باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
يَدْخُلُ فِي الْمَكَايِيلِ، كَالْأُوقِيَّةِ وَنَحْوِهَا، فَلَا عِبْرَةَ بِهِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْمَكَايِيلِ، فَلَا يَنْضَبِطُ، فَهُوَ كَنَقْصِ الْحَوْلِ سَاعَةً أَوْ سَاعَتَيْنِ.
[فَصْلُ لَا وَقَصَّ فِي نِصَابِ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ]
(1838) فَصْلٌ: وَلَا وَقَصَ فِي نِصَابِ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ بَلْ مَهْمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ أَخْرَجَ مِنْهُ بِالْحِسَابِ، فَيُخْرِجُ عُشْرَ جَمِيعِ مَا عِنْدَهُ.
فَإِنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي تَبْعِيضِهِ، بِخِلَافِ الْمَاشِيَةِ، فَإِنَّ فِيهَا ضَرَرًا، عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
[فَصْلُ إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ عُشْرٌ مَرَّةً لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ عُشْرٌ آخَرُ وَإِنْ حَالَ عِنْدَهُ أَحْوَالًا]
(1839) فَصْلٌ: وَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ عُشْرٌ مَرَّةً، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ عُشْرٌ آخَرُ، وَإِنْ حَالَ عِنْدَهُ أَحْوَالًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ غَيْرُ مُرْصَدَةٍ لِلنَّمَاءِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، بَلْ هِيَ إلَى النَّقْصِ أَقْرَبُ، وَالزَّكَاةُ إنَّمَا تَجِبُ فِي الْأَشْيَاءِ النَّامِيَةِ، لِيُخْرِجَ مِنْ النَّمَاءِ فَيَكُونَ أَسْهَلَ.
فَإِنْ اشْتَرَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لِلتِّجَارَةِ صَارَ عَرْضًا، تَجِبُ فِيهِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ إذَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلُ وَقْتُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحَبِّ إذَا اشْتَدَّ وَفِي الثَّمَرَةِ إذَا بَدَا صَلَاحُهَا]
(1840) فَصْلٌ: وَوَقْتُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحَبِّ إذَا اشْتَدَّ، وَفِي الثَّمَرَةِ إذَا بَدَا صَلَاحُهَا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: تَجِبُ زَكَاةُ الْحَبِّ يَوْمَ حَصَادِهِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّهُ لَوْ تَصَرَّفَ فِي الثَّمَرَةِ أَوْ الْحَبِّ قَبْلَ الْوُجُوبِ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِيهِ قَبْلَ الْوُجُوبِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَكَلَ السَّائِمَةَ أَوْ بَاعَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ، وَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهَا بَعْدَ الْوُجُوبِ لَمْ تَسْقُطْ الزَّكَاةُ عَنْهُ، كَمَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي السَّائِمَةِ، وَلَا يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ حَتَّى تَصِيرَ الثَّمَرَةُ فِي الْجَرِيبِ وَالزَّرْعُ فِي الْبَيْدَرِ وَلَوْ تَلِفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إتْلَافِهِ أَوْ تَفْرِيطٍ مِنْهُ فِيهِ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا خُرِصَ وَتُرِكَ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ، فَعَلَيْهِمْ حِفْظُهُ، فَإِنْ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَذَهَبَتْ الثَّمَرَةُ، سَقَطَ عَنْهُمْ الْخَرْصُ، وَلَمْ يُؤْخَذُوا بِهِ وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الْخَارِصَ إذَا خَرَصَ الثَّمَرَةَ، ثُمَّ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ قَبْلَ الْجِذَاذِ، وَلِأَنَّهُ قَبْلَ الْجِذَاذِ فِي حُكْمِ مَا لَا تَثْبُتُ الْيَدُ عَلَيْهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةً فَتَلِفَتْ بِجَائِحَةٍ رَجَعَ بِهَا عَلَى الْبَائِعِ، وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ الثَّمَرَةِ، فَقَالَ الْقَاضِي: إنْ كَانَ الْبَاقِي نِصَابًا فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِلَّا فَلَا.
وَهَذَا الْقَوْلُ يُوَافِقُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ إلَّا يَوْمَ حَصَادِهِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ
النِّصَابِ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ، فَمَتَى لَمْ يُوجَدْ وَقْتُ الْوُجُوبِ لَمْ يَجِبْ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّ الْوُجُوبَ ثَبَتَ إذَا بَدَا الصَّلَاحُ وَاشْتَدَّ الْحَبُّ، فَقِيَاسُ قَوْلِهِ: إنْ تَلِفَ الْبَعْضُ.
إنْ كَانَ قَبْلَ الْوُجُوبِ، فَهُوَ كَمَا قَالَ الْقَاضِي، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، وَجَبَ فِي الْبَاقِي بِقَدْرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ نِصَابًا أَوْ لَمْ يَكُنْ نِصَابًا؛ لِأَنَّ الْمُسْقِطَ اخْتَصَّ بِالْبَعْضِ، فَاخْتَصَّ السُّقُوطُ بِهِ، كَمَا لَوْ تَلِفَ بَعْضُ نِصَابِ السَّائِمَةِ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا.
وَهَذَا فِيمَا إذَا تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ وَعُدْوَانِهِ.
فَأَمَّا إنْ أَتْلَفَهَا، أَوْ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ أَوْ عُدْوَانِهِ بَعْدَ الْوُجُوبِ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الزَّكَاةُ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْوُجُوبِ، سَقَطَتْ، إلَّا أَنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ الْفِرَارَ مِنْ الزَّكَاةِ، فَيَضْمَنُهَا، وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ، وَمَتَى ادَّعَى رَبُّ الْمَالِ تَلَفَهَا بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ، قُبِلَ قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْخَرْصِ أَوْ بَعْدَهُ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ أَيْضًا فِي قَدْرِهَا بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُسْتَحْلَفُ النَّاسُ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِ، كَالصَّلَاةِ وَالْحَدِّ.
[فَصْلُ جَذَّهَا وَجَعَلَهَا فِي الْجَرِينِ أَوْ جَعَلَ الزَّرْعَ فِي الْبَيْدَرِ اسْتَقَرَّ وُجُوبُ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ]
(1841) فَصْلٌ: وَإِنْ جَذَّهَا وَجَعَلَهَا فِي الْجَرِينِ، أَوْ جَعَلَ الزَّرْعَ فِي الْبَيْدَرِ، اسْتَقَرَّ وُجُوبُ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ، عِنْدَ مَنْ لَمْ يَرَ التَّمَكُّنَ مِنْ الْأَدَاءِ شَرْطًا فِي اسْتِقْرَارِ الْوُجُوبِ.
فَإِنْ تَلِفَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ تَسْقُطْ الزَّكَاةُ عَنْهُ، وَعَلَيْهِ ضَمَانُهَا، كَمَا لَوْ تَلِفَ نِصَابُ السَّائِمَةِ أَوْ الْأَثْمَانِ بَعْدَ الْحَوْلِ.
وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، فِي كَوْنِ التَّمَكُّنِ مِنْ الْأَدَاءِ مُعْتَبَرًا، لَا يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ فِيهَا حَتَّى تَجِفَّ الثَّمَرَةُ، وَيُصَفَّى الْحَبُّ، وَيَتَمَكَّنَ مِنْ أَدَاءِ حَقِّهِ، فَلَا يَفْعَلُ، وَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي غَيْرِ هَذَا.
[فَصْلُ تَصَرُّفُ الْمَالِكِ فِي النِّصَابِ قَبْلَ الْخَرْصِ وَبَعْدَهُ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَة وَغَيْرهمَا]
(1842) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ تَصَرُّفُ الْمَالِكِ فِي النِّصَابِ قَبْلَ الْخَرْصِ، وَبَعْدَهُ، بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهِمَا.
فَإِنْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ، فَصَدَقَتُهُ عَلَى الْبَائِعِ وَالْوَاهِبِ.
وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا عَلَى الْمُبْتَاعِ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ قَبْلَ الْبَيْعِ فَبَقِيَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ مِنْ جِنْسِ الْمَبِيعِ وَالْمَوْهُوبِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُخْرِجَ ثَمَرًا أَوْ مِنْ الثَّمَنِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلَيْهِ عُشْرَ الثَّمَرَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ، عَلَى صَحِيحِ الْمَذْهَبِ، وَلِأَنَّ عَلَيْهِ الْقِيَامَ بِالثَّمَرَةِ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْوَاجِبَ مِنْهَا ثَمَرًا، فَلَا يَسْقُطُ ذَلِكَ عَنْهُ بِبَيْعِهَا وَلَا هِبَتِهَا.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ تَجِبَ الزَّكَاةُ عَلَى الْمُشْتَرِي، عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا تَجِبُ يَوْمَ حَصَادِهِ، لِأَنَّ الْوُجُوبَ إنَّمَا تَعَلَّقَ بِهَا فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، فَكَانَ عَلَيْهِ.
وَلَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةً قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، ثُمَّ بَدَا صَلَاحُهَا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ نَخْلَةً مُثْمِرَةً،
وَيَشْتَرِطَ ثَمَرَتَهَا، أَوْ وُهِبَتْ لَهُ ثَمَرَةٌ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، فَبَدَا صَلَاحُهَا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي أَوْ الْمُتَّهِبِ، أَوْ وَصَّى لَهُ بِثَمَرَةٍ فَقَبِلَهَا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، ثُمَّ بَدَا صَلَاحُهَا، فَالصَّدَقَةُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ وُجِدَ فِي مِلْكِهِ، فَكَانَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى سَائِمَةً أَوْ اتَّهَبَهَا، فَحَالَ الْحَوْلُ عَلَيْهَا عِنْدَهُ.
اهـ
[فَصْلُ اشْتَرَى ثَمَرَةً قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا فَتَرَكَهَا حَتَّى بَدَا صَلَاحُهَا]
(1843) فَصْلٌ: وَإِذَا اشْتَرَى ثَمَرَةً قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، فَتَرَكَهَا حَتَّى بَدَا صَلَاحُهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرَطَ الْقَطْعَ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ، وَزَكَاتُهَا عَلَيْهِ، وَإِنْ شَرَطَ الْقَطْعَ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ أَيْضًا، وَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهَا كَمَا لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْقَطْعَ، وَرُوِيَ أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ، وَيَشْتَرِكَانِ فِي الزِّيَادَةِ.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَلَى الْمُشْتَرِي زَكَاةُ حِصَّتِهِ مِنْهَا إنْ بَلَغَتْ نِصَابًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُشْتَرِي مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ، كَالْمُكَاتَبِ وَالذِّمِّيِّ، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا، وَإِنْ عَادَ الْبَائِعُ فَاشْتَرَاهَا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ أَوْ غَيْرِهِ، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَصَدَ بِبَيْعِهَا الْفِرَارَ مِنْ الزَّكَاةِ، فَلَا تَسْقُطُ.
[فَصْلُ تَلَفُ الثَّمَرَةُ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ أَوْ الزَّرْعُ قَبْلَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ]
(1844) فَصْلٌ: وَإِنْ تَلِفَتْ الثَّمَرَةُ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، أَوْ الزَّرْعُ قَبْلَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ.
وَكَذَلِكَ إنَّ أَتْلَفَهُ الْمَالِكُ، إلَّا أَنْ يَقْصِدَ الْفِرَارَ مِنْ الزَّكَاةِ، وَسَوَاءٌ قَطَعَهَا لِلْأَكْلِ، أَوْ لِلتَّخْفِيفِ عَنْ النَّخِيلِ لِتَحْسِينِ بَقِيَّةِ الثَّمَرَةِ، أَوْ حِفْظِ الْأَمْوَالِ إذَا خَافَ عَلَيْهَا الْعَطَشَ أَوْ ضَعْفَ الْجِمَارِ، فَقَطَعَ الثَّمَرَةَ أَوْ بَعْضَهَا، بِحَيْثُ نَقَصَ النِّصَابُ، أَوْ قَطَعَهَا لِغَيْرِ غَرَضٍ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا تَلِفَتْ قَبْلَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَتَعَلُّقِ حَقِّ الْفُقَرَاءِ بِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ هَلَكَتْ السَّائِمَةُ قَبْلَ الْحَوْلِ، وَإِنْ قَصَدَ بِقَطْعِهَا الْفِرَارَ مِنْ الزَّكَاةِ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ قَطْعَ حَقِّ مَنْ انْعَقَدَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِ، فَلَمْ تَسْقُطْ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ.
[فَصْلُ مَعْرِفَةِ قَدْرِ الثَّمَرِ وَإِدْرَاكِهِ بِالْخَرْصِ]
(1845) فَصْلٌ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْعَثَ الْإِمَامُ سَاعِيَهُ إذَا بَدَا صَلَاحُ الثِّمَارِ، لِيَخْرُصَهَا، وَيَعْرِفَ قَدْرَ الزَّكَاةِ وَيُعَرِّفَ الْمَالِكَ ذَلِكَ.
وَمِمَّنْ كَانَ يَرَى الْخَرْصَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَسَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ، وَمَرْوَانُ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَالْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي الْمُخَارِقِ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَحُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ الْخَرْصَ بِدْعَةٌ.
وَقَالَ أَهْلُ الرَّأْيِ: الْخَرْصُ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ، لَا يَلْزَمُ بِهِ حُكْمٌ، وَإِنَّمَا كَانَ الْخَرْصُ تَخْوِيفًا لِلْأَكَرَةِ لِئَلَّا يَخُونُوا، فَأَمَّا أَنْ يَلْزَمَ بِهِ حُكْمٌ، فَلَا.
وَلَنَا، مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَبْعَثُ عَلَى النَّاسِ مَنْ يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ كُرُومَهُمْ وَثِمَارَهُمْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَفِي لَفْظٍ عَنْ عَتَّابٍ، قَالَ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُخْرَصَ الْعِنَبُ، كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ، وَتُؤْخَذَ زَكَاتُهُ زَبِيبًا، كَمَا تُؤْخَذُ زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا» .
وَقَدْ عَمِلَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَخَرَصَ عَلَى امْرَأَةٍ بِوَادِي الْقُرَى حَدِيقَةً لَهَا، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي " مُسْنَدِهِ ". وَعَمِلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ وَالْخُلَفَاءُ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ، وَهِيَ تَذْكُرُ شَأْنَ خَيْبَرَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إلَى يَهُودَ، فَيَخْرُصُ عَلَيْهِمْ النَّخْلَ حِينَ يَطِيبُ قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَقَوْلُهُمْ: هُوَ ظَنٌّ.
قُلْنَا: بَلْ هُوَ اجْتِهَادٌ فِي مَعْرِفَةِ قَدْرِ الثَّمَرِ وَإِدْرَاكِهِ بِالْخَرْصِ، الَّذِي هُوَ نَوْعٌ مِنْ الْمَقَادِيرِ وَالْمَعَايِيرِ، فَهُوَ كَتَقْوِيمِ الْمُتْلَفَاتِ.
وَوَقْتُ الْخَرْصِ حِينَ يَبْدُو صَلَاحُهُ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ، فَيَخْرُصُ عَلَيْهِمْ النَّخْلَ حِينَ يَطِيبُ، قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ.
وَلِأَنَّ فَائِدَةَ الْخَرْصِ مَعْرِفَةُ الزَّكَاةِ، وَإِطْلَاقُ أَرْبَابِ الثِّمَارِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهَا، وَالْحَاجَةُ إنَّمَا تَدْعُو إلَى ذَلِكَ حِينَ يَبْدُو الصَّلَاحُ، وَتَجِبُ الزَّكَاةُ
[فَصْلُ يُجْزِئُ خَارِصٌ وَاحِدٌ]
(1846) فَصْلٌ: وَيُجْزِئُ خَارِصٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَبْعَثُ ابْنَ رَوَاحَةَ، فَيَخْرُصُ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَلِأَنَّ الْخَارِصَ يَفْعَلُ مَا يُؤَدِّيهِ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ، فَهُوَ كَالْحَاكِمِ وَالْقَائِفِ، وَيُعْتَبَرُ فِي الْخَارِصِ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا غَيْرَ مُتَّهَمٍ.
[فَصْلُ صِفَةُ الْخَرْصِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الثَّمَرَةِ]
(1847) فَصْلٌ: وَصِفَةُ الْخَرْصِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الثَّمَرَةِ، فَإِنْ كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا، فَإِنَّهُ يُطِيفُ بِكُلِّ نَخْلَةٍ أَوْ شَجَرَةٍ، وَيَنْظُرُ كَمْ فِي الْجَمِيعِ رُطَبًا أَوْ عِنَبًا، ثُمَّ يُقَدِّرُ مَا يَجِيءُ مِنْهَا تَمْرًا، وَإِنْ كَانَ أَنْوَاعًا خَرَصَ كُلَّ نَوْعٍ عَلَى حِدَتِهِ؛ لِأَنَّ الْأَنْوَاعَ تَخْتَلِفُ، فَمِنْهَا مَا يَكْثُرُ رُطَبُهُ وَيَقِلُّ تَمْرُهُ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ بِالْعَكْسِ، وَهَكَذَا الْعِنَبُ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ قَدْرِ كُلِّ نَوْعٍ، حَتَّى يُخْرِجَ عُشْرَهُ، فَإِذَا خَرَصَ عَلَى الْمَالِكِ، وَعَرَّفَهُ قَدْرَ الزَّكَاةِ، خَيَّرَهُ بَيْنَ أَنْ يَضْمَنَ قَدْرَ الزَّكَاةِ، وَيَتَصَرَّفَ فِيهَا بِمَا شَاءَ مِنْ أَكْلٍ وَغَيْرِهِ، وَبَيْنَ حِفْظِهَا إلَى وَقْتِ الْجَدَادِ وَالْجَفَافِ، فَإِنْ اخْتَارَ حِفْظَهَا ثُمَّ أَتْلَفَهَا أَوْ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ نَصِيبِ الْفُقَرَاءِ
بِالْخَرْصِ، وَإِنْ أَتْلَفَهَا أَجْنَبِيٌّ، فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَتْلَفَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ رَبَّ الْمَالِ وَجَبَ عَلَيْهِ تَجْفِيفُ هَذَا الرُّطَبِ، بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ، وَلِهَذَا قُلْنَا فِي مَنْ أَتْلَفَ أُضْحِيَّتَهُ الْمُتَعَيِّنَةَ: عَلَيْهِ أُضْحِيَّةٌ مَكَانَهَا.
وَإِنْ أَتْلَفَهَا أَجْنَبِيٌّ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا.
وَإِنْ تَلِفَتْ بِجَائِحَةٍ مِنْ السَّمَاءِ، سَقَطَ عَنْهُمْ الْخَرْصُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهَا تَلِفَتْ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ زَكَاتِهَا، وَإِنْ ادَّعَى تَلَفَهَا بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ حَفِظَهَا إلَى وَقْتِ الْإِخْرَاجِ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْمَوْجُودِ لَا غَيْرُ، سَوَاءٌ اخْتَارَ الضَّمَانَ، أَوْ حَفِظَهَا عَلَى سَبِيلِ الْأَمَانَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ أَكْثَرَ مِمَّا خَرَصَهُ الْخَارِصُ أَوْ أَقَلَّ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَلْزَمُهُ مَا قَالَ الْخَارِصُ، زَادَ أَوْ نَقَصَ، إذَا كَانَتْ الزَّكَاةُ مُتَقَارِبَةً؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ انْتَقَلَ إلَى مَا قَالَ السَّاعِي، بِدَلِيلِ وُجُوبِ مَا قَالَ عِنْدَ تَلَفِ الْمَالِ.
وَلَنَا، أَنَّ الزَّكَاةَ أَمَانَةٌ، فَلَا تَصِيرُ مَضْمُونَةً بِالشَّرْطِ كَالْوَدِيعَةِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُكْمَ انْتَقَلَ إلَى مَا قَالَ السَّاعِي، وَإِنَّمَا يُعْمَلُ بِقَوْلِهِ إذَا تَصَرَّفَ فِي الثَّمَرَةِ، وَلَمْ يَعْلَمْ قَدْرَهَا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ إصَابَتُهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا خَرَصَ عَلَى الرَّجُلِ، فَإِذَا فِيهِ فَضْلٌ كَثِيرٌ، مِثْلُ الضَّعْفِ، تَصَدَّقَ بِالْفَضْلِ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُصُ بِالسَّوِيَّةِ.
وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَدُلُّ عَلَى مِثْلِ قَوْلِ مَالِكٍ.
وَقَالَ: إذَا تَجَافَى السُّلْطَانُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْعُشْرِ، يُخْرِجُهُ فَيُؤَدِّيهِ.
وَقَالَ: إذَا حَطَّ مِنْ الْخَرْصِ عَنْ الْأَرْضِ، يَتَصَدَّقُ بِقَدْرِ مَا نَقَصُوهُ مِنْ الْخَرْصِ.
وَإِنْ أَخَذَ مِنْهُمْ أَكْثَرَ مِنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ أَحْمَدُ: يُحْتَسَبُ لَهُمْ مِنْ الزَّكَاةِ لِسَنَةٍ أُخْرَى وَنَقَلَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد لَا يُحْتَسَبُ بِالزِّيَادَةِ لِأَنَّ هَذَا غَاصِبٌ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَبِهَذَا أَقُولُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، فَيُحْتَسَبُ بِهِ إذَا نَوَى صَاحِبُهُ بِهِ التَّعْجِيلَ، وَلَا يُحْتَسَبُ بِهِ إذَا لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ.
[فَصْلُ ادَّعَى رَبُّ الْمَالِ غَلَطَ الْخَارِصِ]
فَصْلٌ وَإِنْ ادَّعَى رَبُّ الْمَالِ غَلَطَ الْخَارِصِ وَكَانَ مَا ادَّعَاهُ مُحْتَمَلًا، قُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَمَلًا، مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ غَلَطَ النِّصْفِ وَنَحْوِهِ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ، فَيُعْلَمُ كَذِبُهُ.
وَإِنْ قَالَ: لَمْ يَحْصُلْ فِي يَدَيَّ غَيْرُ هَذَا.
قُبِلَ مِنْهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ لِأَنَّهُ قَدْ يَتْلَفُ بَعْضُهَا بِآفَةٍ لَا نَعْلَمُهَا.
[فَصْلُ عَلَى الْخَارِصِ أَنْ يَتْرُكَ فِي الْخَرْصِ الثُّلُثَ أَوْ الرُّبْعَ]
(1849) فَصْلٌ: وَعَلَى الْخَارِصِ أَنْ يَتْرُكَ فِي الْخَرْصِ الثُّلُثَ أَوْ الرُّبْعَ، تَوْسِعَةً عَلَى أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ
إلَى الْأَكْلِ هُمْ وَأَضْيَافُهُمْ، وَيُطْعِمُونَ جِيرَانَهُمْ وَأَهْلَهُمْ وَأَصْدِقَاءَهُمْ وَسُؤَّالَهُمْ.
وَيَكُونُ فِي الثَّمَرَةِ السُّقَاطَةُ، وَيَنْتَابُهَا الطَّيْرُ وَتَأْكُلُ مِنْهُ الْمَارَّةُ، فَلَوْ اسْتَوْفَى الْكُلَّ مِنْهُمْ أَضَرَّ بِهِمْ.
وَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ، وَنَحْوُهُ قَالَ اللَّيْثُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ.
