ُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ،
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا، أُبِيحَ وَطْؤُهَا مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ؛ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهَا، أَشْبَهَ سَلَسَ الْبَوْلِ.
[مَسْأَلَةٌ الْمُبْتَلَى بِسَلَسِ الْبَوْلِ وَكَثْرَةِ الْمَذْيِ]
(486) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْمُبْتَلَى بِسَلَسِ الْبَوْلِ، وَكَثْرَةِ الْمَذْيِ، فَلَا يَنْقَطِعُ، كَالْمُسْتَحَاضَةِ، يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، بَعْدَ أَنْ يَغْسِلَ فَرْجَهُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ، وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ أَوْ الْمَذْيُ، أَوْ الْجَرِيحَ الَّذِي لَا يَرْقَأُ دَمُهُ، وَأَشْبَاهَهُمْ مِمَّنْ يَسْتَمِرُّ مِنْهُ الْحَدَثُ وَلَا يُمْكِنُهُ حِفْظُ طَهَارَتِهِ، عَلَيْهِ الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَعْدَ غَسْلِ مَحَلِّ الْحَدَثِ، وَشَدِّهِ وَالتَّحَرُّزِ مِنْ خُرُوجِ الْحَدَثِ بِمَا يُمْكِنُهُ.
فَالْمُسْتَحَاضَةُ تَغْسِلُ الْمَحَلَّ، ثُمَّ تَحْشُوهُ بِقُطْنٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ، لِيَرُدَّ الدَّمَ؛ «لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَمْنَةَ، حِينَ شَكَتْ إلَيْهِ كَثْرَةَ الدَّمِ: أَنْعَتُ لَك الْكُرْسُفَ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ.
فَإِنْ لَمْ يَرْتَدَّ الدَّمُ بِالْقُطْنِ، اسْتَثْفَرَتْ بِخِرْقَةٍ مَشْقُوقَةِ الطَّرَفَيْنِ، تَشُدُّهَا عَلَى جَنْبَيْهَا وَوَسَطُهَا عَلَى الْفَرْجِ» ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ " لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ.
وَقَالَ لِحَمْنَةَ " تَلَجَّمِي ". لَمَّا قَالَتْ: إنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ.
فَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ الدَّمُ، فَإِنْ كَانَ لِرَخَاوَةِ الشَّدِّ، فَعَلَيْهَا إعَادَةُ الشَّدِّ وَالطَّهَارَةُ، وَإِنْ كَانَ لِغَلَبَةِ الْخَارِجِ وَقُوَّتِهِ وَكَوْنِهِ لَا يُمْكِنُ شَدُّهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، لَمْ تَبْطُلْ الطَّهَارَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَتُصَلِّي وَلَوْ قَطَرَ الدَّمُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: «اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ، فَكَانَتْ تَرَى الدَّمَ وَالصُّفْرَةَ وَالطَّسْتُ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي حَدِيثٍ: «صَلِّي وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ» . وَكَذَلِكَ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، أَوْ كَثْرَةُ الْمَذْيِ، يَعْصِبُ رَأْسَ ذَكَرِهِ بِخِرْقَةٍ، وَيَحْتَرِسُ حَسَبَ مَا يُمْكِنُهُ، وَيَفْعَلُ مَا ذُكِرَ.
وَكَذَلِكَ مَنْ بِهِ جُرْحٌ يَفُورُ مِنْهُ الدَّمُ، أَوْ بِهِ رِيحٌ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْدَاثِ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُهُ قَطْعُهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ عَصْبُهُ، مِثْلُ مَنْ بِهِ جُرْحٌ لَا يُمْكِنُ شَدُّهُ، أَوْ بِهِ بَاسُورٌ أَوْ نَاصُورٌ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ عَصْبِهِ، صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ حِينَ طُعِنَ صَلَّى وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا.
(487) فَصْلٌ: وَيَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْوُضُوءُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، إلَّا أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَرَبِيعَةَ.
وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ لِمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ أَنْ يَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، إلَّا أَنْ يُؤْذِيَهُ الْبَرْدُ، فَإِنْ آذَاهُ قَالَ: فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ ضِيقٌ فِي تَرْكِ الْوُضُوءِ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ فِي حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ
عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: «فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي» . وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِالْوُضُوءِ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَى الْوُضُوءِ مِنْهُ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ؛ لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ الْخَارِجُ الْمُعْتَادُ، وَلَيْسَ هَذَا بِمُعْتَادٍ، وَلَنَا مَا رَوَى عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي «الْمُسْتَحَاضَةِ: تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ثُمَّ تَغْتَسِلُ، وَتَصُومُ وَتُصَلِّي، وَتَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ
، وَعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَتْ خَبَرَهَا، ثُمَّ قَالَ: اغْتَسِلِي، ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ وَصَلِّي» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ السَّبِيلِ، فَنَقَضَ الْوُضُوءَ، كَالْمَذْيِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ طَهَارَةَ هَؤُلَاءِ مُقَيَّدَةٌ بِالْوَقْتِ؛ لِقَوْلِهِ: " تَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ". وَقَوْلِهِ: " ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ ". وَلِأَنَّهَا طَهَارَةُ عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ، فَتَقَيَّدَتْ بِالْوَقْتِ، كَالتَّيَمُّمِ.
(488) فَصْلٌ: فَإِنْ تَوَضَّأَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ، بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ؛ لِأَنَّ دُخُولَهُ يَخْرُجُ بِهِ الْوَقْتُ الَّذِي تَوَضَّأَ فِيهِ، وَخُرُوجُ الْوَقْتِ مُبْطِلٌ لِهَذِهِ الطَّهَارَةِ، كَمَا قَرَّرْنَاهُ؛ وَلِأَنَّ الْحَدَثَ مُبْطِلٌ لِلطَّهَارَةِ، وَإِنَّمَا عُفِيَ عَنْهُ لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ مَعَ الْحَاجَةِ إلَى الطَّهَارَةِ.
وَإِنْ تَوَضَّأَ بَعْدَ الْوَقْتِ صَحَّ، وَارْتَفَعَ حَدَثُهُ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ مَا يَتَجَدَّدُ مِنْ الْحَدَثِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ.
فَإِنْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ عَقِيبَ طَهَارَتِهِ، أَوْ أَخَّرَهَا لِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، كَلُبْسِ الثِّيَابِ، وَانْتِظَارِ الْجَمَاعَةِ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ، جَازَ.
وَإِنْ أَخَّرَهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ أُرِيدَتْ لِلصَّلَاةِ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا، فَأَشْبَهَتْ التَّيَمُّمَ؛ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ، فَتَقَيَّدَتْ بِالْوَقْتِ، كَالتَّيَمُّمِ.
وَالثَّانِي، لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ لَهُ الصَّلَاةُ بِهَذِهِ الطَّهَارَةِ مَعَ قِيَامِ الْحَدَثِ لِلْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ هَاهُنَا.
وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ مِنْهَا شَيْءٌ، أَوْ أَحْدَثَتْ حَدَثًا سِوَى هَذَا الْخَارِجِ، بَطَلَتْ الطَّهَارَةُ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ: إنَّمَا أَمَرَهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَتُصَلِّي بِذَلِكَ الْوُضُوءِ النَّافِلَةَ وَالصَّلَاةَ الْفَائِتَةَ، حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى، فَتَتَوَضَّأُ أَيْضًا.
وَهَذَا يَقْتَضِي إلْحَاقَهَا بِالتَّيَمُّمِ، فِي أَنَّهَا بَاقِيَةٌ بِبَقَاءِ الْوَقْتِ، يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَتَطَوَّعَ بِهَا، وَتَقْضِيَ بِهَا الْفَوَائِتَ، وَتَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، مَا لَمْ تُحْدِثْ حَدَثًا آخَرَ، أَوْ يَخْرُجْ الْوَقْتُ.
[فَصْلٌ لِلْمُسْتَحَاضَةِ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ]
(489) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ لِلْمُسْتَحَاضَةِ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ حَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، وَأَمَرَ بِهِ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ» وَغَيْرُ الْمُسْتَحَاضَةِ مِنْ أَهْلِ الْأَعْذَارِ مَقِيسٌ عَلَيْهَا، وَمُلْحَقٌ بِهَا.
[فَصْلٌ تَوَضَّأْت الْمُسْتَحَاضَةُ ثُمَّ انْقَطَعَ دَمُهَا]
(490) فَصْلٌ: إذَا تَوَضَّأْت الْمُسْتَحَاضَةُ، ثُمَّ انْقَطَعَ دَمُهَا، فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ انْقَطَعَ لِبُرْئِهَا بِاتِّصَالِ الِانْقِطَاعِ، تَبَيَّنَّا أَنَّ وُضُوءَهَا بَطَلَ بِانْقِطَاعِهِ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ الْخَارِجَ مُبْطِلٌ لِلطَّهَارَةِ عُفِيَ عَنْهُ لِلْعُذْرِ، فَإِذَا زَالَ الْعُذْرُ زَالَتْ الضَّرُورَةُ، فَظَهَرَ حُكْمُ الْحَدَثِ.
وَإِنْ عَادَ الدَّمُ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِهَذَا الِانْقِطَاعِ.
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، فَقُلْت: إنَّ هَؤُلَاءِ يَتَكَلَّمُونَ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ، وَيُوَقِّتُونَ بِوَقْتٍ، يَقُولُونَ: إذَا تَوَضَّأَتْ لِلصَّلَاةِ، وَقَدْ انْقَطَعَ الدَّمُ ثُمَّ سَالَ بَعْدَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ، تُعِيدُ الْوُضُوءَ.
وَيَقُولُونَ: إذَا كَانَ الدَّمُ سَائِلًا، فَتَوَضَّأَتْ، ثُمَّ انْقَطَعَ الدَّمُ، قَوْلًا آخَرَ.
قَالَ: لَسْت أَنْظُرُ فِي انْقِطَاعِهِ حِينَ تَوَضَّأَتْ سَالَ أَمْ لَمْ يَسِلْ، إنَّمَا آمُرُهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَتُصَلِّي بِذَلِكَ الْوُضُوءِ النَّافِلَةَ وَالْفَائِتَةَ، حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهَا بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، فَالتَّفْصِيلُ يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ هَذَا يَشُقُّ، وَالْعَادَةُ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ وَأَصْحَابِ هَذِهِ الْأَعْذَارِ أَنَّ الْخَارِجَ يَجْرِي وَيَنْقَطِعُ، وَاعْتِبَارُ مِقْدَارِ الِانْقِطَاعِ فِيمَا يُمْكِنُ فِعْلُ الْعِبَادَةِ فِيهِ يَشُقُّ، وَإِيجَابُ الْوُضُوءِ بِهِ حَرَجٌ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ، وَلَا سَأَلَ عَنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُسْتَحَاضَةَ الَّتِي اسْتَفْتَتْهُ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ ظَاهِرًا عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِ مَعَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ هَذَا التَّفْصِيلُ.
وَقَالَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ: إنْ تَطَهَّرَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ حَالَ جَرَيَانِ دَمِهَا ثُمَّ انْقَطَعَ قَبْلَ دُخُولِهَا فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا عَادَةٌ بِانْقِطَاعِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهَا الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى تَتَوَضَّأَ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ عُفِيَ عَنْ الْحَدَثِ فِيهَا لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ، فَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ زَالَتْ الضَّرُورَةُ، فَظَهَرَ حُكْمُ الْحَدَثِ كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ، وَإِنْ دَخَلَتْ فِي الصَّلَاةِ فَاتَّصَلَ الِانْقِطَاعُ زَمَنًا يُمْكِنُ الْوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ فِيهِ، فَهِيَ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا بُطْلَانَ طَهَارَتِهَا بِانْقِطَاعِهِ.
وَإِنْ عَادَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَطَهَارَتُهَا صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا عَدَمَ الطُّهْرِ الْمُبْطِلِ لِلطَّهَارَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ أَحْدَثَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ.
وَفِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يَصِحُّ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا صِحَّةَ طَهَارَتِهَا؛ لِبَقَاءِ اسْتِحَاضَتِهَا وَالثَّانِي، لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا صَلَّتْ بِطَهَارَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ بِهَا فَلَمْ تَصِحَّ، كَمَا لَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ، فَصَلَّى، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُتَطَهِّرًا.
وَإِنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ قَبْلَ دُخُولِهَا فِي الصَّلَاةِ لِمُدَّةٍ تَتَّسِعُ لِلطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ، بَطَلَتْ الطَّهَارَةُ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَتَّسِعُ، لَمْ تَبْطُلْ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا عَدَمَ الطُّهْرِ الْمُبْطِلِ لِلطَّهَارَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ أَحْدَثَ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ، وَإِنْ كَانَ انْقِطَاعُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَفِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِهِ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الْمُتَيَمِّمِ يَرَى الْمَاءَ فِي الصَّلَاةِ.
ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ حَامِدٍ.
وَإِنْ عَاوَدَ الدَّمُ، فَالْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا مَضَى فِي انْقِطَاعِهِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ.
