ وَالْمُفْلِسِ وَالْمَرِيضِ فِي أَبْوَابِهِ.
وَأَمَّا الْعَبْدُ فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ بِالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ دُونَ مَوْلَاهُ.
وَلَا يَصِحُّ إقْرَارُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَمْلِكُ مِنْ الْعَبْدِ إلَّا الْمَالَ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ إقْرَارُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، وَيَجِبُ الْمَالُ دُونَ الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، وَهِيَ مَالُ السَّيِّدِ، فَصَحَّ إقْرَارُهُ بِهِ، كَجِنَايَةِ الْخَطَأِ.
وَأَمَّا إقْرَارُهُ بِمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ، فَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ، وَيُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ.
وَبِهِ قَالَ زُفَرُ وَالْمُزَنِيُّ وَدَاوُد وَابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ لِأَنَّهُ يُسْقِطُ حَقَّ سَيِّدِهِ بِإِقْرَارِهِ، فَأَشْبَهَ الْإِقْرَارَ بِقَتْلِ الْخَطَأِ، وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي أَنَّهُ يُقِرُّ لِرَجُلٍ لِيَعْفُوَ عَنْهُ، وَيَسْتَحِقَّ أَخْذَهُ، فَيَتَخَلَّصُ بِذَلِكَ مِنْ سَيِّدِهِ.
وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ يَصِحُّ إقْرَارُهُ بِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ الْقِصَاصِ، فَصَحَّ إقْرَارُهُ بِهِ، كَمَا دُونَ النَّفْسِ.
وَبِهَذَا الْأَصْلِ يَنْتَقِضُ دَلِيلُ

الْأَوَّلِ.
وَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنْ لَا يَصِحُّ عَفْوُ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ عَلَى مَالٍ إلَّا بِاخْتِيَارِ سَيِّدِهِ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى إيجَابِ الْمَالِ عَلَى سَيِّدِهِ بِإِقْرَارِ غَيْرِهِ، فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُ الْعَبْدِ بِجِنَايَةِ الْخَطَأِ، وَلَا شِبْهِ الْعَمْدِ، وَلَا بِجِنَايَةِ عَمْدٍ مُوجِبُهَا الْمَالُ، كَالْجَائِفَةِ وَالْمَأْمُومَةِ، لِأَنَّهُ إيجَابُ حَقٍّ فِي رَقَبَتِهِ، وَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ الْمَوْلَى.
وَيُقْبَلُ إقْرَارُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إيجَابُ حَقٍّ فِي مَالِهِ.
وَإِنْ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ مُوجِبُهَا الْمَالُ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ، وَيُقْبَلُ إقْرَارُ الْمَوْلَى عَلَيْهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ كَانَ مُوجِبُهَا الْقَطْعَ وَالْمَالَ، فَأَقَرَّ بِهَا الْعَبْدُ، وَجَبَ قَطْعُهُ، وَلَمْ يَجِبْ الْمَالُ، سَوَاءٌ كَانَ مَا أَقَرَّ بِسَرِقَتِهِ بَاقِيًا، أَوْ تَالِفًا فِي يَدِ السَّيِّدِ أَوْ يَدِ الْعَبْدِ.
قَالَ أَحْمَدُ فِي عَبْدٍ أَقَرَّ بِسَرِقَةِ دَرَاهِمَ فِي يَدِهِ أَنَّهُ سَرَقَهَا مِنْ رَجُلٍ، وَالرَّجُلُ يَدَّعِي ذَلِكَ، وَسَيِّدُهُ يُكَذِّبُهُ: فَالدَّرَاهِمُ لِسَيِّدِهِ، وَيُقْطَعُ الْعَبْدُ، وَيُتْبَعُ بِذَلِكَ بَعْدَ الْعِتْقِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ فِي وُجُوبِ الْمَالِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَجْهَانِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجِبَ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شُبْهَةٌ، فَيُدْرَأُ بِهَا الْقَطْعُ، لِكَوْنِهِ حَدًّا يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَيْنَ الَّتِي يُقِرُّ بِسَرِقَتِهَا لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ السَّرِقَةِ فِيهَا، فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْقَطْعِ بِهَا.
وَإِنْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِسَرِقَةِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ بِالرِّقِّ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالرِّقِّ إقْرَارٌ بِالْمِلْكِ، وَالْعَبْدُ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِحَالٍ، وَلِأَنَّنَا لَوْ قَبِلْنَا إقْرَارَهُ، أَضْرَرْنَا بِسَيِّدِهِ، لِأَنَّهُ إذَا شَاءَ أَقَرَّ لِغَيْرِ سَيِّدِهِ، فَأَبْطَلَ مِلْكَهُ.
وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ السَّيِّدُ لِرَجُلِ، وَأَقَرَّ هُوَ لِآخَرَ، فَهُوَ لِلَّذِي أَقَرَّ لَهُ السَّيِّدُ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِ السَّيِّدِ، لَا فِي يَدِ نَفْسِهِ، وَلِأَنَّ السَّيِّدَ لَوْ أَقَرَّ بِهِ مُنْفَرِدًا قُبِلَ.
وَلَوْ أَقَرَّ الْعَبْدُ مُنْفَرِدًا لَمْ يُقْبَلْ، فَإِذَا لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُ الْعَبْدِ مُنْفَرِدًا فَكَيْفَ يُقْبَلُ مَعَ مُعَارَضَتِهِ لِإِقْرَارِ السَّيِّدِ؟ . وَلَوْ قُبِلَ إقْرَارُ الْعَبْدِ، لَمَا قُبِلَ إقْرَارُ السَّيِّدِ، كَالْحَدِّ وَجِنَايَةِ الْعَمْدِ.
وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْحُرِّ فِي صِحَّةِ إقْرَارِهِ.
وَلَوْ أَقَرَّ بِجِنَايَةٍ خَطَأً صَحَّ إقْرَارُهُ، فَإِنْ عَجَزَ بِيعَ فِيهَا إنْ لَمْ يَفْدِهِ سَيِّدُهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُسْتَسْعَى فِي الْكِتَابَةِ، وَإِنْ عَجَزَ بَطَلَ إقْرَارُهُ بِهَا، سَوَاءٌ قُضِيَ بِهَا أَوْ لَمْ يُقْضَ.
وَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَقَوْلِنَا.
وَعَنْهُ أَنَّهُ مُرَاعًى إنْ أَدَّى لَزِمَهُ، وَإِنْ عَجَزَ بَطَلَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ إقْرَارٌ لَزِمَهُ فِي كِتَابَتِهِ، فَلَا يَبْطُلُ بِعَجْزِهِ، كَالْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ.
وَعَلَى الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُكَاتَبَ فِي يَدِ نَفْسِهِ فَصَحَّ إقْرَارُهُ بِالْجِنَايَةِ، كَالْحُرِّ.

[فَصْل الْإِقْرَارُ لِكُلِّ مَنْ يَثْبُتُ لَهُ الْحَقُّ]

(3816) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ الْإِقْرَارُ لِكُلِّ مَنْ يَثْبُتُ لَهُ الْحَقُّ.
فَإِذَا أَقَرَّ لِعَبْدٍ بِنِكَاحٍ أَوْ قِصَاصٍ أَوْ تَعْزِيرِ الْقَذْفِ، صَحَّ الْإِقْرَارُ لَهُ، صَدَّقَهُ الْمَوْلَى أَوْ كَذَّبَهُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ دُونَ سَيِّدِهِ.
وَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِذَلِكَ، وَالْعَفْوُ عَنْهُ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مُطَالَبَةٌ بِهِ وَلَا عَفْوٌ.
وَإِنْ كَذَّبَهُ الْعَبْدُ، لَمْ يَقْبَلْ.
وَإِنْ أُقِرَّ لَهُ بِمَالٍ، صَحَّ، وَيَكُونُ لِسَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْعَبْدِ كَيَدِ سَيِّدِهِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ الْمَالَ.
صَحَّ الْإِقْرَارُ لَهُ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ.

كَانَ الْإِقْرَارُ لِمَوْلَاهُ، يَلْزَمُ بِتَصْدِيقِهِ وَيَبْطُلُ بِرَدِّهِ.
وَإِنْ أَقَرَّ لِبَهِيمَةٍ أَوْ دَارٍ، لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ لَهَا، وَكَانَ بَاطِلًا؛ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ الْمَالَ مُطْلَقًا، وَلَا يَدَ لَهَا.
وَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ بِسَبَبِ هَذِهِ الْبَهِيمَةِ.
لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا لَأَحَدٍ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ لِمَنْ هِيَ، وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ ذِكْرُ الْمُقَرِّ لَهُ.
وَإِنْ قَالَ: لِمَالِكِهَا أَوْ لِزَيْدٍ عَلَيَّ بِسَبَبِهَا أَلْفٌ.
صَحَّ الْإِقْرَارُ.
وَإِنْ قَالَ: بِسَبَبِ حَمْلِ هَذِهِ الْبَهِيمَةِ.
لَمْ يَصِحَّ، إذْ لَا يُمْكِنُ إيجَابُ شَيْءٍ بِسَبَبِ الْحَمْلِ.

[فَصْلٌ أَقَرَّ لِحَمْلِ امْرَأَةٍ بِمَالِ وَعَزَاهُ إلَى إرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ]

(3817) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقَرَّ لِحَمْلِ امْرَأَةٍ بِمَالٍ، وَعَزَاهُ إلَى إرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، صَحَّ، وَكَانَ لِلْحَمْلِ.
وَإِنْ أَطْلَقَ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ يَصِحُّ.
وَهُوَ أَصَحُّ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ بِوَجْهٍ صَحِيحٍ، فَصَحَّ لَهُ الْإِقْرَارُ الْمُطْلَقُ، كَالطِّفْلِ.
فَعَلَى هَذَا، إنْ وَلَدَتْ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، كَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَإِنْ عَزَاهُ إلَى إرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، كَانَ بَيْنَهُمَا عَلَى حَسَبِ اسْتِحْقَاقِهِمَا لِذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ: لَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ إلَّا أَنْ يَعْزِيَهُ إلَى إرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِغَيْرِهِمَا.
فَإِنْ وَلَدَتْ الْوَلَدَ مَيِّتًا، وَكَانَ قَدْ عَزَا الْإِقْرَارَ إلَى إرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، عَادَتْ إلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي وَمَوْرُوثِ الطِّفْلِ، وَإِنْ أَطْلَقَ الْإِقْرَارَ، كُلِّفَ ذِكْرَ السَّبَبِ، فَيُعْمَلُ بِقَوْلِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ التَّفْسِيرُ بِمَوْتِهِ أَوْ غَيْرِهِ، بَطَلَ إقْرَارُهُ، كَمَنْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ لَا يَعْرِفُ مَنْ أَرَادَ بِإِقْرَارِهِ.
وَإِنْ عَزَا الْإِقْرَارَ إلَى جِهَةٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ، فَقَالَ: لِهَذَا الْحَمْلُ عَلَيَّ أَلْفٌ أَقْرَضَنِيهَا، أَوْ وَدِيعَةٌ أَخَذْتهَا مِنْهُ.
فَعَلَى قَوْلِ التَّمِيمِيِّ، الْإِقْرَارُ بَاطِلٌ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إقْرَارَهُ بِمَا يُسْقِطُهُ، فَيَسْقُطُ مَا وَصَلَهُ بِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ لَا تَلْزَمُنِي.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ جَعَلْتهَا لَهُ.
أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَهِيَ عِدَّةٌ لَا يُؤْخَذُ بِهَا.
وَلَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ لَحَمْلٍ إلَّا إذَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الْإِقْرَارِ عَلَى مَا تَبَيَّنَ فِي مَوْضِعِهِ.
وَإِنْ أَقَرَّ لِمَسْجِدٍ أَوْ مَصْنَعٍ أَوْ طَرِيقٍ، وَعَزَاهُ إلَى سَبَبٍ صَحِيحٍ، مِثْلِ أَنْ يَقُولَ: مِنْ غَلَّةِ وَقْفِهِ.
صَحَّ.
وَإِنْ أَطْلَقَ، خُرِّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ.