وَالْمَرْجِعُ فِي تَقْدِيرِ الْمَتْرُوكِ إلَى السَّاعِي بِاجْتِهَادِهِ، فَإِنْ رَأْي الْأَكَلَةَ كَثِيرًا تَرَكَ الثُّلُثَ، وَإِنْ كَانُوا قَلِيلًا تَرَكَ الرُّبْعَ؛ لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ «، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ: إذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبْعُ» . رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَكْحُولٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا بَعَثَ الْخُرَّاصَ قَالَ: خَفِّفُوا عَلَى النَّاسِ، فَإِنَّ فِي الْمَالِ الْعَرِيَّةَ وَالْوَاطِئَةَ وَالْأَكَلَةَ» . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْوَاطِئَةُ: السَّابِلَةُ سُمُّوا بِذَلِكَ لِوَطْئِهِمْ بِلَادَ الثِّمَارِ مُجْتَازِينَ.
وَالْأَكَلَةُ: أَرْبَابُ الثِّمَارِ وَأَهْلُوهُمْ، وَمَنْ لَصِقَ بِهِمْ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ سَهْلٍ فِي مَالِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَعْدٍ، حِينَ قَالَ: لَوْلَا أَنِّي وَجَدْت فِيهِ أَرْبَعِينَ عَرِيشًا، لَخَرَصْته تِسْعَمِائَةِ وَسْقٍ، وَكَانَتْ تِلْكَ الْعُرُشُ لِهَؤُلَاءِ الْأَكَلَةِ.
وَالْعَرِيَّةُ: النَّخْلَةُ أَوْ النَّخَلَاتُ يَهَبُ إنْسَانًا ثَمَرَتَهَا.
فَجَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ فِي الْعَرَايَا صَدَقَةٌ» . وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ لِسَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: إذَا أَتَيْت عَلَى نَخْلٍ قَدْ حَضَرَهَا قَوْمٌ، فَدَعْ لَهُمْ مَا يَأْكُلُونَ.
وَالْحُكْمُ فِي الْعِنَبِ كَالْحُكْمِ فِي النَّخِيلِ سَوَاءٌ، فَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ لَهُمْ الْخَارِصُ شَيْئًا، فَلَهُمْ الْأَكْلُ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَلَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِمْ بِهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُمْ، فَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ الْإِمَامُ خَارِصًا فَاحْتَاجَ رَبُّ الْمَالِ إلَى التَّصَرُّفِ فِي الثَّمَرَةِ، فَأَخْرَجَ خَارِصًا، جَازَ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ ذَلِكَ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَإِنْ خَرَصَ هُوَ وَأَخَذَ بِقَدْرِ ذَلِكَ، جَازَ وَيَحْتَاطُ فِي أَنْ لَا يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِمَّا لَهُ أَخْذُهُ.
[فَصْلُ يُخْرَصُ النَّخْلُ وَالْكَرْمُ]
(1850) فَصْلٌ: وَيُخْرَصُ النَّخْلُ وَالْكَرْمُ؛ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْأَثَرِ فِيهِمَا، وَلَمْ يُسْمَعْ بِالْخَرْصِ فِي غَيْرِهِمَا، فَلَا يُخْرَصُ الزَّرْعُ فِي سُنْبُلِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِالْخَرْصِ فِيهِ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ ثَمَرَةَ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ تُؤْكَلُ رُطَبًا، فَيُخْرَصُ عَلَى أَهْلِهِ لِلتَّوْسِعَةِ عَلَيْهِمْ، لِيُخَلِّيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَكْلِ الثَّمَرَةِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا، ثُمَّ يُؤَدُّونَ الزَّكَاةَ مِنْهَا عَلَى مَا خُرِصَ، وَلِأَنَّ ثَمَرَةَ الْكَرْمِ وَالنَّخْلِ ظَاهِرَةٌ مُجْتَمِعَةٌ، فَخَرْصُهَا أَسْهَلُ مِنْ خَرْصِ غَيْرِهَا، وَمَا عَدَاهُمَا فَلَا يُخْرَصُ.
وَإِنَّمَا عَلَى أَهْلِهِ فِيهِ الْأَمَانَةُ إذَا صَارَ مُصَفًّى يَابِسًا، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهُ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ، وَلَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِمْ.
وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَمَّا يَأْكُلُ أَرْبَابُ الزُّرُوعِ مِنْ الْفَرِيكِ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ صَاحِبُهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِهِ، فَأَشْبَهَ مَا يَأْكُلُهُ أَرْبَابُ الثِّمَارِ مِنْ ثِمَارِهِمْ، فَإِذَا صُفِّيَ الْحَبُّ
أَخْرَجَ زَكَاةَ الْمَوْجُودِ كُلِّهِ، وَلَمْ يُتْرَكْ مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تُرِك لَهُمْ فِي الثَّمَرَةِ شَيْءٌ لِكَوْنِ النُّفُوسِ تَتُوقُ إلَى أَكْلِهَا رَطْبَةً، وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِهِ، وَفِي الزَّرْعِ إنَّمَا يُؤْكَلُ شَيْءٌ يَسِيرٌ، لَا وَقْعَ لَهُ.
[فَصْلُ لَا يُخْرَصُ الزَّيْتُونُ وَلَا غَيْرُ النَّخْلَ وَالْكَرْمِ]
(1851) فَصْلٌ: وَلَا يُخْرَصُ الزَّيْتُونُ، وَلَا غَيْرُ النَّخْلَ وَالْكَرْمِ؛ لِأَنَّ حَبَّهُ مُتَفَرِّقٌ فِي شَجَرِهِ، مَسْتُورٌ بِوَرَقِهِ، وَلَا حَاجَةَ بِأَهْلِهِ إلَى أَكْلِهِ، بِخِلَافِ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ، فَإِنَّ ثَمَرَةَ النَّخْلِ مُجْتَمِعَةٌ فِي عُذُوقِهِ، وَالْعِنَبِ فِي عَنَاقِيدِهِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ الْخَرْصُ عَلَيْهِ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَى أَكْلِهِمَا فِي حَالِ رُطُوبَتِهِمَا.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَاللَّيْثُ: يُخْرَصُ؛ لِأَنَّهُ ثَمَرٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَيُخْرَصُ كَالرُّطَبِ وَالْعِنَبِ.
وَلَنَا: أَنَّهُ لَا نَصَّ فِي خَرْصِهِ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ.
[فَصْلُ وَقْتُ الْإِخْرَاجِ لِزَكَاةِ الزُّرُوع]
(1852) فَصْلٌ: وَوَقْتُ الْإِخْرَاجِ لِلزَّكَاةِ بَعْدَ التَّصْفِيَةِ فِي الْحُبُوبِ وَالْجَفَافِ فِي الثِّمَارِ؛ لِأَنَّهُ أَوَانُ الْكَمَالِ وَحَالُ الِادِّخَارِ.
وَالْمُؤْنَةُ الَّتِي تَلْزَمُ الثَّمَرَةَ إلَى حِينِ الْإِخْرَاجِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ كَالْمَاشِيَةِ، وَمُؤْنَةُ الْمَاشِيَةِ وَحِفْظُهَا وَرَعْيُهَا، وَالْقِيَامُ عَلَيْهَا إلَى حِينَ الْإِخْرَاجِ، عَلَى رَبِّهَا، كَذَا هَاهُنَا.
فَإِنْ أَخَذَ السَّاعِي الزَّكَاةَ قَبْلَ التَّجْفِيفِ، فَقَدْ أَسَاءَ، وَيَرُدُّهُ إنْ كَانَ رَطْبًا بِحَالِهِ، وَإِنْ تَلِفَ رَدَّ مِثْلَهُ، وَإِنْ جَفَّفَهُ وَكَانَ قَدْرَ الزَّكَاةِ، فَقَدْ اسْتَوْفَى الْوَاجِبَ، وَإِنْ كَانَ دُونَهُ أَخَذَ الْبَاقِيَ، وَإِنْ كَانَ زَائِدًا رَدَّ الْفَضْلَ.
وَإِنْ كَانَ الْمُخْرِجُ لَهَا رَبَّ الْمَالِ، لَمْ يُجْزِئْهُ، وَلَزِمَهُ إخْرَاجُ الْفَضْلِ بَعْدَ التَّجْفِيفِ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ غَيْرَ الْفَرْضِ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ أَخْرَجَ الصَّغِيرَةَ مِنْ الْمَاشِيَةِ عَنْ الْكِبَارِ.
[فَصْلُ قَطْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ كَمَالِهَا خَوْفًا مِنْ الْعَطَشِ أَوْ لِضَعْفِ الْجِمَارِ]
(1853) فَصْلٌ: وَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى قَطْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ كَمَالِهَا، خَوْفًا مِنْ الْعَطَشِ، أَوْ لِضَعْفِ الْجِمَارِ، جَازَ قَطْعُهَا؛ لِأَنَّ حَقَّ الْفُقَرَاءِ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى طَرِيقِ الْمُوَاسَاةِ، فَلَا يُكَلَّفُ الْإِنْسَانُ مِنْ ذَلِكَ مَا يُهْلِكُ أَصْلَ مَالِهِ، وَلِأَنَّ حِفْظَ الْأَصْلِ أَحْفَظُ لِلْفُقَرَاءِ مِنْ حِفْظِ الثَّمَرَةِ، لِأَنَّ حَقَّهُمْ يَتَكَرَّرُ بِحِفْظِهَا فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي النَّخْلِ.
ثُمَّ إنْ كَانَ يَكْفِي تَجْفِيفُ الثَّمَرَةِ دُونَ قَطْعِ جَمِيعِهَا، جَفَّفَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكْفِ إلَّا قَطْعُ جَمِيعِهَا، جَازَ.
وَكَذَلِكَ إنْ أَرَادَ قَطْعَ الثَّمَرَةَ لِتَحْسِينِ الْبَاقِي مِنْهَا جَازَ.
وَإِذَا أَرَادَ ذَلِكَ، فَقَالَ الْقَاضِي: يُخَيَّرُ السَّاعِي بَيْنَ أَنْ يُقَاسِمَ رَبَّ الْمَالِ الثَّمَرَةَ قَبْلَ الْجَدَادِ بِالْخَرْصِ، وَيَأْخُذَ نَصِيبَهُمْ نَخْلَةً مُفْرَدَةً، وَيَأْخُذَ ثَمَرَتَهَا، وَبَيْنَ أَنْ يَجُذَّهَا، وَيُقَاسِمَهُ إيَّاهَا بِالْكَيْلِ، وَيَقْسِمَ الثَّمَرَةَ فِي الْفُقَرَاءِ، وَبَيْنَ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ رَبِّ الْمَالِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ
قَبْلَ الْجَدَادِ أَوْ بَعْدَهُ، وَيَقْسِمَ ثَمَنَهَا فِي الْفُقَرَاءِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِيهِ يَابِسًا.
وَذَكَرَ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْعِنَبِ الَّذِي لَا يَجِيءُ مِنْهُ زَبِيبٌ، كَالْخَمْرِيِّ، وَالرُّطَبِ الَّذِي لَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ جَيِّد، كالبرنبا والهلياث.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا قُلْتُمْ لَا زَكَاةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُدَّخَرُ، فَهُوَ كَالْخَضْرَاوَاتِ، وَطَلْعِ الْفُحَّالِ.
قُلْنَا: لِأَنَّهُ يُدَّخَرُ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُدَّخَرْ هَاهُنَا، لِأَنَّ أَخْذَهُ رُطَبًا أَنْفَعُ، فَلَمْ تَسْقُطْ مِنْهُ الزَّكَاةُ بِذَلِكَ، وَلَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ حَتَّى يَبْلُغَ حَدًّا يَكُونُ مِنْهُ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى.
وَإِذَا أَتْلَفَ رَبُّ الْمَالِ هَذِهِ الثَّمَرَةَ، فَقَالَ الْقَاضِي: عَلَيْهِ قِيمَتُهَا، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهَا غَيْرُ رَبِّ الْمَالِ.
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: يَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ الْعُشْرُ تَمْرًا، أَوْ زَبِيبًا، كَمَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الثَّمَرَةِ.
قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَجُدَّ التَّمْرَ، فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا، يُؤْخَذُ مِنْهُ قِيمَتُهُ.
وَالثَّانِي: يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ.
[فَصْلُ كَيْفِيَّةُ الْإِخْرَاجِ لِزَكَاةِ الزُّرُوع]
(1854) فَصْلٌ: فَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْإِخْرَاجِ، فَإِنْ كَانَ الْمَالُ الَّذِي فِيهِ الزَّكَاةُ نَوْعًا وَاحِدًا، أَخَذَ مِنْهُ جَيِّدًا كَانَ أَوْ رَدِيئًا؛ لِأَنَّ حَقَّ الْفُقَرَاءِ يَجِبُ عَلَى طَرِيقِ الْمُوَاسَاةِ، فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الشُّرَكَاءِ، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
وَإِنْ كَانَ أَنْوَاعًا، أَخَذَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مَا يَخُصُّهُ.
هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: يُؤْخَذُ مِنْ الْوَسَطِ.
وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ، إذَا شَقَّ عَلَيْهِ إخْرَاجُ زَكَاةِ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهُ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَقَالَ غَيْرُهُمَا: يُؤْخَذُ عُشْرُ ذَلِكَ مِنْ كُلٍّ بِقَدْرِهِ.
وَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْفُقَرَاءَ بِمَنْزِلَةِ الشُّرَكَاءِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَسَاوَوْا فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْهُ، وَلَا مَشَقَّةَ فِي ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْمَاشِيَةِ إذَا كَانَتْ أَنْوَاعًا، فَإِنَّ إخْرَاجَ حِصَّةِ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهُ يُفْضِي إلَى تَشْقِيصِ الْوَاجِبِ، وَفِيهِ مَشَقَّةٌ بِخِلَافِ الثِّمَارِ، وَلِهَذَا وَجَبَ فِي الزَّائِدِ بِحِسَابِهِ، وَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُ الرَّدِيءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: « ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 267] قَالَ أَبُو أُمَامَةَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هُوَ الْجُعْرُورُ وَلَوْنُ الْحُبَيْقِ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُؤْخَذَ فِي الصَّدَقَةِ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ.
قَالَ: وَهُمَا ضَرْبَانِ مِنْ التَّمْرِ.
أَحَدُهُمَا إنَّمَا يَصِيرُ قِشْرًا عَلَى نَوَى، وَالْآخَرُ إذَا أَثْمَرَ صَارَ حَشَفًا.
وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْجَيِّدِ عَنْ الرَّدِيءِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» . فَإِنْ تَطَوَّعَ رَبُّ الْمَالِ بِذَلِكَ، جَازَ، وَلَهُ ثَوَابُ الْفَضْلِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي فَضْلِ الْمَاشِيَةِ.
[فَصْلُ زَكَاة الزَّيْتُونُ إنْ كَانَ مِمَّا لَا زَيْتَ لَهُ]
(1855) فَصْلٌ: فَأَمَّا الزَّيْتُونُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا زَيْتَ لَهُ، فَإِنَّهُ يُخْرِجُ مِنْهُ عُشْرَهُ حَبًّا، إذَا بَلَغَ النِّصَابَ، لِأَنَّهُ حَالَ كَمَالِهِ وَادِّخَارِهِ يُخْرِجُ مِنْهُ، كَمَا يَخْرُصُ الرُّطَبَ فِي حَالِ رُطُوبَتِهِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ زَيْتٌ أَخْرَجَ مِنْهُ زَيْتًا، إذَا بَلَغَ
الْحَبُّ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ.
وَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَاللَّيْثِ.
قَالُوا: يُخْرَصُ الزَّيْتُونُ، وَيُؤْخَذُ زَيْتًا صَافِيًا.
وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أَخَذَ الْعُشْرَ مِنْ زَيْتِهِ بَعْدَ أَنْ يُعْصَرَ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: يُخْرِجُ مِنْ حَبِّهِ كَسَائِرِ الثِّمَارِ، وَلِأَنَّهُ الْحَالَةُ الَّتِي تُعْتَبَرُ فِيهَا الْأَوْسَاقُ، فَكَانَ إخْرَاجُهُ فِيهَا كَسَائِرِ الثِّمَارِ.
وَهَذَا جَائِزٌ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَكْفِي الْفُقَرَاءَ مُؤْنَتَهُ، فَيَكُونُ أَفْضَلِ، كَتَجْفِيفِ التَّمْرِ، وَلِأَنَّهُ حَالُ كَمَالِهِ وَادِّخَارِهِ، فَيُخْرِجُ مِنْهُ، كَمَا يَخْرُصُ الرُّطَبَ فِي حَالِ رُطُوبَتِهِ، وَيُخْرِجُ مِنْهُ إذَا يَبِسَ.
[فَصْلُ الصَّدَقَةِ فِي الْعَسَلِ]
(1856) فَصْلٌ: وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ أَنَّ فِي الْعَسَلِ الْعُشْرَ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَنْتَ تَذْهَبُ إلَى أَنَّ فِي الْعَسَلِ زَكَاةً؟ قَالَ: نَعَمْ.
أَذْهَبُ إلَى أَنَّ فِي الْعَسَلِ زَكَاةً، الْعُشْرُ، قَدْ أَخَذَ عُمَرُ مِنْهُمْ الزَّكَاةَ.
قُلْت: ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ تَطَوَّعُوا بِهِ؟ قَالَ لَا.
بَلْ أَخَذَهُ مِنْهُمْ.
وَيَرْوِي ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَكْحُولٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا زَكَاةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مَائِعٌ خَارِجٌ مِنْ حَيَوَانٍ، أَشْبَهَ اللَّبَنَ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَيْسَ فِي وُجُوبِ الصَّدَقَةِ فِي الْعَسَلِ خَبَرٌ يَثْبُتُ وَلَا إجْمَاعٌ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ فِي أَرْضِ الْعُشْرِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِلَّا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ «، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُؤْخَذُ فِي زَمَانِهِ مِنْ قِرَبِ الْعَسَلِ، مِنْ كُلِّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةٌ مِنْ أَوْسَطِهَا.» رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَالْأَثْرَمُ، وَابْنُ مَاجَهْ.
وَعَنْ سُلَيْمَانِ بْنِ مُوسَى «، أَنَّ أَبَا سَيَّارَةَ الْمُتَعِيَّ قَالَ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ لِي نَحْلًا.
قَالَ: أَدِّ عُشْرَهَا.
قَالَ: فَاحْمِ إذَا جَبَلَهَا.
فَحَمَاهُ لَهُ.» رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ مَاجَهْ.
وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ ابْنِ أَبِي ذُبَابٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَمَرَهُ فِي الْعَسَلِ بِالْعُشْرِ.
أَمَّا الِابْنُ فَإِنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ فِي أَصْلِهِ وَهِيَ السَّائِمَةُ، بِخِلَافِ الْعَسَلِ.
وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْعُشْرَ وَالْخَرَاجَ لَا يَجْتَمِعَانِ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[فَصْلُ نِصَابُ زَكَاة الْعَسَلِ]
(1857) فَصْلٌ: وَنِصَابُ الْعَسَلِ عَشَرَةُ أَفَرَاقٍ.
وَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: خَمْسَةُ أَوْسَاقٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ.» وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَجِبُ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ نَاسًا سَأَلُوهُ، فَقَالُوا: إنَّ
رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطَعَ لَنَا وَادِيًا بِالْيَمَنِ، فِيهِ خَلَايَا مِنْ نَحْلٍ، وَإِنَّا نَجِدُ نَاسًا يَسْرِقُونَهَا.
فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنْ أَدَّيْتُمْ صَدَقَتَهَا، مِنْ كُلِّ عَشَرَةِ أَفْرَاقٍ فَرَقًا، حَمَيْنَاهَا لَكُمْ.
. رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ.
وَهَذَا تَقْدِيرٌ مِنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الْفَرْقَ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا بِالْعِرَاقِيِّ، فَيَكُونُ نِصَابُهُ مِائَةً وَسِتِّينَ رِطْلًا.
وَقَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد: قَالَ الزُّهْرِيُّ، فِي عَشَرَةِ أَفْرَاقٍ فَرَقٌ، وَالْفَرَقُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ الْفَرَقُ سِتُّونَ رِطْلًا، فَيَكُونُ النِّصَابُ سِتَّمِائَةِ رِطْلٍ، فَإِنَّهُ يَرْوِي أَنَّ الْخَلِيلَ بْنَ أَحْمَدَ، قَالَ: الْفَرْقُ، بِإِسْكَانِ الرَّاءِ: مِكْيَالٌ ضَخْمٌ مِنْ مَكَايِيلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
وَقِيلَ: هُوَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ رِطْلًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نِصَابُهُ أَلْفَ رِطْلٍ، لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، أَنَّهُ كَانَ يُؤْخَذُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قِرَبِ الْعَسَلِ مِنْ كُلِّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةٌ مِنْ أَوْسَطِهَا.
وَالْقِرْبَةُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مِائَةُ رِطْلٍ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْقُلَّتَيْنِ خَمْسُ قِرَبٍ، وَهِيَ خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ.
وَرَوَى سَعِيدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ لِقَوْمِهِ: إنَّهُ لَا خَيْرَ فِي مَالٍ لَا زَكَاةَ فِيهِ.
قَالَ: فَأَخَذْت مِنْ كُلِّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةً، فَجِئْت بِهَا إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَخَذَهَا، فَجَعَلَهَا فِي صَدَقَاتِ الْمُسْلِمِينَ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ قَوْلُ عُمَرَ: مِنْ كُلِّ عَشَرَةِ أَفْرَاقٍ فَرَقًا وَالْفَرَقُ، بِتَحْرِيكِ الرَّاءِ: سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَا خِلَافَ بَيْنَ النَّاسِ أَعْلَمُهُ، فِي أَنَّ الْفَرَق ثَلَاثَةُ آصُعٍ «. وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ فَرَقًا مِنْ طَعَامٍ.
فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ.» وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «كُنْت أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إنَاءٍ، هُوَ الْفَرَقُ» . هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فَيَنْصَرِفُ الْإِطْلَاقُ إلَيْهِ.
وَالْفَرَقُ: هُوَ مِكْيَالٌ ضَخْمٌ لَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَيْهِ؛ لِوُجُوهِ: أَحَدُهَا، أَنَّهُ غَيْرُ مَشْهُورٍ فِي كَلَامِهِمْ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْمُطْلَقُ مِنْ كَلَامِهِمْ.
قَالَ ثَعْلَبٌ: قُلْ فَرَّقَ وَلَا تَقُلْ فَرَقٌ.
قَالَ خِدَاشُ بْنُ زُهَيْرٍ: يَأْخُذُونَ الْأَرْشَ فِي إخْوَتِهِمْ فَرَقَ السَّمْنِ وَشَاةً فِي الْغَنَمِ الثَّانِي، أَنَّ عُمَرَ، قَالَ: مِنْ كُلِّ عَشَرَةِ أَفِرَاق فَرَّقَ، والأفراق جَمْعُ فَرَّقَ، بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَجَمْعُ الْفَرْقِ، بِإِسْكَانِ الرَّاءِ، فُرُوقٌ، وَفِي الْقِلَّةِ أَفْرُق؛ لِأَنَّ مَا كَانَ عَلَى وَزْنِ فَعَلَ سَاكِنَ الْعَيْنِ غَيْرَ مُعْتَلٍّ، فَجَمْعُهُ فِي الْقِلَّةِ أَفْعَلُ، وَفِي الْكَثْرَةِ فِعَالُ أَوْ فَعُوِّلَ.