وَإِنْ تَوَضَّأَتْ فِي زَمَنِ انْقِطَاعِهِ، ثُمَّ عَاوَدَهَا الدَّمُ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ فِيهَا، أَوْ كَانَتْ مُدَّةُ انْقِطَاعِهِ تَتَّسِعُ لِلطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ، بَطَلَتْ طَهَارَتُهَا بِعَوْدِ الدَّمِ؛ لِأَنَّهَا بِهَذَا الِانْقِطَاعِ صَارَتْ فِي حُكْمِ الطَّاهِرَاتِ، فَصَارَ عَوْدُ الدَّمِ كَسَبْقِ الْحَدَثِ.
وَإِنْ كَانَ انْقِطَاعًا لَا يَتَّسِعُ لِذَلِكَ، لَمْ يُؤَثِّرْ عَوْدُهُ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ، وَلَا حُكْمَ لِهَذَا الِانْقِطَاعِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِهَذَا الِانْقِطَاعِ، بَلْ مَتَى كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً أَوْ بِهَا عُذْرٌ مِنْ هَذِهِ الْأَعْذَارِ، فَتَحَرَّزَتْ وَتَطَهَّرَتْ، فَطَهَارَتُهَا صَحِيحَةٌ، وَصَلَاتُهَا بِهَا مَاضِيَةٌ، مَا لَمْ يَزُلْ عُذْرُهَا، وَتَبْرَأْ مِنْ مَرَضِهَا، أَوْ يَخْرُجْ وَقْتُ الصَّلَاةِ، أَوْ تُحْدِثْ حَدَثًا سِوَى حَدَثِهَا.
[فَصْلٌ كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ زَمَنًا لَا يَتَّسِعُ لِلطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ]
(491) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ زَمَنًا لَا يَتَّسِعُ لِلطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ فَتَوَضَّأَتْ، ثُمَّ انْقَطَعَ دَمُهَا، لَمْ يُحْكَمْ بِبُطْلَانِ طَهَارَتِهَا، وَلَا صَلَاتِهَا، إنْ كَانَتْ فِيهَا؛ لِأَنَّ هَذَا الِانْقِطَاعَ لَا يُفِيدُ الْمَقْصُودَ.
وَإِنْ اتَّصَلَ الِانْقِطَاعُ وَبَرَأَتْ، وَكَانَ قَدْ جَرَى مِنْهَا دَمٌ بَعْدَ الْوُضُوءِ، بَطَلَتْ طَهَارَتُهَا وَالصَّلَاةُ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا صَارَتْ فِي حُكْمِ الطَّاهِرَاتِ بِذَلِكَ الِانْقِطَاعِ.
وَإِنْ اتَّصَلَ زَمَنًا يَتَّسِعُ لِلطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ، فَالْحُكْمُ فِيهَا كَالْحُكْمِ فِي الَّتِي لَمْ يَجْرِ لَهَا عَادَةٌ بِانْقِطَاعِهِ عَلَى مَا ذَكَرَ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ بِانْقِطَاعِهِ زَمَنًا يَتَّسِعُ لِلطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ، لَمْ تُصَلِّ حَالَ جَرَيَانِ الدَّمِ، وَتَنْتَظِرُ إمْسَاكَهُ، إلَّا أَنْ تَخْشَى خُرُوجَ الْوَقْتِ، فَتَتَوَضَّأَ وَتُصَلِّيَ.
فَإِنْ شَرَعَتْ فِي الصَّلَاةِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ بِهَذِهِ الطَّهَارَةِ، فَأَمْسَكَ الدَّمُ عَنْهَا، بَطَلَتْ طَهَارَتُهَا؛ لِأَنَّهَا أَمْكَنَتْهَا الصَّلَاةُ بِطَهَارَةٍ غَيْرِ ضَرُورِيَّةٍ، فَلَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهَا بِغَيْرِهَا، كَغَيْرِ الْمُسْتَحَاضَةِ.
وَإِنْ كَانَ زَمَنُ إمْسَاكِهِ يَخْتَلِفُ، فَتَارَةً يَتَّسِعُ.
وَتَارَةً لَا يَتَّسِعُ، فَهِيَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا، إلَّا أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ انْقِطَاعَهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ لَا يَتَّسِعُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا إذَا شَرَعَتْ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ انْقَطَعَ الدَّمُ، لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهَا؛ لِأَنَّهَا شَرَعَتْ فِيهَا بِطَهَارَةٍ يَقِينِيَّةٍ، وَانْقِطَاعُ الدَّمِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُتَّسِعًا، فَتَبْطُلُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَيِّقًا، فَلَا تَبْطُلُ، وَلَا يَزُولُ الْيَقِينُ بِالشَّكِّ.
فَإِنْ اتَّصَلَ الِانْقِطَاعُ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ مُبْطِلًا، فَبَطَلَتْ الطَّهَارَةُ وَالصَّلَاةُ بِهِ.
[مَسْأَلَةٌ أَكْثَرُ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا]
(492) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَأَكْثَرُ النِّفَاسَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا) هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ
بَعْدَهُمْ عَلَى أَنَّ النُّفَسَاءَ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا إلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَتَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ النَّاسِ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَعَائِذِ بْنِ عَمْرٍو وَأَنَسٍ، وَأُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: أَكْثَرُهُ سِتُّونَ يَوْمًا.
وَحَكَى ابْنُ عَقِيلٍ، عَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةً مِثْلَ قَوْلِهِمَا لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: عِنْدَنَا امْرَأَةٌ تَرَى النِّفَاسَ شَهْرَيْنِ.
وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ وَجَدَهُ.
وَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إلَى الْوُجُودِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ غَالِبُهُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا.
وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو سَهْلٍ كَثِيرُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُسَّةَ الْأَزْدِيَّةِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: «كَانَتْ النُّفَسَاءُ تَجْلِسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَهْلٍ، وَهُوَ ثِقَةٌ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَثْنَى مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ.
وَرَوَى الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، عَنْ مُسَّةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا سَأَلَتْهُ: كَمْ تَجْلِسُ الْمَرْأَةُ إذَا وَلَدَتْ قَالَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا، إلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمْ، فَكَانَ إجْمَاعًا، وَقَدْ حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ إجْمَاعًا، وَنَحْوَهُ حَكَى أَبُو عُبَيْدٍ، وَمَا حَكَوْهُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ، يَحْتَمِلُ أَنَّ الزِّيَادَةَ كَانَتْ حَيْضًا أَوْ اسْتِحَاضَةً، كَمَا لَوْ زَادَ دَمُهَا عَنْ السِّتِّينَ، أَوْ كَمَا لَوْ زَادَ دَمُ الْحَائِضِ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
[فَصْلٌ زَادَ دَمُ النُّفَسَاءِ عَلَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا]
(493) فَصْلٌ: فَإِنْ زَادَ دَمُ النُّفَسَاءِ عَلَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَصَادَفَ عَادَةَ الْحَيْضِ، فَهُوَ حَيْضٌ، وَإِنْ لَمْ يُصَادِفْ عَادَةً، فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ، فَإِنْ كَانَ فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا الَّذِي تَقْعُدُهُ أَمْسَكَتْ عَنْ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَأْتِهَا زَوْجُهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَيَّامٌ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ، يَأْتِيهَا زَوْجُهَا، وَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَتَصُومُ وَتُصَلِّي إنْ أَدْرَكَهَا رَمَضَانُ، وَلَا تَقْضِي.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مِثْلِ مَا قُلْنَا.
[مَسْأَلَةٌ لَيْسَ لِأَقَلِّ النِّفَاسِ حَدٌّ]
(494) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَيْسَ لِأَقَلِّهِ حَدٌّ، أَيَّ وَقْتٍ رَأَتْ الطُّهْرَ اغْتَسَلَتْ، وَهِيَ طَاهِرٌ، وَلَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا فِي الْفَرْجِ حَتَّى تُتِمَّ الْأَرْبَعِينَ اسْتِحْبَابًا) وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ: إذَا لَمْ تَرَ دَمًا تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَأَبُو ثَوْرٍ: أَقَلُّهُ سَاعَةٌ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَقَلُّهُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا، وَلَنَا أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي الشَّرْعِ تَحْدِيدُهُ، فَيُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْوُجُودِ، وَقَدْ وُجِدَ قَلِيلًا وَكَثِيرًا، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً وَلَدَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ تَرَ دَمًا، فَسُمِّيَتْ ذَاتَ الْجُفُوفِ.
قَالَ أَبُو دَاوُد: ذَاكَرْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ حَدِيثَ جَرِيرٍ: كَانَتْ امْرَأَةٌ تُسَمَّى الطَّاهِرَ، تَضَعُ أَوَّلَ النَّهَارِ وَتَطْهُرُ آخِرَهُ فَجَعَلَ يَعْجَبُ مِنْهُ.
وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا يَحِلُّ لِلنُّفَسَاءِ إذَا رَأَتْ الطُّهْرَ إلَّا أَنْ تُصَلِّيَ.
وَلِأَنَّ
الْيَسِيرَ دَمٌ وُجِدَ عَقِيبَ سَبَبِهِ وَهُوَ الْوِلَادَةُ، فَيَكُونُ نِفَاسًا كَالْكَثِيرِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهَا إذَا رَأَتْ النَّقَاءَ لِدُونِ الْيَوْمِ لَا تَثْبُتُ لَهَا أَحْكَامُ الطَّاهِرَاتِ.
قَالَ يَعْقُوبُ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْمَرْأَةِ إذَا ضَرَبَهَا الْمَخَاضُ، فَتَكُونُ أَيَّامُهَا عَشْرًا، فَتَرَى النَّقَاءَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَتَغْتَسِلُ، ثُمَّ تَرَى الدَّمَ مِنْ يَوْمِهَا؟ قَالَ: هَذَا أَقَلُّ مِنْ يَوْمٍ، لَيْسَ عَلَيْهَا شَيْءٌ.
فَعَلَى هَذَا لَا تَثْبُتُ لَهَا أَحْكَامُ الطَّاهِرَاتِ حَتَّى تَرَى الطُّهْرَ يَوْمًا كَامِلًا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الدَّمَ يَجْرِي تَارَةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى، فَلَا يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ النِّفَاسِ بِمُجَرَّدِ انْقِطَاعِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى أَنْ لَا تَسْقُطَ الصَّلَاةُ عَنْهَا فِي نِفَاسِهَا، إذْ مَا مِنْ وَقْتِ صَلَاةٍ إلَّا يُوجَدُ فِيهِ طُهْرٌ يَجِبُ عَلَيْهَا الصَّلَاةُ بِهِ وَهَذَا يُخَالِفُ النَّصَّ وَالْإِجْمَاعَ، وَإِذَا لَمْ يُعْتَبَرْ مُجَرَّدُ انْقِطَاعِ الدَّمِ فَلَا بُدَّ مِنْ ضَابِطٍ لِلِانْقِطَاعِ الْمَعْدُودِ طُهْرًا، وَالْيَوْمُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ ضَابِطًا لِذَلِكَ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ.
[فَصْلٌ وَلَدَتْ وَلَمْ تَرَ دَمًا]
(495) فَصْلٌ: وَإِنْ وَلَدَتْ وَلَمْ تَرَ دَمًا، فَهِيَ طَاهِرٌ لَا نِفَاسَ لَهَا لِأَنَّ النِّفَاسَ هُوَ الدَّمُ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَفِي وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَيْهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ مِنْ الشَّرْعِ، وَإِنَّمَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِإِيجَابِهِ عَلَى النُّفَسَاءِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ نُفَسَاءَ، وَلَا فِي مَعْنَاهَا؛ لِأَنَّ النُّفَسَاءَ قَدْ خَرَجَ مِنْهَا دَمٌ يَقْتَضِي خُرُوجُهُ وُجُوبَ الْغُسْلِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِيمَنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا.
وَالثَّانِي، يَجِبُ؛ لِأَنَّ الْوِلَادَةَ مَظِنَّةٌ لِلنِّفَاسِ، فَتَعَلَّقَ الْإِيجَابُ بِهَا، كَتَعَلُّقِهِ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْإِنْزَالُ.
[فَصْلٌ إذَا طَهُرَتْ النُّفَسَاءُ لِدُونِ الْأَرْبَعِينَ اغْتَسَلَتْ]
(496) فَصْلٌ: وَإِذَا طَهُرَتْ لِدُونِ الْأَرْبَعِينَ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ، وَصَامَتْ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَقْرَبَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ.
قَالَ أَحْمَدُ: مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْتِيَهَا زَوْجُهَا، عَلَى حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، أَنَّهَا أَتَتْهُ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ، فَقَالَ لَا تَقْرَبِينِي؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ عَوْدَ الدَّمِ فِي زَمَنِ الْوَطْءِ، فَيَكُونُ وَاطِئًا فِي نِفَاسٍ، وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ، فَإِنَّا حَكَمْنَا لَهَا بِأَحْكَامِ الطَّاهِرَاتِ وَلِهَذَا يَلْزَمُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ، وَتَصُومَ.