[مَسْأَلَة أَقَرَّ بِشَيْءِ وَاسْتَثْنَى مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ]

مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ، وَاسْتَثْنَى مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، كَانَ اسْتِثْنَاؤُهُ بَاطِلًا، إلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَ عَيْنًا مِنْ وَرِقٍ، أَوْ وَرِقًا مِنْ عَيْنٍ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَصْلَانِ: (3819) أَوَّلُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْإِقْرَارِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَبِهَذَا قَالَ زُفَرُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ اسْتَثْنَى مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا، جَازَ، وَإِنْ اسْتَثْنَى عَبْدًا أَوْ ثَوْبًا مِنْ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ، لَمْ يَجُزْ.

وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَلُغَةِ الْعَرَبِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: 50] . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا - إِلا قِيلا سَلامًا﴾ [الواقعة: 25 - 26] . وَقَالَ الشَّاعِرُ: وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ ... إلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ وَقَالَ آخَرُ: عَيَّتْ جَوَابًا وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ

إلَّا أُوَارِي لَأَيًّا مَا أُبَيِّنُهَا وَلَنَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ صَرْفُ اللَّفْظِ بِحَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ عَمَّا كَانَ يَقْتَضِيه لَوْلَاهُ.
وَقِيلَ: هُوَ إخْرَاجُ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، مُشْتَقٌّ مِنْ ثَنَيْت فُلَانًا عَنْ رَأْيِهِ.
إذَا صَرَفْته عَنْ رَأْيٍ كَانَ عَازِمًا عَلَيْهِ.
وَثَنَيْت عِنَانَ دَابَّتِي.
إذَا صَرَفْتهَا بِهِ عَنْ وِجْهَتِهَا الَّتِي كَانَتْ تَذْهَبُ إلَيْهَا.
وَغَيْرُ الْجِنْسِ الْمَذْكُورِ لَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي الْكَلَامِ، فَإِذَا ذَكَرَهُ، فَمَا صَرَفَ الْكَلَامَ عَنْ صَوْبِهِ، وَلَا ثَنَاهُ عَنْ وَجْهِ اسْتِرْسَالِهِ، فَلَا يَكُونُ اسْتِثْنَاءً، وَإِنَّمَا سُمِّيَ اسْتِثْنَاءً تَجَوُّزًا، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ اسْتِدْرَاكٌ.
" وَإِلَّا " هَاهُنَا بِمَعْنَى " لَكِنْ ". هَكَذَا قَالَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ؛ مِنْهُمْ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وَحَكَاهُ عَنْ سِيبَوَيْهِ.
وَالِاسْتِدْرَاكُ لَا يَأْتِي إلَّا بَعْدَ الْجَحْدِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ إلَّا بَعْدَ النَّفْيِ، وَلَا يَأْتِي بَعْدَهُ الْإِثْبَاتُ، إلَّا أَنْ يُوجَدَ بَعْدَهُ جُمْلَةٌ.
وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَلَا مَدْخَلَ لِلِاسْتِدْرَاكِ فِي الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُ إثْبَاتٌ لِلْمُقِرِّ بِهِ، فَإِذَا ذَكَرَ الِاسْتِدْرَاكَ بَعْدَهُ كَانَ بَاطِلًا، وَإِنْ ذَكَرَهُ بَعْدَ جُمْلَةٍ كَأَنْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا ثَوْبًا لِي عَلَيْهِ.
فَيَكُونُ مُقِرًّا بِشَيْءٍ مُدَّعِيًا لَشَيْءٍ سِوَاهُ، فَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ، وَتَبْطُلُ دَعْوَاهُ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ بِغَيْرِ لَفْظِ الِاسْتِثْنَاءِ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ﴾ [الكهف: 50] فَإِنَّ إبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ بِالسُّجُودِ غَيْرَهُمْ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ لَمَا كَانَ مَأْمُورًا بِالسُّجُودِ، وَلَا عَاصِيًا بِتَرْكِهِ، وَلَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّهِ: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: 50] . وَلَا قَالَ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12] وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا فَلِمَ أَنْكَسَهُ اللَّهُ وَأَهْبَطَهُ وَدَحَرَهُ؟ وَلَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ تَعَالَى بِالسُّجُودِ إلَّا الْمَلَائِكَةَ.
فَإِنْ قَالُوا: بَلْ قَدْ تَنَاوَلَ الْأَمْرُ الْمَلَائِكَةَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ، فَدَخَلَ إبْلِيسُ فِي الْأَمْرِ لِكَوْنِهِ مَعَهُمْ.
قُلْنَا: قَدْ سَقَطَ اسْتِدْلَالُكُمْ، فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ إبْلِيسُ دَاخِلًا فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، مَأْمُورًا بِالسُّجُودِ، فَاسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ الْجِنْسِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لِمَنْ أَنْصَفَ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَعَلَى هَذَا، مَتَى قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا ثَوْبًا.
لَزِمَهُ الْأَلْفُ، وَسَقَطَ الِاسْتِثْنَاءُ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، لَكِنْ لِي عَلَيْهِ ثَوْبٌ.

(3820) الْفَصْلُ الثَّانِي: إذَا اسْتَثْنَى عَيْنًا مِنْ وَرِقٍ، أَوْ وَرِقًا مِنْ عَيْنٍ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صِحَّتِهِ؛ فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: فِيهِ رِوَايَتَانِ.
وَاخْتَارَ الْخِرَقِيِّ صِحَّتَهُ؛ لِأَنَّ قَدْرَ أَحَدِهِمَا مَعْلُومٌ مِنْ الْآخَرِ، وَيُعَبَّرُ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ، فَإِنَّ قَوْمًا يُسَمُّونَ تِسْعَةَ دَرَاهِمَ دِينَارًا، وَآخَرُونَ يُسَمُّونَ ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ دِينَارًا، فَإِذَا اسْتَثْنَى أَحَدَهُمَا مِنْ الْآخَرِ، عُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ التَّعْبِيرَ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ، فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِينَارٌ إلَّا ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، فِي مَوْضِعٍ يُعَبِّرُ فِيهِ بِالدِّينَارِ عَنْ تِسْعَةٍ، كَانَ مَعْنَاهُ: لَهُ عَلَيَّ تِسْعَةُ دَرَاهِمَ إلَّا ثَلَاثَةً.
وَمَتَى أَمْكَنَ حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ، لَمْ يَجُزْ إلْغَاؤُهُ، وَقَدْ أَمْكَنَ بِهَذَا الطَّرِيقِ، فَوَجَبَ تَصْحِيحُهُ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْوَرِقِ وَبَيْنَ غَيْرِهِمَا، فَيَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ صِحَّةُ اسْتِثْنَاءِ الثِّيَابِ وَغَيْرِهَا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْفَرْقَ.
وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِحَمْلِ رِوَايَةِ الصِّحَّةِ عَلَى مَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْآخَرِ، أَوْ يُعْلَمُ قَدْرُهُ مِنْهُ، وَرِوَايَةِ الْبُطْلَانِ عَلَى مَا إذَا انْتَفَى ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ ذَكَرَ نَوْعًا مِنْ جِنْسٍ وَاسْتَثْنَى نَوْعًا آخَرَ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ فِي الْإِقْرَارِ]

(3821) فَصْلٌ: وَلَوْ ذَكَرَ نَوْعًا مِنْ جِنْسٍ وَاسْتَثْنَى نَوْعًا آخَرَ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةُ آصُعٍ تَمْرًا بَرْنِيًّا، إلَّا ثَلَاثَةً تَمْرًا مَعْقِلِيًّا.
لَمْ يَجُزْ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ.
وَيُخَالِفُ الْعَيْنَ وَالْوَرِقَ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ مِنْ الْآخَرِ، وَلَا يُعَبَّرُ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ.
وَيُحْتَمَلُ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ جَوَازُهُ؛ لِتَقَارُبِ الْمَقَاصِدِ مِنْ النَّوْعَيْنِ، فَهُمَا كَالْعَيْنِ وَالْوَرِقِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الصَّحِيحَةَ فِي الْعَيْنِ وَالْوَرِقِ غَيْرُ ذَلِكَ.