وَالثَّالِثُ، أَنَّ الْفَرْقَ الَّذِي هُوَ مِكْيَالٌ ضَخْمٌ مِنْ مَكَايِيلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ لَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ كَلَامُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَإِنَّمَا يُحْمَلُ كَلَامُ عُمَرَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى مَكَايِيلِ أَهْلِ الْحِجَازِ؛ لِأَنَّهُ بِهَا وَمِنْ أَهْلِهَا، وَيُؤَكِّدُ مَا ذَكَرْنَا تَفْسِيرَ الزُّهْرِيِّ لَهُ فِي نِصَابِ الْعَسَلِ بِمَا قُلْنَاهُ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ ذَكَرَهُ فِي مَعْرِضِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ،
فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ذَهَبَ إلَيْهِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةُ الْأَرْضَ فِي الْخُرَّاج قِسْمَانِ صُلْحٌ وَعَنْوَةٌ]
(1858) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْأَرْضُ أَرْضَانِ: صُلْحٌ، وَعَنْوَةٌ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْأَرْضَ قِسْمَانِ: صُلْحٌ وَعَنْوَةٌ، فَأَمَّا الصُّلْحُ فَهُوَ كُلُّ أَرْضٍ صَالَحَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا لِتَكُونَ لَهُمْ، وَيُؤَدُّونَ خَرَاجًا مَعْلُومًا، فَهَذِهِ الْأَرْضُ مِلْكٌ لِأَرْبَابِهَا، وَهَذَا الْخَرَاجُ فِي حُكْمِ الْجِزْيَةِ، مَتَى أَسْلَمُوا سَقَطَ عَنْهُمْ، وَلَهُمْ بَيْعُهَا وَهِبَتُهَا وَرَهْنُهَا؛ لِأَنَّهَا مِلْكٌ لَهُمْ، وَكَذَلِكَ إنْ صَالَحُوا عَلَى أَدَاءِ شَيْءٍ غَيْرِ مُوَظَّفٍ عَلَى الْأَرْضِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ أَرْضٍ أَسْلَمَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا، كَأَرْضِ الْمَدِينَةِ وَشِبْهِهَا، فَهَذِهِ مِلْكٌ لِأَرْبَابِهَا، لَا خَرَاجَ عَلَيْهَا، وَلَهُمْ التَّصَرُّفُ فِيهَا كَيْفَ شَاءُوا.
وَأَمَّا الثَّانِي، وَهُوَ مَا فُتِحَ عَنْوَةً، فَهِيَ مَا أُجْلِيَ عَنْهَا أَهْلُهَا بِالسَّيْفِ، وَلَمْ تُقَسَّمْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، فَهَذِهِ تَصِيرُ لِلْمُسْلِمِينَ، يُضْرَبُ عَلَيْهَا خَرَاجٌ مَعْلُومٌ، يُؤْخَذُ مِنْهَا فِي كُلِّ عَامٍ، يَكُونُ أُجْرَةً لَهَا، وَتَقَرُّ فِي أَيْدِي أَرْبَابِهَا، مَا دَامُوا يُؤَدُّونَ خَرَاجَهَا، سَوَاء كَانُوا مُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
وَلَا يَسْقُطُ خَرَاجُهَا بِإِسْلَامِ أَرْبَابِهَا، وَلَا بِانْتِقَالِهَا إلَى مُسْلِمٍ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أُجْرَتِهَا، وَلَمْ نَعْلَمْ أَنَّ شَيْئًا مِمَّا فُتِحَ عَنْوَةً قُسِمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا خَيْبَرَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَمَ نِصْفَهَا، فَصَارَ ذَلِكَ لِأَهْلِهِ، لَا خَرَاجَ عَلَيْهِ، وَسَائِرُ مَا فُتِحَ عَنْوَةً مِمَّا فَتَحَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَمَنْ بَعْدَهُ، كَأَرْضِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَمِصْرَ وَغَيْرهَا، لَمْ يُقَسَّمْ مِنْهُ شَيْءٌ، فَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ، فِي " الْأَمْوَالِ " أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَدِمَ الْجَابِيَةَ، فَأَرَادَ قِسْمَةَ الْأَرْضِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: وَاَللَّهِ إذَا لَيَكُونَنَّ مَا تَكْرَهُ، إنَّك إنَّ قَسَّمْتهَا الْيَوْمَ صَارَ الرَّيْعُ الْعَظِيمُ فِي أَيْدِي الْقَوْمِ، ثُمَّ يَبِيدُونَ فَيَصِيرُ ذَلِكَ إلَى الرَّجُلِ الْوَاحِدِ وَالْمَرْأَةِ، ثُمَّ يَأْتِي بَعْدِهِمْ قَوْمٌ أَخَّرَ يَسُدُّونَ مِنْ الْإِسْلَامِ مَسَدًّا وَهُمْ لَا يَجِدُونَ شَيْئًا، فَانْظُرْ أَمْرًا يَسَعُ أَوَّلَهُمْ وَآخِرَهُمْ.
فَصَارَ عُمَرُ إلَى قَوْلِ مُعَاذٍ
وَرَوَى أَيْضًا، قَالَ: قَالَ الْمَاجِشُونِ: قَالَ بِلَالٌ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْقُرَى الَّتِي افْتَتَحُوهَا عَنْوَةً: اقْسِمْهَا بَيْنَنَا، وَخُذْ خُمْسَهَا.
فَقَالَ عُمَرُ: لَا، هَذَا عَيْنُ الْمَالِ، وَلَكِنِّي أَحْبِسُهُ فَيْئًا يَجْرِي عَلَيْهِمْ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ.
فَقَالَ بِلَالٌ وَأَصْحَابُهُ لِعُمَرَ: اقْسِمْهَا بَيْنَنَا.
فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِلَالًا وَذَوِيهِ.
قَالَ فَمَا حَالَ الْحَوْلُ وَمِنْهُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ.
وَرَوَى، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ وَهْبٍ الْخَوْلَانِيِّ، قَالَ: لَمَّا افْتَتَحَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مِصْرَ، قَامَ ابْنُ الزُّبَيْرُ، فَقَالَ: يَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، اقْسِمْهَا.
فَقَالَ عَمْرو: لَا أَقْسِمُهَا.
فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرُ: لَتَقْسِمَنهَا كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ.
فَقَالَ عَمْرو: لَا أَقْسِمُهَا حَتَّى أَكْتُبَ إلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَكَتَبَ إلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: أَنَّ دَعْهَا حَتَّى يَعْرَوْا مِنْهَا حَبَلُ الْحَبَلَةِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ قَسَمَ أَرْضًا عَنْوَةً إلَّا خَيْبَرَ.
[فَصْلُ مَنْ يَقُومُ عَلَى أَرْضِ الصُّلْحِ وَأَرْضِ الْعَنْوَةِ فِي الْخَرَاجَ]
(1859) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: وَمَنْ يَقُومُ عَلَى أَرْضِ الصُّلْحِ وَأَرْضِ الْعَنْوَةِ، وَمِنْ أَيْنَ هِيَ، وَإِلَى أَيْنَ هِيَ؟ وَقَالَ:
أَرْضُ الشَّامِ عَنْوَةٌ، إلَّا حِمْصَ وَمَوْضِعًا آخَرَ.
وَقَالَ: مَا دُونَ النَّهْرِ صُلْحٌ، وَمَا وَرَاءَهُ عَنْوَةٌ، وَقَالَ: فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ السَّوَادَ عَنْوَةً، إلَّا مَا كَانَ مِنْهُ صُلْحٌ، وَهِيَ أَرْضُ الْحِيرَةِ، وَأَرْضُ مَانَقِيَا.
وَقَالَ: أَرْضُ الثَّرِيِّ خَلَطُوا فِي أَمْرِهَا، فَأَمَّا مَا فُتِحَ عَنْوَةً مِنْ نَهَاوَنْدَ إلَى طَبَرِسْتَانَ خَرَاجٌ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَرْضُ الشَّامِ عَنْوَةٌ، مَا خَلَا مُدُنَهَا، فَإِنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا، إلَّا قَيْسَارِيَّةَ، اُفْتُتِحَتْ عَنْوَةً، وَأَرْضُ السَّوَادِ وَالْحِلِّ وَنَهَاوَنْدَ وَالْأَهْوَازَ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ.
قَالَ مُوسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِيهِ: الْمَغْرِبُ كُلُّهُ عَنْوَةٌ.
فَأَمَّا أَرْضُ الصُّلْحِ فَأَرْضُ هَجَرَ، وَالْبَحْرَيْنِ، وَأَيْلَةَ، وَدُومَةِ الْجَنْدَلِ، وَأَذْرُحَ، فَهَذِهِ الْقُرَى الَّتِي أَدَّتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجِزْيَةَ، وَمُدُن الشَّامِ مَا خَلَا أَرْضَهَا إلَّا قَيْسَارِيَّةَ وَبِلَادَ الْجَزِيرَةِ كُلَّهَا، وَبِلَادُ خُرَاسَانَ كُلُّهَا أَوْ أَكْثَرُهَا صُلْحٌ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ فُتِحَ عَنْوَةً فَإِنَّهُ وَقْفٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
[فَصْلُ حُكْم خَرَاج مَا اسْتَأْنَفَ الْمُسْلِمُونَ فَتْحَهُ]
(1860) فَصْلٌ: وَمَا اسْتَأْنَفَ الْمُسْلِمُونَ فَتْحَهُ، فَإِنْ فُتِحَ عَنْوَةً فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: إحْدَاهُنَّ، أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ قِسْمَتِهَا عَلَى الْغَانِمِينَ، وَبَيْنَ وَقَفَّيْتهَا عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ كِلَا الْأَمْرَيْنِ قَدْ ثَبَتَ فِيهِ حُجَّةٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَسَّمَ نِصْفَ خَيْبَرَ، وَوَقَفَ نِصْفَهَا لِنَوَائِبِهِ
وَوَقَفَ عُمَرُ الشَّامَ وَالْعِرَاقَ وَمِصْرَ وَسَائِرَ مَا فَتَحَهُ، وَأَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ عُلَمَاءُ الصَّحَابَةِ، وَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِهِ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْخُلَفَاءِ، وَلَمْ يُعْلَمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَسَمَ شَيْئًا مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي افْتَتَحُوهَا.
وَالثَّانِيَةُ، أَنَّهَا تَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا؛ لِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ، وَقِسْمَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ كَانَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ، وَشِدَّةِ الْحَاجَةِ، فَكَانَتْ
الْمَصْلَحَةُ
فِيهِ، وَقَدْ تَعَيَّنَتْ
الْمَصْلَحَةُ
فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي وَقْفِ الْأَرْضِ، فَكَانَ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبَ.
وَالثَّالِثَةُ، أَنَّ الْوَاجِبَ قِسْمَتُهَا.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ ذَلِكَ، وَفِعْلُهُ أَوْلَى مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ، مَعَ عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] . الْآيَةُ.
يُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسهَا لِلْغَانِمِينَ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَوْلَى؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا فِي خَيْبَرَ، وَلِأَنَّ عُمَرَ قَالَ: لَوْلَا آخِرُ النَّاسِ لَقَسَمْت الْأَرْضَ كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ.
فَقَدْ وَقَفَ الْأَرْضَ مَعَ عِلْمِهِ بِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِعْلَهُ
ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُتَعَيِّنًا، كَيْفَ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ وَقَفَ نِصْفَ خَيْبَرَ، وَلَوْ كَانَتْ لِلْغَانِمِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَقْفُهَا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: تَوَاتَرَتْ الْآثَارُ فِي افْتِتَاحِ الْأَرْضِينَ عَنْوَةً بِهَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ؛ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَيْبَرَ حِينَ قَسَمَهَا، وَبِهِ أَشَارَ بِلَالٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى عُمَرَ فِي أَرْضِ الشَّامِ، وَأَشَارَ بِهِ الزُّبَيْرُ فِي أَرْضِ مِصْرَ، وَحُكْمِ عُمَرَ فِي أَرْضِ السَّوَادِ وَغَيْرِهِ حِينَ وَقَفَهُ، وَبِهِ أَشَارَ عَلِيٌّ، وَمُعَاذٌ، عَلَى عُمَرَ فِي أَرْضِ الشَّامِ وَلَيْسَ فِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَادًّا لِفِعْلِ عُمَرَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اتَّبَعَ آيَةً مُحْكَمَةً، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] . وَقَالَ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: 7] . الْآيَةُ.
فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ جَائِزًا، وَالنَّظَرُ فِي ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ، فَمَا رَأَى مِنْ ذَلِكَ فَعَلَهُ.
وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الِاخْتِيَارَ الْمُفَوَّضَ إلَى الْإِمَامِ اخْتِيَارُ مَصْلَحَةٍ، لَا اخْتِيَارُ تُشَهِّ فَيَلْزَمُهُ فِعْلُ مَا يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْعُدُولُ عَنْهُ، كَالْخِيَرَةِ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ، وَالْفِدَاءِ وَالْمَنِّ فِي الْأَسْرَى، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى النُّطْقِ بِالْوَقْفِ، بَلْ تَرْكُهُ لَهُ مِنْ غَيْرِ قِسْمَةٍ هُوَ وَقْفُهُ لَهَا، كَمَا أَنَّ قَسَمَهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى لَفْظٍ؛ وَإِنْ عُمَرَ وَغَيْرَهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ فِي وَقْفِ الْأَرْضِ لَفْظُ الْوَقْفِ، وَلِأَنَّ مَعْنَى وَقْفِهَا هَاهُنَا، أَنَّهَا بَاقِيَةٌ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، يُؤْخَذُ خَرَاجُهَا، وَيُصْرَفُ فِي مَصَالِحِهِمْ، وَلَا يُخَصُّ أَحَدٌ بِمِلْكِ شَيْءٍ مِنْهَا، وَهَذَا حَاصِلٌ بِتَرْكِهَا.
[فَصْلُ مَا صَالِح عَلَيْهِ الْكُفَّار مِنْ أَرْضِهِمْ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَنَا وَنُقِرُّهُمْ فِيهَا بِخُرَّاجِ مَعْلُومٍ]
فَصْلٌ: فَأَمَّا مَا جَلَا عَنْهَا أَهْلُهَا خَوْفًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَهَذِهِ تَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الظُّهُورِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُتَعَيِّنٌ فِيهَا، إذْ لَمْ يَكُنْ لَهَا غَانِمٌ، فَكَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْفَيْءِ يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهَا لَا تَصِيرُ وَقْفًا حَتَّى يَقِفَهَا الْإِمَامُ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْعَنْوَةِ إذَا وُقِفَتْ.
وَمَا صَالَحَ عَلَيْهِ الْكُفَّارَ مِنْ أَرْضِهِمْ، عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَنَا، وَنُقِرُّهُمْ فِيهَا بِخُرَّاجِ، مَعْلُومٍ، فَهُوَ وَقْفٌ أَيْضًا، حُكْمُهُ حُكْمُ مَا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَحَ خَيْبَرَ، وَصَالَحَ أَهْلَهَا عَلَى أَنْ يَعْمُرُوا أَرْضَهَا، وَلَهُمْ نِصْفُ ثَمَرَتِهَا، فَكَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ، وَصَالَحَ بَنِي النَّضِيرِ عَلَى أَنْ يُجْلِيَهُمْ مِنْ الْمَدِينَةِ، وَلَهُمْ مَا أُقِلْت الْإِبِلُ مِنْ الْأَمْتِعَةِ وَالْأَمْوَالِ، إلَّا الْحَلْقَةَ - يَعْنِي السِّلَاحَ - فَكَانَتْ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ.
فَأَمَّا مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ، عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَهُمْ، وَنُقِرُّهُمْ فِيهَا بِخُرَّاجِ مَعْلُومٍ.
فَهَذَا الْخَرَاجُ فِي حُكْمِ الْجِزْيَةِ، تَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِمْ، وَالْأَرْضُ لَهُمْ لَا خَرَاجَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ الَّذِي ضُرِبَ عَلَيْهِمْ إنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ كُفْرِهِمْ، بِمَنْزِلَةِ الْجِزْيَةِ
الْمَضْرُوبَةِ عَلَى رُءُوسِهِمْ، فَإِذَا أَسْلَمُوا سَقَطَ، كَمَا تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ، وَتَبْقَى الْأَرْضُ مِلْكًا لَهُمْ، لَاخْرَاجَّ عَلَيْهَا.
وَلَوْ انْتَقَلَتْ الْأَرْضُ إلَى مُسْلِمٍ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا خَرَاجٌ لِذَلِكَ.
[فَصْلُ شِرَاءُ شَيْءٍ مِنْ الْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ أَوْ بَيْعه]
(1862) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ شَيْءٍ مِنْ الْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ وَلَا بَيْعُهُ، فِي قَوْلَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، وَقَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، وَمُسْلِمِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَمْ يَزُلْ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ شِرَاءِ أَرْضِ الْجِزْيَةِ، وَيَكْرَهُهُ عُلَمَاؤُهُمْ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: أَجْمَعَ رَأْيُ عُمَرَ، وَأَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا ظَهَرُوا عَلَى الشَّامِ، عَلَى إقْرَارِ أَهْلِ الْقُرَى فِي قُرَاهُمْ، عَلَى مَا كَانَ بِأَيْدِيهِمْ مِنْ أَرْضِهِمْ، يَعْمُرُونَهَا، وَيُؤَدُّونَ خَرَاجَهَا إلَى الْمُسْلِمِينَ، وَيَرَوْنَ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ شِرَاءُ مَا فِي أَيْدِيهمْ مِنْ الْأَرْضِ طَوْعًا وَلَا كَرِهَا.
وَكَرِهُوا ذَلِكَ مِمَّا كَانَ مِنْ اتِّفَاقِ عُمَرَ وَأَصْحَابِهِ فِي الْأَرْضِينَ الْمَحْبُوسَةِ عَلَى آخِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، لَا تُبَاعُ وَلَا تُورَثُ، قُوَّةً عَلَى جِهَادِ مَنْ لَمْ تَظْهَرْ عَلَيْهِ بَعْدُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: إذَا أَقَرَّ الْإِمَامُ أَهْلَ الْعَنْوَةِ فِي أَرْضِهِمْ، تَوَارَثُوهَا وَتَبَايَعُوهَا وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، وَالْقُرْطُبِيِّ؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ أَنَّ، ابْنَ مَسْعُودٍ اشْتَرَى مِنْ دِهْقَانَ أَرْضًا، عَلَى أَنْ يَكْفِيَهُ جِزْيَتَهَا.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ السَّفَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ» . ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَكَيْفَ بِمَالِ بِزَاذَانَ، وَبِكَذَا، وَبِكَذَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ مَالًا بِزَاذَانَ.
وَلِأَنَّهَا أَرْضٌ لَهُمْ، فَجَازَ بَيْعُهَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَ الشِّرَاءُ أَسْهَلَ يَشْتَرِي الرَّجُلُ مَا يَكْفِيه وَيُغْنِيه عَنْ النَّاسِ، هُوَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
وَكَرِهَ الْبَيْعَ فِي أَرْضِ السَّوَادِ.
وَإِنَّمَا رَخَّصَ فِي الشِّرَاءِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ اشْتَرَى، وَلَمْ يُسْمَعْ عَنْهُمْ الْبَيْعُ، وَلِأَنَّ الشِّرَاءَ اسْتِخْلَاصٌ لِلْأَرْضِ، فَيَقُومُ فِيهَا مَقَامَ مَنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ، وَالْبَيْعُ أَخْذُ عِوَضٍ عَنْ مَا لَا يَمْلِكُهُ وَلَا يَسْتَحِقُّهُ، فَلَا يَجُوزُ.
وَلَنَا: إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: لَا تَشْتَرُوا رَقِيقَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا أَرْضَهُمْ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: اشْتَرَى عُتْبَةُ بْنُ فَرْقَدٍ أَرْضًا عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ، لِيَتَّخِذَ فِيهَا قَصَبًا، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ، فَقَالَ: مِمَّنْ اشْتَرَيْتهَا؟ قَالَ: مِنْ أَرْبَابِهَا.
فَلَمَّا اجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ،
قَالَ: هَؤُلَاءِ أَرْبَابُهَا، فَهَلْ اشْتَرَيْت مِنْهُمْ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَارْدُدْهَا عَلَى مَنْ اشْتَرَيْتهَا مِنْهُ، وَخُذْ مَالَك.
وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ بِمَحْضَرِ سَادَةِ الصَّحَابَةِ وَأَئِمَّتِهِمْ، فَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ إجْمَاعًا، وَلَا سَبِيلَ إلَى وُجُودِ إجْمَاعٍ أَقْوَى مِنْ هَذَا وَشِبْهِهِ، إذْ لَا سَبِيلَ إلَى نَقْلِ قَوْلِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ فِي مَسْأَلَةٍ، وَلَا إلَى نَقْلِ قَوْلِ الْعَشَرَةِ، وَلَا يُوجَدُ الْإِجْمَاعُ إلَّا الْقَوْلَ.
الْمُنْتَشِرَ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ خَالَفَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ بِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ.
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ الْمُخَالَفَةَ.
وَقَوْلُهُمْ اشْتَرَى.
قُلْنَا: الْمُرَادُ بِهِ: اكْتَرَى.
كَذَلِكَ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: عَلَى أَنْ يَكْفِيَهُ جِزْيَتَهَا.
وَلَا يَكُونُ مُشْتَرِيًا لَهَا وَجِزْيَتُهَا عَلَى غَيْرِهِ.
وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الْقَاسِمُ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَقَرَّ بِالطَّسْقِ فَقَدْ أَقَرَّ بِالصِّغَارِ وَالذُّلِّ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشِّرَاءَ هَاهُنَا الِاكْتِرَاءُ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ رُوِيَتْ عَنْهُ الرُّخْصَةُ فِي الشِّرَاءِ فَمَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: فَكَيْفَ بِمَالِ بِزَاذَانَ.
فَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الشِّرَاءِ، وَلِأَنَّ الْمَالَ أَرْضٌ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ مَالًا مِنْ السَّائِمَةِ أَوْ التِّجَارَةِ أَوْ الزَّرْعِ.
أَوْ غَيْرِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرْضٌ أَكْتَرَاهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ غَيْرَهُ، وَقَدْ يَعِيبُ الْإِنْسَانُ الْفِعْلَ الْمَعِيبَ مِنْ غَيْرِهِ.
جَوَابٌ ثَانٍ، أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الشِّرَاءَ، وَبَقِيَ قَوْلُ عُمَرَ فِي النَّهْيِ عَنْ الْبَيْعِ غَيْرَ مُعَارِضٍ، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَلِأَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا، كَسَائِرِ الْأَحْبَاسِ وَالْوُقُوفِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى وَقْفِهَا النَّقْلُ وَالْمَعْنَى؛ أَمَّا النَّقْلُ، فَمَا نُقِلَ مِنْ الْأَخْبَارِ، أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَقْسِمْ الْأَرْضَ الَّتِي افْتَتَحَهَا، وَتَرَكَهَا لِتَكُونَ مَادَّةً لِأَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ نَقَلْنَا بَعْضَ ذَلِكَ، وَهُوَ مَشْهُورٌ تُغْنِي شُهْرَتُهُ عَنْ نَقْلِهِ.