وَإِنْ عَادَ دَمُهَا فِي مُدَّةِ الْأَرْبَعِينَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ.
إحْدَاهُمَا، أَنَّهُ مِنْ نِفَاسِهَا، تَدَعُ لَهُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ.
نَقَلَ عَنْهُ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ: فَإِنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ، أَمْسَكَتْ عَنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، فَإِنْ طَهُرَتْ أَيْضًا اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ وَصَامَتْ.
وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالشَّعْبِيِّ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ فِي زَمَنِ النِّفَاسِ، فَكَانَ نِفَاسًا كَالْأَوَّلِ، وَكَمَا لَوْ اتَّصَلَ.
وَالثَّانِيَةُ، أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، تَصُومُ وَتُصَلِّي، ثُمَّ تَقْضِي الصَّوْمَ احْتِيَاطًا.
وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ
عَنْهُ، نَقَلَهَا الْأَثْرَمُ، وَغَيْرُهُ.
وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا، وَإِنَّمَا أَلْزَمَهَا فِعْلَ الْعِبَادَاتِ فِي هَذَا الدَّمِ؛ لِأَنَّ سَبَبَهَا مُتَيَقَّنٌ، وَسُقُوطَهَا بِهَذَا الدَّمِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يَزُولُ الْيَقِينُ بِالشَّكِّ، وَأَمَرَهَا بِالْقَضَاءِ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ مُتَيَقَّنٌ، وَسُقُوطَ الصَّوْمِ بِفِعْلِهِ فِي هَذَا الدَّمِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الدَّمِ وَبَيْنَ الزَّائِدِ عَلَى السِّتِّ وَالسَّبْعِ فِي حَقِّ النَّاسِيَةِ، حَيْثُ لَا يَجِبُ قَضَاءُ مَا صَامَتْهُ فِيهِ مَعَ الشَّكِّ، أَنَّ الْغَالِبَ مَعَ عَادَاتِ النِّسَاءِ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ نَادِرٌ بِخِلَافِ النِّفَاسِ؛ وَلِأَنَّ الْحَيْضَ يَتَكَرَّرُ، فَيَشُقُّ إيجَابُ الْقَضَاءِ فِيهِ، وَالنِّفَاسُ بِخِلَافِهِ، وَكَذَلِكَ الدَّمُ الزَّائِدُ عَنْ الْعَادَةِ فِي الْحَيْضِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ رَأَتْ الدَّمَ بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، فَهُوَ نِفَاسٌ، وَإِنْ تَبَاعَدَ مَا بَيْنَهُمَا، فَهُوَ حَيْضٌ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ فِيمَا إذَا رَأَتْ الدَّمَ يَوْمًا وَلَيْلَةً بَعْدَ طُهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا: أَحَدُهُمَا، يَكُونُ حَيْضًا، وَالثَّانِي، يَكُونُ نِفَاسًا.
وَقَالَ الْقَاضِي إنْ رَأَتْ الدَّمَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بَعْدَ طُهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ تُصَلِّي وَتَصُومُ وَلَا تَقْضِي.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ.
وَإِنْ كَانَ الدَّمُ الثَّانِي يَوْمًا وَلَيْلَةً، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا قُلْنَاهُ، مِنْ أَنَّهَا تَصُومُ وَتُصَلِّي وَتَقْضِي الصَّوْمَ، وَلَنَا أَنَّهُ دَمٌ صَادَفَ زَمَنَ النِّفَاسِ، فَكَانَ نِفَاسًا، كَمَا لَوْ اسْتَمَرَّ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جَعْلِهِ حَيْضًا، فَإِنَّمَا خَالَفَ فِي الْعِبَارَةِ، فَإِنَّ حُكْمَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَاحِدٌ، وَأَمَّا مَا صَامَتْهُ فِي زَمَنِ الطُّهْرِ، فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهَا فِيهِ.
[فَصْلٌ رَأَتْ الْمَرْأَةُ الدَّمَ بَعْدَ وَضْعِ شَيْءٍ يَتَبَيَّنُ فِيهِ خَلْقُ الْإِنْسَانِ فَهُوَ نِفَاسٌ]
(497) فَصْلٌ: إذَا رَأَتْ الْمَرْأَةُ الدَّمَ بَعْدَ وَضْعِ شَيْءٍ يَتَبَيَّنُ فِيهِ خَلْقُ الْإِنْسَانِ، فَهُوَ نِفَاسٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ وَإِنْ رَأَتْهُ بَعْدَ إلْقَاءِ نُطْفَةٍ أَوْ عَلَقَةٍ، فَلَيْسَ بِنِفَاسٍ.
وَإِنْ كَانَ الْمُلْقَى بُضْعَةً لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ، فَفِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، هُوَ نِفَاسٌ؛ لِأَنَّهُ بَدْءُ خَلْقِ آدَمِيٍّ، فَكَانَ نِفَاسًا، كَمَا لَوْ تَبَيَّنَ فِيهَا خَلْقُ آدَمِيٍّ.
وَالثَّانِي، لَيْسَ بِنِفَاسٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهَا خَلْقُ آدَمِيٍّ، فَأَشْبَهَتْ النُّطْفَةَ.
[فَصْلٌ إذَا وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ تَوْأَمَيْنِ]
(498) فَصْلٌ: إذَا وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ تَوْأَمَيْنِ، فَذَكَرَ أَصْحَابُنَا عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَيْنِ فِيهَا: إحْدَاهُمَا، أَنَّ النِّفَاسَ مِنْ الْأَوَّلِ كُلِّهِ، أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، قَالُوا: وَهِيَ الصَّحِيحَةُ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ.
فَعَلَى هَذَا مَتَى انْقَضَتْ مُدَّةُ النِّفَاسِ مِنْ حِينِ وَضَعَتْ الْأَوَّلَ، لَمْ يَكُنْ مَا بَعْدَهُ نِفَاسًا؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ وِلَادَةِ الْأَوَّلِ دَمٌ بَعْدَ الْوِلَادَةِ، فَكَانَ نِفَاسًا، كَالْمُنْفَرِدِ، وَآخِرُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ أَوَّلَهُ مِنْهُ، فَكَانَ آخِرُهُ مِنْهُ، كَالْمُنْفَرِدِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، فَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي " رُءُوسِ الْمَسَائِلِ "
هِيَ أَنَّ أَوَّلَهُ مِنْ الْأَوَّلِ وَآخِرَهُ مِنْ الثَّانِي.
وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي، فِي كِتَابِ " الرِّوَايَتَيْنِ " لِأَنَّ الثَّانِيَ وُلِدَ فَلَا تَنْتَهِي مُدَّةُ النِّفَاسِ قَبْلَ انْتِهَائِهَا مِنْهُ كَالْمُنْفَرِدِ، فَعَلَى هَذَا تَزِيدُ مُدَّةُ النِّفَاسِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ فِي حَقِّ مَنْ وَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ فِي " مَسَائِلِهِ "، وَأَبُو الْخَطَّابِ.
فِي " الْهِدَايَةِ ": الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّهُ مِنْ الثَّانِي فَقَطْ.
وَهَذَا قَوْلُ زُفَرَ؛ لِأَنَّ مُدَّةَ النِّفَاسِ مُدَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْوِلَادَةِ، فَكَانَ ابْتِدَاؤُهَا وَانْتِهَاؤُهَا مِنْ الثَّانِي، كَمُدَّةِ الْعِدَّةِ.
فَعَلَى هَذَا مَا تَرَاهُ مِنْ الدَّمِ قَبْلَ وِلَادَةِ الثَّانِي لَا يَكُونُ نِفَاسًا.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، كَالْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي، أَنَّهُ مِنْهُمَا، رِوَايَةً وَاحِدَةً وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الدَّمِ الَّذِي بَيْنَ الْوِلَادَتَيْنِ، هَلْ هُوَ نِفَاسٌ، أَمْ لَا؟ وَهَذَا ظَاهِرُهُ إنْكَارٌ لِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَنَّ آخِرَ النِّفَاسِ مِنْ الْأَوَّلِ.
[فَصْلٌ حُكْمُ النُّفَسَاءِ حُكْمُ الْحَائِضِ]
(499) فَصْلٌ: وَحُكْمُ النُّفَسَاءِ حُكْمُ الْحَائِضِ فِي جَمِيعِ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا، وَيَسْقُطُ عَنْهَا، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا، وَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ وَطْئِهَا وَحِلُّ مُبَاشَرَتِهَا، وَالِاسْتِمْتَاعُ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ مِنْهَا، وَالْخِلَافُ فِي الْكَفَّارَةِ بِوَطْئِهَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ دَمَ النِّفَاسِ هُوَ دَمُ الْحَيْضِ، إنَّمَا امْتَنَعَ خُرُوجُهُ مُدَّةَ الْحَمْلِ لِكَوْنِهِ يَنْصَرِفُ إلَى غِذَاءِ الْحَمْلِ، فَإِذَا وُضِعَ الْحَمْلُ، وَانْقَطَعَ الْعِرْقُ الَّذِي كَانَ مَجْرَى الدَّمِ، خَرَجَ مِنْ الْفَرْجِ، فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ، كَمَا لَوْ خَرَجَ مِنْ الْحَائِضِ.
وَيُفَارِقُ النِّفَاسُ الْحَيْضَ فِي أَنَّ الْعِدَّةَ لَا تَحْصُلُ بِهِ؛ لِأَنَّهَا تَنْقَضِي بِوَضْعِ الْحَمْلِ قَبْلَهُ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى الْبُلُوغِ؛ لِحُصُولِهِ بِالْحَمْلِ قَبْلَهُ.
[مَسْأَلَةٌ كَانَتْ لَهَا أَيَّامُ حَيْضٍ فَزَادَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَعْرِفُ]
(500) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ كَانَتْ لَهَا أَيَّامٌ فَزَادَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَعْرِفُ، لَمْ تَلْتَفِتْ إلَى الزِّيَادَةِ، إلَّا أَنْ تَرَاهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَتَعْلَمَ حِينَئِذٍ أَنَّ حَيْضَهَا قَدْ انْتَقَلَ، فَتَصِيرَ إلَيْهِ فَتَتْرُكَ الْأَوَّلَ.
وَإِنْ كَانَتْ صَامَتْ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ مِرَارًا أَعَادَتْهُ، إذَا كَانَ صَوْمًا وَاجِبًا، وَإِذَا رَأَتْ الدَّمَ قَبْلَ أَيَّامِهَا الَّتِي كَانَتْ تَعْرِفُ، فَلَا تَلْتَفِتُ إلَيْهِ، حَتَّى يُعَاوِدَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ)
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فِي الْحَيْضِ، فَرَأَتْ الدَّمَ فِي غَيْرِ عَادَتِهَا، لَمْ تَعْتَدَّ بِمَا خَرَجَ مِنْ الْعَادَةِ حَيْضًا، حَتَّى يَتَكَرَّرَ ثَلَاثًا، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، أَوْ مَرَّتَيْنِ فِي الْأُخْرَى.
نَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ فِي امْرَأَةٍ لَهَا أَيَّامٌ مَعْلُومَةٌ، فَتَقَدَّمَتْ الْحَيْضَةُ قَبْلَ أَيَّامِهَا، لَمْ تَلْتَفِتْ إلَيْهَا، تَصُومُ وَتُصَلِّي، فَإِنْ عَاوَدَهَا فِي الثَّانِيَةِ، مِثْلُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ دَمُ حَيْضٍ مُنْتَقِلٌ.
وَنَقَلَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ: لَا تَنْتَقِلُ إلَيْهِ إلَّا فِي الثَّالِثَةِ، فَلْتُمْسِكْ عَنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ.
وَفِي لَفْظٍ لَهُ قَالَ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْمَرْأَةِ أَيَّامُ أَقْرَائِهَا مَعْلُومَةٌ، فَرُبَّمَا زَادَ فِي الْأَشْهُرِ الْكَثِيرَةِ عَلَى أَيَّامِ أَقْرَائِهَا، أَتُمْسِكُ عَنْ الصَّلَاةِ أَوْ تُصَلِّي؟ قَالَ: بَلْ تُصَلِّي، وَلَا تَلْتَفِتُ إلَى مَا زَادَ عَلَى أَقْرَائِهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ دَمَ حَيْضٍ تَنْتَقِلُ إلَيْهِ أَوْ نَحْوَ هَذَا.
قُلْت: أَفَتُصَلِّي إلَى أَنْ يُصِيبَهَا ثَلَاثَ مِرَارًا، ثُمَّ تَدَعُ الصَّلَاةَ بَعْدَ ثَلَاثٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، بَعْدَ ثَلَاثٍ.
فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهَا لَا تَعُدُّ الزِّيَادَةَ مِنْ حَيْضِهَا إلَّا فِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ، وَأَنَّهَا تُصَلِّي وَتَصُومُ فِي الْمَرَّاتِ الثَّلَاثِ.