[فَصْلٌ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْإِقْرَارِ]

(3822) فَصْلٌ: فَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ بَعْضِ مَا دَخَلَ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَجَائِزٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: 14] . وَقَالَ: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: 30] ﴿إِلا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: 31] وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الشَّهِيدِ: «يُكَفَّرُ عَنْهُ خَطَايَاهُ كُلُّهَا إلَّا الدَّيْنَ.» وَهَذَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَثِيرٌ، وَفِي سَائِرِ كَلَامِ الْعَرَبِ.
فَإِذَا أَقَرَّ بِشَيْءٍ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ، كَانَ مُقِرًّا بِالْبَاقِي بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ، فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ إلَّا عَشْرَةً.
كَانَ مُقِرًّا بِتِسْعِينَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَمْنَعُ أَنْ يَدْخُلَ فِي اللَّفْظِ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ، فَإِنَّهُ لَوْ دَخَلَ لَمَا أَمْكَنَ إخْرَاجُهُ، وَلَوْ أَقَرَّ بِالْعَشَرَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ لَمَا قُبِلَ مِنْهُ إنْكَارُهَا.
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: 14] . إخْبَارٌ بِتِسْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ،

فَالِاسْتِثْنَاءُ بَيَّنَ أَنَّ الْخَمْسِينَ الْمُسْتَثْنَاةَ غَيْرُ مُرَادَةٍ، كَمَا أَنَّ التَّخْصِيصَ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمَخْصُوصَ غَيْرُ مُرَادٍ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ، وَإِنْ قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ إلَّا هَذَا الْبَيْتَ.
كَانَ مُقِرًّا بِمَا سِوَى الْبَيْتِ مِنْهَا.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: إلَّا ثُلُثَهَا، أَوْ رُبُعَهَا.
صَحَّ، وَكَانَ مُقِرًّا بِالْبَاقِي بَعْدَ الْمُسْتَثْنَى.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لَهُ، وَهَذَا الْبَيْتُ لِي.
صَحَّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ، لِكَوْنِهِ أَخْرَجَ بَعْضَ مَا دَخَلَ فِي اللَّفْظِ الْأَوَّلِ بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ هَؤُلَاءِ الْعَبِيدُ إلَّا هَذَا.
صَحَّ، وَكَانَ مُقِرًّا بِمَنْ سِوَاهُ مِنْهُمْ.
وَإِنْ قَالَ: إلَّا وَاحِدًا.
صَحَّ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ يَصِحُّ مَجْهُولًا، فَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ، وَيُرْجَعُ فِي تَعْيِينِ الْمُسْتَثْنَى إلَيْهِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ بِهِ.
وَإِنْ عَيَّنَ مَنْ عَدَا الْمُسْتَثْنَى، صَحَّ، وَكَانَ الْبَاقِي لَهُ.
فَإِنْ هَلَكَ الْعَبِيدُ إلَّا وَاحِدًا، فَذَكَرَ أَنَّهُ الْمُسْتَثْنَى، قُبِلَ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ لَا يُقْبَلُ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ يُرْفَعُ بِهِ الْإِقْرَارُ كُلُّهُ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِهِ فِي حَيَاتِهِمْ لِمَعْنًى هُوَ مَوْجُودٌ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، فَقُبِلَ كَحَالَةِ حَيَاتِهِمْ، وَلَيْسَ هَذَا رَفْعًا لِلْإِقْرَارِ، وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ الْمُقَرّ بِهِ لِتَلَفِهِ، لَا لِمَعْنًى يَرْجِعُ إلَى التَّفْسِيرِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَيَّنَهُ فِي حَيَاتِهِمْ، فَتَلِفَ بَعْدَ تَعْيِينِهِ.
وَإِنْ قُتِلَ الْجَمِيعُ إلَّا وَاحِدًا، قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِالْبَاقِي، وَجْهًا وَاحِدًا.
وَإِنْ قُتِلَ الْجَمِيعُ، فَلَهُ قِيمَةُ أَحَدِهِمْ، وَيُرْجَعُ فِي التَّفْسِيرِ إلَيْهِ.
وَإِنْ قَالَ: غَصَبْتُك هَؤُلَاءِ الْعَبِيدَ إلَّا وَاحِدًا.
فَهَلَكُوا إلَّا وَاحِدًا؛ قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِهِ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ يَسْتَحِقُّ قِيمَةَ الْهَالِكِينَ، فَلَا يُفْضِي التَّفْسِيرُ بِالْبَاقِي إلَى سُقُوطِ الْإِقْرَارِ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا فَصْلٌ (3823) : وَحُكْمُ الِاسْتِثْنَاءِ بِسَائِرِ أَدَوَاتِهِ حُكْمُ الِاسْتِثْنَاءِ بِإِلَّا، فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ سِوَى دِرْهَمٍ، أَوْ لَيْسَ دِرْهَمًا، أَوْ خَلَا دِرْهَمًا، أَوْ عَدَا دِرْهَمًا، أَوْ مَا خَلَا أَوْ مَا عَدَا دِرْهَمًا، أَوْ لَا يَكُونُ دِرْهَمًا أَوْ غَيْرَ دِرْهَمٍ.
بِفَتْحِ الرَّاءِ، كَانَ مُقِرًّا بِتِسْعَةٍ.
وَإِنْ قَالَ: غَيْرُ دِرْهَمٍ، بِضَمِّ رَائِهَا، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، كَانَ مُقِرًّا بِعَشْرَةٍ، لِأَنَّهَا تَكُونُ صِفَةً لِلْعَشَرَةِ الْمُقَرِّ بِهَا، وَلَا يَكُونُ اسْتِثْنَاءً.
فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ اسْتِثْنَاءً كَانَتْ مَنْصُوبَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ

مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، لَزِمَهُ تِسْعَةٌ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إنَّمَا يُرِيدُ الِاسْتِثْنَاءَ لَكِنَّهُ رَفَعَهَا جَهْلًا مِنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ، لَا قَصْدًا لِلصِّفَةِ.

[فَصْلٌ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالْكَلَامِ]

(3824) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالْكَلَامِ، فَإِنْ سَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ فِيهِ، أَوْ فَصَلَ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَالْمُسْتَثْنَى بِكَلَامِ أَجْنَبِيٍّ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَكَتَ أَوْ عَدَلَ عَنْ إقْرَارِهِ إلَى شَيْءٍ آخَرَ، اسْتَقَرَّ حُكْمُ مَا أَقَرَّ بِهِ، فَلَمْ يَرْتَفِعْ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي كَلَامِهِ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ، وَيَنْتَظِرُ مَا يَتِمُّ بِهِ كَلَامُهُ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ وَالْعَطْفِ وَالْبَدَلِ وَنَحْوِهِ.

[فَصْل اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ فِي الْإِقْرَار]

(3825) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ رَفَعَ بَعْضَ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ، وَاسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ رَفَعَ الْكُلَّ، فَلَوْ صَحَّ صَارَ الْكَلَامُ كُلُّهُ لَغْوًا غَيْرَ مُفِيدٍ، فَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ إلَّا دِرْهَمًا.
أَوْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَدِرْهَمَانِ إلَّا دِرْهَمَيْنِ.
أَوْ ثَلَاثَةٌ وَنِصْفٌ إلَّا نِصْفًا، أَوْ إلَّا دِرْهَمًا.
أَوْ خَمْسَةٌ وَتِسْعُونَ إلَّا خَمْسَةً.
لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَلَزِمَهُ جَمِيعُ مَا أَقَرَّ بِهِ قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ الْعَاطِفَةَ تَجْمَعُ بَيْنَ الْعَدَدَيْنِ، وَتَجْعَلُ الْجُمْلَتَيْنِ كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ، وَمِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إذَا تَعَقَّبَ جُمَلًا مَعْطُوفًا بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ، عَادَ إلَى جَمِيعِهَا، كَقَوْلِنَا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4] ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: 5] إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عَادَ إلَى الْجُمْلَتَيْنِ، فَإِذَا تَابَ الْقَاذِفُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَجْلِسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ» . وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لَمْ تُخْرِجْ الْكَلَامَ مِنْ أَنْ يَكُونَ جُمْلَتَيْنِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ يَرْفَعُ إحْدَاهُمَا جَمِيعًا، وَلَا نَظِيرَ لِهَذَا فِي كَلَامِهِمْ، وَلِأَنَّ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ تَجْعَلُ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ مَعَ الِاسْتِثْنَاءِ لَغْوًا، لِأَنَّهُ أَثْبَتَ شَيْئًا بِلَفْظٍ مُفْرَدٍ، ثُمَّ رَفَعَهُ كُلَّهُ، فَلَا يَصِحُّ، كَمَا لَوْ اسْتَثْنَى مِنْهَا وَهِيَ غَيْرُ مَعْطُوفَةٍ عَلَى بَعْضِهَا، فَأَمَّا الْآيَةُ وَالْخَبَرُ، فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَمْ يَرْفَعْ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ، إنَّمَا أَخْرَجَ مِنْ الْجُمْلَتَيْنِ مَعًا مَنْ اتَّصَفَ بِصِفَةٍ، فَنَظِيرُهُ مَا لَوْ قَالَ لِلْبَوَّابِ: مَنْ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ فَأْذَنْ لَهُ، وَأَعْطِهِ دِرْهَمًا، إلَّا فُلَانًا.
وَنَظِيرُ مَسْأَلَتِنَا مَا لَوْ قَالَ: أَكْرِمْ زَيْدًا وَعَمْرًا إلَّا عَمْرًا.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمَانِ وَثَلَاثَةٌ إلَّا دِرْهَمَيْنِ.
لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَرْفَعُ الْجُمْلَةَ الْأُولَى كُلَّهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: أَكْرِمْ زَيْدًا وَعَمْرًا إلَّا زَيْدًا.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثَةٌ إلَّا دِرْهَمَيْنِ، خُرِّجَ فِيهِ وَجْهَانِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى أَكْثَرَ الْجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيه، وَاسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ فَاسِدٌ، كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ.

[فَصْلٌ اسْتَثْنَى اسْتِثْنَاءً بَعْدَ اسْتِثْنَاءٍ وَعَطَفَ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ فِي الْإِقْرَار]

(3826) فَصْلٌ: وَإِنْ اسْتَثْنَى اسْتِثْنَاءً بَعْدَ اسْتِثْنَاءٍ، وَعَطَفَ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ، كَانَ مُضَافًا إلَيْهِ.
فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً، وَإِلَّا دِرْهَمَيْنِ.
كَانَ مُسْتَثْنِيًا لِخَمْسَةِ مُبْقِيًا لِخَمْسَةٍ.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي غَيْرَ مَعْطُوفٍ عَلَى الْأَوَّلِ، كَانَ اسْتِثْنَاءً مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ جَائِزٌ فِي اللُّغَةِ، قَدْ جَاءَ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: 58] ﴿إِلا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 59] ﴿إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الحجر: 60] . فَإِذَا كَانَ صَدْرُ الْكَلَامِ إثْبَاتًا، كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ الْأَوَّلُ نَفْيًا وَالثَّانِي إثْبَاتًا، فَإِنْ اسْتَثْنَى اسْتِثْنَاءً ثَالِثًا، كَانَ نَفْيًا يَعُودُ كُلُّ اسْتِثْنَاءٍ إلَى مَا يَلِيهِ مِنْ الْكَلَامِ، فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا دِرْهَمًا.
كَانَ مُقِرًّا بِثَمَانِيَةٍ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ عَشْرَةً، ثُمَّ نَفَى مِنْهَا ثَلَاثَةً وَأَثْبَتَ دِرْهَمًا، وَبَقِيَ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْمَنْفِيَّةِ دِرْهَمَانِ مُسْتَثْنَيَانِ مِنْ الْعَشَرَةِ، فَيَبْقَى مِنْهَا ثَمَانِيَةٌ، وَسَنَزِيدُ لِهَذَا الْفَصْلِ فُرُوعًا فِي مَسْأَلَةِ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ.