وَأَمَّا الْمَعْنَى، فَلِأَنَّهَا لَوْ قُسِمَتْ لَكَانَتْ لِلَّذِينَ افْتَتَحُوهَا، ثُمَّ لِوَرَثَتِهِمْ، أَوْ لِمَنْ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ عَنْهُمْ، وَلَمْ تَكُنْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلِأَنَّهَا لَوْ قُسِمَتْ، وَلَمْ تَخْفَ بِالْكُلِّيَّةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْوَقْفُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَرَكَهَا لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً، فَيَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَالْإِمَامُ نَائِبُهُمْ، فَيَفْعَلُ مَا يَرَى فِيهِ الْمَصْلَحَةَ، مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَرَكَهَا لِأَرْبَابِهَا، كَفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ.
قُلْنَا: أَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ عُمَرَ إنَّمَا تَرَكَ قِسْمَتَهَا لِتَكُونَ مَادَّةً لِلْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ، يَنْتَفِعُونَ بِهَا، مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهَا، وَهَذَا مَعْنَى الْوَقْفِ، وَلَوْ جَازَ تَخْصِيصُ قَوْمٍ بِأَصْلِهَا لَكَانَ الَّذِينَ افْتَتَحُوهَا أَحَقَّ بِهَا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَمْنَعَهَا أَهْلَهَا لِمُفْسِدَةِ، ثُمَّ يَخُصُّ بِهَا غَيْرَهُمْ مَعَ وُجُودِ الْمَفْسَدَةِ الْمَانِعَةِ.
وَالثَّانِي أَظْهَرُ فَسَادًا مِنْ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ إذَا مَنَعَهَا الْمُسْلِمِينَ الْمُسْتَحِقِّينَ، كَيْفَ يَخُصُّ بِهَا أَهْلَ الذِّمَّةِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا حَقَّ لَهُمْ وَلَا نَصِيبَ؟ .
[فَصْلُ شَرَطَ الْمُشْتَرَى الْخَرَاجَ عَلَى الْبَائِعِ]
(1863) فَصْلٌ: وَإِذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ الشِّرَاءِ، فَإِنَّهَا تَكُونُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي عَلَى مَا كَانَتْ فِي يَدِ الْبَائِعِ، يُؤَدِّي خَرَاجَهَا، وَيَكُونُ مَعْنَى الشِّرَاءِ هَاهُنَا نَقْلَ الْيَدِ مِنْ الْبَائِعِ إلَى الْمُشْتَرِي بِعِوَضِ.
وَإِنْ شَرَطَ الْخَرَاجَ عَلَى الْبَائِعِ كَمَا فَعَلَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَيَكُونُ اكْتِرَاءً لَا شِرَاءَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِطَ بَيَانَ مُدَّتِهِ، كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ.
(1864) فَصْلٌ: وَإِذَا بِيعَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ، فَحَكَمَ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ حَاكِمٌ، صَحَّ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَصَحَّ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، كَسَائِرِ الْمُجْتَهَدَاتِ.
وَإِنْ بَاعَ الْإِمَامُ شَيْئًا لِمُصْلِحَةِ رَآهَا، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَرْضِ مَا يَحْتَاجُ إلَى عِمَارَةٍ لَا يَعْمُرُهَا إلَّا مِنْ يَشْتَرِيهَا، صَحَّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْإِمَامِ كَحُكْمِ الْحَاكِمِ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَائِذٍ، فِي كِتَابِ فُتُوحِ الشَّامِ، قَالَ: قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ مَشْيَخَتِنَا إنَّ النَّاسَ سَأَلُوا عَبْدَ الْمَلِكِ وَالْوَلِيدَ وَسَلْمَانَ أَنْ يَأْذَنُوا لَهُمْ فِي شِرَاءِ الْأَرْضِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَأَذِنُوا لَهُمْ عَلَى إدْخَالِ أَثْمَانِهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ.
فَلَمَّا وَلِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَعْرَضَ عَنْ تِلْكَ الْأَشْرِيَةِ؛ لِاخْتِلَاطِ الْأُمُورِ فِيهَا لِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ الْمَوَارِيثِ وَمُهُورِ النِّسَاءِ وَقَضَاءِ الدُّيُونِ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَخْلِيصِهِ وَلَا مَعْرِفَةِ ذَلِكَ وَكَتَبَ كِتَابًا قُرِئَ عَلَى النَّاسِ سَنَةَ الْمِائَةِ، أَنَّ مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا بَعْدَ سَنَةِ مِائَةٍ فَإِنَّ بَيْعَهُ مَرْدُودٌ وَسَمَّيْ سَنَةَ مِائَةٍ سَنَةَ الْمُدَّةِ، فَتَنَاهَى النَّاسُ عَنْ شِرَائِهَا، ثُمَّ اشْتَرَوْا أَشَرْيَةً كَثِيرَةً كَانَتْ بِأَيْدِي أَهْلِهَا تُؤَدِّي الْعُشْرَ وَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَفْضَى الْأَمْرُ إلَى الْمَنْصُورِ رُفِعَتْ تِلْكَ الْأَشْرِيَةِ إلَيْهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ أَضَرَّ بِالْخَرَاجِ فَأَرَادَ رَدَّهَا إلَى أَهْلِهَا فَقِيلَ لَهُ: قَدْ وَقَعَتْ فِي الْمَوَارِيثِ وَالْمُهُورِ، وَاخْتَلَطَ أَمْرُهَا فَبَعَثَ الْمُعَدِّلِينَ، مِنْهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ إلَى حِمْصَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشِ إلَى بَعْلَبَكَّ، وَهِضَابُ بْنُ طَوْقٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ زُرَيْقٍ إلَى الْغُوطَةِ.
وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَضَعُوا عَلَى الْقَطَائِعِ وَالْأَشْرِيَةِ الْعَظِيمَةِ الْقَدِيمَةِ خَرَاجًا وَوَضَعُوا الْخَرَاجَ عَلَى مَا بَقِيَ بِأَيْدِي الْأَنْبَاطِ، وَعَلَى الْأَشْرِيَةِ الْمُحْدَثَةِ مِنْ بَعْدِ سَنَةِ مِائَةٍ إلَى السَّنَةِ الَّتِي عُدِّلَ فِيهَا.
فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ مَا بَاعَهُ إمَامٌ، أَوْ بِيعَ بِإِذْنِهِ أَوْ تَعَذَّرَ رَدُّ بَيْعِهِ، هَذَا الْمَجْرَى، فِي أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهِ خَرَاجٌ بِقَدْرِ مَا يَحْتَمِل، وَيُتْرَكَ فِي يَدِ مُشْتَرِيه، أَوْ مِنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ، إلَّا مَا بِيعَ قَبْلَ الْمِائَةِ السَّنَة فَإِنَّهُ لَا خَرَاجَ عَلَيْهِ، كَمَا نُقِلَ فِي هَذَا الْخَبَرِ.
(1865) فَصْلٌ: وَحُكْمُ إقْطَاعِ هَذِهِ الْأَرْضِ حُكْمُ بَيْعِهَا فِي أَنَّ مَا كَانَ مِنْ عُمَرَ، أَوْ مِمَّا كَانَ قَبْلَ مِائَةِ سَنَةٍ، فَهُوَ لِأَهْلِهِ.
وَمَا كَانَ بَعْدَهَا، ضُرِبَ عَلَيْهِ، كَمَا فَعَلَ الْمَنْصُورُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، فَيَكُونُ بَاطِلًا، وَذَكَرَ
ابْنُ عَائِذٍ، فِي كِتَابِهِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ - أَظُنُّهُ الْمَنْصُورَ - سَأَلَهُ فِي مَقْدِمِهِ الشَّامَ، سَنَةَ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ، عَنْ سَبَبِ الْأَرْضِينَ الَّتِي بِأَيْدِي أَبْنَاء الصَّحَابَةِ، يَذْكُرُونَ أَنَّهَا قَطَائِعُ لِآبَائِهِمْ قَدِيمَةٌ.
فَقُلْت: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَظْهَرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بِلَادِ الشَّامِ، وَصَالَحُوا أَهْلَ دِمَشْق وَأَهْلَ حِمْصَ، كَرِهُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا دُونَ أَنْ يَتِمَّ ظُهُورُهُمْ، وَإِثْخَانُهُمْ فِي عَدُوِّ اللَّهِ، فَعَسْكَرُوا فِي مَرْجِ بَرَدَى، بَيْنَ الْمِزَّةِ إلَى مَرْجِ شَعْبَانَ، وَجَنْبَتَيْ بَرَدَى مُرُوجٌ كَانَتْ مُبَاحَةً فِيمَا بَيْنَ أَهْلِ دِمَشْق وَقُرَاهَا، لَيْسَتْ لَأَحَدٍ مِنْهُمْ، فَأَقَامُوا بِهَا حَتَّى أَوْطَأَ اللَّهُ بِهِمْ الْمُشْرِكِينَ قَهْرًا وَذُلًّا، فَأَحْيَا كُلُّ قَوْمٍ مَحَلَّتَهُمْ، وَهَيَّئُوا بِهَا بِنَاءً، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ، فَأَمْضَاهُ لَهُمْ، وَأَمْضَاهُ عُثْمَانُ مِنْ بَعْدِهِ إلَى وِلَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ: وَقَدْ أَمْضَيْنَاهُ لَهُمْ.
وَعَنْ الْأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ، أَنَّ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ فَتَحُوا حِمْصَ لَمْ يَدْخُلُوهَا، بَلْ عَسْكَرُوا عَلَى نَهْرِ الْأَرْبَدِ، فَأَحْيَوْهُ، فَأَمْضَاهُ لَهُمْ عُمَرُ وَعُثْمَانُ، وَقَدْ كَانَ مِنْهُمْ أُنَاسٌ تَعَدَّوْا إذْ ذَاكَ إلَى جِسْرِ الْأَرْبَدِ، الَّذِي عَلَى بَابِ الرَّسْتَنِ، فَعَسْكَرُوا فِي مَرْجِهِ مُسَلَّحَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَمَّا بَلَغَهُمْ مَا أَمْضَاهُ عُمَرُ لِلْمُعَسْكِرِينَ عَلَى نَهْرِ الْأَرْبَدِ، سَأَلُوا أَنْ يُشْرِكُوهُمْ فِي تِلْكَ الْقَطَائِعِ، وَكَتَبُوا إلَى عُمَرَ فِيهِ، فَكَتَبَ أَنْ يُعَوَّضُوا مِثْلَهُ مِنْ الْمُرُوجِ الَّتِي كَانُوا عَسْكَرُوا فِيهَا عَلَى بَابِ الرَّسْتَنِ، فَلَمْ تَزُلْ تِلْكَ الْقَطَائِعُ عَلَى شَاطِئِ الْأَرْبَدِ، وَعَلَى بَابِ حِمْصَ، وَعَلَى بَابِ الرستن، مَاضِيَةً لِأَهْلِهَا، لَا خَرَاجَ عَلَيْهَا، تُؤَدِّي الْعُشْرَ.
(1866) فَصْلٌ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَرْضِ الْمُغِلَّةِ، أَمَّا الْمَسَاكِنُ فَلَا بَأْسَ بِحِيَازَتِهَا وَبَيْعِهَا وَشِرَائِهَا وَسُكْنَاهَا.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ مَا عَلِمْنَا أَحَدًا كَرِهَ ذَلِكَ، وَقَدْ اقْتَسَمَتْ الْكُوفَةُ خِطَطًا فِي زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِإِذْنِهِ، وَالْبَصْرَةُ، وَسَكَنِهِمَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَلِكَ الشَّامُ وَمِصْرُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْبُلْدَانِ، فَمَا عَابَ ذَلِكَ أَحَدٌ وَلَا أَنْكَرَهُ.
[مَسْأَلَةُ الْعُشْرِ فِي الْخَارِجِ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ الْمَفْتُوحَةِ]
(1867) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَمَا كَانَ مِنْ الصُّلْحِ، فَفِيهِ الصَّدَقَةُ) يَعْنِي مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ، عَلَى أَنَّ مِلْكَهُ لِأَهْلِهِ، وَلَنَا عَلَيْهِمْ خَرَاجٌ مَعْلُومٌ، فَهَذَا الْخَرَاجُ فِي حُكْمِ الْجِزْيَةِ، مَتَى أَسْلَمُوا سَقَطَ عَنْهُمْ، وَإِنْ انْتَقَلَتْ إلَى مُسْلِمٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ خَرَاجٌ، وَفِي مِثْلِهِ جَاءَ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْبَحْرَيْنِ وَإِلَى هَجَرَ، فَكُنْت آتِي الْحَائِطَ تَكُونُ بَيْنَ الْإِخْوَةِ، يُسْلِمُ أَحَدُهُمْ، فَآخُذُ مِنْ الْمُسْلِمِ الْعُشْرَ، وَمِنْ الْمُشْرِكِ الْخَرَاجَ.» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ
، فَهَذَا فِي أَحَدِ هَذَيْنِ الْبَلَدَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا فُتِحَا صُلْحًا، وَكَذَلِكَ كُلُّ أَرْضٍ أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا، كَأَرْضِ الْمَدِينَةِ، فَهِيَ مِلْكٌ لَهُمْ، لَيْسَ عَلَيْهَا خَرَاجٌ وَلَا شَيْءٌ.
أَمَّا الزَّكَاةُ فَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْعُشْرِ فِي الْخَارِجِ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ كُلَّ أَرْضٍ أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا قَبْلَ قَهْرِهِمْ عَلَيْهَا، أَنَّهَا لَهُمْ، وَأَنَّ أَحْكَامَهُمْ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ عَلَيْهِمْ فِيمَا زَرَعُوا فِيهَا الزَّكَاةَ.
[مَسْأَلَةُ مَا فُتِحَ عَنْوَةً وَوُقِفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَضُرِبَ عَلَيْهِمْ خَرَاجٌ مَعْلُومٌ]
(1868) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَا كَانَ عَنْوَةً أُدِّيَ عَنْهَا الْخَرَاجُ، وَزُكِّيَ مَا بَقِيَ إذَا كَانَ خَمْسَةَ أَوَسْقً، وَكَانَ لِمُسْلِمٍ) . يَعْنِي مَا فُتِحَ عَنْوَةً وَوُقِفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَضُرِبَ عَلَيْهِمْ خَرَاجٌ مَعْلُومٌ، فَإِنَّهُ يُؤَدِّي الْخَرَاجُ مِنْ غَلَّتِهِ، وَيُنْظَرُ فِي بَاقِيهَا، فَإِنْ كَانَ نِصَابًا فَفِيهِ الزَّكَاةُ إذَا كَانَ لِمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا، أَوْ بَلَغَ نِصَابًا وَلَمْ يَكُنْ لِمُسْلِمِ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ.
وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَمُغِيرَةَ، وَاللَّيْثِ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا عُشْرَ فِي الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِي أَرْضِ مُسْلِمٍ» . وَلِأَنَّهُمَا حَقَّانِ سَبَبَاهُمَا مُتَنَافِيَانِ، فَلَا يَجْتَمِعَانِ، كَزَكَاةِ السَّوْمِ وَالتِّجَارَةِ، وَالْعُشْرِ، وَزَكَاةِ الْقِيمَةِ.
وَبَيَانُ تَنَافِيهِمَا أَنَّ الْخَرَاجَ وَجَبَ عُقُوبَةً؛ لِأَنَّهُ جِزْيَةُ الْأَرْضِ، وَالزَّكَاةُ وَجَبَتْ طُهْرَةً وَشُكْرًا، وَلَنَا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: 267] وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ.» وَغَيْرُهُ مِنْ عُمُومَاتِ الْأَخْبَارِ.
قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: 267] . ثُمَّ قَالَ: نَتْرُكُ الْقُرْآنَ لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلِأَنَّهُمَا حَقَّانِ يَجِبَانِ لِمُسْتَحِقَّيْنِ يَجُوزُ وُجُوبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْمُسْلِمِ، فَجَازَ اجْتِمَاعُهُمَا كَالْكَفَّارَةِ وَالْقِيمَةِ فِي الصَّيْدِ الْحَرَمِيِّ الْمَمْلُوكِ، وَحَدِيثُهُمْ يَرْوِيه يَحْيَى بْنُ عَنْبَسَةَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ نَحْمِلُهُ عَلَى الْخَرَاجِ الَّذِي هُوَ جِزْيَةٌ.
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ: " وَكَانَ لِمُسْلِمِ " يَعْنِي أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي أَرْضِهِ سِوَى الْخَرَاجِ.
قَالَ أَحْمَدُ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَيْسَ فِي أَرْضِ أَهْلِ الذِّمَّةِ صَدَقَةٌ، إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103] . فَأَيُّ طُهْرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ، وَقَوْلُهُمْ: إنَّ سَبَبَيْهِمَا يَتَنَافَيَانِ.
غَيْرُ صَحِيحٍ.
فَإِنَّ الْخَرَاجَ أُجْرَةُ الْأَرْضِ، وَالْعُشْرُ زَكَاةُ الزَّرْعِ، وَلَا يَتَنَافَيَانِ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَزَرَعَهَا، وَلَوْ كَانَ الْخَرَاجُ عُقُوبَةً لِمَا وَجَبَ عَلَى مُسْلِمٍ، كَالْجِزْيَةِ.
.
[فَصْلُ كَانَ فِي غَلَّةِ الْأَرْضِ مَا لَا عُشْرَ فِيهِ]
(1869) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ فِي غَلَّةِ الْأَرْضِ مَا لَا عُشْرَ فِيهِ، كَالثِّمَارِ الَّتِي لَا زَكَاةَ فِيهَا، وَالْخَضْرَاوَاتِ، وَفِيهَا زَرْعٌ فِيهِ الزَّكَاةُ، جُعِلَ مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ فِي مُقَابَلَةِ الْخَرَاجِ، وَزُكِّيَ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ، إذَا كَانَ مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ وَافِيًا بِالْخَرَاجِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ إلَّا مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، أُدِّيَ الْخَرَاجُ مِنْ غَلَّتِهَا، وَزُكِّيَ مَا بَقِيَ.
وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَوْفٍ عَامِلِهِ عَلَى فِلَسْطِينَ، فِي مَنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ أَرْضٌ يَحْرُثهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَنْ يَقْبِضَ مِنْهَا جِزْيَتَهَا، ثُمَّ يَأْخُذَ مِنْهَا زَكَاةَ مَا بَقِيَ بَعْدَ الْجِزْيَةِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ: أَنَا اُبْتُلِيت بِذَلِكَ، وَمِنِّي أَخَذُوا ذَلِكَ لِأَنَّ الْخَرَاجَ مِنْ مُؤْنَةِ الْأَرْضِ، فَيُمْنَعُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي قَدْرِهِ، كَمَا قَالَ أَحْمَدُ: مَنْ اسْتَدَانَ مَا أَنْفَقَ عَلَى زَرْعِهِ، وَاسْتَدَانَ مَا أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ، احْتَسَبَ مَا أَنْفَقَ عَلَى زَرْعِهِ دُونَ مَا أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ.
لِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَةِ الزَّرْعِ.
وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: يَحْتَسِبُ بِالدَّيْنَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ يُخْرِجُ مِمَّا بَعْدَهُمَا.
وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ الدَّيْنَ كُلَّهُ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ فِي الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ.
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَحْسِبُ كُلَّ دَيْنٍ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُخْرِجُ الْعُشْرَ مِمَّا بَقِيَ إنَّ بَلَغَ نِصَابًا.
وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا فَلَا عُشْرَ فِيهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَاجِبَ زَكَاةٌ، فَمَنَعَ الدَّيْنُ وُجُوبَهَا، كَزَكَاةِ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ، وَلِأَنَّهُ دَيْنٌ، فَمَنَعَ وُجُوبَ الْعُشْرِ، كَالْخَرَاجِ، وَمَا أَنْفَقَهُ عَلَى زَرْعِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى، أَنَّ مَا كَانَ مِنْ مُؤْنَةِ الزَّرْعِ، فَالْحَاصِلُ فِي مُقَابَلَتِهِ يَجِبُ صَرْفُهُ إلَى غَيْرِهِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ.
[فَصْلُ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَزَرَعَهَا فَمَا حُكْم زَكَاتهَا]
(1870) فَصْلٌ: وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَزَرَعَهَا، فَالْعُشْرُ عَلَيْهِ دُونَ مَالِكِ الْأَرْضِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَشَرِيكٌ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ عَلَى مَالِك الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَتِهَا، فَأَشْبَهَ الْخَرَاجَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ وَاجِبٌ فِي الزَّرْعِ، فَكَانَ عَلَى مَالِكِهِ، كَزَكَاةِ الْقِيمَةِ فِيمَا إذَا أَعَدَّهُ لِلتِّجَارَةِ، وَكَعُشْرِ زَرْعِهِ فِي مِلْكِهِ، وَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُمْ: إنَّهُ مِنْ مُؤْنَةِ الْأَرْضِ.
لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ مُؤْنَتِهَا لَوَجَبَ فِيهَا وَإِنْ لَمْ تُزْرَعْ، كَالْخَرَاجِ، وَلَوَجَبَ عَلَى الذِّمِّيِّ كَالْخَرَاجِ، وَلْتُقَدَّرْ بِقَدْرِ الْأَرْضِ لَا بِقَدْرِ الزَّرْعِ، وَلَوَجَبَ صَرْفُهُ إلَى مَصَارِفِ الْفَيْءِ دُونَ مَصْرِفِ الزَّكَاةِ.
وَلَوْ اسْتَعَارَ أَرْضًا فَزَرَعَهَا، فَالزَّكَاةُ عَلَى صَاحِبِ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُهُ.
وَإِنْ غَصَبَهَا فَزَرَعَهَا وَأَخَذَ الزَّرْعَ، فَالْعُشْرُ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَلَى مِلْكِهِ.
وَإِنْ أَخَذَهُ مَالِكُهَا قَبْلَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ، فَالْعُشْرُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ أَخَذَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، احْتَمَلَ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ أَخْذَهُ إيَّاهُ اسْتَنَدَ إلَى أَوَّلِ زَرْعِهِ، فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ تِلْكَ الْحَالِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ زَكَاتُهُ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِلْكًا لَهُ حِينَ وُجُوبِ عُشْرِهِ، وَهُوَ حِينَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ.
وَإِنْ زَارَعَ رَجُلًا مُزَارِعَةً فَاسِدَةً، فَالْعُشْرُ عَلَى مَنْ يَجِبُ الزَّرْعُ لَهُ.
وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُشْرُ حِصَّتِهِ.
وَإِنْ بَلَغَتْ خَمْسَةَ أَوَسْقً، أَوْ كَانَ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ مَا يَبْلُغُ بِضَمِّهِ إلَيْهَا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَإِلَّا فَلَا عُشْرَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ بَلَغَتْ حِصَّةُ أَحَدِهِمَا دُونَ صَاحِبِهِ النِّصَابَ، فَعَلَى مَنْ بَلَغَتْ
حِصَّتُهُ النِّصَابَ عُشْرُهَا، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْخُلْطَةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ، فِي الصَّحِيحِ.
وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا تُؤَثِّرُ، فَيَلْزَمُهُمَا الْعُشْرُ إذَا بَلَغَ الزَّرْعُ جَمِيعُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَيُخْرِجُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُشْرَ نَصِيبِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مِمَّنْ لَا عُشْرَ عَلَيْهِ، كَالْمُكَاتَبِ وَالذِّمِّيِّ؛ فَلَا يَلْزَمُ شَرِيكَهُ عُشْرٌ إلَّا أَنْ تَبْلُغَ حِصَّتُهُ نِصَابًا، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُسَاقَاةِ.