وَفِي رِوَايَتِهِ الْأُولَى يَحْتَمِلُ أَنَّهَا تَحْتَسِبُهُ مِنْ حَيْضِهَا فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ؛ لِقَوْلِهِ: لَا تَنْتَقِلُ إلَيْهِ إلَّا فِي الثَّالِثَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بَعْدَ الثَّالِثَةِ، وَفِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ احْتِمَالَانِ أَحَدُهُمَا، أَنَّهَا تَنْتَقِلُ إلَيْهِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، وَتَحْتَسِبُهُ مِنْ حَيْضِهَا.
وَالثَّانِي، أَنَّهَا لَا تَنْتَقِلُ إلَيْهِ إلَّا فِي الثَّالِثَةِ.
وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ اعْتِبَارُ التَّكْرَارِ ثَلَاثًا فِيمَا خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ سَوَاءٌ رَأَتْ الدَّمَ قَبْلَ عَادَتِهَا، أَوْ بَعْدَهَا مَعَ بَقَاءِ الْعَادَةِ، أَوْ انْقِطَاعِ الدَّمِ فِيهَا، أَوْ فِي بَعْضِهَا، فَإِنَّهَا لَا تَجْلِسُ فِي غَيْرِ أَيَّامِهَا حَتَّى تَتَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَإِذَا تَكَرَّرَ عَلِمْنَا أَنَّهُ حَيْضٌ مُنْتَقِلٌ، فَتَصِيرُ إلَيْهِ، أَيْ تَتْرُكُ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ فِيهِ، وَتَصِيرُ عَادَةً لَهَا، وَتَتْرُكُ الْأَوَّلَ، أَيْ الْعَادَةَ الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا قَدْ انْتَقَلَتْ عَنْهَا، وَصَارَتْ الْعَادَةُ أَكْثَرَ مِنْهَا أَوْ غَيْرِهَا.
ثُمَّ يَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاءُ مَا صَامَتْهُ مِنْ الْفَرْضِ فِي هَذِهِ الْمَرَّاتِ الثَّلَاثِ الَّتِي أَمَرْنَاهَا بِالصِّيَامِ فِيهَا؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا صَامَتْهُ فِي حَيْضٍ، وَالصَّوْمُ فِي الْحَيْضِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَيْسَ عَلَيْهَا قَضَاؤُهَا؛ لِأَنَّ الْحَائِضَ لَا تَقْضِي الصَّلَاةَ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْتِيَهَا زَوْجُهَا فِي الْأَيَّامِ الَّتِي تُصَلِّي فِيهَا؛ لِأَنَّنَا لَا نَأْمَنُ كَوْنَهَا حَيْضًا، وَإِنَّمَا تُصَلِّي وَتَصُومُ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ، وَتَرْكُ الْوَطْءِ احْتِيَاطًا أَيْضًا، فَيَجِبُ كَمَا تَجِبُ الصَّلَاةُ.
وَإِنْ تَجَاوَزَتْ الزِّيَادَةُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، فَهِيَ اسْتِحَاضَةٌ، وَلَا تَجْلِسُ غَيْرَ أَيَّامِ الْعَادَةِ بِكُلِّ حَالٍ.
وَمِثَالُ ذَلِكَ امْرَأَةٌ عَادَتُهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فِي أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ، فَرَأَتْ خَمْسَةً فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ، أَوْ رَأَتْ يَوْمَيْنِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَالثَّلَاثَةَ الْمُعْتَادَةَ، أَوْ طَهُرَتْ الثَّلَاثَةَ، وَرَأَتْ ثَلَاثَةً بَعْدَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا، أَوْ أَقَلَّ، قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا، أَوْ طَهُرَتْ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ وَرَأَتْ ثَلَاثَةً بَعْدَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا، أَوْ طَهُرَتْ يَوْمَيْنِ وَرَأَتْ يَوْمَيْنِ بَعْدَهُمَا أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا أَوْ رَأَتْ الدَّمَ يَوْمَيْنِ فِي آخِرِ الشَّهْرِ وَيَوْمًا فِي أَوَّلِهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا لَا تَجْلِسُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ، مَا عَدَا الْأَوَّلَ مِنْ الشَّهْرِ حَتَّى تَتَكَرَّرَ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اجْلِسِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُك حَيْضَتُك» . وَلِأَنَّ لَهَا عَادَةً، فَرُدَّتْ إلَيْهَا، كَالْمُسْتَحَاضَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَا رَأَتْهُ قَبْلَ الْعَادَةِ لَيْسَ بِحَيْضٍ، حَتَّى يَتَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ، وَمَا تَرَاهُ بَعْدَهَا فَهُوَ حَيْضٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: جَمِيعُهُ حَيْضٌ، مَا لَمْ تَتَجَاوَزْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ.
وَهَذَا أَقْوَى عِنْدِي؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - كَانَتْ تَبْعَثُ إلَيْهَا النِّسَاءُ بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ، فَتَقُولُ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقُصَّةَ الْبَيْضَاءَ.
وَمَعْنَاهُ لَا تَعْجَلْنَ بِالْغُسْلِ حَتَّى يَنْقَطِعَ الدَّمُ، وَتَذْهَبَ الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ، وَلَا يَبْقَى شَيْءٌ يَخْرُجُ مِنْ الْمَحَلِّ، بِحَيْثُ إذَا دَخَلَتْ فِيهِ قُطْنَةٌ خَرَجَتْ بَيْضَاءَ.
وَلَوْ لَمْ تَعُدَّ الزِّيَادَةَ حَيْضًا لَلَزِمَهَا الْغُسْلُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْعَادَةِ، وَإِنْ كَانَ الدَّمُ جَارِيًا؛ وَلِأَنَّ الشَّارِعَ عَلَّقَ عَلَى الْحَيْضِ أَحْكَامًا، وَلَمْ يَحُدُّهُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ رَدَّ
النَّاسَ فِيهِ إلَى عُرْفِهِمْ، وَالْعُرْفُ بَيْنَ النِّسَاءِ أَنَّ الْمَرْأَةَ مَتَى رَأَتْ دَمًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، اعْتَقَدَتْهُ حَيْضًا، وَلَوْ كَانَ عُرْفُهُنَّ اعْتِبَارَ الْعَادَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ لَنُقِلَ، وَلَمْ يَجُزْ التَّوَاطُؤُ عَلَى كِتْمَانِهِ، مَعَ دُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَلِذَلِكَ لَمَّا كَانَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَهُ فِي الْخَمِيلَةِ، فَجَاءَهَا الدَّمُ، فَانْسَلَّتْ مِنْ الْخَمِيلَةِ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " مَا لَك؟ أَنَفِسْت؟ " قَالَتْ: نَعَمْ.
فَأَمَرَهَا أَنْ تَأْتَزِرَ.
وَلَمْ يَسْأَلْهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلْ وَافَقَ الْعَادَةَ أَوْ جَاءَ قَبْلَهَا؟ وَلَا هِيَ ذَكَرَتْ ذَلِكَ، وَلَا سَأَلَتْ عَنْهُ، وَإِنَّمَا اسْتَدَلَّتْ عَلَى الْحَيْضَةِ بِخُرُوجِ الدَّمِ، فَأَقَرَّهَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَلِكَ حِينَ حَاضَتْ عَائِشَةُ فِي عُمْرَتِهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، إنَّمَا عَلِمَتْ الْحَيْضَةَ بِرُؤْيَةِ الدَّمِ لَا غَيْرُ، وَلَمْ تَذْكُرْ عَادَةً، وَلَا ذَكَرَهَا لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ اسْتَكْرَهَتْهُ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهَا، وَبَكَتْ حِينَ رَأَتْهُ، وَقَالَتْ: وَدِدْت أَنِّي لَمْ أَكُنْ حَجَجْت الْعَامَ.
وَلَوْ كَانَتْ تَعْلَمُ لَهَا عَادَةً تَعْلَمُ مَجِيئَهُ فِيهَا وَقَدْ جَاءَ فِيهَا، مَا أَنْكَرَتْهُ، وَلَا صَعُبَ عَلَيْهَا، وَلَوْ كَانَتْ الْعَادَةُ مُعْتَبَرَةً، عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَذْهَبِ، لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُمَّتِهِ، وَلَمَا وَسِعَهُ تَأْخِيرُ بَيَانِهِ، إذْ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِهِ، وَأَزْوَاجُهُ وَغَيْرُهُنَّ مِنْ النِّسَاءِ يَحْتَجْنَ إلَى بَيَانِ ذَلِكَ فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَلَمْ يَكُنْ لِيُغْفِلَ بَيَانَهُ، وَمَا جَاءَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ذِكْرُ الْعَادَةِ، وَلَا بَيَانُهَا، إلَّا فِي حَقِّ الْمُسْتَحَاضَةِ لَا غَيْرُ، وَأَمَّا امْرَأَةٌ طَاهِرٌ تَرَى الدَّمَ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا ثُمَّ يَنْقَطِعُ عَنْهَا، فَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَقِّهَا عَادَةً أَصْلًا، وَلِأَنَّنَا لَوْ اعْتَبَرْنَا التَّكْرَارَ فِيمَا خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ أَدَّى إلَى خُلُوِّ نِسَاءٍ عَنْ الْحَيْضِ بِالْكُلِّيَّةِ، مَعَ رُؤْيَتِهِنَّ الدَّمَ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ، وَصَلَاحِيَةِ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا؛ بَيَانُهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا رَأَتْ الدَّمَ فِي غَيْرِ أَيَّامِ عَادَتِهَا، وَطَهُرَتْ أَيَّامَ عَادَتِهَا، لَمْ تُمْسِكْ عَنْ الصَّلَاةِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، فَإِذَا انْتَقَلَتْ فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ إلَى أَيَّامٍ أُخَرَ لَمْ نُحَيِّضْهَا أَيْضًا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَكَذَلِكَ أَبَدًا، فَيُفْضِي إلَى إخْلَائِهَا مِنْ الْحَيْضِ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَلَا سَبِيلَ إلَى هَذَا، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَجْلِسُ مَا تَرَاهُ مِنْ الدَّمِ قَبْلَ عَادَتِهَا وَبَعْدَهَا، مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ، فَإِنْ زَادَ عَلَى أَكْثَرِهِ عَلِمْنَا أَنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ، فَرَدَدْنَاهَا إلَى عَادَتِهَا، وَيَلْزَمُهَا قَضَاءُ مَا تَرَكَتْهُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ فِيمَا زَادَ عَلَى عَادَتِهَا، لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِحَاضَةٌ.
[فَصْلٌ كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ فَرَأَتْ الدَّمَ أَكْثَرَ مِنْهَا]
(501) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ، فَرَأَتْ الدَّمَ أَكْثَرَ مِنْهَا، وَجَاوَزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، وَحَيْضُهَا مِنْهُ قَدْرُ الْعَادَةِ لَا غَيْرُ، وَلَا تَجْلِسُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الشُّهُورِ الْمُسْتَقْبَلَةِ إلَّا قَدْرَ الْعَادَةِ، وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا عِنْدَ مَنْ اعْتَبَرَ الْعَادَةَ.
فَأَمَّا إنْ كَانَتْ عَادَتُهَا ثَلَاثَةً مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، فَرَأَتْ فِي شَهْرٍ خَمْسَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ فِي الشَّهْرِ
الْآخَرِ، فَإِنَّهَا لَا تَجْلِسُ مِمَّا بَعْدَهُ مِنْ الشُّهُورِ إلَّا ثَلَاثَةً ثَلَاثَةً.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَجْلِسُ خَمْسَةً مِنْ كُلِّ شَهْرٍ.
وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعَادَةَ لَا تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ، وَإِنْ رَأَتْ خَمْسَةً فِي شَهْرَيْنِ، فَهَلْ تَنْتَقِلُ عَادَتُهَا إلَى خَمْسَةٍ؟ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ الْعَادَةُ، وَإِنْ رَأَتْ الْخَمْسَةَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ، انْتَقَلَتْ إلَيْهَا، وَجَلَسَتْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ خَمْسَةً، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَهُمْ.
[مَسْأَلَةُ كَانَتْ لَهَا أَيَّامٌ فَرَأَتْ الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ]
(502) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ كَانَتْ لَهَا أَيَّامٌ فَرَأَتْ الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَهِيَ طَاهِرٌ، تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، فَإِنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ، لَمْ تَلْتَفِتْ إلَيْهِ حَتَّى تَجِيءَ أَيَّامُهَا) الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا، فِي الطُّهْرِ بَيْنَ الدَّمَيْنِ.
وَالثَّانِي، فِي حُكْمِ الدَّمِ الْعَائِدِ بَعْدَهُ.
فَصْلٌ: أَمَّا الْأَوَّلُ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ مَتَى رَأَتْ الطُّهْرَ فَهِيَ طَاهِرٌ تَغْتَسِلُ، وَتَلْزَمُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ، سَوَاءٌ رَأَتْهُ فِي الْعَادَةِ، أَوْ بَعْدَ انْقِضَائِهَا، وَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا بَيْنَ قَلِيلِ الطُّهْرِ وَكَثِيرِهِ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَمَّا مَا رَأَتْ الطُّهْرَ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِلْ.
وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ انْقِطَاعَ الدَّمِ مَتَى نَقَصَ عَنْ الْيَوْمِ، فَلَيْسَ بِطُهْرٍ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا فِي النِّفَاسِ، أَنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إلَى مَا دُونَ الْيَوْمِ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لِأَنَّ الدَّمَ يَجْرِي مَرَّةً، وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى، وَفِي إيجَابِ الْغُسْلِ عَلَى مَنْ تَطْهُرُ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ حَرَجٌ يَنْتَفِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] . وَلِأَنَّنَا لَوْ جَعَلْنَا انْقِطَاعَ الدَّمِ سَاعَةً طُهْرًا، وَلَا تَلْتَفِتُ إلَى مَا بَعْدَهُ مِنْ الدَّمِ، أَفْضَى إلَى أَنْ لَا يَسْتَقِرَّ لَهَا حَيْضٌ، فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ انْقِطَاعُ الدَّمِ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ طُهْرًا، إلَّا أَنْ تَرَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ انْقِطَاعُهُ فِي آخِرِ عَادَتِهَا، أَوْ تَرَى الْقُصَّةَ الْبَيْضَاءَ، وَهُوَ شَيْءٌ يَتْبَعُ الْحَيْضَ أَبْيَضُ، يُسَمَّى التَّرِيَّةَ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ إمَامِنَا، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْقُصَّةَ الْبَيْضَاءَ هِيَ الْقُطْنَةُ الَّتِي تَحْشُوهَا الْمَرْأَةُ، إذَا خَرَجَتْ بَيْضَاءَ كَمَا دَخَلَتْ لَا تَغَيُّرَ عَلَيْهَا فَهِيَ الْقُصَّةُ الْبَيْضَاءُ بِضَمِّ الْقَافِ.
حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الزُّهْرِيِّ.
وَرُوِيَ عَنْ إمَامِنَا أَيْضًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ النَّقَاءُ بَيْنَ الدَّمَيْنِ طُهْرًا، بَلْ لَوْ صَامَتْ فِيهِ فَرْضًا لَمْ يَصِحَّ، وَلَزِمَهَا قَضَاؤُهُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا فِيهِ صَلَاةٌ، وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا، فَيَكُونُ الدَّمَانِ وَمَا بَيْنَهُمَا حَيْضًا.
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الدَّمَ يَسِيلُ تَارَةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْحَيْضِ لَمْ يُحْتَسَبْ مِنْ مُدَّتِهِ، وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: 222] . وَصَفَ الْحَيْضَ بِكَوْنِهِ أَذًى، فَإِذَا ذَهَبَ الْأَذَى وَجَبَ أَنْ يَزُولَ الْحَيْضُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا مَا رَأَتْ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ
فَإِنَّهَا لَا تُصَلِّي، وَإِذَا رَأَتْ الطُّهْرَ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِلْ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقُصَّةَ الْبَيْضَاءَ؛ وَلِأَنَّهَا صَامَتْ وَهِيَ طَاهِرٌ، فَلَمْ يَلْزَمْهَا الْقَضَاءُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَعُدْ الدَّمُ.
فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الدَّمَ يَجْرِي تَارَةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى.
قُلْنَا؛ لَا عِبْرَةَ بِالِانْقِطَاعِ الْيَسِيرِ، وَإِنَّمَا إذَا وُجِدَ انْقِطَاعٌ كَبِيرٌ يُمْكِنُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ، وَتَتَأَدَّى الْعِبَادَةُ فِيهِ، وَجَبَتْ عَلَيْهَا؛ لِعَدَمِ الْمَانِعِ مِنْ وَجُوبِهَا.
(504) فَصْلٌ: الْفَصْلُ الثَّانِي، إذَا عَاوَدَهَا الدَّمُ، فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُعَاوِدَهَا فِي الْعَادَةِ، أَوْ بَعْدَهَا، فَإِنْ عَاوَدَهَا فِي الْعَادَةِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، أَنَّهُ مِنْ حَيْضِهَا؛ لِأَنَّهُ صَادَفَ زَمَنَ الْعَادَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ، وَهَذَا مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَالثَّانِيَةُ، لَيْسَ بِحَيْضٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتِيَارُ ابْنِ أَبِي مُوسَى، وَمَذْهَبُ عَطَاءٍ؛ لِأَنَّهُ عَادَ بَعْدَ طُهْرٍ صَحِيحٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ عَادَ بَعْدَ الْعَادَةِ.
وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا لَوْ عَادَ بَعْدَ الْعَادَةِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إذَا كَانَتْ أَيَّامُهَا عَشْرًا، فَقَعَدَتْ خَمْسًا، ثُمَّ رَأَتْ الطُّهْرَ، فَإِنَّهَا تُصَلِّي، فَإِذَا كَانَ الْيَوْمُ التَّاسِعُ أَوْ الثَّامِنُ، فَرَأَتْ الدَّمَ، صَلَّتْ وَصَامَتْ، وَتَقْضِي الصَّوْمَ.
وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ؛ لِوُجُودِ التَّرَدُّدِ فِي هَذَا الدَّمِ، فَأَشْبَهَ دَمَ النُّفَسَاءِ الْعَائِدَ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ.
فَإِنْ رَأَتْهُ فِي الْعَادَةِ، وَتَجَاوَزَ الْعَادَةَ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَعْبُرَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ أَوْ لَا يَعْبُرَ، فَإِنْ عَبَرَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، فَلَيْسَ بِحَيْضٍ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ، فَيَكُونُ كُلُّهُ اسْتِحَاضَةً؛ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِهِ، فَكَانَ أَقْرَبَ إلَيْهِ، فَإِلْحَاقُهُ بِالِاسْتِحَاضَةِ أَقْرَبُ مِنْ إلْحَاقِهِ بِالْحَيْضِ؛ لِانْفِصَالِهِ عَنْهُ، وَإِنْ انْقَطَعَ لِأَكْثَرِهِ فَمَا دُونَ، فَمَنْ قَالَ: إنَّ مَا لَمْ يَعْبُرْ الْعَادَةَ لَيْسَ بِحَيْضٍ.
فَهَذَا أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ حَيْضًا، وَمَنْ قَالَ: هُوَ حَيْضٌ.
فَفِي هَذَا عَلَى قَوْلِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا، أَنَّ جَمِيعَهُ حَيْضٌ، بِنَاءً عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْعَادَةِ حَيْضٌ، مَا لَمْ يَعْبُرْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ.
وَالثَّانِي، أَنَّ مَا وَافَقَ الْعَادَةَ حَيْضٌ؛ لِمُوَافَقَتِهِ الْعَادَةَ، وَمَا زَادَ عَلَيْهَا لَيْسَ بِحَيْضٍ؛ لِخُرُوجِهِ عَنْهَا.
وَالثَّالِثُ، أَنَّ الْجَمِيعَ لَيْسَ بِحَيْضٍ؛ لِاخْتِلَاطِهِ بِمَا لَيْسَ بِحَيْضٍ.
فَإِنْ تَكَرَّرَ فَهُوَ حَيْضٌ، عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا.
فَأَمَّا إنْ عَادَ بَعْدَ الْعَادَةِ لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنْ لَا يُمْكِنَ كَوْنُهُ حَيْضًا.
وَالثَّانِي، أَنْ يُمْكِنَ ذَلِكَ؛ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ كَوْنُهُ حَيْضًا لِعُبُورِهِ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّمِ أَقَلُّ الطُّهْرِ، فَهَذَا اسْتِحَاضَةٌ كُلُّهُ، سَوَاءٌ تَكَرَّرَ أَوْ لَمْ يَتَكَرَّرْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ جَعْلُ جَمِيعِهِ حَيْضًا، فَكَانَ جَمِيعُهُ اسْتِحَاضَةً؛ لِأَنَّ إلْحَاقَ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ أَوْلَى مِنْ إلْحَاقِهِ بِغَيْرِهِ.
وَالثَّانِي، أَنْ يُمْكِنَ جَعْلُهُ حَيْضًا، وَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ فِي حَالَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ يَكُونَ بِضَمِّهِ إلَى الدَّمِ
الْأَوَّلِ لَا يَكُونُ بَيْنَ طَرَفَيْهِمَا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِذَا تَكَرَّرَ جَعَلْنَاهُمَا حَيْضَةً وَاحِدَةً، وَيُلَفَّقُ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ، وَيَكُونُ الطُّهْرُ الَّذِي بَيْنَهُمَا طُهْرًا فِي خِلَالِ الْحَيْضِ.
وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ، أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ الطُّهْرِ، إمَّا ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّمَيْنِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا بِمُفْرَدِهِ بِأَنْ يَكُونَ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَصَاعِدًا، فَهَذَا إذَا تَكَرَّرَ كَانَ الدَّمَانِ حَيْضَتَيْنِ، وَإِنْ نَقَصَ أَحَدُهُمَا عَنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ، فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ، إذَا لَمْ يُمْكِنْ ضَمُّهُ إلَى مَا بَعْدَهُ.
وَمِثَالُ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا عَشَرَةً مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ، فَرَأَتْ خَمْسَةً مِنْهَا دَمًا، وَطَهُرَتْ خَمْسَةً، ثُمَّ رَأَتْ خَمْسَةً دَمًا، وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ.
فَالْخَمْسَةُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ تُلَفِّقُ الدَّمَ الثَّانِيَ إلَى الْأَوَّلِ.
وَإِنْ رَأَتْ الثَّانِيَ سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً، لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا؛ لِأَنَّ بَيْنَ طَرَفَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ الطُّهْرِ.
وَإِنْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَثَلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرًا، ثُمَّ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَتَكَرَّرَ هَذَا، كَانَا حَيْضَتَيْنِ، وَصَارَ شَهْرُهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
وَكَذَلِكَ إنْ رَأَتْ يَوْمَيْنِ دَمًا وَثَلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرًا، ثُمَّ رَأَتْ يَوْمَيْنِ دَمًا وَثَلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرًا، ثُمَّ رَأَتْ يَوْمَيْنِ دَمًا، وَتَكَرَّرَ شَهْرُهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
وَإِنْ كَانَ الطُّهْرُ بَيْنَهُمَا أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا فَمَا دُونَ وَتَكَرَّرَ، فَهُمَا حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ طَرَفَيْهِمَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَلَا بَيْنَهُمَا أَقَلُّ الطُّهْرِ.
وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا اثْنَا عَشَرَ يَوْمًا طُهْرًا، لَمْ يُمْكِنْ كَوْنُهُمَا جَمِيعًا حَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ كَوْنُهُمَا حَيْضَةً وَاحِدَةً؛ لِزِيَادَتِهِمَا بِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الطُّهْرِ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ، وَلَا يُمْكِنُ جَعْلُهُمَا حَيْضَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ الطُّهْرِ، فَيَكُونُ حَيْضُهَا مِنْهُمَا مَا وَافَقَ الْعَادَةَ، وَالْآخَرُ اسْتِحَاضَةٌ.
وَعَلَى هَذَا كُلُّ مَا يَتَفَرَّعُ مِنْ الْمَسَائِلِ، إلَّا أَنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إلَى مَا رَأَتْهُ بَعْدَ الطُّهْرِ فِيمَا خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ حَتَّى يَتَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَإِنْ تَكَرَّرَ، وَأَمْكَنَ جَعْلُهُ حَيْضًا، فَهُوَ حَيْضٌ، وَإِلَّا فَلَا.
وَكُلُّ مَوْضِعٍ رَأَتْ الدَّمَ وَلَمْ تَتْرُكْ الْعِبَادَةَ فِيهِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ حَيْضًا، فَعَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّوْمِ الْمَفْرُوضِ فِيهِ.
وَكُلُّ مَوْضِعٍ عَدَّتْهُ حَيْضًا وَتَرَكَتْ فِيهِ الْعِبَادَةَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ طُهْرٌ، فَعَلَيْهَا قَضَاءُ مَا تَرَكَتْهُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ فِيهِ.
(505) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُرَادِ الْخِرَقِيِّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، بِقَوْلِهِ: " فَإِنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ فَلَا تَلْتَفِتُ إلَيْهِ.
فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ، وَالْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ: أَرَادَ إذَا عَاوَدَهَا بَعْدَ الْعَادَةِ، وَعَبَرَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ مَنَعَهَا أَنْ تَلْتَفِتَ إلَيْهِ مُطْلَقًا، وَلَوْ أَرَادَ غَيْرَ ذَلِكَ لَقَالَ: حَتَّى يَتَكَرَّرَ.
قَالَ الْقَاضِي: وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ إذَا عَاوَدَهَا بَعْدَ الْعَادَةِ وَلَمْ يَعْبُرْ.
فَإِنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إلَيْهِ قَبْلَ التَّكْرَارِ.
وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ: أَرَادَ مُعَاوَدَةَ الدَّمِ فِي كُلِّ حَالٍ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْعَادَةِ أَوْ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ مُطْلَقٌ فَيَتَنَاوَلُ بِإِطْلَاقِهِ الزَّمَانَ كُلَّهُ.
وَهَذَا أَظْهَرُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ التَّرْجِيحِ مُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُمْ يَحْتَاجُ إلَى إضْمَارِ عُبُورِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ، وَلَيْسَ هَذَا أَوْلَى مِنْ إضْمَارِ التَّكْرَارِ، فَيَتَسَاوَيَانِ، وَيَسْلَمُ التَّرْجِيحُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
[فَصْل فِي ضَمِّ الدَّمِ إلَى الدَّمِ الَّذِينَ بَيْنَهُمَا طُهْرٌ]
فَصْلٌ: فِي التَّلْفِيقِ وَمَعْنَاهُ ضَمُّ الدَّمِ إلَى الدَّمِ الَّذِينَ بَيْنَهُمَا طُهْرٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الطُّهْرَ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضَةِ طُهْرٌ صَحِيحٌ، فَإِذَا رَأَتْ يَوْمًا طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا، وَلَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، فَإِنَّهَا تَضُمُّ الدَّمَ إلَى الدَّمِ، فَيَكُونُ حَيْضًا، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ النَّقَاءِ طُهْرٌ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ زَمَنُ الدَّمِ أَكْثَرَ مِنْ زَمَنِ الطُّهْرِ أَوْ مِثْلَهُ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ مِثْلُ أَنْ تَرَى يَوْمَيْنِ دَمًا وَيَوْمًا طُهْرًا، أَوْ يَوْمَيْنِ طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا، أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّ جَمِيعَ الدَّمِ حَيْضٌ إذَا تَكَرَّرَ وَلَمْ يُجَاوِزْ لِمُدَّةِ أَكْثَرِ الْحَيْضِ، فَإِنْ كَانَ الدَّمُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ مِثْلُ أَنْ تَرَى نِصْفَ يَوْمٍ دَمًا وَنِصْفَهُ طُهْرًا، أَوْ سَاعَةً وَسَاعَةً فَقَالَ أَصْحَابُنَا: هُوَ كَالْأَيَّامِ يُضَمُّ الدَّمُ إلَى الدَّمِ، فَيَكُونُ حَيْضًا، وَمَا بَيْنَهُمَا طُهْرٌ، إذَا بَلَغَ الْمُجْتَمِعُ مِنْهُ أَقَلَّ الْحَيْضِ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، لَا يَكُونُ الدَّمُ حَيْضًا، إلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَهُ حَيْضٌ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ.
وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَلَهُ قَوْلٌ فِي النَّقَاءِ بَيْنَ الدَّمَيْنِ أَنَّهُ حَيْضٌ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَذَكَرْنَا أَيْضًا وَجْهًا لَنَا فِي أَنَّ النَّقَاءَ مَتَى كَانَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ لَمْ يَكُنْ طُهْرًا.
فَعَلَى هَذَا مَتَى نَقَصَ النَّقَاءُ عَنْ يَوْمٍ كَانَ الدَّمُ وَمَا بَيْنَهُ حَيْضًا كُلَّهُ، فَإِنْ جَاوَزَ الدَّمُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، مِثْلُ أَنْ تَرَى يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا طُهْرًا إلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ مُعْتَادَةً، أَوْ مُمَيِّزَةً، أَوْ لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ، أَوْ يُوجَدُ فِي حَقِّهَا الْأَمْرَانِ.
فَإِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ حَيْضُهَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ فِي أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ، فَهَذِهِ تَجْلِسُ أَوَّلَ يَوْمٍ تَرَى الدَّمَ فِيهِ فِي الْعَادَةِ، وَتَغْتَسِلُ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ، وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الطُّهْرِ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضَةِ؛ هَلْ يَمْنَعُ مَا بَعْدَهُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، أَوْ لَا؟ فَإِنْ قُلْنَا يَمْنَعُ، فَحَيْضُهَا الْيَوْمُ الْأَوَّلُ خَاصَّةً وَمَا بَعْدَهُ اسْتِحَاضَةٌ، وَإِنْ قُلْنَا لَا يَمْنَعُ، فَحَيْضُهَا الْيَوْمُ الْأَوَّلُ، وَالثَّالِثُ وَالْخَامِسُ، فَيَحْصُلُ لَهَا مِنْ عَادَتِهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَالْبَاقِي اسْتِحَاضَةٌ، وَفِي وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ يُلَفَّقُ لَهَا الْخَمْسَةُ مِنْ أَيَّامِ الدَّمِ جَمِيعِهَا، فَتَجْلِسُ السَّابِعَ وَالتَّاسِعَ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ لَيْسَا مِنْ عَادَتِهَا فَلَا.
تَجْلِسُهُمَا كَغَيْرِ الْمُلَفِّقَةِ.
وَإِنْ كَانَتْ مُمَيِّزَةً جَلَسَتْ زَمَانَ الدَّمِ الْأُسُودِ مِنْ الْأَيَّامِ، فَكَانَ حَيْضَهَا وَبَاقِيهِ اسْتِحَاضَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً جَلَسَتْ الْيَقِينَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، مِنْ أَوَّلِ دَمٍ تَرَاهُ، أَوْ فِي شَهْرَيْنِ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى سِتَّةِ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةٍ.
وَهَلْ يُلَفَّقُ لَهَا السَّبْعَةُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، أَوْ تَجْلِسُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ مِنْ سَبْعَةِ أَيَّامٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، كَمَا قُلْنَا فِيمَنْ عَادَتُهَا سَبْعَةُ أَيَّامٍ، فَإِذَا قُلْنَا تَجْلِسُ زَمَانَ الدَّمِ مِنْ سَبْعَةٍ، جَلَسَتْ الْأَوَّلَ وَالثَّالِثَ وَالْخَامِسَ وَالسَّابِعَ.
وَإِنْ أَجْلَسْنَاهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ سَقَطَ السَّابِعُ.
وَإِنْ قُلْنَا تُلَفِّقُ لَهَا، زَادَتْ التَّاسِعَ وَالْحَادِي عَشَرَ إنْ قُلْنَا تَجْلِسُ سِتَّةً، وَإِنْ جَلَسَتْ سَبْعَةً زَادَتْ الثَّالِثَ عَشَرَ وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي النَّاسِيَةِ.
وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ إلَّا أَنَّهُ لَا يُلَفِّقُ لَهَا عَدَدَ أَيَّامِهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَقَالَ الْقَاضِي، فِي الْمُعْتَادَةِ كَمَا ذَكَرْنَا.
وَفِي غَيْرِهَا: مَا عَبَرَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ اسْتِحَاضَةٌ وَأَيَّامُ الدَّمِ مِنْ الْخَمْسَةَ عَشَرَ حَيْضٌ كُلُّهَا إذَا تَكَرَّرَ فَإِنْ كَانَ يَوْمًا وَيَوْمًا، فَلَهَا ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ حَيْضٌ، وَسَبْعَةٌ طُهْرٌ وَإِنْ كَانَتْ أَنْصَافًا فَلَهَا سَبْعَةُ أَيَّامٍ وَنِصْفٌ حَيْضٌ وَمِثْلُهَا طُهْرٌ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ فِي الْيَوْمِ السَّادِسَ عَشَرَ يَفْصِلُ بَيْنَ الْحَيْضِ وَمَا بَعْدَهُ، فَإِنَّهَا فِيمَا بَعْدَهُ فِي حُكْمِ الطَّاهِرَاتِ، نَأْمُرُهَا بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ.
وَلَنَا: أَنَّ الطُّهْرَ لَوْ مُيِّزَ بَعْدَ الْخَامِسَ عَشَرَ لَمُيِّزَ قَبْلَهُ، كَتَمَيُّزِ اللَّوْنِ، وَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا كَانَ أَنْصَافًا أَوْ مُخْتَلِفًا، يَوْمًا دَمًا وَأَيَّامًا طُهْرًا أَوْ أَيَّامًا طُهْرًا وَأَيَّامًا دَمًا، كَالْحُكْمِ فِي الْأَيَّامِ الصِّحَاحِ الْمُتَسَاوِيَةِ، إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ الْجُزْءُ الَّذِي تَرَى الدَّمَ فِيهِ أَوَّلًا أَقَلَّ مِنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ فَفِيهِ وَجْهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حَيْضًا حَتَّى يَسْبِقَهُ دَمٌ مُتَّصِلٌ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا.
وَإِنْ قُلْنَا الطُّهْرُ يَمْنَعُ مَا بَعْدَهُ مِنْ كَوْنِهِ حَيْضًا قَبْلَ التَّكْرَارِ، وَجَاءَ فِي الْعَادَةِ، فَإِنَّهَا تَضُمُّ إلَى الْأَوَّلِ مَا تُكْمِلُ بِهِ أَقَلَّ الْحَيْضِ؛ فَإِذَا كَانَتْ تَرَى الدَّمَ يَوْمًا وَيَوْمًا، ضَمَّتْ الثَّالِثَ إلَى الْأَوَّلِ.
فَكَانَ حَيْضًا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ إلَى مَا تَكَرَّرَ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ، عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ، وَإِذَا رَأَتْ أَقَلَّ مِنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ، ثُمَّ طَهُرَتْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَتْ دَمًا مِثْلَ ذَلِكَ، وَقُلْنَا أَقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضَةً وَاحِدَةً لِفَصْلِ أَقَلِّ الطُّهْرِ بَيْنَهُمَا، وَلَا حَيْضَتَيْنِ؛ لِنُقْصَانِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ، وَإِنْ قُلْنَا أَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ، ضَمَمْنَا الْأَوَّلَ إلَى الثَّانِي، فَكَانَا حَيْضَةً وَاحِدَةً، إذَا بَلَغَا بِمَجْمُوعِهِمَا أَقَلَّ الْحَيْضِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّمَيْنِ يَبْلُغُ أَقَلَّ الْحَيْضِ، فَهُمَا حَيْضَتَانِ، إنْ قُلْنَا: أَقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَإِنْ قُلْنَا أَقَلُّهُ خَمْسَةَ عَشَرَ، ضَمَمْنَا الثَّانِيَ إلَى الْأَوَّلِ فَكَانَا حَيْضًا وَاحِدًا، إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ طَرَفَيْهِمَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِنْ كَانَ بَيْنَ طَرَفَيْهِمَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَمْ يَكُنْ جَعْلُهُمَا جَمِيعًا حَيْضًا فَيَجْعَلُ أَحَدَهُمَا حَيْضًا وَالْآخَرَ اسْتِحَاضَةً وَعَلَى هَذَا فَقِسْ
[مَسْأَلَة الْحَامِلُ لَا تَحِيضُ]
(507) مَسْأَلَةٌ: قَالَ وَالْحَامِلُ لَا تَحِيضُ، إلَّا أَنْ تَرَاهُ قَبْلَ وِلَادَتِهَا بِيَوْمَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ فَيَكُونُ دَمَ نِفَاسٍ مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْحَامِلَ لَا تَحِيضُ، وَمَا تَرَاهُ مِنْ الدَّمِ فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ التَّابِعِينَ؛ مِنْهُمْ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَعِكْرِمَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمَكْحُولٌ وَحَمَّادٌ وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَالصَّحِيحُ عَنْهَا أَنَّهَا إذَا رَأَتْ الدَّمَ لَا تُصَلِّي.
وَقَالَ
مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَاللَّيْثُ: مَا تَرَاهُ مِنْ الدَّمِ حَيْضٌ إذَا أَمْكَنَ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَإِسْحَاقَ لِأَنَّهُ دَمٌ صَادَفَ عَادَةً، فَكَانَ حَيْضًا كَغَيْرِ الْحَامِلِ، وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ» فَجَعَلَ وُجُودَ الْحَيْضِ عَلَمًا عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ.
وَاحْتَجَّ إمَامُنَا بِحَدِيثِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا» فَجَعَلَ الْحَمْلَ عَلَمًا عَلَى عَدَمِ الْحَيْضِ، كَمَا جَعَلَ الطُّهْرَ عَلَمًا عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ زَمَنٌ لَا يَعْتَادُهَا الْحَيْضُ فِيهِ غَالِبًا، فَلَمْ يَكُنْ مَا تَرَاهُ فِيهِ حَيْضًا كَالْآيِسَةِ قَالَ أَحْمَدُ إنَّمَا يَعْرِفُ النِّسَاءُ الْحَمْلَ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ، وَقَوْلُ عَائِشَةَ يُحْمَلُ عَلَى الْحُبْلَى الَّتِي قَارَبَتْ الْوَضْعَ، جَمْعًا بَيْنَ قَوْلَيْهَا، فَإِنَّ الْحَامِلَ إذَا رَأَتْ الدَّمَ قَرِيبًا مِنْ وِلَادَتِهَا فَهُوَ نِفَاسٌ، تَدَعُ لَهُ الصَّلَاةَ كَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ: وَقَالَ الْحَسَنُ: إذَا رَأَتْ الدَّمَ عَلَى الْوَلَدِ أَمْسَكَتْ عَنْ الصَّلَاةِ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الْمَرْأَةِ إذَا ضَرَبَهَا الْمَخَاضُ قَبْلَ الْوِلَادَةِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ تُعِيدُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: لَا وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: إذَا ضَرَبَهَا الْمَخَاضُ فَرَأَتْ الدَّمَ قَالَ: هُوَ حَيْضٌ.
وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالشَّافِعِيِّ وَقَالَ عَطَاءٌ: تُصَلِّي وَلَا تَعُدُّهُ حَيْضًا وَلَا نِفَاسًا.
وَلَنَا: أَنَّهُ دَمٌ خَرَجَ بِسَبَبِ الْوِلَادَةِ فَكَانَ نِفَاسًا، كَالْخَارِجِ بَعْدَهُ وَإِنَّمَا يُعْلَمُ خُرُوجُهُ بِسَبَبِ الْوِلَادَةِ إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْهَا وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِرُؤْيَةِ أَمَارَاتِهَا؛ مِنْ الْمَخَاضِ وَنَحْوِهِ فِي وَقْتِهِ: وَأَمَّا إنْ رَأَتْ الدَّمَ مِنْ غَيْرِ عَلَامَةٍ عَلَى قُرْبِ الْوَضْعِ، لَمْ تَتْرُكْ لَهُ الْعِبَادَةَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ دَمُ فَسَادٍ فَإِنْ تَبَيَّنَ كَوْنُهُ قَرِيبًا مِنْ الْوَضْعِ، كَوَضْعِهِ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ بِيَوْمَيْنِ أَعَادَتْ الصَّوْمَ الْمَفْرُوضَ إنْ صَامَتْهُ فِيهِ.
وَإِنْ رَأَتْهُ عِنْدَ عَلَامَةٍ عَلَى الْوَضْعِ تَرَكَتْ الْعِبَادَةَ.
فَإِنْ تَبَيَّنَ بُعْدُهُ عَنْهَا أَعَادَتْ مَا تَرَكَتْهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْوَاجِبَةِ؛ لِأَنَّهَا تَرَكَتْهَا مِنْ غَيْرِ حَيْضٍ وَلَا نِفَاسٍ.
[مَسْأَلَة رَأَتْ الدَّمَ وَلَهَا خَمْسُونَ سَنَةً]
(508) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا رَأَتْ الدَّمَ وَلَهَا خَمْسُونَ سَنَةً، فَلَا تَدَعُ الصَّوْمَ، وَلَا الصَّلَاةَ، وَتَقْضِي الصَّوْمَ احْتِيَاطًا، فَإِنْ رَأَتْهُ بَعْدَ السِّتِّينَ، فَقَدْ زَالَ الْإِشْكَالُ؛ وَتُيُقِّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ، فَتَصُومُ وَتُصَلِّي وَلَا تَقْضِي.
اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَاَلَّذِي نَقَلَ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا، أَنَّهَا لَا تَيْأَسُ مِنْ الْحَيْضِ يَقِينًا إلَى سِتِّينَ سَنَةً، وَمَا تَرَاهُ فِيمَا بَيْنَ الْخَمْسِينَ وَالسِّتِّينَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، لَا تَتْرُكُ لَهُ الصَّلَاةَ، وَلَا الصَّوْمَ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُمَا مُتَيَقَّنٌ فَلَا يَسْقُطُ بِالشَّكِّ، وَتَقْضِي الصَّوْمَ الْمَفْرُوضَ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ كَانَ مُتَيَقَّنًا، وَمَا صَامَتْهُ فِي زَمَنِ الدَّمِ مَشْكُوكٌ فِي صِحَّتِهِ، فَلَا يَسْقُطُ بِهِ مَا تَيَقَّنَ وُجُوبُهُ.
وَرُوِيَ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا بَعْدَ الْخَمْسِينَ لَا تَحِيضُ.
وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ لَا يَكُونُ حَيْضًا بَعْدَ الْخَمْسِينَ، وَيَكُونُ حُكْمُهَا
فِيمَا تَرَاهُ مِنْ الدَّمِ حُكْمَ الْمُسْتَحَاضَةِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: إذَا بَلَغَتْ خَمْسِينَ سَنَةً خَرَجَتْ مِنْ حَدِّ الْحَيْضِ.
وَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: لَنْ تَرَى الْمَرْأَةُ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا بَعْدَ الْخَمْسِينَ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ نِسَاءَ الْأَعَاجِمِ يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ فِي خَمْسِينَ، وَنِسَاءَ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْعَرَبِ إلَى سِتِّينَ سَنَةً وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لِمَا رَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ فِي كِتَابِ النَّسَبِ عَنْ بَعْضِهِمْ، أَنَّهُ قَالَ: لَا تَلِدُ لِخَمْسِينَ سَنَةً إلَّا الْعَرَبِيَّةُ، وَلَا تَلِدُ لِسِتَّيْنِ إلَّا قُرَشِيَّةٌ.
وَقَالَ: إنَّ هِنْدَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ وَلَدَتْ مُوسَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَلَهَا سِتُّونَ سَنَةً.
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي امْرَأَةٍ مِنْ الْعَرَبِ رَأَتْ الدَّمَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ إنْ عَاوَدَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَهُوَ حَيْضٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِي هَذَا إلَى الْوُجُودِ، وَقَدْ وُجِدَ حَيْضٌ مِنْ نِسَاءٍ ثِقَاتٍ أَخْبَرْنَ بِهِ عَنْ أَنْفُسِهِنَّ بَعْدَ الْخَمْسِينَ، فَوَجَبَ اعْتِقَادُ كَوْنِهِ حَيْضًا كَمَا قَبْلَ الْخَمْسِينَ؛ وَلِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا وُجِدَ مِنْ الْمَرْأَةِ دَمٌ فِي زَمَنِ عَادَتِهَا عَلَى وَجْهٍ كَانَتْ تَرَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَالْوُجُودُ هَاهُنَا دَلِيلُ الْحَيْضِ، كَمَا كَانَ قَبْلَ الْخَمْسِينَ دَلِيلًا، فَوَجَبَ جَعْلُهُ حَيْضًا، وَأَمَّا إيجَابُ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فِيهِ فَلِلِاحْتِيَاطِ، لِوُقُوعِ الْخِلَافِ فِيهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ نِسَاءِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِنَّ لِأَنَّهُنَّ لَا يَخْتَلِفْنَ فِي سَائِرِ أَحْكَامِ الْحَيْضِ، فَكَذَلِكَ فِي هَذَا، وَمَا ذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْحَيْضِ أَمْرٌ حَقِيقِيٌّ، الْمَرْجِعُ فِيهِ إلَى الْوُجُودِ، وَالْوُجُودُ لَا عِلْمَ لَهَا بِهِ.
ثُمَّ قَدْ وُجِدَ بِخِلَافِ مَا قَالَتْهُ؛ فَإِنَّ مُوسَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ قَدْ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ بَعْدَ الْخَمْسِينَ، وَوُجِدَ الْحَيْضُ فِيمَا بَعْدَ الْخَمْسِينَ عَلَى وَجْهِهِ، فَلَا يُمْكِنُ إنْكَارُهُ، فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الدَّمُ لَيْسَ بِحَيْضٍ، مَعَ كَوْنِهِ عَلَى صِفَتِهِ، وَفِي وَقْتِهِ وَعَادَتِهِ، بِغَيْرِ نَصٍّ فَهَذَا تَحَكُّمٌ لَا يُقْبَلُ فَأَمَّا بَعْدَ السِّتِّينَ فَقَدْ زَالَ الْإِشْكَالُ وَتُيُقِّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ حَالًا تَنْتَهِي فِيهِ إلَى الْإِيَاسِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق: 4] قَالَ أَحْمَدُ فِي الْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ تَرَى الدَّمَ لَا يَكُونُ حَيْضًا، هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْجُرْحِ وَإِنْ اغْتَسَلَتْ فَحَسَنٌ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ.
وَمَعْنَى الْقَوْلَيْنِ وَاحِدٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا الدَّمَ إذَا لَمْ يَكُنْ حَيْضًا فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمُسْتَحَاضَةِ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، عَلَى مَا مَرَّ حُكْمُهُمَا
[فَصْل أَقَلُّ سِنٍّ تَحِيضُ لَهُ الْمَرْأَةُ]
(509) فَصْلٌ وَأَقَلُّ سِنٍّ تَحِيضُ لَهُ الْمَرْأَةُ تِسْعُ سِنِينَ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَةَ لَا تَحِيضُ، بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى
﴿وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] ؛ وَلِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِيهِ إلَى الْوُجُودِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ النِّسَاءِ مَنْ يَحِضْنَ عَادَةً فِيمَا دُونَ هَذَا السِّنِّ وَلِأَنَّ دَمَ الْحَيْضِ إنَّمَا خَلَقَهُ اللَّهُ لِحِكْمَةِ تَرْبِيَةِ الْحَمْلِ بِهِ فَمَنْ لَا تَصْلُحُ لِلْحَمْلِ لَا تُوجَدُ فِيهَا حِكْمَتُهُ، فَيَنْتَفِي لِانْتِفَاءِ حِكْمَتِهِ كَالْمَنِيِّ، فَإِنَّهُمَا مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى، فَإِنَّ أَحَدَهُمَا يُخْلَقُ مِنْهُ الْوَلَدُ، وَالْآخَرُ يُرَبِّيهِ وَيُغَذِّيهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يُوجَدُ مِنْ صَغِيرٍ، وَوُجُودُهُ عَلَمٌ عَلَى الْبُلُوغِ، وَأَقَلُّ سِنٍّ تَبْلُغُ لَهُ الْجَارِيَةُ تِسْعُ سِنِينَ، فَكَانَ ذَلِكَ أَقَلَّ سِنٍّ تَحِيضُ لَهُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ «إذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةُ» وَرُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُرَادُ بِهِ حُكْمُهَا حُكْمُ الْمَرْأَةِ وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْت جَدَّةً بِنْتَ إحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا حَمَلَتْ لِدُونِ عَشْرِ سِنِينَ، وَحَمَلَتْ ابْنَتُهَا لِمِثْلِ ذَلِكَ.
فَعَلَى هَذَا إذَا رَأَتْ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ دَمًا تَرَكَتْ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهَا رَأَتْهُ فِي زَمَنٍ يَصْلُحُ لِلْحَيْضِ، فَإِنْ اتَّصَلَ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَهُوَ حَيْضٌ، يَثْبُتُ بِهِ بُلُوغُهَا، وَنُثْبِتُ فِيهِ أَحْكَامَ الْحَيْضِ كُلِّهَا وَإِنْ انْقَطَعَ لِدُونِ ذَلِكَ، فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ، لَا يَثْبُتُ بِهِ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ رَأَتْ الدَّمَ لِدُونِ تِسْعِ سِنِينَ، فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ، عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا.
وَقَدْ رَوَى الْمَيْمُونِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ، فِي بِنْتِ عَشْرٍ رَأَتْ الدَّمَ، قَالَ: لَيْسَ بِحَيْضٍ فَعَلَى هَذَا لَيْسَ التِّسْعُ وَلَا الْعَشْرُ زَمَنًا لِلْحَيْضِ.
قَالَ الْقَاضِي: فَيَجِبُ عَلَى هَذَا أَنْ يُقَالَ: أَوَّلُ زَمَنٍ يَصِحُّ فِيهِ وُجُودُ الْحَيْضِ ثِنْتَا عَشْرَةَ سَنَةً؛ لِأَنَّهُ الزَّمَانُ الَّذِي يَصِحُّ فِيهِ بُلُوغُ الْغُلَامِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ
[مَسْأَلَة الْمُسْتَحَاضَةُ إنَّ اغْتَسَلَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ]
(510) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَالْمُسْتَحَاضَةُ، إنْ اغْتَسَلَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَهُوَ أَشَدُّ مَا قِيلَ فِيهَا؛ وَإِنْ تَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَجْزَأَهَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُتَحَيِّرَةِ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ رَوَتْ، «أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اُسْتُحِيضَتْ، فَسَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، لِكُلِّ صَلَاةٍ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد، «أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهْرَاقُ الدَّمَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهَا بِالْغُسْلِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» وَقَالَ بَعْضُهُمْ تَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ غُسْلًا وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: تَغْتَسِلُ مِنْ ظُهْرٍ إلَى ظُهْرٍ.
قَالَ مَالِكٌ: إنِّي أَحْسِبُ حَدِيثَ ابْنِ الْمُسَيِّبِ إنَّمَا هُوَ: مِنْ طُهْرٍ إلَى طُهْرٍ.
وَلَكِنَّ الْوَهْمَ دَخَلَ فِيهِ.