[فَصْلٌ قَالَ لَهُ هَذِهِ الدَّارُ هِبَةً أَوْ سُكْنَى أَوْ عَارِيَّة فِي الْإِقْرَار بِالْحُقُوقِ]

(3827) فَصْلٌ: إذَا قَالَ: لَهُ هَذِهِ الدَّارُ هِبَةً، أَوْ سُكْنَى، أَوْ عَارِيَّةٌ كَانَ إقْرَارًا بِمَا أَبْدَلَ بِهِ كَلَامَهُ، وَلَمْ يَكُنْ إقْرَارًا بِالدَّارِ؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ بِآخِرِ كَلَامِهِ بَعْضَ مَا دَخَلَ فِي أَوَّلِهِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِجُمْلَةٍ وَاسْتَثْنَى بَعْضَهَا.
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي هَذَا وَجْهًا، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَلَيْسَ هَذَا اسْتِثْنَاءً، إنَّمَا هَذَا بَدَلٌ، وَهُوَ سَائِغٌ فِي اللُّغَةِ.
وَيُسَمَّى هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْبَدَلِ بَدَلَ الِاشْتِمَالِ، وَهُوَ أَنْ يُبْدِلَ مِنْ الشَّيْءِ بَعْضَ مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: 217] . فَأَبْدَلَ الْقِتَالَ مِنْ الشَّهْرِ الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهِ.
وَقَالَ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: 63] . أَيْ أَنْسَانِي ذِكْرَهُ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ هَذِهِ الدَّارُ ثُلُثُهَا.
أَوْ قَالَ: رُبْعُهَا.
صَحَّ، وَيَكُونُ مُقِرًّا بِالْجُزْءِ الَّذِي أَبْدَلَهُ، وَهَذَا بَدَلُ الْبَعْضِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِاسْتِثْنَاءٍ.
وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ [المزمل: 2] ﴿نِصْفَهُ﴾ [المزمل: 3] . وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: 97] . وَلَكِنَّهُ فِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ، فِي كَوْنِهِ يُخْرِجُ مِنْ الْكَلَامِ بَعْضَ مَا يَدْخُلُ فِيهِ لَوْلَاهُ، وَيُفَارِقُهُ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ إبْدَالُ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِهِ إذَا كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبْدَلَ الْمُسْتَطِيعَ لِلْحَجِّ مِنْ النَّاسِ، وَهُوَ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِهِمْ، وَأَبْدَلَ الْقِتَالَ مِنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَهُوَ غَيْرُهُ؟ وَمَتَى قَالَ: لَهُ هَذِهِ الدَّارُ سُكْنَى أَوْ عَارِيَّةٌ ثَبَتَ فِيهَا حُكْمُ ذَلِكَ، وَلَهُ أَنْ لَا يُسْكِنَهُ إيَّاهَا، وَأَنْ يَعُودَ فِيمَا أَعَارَهُ.

[مَسْأَلَة اُدُّعِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَقَالَ قَدْ كَانَ لَهُ عَلَيَّ وَقَضَيْته]

(3828) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَقَالَ: قَدْ كَانَ لَهُ عَلَيَّ وَقَضَيْتُهُ.
لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إقْرَارًا)

حَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِإِقْرَارٍ.
اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَقَالَ: لَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً بِغَيْرِ هَذَا.
وَالثَّانِيَةُ، أَنَّهُ مُقِرٌّ بِالْحَقِّ، مُدَّعٍ لِقَضَائِهِ، فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِالْقَضَاءِ؛ وَإِلَّا حَلَفَ غَرِيمُهُ وَأَخَذَ.
وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِالدَّيْنِ، وَادَّعَى الْقَضَاءَ، فَلَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ، كَمَا لَوْ ادَّعَى الْقَضَاءَ بِكَلَامِ مُنْفَصِلٍ، وَلِأَنَّهُ رَفَعَ جَمِيعَ مَا أَثْبَتَهُ، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ.
وَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ قَوْلٌ مُتَّصِلٌ، يُمْكِنُ صِحَّتُهُ، وَلَا تَنَاقُضَ فِيهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ كَاسْتِثْنَاءِ الْبَعْضِ، وَفَارَقَ الْمُنْفَصِلَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَوَّلِ قَدْ اسْتَقَرَّ بِسُكُوتِهِ عَلَيْهِ، فَلَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِ، وَلِذَلِكَ لَا يَرْتَفِعُ بَعْضُهُ بِاسْتِثْنَاءِ وَلَا غَيْرِهِ، فَمَا يَأْتِي بَعْدَهُ مِنْ دَعْوَى الْقَضَاءِ يَكُونُ دَعْوَى مُجَرَّدَةً، لَا تُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةِ، وَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ فَمُتَنَاقِضٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ أَلْفٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
(3829) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ، وَقَضَيْتُهُ مِنْهَا خَمْسِينَ.
فَالْكَلَامُ فِيهَا كَالْكَلَامِ فِيمَا إذَا قَالَ: وَقَضَيْتهَا.
وَإِنْ قَالَ لَهُ إنْسَانٌ: لِي عَلَيْك مِائَةٌ.
فَقَالَ: قَضَيْتُك مِنْهَا خَمْسِينَ.
فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَكُونُ مُقِرًّا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْخَمْسِينَ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهُ قَضَاهَا فِي كَلَامِهِ مَا تَمْنَعُ بَقَاءَهَا، وَهُوَ دَعْوَى الْقَضَاءِ، وَبَاقِي الْمِائَةِ لَمْ يَذْكُرْهَا، وَقَوْلُهُ: مِنْهَا.
يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا مِمَّا يَدَّعِيه، وَيَحْتَمِلُ مِمَّا عَلَيَّ، فَلَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِكَلَامٍ مُحْتَمِلٍ.
وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنْ يَلْزَمَهُ الْخَمْسُونَ الَّتِي ادَّعَى قَضَاءَهَا؛ لِأَنَّ فِي ضِمْنِ دَعْوَى الْقَضَاءِ إقْرَارًا بِأَنَّهَا كَانَتْ عَلَيْهِ، فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَى الْقَضَاءِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ.

[فَصْلٌ قَالَ كَانَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَسَكَتَ فِي الْإِقْرَار بِالْحُقُوقِ]

(3830) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: كَانَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ.
وَسَكَتَ، لَزِمَهُ الْأَلْفُ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَصْحَابِنَا.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ فِي الْآخَرِ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَلَيْسَ هَذَا بِإِقْرَارٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ عَلَيْهِ شَيْئًا فِي الْحَالِ، إنَّمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ فَجَازَ فِي زَمَنٍ مَاضٍ، فَلَا يَثْبُتْ فِي الْحَالِ، وَلِذَلِكَ لَوْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِهِ لَمْ يَثْبُتْ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْوُجُوبِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا يَرْفَعُهُ، فَبَقِيَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا لَوْ تَنَازَعَا دَارًا، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ أَنَّهَا كَانَتْ مِلْكَهُ، حُكِمَ بِهَا لَهُ، إلَّا أَنَّهُ هَاهُنَا إنْ عَادَ فَادَّعَى الْقَضَاءَ أَوْ الْإِبْرَاءَ، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ إقْرَارِهِ وَبَيْنَ مَا يَدَّعِيه.

[فَصْلٌ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ قَضَيْته إيَّاهَا فِي الْإِقْرَار بِالْحُقُوقِ]

(3831) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ، قَضَيْته إيَّاهَا.
لَزِمَهُ الْأَلْفُ، وَلَمْ تُقْبَلْ دَعْوَى الْقَضَاءِ.

وَقَالَ الْقَاضِي: تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ مَا أَثْبَتَهُ بِدَعْوَى الْقَضَاءِ مُتَّصِلًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: كَانَ لَهُ عَلَيَّ، وَقَضَيْته.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى إنْ قَالَ: قَضَيْت جَمِيعَهُ.
لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَلَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَلَهُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ.
وَلَوْ قَالَ: قَضَيْت بَعْضَهُ.
قُبِلَ مِنْهُ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ بَعْضَ مَا أَقَرَّ بِهِ بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَثْنَاهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: قَضَيْت جَمِيعَهُ.
لِكَوْنِهِ رَفَعَ جَمِيعَ مَا هُوَ ثَابِتٌ، فَأَشْبَهَ اسْتِثْنَاءَ الْكُلِّ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا قَوْلٌ مُتَنَاقِضٌ، إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ أَلْفٌ قَدْ قَضَاهُ، فَإِنَّ كَوْنَهُ عَلَيْهِ يَقْتَضِي بَقَاءَهُ فِي ذِمَّتِهِ، وَاسْتِحْقَاقَ مُطَالَبَتِهِ بِهِ، وَقَضَاؤُهُ يَقْتَضِي بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ مِنْهُ، وَتَحْرِيمَ مُطَالَبَتِهِ بِهِ، وَالْإِقْرَارُ بِهِ يَقْتَضِي ثُبُوتَهُ، وَالْقَضَاءُ يَقْتَضِي رَفْعَهُ، وَهَذَانِ ضِدَّانِ لَا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: كَانَ لَهُ عَلَيَّ، وَقَضَيْته.
فَإِنَّهُ أَخْبَرَ بِهِمَا فِي زَمَانَيْنِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَرْتَفِعَ مَا كَانَ ثَابِتًا، وَيَقْضِيَ مَا كَانَ دَيْنًا، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ هَذَا فِي الْجَمِيعِ، لَمْ يَصِحَّ فِي الْبَعْضِ؛ لِاسْتِحَالَةِ بَقَاءِ أَلْفٍ عَلَيْهِ وَقَدْ قَضَى بَعْضَهُ، وَيُفَارِقُ الِاسْتِثْنَاءَ؛ فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَعَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْبَاقِي مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: 14] . عِبَارَةٌ عَنْ تِسْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ.
أَمَّا الْقَضَاءُ فَإِنَّمَا يَرْفَعُ جُزْءًا كَانَ ثَابِتًا، فَإِذَا ارْتَفَعَ بِالْقَضَاءِ لَا يَجُوزُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْبَقَاءِ.

[فَصْلٌ وَصَلَ إقْرَارَهُ بِمَا يُسْقِطُهُ]

فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَلَ إقْرَارَهُ بِمَا يُسْقِطُهُ، فَقَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، أَوْ مِنْ ثَمَنِ طَعَامٍ اشْتَرَيْته فَهَلَكَ قَبْلَ قَبْضِهِ، أَوْ ثَمَنِ مَبِيعٍ فَاسِدٍ لَمْ أَقْبِضْهُ، أَوْ تَكَفَّلْت بِهِ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ.
لَزِمَهُ الْأَلْفُ، وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي إسْقَاطِهِ.
ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ إذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ زُيُوفٌ.
فَفَسَّرَهُ بِرَصَاصٍ أَوْ نُحَاسٍ، لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ كُلَّ مَا اعْتَرَفَ بِهِ.
وَقَالَ فِي سَائِرِ الصُّوَرِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا: يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ عَزَا إقْرَارَهُ إلَى سَبَبِهِ، فَقُبِلَ كَمَا لَوْ عَزَاهُ إلَى سَبَبٍ صَحِيحٍ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا يُنَاقِضُ مَا أَقَرَّ بِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَالصُّورَةِ الَّتِي سَلَّمَهَا، وَكَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ لَا يَلْزَمُنِي.
أَوْ يَقُولُ: دَفَعَ جَمِيعَ مَا أَقَرَّ بِهِ.
فَلَمْ يُقْبَلْ، كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ.
وَغَيْرُ خَافٍ تَنَاقُضُ كَلَامِهِ؛ فَإِنَّ ثُبُوتَ أَلْفٍ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَا يُتَصَوَّرُ، وَإِقْرَارُهُ إخْبَارٌ بِثُبُوتِهِ، فَيَتَنَافَيَانِ، وَإِنْ سَلَّمَ ثُبُوتَ الْأَلْفِ عَلَيْهِ فَهُوَ مَا قُلْنَاهُ.