[فَصْلُ حُكْم الْمُسْلِمِ الَّذِي يُؤَاجِرُ أَرْضَ الْخَرَاجِ مِنْ الذِّمِّيِّ]
(1871) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ بَيْعُ أَرْضِهِ مِنْ ذِمِّيٍّ وَإِجَارَتُهَا مِنْهُ؛ لِإِفْضَائِهِ إلَى إسْقَاطِ عُشْرِ الْخَارِجِ مِنْهَا.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ الْمُسْلِمِ يُؤَاجِرُ أَرْضَ الْخَرَاجِ مِنْ الذِّمِّيِّ؟ قَالَ: لَا يُؤَاجِرُ مِنْ الذِّمِّيِّ، إنَّمَا عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، وَهَذَا ضَرَرٌ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لِأَنَّهُمْ لَا يُؤَدُّونَ الزَّكَاةَ.
فَإِنْ آجَرَهَا مِنْهُ ذِمِّيٌّ، أَوْ بَاعَ أَرْضَهُ الَّتِي لَا خَرَاجَ عَلَيْهَا ذِمِّيًّا، صَحَّ الْبَيْعُ وَالْإِجَارَةُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَشَرِيكٍ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ فِيهَا عُشْرٌ وَلَا خَرَاجٌ.
قَالَ حَرْبٌ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ الذِّمِّيِّ يَشْتَرِي أَرْضَ الْعُشْرِ؟ قَالَ: لَا أَعْلَمُ عَلَيْهِ شَيْئًا، إنَّمَا الصَّدَقَةُ كَهَيْئَةِ مَالِ الرَّجُلِ، وَهَذَا الْمُشْتَرِي لَيْسَ عَلَيْهِ.
وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ فِي هَذَا قَوْلًا حَسَنًا، يَقُولُونَ: لَا نَتْرُكُ الذِّمِّيَّ يَشْتَرِي أَرْضَ الْعُشْرِ.
وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ يَقُولُونَ قَوْلًا عَجِيبًا.
يَقُولُونَ: يُضَاعَفُ عَلَيْهِمْ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ شِرَائِهَا.
اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَصَاحِبِهِ.
فَإِنْ اشْتَرَوْهَا ضُوعِفَ عَلَيْهِمْ الْعُشْرُ، وَأُخِذَ مِنْهُمْ الْخُمْسُ؛ لِأَنَّ فِي إسْقَاطِ الْعُشْرِ مِنْ غَلَّةِ هَذِهِ الْأَرْضِ إضْرَارًا بِالْفُقَرَاءِ، وَتَقْلِيلًا لِحَقِّهِمْ، فَإِذَا تَعْرِضُوا لِذَلِكَ ضُوعِفَ عَلَيْهِمْ الْعُشْرُ، كَمَا لَوْ اتَّجَرُوا بِأَمْوَالِهِمْ إلَى غَيْرِ بَلَدِهِمْ، ضُوعِفَتْ عَلَيْهِمْ الزَّكَاةُ، فَأُخِذَ مِنْهُمْ نِصْفُ الْعُشْرِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَأَبِي يُوسُفَ.
وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: الْعُشْرُ بِحَالِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَصِيرُ أَرْضَ خَرَاجٍ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذِهِ أَرْضٌ لَا خَرَاجَ عَلَيْهَا، فَلَا يَلْزَمُ فِيهَا الْخَرَاجُ بِبَيْعِهَا، كَمَا لَوْ بَاعَهَا مُسْلِمًا، وَلِأَنَّهَا مَالُ مُسْلِمٍ يَجِبْ الْحَقُّ فِيهِ لِلْفُقَرَاءِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ بَيْعِهِ لِلذِّمِّيِّ كَالسَّائِمَةِ، وَإِذَا مَلَكَهَا الذِّمِّيُّ فَلَا عُشْرَ عَلَيْهِ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا زَكَاةٌ، فَلَا تَجِبُ عَلَى الذِّمِّيِّ، كَزَكَاةِ السَّائِمَةِ، وَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِالسَّائِمَةِ؛ فَإِنَّ الذِّمِّيَّ يَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِيَهَا، وَتَسْقُطُ الزَّكَاةُ مِنْهَا، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ تَضْعِيفِ الْعُشْرِ، تَحَكُّمٌ لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَا قِيَاسَ.
[مَسْأَلَةُ تُضَمُّ الْحِنْطَةُ إلَى الشَّعِيرِ وَتُزَكَّيْ إذَا كَانَتْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ]
(1872) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَتُضَمُّ الْحِنْطَةُ إلَى الشَّعِيرِ، وَتُزَكَّى إذَا كَانَتْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَكَذَلِكَ الْقِطْنِيَّاتُ، وَكَذَلِكَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ) ، وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهَا لَا تُضَمُّ، وَتُخْرَجُ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ إنْ كَانَ مَنْصِبًا لِلزَّكَاةِ.
الْقِطْنِيَّاتُ، بِكَسْرِ الْقَافِ: جَمْعُ قِطْنِيَّةٍ؛ وَيُجْمَعُ أَيْضًا قَطَانِيُّ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هِيَ صُنُوفُ الْحُبُوبِ، مِنْ الْعَدَسِ، وَالْحِمَّصِ، وَالْأُرْزِ، وَالْجُلُبَّانِ، وَالْجُلْجُلَانِ - يَعْنِي السِّمْسِمَ - وَزَادَ غَيْرُهُ: الدُّخْنَ، وَاللُّوبِيَا، وَالْفُولَ، وَالْمَاشَ.
وَسُمِّيَتْ قِطْنِيَّةً، فِعْلِيَّةٌ، مِنْ قَطَنَ يَقْطُنُ فِي الْبَيْتِ، أَيْ يَمْكُثُ فِيهِ.
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي غَيْرِ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ، أَنَّهُ لَا يُضَمُّ جِنْسٌ إلَى جِنْسٍ آخَرَ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ.
فَالْمَاشِيَةُ ثَلَاثَةُ أَجْنَاسٍ: الْإِبِلُ، وَالْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ، لَا يُضَمُّ جِنْسٌ مِنْهَا إلَى آخَرَ.
وَالثِّمَارُ لَا يُضَمُّ جِنْسٌ إلَى غَيْرِهِ، فَلَا يُضَمُّ التَّمْرُ إلَى الزَّبِيبِ، وَلَا إلَى اللَّوْزِ، وَالْفُسْتُقِ، وَالْبُنْدُقِ وَلَا يُضَمُّ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ إلَى غَيْرِهِ، وَلَا تُضَمُّ الْأَثْمَارُ إلَى شَيْءٍ مِنْ السَّائِمَةِ، وَلَا مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ.
وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ، فِي أَنَّ أَنْوَاعَ الْأَجْنَاسِ يُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فِي إكْمَالِ النِّصَابِ.
وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَيْضًا فِي أَنَّ الْعُرُوضَ تُضَمُّ إلَى الْأَثْمَانِ، وَتُضَمُّ الْأَثْمَانُ إلَيْهَا، إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يَضُمُّهَا إلَّا إلَى جِنْسِ مَا اُشْتُرِيَتْ بِهِ، لِأَنَّ نِصَابَهَا مُعْتَبَرٌ بِهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي ضَمِّ الْحُبُوبِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ، وَفِي ضَمِّ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ إلَى الْآخَرِ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْحُبُوبِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ؛ إحْدَاهُنَّ، لَا يُضَمُّ جِنْسٌ مِنْهَا إلَى غَيْرِهِ، وَيُعْتَبَرُ النِّصَابُ فِي كُلِّ جِنْسٍ مِنْهَا مُنْفَرِدًا هَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَمَكْحُولٍ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَشَرِيكٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهَا أَجْنَاسٌ، فَاعْتُبِرَ النِّصَابُ فِي كُلِّ جِنْسٍ مِنْهَا مُنْفَرِدًا، كَالثِّمَارِ أَيْضًا وَالْمَوَاشِي.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّ الْحُبُوبَ كُلَّهَا تُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ.
اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ.
وَهَذَا قَوْلُ عِكْرِمَةَ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ طَاوُسٌ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْمَاضِينَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا إلَّا عِكْرِمَةَ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا زَكَاةَ فِي حَبٍّ وَلَا ثَمَرٍ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ» وَمَفْهُومُهُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهِ إذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ.
وَلِأَنَّهَا تَتَّفِقُ فِي النِّصَابِ وَقَدْرِ الْمُخْرَجِ، وَالْمَنْبِتِ وَالْحَصَادِ، فَوَجَبَ ضَمُّ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ، كَأَنْوَاعِ الْجِنْسِ.
وَهَذَا الدَّلِيلُ مُنْتَقِضٌ بِالثِّمَارِ.
وَالثَّالِثَةُ، أَنَّ الْحِنْطَةَ تُضَمُّ إلَى الشَّعِيرِ، وَتُضَمُّ الْقِطْنِيَّاتُ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ.
نَقَلَهَا أَبُو الْحَارِثِ، عَنْ أَحْمَدَ، وَحَكَاهَا الْخِرَقِيِّ.
قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، إلَّا أَنَّهُ زَادَ،
فَقَالَ: السُّلْتُ، وَالذُّرَةُ، وَالدُّخْنُ، وَالْأُرْزُ، وَالْقَمْحُ، وَالشَّعِيرُ، صِنْفٌ وَاحِدٌ وَلَعَلَّهُ يَحْتَجُّ بِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مُقْتَاتٌ، فَيُضَمُّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ، كَأَنْوَاعِ الْحِنْطَةِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ: تُضَمُّ الْحِنْطَةُ إلَى الشَّعِيرِ؛ لِأَنَّهَا تَتَّفِقُ فِي الِاقْتِيَاتِ وَالْمَنْبَتِ وَالْحَصَادِ وَالْمَنَافِعِ، فَوَجَبَ ضَمُّهَا، كَمَا يُضَمُّ الْعَلَسُ إلَى الْحِنْطَةِ، وَأَنْوَاعُ الْجِنْسِ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَوْلَى، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهَا أَجْنَاسٌ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهَا، فَلَمْ يُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ كَالثِّمَارِ.
وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْعَلَسِ مَعَ الْحِنْطَةِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْهَا، وَلَا عَلَى أَنْوَاعِ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّ الْأَنْوَاعَ كُلَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِيهَا، وَثَبَتَ حُكْمُ الْجِنْسِ فِي جَمِيعِهَا، بِخِلَافِ الْأَجْنَاسِ.
وَإِذَا انْقَطَعَ الْقِيَاسُ، لَمْ يَجُزْ إيجَابُ الزَّكَاةِ بِالتَّحَكُّمِ، وَلَا بِوَصْفٍ غَيْرِ مُعْتَبَرٍ، ثُمَّ هُوَ بَاطِلٌ بِالثِّمَارِ، فَإِنَّهَا تَتَّفِقُ فِيمَا ذَكَرُوهُ، وَلَا يُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ، فَمَا لَمْ يَرِدْ بِالْإِيجَابِ نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ أَوْ مَعْنَاهُمَا، لَا يَثْبُتُ إيجَابُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَا خِلَافَ فِيمَا نَعْلَمُهُ فِي ضَمِّ الْحِنْطَةِ إلَى الْعَلَسِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْهَا.
وَعَلَى قِيَاسِهِ السُّلْتُ يُضَمُّ إلَى الشَّعِيرِ؛ لِأَنَّهُ مِنْهُ.
(1873) فَصْلٌ: وَلَا تَفْرِيعَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ؛ لِوُضُوحِهِمَا.
فَأَمَّا الثَّالِثَةُ، وَهِيَ ضَمُّ الْحِنْطَةِ إلَى الشَّعِيرِ، وَالْقِطْنِيَّاتُ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ، فَإِنَّ الذُّرَةَ تُضَمُّ إلَى الدُّخْنِ، لِتَقَارُبِهِمَا فِي الْمَقْصِدِ، فَإِنَّهُمَا يُتَّخَذَانِ خُبْزًا وَأُدْمًا، وَقَدْ ذُكِرَا مِنْ جُمْلَةِ الْقِطْنِيَّاتِ أَيْضًا، فَيَضُمَّانِ إلَيْهَا.
وَأَمَّا الْبُزُورُ فَلَا تُضَمُّ إلَى الْقِطْنِيَّاتِ، وَلَكِنَّ الْأَبَازِيرَ يُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ؛ لِتَقَارُبِهَا فِي الْمَقْصِدِ، فَأَشْبَهَتْ الْقِطْنِيَّاتِ.
وَحُبُوبُ الْبُقُولِ لَا تُضَمُّ إلَى الْقِطْنِيَّاتِ، وَلَا إلَى الْبُزُورِ، فَمَا تَقَارَبَ مِنْهَا ضُمَّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ، وَمَا لَا فَلَا، وَمَا شَكَكْنَا فِيهِ لَا يُضَمُّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ، فَلَا يَجِبُ بِالشَّكِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (1874) فَصْلٌ: وَذَكَرَ الْخِرَقِيِّ فِي ضَمِّ الذَّهَبِ إلَى الْفِضَّةِ رِوَايَتَيْنِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا فِيمَا مَضَى، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ، أَنَّهُ لَا يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ، مَعَ اخْتِيَارِهِ الضَّمَّ فِي الْحُبُوبِ؛ لِاخْتِلَافِ نِصَابِهِمَا، وَاتِّفَاقِ نِصَابِ الْحُبُوبِ.
.
[فَصْلُ الزَّكَاةَ تُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ عَلَى قَدْرِ مَا يَخُصُّهُ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ جِنْسٍ عَنْ غَيْرِهِ]
(1875) فَصْلٌ: وَمَتَى قُلْنَا بِالضَّمِّ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ تُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ عَلَى قَدْرِ مَا يَخُصُّهُ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ جِنْسٍ عَنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّنَا إذَا قُلْنَا فِي أَنْوَاعِ الْجِنْسِ: يُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مَا يَخُصُّهُ.
فَأَوْلَى أَنْ يُعْتَدَّ ذَلِكَ فِي الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ، مَعَ تَفَاوُتِ مَقَاصِدهَا، إلَّا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، فَإِنَّ فِي إخْرَاجِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ رِوَايَتَيْنِ.
[فَصْلُ يُضَمُّ زَرْعُ الْعَامِ الْوَاحِدِ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ]
(1876) فَصْلٌ: وَيُضَمُّ زَرْعُ الْعَامِ الْوَاحِدِ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ، سَوَاءٌ اتَّفَقَ وَقْتُ زَرْعِهِ وَإِدْرَاكِهِ، أَوْ اخْتَلَفَ.
وَلَوْ كَانَ مِنْهُ صَيْفِيٌّ وَرَبِيعِيٌّ، ضُمَّ الصَّيْفِيُّ إلَى الرَّبِيعِيِّ.
وَلَوْ حَصَدْت الذُّرَةَ وَالدُّخْنَ، ثُمَّ نَبَتَ أُصُولُهُمَا يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ زَرْعُ عَامٍ وَاحِدٍ، فَضُمَّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ، كَمَا لَوْ تَقَارَبَ زَرْعُهُ وَإِدْرَاكُهُ.
[فَصْلُ تُضَمُّ ثَمَرَةُ الْعَامِ الْوَاحِدِ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ]
(1877) فَصْلٌ: وَتُضَمُّ ثَمَرَةُ الْعَامِ الْوَاحِدِ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، سَوَاءٌ اتَّفَقَ وَقْتُ إطْلَاعِهَا وَإِدْرَاكِهَا، أَوْ اخْتَلَفَ، فَيُقَدَّمُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ فِي ذَلِكَ.
وَلَوْ أَنَّ الثَّمَرَةَ جُذَّتْ ثُمَّ أَطْلَعَتْ الْأُخْرَى وَجُذَّتْ، ضُمَّتْ إحْدَاهُمَا إلَى الْأُخْرَى.
فَإِنْ كَانَ لَهُ نَخْلٌ يَحْمِلُ فِي السَّنَةِ حَمْلَيْنِ، ضُمَّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُضَمُّ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ حَمَلٌ يَنْفَصِلُ عَنْ الْأَوَّلِ، فَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ حَمْلِ عَامٍ آخَرَ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ نَخْلٌ يَحْمِلُ مَرَّةً، وَنَخْلٌ يَحْمِلُ مَرَّتَيْنِ، ضَمَمْنَا الْحَمْلَ الْأَوَّلَ إلَى الْحَمْلِ الْمُنْفَرِدِ، وَلَمْ يَجِبْ فِي الثَّانِي شَيْءٌ، إلَّا أَنْ يَبْلُغَ بِمُفْرَدِهِ نِصَابًا.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ أَحَدَ الْحَمْلَيْنِ يُضَمُّ إلَى الْآخَرِ.
ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّهُمَا ثَمَرَةُ عَامٍ وَاحِدٍ، فَيُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، كَزَرْعِ الْعَامِ الْوَاحِدِ، وَكَالذُّرَةِ الَّتِي تُنْبِتُ، مَرَّتَيْنِ، وَلِأَنَّ الْحَمْلَ الثَّانِي يُضَمُّ إلَى الْحَمْلِ الْمُنْفَرِدِ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَمْلٌ أَوَّلُ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ، فَإِنَّ وُجُودَ الْحَمْلِ الْأَوَّلِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا، بِدَلِيلِ حَمَلِ الذُّرَةِ الْأَوَّلِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الِانْفِصَالِ يَبْطُلُ بِالذُّرَةِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَاب زَكَاةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ]
ِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ زَكَاةِ.
أَمَّا الْكِتَابُ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: 34] . وَالْآيَةُ الْأُخْرَى.
وَلَا يُتَوَعَّدُ بِهَذِهِ الْعُقُوبَةِ إلَّا عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ
وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إلَّا إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحَ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبْهَتُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ عَلَيْهِ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَ الْعِبَادِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ، فِي كِتَابِ أَنَسٍ: «وَفِي الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا تِسْعِينَ وَمِائَةً، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا» . وَالرِّقَةُ: هِيَ الدَّرَاهِمُ الْمَضْرُوبَةُ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى أَنَّ الذَّهَبَ إذَا كَانَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا، وَقِيمَتُهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ، أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبْ فِيهِ، إلَّا مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ الْحَسَنِ.
[مَسْأَلَةُ نِصَابَ الْفِضَّةِ]
(1878) مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: (وَلَا زَكَاةَ فِيمَا دُونَ الْمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مِلْكِهِ ذَهَبٌ أَوْ عُرُوضٌ لِلتِّجَارَةِ، فَيُتِمُّ بِهِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ نِصَابَ الْفِضَّةِ مِائَتَا دِرْهَمٍ، لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ الَّتِي رَوَيْنَاهَا بِحَمْدِ اللَّهِ، وَالدَّرَاهِمُ الَّتِي يُعْتَبَرُ بِهَا النِّصَابُ هِيَ الدَّرَاهِمُ الَّتِي كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْهَا وَزْنُ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ بِمِثْقَالِ الذَّهَبِ، وَكُلُّ دِرْهَمٍ نِصْفُ مِثْقَالٍ وَخُمْسُهُ، وَهِيَ الدَّرَاهِمُ الْإِسْلَامِيَّةُ الَّتِي تُقَدَّرُ بِهَا نُصُبُ الزَّكَاةِ، وَمِقْدَارُ الْجِزْيَةِ، وَالدِّيَاتُ، وَنِصَابُ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ.
وَكَانَتْ الدَّرَاهِمُ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ صِنْفَيْنِ، سُودًا، وَطَبَرِيَّةً، وَكَانَتْ السُّودُ ثَمَانِيَةَ دَوَانِيقَ، وَالطَّبَرِيَّةُ أَرْبَعَةَ دَوَانِيقَ، فَجُمِعَا فِي الْإِسْلَامِ، وَجُعِلَا دِرْهَمَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ، فِي كُلِّ دِرْهَمٍ سِتَّةُ دَوَانِيقَ، فَعَلَ ذَلِكَ بَنُو أُمَيَّةَ، فَاجْتَمَعَتْ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا، أَنَّ كُلَّ عَشَرَةٍ وَزْنُ سَبْعَةٍ.
وَالثَّانِي، أَنَّهُ عَدْلٌ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ.
وَالثَّالِثُ، أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدِرْهَمِهِ الَّذِي قَدَّرَ بِهِ الْمَقَادِيرَ الشَّرْعِيَّةَ.
وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ التِّبْرِ وَالْمَضْرُوبِ.
وَمَتَى نَقَصَ النِّصَابُ عَنْ ذَلِكَ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ النَّقْصُ كَثِيرًا أَوْ يَسِيرًا.
هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» . وَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا.
بِغَيْرِ خِلَافٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ.
وَقَالَ غَيْرُ الْخِرَقِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنْ كَانَ النَّقْصُ يَسِيرًا، كَالْحَبَّةِ وَالْحَبَّتَيْنِ، وَجَبَتْ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُضْبَطُ غَالِبًا، فَهُوَ كَنَقْصِ الْحَوْلِ سَاعَةً أَوْ سَاعَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ نَقْصًا بَيِّنًا، كَالدَّانَقِ وَالدَّانَقَيْنِ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ.
أَنَّ نِصَابَ الذَّهَبِ إذَا نَقَصَ ثُلُثَ مِثْقَالٍ زَكَّاهُ.
وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَسُفْيَانَ.
وَإِنْ نَقَصَ نِصْفًا لَا زَكَاةَ فِيهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إذَا نَقَصَ ثُمْنًا لَا زَكَاةَ فِيهِ.
اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا نَقَصَتْ نَقْصًا يَسِيرًا يَجُوزُ جَوَازَ الْوَازِنَةِ، وَجَبَتْ الزَّكَاةُ، لِأَنَّهَا تَجُوزَ جَوَازَ الْوَازِنَةِ، أَشْبَهَتْ الْوَازِنَةَ.
وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ الْخَبَرِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَعْدِلَ عَنْهُ.
فَأَمَّا قَوْلُهُ: " إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مِلْكِهِ ذَهَبٌ أَوْ عُرُوضٌ لِلتِّجَارَةِ فَيُتِمُّ بِهِ ".
فَإِنَّ عُرُوضَ التِّجَارَةِ تُضَمُّ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَيَكْمُلُ بِهِ نِصَابُهُ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ اخْتِلَافًا.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا أَعْلَمُ عَامَّتَهُمْ اخْتَلَفُوا فِيهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا تَجِبْ فِي قِيمَتِهَا، فَتُقَوَّمُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَتُضَمُّ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَلَوْ كَانَ لَهُ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ وَعُرُوضٌ، وَجَبَ ضَمُّ الْجَمِيعِ بَعْضِهِ إلَى بَعْضٍ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ؛ لِأَنَّ الْعَرْضَ مَضْمُومٌ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَيَجِبُ ضَمُّهُمَا إلَيْهِ، وَجَمْعُ الثَّلَاثَةِ.
فَأَمَّا إنْ كَانَ لَهُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَا لَا يَبْلُغُ نِصَابًا بِمُفْرَدِهِ، أَوْ كَانَ لَهُ نِصَابٌ مِنْ أَحَدِهِمَا وَأَقَلُّ مِنْ نِصَابٍ مِنْ الْآخَرِ، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْ ضَمِّ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَجَمَاعَةٍ، وَقَطَعَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَبْلُغَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابًا.