[فَصْلٌ رُجُوعُ الْمُقِرِّ عَنْ إقْرَارِهِ]

(3832) فَصْلٌ: وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُ الْمُقِرِّ عَنْ إقْرَارِهِ، إلَّا فِيمَا كَانَ حَدًّا لِلَّهِ تَعَالَى، يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَيُحْتَاطُ لِإِسْقَاطِهِ.

فَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ، وَحُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لَا تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ، فَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهَا.
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
فَإِذَا قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ، لَا بَلْ لِعَمْرٍو.
أَوْ ادَّعَى زَيْدٌ عَلَى مَيِّتٍ شَيْئًا مُعَيَّنًا مِنْ تَرِكَتِهِ، فَصَدَّقَهُ ابْنُهُ، ثُمَّ ادَّعَاهُ عَمْرٌو، فَصَدَّقَهُ، حُكِمَ بِهِ لِزَيْدٍ وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ غَرَامَتُهُ لِعَمْرٍو.
وَهَذَا ظَاهِرُ أَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ فِي الْآخَرِ: لَا يَغْرَمُ لِعَمْرٍو شَيْئًا.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِمَا عَلَيْهِ الْإِقْرَارُ بِهِ، وَإِنَّمَا مَنَعَهُ الْحُكْمُ مِنْ قَبُولِهِ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ حَالَ بَيْنَ عَمْرٍو وَبَيْنَ مِلْكِهِ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِهِ بِإِقْرَارِهِ لِغَيْرِهِ، فَلَزِمَهُ غُرْمُهُ، كَمَا لَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى آخَرَ بِإِعْتَاقِ عَبْدِهِ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ الشَّهَادَةِ، أَوْ كَمَا لَوْ رَمَى بِهِ إلَى الْبَحْرِ، ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ.
وَإِنْ قَالَ: غَصَبْت هَذِهِ الدَّارَ مِنْ زَيْدٍ، لَا بَلْ مِنْ عَمْرٍو.
أَوْ غَصَبْتهَا مِنْ زَيْدٍ، وَغَصَبَهَا زَيْدٌ مِنْ عَمْرٍو.
حُكِمَ بِهَا لِزَيْدِ، وَلَزِمَهُ تَسْلِيمُهَا إلَيْهِ، وَيَغْرَمُهَا لِعَمْرٍو.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ فِي الْآخَرِ: لَا يَضْمَنُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْغَصْبِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ وَالرَّدِّ إلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، ثُمَّ لَمْ يَرُدَّ مَا أَقَرَّ بِغَصْبِهِ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ، كَمَا لَوْ تَلِفَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، فِي رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلِ: اسْتَوْدَعْتُك هَذَا الثَّوْبَ.
قَالَ: صَدَقْت، ثُمَّ قَالَ: اسْتَوْدَعَنِيهِ رَجُلٌ آخَرِ.
فَالثَّوْبُ لِلْأَوَّلِ، وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ لِلْآخَرِ.
وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا الْفَصْلِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ إقْرَارُهُ بِكَلَامِ مُتَّصِلٍ أَوْ مُنْفَصِلٍ.

[فَصْلٌ قَالَ غَصَبْت هَذِهِ الدَّارَ مِنْ زَيْدٍ وَمِلْكُهَا لِعَمْرِو فِي الْإِقْرَار بِالْحُقُوقِ]

(3833) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: غَصَبْت هَذِهِ الدَّارَ مِنْ زَيْدٍ، وَمِلْكُهَا لِعَمْرٍو.
لَزِمَهُ دَفْعُهَا إلَى زَيْدٍ؛ لِإِقْرَارِهِ لَهُ بِأَنَّهَا كَانَتْ فِي يَدِهِ، وَهَذَا يَقْتَضِي كَوْنَهَا فِي يَدِهِ بِحَقٍّ، وَمِلْكُهَا لِعَمْرٍو لَا يُنَافِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي يَدِ زَيْدٍ بِإِجَارَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، وَلَا يَغْرَمُ لِعَمْرِو شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ.
وَفَارَقَ هَذَا مَا إذَا قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ، بَلْ لِعَمْرِو؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لِلثَّانِيَّ بِمَا أَقَرَّ بِهِ لِلْأَوَّلِ، فَكَانَ الثَّانِي رُجُوعًا عَنْ الْأَوَّلِ؛ لِتَعَارُضِهِمَا، وَهَا هُنَا لَا تَعَارُضَ بَيْنَ إقْرَارَيْهِ.
وَإِنْ قَالَ: مِلْكُهَا لِعَمْرٍو، وَغَصَبْتهَا مِنْ زَيْدٍ.
فَكَذَلِكَ لَا فَرْقَ بَيْنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَالْمُتَّصِلِ وَالْمُنْفَصِلِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ دَفْعُهَا إلَى عَمْرٍو، وَيَغْرَمُهَا لِزَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ بِهَا لِعَمْرٍو أَوَّلًا، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ بِالْيَدِ لِزَيْدِ.
وَهَذَا وَجْهٌ حَسَنٌ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ.
وَلَوْ قَالَ: هَذَا الْأَلْفُ دَفَعَهُ إلَيَّ زَيْدٌ، وَهُوَ لِعَمْرٍو.
أَوْ قَالَ: هُوَ لِعَمْرٍو دَفَعَهُ إلَيَّ زَيْدٌ.
فَكَذَلِكَ، عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْقَوْلِ فِيهِ.

[فَصْلٌ قَالَ غَصَبْت هَذِهِ الدَّارَ مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْ هِيَ لِأَحَدِهِمَا]

(3834) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: غَصَبْتهَا مِنْ أَحَدِهِمَا.
أَوْ هِيَ لِأَحَدِهِمَا.
صَحَّ الْإِقْرَارُ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ بِالْمَجْهُولِ، فَيَصِحُّ لِلْمَجْهُولِ،

وَيُطَالَبُ بِالْبَيَانِ، فَإِنْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا دُفِعَتْ إلَيْهِ، وَيَحْلِفُ لِلْآخَرِ إنْ ادَّعَاهَا، وَلَا يَغْرَمُ لَهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ لَهُ بِشَيْءٍ.
وَإِنْ قَالَ: لَا أَعْرِفُهُ عَيْنًا.
فَصَدَّقَاهُ، نُزِعَتْ مِنْ يَدِهِ، وَكَانَا خَصْمَيْنِ فِيهَا، وَإِنْ كَذَّبَاهُ فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ، وَتُنْزَعُ مِنْ يَدِهِ.
فَإِنْ كَانَ لَأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لَهُ بِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ حَلَفَ، وَسُلِّمَتْ إلَيْهِ.
وَإِنْ بَيَّنَ الْغَاصِبُ بَعْدَ ذَلِكَ مَالِكَهَا، قُبِلَ مِنْهُ، كَمَا لَوْ بَيَّنَهُ ابْتِدَاءً.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إذَا ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ، تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَمْ يَغْصِبْهُ، فَإِنْ حَلَفَ لَأَحَدِهِمَا، لَزِمَهُ دَفْعُهَا إلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى تَعْيِينِهِ، وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَهُمَا جَمِيعًا، فَسُلِّمَتْ إلَى أَحَدِهِمَا بِقُرْعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، لَزِمَهُ غُرْمُهَا لِلْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ نَكَلَ عَنْ يَمِينٍ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ، فَقُضِيَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ ادَّعَاهَا وَحْدَهُ.

[فَصْلٌ كَانَ فِي يَدِهِ عَبْدَانِ فَقَالَ أَحَدُ هَذَيْنِ لِزَيْدِ]

(3835) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ عَبْدَانِ، فَقَالَ: أَحَدُ هَذَيْنِ لِزَيْدٍ.
طُولِبَ بِالْبَيَانِ، فَإِنْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا فَصَدَّقَهُ زَيْدٌ أَخَذَهُ.
وَإِنْ قَالَ: هَذَا لِي، وَالْعَبْدُ الْآخَرُ لِزَيْدٍ فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ فِي الْعَبْدِ الَّذِي يُنْكِرُهُ.
وَإِنْ قَالَ زَيْدٌ: إنَّمَا لِي الْعَبْدُ الْآخَرُ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ فِي الْعَبْدِ الَّذِي يُنْكِرُهُ، وَلَا يَدْفَعُ إلَى زَيْدٍ الْعَبْدَ الْمُقَرَّ بِهِ وَلَكِنْ يُقَرُّ فِي يَدِ الْمُقِرِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ بِهِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ، يُنْزَعُ مِنْ يَدِهِ، لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ، وَيَكُونُ فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالِكَ لَهُ مَعْرُوفٌ، فَأَشْبَهَ مِيرَاثَ مَنْ لَا يُعْرَفُ وَارِثُهُ.
فَإِنْ أَبَى التَّعْيِينَ، فَعَيَّنَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، وَقَالَ: هَذَا عَبْدِي.
طُولِبَ بِالْجَوَابِ، فَإِنْ أَنْكَرَ حَلَفَ، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ تَعْيِينِهِ لِلْآخَرِ، وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ يُقْضَى عَلَيْهِ، وَإِنْ أَقَرَّ لَهُ، فَهُوَ كَتَعْيِينِهِ.

[فَصْلٌ أَقَرَّ لِرَجُلِ بِعَبْدِ ثُمَّ جَاءَهُ بِهِ]

(3836) فَصْلٌ: وَلَوْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ، ثُمَّ جَاءَهُ بِهِ، فَقَالَ: هَذَا الَّذِي أَقْرَرْت بِهِ.
فَقَالَ: لَيْسَ هُوَ هَذَا، إنَّمَا هُوَ آخَرُ.
فَعَلَى الْمُقِرِّ الْيَمِينُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ سِوَاهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ هَذَا إلَى الْمُقَرِّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيه.
وَإِنْ قَالَ: هَذَا لِي، وَلِي عِنْدَك آخَرُ.
سَلَّمَ إلَيْهِ هَذَا، وَحَلَفَ لَهُ عَلَى نَفْيِ الْآخَرِ.
وَكُلُّ مَنْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِمِلْكٍ، فَكَذَّبَهُ، بَطَلَ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِلْإِنْسَانِ مِلْكٌ لَا يَعْتَرِفُ بِهِ.
وَفِي الْمَالِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يُتْرَكُ فِي يَدِ الْمُقِرِّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَحْكُومًا لَهُ بِهِ، فَإِذَا بَطَلَ إقْرَارُهُ بَقِيَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي، يُؤْخَذُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ مَالِكٌ.
وَقِيلَ: يُؤْخَذُ فَيُحْفَظُ حَتَّى يَظْهَرَ مَالِكُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيه أَحَدٌ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ مِثْلُ هَذَا.
فَإِنْ عَادَ أَحَدُهُمَا فَكَذَّبَ نَفْسَهُ، دُفِعَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِيه، وَلَا مُنَازِعَ لَهُ فِيهِ، وَإِنْ كَذَّبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، نَفْسَهُ، فَرَجَعَ الْمُقِرُّ عَنْ إقْرَارِهِ، وَادَّعَاهُ الْمُقَرُّ لَهُ، فَإِنْ كَانَ بَاقِيًا فِي يَدِ الْمُقِرِّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ لِغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مَعْدُومًا بِتَلَفٍ أَوْ إبَاقٍ وَنَحْوِهِ، بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَلَا شَيْءَ فِيهِ مِنْ يَمِينٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَ بِتَعَدٍّ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ،

كَمَا لَوْ كَانَ بَاقِيًا.
فَإِذَا حَلَفَ، سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ، وَإِنْ كَانَ تَلَفُهُ.
بِتَعَدِّيهِ، وَوَجَبَ لَهُ الضَّمَانُ عَلَى الْآخَرِ، إنْ كَانَ تَلَفُهُ بِتَعَدٍّ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَة أَقَرَّ بِعَشَرَةِ دَرَاهِم ثُمَّ سَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ فِيهِ]

(3837) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِعَشَرَةِ، دَرَاهِمَ، ثُمَّ سَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: زُيُوفًا أَوْ صِغَارًا أَوْ إلَى شَهْرٍ.
كَانَتْ عَشَرَةً جِيَادًا وَافِيَةً حَالَّةً) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ، وَأَطْلَقَ، اقْتَضَى إقْرَارُهُ الدَّرَاهِمَ الْوَافِيَةَ، وَهِيَ دَرَاهِمُ الْإِسْلَامِ، كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْهَا وَزْنُ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ، وَكُلُّ دِرْهَمٍ سِتَّةُ دَوَانِقَ، وَاقْتَضَى أَنْ تَكُونَ جِيَادًا، حَالَّةً، كَمَا لَوْ بَاعَهُ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَأَطْلَقَ، فَإِنَّهَا تَلْزَمُهُ كَذَلِكَ.
فَإِذَا سَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ فِيهِ، أَوْ أَخَذَ فِي كَلَامٍ غَيْرِ مَا كَانَ فِيهِ، اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ كَذَلِكَ.
فَإِنْ عَادَ، فَقَالَ: زُيُوفًا.
يَعْنِي رَدِيئَةً.
أَوْ صِغَارًا.
وَهِيَ الدَّرَاهِمُ النَّاقِصَةُ، مِثْلُ دَرَاهِمَ طَبَرِيَّةَ، كَانَ كُلُّ دِرْهَمٍ مِنْهَا أَرْبَعَةَ دَوَانِقَ، وَذَلِكَ ثُلُثَا دِرْهَمٍ.
أَوْ إلَى شَهْرٍ.
يَعْنِي مُؤَجَّلَةً، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ عَنْ بَعْضِ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَيَرْفَعُهُ بِكَلَامٍ مُنْفَصِلٍ، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَالِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْفَصِلِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِقْرَارِ بِهَا دَيْنًا، أَوْ وَدِيعَةً، أَوْ غَصْبًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْغَصْبِ الْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِفِعْلٍ فِي عَيْنٍ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي سَلَامَتَهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَرَّ بِغَصْبِ عَبْدٍ، ثُمَّ جَاءَ بِهِ مَعِيبًا.
وَلَنَا، أَنَّ إطْلَاقَ الِاسْمِ يَقْتَضِي الْوَازِنَةَ الْجِيَادَ، فَلَمْ يُقْبَلْ تَفْسِيرُهُ بِمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ، كَالدَّيْنِ، وَيُفَارِقُ الْعَبْدَ؛ فَإِنَّ الْعَيْبَ لَا يَمْنَعُ إطْلَاقَ اسْمِ الْعَبْدِ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا إنْ وَصَفَهَا بِذَلِكَ بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ، أَوْ سَكَتَ لِلتَّنَفُّسِ، أَوْ اعْتَرَضَتْهُ سَعْلَةٌ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، ثُمَّ وَصَفَهَا بِذَلِكَ، أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ، قُبِلَ مِنْهُ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ التَّأْجِيلُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيّ؛ لِأَنَّ التَّأْجِيلَ يَمْنَعُ اسْتِيفَاءَ الْحَقِّ، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ قَضَيْته إيَّاهَا.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِالنَّاقِصَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ نَاقِصَةٌ.
قُبِلَ قَوْلُهُ.
وَإِنْ قَالَ: صِغَارًا.
وَلِلنَّاسِ دَرَاهِمُ صِغَارٌ، قُبِلَ قَوْلُهُ أَيْضًا.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَرَاهِمُ صِغَارٌ لَزِمَهُ وَازِنَةٌ، كَمَا لَوْ قَالَ: دُرَيْهِمٌ.
لَزِمَهُ دِرْهَمٌ وَازِنٌ.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنُ الْقَاصِّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَلَنَا، أَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ بِكَلَامِ مُتَّصِلٍ، فَقُبِلَ مِنْهُ، كَاسْتِثْنَاءِ الْبَعْضِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ الْوَازِنَةِ وَالنَّاقِصَةِ، وَالزُّيُوفِ وَالْجَيِّدَةِ، وَكَوْنُهَا عَلَيْهِ يَحْتَمِلُ الْحُلُولَ وَالتَّأْجِيلَ، فَإِذَا وَصَفَهَا بِذَلِكَ، تَقَيَّدَتْ بِهِ، كَمَا لَوْ وَصَفَ الثَّمَنَ بِهِ، فَقَالَ: بِعْتُك بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، مُؤَجَّلَةٍ نَاقِصَةٍ.
وَثُبُوتُهَا عَلَى غَيْرِ

هَذِهِ الصِّفَةِ حَالَةَ الْإِطْلَاقِ، لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ تَقْيِيدِهَا بِهِ، كَالثَّمَنِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ التَّأْجِيلَ يَمْنَعُ اسْتِيفَاءَهَا.
لَيْسَ بِصَحِيحِ، وَإِنَّمَا يُؤَخِّرُهُ، فَأَشْبَهَ الثَّمَنَ الْمُؤَجَّلَ يُحَقِّقُهُ أَنَّ الدَّرَاهِمَ تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ، فَإِذَا كَانَتْ ثَابِتَةً بِهَذِهِ الصِّفَةِ، لَمْ تَقْتَضِ الشَّرِيعَةُ الْمُطَهَّرَةُ سَدَّ بَابِ الْإِقْرَارِ بِهَا عَلَى صِفَتِهَا.
وَعَلَى مَا ذَكَرُوهُ، لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى الْإِقْرَارِ بِهَا إلَّا عَلَى وَجْهٍ يُؤَاخَذُ بِغَيْرِ مَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، فَيَفْسُدُ بَابُ الْإِقْرَارِ.
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ قَوْلَهُ " صِغَارًا " يَنْصَرِفُ إلَى الْمِقْدَارِ.
لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مِسَاحَةَ الدَّرَاهِمِ لَا تُعْتَبَرُ فِي الشَّرْعِ وَلَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ بِمِسَاحَةٍ مُقَدَّرَةٍ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الصِّغَرُ وَالْكِبَرُ فِي الْوَزْنِ، فَيَرْجِعُ إلَى تَفْسِيرِ الْمُقِرِّ، فَأَمَّا إنْ قَالَ: زُيُوفًا.
وَفَسَّرَهَا بِمَغْشُوشَةٍ، أَوْ مَعِيبَةٍ عَيْبًا يَنْقُصُهَا، قُبِلَ تَفْسِيرُهُ، وَإِنْ فَسَّرَهَا بِنُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ، أَوْ مَا لَا قِيمَةَ لَهُ، لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّ تِلْكَ لَيْسَتْ دَرَاهِمَ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَيَكُونُ تَفْسِيرُهُ بِهِ رُجُوعًا عَمَّا أَقَرَّ بِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَاسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ.

[فَصْلٌ أَقَرَّ بِدَرَاهِم وَأَطْلَقَ فِي بَلَدٍ أَوْزَانُهُمْ نَاقِصَةٌ]

(3838) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ وَأَطْلَقَ، فِي بَلَدٍ أَوْزَانُهُمْ نَاقِصَةٌ، كَطَبَرِيَّةَ، كَانَ دِرْهَمُهُمْ أَرْبَعَةَ دَوَانِيقَ، وَخُوَارِزْمَ كَانَ دِرْهَمُهُمْ أَرْبَعَةَ دَوَانِيقَ وَنِصْفًا، وَمَكَّةَ دِرْهَمُهُمْ نَاقِصٌ، وَكَذَلِكَ الْمَغْرِبُ، أَوْ فِي بَلَدٍ دَرَاهِمُهُمْ مَغْشُوشَةٌ، كَمِصْرِ وَالْمَوْصِلِ، أَوْ بِدَنَانِيرَ فِي بَلَدٍ دَنَانِيرُهُمْ مَغْشُوشَةٌ.
فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَوَّلُهُمَا، يَلْزَمُهُ مِنْ دَرَاهِمِ الْبَلَدِ وَدَنَانِيرِهِ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ كَلَامِهِمْ يُحْمَلُ عَلَى عُرْفِ بَلَدِهِمْ، كَمَا فِي الْبَيْعِ وَالْأَثْمَانِ.
وَالثَّانِي، تَلْزَمُهُ الْوَازِنَةُ الْخَالِصَةُ مِنْ الْغِشِّ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الدَّرَاهِمِ فِي الشَّرْعِ يَنْصَرِفُ إلَيْهَا، بِدَلِيلِ أَنَّ بِهَا تَقْدِيرَ نُصُبِ الزَّكَاةِ وَمَقَادِيرِ الدِّيَاتِ، فَكَذَلِكَ إطْلَاقُ الشَّخْصِ.
وَفَارَقَ الْبَيْعَ؛ فَإِنَّهُ إيجَابٌ فِي الْحَالِ، فَاخْتَصَّ بِدَرَاهِمِ الْمَوْضِعِ الَّذِي هُمَا فِيهِ، وَالْإِقْرَارُ إخْبَارٌ عَنْ حَقٍّ سَابِقٍ فَانْصَرَفَ إلَى دَرَاهِمِ الْإِسْلَامِ.