وَذَكَرَ الْخِرَقِيِّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ، إحْدَاهُمَا لَا يُضَمُّ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَشَرِيكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ.» وَلِأَنَّهُمَا مَالَانِ يَخْتَلِفُ نِصَابُهُمَا، فَلَا يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ، كَأَجْنَاسِ الْمَاشِيَةِ، وَالثَّانِيَةُ، يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ، وَمَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يُضَمُّ إلَى مَا يُضَمُّ إلَيْهِ الْآخَرُ، فَيُضَمُّ إلَى الْآخَرِ.
كَأَنْوَاعِ الْجِنْسِ، وَلِأَنَّ نَفْعَهُمَا وَاحِدٌ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُمَا مُتَّحِدٌ.
فَإِنَّهُمَا قِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ،
وَأُرُوشُ الْجِنَايَاتِ، وَأَثْمَانُ الْبِيَاعَاتِ، وَحُلِيٌّ لِمَنْ يُرِيدُهُمَا لِذَلِكَ، فَأَشْبَهَا النَّوْعَيْنِ، وَالْحَدِيثُ مَخْصُوصٌ بِعَرْضِ التِّجَارَةِ، فَنَقِيسُ عَلَيْهِ.
فَإِذَا قُلْنَا بِالضَّمِّ، فَإِنَّ أَحَدَهُمَا يُضَمُّ إلَى الْآخَرِ بِالْأَجْزَاءِ، يَعْنِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُحْتَسَبُ مِنْ نِصَابِهِ، فَإِذَا كَمَلَتْ أَجْزَاؤُهُمَا نِصَابًا، وَجَبَتْ الزَّكَاةُ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ نِصْفُ نِصَابٍ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَنِصْفُ نِصَابٍ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ الْآخَرِ، أَوْ ثُلُثٌ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَثُلُثَانِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ الْآخَرِ.
فَلَوْ مَلَكَ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةَ دَنَانِيرَ، أَوْ مِائَةً وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا وَخَمْسَةَ دَنَانِيرَ، أَوْ مِائَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا وَثَمَانِيَةَ دَنَانِيرَ، وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهِمَا.
وَإِنْ نَقَصَتْ أَجْزَاؤُهُمَا عَنْ نِصَابٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِمَا.
سُئِلَ أَحْمَدُ، عَنْ رَجُلٍ عِنْدَهُ ثَمَانِيَةُ دَنَانِيرَ وَمِائَةُ دِرْهَمٍ؟ فَقَالَ: إنَّمَا قَالَ مَنْ قَالَ فِيهَا الزَّكَاةُ، إذَا كَانَ عِنْدَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ وَمِائَةُ دِرْهَمٍ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ إذَا كَانَ مُنْفَرِدًا، فَلَا تُعْتَبَرُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ مَضْمُونَةً كَالْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ وَأَنْوَاعِ الْأَجْنَاسِ كُلِّهَا.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ، أَنَّهَا تُضَمُّ بِالْأَحْوَطِ مِنْ الْأَجْزَاءِ وَالْقِيمَةِ.
وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يُقَوَّمُ الْغَالِي مِنْهُمَا بِقِيمَةِ الرَّخِيصِ، فَإِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُمَا بِالرَّخِيصِ مِنْهُمَا نِصَابًا وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهِمَا؛ فَلَوْ مَلَكَ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَتِسْعَةَ دَنَانِيرَ قِيمَتُهَا مِائَةُ دِرْهَمٍ، أَوْ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَتِسْعِينَ دِرْهَمًا قِيمَتُهَا عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهَا.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي تَقْوِيمِ الدَّنَانِيرِ بِالْفِضَّةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ نِصَابِ وَجَبَ فِيهِ ضَمُّ الذَّهَبِ إلَى الْفِضَّةِ، ضُمَّ بِالْقِيمَةِ، كَنِصَابِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، وَلِأَنَّ أَصْلَ الضَّمِّ لِتَحْصِيلِ حَظِّ الْفُقَرَاءِ، فَكَذَلِكَ صِفَةُ الضَّمِّ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْأَثْمَانَ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي أَعْيَانِهَا، فَلَا تُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا، كَمَا لَوْ انْفَرَدَتْ.
وَيُخَالِفُ نِصَابَ الْقَطْعِ، فَإِنَّ نِصَابَ الْقَطْعِ فِيهِ الْوَرِقُ خَاصَّةً فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي الذَّهَبِ حَتَّى يَبْلُغَ رُبْعَ دِينَارٍ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةُ مَا دُونَ الْعِشْرِينَ مِنْ النَّقْدَيْنِ لَا زَكَاةَ فِيهِ]
(1879) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَكَذَلِكَ دُونَ الْعِشْرِينَ مِثْقَالًا) يَعْنِي أَنَّ مَا دُونَ الْعِشْرِينَ لَا زَكَاةَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَتِمَّ بِوَرِقٍ أَوْ عُرُوضِ تِجَارَةٍ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الذَّهَبَ إذَا كَانَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا قِيمَتُهَا مِائَتَا دِرْهَمٍ، أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهَا، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: لَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ مِثْقَالًا وَلَا يَبْلُغُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ.
وَقَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ: نِصَابُ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقَالًا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ قِيمَتِهَا، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ، أَنَّهُمْ قَالُوا: هُوَ مُعْتَبَرٌ بِالْفِضَّةِ، فَمَا كَانَ قِيمَتُهُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَقْدِيرٌ فِي نِصَابِهِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى الْفِضَّةِ.
وَلَنَا مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ مِثْقَالًا مِنْ الذَّهَبِ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ صَدَقَةٌ» . رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ.
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا فَصَاعِدًا نِصْفَ دِينَارٍ، وَمِنْ الْأَرْبَعِينَ دِينَارًا دِينَارًا» . وَرَوَى سَعِيدٌ، وَالْأَثْرَمُ، عَنْ عَلِيٍّ: " فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ دِينَارًا دِينَارًا، وَفِي كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا نِصْفَ دِينَارٍ "، وَرَوَاهُ غَيْرُهُمَا مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَلِأَنَّهُ مَالٌ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِهِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ بِغَيْرِهِ، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ الزَّكَوِيَّةِ.
[فَصْلُ مَلَكَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً مَغْشُوشَةً أَوْ مُخْتَلِطًا بِغَيْرِهِ]
(1880) فَصْلٌ: وَمَنْ مَلَكَ ذَهَبًا، أَوْ فِضَّةً مَغْشُوشَةً، أَوْ مُخْتَلِطًا بِغَيْرِهِ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، حَتَّى يَبْلُغَ قَدْرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ نِصَابًا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنْ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ.» فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ قَدْرَ مَا فِيهِ مِنْهُمَا، وَشَكَّ هَلْ بَلَغَ نِصَابًا أَوْ لَا، خُيِّرَ بَيْنَ سَبْكِهِمَا لِيَعْلَمَ قَدْرَ مَا فِيهِ مِنْهُمَا، وَبَيْنَ أَنْ يَسْتَظْهِرَ وَيُخْرِجَ، لِيَسْقُطَ الْفَرْضُ بِيَقِينٍ.
فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُخْرِجَ اسْتِظْهَارًا، فَأَرَادَ إخْرَاجَ الزَّكَاةِ مِنْ الْمَغْشُوشَةِ، نَظَرْت، فَإِنْ كَانَ الْغِشُّ لَا يَخْتَلِفُ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْغِشُّ فِي كُلِّ دِينَارٍ سُدُسَهُ، وَعَلِمَ ذَلِكَ، جَازَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُخْرِجًا لِرُبْعِ الْعُشْرِ.
وَإِنْ اخْتَلَفَ قَدْرُ مَا فِيهَا، أَوْ لَمْ يُعْلَمْ، لَمْ يَجُزْهُ الْإِخْرَاجُ مِنْهَا، إلَّا أَنْ يَسْتَظْهِرَهُ، بِحَيْثُ يَتَيَقَّنُ أَنَّ مَا أَخْرَجَهُ مِنْ الذَّهَبِ مُحِيطٌ بِقَدْرِ الزَّكَاةِ.
وَإِنْ أَخْرَجَ عَنْهَا ذَهَبًا لَا غِشَّ فِيهِ، فَهُوَ أَفْضَلُ، وَإِنْ أَرَادَ إسْقَاطَ الْغِشِّ، وَإِخْرَاجَ الزَّكَاةِ عَنْ قَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الذَّهَبِ، كَمَنْ مَعَهُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ دِينَارًا، سُدُسُهَا غِشٌّ، فَأَسْقَطَ السُّدُسَ أَرْبَعَةً، وَأَخْرَجَ نِصْفَ دِينَارٍ عَنْ عِشْرِينَ، جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَبَكَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا ذَلِكَ، وَلِأَنَّ غِشَّهَا لَا زَكَاةَ فِيهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِضَّةً، وَلَهُ مِنْ الْفِضَّةِ مَا يَتِمُّ بِهِ النِّصَابُ، أَوْ لَهُ نِصَابٌ سِوَاهُ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْغِشِّ حِينَئِذٍ.
وَكَذَلِكَ إنَّ قُلْنَا بِضَمِّ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ إلَى الْآخَرِ.
وَإِذَا ادَّعَى رَبُّ الْمَالِ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغِشَّ، أَوْ أَنَّهُ اسْتَظْهَرَهُ وَأَخْرَجَ الْفَرْضَ، قُبِلَ مِنْهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ.
وَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ الْمَغْشُوشِ بِالْغِشِّ، فَصَارَتْ قِيمَةُ الْعِشْرِينَ تُسَاوِي اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ، فَعَلَيْهِ إخْرَاجُ رُبْعِ عُشْرِهَا مِمَّا قِيمَتُهُ كَقِيمَتِهَا؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ إخْرَاجَ زَكَاةِ الْمَالِ الْجَيِّدِ مِنْ جِنْسِهِ، بِحَيْثُ لَا يَنْقُصُ عَنْ قِيمَتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةُ مِقْدَار زَكَاةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ]
مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِذَا تَمَّتْ، فَفِيهَا رُبْعُ الْعُشْرِ) . يَعْنِي إذَا تَمَّتْ الْفِضَّةُ مِائَتَيْنِ، وَالدَّنَانِيرُ عِشْرِينَ، فَالْوَاجِبُ فِيهَا رُبْعُ عُشْرِهَا.
وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ زَكَاةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ رُبْعُ عَشْرِهَا، فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فِي الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ» وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هَاتُوا رُبْعَ الْعُشُورِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا، وَلَيْسَ فِي تِسْعِينَ وَمِائَةٍ شَيْءٌ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: قَالَ الْبُخَارِيُّ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ: هُوَ صَحِيحٌ عِنْدِي.
وَرَوَاهُ سَعِيدٌ، وَلَفْظُهُ: " فَهَاتُوا صَدَقَةَ الرِّقَةِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا ".
وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا فَصَاعِدًا نِصْفَ دِينَارٍ، وَمِنْ الْأَرْبَعِينَ دِينَارًا دِينَارًا.»
[مَسْأَلَةُ لَا زَكَاةَ فِي زِيَادَةِ الدَّرَاهِمِ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ]
(1882) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَفِي زِيَادَتِهَا وَإِنْ قَلَّتْ) رُوِيَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمَكْحُولٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا شَيْءَ فِي زِيَادَةِ الدَّرَاهِمِ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، وَلَا فِي زِيَادَةِ الدَّنَانِيرِ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرِ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا» . وَعَنْ مُعَاذٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا بَلَغَ الْوَرِقُ مِائَتَيْنِ، فَفِيهِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، ثُمَّ لَا شَيْءَ فِيهِ حَتَّى يَبْلُغَ إلَى أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا.» وَهَذَا نَصٌّ.
وَلِأَنَّ لَهُ عَفْوًا فِي الِابْتِدَاءِ، فَكَانَ لَهُ عَفْوٌ بَعْدَ النِّصَابِ، كَالْمَاشِيَةِ.
وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «هَاتُوا رُبْعَ الْعُشْرِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا، وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ حَتَّى يَتِمَّ مِائَتَيْنِ، فَإِذَا كَانَتْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ.» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَالدَّارَقُطْنِيّ.
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، وَالْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: أَحْسَبُهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِمْ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمَا مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا.
وَلِأَنَّهُ مَالٌ مُتَّجَرٌ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَفْوٌ بَعْدَ النِّصَابِ كَالْحُبُوبِ.
وَمَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ فَهُوَ احْتِجَاجٌ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ، وَالْمَنْطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ.
وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ يَرْوِيه أَبُو الْعَطُوفِ الْجَرَّاحُ بْنُ مِنْهَالٍ، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ دَجَّالٌ مِنْ الدَّجَاجِلَةِ.
وَيَرْوِيه عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ مُعَاذٍ، وَلَمْ يَلْقَ عُبَادَةَ مُعَاذًا، فَيَكُونُ مُرْسَلًا.
وَالْمَاشِيَةُ يَشُقُّ تَشْقِيصُهَا، بِخِلَافِ الْأَثْمَانِ.
[فَصْلُ يُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ جِنْسِ مَالِهِ]
(1883) فَصْلٌ: وَيُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ جِنْسِ مَالِهِ.
فَإِنْ كَانَ أَنْوَاعًا مُتَسَاوِيَةَ الْقِيَمِ، جَازَ أَنْ يُخْرِجَ الزَّكَاةَ مِنْ أَحَدِهَا، كَمَا تُخْرَجُ مِنْ أَحَدِ نَوْعَيْ الْغَنَمِ.
وَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةَ الْقِيَمِ أَخَذَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مَا يَخُصُّهُ.
وَإِنْ أَخْرَجَ مِنْ أَوْسَطِهَا مَا يَفِي بِقَدْرِ الْوَاجِبِ وَقِيمَتِهِ، جَازَ.
وَإِنْ أَخْرَجَ الْفَرْضَ مِنْ أَجْوَدِهَا بِقَدْرِ الْوَاجِبِ، جَازَ، وَلَهُ ثَوَابُ الزِّيَادَةِ.
وَإِنْ أَخْرَجَهُ بِالْقِيمَةِ، مِثْلُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ نِصْفِ دِينَارٍ ثُلُثَ دِينَارٍ جَيِّدٍ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَصَّ عَلَى نِصْفِ دِينَارٍ، فَلَمْ يَجُزْ النَّقْصُ مِنْهُ.
وَإِنْ أَخْرَجَ مِنْ الْأَدْنَى، وَزَادَ فِي الْمُخْرَجِ مَا يَفِي بِقِيمَةِ الْوَاجِبِ، مِثْلُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ دِينَارٍ دِينَارًا وَنِصْفًا يَفِي بِقِيمَتِهِ، جَازَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَخْرَجَ عَنْ الصِّحَاحِ مُكَسَّرَةً، وَزَادَ بِقَدْرِ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَضْلِ، جَازَ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى الْوَاجِبَ عَلَيْهِ قِيمَةً وَقَدْرًا.
وَإِنْ أَخْرَجَ عَنْ كَثِيرِ الْقِيمَةِ قَلِيلَ الْقِيمَةِ، فَكَذَلِكَ.
فَإِنْ أَخْرَجَ بَهْرَجًا عَنْ الْجَيِّدِ، وَزَادَ بِقَدْرِ مَا يُسَاوِي قِيمَةَ الْجَيِّدِ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَجُوزُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ جَيِّدٍ، وَلَا يَرْجِعُ فِيمَا أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَعِيبِ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ مَعِيبًا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخْرَجَ مَرِيضَةً عَنْ صِحَاحٍ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَهُ قَالُوا: لَهُ الرُّجُوعُ فِيمَا أَخْرَجَ مِنْ الْمَعِيبِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ إخْرَاجُ الرَّدِيئَةِ عَنْ الْجَيِّدَةِ، وَالْمَكْسُورَةِ عَنْ الصَّحِيحَةِ، مِنْ غَيْرِ جُبْرَانٍ؛ لِأَنَّ الْجَوْدَةَ إذَا لَاقَتْ جِنْسَهَا فِيمَا فِيهِ الرِّبَا لَا قِيمَةَ لَهَا.
وَلَنَا، أَنَّ الْجَوْدَةَ مُتَقَوِّمَةٌ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَتْلَفَ جَيِّدًا، لَمْ يُجْزِئْهُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْهُ رَدِيئًا، وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجْبُرْهُ بِمَا يُتِمُّ بِهِ قِيمَةَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، دَخَلَ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 267] .
وَلِأَنَّهُ أَخْرَجَ رَدِيئًا عَنْ جَيِّدٍ بِقَدْرِهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا فِي الْمَاشِيَةِ، وَلِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ مَعْلُومُ الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ، فَلَمْ يَجُزْ النَّقْصُ فِي الصِّفَةِ، كَمَا لَا يَجُوزُ فِي الْقَدْرِ.
وَأَمَّا الرِّبَا فَلَا يَجْرِي هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْمُخْرَجَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا رِبَا بَيْنَ الْعَبْدِ وَسَيِّدِهِ، وَلِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ فِي الْمِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ إنَّمَا اُعْتُبِرَتْ فِي الْمُعَاوَضَاتِ، وَالْقَصْدُ مِنْ الزَّكَاةِ الْمُوَاسَاةُ، وَإِغْنَاءُ الْفَقِيرِ، وَشُكْرُ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا يَدْخُلُ الرِّبَا فِيهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ أَخْرَجَ فِي الْمَاشِيَةِ رَدِيئَتَيْنِ عَنْ جَيِّدَةٍ، أَوْ أَخْرَجَ قَفِيزَيْنِ رَدِيئَيْنِ عَنْ قَفِيزٍ جَيِّدٍ، لَمْ يَجُزْ، فَلِمَ أَجَزْتُمْ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ الصَّحِيحِ أَكْثَرَ مِنْهُ مُكَسَّرًا؟ قُلْنَا: يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي إخْرَاجِهِ عَيْبٌ سِوَى نَقْصِ الْقِيمَةِ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْأَثْمَانِ الْقِيمَةُ لَا غَيْرُ، فَإِذَا تَسَاوَى الْوَاجِبُ وَالْمُخْرَجُ فِي الْقِيمَةِ وَالْقَدْرِ، جَازَ، وَسَائِرُ الْأَمْوَالِ يُقْصَدُ الِانْتِفَاعُ بِعَيْنِهَا، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ التَّسَاوِي فِي الْأَمْرَيْنِ الْإِجْزَاءُ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَفُوتَ بَعْضُ الْمَقْصُودِ.
[فَصْلُ إخْرَاجُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ عَنْ الْآخَرِ]
(1884) فَصْلٌ: وَهَلْ يَجُوزُ إخْرَاجُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ عَنْ الْآخَرِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
نَصَّ عَلَيْهِمَا؛ إحْدَاهُمَا، لَا يَجُوزُ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّ أَنْوَاعَ الْجِنْسِ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ إذَا كَانَ أَقَلَّ فِي الْمِقْدَارِ، فَمَعَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ أَوْلَى.
وَالثَّانِيَةُ، يَجُوزُ، وَهُوَ أَصَحُّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ أَحَدِهِمَا يَحْصُلُ بِإِخْرَاجِ الْآخَرِ، فَيُجْزِئُ، كَأَنْوَاعِ الْجِنْسِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُمَا جَمِيعًا الثَّمَنِيَّةُ وَالتَّوَسُّلُ بِهَا إلَى الْمَقَاصِدِ، وَهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ عَلَى السَّوَاءِ، فَأَشْبَهَ إخْرَاجَ الْمُكَسَّرَةِ عَنْ الصِّحَاحِ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَجْنَاسِ وَالْأَنْوَاعِ، مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَإِنَّ لِكُلِّ جِنْسٍ مَقْصُودًا مُخْتَصًّا بِهِ، لَا يَحْصُلُ مِنْ الْجِنْسِ الْآخَرِ، وَكَذَلِكَ أَنْوَاعُهَا، فَلَا يَحْصُلُ بِإِخْرَاجِ غَيْرِ الْوَاجِبِ مِنْ الْحِكْمَةِ مَا يَحْصُلُ بِإِخْرَاجِ الْوَاجِبِ، وَهَا هُنَا الْمَقْصُودُ حَاصِلٌ، فَوَجَبَ إجْزَاؤُهُ، إذْ لَا فَائِدَةَ بِاخْتِصَاصِ الْإِجْزَاءِ بِعَيْنٍ، مَعَ مُسَاوَاةِ غَيْرِهَا لَهَا فِي الْحِكْمَةِ
وَكَوْنِ ذَلِكَ أَرْفَقَ بِالْمُعْطِي وَالْآخِذِ، وَأَنْفَعَ لَهُمَا، وَيَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرَرُ عَنْهُمَا، فَإِنَّهُ لَوْ تَعَيَّنَ إخْرَاجُ زَكَاةِ الدَّنَانِيرِ مِنْهَا، شَقَّ عَلَى مِنْ يَمْلِكُ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ دِينَارًا إخْرَاجُ جُزْءٍ مِنْ دِينَارٍ، وَيَحْتَاجُ إلَى التَّشْقِيصِ، وَمُشَارَكَةِ الْفَقِيرِ لَهُ فِي دِينَارٍ مِنْ مَالِهِ، أَوْ بَيْعِ أَحَدِهِمَا نَصِيبَهُ، فَيَسْتَضِرُّ الْمَالِكُ وَالْفَقِيرُ، وَإِذَا جَازَ إخْرَاجُ الدَّرَاهِمِ عَنْهَا، دَفَعَ إلَى الْفَقِيرِ مِنْ الدَّرَاهِمِ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ، فَيَسْهُلُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَيَنْتَفِعُ الْفَقِيرُ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ وَلَا مَضَرَّةٍ.
وَلِأَنَّهُ إذَا دَفَعَ إلَى الْفَقِيرِ قِطْعَةً مِنْ الذَّهَبِ فِي مَوْضِعٍ لَا يُتَعَامَلُ بِهَا فِيهِ، أَوْ قِطْعَةً مِنْ دِرْهَمٍ فِي مَكَان لَا يُتَعَامَلُ بِهَا فِيهِ، لَمْ يَقْدِرْ عَلَى قَضَاءِ حَاجَتِهِ بِهَا، وَإِنْ أَرَادَ بَيْعَهَا بِحَسَبِ مَا يُتَعَامَلُ بِهَا احْتَاجَ إلَى كُلْفَةِ الْبَيْعِ، وَرُبَّمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَلَا يُفِيدُهُ شَيْئًا، وَإِنْ أَمْكَنَ بَيْعُهَا احْتَاجَ إلَى كُلْفَةِ الْبَيْعِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَنْقُصُ عِوَضُهَا عَنْ قِيمَتِهَا، فَقَدْ دَارَ بَيْنَ ضَرَرَيْنِ، وَفِي جَوَازِ إخْرَاجِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخِرِ نَفْعٌ مَحْضٌ، وَدَفْعٌ لِهَذَا الضَّرَرِ، وَتَحْصِيلٌ لِحِكْمَةِ الزَّكَاةِ عَلَى التَّمَامِ وَالْكَمَالِ، فَلَا حَاجَةَ وَلَا وَجْهَ لِمَنْعِهِ، وَإِنْ تُوُهِّمَتْ هَاهُنَا مَنْفَعَةٌ تَفُوتُ بِذَلِكَ، فَهِيَ يَسِيرَةٌ مَغْمُورَةٌ، فِيمَا يَحْصُلُ مِنْ النَّفْعِ الظَّاهِرِ، وَيَنْدَفِعُ مِنْ الضَّرَرِ وَالْمَشَقَّةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، فَلَا يُعْتَبَرُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ الْإِبْدَالُ فِي مَوْضِعٍ يَلْحَقُ الْفَقِيرَ ضَرَرٌ، مِثْلُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَا لَا يُنْفِقُ عِوَضًا عَمَّا يُنْفِقُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجُزْ إخْرَاجُ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ عَنْ الْآخَرِ مَعَ الضَّرَرِ، فَمَعَ غَيْرِهِ أَوْلَى.
وَإِنْ اخْتَارَ الدَّفْعَ مِنْ الْجِنْسِ، وَاخْتَارَ الْفَقِيرُ الْأَخْذَ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِضَرَرٍ يَلْحَقُهُ فِي أَخْذِ الْجِنْسِ، لَمْ يَلْزَمْ الْمَالِكَ إجَابَتُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَدَّى مَا فُرِضَ عَلَيْهِ، لَمْ يُكَلَّفْ سِوَاهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ زَكَاةٌ حِلِّي الْمَرْأَة]
(1885) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَيْسَ فِي حُلِيِّ الْمَرْأَةِ زَكَاةٌ إذَا كَانَ مِمَّا تَلْبَسُهُ أَوْ تُعِيرُهُ) هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ، وَأَنَسٍ، وَعَائِشَةَ، وَأَسْمَاءَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَبِهِ قَالَ الْقَاسِمُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَمْرَةُ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ،
وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّهُ فِيهِ الزَّكَاةُ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «فِي الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ.» مَفْهُومُهُ أَنَّ فِيهَا صَدَقَةً إذَا بَلَغَتْ خَمْسَ أَوَاقٍ.
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «أَتَتْ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا فِي يَدَيْهَا مَسْكَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: هَلْ تُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟ قَالَتْ: لَا.
قَالَ: أَيَسُرُّك أَنْ يُسَوِّرَك اللَّهُ بِسِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَلِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ، أَشْبَهَ التِّبْرَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُزَكَّى عَامًا وَاحِدًا.
وَقَالَ الْحَسَنُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ، وَقَتَادَةُ: زَكَاتُهُ عَارِيَّتُهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: خَمْسَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُونَ: لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ.
وَيَقُولُونَ: زَكَاتُهُ عَارِيَّتُهُ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، مَا رَوَى عَافِيَةُ بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ» . وَلِأَنَّهُ مَرْصَدٌ لِاسْتِعْمَالِ مُبَاحٍ، فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الزَّكَاةُ، كَالْعَوَامِلِ، وَثِيَابِ الْقُنْيَةِ.
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا، فَلَا تَتَنَاوَلُ مَحِلَّ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّ الرِّقَةَ هِيَ الدَّرَاهِمُ الْمَضْرُوبَةُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَا نَعْلَمُ هَذَا الِاسْمَ فِي الْكَلَامِ الْمَعْقُولِ عِنْدَ الْعَرَبِ إلَّا عَلَى الدَّرَاهِمِ الْمَنْقُوشَةِ، ذَاتِ السِّكَّةِ السَّائِرَةِ فِي النَّاسِ.
وَكَذَلِكَ الْأَوَاقِي لَيْسَ مَعْنَاهَا إلَّا الدَّرَاهِمَ كُلُّ أُوقِيَّةٍ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا.
وَأَمَّا حَدِيثُ الْمَسْكَتَيْنِ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَا نَعْلَمُهُ إلَّا مِنْ وَجْهٍ قَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَيْسَ يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالزَّكَاةِ إعَارَتَهُ، كَمَا فَسَّرَهُ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرُهُمْ وَالتِّبْرُ غَيْرُ مُعَدٍّ لِلِاسْتِعْمَالِ، بِخِلَافِ الْحُلِيِّ.
وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ " إذَا كَانَ مِمَّا تَلْبَسُهُ أَوْ تُعِيرُهُ ". يَعْنِي أَنَّهُ إنَّمَا تَسْقُطُ عَنْهُ الزَّكَاةُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ أَوْ مُعَدًّا لَهُ فَأَمَّا الْمُعَدُّ لِلْكِرَى أَوْ النَّفَقَةِ إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَسْقُطُ عَمَّا أُعِدَّ لِلِاسْتِعْمَالِ، لِصَرْفِهِ عَنْ جِهَةِ النَّمَاءِ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ، وَكَذَلِكَ مَا اُتُّخِذَ حِلْيَةً فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ مَمْلُوكًا لِامْرَأَةِ تَلْبَسُهُ أَوْ تُعِيرُهُ، أَوْ لِرَجُلٍ يُحَلِّي بِهِ أَهْلَهُ، أَوْ يُعِيرُهُ أَوْ يُعِدُّهُ
لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَصْرُوفٌ عَنْ جِهَةِ النَّمَاءِ إلَى اسْتِعْمَالٍ مُبَاحٍ، أَشْبَهَ حَلْيَ الْمَرْأَةِ.
[فَصْلُ قَلِيلُ الْحُلِيِّ وَكَثِيرُهُ فِي الْإِبَاحَةِ وَالزَّكَاةِ سَوَاءٌ]
(1886) فَصْلٌ وَقَلِيلُ الْحُلِيِّ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ فِي الْإِبَاحَةِ وَالزَّكَاةِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ يُبَاحُ مَا لَمْ يَبْلُغْ أَلْفَ مِثْقَالٍ، فَإِنْ بَلَغَهَا حَرُمَ، وَفِيهِ الزَّكَاةُ؛ لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ، وَالْأَثْرَمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ؟ قَالَ: سُئِلَ جَابِرٌ عَنْ الْحُلِيِّ، هَلْ فِيهِ زَكَاةٌ؟ قَالَ: لَا.
فَقِيلَ لَهُ: أَلْفُ دِينَارٍ؟ فَقَالَ: إنَّ ذَلِكَ لَكَثِيرٌ.
وَلِأَنَّهُ يَخْرُجُ إلَى السَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ، وَلَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الِاسْتِعْمَالِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَبَاحَ التَّحَلِّي مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ، فَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُهُ بِالرَّأْيِ وَالتَّحَكُّمِ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي نَفْيِ الْوُجُوبِ.
وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى التَّوَقُّفِ، ثُمَّ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُهُ، فَرَوَى الْجُوزَجَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَأَلْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ الْحُلِيِّ فِيهِ زَكَاةٌ؟ قَالَ: لَا.
قُلْت: إنَّ الْحُلِيَّ يَكُونُ فِيهِ أَلْفُ دِينَارٍ.
قَالَ: وَإِنْ كَانَ فِيهِ، يُعَارُ وَيُلْبَسُ.
ثُمَّ إنَّ قَوْلَ جَابِرٍ قَوْلُ صَحَابِيٍّ خَالَفَهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ أَبَاحَهُ مُطْلَقًا بِغَيْرِ تَقْيِيدٍ، فَلَا يَبْقَى قَوْلُهُ حُجَّةً، وَالتَّقْيِيدُ بِالرَّأْيِ الْمُطْلَقِ وَالتَّحَكُّمُ غَيْرُ جَائِزٍ.
[فَصْلُ إذَا انْكَسَرَ الْحُلِيُّ كَسْرًا لَا يَمْنَعُ الِاسْتِعْمَالَ وَاللُّبْسَ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ]
(1887) فَصْلٌ: وَإِذَا انْكَسَرَ الْحُلِيُّ كَسْرًا لَا يَمْنَعُ الِاسْتِعْمَالَ وَاللُّبْسَ، فَهُوَ كَالصَّحِيحِ، لَا زَكَاةَ فِيهِ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ كَسْرَهُ وَسَبْكَهُ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ حِينَئِذٍ، لِأَنَّهُ نَوَى صَرْفَهُ عَنْ الِاسْتِعْمَالِ.
وَإِنْ كَانَ الْكَسْرُ يَمْنَعُ الِاسْتِعْمَالَ، فَقَالَ الْقَاضِي: عِنْدِي أَنَّ فِيهِ الزَّكَاةَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ النُّقُودِ وَالتِّبْرِ.
[فَصْلُ وَإِذَا كَانَ الْحُلِيُّ لِلِّبْسِ فَنَوَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ التِّجَارَةَ انْعَقَدَ عَلَيْهِ حَوْلُ الزَّكَاةِ مِنْ حِينِ نَوَتْ]
(1888) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ الْحُلِيُّ لِلُّبْسِ، فَنَوَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ التِّجَارَةَ، انْعَقَدَ عَلَيْهِ حَوْلُ الزَّكَاةِ مِنْ حِينِ نَوَتْ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ هُوَ الْأَصْلُ، وَإِنَّمَا انْصَرَفَ عَنْهُ لِعَارِضِ الِاسْتِعْمَالِ، فَعَادَ إلَى الْأَصْلِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِعْمَالٍ، فَهُوَ كَمَا لَوْ نَوَى بِعَرْضِ التِّجَارَةِ الْقُنْيَةَ، انْصَرَفَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِعْمَالٍ.
[فَصْلُ يُعْتَبَرُ فِي النِّصَابِ فِي الْحُلِيِّ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ]
(1889) فَصْلٌ: وَيُعْتَبَرُ فِي النِّصَابِ فِي الْحُلِيِّ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ بِالْوَزْنِ، فَلَوْ مَلَكَ حُلِيًّا قِيمَتُهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَوَزْنُهُ دُونَ الْمِائَتَيْنِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ.
وَإِنْ بَلَغَ مِائَتَيْنِ وَزْنًا، فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ نَقَصَ فِي الْقِيمَةِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنْ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ.» .
اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحُلِيُّ لِلتِّجَارَةِ فَيُقَوَّمُ، فَإِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ نِصَابًا، فَفِيهِ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْقِيمَةِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لِلتِّجَارَةِ فَالزَّكَاةُ فِي عَيْنِهِ، فَيُعْتَبَرُ أَنْ يَبْلُغَ بِقِيمَتِهِ وَوَزْنِهِ نِصَابًا، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إخْرَاجِ رُبْعِ عُشْرِ حُلِيِّهِ مَشَاعًا، أَوْ دَفْعِ مَا يُسَاوِي رُبْعَ عُشْرِهَا مِنْ جِنْسِهَا، وَإِنْ زَادَ فِي الْوَزْنِ عَلَى رُبْعِ الْعُشْرِ؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الرِّبَا لَا يَجْرِي هَاهُنَا.
وَلَوْ أَرَادَ كَسْرَهَا وَدَفَعَ رُبْعَ عُشْرِهَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَنْقُصُ قِيمَتَهَا.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ مَالِكٌ الِاعْتِبَارُ بِالْوَزْنِ، وَإِذَا كَانَ وَزْنُ الْحُلِيِّ عِشْرِينَ وَقِيمَتُهُ ثَلَاثُونَ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ مِثْقَالٍ، لَا تَزِيدُ قِيمَتُهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ نِصَابٌ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ، فَتَعَلَّقَتْ الزَّكَاةُ بِوَزْنِهِ، لَا بِصِفَتِهِ، كَالدَّرَاهِمِ الْمَضْرُوبَةِ.
وَلَنَا، أَنَّ الصِّنَاعَةَ صَارَتْ صِفَةً لِلنِّصَابِ لَهَا قِيمَةٌ مَقْصُودَةٌ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهَا كَالْجَوْدَةِ فِي سَائِرِ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ.
وَدَلِيلُهُمْ نَقُولُ بِهِ، وَأَنَّ الزَّكَاةَ تَتَعَلَّقُ بِوَزْنِهِ وَصِفَتِهِ جَمِيعًا، كَالْجَيِّدِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالْمَوَاشِي، وَالْحُبُوبِ، وَالثِّمَارِ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ إخْرَاجُ رَدِيءٍ عَنْ جَيِّدٍ، كَذَلِكَ هَاهُنَا.
وَإِنْ أَرَادَ إخْرَاجَ الْفِضَّةِ عَنْ حُلِيِّ الذَّهَبِ، أَوْ الذَّهَبِ عَنْ الْفِضَّةِ، أَخْرَجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، كَمَا قَدَّمْنَا فِي إخْرَاجِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ عَنْ الْآخَرِ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي قَدْرِ النِّصَابِ أَيْضًا بِالْقِيمَةِ، فَلَوْ مَلَكَ حُلِيًّا وَزْنُهُ تِسْعَةَ عَشَرَ، وَقِيمَتُهُ عِشْرُونَ لِأَجْلِ الصِّنَاعَةِ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ اعْتِبَارُ الْوَزْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ، لِقَوْلِهِ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» . وَلِأَنَّهُ مَالٌ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِهِ، فَلَا تُعْتَبَرُ قِيمَةُ الدَّنَانِيرِ الْمَضْرُوبَةِ، لِأَنَّ زِيَادَةَ الْقِيمَةِ بِالصِّنَاعَةِ، كَزِيَادَتِهَا بِنَفَاسَةِ جَوْهَرِهِ، فَكَمَا لَا تَجِبُ الزِّيَادَةُ فِيمَا كَانَ نَفِيسَ الْجَوْهَرِ، كَذَلِكَ الْآخَرُ.
[فَصْلُ كَانَ فِي الْحُلِيِّ جَوْهَرٌ وَلَآلِئُ مُرَصَّعَةٌ]
(1890) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ فِي الْحُلِيِّ جَوْهَرٌ وَلَآلِئُ مُرَصَّعَةٌ، فَالزَّكَاةُ فِي الْحُلِيِّ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ دُونَ الْجَوْهَرِ، لِأَنَّهَا لَا زَكَاةَ فِيهَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
فَإِنْ كَانَ الْحُلِيُّ لِلتِّجَارَةِ، قَوَّمَهُ بِمَا فِيهِ مِنْ الْجَوَاهِرِ؛ لِأَنَّ الْجَوَاهِرَ لَوْ كَانَتْ مُفْرَدَةً وَهِيَ لِلتِّجَارَةِ، لَقُوِّمَتْ وَزُكِّيَتْ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ فِي حُلِيِّ التِّجَارَةِ.
[فَصْلُ إذَا اتَّخَذَتْ الْمَرْأَةُ حُلِيًّا لَيْسَ لَهَا اتِّخَاذُهُ]
(1891) فَصْلٌ: وَإِذَا اتَّخَذَتْ الْمَرْأَةُ حُلِيًّا لَيْسَ لَهَا اتِّخَاذُهُ، كَمَا إذَا اتَّخَذَتْ حِلْيَةَ الرِّجَالِ كَحِلْيَةِ السَّيْفِ وَالْمِنْطَقَةِ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ، وَعَلَيْهَا الزَّكَاةُ، كَمَا لَوْ اتَّخَذَ الرَّجُلُ حُلِيَّ الْمَرْأَةِ.
[فَصْلُ يُبَاحُ لِلنِّسَاءِ مِنْ حُلِيِّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْجَوَاهِرِ كُلُّ مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ]
(1892) فَصْلٌ: وَيُبَاحُ لِلنِّسَاءِ مِنْ حُلِيِّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْجَوَاهِرِ كُلُّ مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ، مِثْلُ السِّوَارِ وَالْخَلْخَالِ وَالْقُرْطِ وَالْخَاتَمِ، وَمَا يَلْبَسْنَهُ عَلَى وُجُوهِهِنَّ، وَفِي أَعْنَاقِهِنَّ، وَأَيْدِيهِنَّ، وَأَرْجُلِهِنَّ، وَآذَانِهِنَّ وَغَيْرِهِ، فَأَمَّا مَا لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ، كَالْمِنْطَقَةِ وَشِبْهِهَا مِنْ حُلِيِّ الرِّجَالِ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ، وَعَلَيْهَا زَكَاتُهُ، كَمَا لَوْ اتَّخَذَ الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ حُلِيَّ الْمَرْأَةِ.
[مَسْأَلَةُ لَيْسَ فِي حِلْيَةِ سَيْفِ الرَّجُلِ وَمِنْطَقَتِهِ وَخَاتَمِهِ زَكَاةٌ]
(1893) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَيْسَ فِي حِلْيَةِ سَيْفِ الرَّجُلِ وَمِنْطَقَتِهِ وَخَاتَمِهِ زَكَاةٌ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ مُبَاحًا مِنْ الْحُلِيِّ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ إذَا كَانَ مُعَدًّا لِلِاسْتِعْمَالِ، سَوَاءٌ كَانَ لِرَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ؛ لِأَنَّهُ مَصْرُوفٌ عَنْ جِهَةِ النَّمَاءِ إلَى اسْتِعْمَالٍ مُبَاحٍ، فَأَشْبَهَ ثِيَابَ الْبِذْلَةِ وَعَوَامِلَ الْمَاشِيَةِ، وَيُبَاحُ لِلرِّجَالِ مِنْ الْفِضَّةِ الْخَاتَمُ؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَحِلْيَةُ السَّيْفِ، بِأَنْ تُجْعَلَ قَبِيعَتُهُ فِضَّةً أَوْ تَحْلِيَتُهَا بِفِضَّةٍ؛ فَإِنَّ أَنَسًا قَالَ: «كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِضَّةً.» وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: كَانَ سَيْفُ الزُّبَيْرِ مُحَلًّى بِالْفِضَّةِ.
رَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ.
وَالْمِنْطَقَةُ تُبَاحُ تَحْلِيَتُهَا بِالْفِضَّةِ؛ لِأَنَّهَا حِلْيَةٌ مُعْتَادَةٌ لِلرَّجُلِ، فَهِيَ كَالْخَاتَمِ وَقَدْ نُقِلَ كَرَاهَةُ ذَلِكَ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ، فَهُوَ كَالطَّوْقِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الطَّوْقَ لَيْسَ بِمُعْتَادٍ فِي حَقِّ الرَّجُلِ، بِخِلَافِ الْمِنْطَقَةِ.
وَعَلَى قِيَاسِ الْمِنْطَقَةِ، الْجَوْشَنُ، وَالْخُوذَةُ، وَالْخُفُّ، وَالرَّانُ، وَالْحَمَائِلُ.
وَتُبَاحُ الْفِضَّةُ فِي الْإِنَاءِ وَمَا أَشْبَهَهَا؛ لِلْحَاجَةِ، وَنَعْنِي بِالْحَاجَةِ أَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهَا فِي ذَلِكَ، وَإِنْ قَامَ غَيْرُهَا مَقَامَهَا.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ، أَنَسٍ «أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ.» وَقَالَ
الْقَاضِي: يُبَاحُ الْيَسِيرُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِحَاجَةٍ.
وَإِنَّمَا كَرِهَ أَحْمَدُ الْحَلْقَةَ فِي الْإِنَاءِ؛ لِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ.
وَأَمَّا الذَّهَبُ، فَيُبَاحُ مِنْهُ مَا دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَيْهِ، كَالْأَنْفِ فِي حَقِّ
مِنْ قُطِعَ أَنْفُهُ؛ لِمَا رُوِيَ «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ طُرْفَةَ، أَنَّ جَدَّهُ عَرْفَجَةَ بْنَ أَسْعَدَ.
قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكِلَابِ، فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: رَبْطُ الْأَسْنَانِ بِالذَّهَبِ إذَا خُشِيَ عَلَيْهَا أَنْ تَسْقُطَ قَدْ فَعَلَهُ النَّاسُ، فَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ.
وَرَوَى الْأَثْرَمُ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، وَأَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ، وَأَبِي رَافِعٍ، وَثَابِتٍ اسْتَرْقُوا وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ زَيْدٍ بْنِ ثَابِتٍ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُمْ شَدُّوا أَسْنَانَهُمْ بِالذَّهَبِ.
وَعَنْ الْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، أَنَّهُمْ رَخَّصُوا فِيهِ.
وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الذَّهَبِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، الرُّخْصَةُ فِيهِ فِي السَّيْفِ.
قَالَ الْأَثْرَمُ، قَالَ أَحْمَدُ: قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ فِي سَيْفِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ مِسْمَارٌ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فَذَاكَ الْآنَ فِي السَّيْفِ.
وَقَالَ: إنَّهُ كَانَ لِعُمَرَ سَيْفٌ سَبَائِكُهُ مِنْ ذَهَبٍ.
مِنْ حَدِيثِ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ نَافِعٍ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَزْيَدَةَ الْعَصَرِيِّ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى سَيْفِهِ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ» .
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: يَخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْقُطَ يَجْعَلُ فِيهِ مِسْمَارًا مِنْ ذَهَبٍ؟ قَالَ: إنَّمَا رُخِّصَ فِي الْأَسْنَانِ، وَذَلِكَ إنَّمَا هُوَ عَلَى الضَّرُورَةِ، فَأَمَّا الْمِسْمَارُ، فَقَدْ رُوِيَ: «مَنْ تَحَلَّى بِخُرَيْصِيصَةٍ، كُوِيَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . قُلْت: أَيُّ شَيْءٍ خُرَيْصِيصَةٌ؟ قَالَ: شَيْءٌ صَغِيرٌ مِثْلُ الشُّعَيْرَةِ.
وَرَوَى الْأَثْرَمُ أَيْضًا، بِإِسْنَادِهِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، قَالَ: «مَنْ حُلِّيَ، أَوْ تَحَلَّى بِخُرَيْصِيصَةٍ، كُوِيَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَغْفُورًا لَهُ أَوْ مُعَذَّبًا» . وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، أَنَّهُ أَبَاحَ يَسِيرَ الذَّهَبِ، وَلَعَلَّهُ يَحْتَجُّ بِمَا رَوَيْنَاهُ مِنْ الْأَخْبَارِ، وَبِقِيَاسِ الذَّهَبِ عَلَى الْفِضَّةِ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَى الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ، فَلَمْ يَحْرُمْ يَسِيرُهُ كَسَائِرِهَا، وَكُلُّ مَا أُبِيحَ مِنْ الْحُلِيِّ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، إذَا كَانَ مُعَدًّا لِلِاسْتِعْمَالِ.
[مَسْأَلَةُ الْمُتَّخِذ آنِيَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَاصٍ وَفِيهَا الزَّكَاةُ]
(1894) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْمُتَّخِذُ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَاصٍ، وَفِيهَا الزَّكَاةُ) وَجُمْلَتُهُ، أَنَّ اتِّخَاذَ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ حَرَامٌ عَلَى النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ اسْتِعْمَالُهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَا يَحْرُمُ اتِّخَاذُهَا؛ لِأَنَّ النَّصَّ إنَّمَا وَرَدَ فِي تَحْرِيمِ الِاسْتِعْمَالِ، فَيَبْقَى إبَاحَةُ الِاتِّخَاذِ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ فِي الْإِبَاحَةِ.
وَلَنَا، أَنَّ مَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ حَرُمَ اتِّخَاذُهُ عَلَى هَيْئَةِ الِاسْتِعْمَالِ كَالْمَلَاهِي، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الرِّجَالُ، وَالنِّسَاءُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِيَ لِلتَّحْرِيمِ يَعُمُّهَا، وَهُوَ الْإِفْضَاءُ إلَى السَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ، وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ، فَيَسْتَوِيَانِ فِي التَّحْرِيمِ، وَإِنَّمَا أُحِلَّ لِلنِّسَاءِ التَّحَلِّي لِحَاجَتِهِنَّ إلَيْهِ لِلتَّزَيُّنِ لِلْأَزْوَاجِ، وَلَيْسَ هَذَا بِمَوْجُودٍ فِي الْآنِيَةِ، فَيَبْقَى عَلَى التَّحْرِيمِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ فِيهَا الزَّكَاةَ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ نِصَابًا بِالْوَزْنِ، أَوْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَا يَبْلُغُ نِصَابًا بِضَمِّهَا إلَيْهِ.
وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ لِصِنَاعَتِهِ، فَلَا عِبْرَةَ بِهَا؛ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ فَلَا قِيمَةَ لَهَا فِي الشَّرْعِ، وَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهَا قَدْرَ رُبْعِ عُشْرِهَا بِقِيمَتِهِ غَيْرَ مَصُوغٍ.
وَإِنْ أَحَبَّ كَسْرَهَا، أَخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِهَا مَكْسُورًا، وَإِنْ أَخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِهَا مَصُوغًا، جَازَ؛ لِأَنَّ الصِّنَاعَةَ لَمْ تَنْقُصْهَا عَنْ قِيمَةِ الْمَكْسُورِ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا فِي اعْتِبَارِ قِيمَتِهَا.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[فَصْلُ كُلُّ مَا كَانَ اتِّخَاذُهُ مُحَرَّمًا مِنْ الْأَثْمَانِ لَمْ تَسْقُطْ زَكَاتُهُ بِاِتِّخَاذِهِ]
(1895) فَصْلٌ: وَكُلُّ مَا كَانَ اتِّخَاذُهُ مُحَرَّمًا مِنْ الْأَثْمَانِ، لَمْ تَسْقُطْ زَكَاتُهُ بِاِتِّخَاذِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهَا، لِكَوْنِهَا مَخْلُوقَةً لِلتِّجَارَةِ، وَالتَّوَسُّلِ بِهَا إلَى غَيْرِهَا، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَمْنَعُ ذَلِكَ، فَبَقِيَتْ عَلَى أَصْلِهَا.
قَالَ أَحْمَدُ: مَا كَانَ عَلَى سَرْجٍ أَوْ لِجَامٍ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ.
وَنَصَّ عَلَى حِلْيَةِ الثُّفْرِ وَالرِّكَابِ وَاللِّجَامِ، أَنَّهُ مُحَرَّمٌ.
وَقَالَ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: أَكْرَهُ رَأْسَ الْمُكْحُلَةِ فِضَّةً.
ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا شَيْءٌ تَأَوَّلْته.
وَعَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرَهُ، حِلْيَةُ الدَّوَاةِ، وَالْمِقْلَمَةِ، وَالسَّرْجِ، وَنَحْوِهِ مِمَّا عَلَى الدَّابَّةِ.
وَلَوْ مَوَّهَ سَقْفَهُ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ، وَفِيهِ الزَّكَاةُ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُبَاحُ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْمُبَاحِ، فَيَتْبَعُهُ فِي الْإِبَاحَةِ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا إسْرَافٌ، وَيُفْضِي فِعْلُهُ إلَى الْخُيَلَاءِ، وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ، فَحَرُمَ، كَاِتِّخَاذِ الْآنِيَةِ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ التَّخَتُّمِ بِخَاتَمِ الذَّهَبِ لِلرَّجُلِ، فَتَمْوِيهُ السَّقْفِ أَوْلَى.
وَإِنْ صَارَ التَّمْوِيهُ الَّذِي فِي السَّقْفِ مُسْتَهْلَكًا لَا يَجْتَمِعُ مِنْهُ شَيْءٌ، لَمْ تَحْرُمْ اسْتِدَامَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي إتْلَافِهِ وَإِزَالَتِهِ، وَلَا زَكَاةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَالِيَّتَهُ ذَهَبَتْ وَإِنْ لَمْ تَذْهَبْ مَالِيَّتُهُ، وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَهْلَكًا، حَرُمَتْ اسْتَدَامَتْهُ.
وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا وَلِي، أَرَادَ جَمْعَ مَا فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ مِمَّا مُوِّهَ بِهِ مِنْ الذَّهَبِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مِنْهُ شَيْءٌ.
فَتَرَكَهُ.
وَلَا يَجُوزُ تَحْلِيَةُ الْمَصَاحِفِ وَلَا الْمَحَارِيبِ، وَلَا اتِّخَاذَ قَنَادِيلَ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْآنِيَةِ.
وَإِنْ وَقَفَهَا عَلَى مَسْجِدٍ أَوْ نَحْوِهِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبِرٍّ وَلَا مَعْرُوفٍ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ، فَيُكْسَرُ وَيُصْرَفُ فِي مَصْلَحَةِ الْمَسْجِدِ وَعِمَارَتِهِ.
وَكَذَلِكَ إنَّ حَبَسَ الرَّجُلُ فَرَسًا لَهُ لِجَامٌ مُفَضَّضٌ.
وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: فِي الرَّجُلِ يَقِفُ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَعَهُ لِجَامٌ مُفَضَّضٌ: فَهُوَ عَلَى مَا وَقَفَهُ، وَإِنْ بِيعَتْ الْفِضَّةُ مِنْ السَّرْجِ وَاللِّجَامِ وَجُعِلَتْ فِي وَقْفِ مِثْلِهِ فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ؛ لِأَنَّ الْفِضَّةَ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا، وَلَعَلَّهُ يَشْتَرِي بِذَلِكَ سَرْجًا وَلِجَامًا، فَيَكُونُ أَنْفَعَ لِلْمُسْلِمِينَ.
قِيلَ: فَتُبَاعُ الْفِضَّةُ،
وَيُنْفِقُ عَلَى الْفَرَسِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ حِلْيَةِ السَّرْجِ وَاللِّجَامِ بِالْفِضَّةِ، لَوْلَا ذَلِكَ لَمَا قَالَ: هُوَ عَلَى مَا وَقَفَ.
وَهَذَا لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِهِ، فَأَشْبَهَ حِلْيَةَ الْمِنْطَقَةِ.
وَإِذَا قُلْنَا بِتَحْرِيمِهَا فَصَارَ بِحَيْثُ لَا يَجْتَمِعُ مِنْهُ شَيْءٌ، لَمْ يَحْرُمْ اسْتَدَامَتْهُ، كَقَوْلِنَا فِي تَمْوِيهِ السَّقْفِ، وَأَبَاحَ الْقَاضِي عِلَاقَةَ الْمُصْحَفِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً لِلنِّسَاءِ خَاصَّةً.
وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأَنَّ حِلْيَةَ الْمَرْأَةِ مَا لَبِسَتْهُ، وَتَحَلَّتْ بِهِ فِي بَدَنِهَا أَوْ ثِيَابِهَا، وَمَا عَدَاهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْأَوَانِي، لَا يُبَاحُ لِلنِّسَاءِ مِنْهُ إلَّا مَا أُبِيحَ لِلرِّجَالِ.
وَلَوْ أُبِيحَ لَهَا ذَلِكَ لَأُبِيحَ عِلَاقَةُ الْأَوَانِي وَالْأَدْرَاجِ وَنَحْوِهِمَا.
ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
(1896) فَصْلٌ: وَكُلُّ مَا يَحْرُمُ اتِّخَاذُهُ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ إذَا كَانَ نِصَابًا، أَوْ بَلَغَ بِضَمِّهِ إلَى مَا عِنْدَهُ نِصَابًا، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
[مَسْأَلَةُ زَكَاة الرِّكَازِ]
(1897) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَا كَانَ مِنْ الرِّكَازِ، وَهُوَ دِفْنُ الْجَاهِلِيَّةِ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ، فَفِيهِ الْخَمْسُ لِأَهْلِ الصَّدَقَاتِ، وَبَاقِيه لَهُ الدِّفْنُ، بِكَسْرِ الدَّالِ: الْمَدْفُونُ.
وَالرِّكَازُ: الْمَدْفُونُ فِي الْأَرْضِ.
وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ رَكَزَ يَرْكِزُ.
مِثْلُ غَرَزَ يَغْرِزُ: إذَا خَفِيَ.
يُقَالُ: رَكَزَ الرُّمْحَ، إذَا غَرَزَ أَسْفَلَهُ فِي الْأَرْضِ.
وَمِنْهُ الرِّكْزُ، وَهُوَ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: 98] . وَالْأَصْلُ فِي صَدَقَةِ الرِّكَازِ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهُوَ أَيْضًا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ هَذَا الْحَدِيثَ، إلَّا الْحَسَنَ فَإِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ مَا يُوجَدُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ، وَأَرْضِ الْعَرَبِ، فَقَالَ: فِيمَا يُوجَدُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ الْخُمْسُ، وَفِيمَا يُوجَدُ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ الزَّكَاةُ.
[مَسْأَلَةُ زَكَاة الرِّكَازِ تَشْتَمِلُ عَلَى خَمْسَةِ فُصُولٍ]
[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ الرِّكَازُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الْخُمْسِ]
(1898) فَصْلٌ: وَأَوْجَبَ الْخُمْسَ فِي الْجَمِيعِ الزُّهْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَغَيْرُهُمْ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى خَمْسَةِ فُصُولٍ: (1899) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ، أَنَّ الرِّكَازَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الْخُمْسِ مَا كَانَ مِنْ دِفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ.
هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِأَنْ تُرَى عَلَيْهِ عَلَامَاتُهُمْ، كَأَسْمَاءِ مُلُوكِهِمْ، وَصُوَرِهِمْ وَصُلُبِهِمْ، وَصُوَرِ أَصْنَامِهِمْ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ، أَوْ اسْمُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ أَحَدٌ مِنْ خُلَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ وَالٍ لَهُمْ، أَوْ آيَةٌ مِنْ قُرْآنِ أَوَنَحْوُ ذَلِكَ، فَهُوَ لُقَطَةٌ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ مُسْلِمٍ لَمْ يُعْلَمْ زَوَالُهُ عَنْهُ.
وَإِنْ كَانَ عَلَى بَعْضِهِ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ، وَعَلَى بَعْضِهِ عَلَامَةُ الْكُفْرِ، فَكَذَلِكَ.
نَصَّ عَلَيْهِ
أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ صَارَ إلَى مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُعْلَمْ زَوَالُهُ عَنْ مِلْكِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَشْبَهَ مَا عَلَى جَمِيعِهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ.
[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي مَوْضِعِ الرِّكَازِ وَلَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ]
(1900) الْفَصْلُ الثَّانِي، فِي مَوْضِعِهِ، وَلَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا، أَنْ يَجِدَهُ فِي مَوَاتٍ، أَوْ مَا لَا يُعْلَمُ لَهُ مَالِكٌ، مِثْلُ الْأَرْضِ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا آثَارُ الْمُلْكِ، كَالْأَبْنِيَةِ الْقَدِيمَةِ، وَالتُّلُولِ، وَجُدْرَانِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقُبُورِهِمْ.
فَهَذَا فِيهِ الْخُمْسُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، سِوَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَلَوْ وَجَدَهُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ عَلَى وَجْهِهَا، أَوْ فِي طَرِيقٍ غَيْرِ مَسْلُوكٍ، أَوْ قَرْيَةٍ خَرَابٍ، فَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْحُكْمِ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ اللُّقَطَةِ؟ فَقَالَ: مَا كَانَ فِي طَرِيقٍ مَأْتِيٍّ، أَوْ فِي قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ، فَعَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَلَكَ، وَمَا لَمْ يَكُنْ فِي طَرِيقٍ مَأْتِيٍّ، وَلَا فِي قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ، فَفِيهِ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
الْقِسْمُ الثَّانِي، أَنْ يَجِدَهُ فِي مِلْكِهِ الْمُنْتَقِلِ إلَيْهِ، فَهُوَ لَهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مَالُ كَافِرٍ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ، فَكَانَ لِمَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ كَالْغَنَائِمِ، وَلِأَنَّ الرِّكَازَ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ، لِأَنَّهُ مُودَعٌ فِيهَا، وَإِنَّمَا يُمْلَكُ بِالظُّهُورِ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَدْ ظَهَرَ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْلِكَهُ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، هُوَ لِلْمَالِكِ قَبْلَهُ إنْ اعْتَرَفَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ فَهُوَ لِلَّذِي قَبْلَهُ كَذَلِكَ إلَى أَوَّلِ مَالِكٍ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ كَانَتْ يَدُهُ عَلَى الدَّارِ، فَكَانَتْ عَلَى مَا فِيهَا.
وَإِنْ انْتَقَلَتْ الدَّارُ بِالْمِيرَاثِ، حُكِمَ بِأَنَّهُ مِيرَاثٌ، فَإِنْ اتَّفَقَ الْوَرَثَةُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِمَوْرُوثِهِمْ، فَهُوَ لِأَوَّلِ مَالِكٍ فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ أَوَّلُ مَالِكٍ، فَهُوَ كَالْمَالِ الضَّائِعِ الَّذِي لَا يُعْرَفْ لَهُ مَالِكٌ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الرِّكَازَ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الدَّارِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَجْزَائِهَا وَإِنَّمَا هُوَ مُودَعٌ فِيهَا، فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْمُبَاحَاتِ مِنْ الْحَشِيشِ وَالْحَطَبِ وَالصَّيْدِ يَجِدُهُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ، فَيَأْخُذُهُ، فَيَكُونُ أَحَقَّ بِهِ، لَكِنْ إنْ ادَّعَى الْمَالِكُ الَّذِي انْتَقَلَ الْمِلْكُ عَنْهُ أَنَّهُ لَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ يَدَهُ كَانَتْ عَلَيْهِ، لِكَوْنِهَا عَلَى مَحِلِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ، فَهُوَ لِوَاجِدِهِ.
وَإِنْ اخْتَلَفَ الْوَرَثَةُ، فَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ لِمُوَرِّثِهِمْ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ الْبَاقُونَ، فَحُكْمُ مَنْ أَنْكَرَ فِي نَصِيبِهِ حُكْمُ الْمَالِكِ الَّذِي لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ، وَحُكْمُ الْمُعْتَرِفِينَ حُكْمُ الْمَالِكِ الْمُعْتَرِفِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ، أَنْ يَجِدَهُ فِي مِلْكِ آدَمِيٍّ مُسْلِمٍ مَعْصُومٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، فَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِصَاحِبِ الدَّارِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ، فِي مَنْ اسْتَأْجَرَ حَفَّارًا لِيَحْفِرَ فِي دَارِهِ، فَأَصَابَ فِي الدَّارِ كَنْزًا عَادِيًّا: فَهُوَ لِصَاحِبِ الدَّارِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ.
وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِوَاجِدِهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَحْفِرَ لَهُ فِي دَارِهِ، فَأَصَابَ فِي الدَّارِ كَنْزًا: فَهُوَ لِلْأَجِيرِ.
نَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْكَحَّالُ.
قَالَ الْقَاضِي هُوَ الصَّحِيحُ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرِّكَازَ لِوَاجِدِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ،
وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو يُوسُفَ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَنْزَ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الدَّارِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ، فَيَكُونُ لِمَنْ وَجَدَهُ، لَكِنْ إنْ ادَّعَاهُ الْمَالِكُ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِ بِكَوْنِهَا عَلَى مَحِلِّهِ.
وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ، فَهُوَ لِوَاجِدِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ لِمَالِكِ الدَّارِ إنْ اعْتَرَفَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ، فَهُوَ لِأَوَّلِ مَالِكٍ، لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ.
وَيُخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الرِّوَايَةِ فِي الْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَإِنْ اسْتَأْجَرَ حَفَّارًا لِيَحْفِرَ لَهُ طَلَبًا لِكَنْزٍ يَجِدُهُ، فَوَجَدَهُ، فَلَا شَيْءَ لِلْأَجِيرِ، وَيَكُونُ الْوَاجِدُ لَهُ هُوَ الْمُسْتَأْجِرُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِذَلِكَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْتَشَّ لَهُ أَوْ يَصْطَادَ، فَإِنَّ الْحَاصِلَ مِنْ ذَلِكَ لِلْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الْأَجِيرِ.
وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ لَأَمْرٍ غَيْرِ طَلَبِ الرِّكَازِ، فَالْوَاجِدُ لَهُ هُوَ الْأَجِيرُ.
وَهَكَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إذَا اسْتَأْجَرْت أَجِيرًا لِيَحْفِرَ لِي فِي دَارِي، فَوَجَدَ كَنْزًا، فَهُوَ لَهُ.
وَإِنْ قُلْت: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَحْفِرَ لِي هَاهُنَا.
رَجَاءَ أَنَّ أَجِدَ كَنْزًا، فَسَمَّيْت لَهُ، فَلَهُ أَجْرُهُ، وَلِي مَا يُوجَدُ.
(1901) فَصْلٌ: وَإِنْ اكْتَرَى دَارًا، فَوَجَدَ فِيهَا رِكَازًا، فَهُوَ لِوَاجِدِهِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَالْآخَرُ هُوَ لِلْمَالِكِ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، فِي مَنْ وَجَدَ رِكَازًا فِي مِلْكٍ انْتَقَلَ إلَيْهِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: هَذَا لِي.
فَعَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الدِّفْنَ تَابِعٌ لِلْأَرْضِ.
وَالثَّانِي، الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكْتَرِي؛ لِأَنَّ هَذَا مُودَعٌ فِي الْأَرْضِ، وَلَيْسَ مِنْهَا، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مِنْ يَدُهُ عَلَيْهَا، كَالْقُمَاشِ.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ، أَنْ يَجِدَهُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ إلَّا بِجَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ غَنِيمَةٌ لَهُمْ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ، فَهُوَ لِوَاجِدِهِ، حُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ وَجَدَهُ فِي مَوَاتٍ فِي أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: إنْ عُرِفَ مَالِكُ الْأَرْضِ، وَكَانَ حَرْبِيًّا، فَهُوَ غَنِيمَةٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ فِي حِرْزِ مَالِكٍ مُعَيَّنٍ؛ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَهُ مِنْ بَيْتٍ أَوْ خِزَانَةٍ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَيْسَ لِمَوْضِعِهِ مَالِكٌ مُحْتَرَمٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُعْرَفْ مَالِكُهُ.
وَيُخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ قَوْلِهِمْ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا إنَّ الرِّكَازَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يَكُونُ لِمَالِكِ الْأَرْضِ.
[الْفَصْلُ الثَّالِثُ صِفَةِ الرِّكَازِ الَّذِي فِيهِ الْخُمْسُ]
(1902) الْفَصْلُ الثَّالِثُ، فِي صِفَةِ الرِّكَازِ الَّذِي فِيهِ الْخُمْسُ، وَهُوَ كُلُّ مَا كَانَ مَالًا عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ، مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالصُّفْرِ وَالنُّحَاسِ وَالْآنِيَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: لَا تَجِبُ إلَّا فِي الْأَثْمَانِ.
وَلَنَا، عُمُومُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» . وَلِأَنَّهُ مَالٌ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ،
فَوَجَبَ فِيهِ الْخُمْسُ مَعَ اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ، كَالْغَنِيمَةِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الْخُمُسَ يَجِبُ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، فِي قَوْلِ إمَامِنَا، وَمَالِكٍ، وَإِسْحَاقَ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ.
وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: يُعْتَبَرُ النِّصَابُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ مَالٍ يَجِبْ فِيمَا اُسْتُخْرِجَ مِنْ الْأَرْضِ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ النِّصَابُ، كَالْمَعْدِنِ وَالزَّرْعِ.
وَلَنَا، عُمُومُ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ مَخْمُوسٌ، فَلَا يُعْتَبَرُ لَهُ نِصَابٌ، كَالْغَنِيمَةِ، وَلِأَنَّهُ مَالُ كَافِرٍ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ، فَأَشْبَهَ الْغَنِيمَةَ، وَالْمَعْدِنُ وَالزَّرْعُ يَحْتَاجُ إلَى عَمَلٍ وَنَوَائِبَ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ النِّصَابُ تَخْفِيفًا، بِخِلَافِ الرِّكَازِ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِمَا مُوَاسَاةٌ، فَاعْتُبِرَ النِّصَابُ لِيَبْلُغَ حَدًّا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ مِنْهُ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
[الْفَصْلُ الرَّابِعُ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ فِي الرِّكَازِ وَمَصْرِفِهِ]
(1903) الْفَصْلُ الرَّابِعُ، فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ فِي الرِّكَازِ، وَمَصْرِفِهِ، أَمَّا قَدْرُهُ فَهُوَ الْخُمْسُ؛ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْحَدِيثِ وَالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا مَصْرِفُهُ فَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِيهِ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ اخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
فَقَالَ الْخِرَقِيِّ: هُوَ لِأَهْلِ الصَّدَقَاتِ.
وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، فَقَالَ: يُعْطِي الْخُمْسَ مِنْ الرِّكَازِ عَلَى مَكَانِهِ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ أَجْزَأَهُ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ عَلَيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، أَمَرَ صَاحِبَ الْكَنْزِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ.
حَكَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَقَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ الْخَثْعَمِيِّ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ حُمَمَةَ، قَالَ: سَقَطْت عَلَيَّ جَرَّةٍ مِنْ دَيْرٍ قَدِيمٍ بِالْكُوفَةِ، عِنْدَ جَبَّانَةِ بِشْرٍ، فِيهَا أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَذَهَبْت بِهَا إلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ: اقْسِمْهَا خَمْسَةَ أَخْمَاسٍ.
فَقَسَمْتهَا، فَأَخَذَ عَلِيٌّ مِنْهَا خُمْسًا، وَأَعْطَانِي أَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ، فَلَمَّا أَدْبَرْت دَعَانِي، فَقَالَ: فِي جِيرَانِك فُقَرَاءُ وَمَسَاكِينُ؟ قُلْت: نَعَمْ.
قَالَ: فَخُذْهَا فَاقْسِمْهَا بَيْنَهُمْ.
وَلِأَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْأَرْضِ، أَشْبَهَ الْمَعْدِنَ وَالزَّرْعَ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، مَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الْفَيْءِ.
نَقَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ، عَنْ أَحْمَدَ.
وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ، وَأَقْيَسُ عَلَى مَذْهَبِهِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالْمُزَنِيُّ لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ، عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ مُجَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ، أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ أَلْفَ دِينَارٍ مَدْفُونَةً خَارِجًا مِنْ الْمَدِينَةِ، فَأَتَى بِهِمَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَأَخَذَ مِنْهَا الْخَمْسَ مِائَتَيْ دِينَارٍ، وَدَفَعَ إلَى الرَّجُلِ بَقِيَّتَهَا، وَجَعَلَ عُمَرُ يَقْسِمُ الْمِائَتَيْنِ بَيْنَ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، إلَى أَنْ فَضَلَ مِنْهَا فَضْلَةٌ، فَقَالَ: أَيْنَ صَاحِبُ الدَّنَانِيرِ؟ فَقَامَ إلَيْهِ، فَقَالَ عُمَرُ: خُذْ هَذِهِ الدَّنَانِيرَ فَهِيَ لَكَ.
وَلَوْ كَانَتْ زَكَاةً خَصَّ بِهَا أَهْلَهَا، وَلَمْ يَرُدَّهُ عَلَى وَاجِدِهِ، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الذِّمِّيِّ، وَالزَّكَاةُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ مَخْمُوسٌ زَالَتْ عَنْهُ يَدُ الْكَافِرِ، أَشْبَهَ خُمْسَ الْغَنِيمَةِ.
[الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِي مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْخُمْسُ فِي زَكَاة الرِّكَازِ]
(1904) الْفَصْلُ الْخَامِسُ، فِي مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْخُمْسُ.
وَهُوَ كُلُّ مَنْ وَجَدَهُ، مِنْ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ، وَحُرٍّ وَعَبْدٍ