[فَصْلٌ أَقَرَّ بِدَرَاهِم وَأَطْلَقَ ثُمَّ فَسَّرَهَا بِسِكَّةِ الْبَلَدِ الَّذِي أَقَرَّ بِهَا فِيهِ]

(3839) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ، وَأَطْلَقَ، ثُمَّ فَسَّرَهَا بِسِكَّةِ الْبَلَدِ الَّذِي أَقَرَّ بِهَا فِيهِ، قُبِلَ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهُ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ، وَإِنْ فَسَّرَهَا بِسِكَّةٍ غَيْرِ سِكَّةِ الْبَلَدِ أَجْوَدَ مِنْهَا، قُبِلَ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا هُوَ أَغْلَظُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ مِثْلَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ أَدْنَى مِنْ سِكَّةِ الْبَلَدِ، لَكِنَّهَا مُسَاوِيَةٌ فِي الْوَزْنِ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يُقْبَلَ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهَا يَقْتَضِي دَرَاهِمَ الْبَلَدِ وَنَقْدَهُ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ دُونَهَا، كَمَا لَا يُقْبَلُ فِي الْبَيْعِ، وَلِأَنَّهَا نَاقِصَةُ الْقِيمَةِ، فَلَمْ يُقْبَلْ تَفْسِيرُهُ بِهَا، كَالنَّاقِصَةِ وَزْنًا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا فَسَّرَهُ بِهِ.
وَفَارَقَ النَّاقِصَةَ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الشَّرْعِ الدَّرَاهِمَ، لَا يَتَنَاوَلُهَا، بِخِلَافِ هَذِهِ، وَلِهَذَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ مِقْدَارُ النِّصَابِ فِي الزَّكَاةِ وَغَيْرِهِ، وَفَارَقَ الثَّمَنَ؛ فَإِنَّهُ إيجَابٌ فِي الْحَالِ، وَهَذَا إخْبَارٌ عَنْ حَقٍّ سَابِقٍ.

[فَصْلٌ قَالَ لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ كَبِيرٌ]

(3840) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ كَبِيرٌ.
لَزِمَهُ دِرْهَمٌ مِنْ دَرَاهِمِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ كَبِيرٌ فِي الْعُرْفِ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دُرَيْهِمٌ.
فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: دِرْهَمٌ؛ لِأَنَّ التَّصْغِيرَ قَدْ يَكُونُ لِصِغَرِهِ فِي ذَاتِهِ، أَوْ لِقِلَّةِ قَدْرِهِ عِنْدَهُ وَتَحْقِيرِهِ، وَقَدْ يَكُون لِمَحَبَّتِهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: بِذَيَّالِك الْوَادِي أَهِيمُ وَلَمْ أَقُلْ ... بِذَيَّالِك الْوَادِي وَذُيَّاكَ مِنْ زُهْدِ وَلَكِنْ إذَا مَا حُبَّ شَيْءٌ تَوَلَّعَتْ ... بِهِ أَحْرُفُ التَّصْغِيرِ مِنْ شِدَّةِ الْوَجْدِ وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ عَدَدًا.
لَزِمَتْهُ عَشْرَةٌ مَعْدُودَةٌ وَازِنَةٌ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الدَّرَاهِمِ يَقْتَضِي وَازِنَةً، وَذِكْرُ الْعَدَدِ لَا يُنَافِيهَا، فَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا.
فَإِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ يَتَعَامَلُونَ بِهَا عَدَدًا مِنْ غَيْرِ وَزْنٍ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ أَقَرَّ بِهَا فِي بَلَدٍ أَوْزَانُهُمْ نَاقِصَةٌ، أَوْ دَرَاهِمُهُمْ مَغْشُوشَةٌ، عَلَى مَا فُصِّلَ فِيهِ.

[فَصْلٌ أَقَرَّ بِدِرْهَمِ ثُمَّ أَقَرَّ بِدِرْهَمِ]

(3841) فَصْلٌ: وَإِذَا أَقَرَّ بِدِرْهَمٍ، ثُمَّ أَقَرَّ بِدِرْهَمٍ، لَزِمَهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْإِقْرَارُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي أَوْقَاتٍ، أَوْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَوْ مَجَالِسَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ كَرَّرَ الْخَبَرَ عَنْ الْأَوَّلِ، كَمَا كَرَّرَ اللَّهُ تَعَالَى الْخَبَرَ عَنْ إرْسَالِهِ نُوحًا وَهُودًا وَصَالِحًا وَلُوطًا وَشُعَيْبًا وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى، وَلَمْ يَكُنْ الْمَذْكُورُ فِي قِصَّةٍ غَيْرَ الْمَذْكُورِ فِي أُخْرَى، كَذَا هَاهُنَا.
فَإِنْ وَصَفَ أَحَدَهُمَا وَأَطْلَقَ الْآخَرَ، فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُطْلَقُ هُوَ الْمَوْصُوفَ، أَطْلَقَهُ فِي حَالٍ وَوَصَفَهُ فِي حَالٍ.
وَإِنْ وَصَفَهُ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْمَرَّتَيْنِ، كَانَ تَأْكِيدًا لِمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ وَصَفَهُ فِي إحْدَى الْمَرَّتَيْنِ بِغَيْرِ مَا وَصَفَهُ فِي الْأُخْرَى، فَقَالَ: دِرْهَمٌ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ.
ثُمَّ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ مِنْ قَرْضٍ، أَوْ دِرْهَمٌ مِنْ ثَمَنِ ثَوْبٍ.
ثُمَّ قَالَ: دِرْهَمٌ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ.
أَوْ قَالَ: دِرْهَمٌ أَبْيَضُ، ثُمَّ قَالَ: دِرْهَمٌ أَسْوَدُ.
فَهُمَا دِرْهَمَانِ؛ لِأَنَّهُمَا مُتَغَايِرَانِ.

[فَصْل قَالَ لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ]

(3842) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ أَوْ دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ.
أَوْ دِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ.
لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجْهًا، فِيمَا إذَا قَالَ: دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ.
وَقَالَ: أَرَدْت: دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ لَازِمٌ لِي.
أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الصِّفَةَ.
وَلَنَا، أَنَّ الْفَاءَ أَحَدُ حُرُوفِ الْعَطْفِ الثَّلَاثَةِ، فَأَشْبَهَتْ الْوَاوَ وَثُمَّ، وَلِأَنَّهُ عَطَفَ شَيْئًا عَلَى شَيْءٍ

بِالْفَاءِ، فَاقْتَضَى ثُبُوتَهُمَا، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ.
وَقَدْ سَلَّمَهُ الشَّافِعِيُّ وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ احْتِمَالِ الصِّفَةِ بَعِيدٌ، لَا يُفْهَمُ حَالَةَ الْإِطْلَاقِ، فَلَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِهِ، كَمَا لَوْ فَسَّرَ الدَّرَاهِمَ الْمُطْلَقَةَ بِأَنَّهَا زُيُوفٌ أَوْ صِغَارٌ أَوْ مُؤَجَّلَةٌ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمَانِ.
لَزِمَتْهُ ثَلَاثَةٌ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِينَارٌ، أَوْ فَدِينَارٌ، أَوْ قَفِيزُ حِنْطَةٍ.
وَنَحْوُ ذَلِكَ.
لَزِمَهُ ذَلِكَ كُلُّهُ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ.
لَزِمَتْهُ ثَلَاثَةٌ.
وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَرَدْت بِالثَّالِثِ تَأْكِيدَ الثَّانِي وَبَيَانَهُ.
أَنَّهُ يُقْبَلُ.
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الثَّالِثَ فِي لَفْظِ الثَّانِي، وَظَاهِرُ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ تَلْزَمُهُ الثَّلَاثَةُ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ، وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الثَّالِثُ غَيْرَ الثَّانِي، كَمَا كَانَ الثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ، وَالْإِقْرَارُ لَا يَقْتَضِي تَأْكِيدًا، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْعَدَدِ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ، أَوْ دِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ، أَوْ دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ، أَوْ دِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ.
لَزِمَتْهُ الثَّلَاثَةُ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الثَّالِثَ مُغَايِرٌ لِلثَّانِي، لِاخْتِلَافِ حَرْفَيْ الْعَطْفِ الدَّاخِلَيْنِ عَلَيْهِمَا، فَلَمْ يَحْتَمِلْ التَّأْكِيدَ.

[فَصْل قَالَ لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ بَلْ دِرْهَمَانِ أَوْ دِرْهَمٌ لَكِنَّ دِرْهَمَانِ]

(3843) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ بَلْ دِرْهَمَانِ، أَوْ دِرْهَمٌ لَكِنْ دِرْهَمَانِ.
لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ زُفَرُ وَدَاوُد تَلْزَمُهُ ثَلَاثَةٌ؛ لِأَنَّ " بَلْ " لِلْإِضْرَابِ، فَلَمَّا أَقَرَّ بِدِرْهَمِ وَأَضْرَبَ عَنْهُ، لَزِمَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ، وَلَزِمَهُ الدِّرْهَمَانِ اللَّذَانِ أَقَرَّ بِهِمَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ إنَّمَا نَفَى الِاقْتِصَارَ عَلَى وَاحِدٍ، وَأَثْبَتَ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ، بَلْ أَكْثَرُ.
فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ اثْنَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ، بَلْ دِرْهَمٌ، أَوْ لَكِنْ دِرْهَمٌ.
فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، لَا بَلْ أَنْتِ طَالِقٌ: إنَّهَا لَا تَطْلُقُ إلَّا وَاحِدَةً.
وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِدِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ دِرْهَمٍ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدِرْهَمٍ ثُمَّ أَنْكَرَهُ، ثُمَّ قَالَ: بَلْ عَلَيَّ دِرْهَمٌ.
وَ " لَكِنْ " لِلِاسْتِدْرَاكِ، فَهِيَ فِي مَعْنَى " بَلْ " إلَّا أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ إلَّا بَعْدَ الْجَحْدِ، إلَّا أَنْ يُذْكَرَ بَعْدَهَا جُمْلَةٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي، يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ.
ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ.
وَيَقْتَضِيهِ قَوْلُ زُفَرَ وَدَاوُد؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْإِضْرَابِ يُغَايِرُ مَا قَبْلَهُ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الدِّرْهَمُ الَّذِي أَضْرَبَ عَنْهُ غَيْرَ الدِّرْهَمِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ بَعْدَهُ، فَيَجِبُ الِاثْنَانِ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ، بَلْ دِينَارٌ.
وَلِأَنَّ " بَلْ " مِنْ حُرُوفِ الْعَطْفِ،

وَالْمَعْطُوفُ غَيْرُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَا جَمِيعًا، كَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ دِرْهَمٌ.
وَلِأَنَّا لَوْ لَمْ نُوجِبْ عَلَيْهِ إلَّا دِرْهَمًا، جَعَلْنَا كَلَامَهُ لَغْوًا، وَإِضْرَابَهُ عَنْهُ غَيْرَ مُفِيدٍ، وَالْأَصْلُ فِي كَلَامِ الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ مُفِيدًا.
وَلَوْ كَانَ الَّذِي أَضْرَبَ عَنْهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورَ بَعْدَهُ، وَلَا بَعْضَهُ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ، بَلْ دِينَارٌ أَوْ دِينَارَانِ.
أَوْ: لَهُ عَلَيَّ قَفِيزُ حِنْطَةٍ، بَلْ قَفِيزُ شَعِيرٍ.
أَوْ: هَذَا الدِّرْهَمُ، بَلْ هَذَانِ.
لَزِمَهُ الْجَمِيعُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الثَّانِيَ وَلَا بَعْضَهُ، فَكَانَ مُقِرًّا، بِهِمَا، وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُمَا.
وَكَذَلِكَ كُلُّ جُمْلَتَيْنِ أَقَرَّ بِإِحْدَاهُمَا ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْأُخْرَى، لَزِمَاهُ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمَانِ، بَلْ دِرْهَمٌ.
أَوْ عَشْرَةٌ، بَلْ تِسْعَةٌ.
لَزِمَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ أَضْرَبَ عَنْ وَاحِدٍ، وَنَفَاهُ بَعْدَ إقْرَارِهِ بِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ نَفْيُهُ لَهُ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْفِي شَيْئًا أَقَرَّ بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْبَاقِي بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ، فَإِذَا قَالَ: عَشْرَةٌ إلَّا دِرْهَمًا.
كَانَ مَعْنَاهُ تِسْعَةً.

[فَصْلٌ قَالَ لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ قَبْلَهُ دِرْهَمٌ أَوْ بَعْدَهُ دِرْهَمٌ]

(3844) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ قَبْلَهُ دِرْهَمٌ، أَوْ بَعْدَهُ دِرْهَمٌ.
لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ.
وَإِنْ قَالَ: قَبْلَهُ دِرْهَمٌ وَبَعْدَهُ دِرْهَمٌ.
لَزِمَهُ ثَلَاثَةٌ؛ لِأَنَّ " قَبْلُ " وَ " بَعْدُ " تُسْتَعْمَلُ لِلتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فِي الْوُجُوبِ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ فَوْقَ دِرْهَمٍ، أَوْ تَحْتَ دِرْهَمٍ، أَوْ مَعَهُ دِرْهَمٌ، أَوْ مَعَ دِرْهَمٍ.
فَقَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ.
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ فَوْقَ دِرْهَمٍ فِي الْجَوْدَةِ، أَوْ فَوْقَ دِرْهَمٍ لِي، وَكَذَلِكَ تَحْتَ دِرْهَمٍ.
وَقَوْلُهُ: مَعَهُ دِرْهَمٌ.
يَحْتَمِلُ مَعَهُ دِرْهَمٌ لِي وَكَذَلِكَ مَعَ دِرْهَمٍ، فَلَمْ يَجِبْ الزَّائِدُ بِالِاحْتِمَالِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ.
وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَجْرِي مَجْرَى الْعَطْفِ، لِكَوْنِهِ يَقْتَضِي ضَمَّ دِرْهَمٍ آخَرَ إلَيْهِ، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ الْإِقْرَارِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إقْرَارٌ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ: " عَلَيَّ " يَقْتَضِي فِي ذِمَّتِي، وَلَيْسَ لِلْمُقِرِّ فِي ذِمَّةِ نَفْسِهِ دِرْهَمٌ مَعَ دِرْهَمِ الْمُقَرِّ لَهُ، وَلَا فَوْقَهُ، وَلَا تَحْتَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِلْإِنْسَانِ فِي ذِمَّةِ نَفْسِهِ شَيْءٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: إنْ قَالَ: فَوْقَ دِرْهَمٍ.
لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ؛ لِأَنَّ " فَوْقَ " تَقْتَضِي فِي الظَّاهِرِ الزِّيَادَةَ.
وَإِنْ قَالَ: تَحْتَ دِرْهَمٍ.
لَزِمَهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ " تَحْت " تَقْتَضِي النَّقْصَ.
وَلَنَا، إنْ حُمِلَ كَلَامُهُ عَلَى مَعْنَى الْعَطْفِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ حُمِلَ عَلَى الصِّفَةِ لِلدِّرْهَمِ الْمُقَرِّ بِهِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ بِهِ دِرْهَمًا وَاحِدًا، سَوَاءٌ ذَكَرَهُ بِمَا يَقْتَضِي زِيَادَةَ الْجَوْدَةِ أَوْ نَقْصَهَا.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ قَبْلَهُ دِينَارٌ، أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ قَفِيزُ حِنْطَةٍ، أَوْ مَعَهُ، أَوْ فَوْقَهُ، أَوْ تَحْتَهُ، أَوْ مَعَ ذَلِكَ.
فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ كَالْقَوْلِ فِي الدِّرْهَمِ سَوَاءٌ.

[فَصْلٌ قَالَ لَهُ مَا عَلَيَّ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةٍ]

(3845) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ مَا عَلَيَّ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةٍ.
لَزِمَتْهُ ثَمَانِيَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَا بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ قَالَ: مِنْ دِرْهَمٍ إلَى عَشْرَةٍ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ؛

أَحَدُهَا، تَلْزَمُهُ تِسْعَةٌ.
وَهَذَا يُحْكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ " مِنْ " لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَأَوَّلُ الْغَايَةِ مِنْهَا، وَ " إلَى " لِانْتِهَائِهَا، فَلَا يَدْخُلُ فِيهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187] . وَالثَّانِي، تَلْزَمُهُ ثَمَانِيَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ وَالْعَاشِرَ حَدَّانِ، فَلَا يَدْخُلَانِ فِي الْإِقْرَارِ، وَلَزِمَهُ مَا بَيْنَهُمَا، كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.
وَالثَّالِثُ، تَلْزَمُهُ عَشَرَةٌ؛ لِأَنَّ الْعَاشِرَ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ، فَيَدْخُلُ فِيهَا كَالْأَوَّلِ، وَكَمَا لَوْ قَالَ: قَرَأْت الْقُرْآنَ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ.
فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت بِقَوْلِيِّ مِنْ وَاحِدٍ إلَى عَشَرَةٍ.
مَجْمُوعَ الْأَعْدَادِ كُلِّهَا، أَيْ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَكَذَلِكَ إلَى الْعَشَرَةِ، لَزِمَهُ خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا.
وَاخْتِصَارُ حِسَابِهِ أَنْ تَزِيدَ أَوَّلَ الْعَدَدِ وَهُوَ الْوَاحِدُ عَلَى الْعَشَرَةِ، فَيَصِيرَ أَحَدَ عَشَرَ، ثُمَّ تَضْرِبَهَا فِي نِصْفِ الْعَشَرَةِ، فَمَا بَلَغَ فَهُوَ الْجَوَابُ.

[فَصْلٌ قَالَ لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ]

(3846) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ.
لَزِمَهُ ثَلَاثَةٌ.
لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ.
وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ كَثِيرَةٌ، أَوْ وَافِرَةٌ، أَوْ عَظِيمَةٌ.
لَزِمَهُ ثَلَاثَةٌ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِدُونِ الْعَشَرَةِ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ جَمْعِ الْكَثْرَةِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا يُقْبَلُ أَقَلُّ مِنْ مِائَتَيْنِ؛ لِأَنَّ بِهَا يَحْصُلُ الْغِنَى، وَتَجِبُ الزَّكَاةُ.
وَلَنَا، أَنَّ الْكَثْرَةَ وَالْعَظَمَةَ لَا حَدَّ لَهَا شَرْعًا وَلَا لُغَةً وَلَا عُرْفًا، وَتَخْتَلِفُ بِالْإِضَافَاتِ وَأَحْوَالِ النَّاسِ، فَالثَّلَاثَةُ أَكْثَرُ مِمَّا دُونَهَا وَأَقَلُّ مِمَّا فَوْقَهَا، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَسْتَعْظِمُ الْيَسِيرَ، وَمِنْهُمْ مِنْ لَا يَسْتَعْظِمُ الْكَثِيرَ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُقِرَّ أَرَادَ كَثِيرَةً بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا دُونَهَا، أَوْ كَثِيرَةً فِي نَفْسِهِ، فَلَا تَجِبُ الزِّيَادَةُ بِالِاحْتِمَالِ.

[فَصْلٌ قَالَ لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمَانِ فِي عَشَرَةٍ وَقَالَ أَرَدْت الْحِسَابَ]

(3847) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمَانِ فِي عَشَرَةٍ.
وَقَالَ: أَرَدْت الْحِسَابَ.
لَزِمَهُ عِشْرُونَ.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت دِرْهَمَيْنِ مَعَ عَشَرَةٍ.
وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ الْحِسَابَ، قُبِلَ مِنْهُ، وَلَزِمَهُ اثْنَا عَشَرَ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْعَامَّةِ يُرِيدُونَ بِهَذَا اللَّفْظِ هَذَا الْمَعْنَى.
وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحِسَابِ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يُقْبَلَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْحِسَابِ اسْتِعْمَالُ أَلْفَاظِهِ لِمَعَانِيهَا فِي اصْطِلَاحِهِمْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقْبَلَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ اصْطِلَاحَ الْعَامَّةِ.
وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت دِرْهَمَيْنِ فِي عَشَرَةٍ لِي.
لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا يَقُولُ.
وَإِنْ قَالَ: دِرْهَمَانِ فِي دِينَارٍ.
لَمْ يَحْتَمِلْ الْحِسَابَ، وَسُئِلَ عَنْ مُرَادِهِ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت الْعَطْفَ أَوْ مَعْنَى مَعَ.
لَزِمَهُ الدِّرْهَمَانِ وَالدِّينَارُ.
وَإِنْ قَالَ: أَسْلَمْتُهُمَا فِي دِينَارٍ.
فَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ؛ بَطَلَ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّ سَلْمَ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ فِي الْآخَرِ لَا يَصِحُّ، وَإِنْ كَذَّبَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ وَصَلَ إقْرَارَهُ بِمَا يُسْقِطُهُ، فَلَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَبَطَلَ قَوْلُهُ فِي دِينَارٍ.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمَانِ فِي ثَوْبٍ.
وَفَسَّرَهُ بِالسَّلْمِ، أَوْ قَالَ: فِي ثَوْبٍ اشْتَرَيْته مِنْهُ إلَى سَنَةٍ.

فصول الكتاب · 5 فصل · 621 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المغني لابن قدامة · 621 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
ُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ،
باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
جارٍ التحميل