يَعْنِي أَنَّ الطَّاءَ غَيْرَ الْمُعْجَمَةِ أُبْدِلَتْ بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَجْمَعُ بَيْنَ كُلِّ صَلَاتَيْ جَمْعٍ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، وَتَغْتَسِلُ لِلصُّبْحِ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ حَمْنَةَ.
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَكَذَلِكَ أَمَرَ بِهِ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْحَيْضِ، ثُمَّ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَيُجْزِئُهَا ذَلِكَ وَيُرْوَى هَذَا عَنْ عُرْوَةَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ، وَرَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ إنَّمَا عَلَيْهَا الْغُسْلُ عِنْدَ انْقِضَاءِ حَيْضِهَا وَلَيْسَ عَلَيْهَا لِلِاسْتِحَاضَةِ وُضُوءٌ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ، فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ الْغُسْلُ فَقَطْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا: " فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي ". وَلَمْ يَذْكُرْ الْوُضُوءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ.
وَلَنَا: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِفَاطِمَةَ إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ، وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ فَدَعِي الصَّلَاةَ فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي، وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَهَذِهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا.
وَفِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُسْتَحَاضَةِ «تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، وَتَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» .
وَلِأَنَّهُ دَمٌ خَارِجٌ مِنْ الْفَرْجِ، فَأَوْجَبَ الْوُضُوءَ كَدَمِ الْحَيْضِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي سَائِرِ الْأَحَادِيثِ مُسْتَحَبُّ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَالْغُسْلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَفْضَلُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ، وَالْأَخْذِ بِالثِّقَةِ وَالِاحْتِيَاطِ، وَهُوَ أَشَدُّ مَا قِيلَ، ثُمَّ يَلِيهِ فِي الْفَضْلِ وَالْمَشَقَّةِ الْجَمْعُ بَيْنَ كُلِّ صَلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، وَالِاغْتِسَالُ لِلصُّبْحِ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ: «وَهُوَ أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إلَيَّ» . ثُمَّ يَلِيهِ الْغُسْلُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً بَعْدَ الْغُسْلُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْحَيْضِ، ثُمَّ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَهُوَ أَقَلُّ الْأُمُورِ وَيُجْزِئُهَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْل حُكْمُ طَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ]
(511) فَصْلٌ: وَحُكْمُ طَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ حُكْمُ التَّيَمُّمِ فِي أَنَّهَا إذَا تَوَضَّأَتْ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ، صَلَّتْ بِهَا الْفَرِيضَةَ، ثُمَّ قَضَتْ الْفَوَائِتَ، وَتَطَوَّعَتْ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ وَعَلَى قِيَاسِ ذَلِكَ لَهَا الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَجْمَعُ بَيْنَ فَرْضَيْنِ بِطَهَارَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَلَا تَقْضِي بِهِ فَوَائِتَ، وَلَا تَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ.
كَقَوْلِهِ فِي التَّيَمُّمِ.
وَيَحْتَمِلُهُ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ لِقَوْلِهِ: «لِكُلِّ صَلَاةٍ» . وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ.» وَلَنَا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ فَاطِمَةَ: «تَوَضَّئِي لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ.» وَلِأَنَّهُ وُضُوءٌ يُبِيحُ النَّفَلَ، فَيُبِيحُ الْفَرْضَ، كَوُضُوءِ غَيْرِ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَحَدِيثُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى الْوَقْتِ، كَقَوْلِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَيْنَمَا أَدْرَكَتْك الصَّلَاةُ فَصَلِّ» أَيْ وَقْتُهَا، وَحَدِيثُ حَمْنَةَ ظَاهِرٌ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهَا بِالْوُضُوءِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مِمَّا يَخْفَى وَيُحْتَاجُ إلَى بَيَانِهِ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
[فَصْل لَا بَأْسَ أَنْ تَشْرَبَ الْمَرْأَةُ دَوَاءً يَقْطَعُ عَنْهَا الْحَيْضَ]
(512) فَصْلٌ: رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ تَشْرَبَ الْمَرْأَةُ دَوَاءً يَقْطَعُ عَنْهَا الْحَيْضَ، إذَا كَانَ دَوَاءً مَعْرُوفًا.
[كِتَابُ الصَّلَاةِ]
[فَصْلٌ فِي الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ]
الصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ الدُّعَاءُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: 103] أَيْ اُدْعُ لَهُمْ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيُطْعِمْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» . وَقَالَ الشَّاعِرُ:
تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَرَّبْت مُرْتَحِلًا ... يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الْأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا
عَلَيْك مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي ... نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا
وَهِيَ فِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَفْعَالِ الْمَعْلُومَةِ، فَإِذَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ أَمْرٌ بِصَلَاةٍ أَوْ حُكْمٌ مُعَلَّقٌ عَلَيْهَا، انْصَرَفَ بِظَاهِرِهِ إلَى الصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَهِيَ وَاجِبَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ؛ شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مَعَ آيٍ وَأَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ، نَذْكُرُ بَعْضَهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى وُجُوبِ خَمْسِ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.
(513) فَصْلٌ: وَالصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ خَمْسٌ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي وُجُوبِهَا، وَلَا يَجِبُ غَيْرُهَا إلَّا لِعَارِضٍ مِنْ نَذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْوِتْرُ وَاجِبٌ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ قَدْ زَادَكُمْ صَلَاةً وَهِيَ الْوِتْرُ» وَهَذَا يَقْتَضِي وُجُوبَهُ.
وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْوِتْرُ حَقٌّ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ
، وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً» فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، إلَى أَنْ قَالَ «فَرَجَعْت إلَى رَبِّي، فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ، مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُنْقِصْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَهْدًا أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ وَقَدْ نَقَصَ مِنْهُنَّ شَيْئًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ، إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ» وَرُوِيَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، «أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ قَالَ: فَهَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهَا، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْلَحَ الرَّجُلُ إنْ صَدَقَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَزِيَادَةُ الصَّلَاةِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي السُّنَنِ، فَلَا يَتَعَيَّنُ كَوْنُهَا فَرْضًا؛ وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ تُصَلَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَكَانَتْ نَافِلَةً كَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ.
[بَابُ الْمَوَاقِيتِ]
أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ مُؤَقَّتَةٌ بِمَوَاقِيتَ مَعْلُومَةٍ مَحْدُودَةٍ، وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ جِيَادٌ نَذْكُرُ أَكْثَرَهَا فِي مَوَاضِعِهَا، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(514) مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَجَبَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ) بَدَأَ الْخِرَقِيِّ بِذِكْرِ صَلَاةِ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّ جِبْرِيلَ بَدَأَ بِهَا حِينَ أَمَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ وَبَدَأَ بِهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ عَلَّمَ الصَّحَابَةَ مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ، فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ وَغَيْرِهِ، وَبَدَأَ بِهَا الصَّحَابَةُ حِينَ سُئِلُوا عَنْ الْأَوْقَاتِ فِي حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ وَجَابِرٍ وَغَيْرِهِمَا تُسَمَّى الْأُولَى وَالْهَجِيرَ وَالظُّهْرَ.
وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الْهَجِيرَةَ الَّتِي يَدْعُونَهَا الْأُولَى حِينَ تُدْحَضُ الشَّمْسُ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، يَعْنِي حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ.
وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الظُّهْرِ: إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ.
قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَخْبَارُ بِذَلِكَ، فَمِنْهَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى بِي الظُّهْرَ فِي الْأُولَى مِنْهُمَا، حِينَ كَانَ الْفَيْءُ مِثْلَ الشِّرَاكِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ وَجَبَتْ الشَّمْسُ، وَأَفْطَرَ الصَّائِمُ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ بَرَقَ الْفَجْرُ وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ، وَصَلَّى فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ الظُّهْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ لِوَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ لِوَقْتِ الْأُولَى، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ الْأَخِيرَةَ حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ أَسْفَرَتْ الْأَرْضُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إلَيَّ جِبْرِيلُ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِك، وَالْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَرَوَى جَابِرٌ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ «لِوَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ» ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: أَصَحُّ حَدِيثٍ فِي الْمَوَاقِيتِ حَدِيثُ جَابِرٍ.
وَرَوَى بُرَيْدَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ فَلَمَّا زَالَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ لَمْ يُخَالِطْهَا صُفْرَةٌ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي أَمَرَهُ فَأَبْرَدَ فِي الظُّهْرِ، فَأَنْعَمَ أَنْ يُبْرَدَ بِهَا، وَصَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ مُرْتَفِعَةٌ، آخِرُهَا فَوْقَ الَّذِي كَانَ، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، وَصَلَّى الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ بِهَا، ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَقَالَ: وَقْتُ صَلَاتِكُمْ بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد، عَنْ أَبِي مُوسَى نَحْوَهُ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: «بَدَأَ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ، فَصَلَّى حِينَ كَانَ الرَّجُلُ لَا يَعْرِفُ وَجْهَ صَاحِبِهِ، أَوْ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَعْرِفُ مَنْ إلَى جَنْبِهِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ صَلَّى الْفَجْرَ وَانْصَرَفَ، فَقُلْنَا: طَلَعَتْ الشَّمْسُ.»
وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ.
(515) فَصْلٌ: وَمَعْنَى زَوَالِ الشَّمْسِ مَيْلُهَا عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِطُولِ ظِلِّ الشَّخْصِ بَعْدَ تَنَاهِي قِصَرِهِ، فَمَنْ أَرَادَ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ فَلْيُقَدِّرْ ظِلَّ الشَّمْسِ، ثُمَّ يَصْبِرْ قَلِيلًا، ثُمَّ يُقَدِّرْهُ ثَانِيًا، فَإِنْ كَانَ دُونَ الْأَوَّلِ فَلَمْ تَزُلْ، وَإِنْ زَادَ وَلَمْ يَنْقُصْ فَقَدْ زَالَتْ، وَأَمَّا مَعْرِفَةُ ذَلِكَ بِالْأَقْدَامِ، فَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الشُّهُورِ وَالْبُلْدَانِ، فَكُلَّمَا طَالَ النَّهَارُ قَصُرَ الظِّلُّ، وَإِذَا قَصُرَ طَالَ الظِّلُّ، فَكُلُّ يَوْمٍ يَزِيدُ أَوْ يَنْقُصُ، فَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي وَسَطِ كُلِّ شَهْرٍ، عَلَى مَا حَكَى أَبُو الْعَبَّاسِ السِّنْجِيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، تَقْرِيبًا، قَالَ: إنَّ الشَّمْسَ تَزُولُ فِي نِصْفِ حُزَيْرَانَ عَلَى قَدَمٍ وَثُلُثٍ، وَهُوَ أَقَلُّ مَا تَزُولُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، وَفِي نِصْفِ تَمُّوز وَنِصْفِ أَيَّارَ عَلَى قَدَمٍ وَنِصْفٍ وَثُلُثٍ، وَفِي نِصْفِ آبَ وَنَيْسَان عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْدَامٍ، وَفِي نِصْفِ آذَار وَأَيْلُول عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْدَامٍ وَنِصْفٍ.
وَهُوَ وَقْتُ اسْتِوَاءِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَفِي نِصْفِ تَشْرِينَ الْأَوَّلِ وَشُبَاطِ عَلَى سِتَّةِ أَقْدَامٍ وَنِصْفٍ، وَفِي نِصْفِ تَشْرِينَ الثَّانِي وَكَانُونَ الثَّانِي عَلَى تِسْعَةِ أَقْدَامٍ، وَفِي نِصْفِ كَانُونَ الْأَوَّل عَلَى عَشَرَةِ أَقْدَامٍ وَسُدْسٍ، وَهَذَا أَنْهَى مَا تَزُولَ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَهَذَا مَا تَزُولُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فِي أَقَالِيمِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَمَا سَامَتَهُمَا مِنْ الْبُلْدَانِ، فَإِذَا أَرَدْت مَعْرِفَةَ ذَلِكَ فَقِفْ عَلَى مُسْتَوٍ مِنْ الْأَرْضِ، وَعَلِّمْ الْمَوْضِعَ الَّذِي انْتَهَى إلَيْهِ ظِلُّك، ثُمَّ ضَعْ قَدَمَك الْيُمْنَى بَيْنَ يَدَيْ قَدَمِك الْيُسْرَى، وَأَلْصِقْ عَقِبَك بِإِبْهَامِك، فَمَا بَلَغَتْ مِسَاحَةُ هَذَا الْقَدْرِ بَعْدَ انْتِهَاءِ النَّقْصِ فَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، وَوَجَبَتْ بِهِ صَلَاةُ الظُّهْرِ.
[فَصْل تَجِبُ صَلَاةُ الظُّهْرِ بِزَوَالِ الشَّمْسِ]
(516) فَصْلٌ: وَتَجِبُ صَلَاةُ الظُّهْرِ بِزَوَالِ الشَّمْسِ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الصَّلَوَاتِ تَجِبُ بِدُخُولِ وَقْتِهَا فِي حَقِّ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ، فَأَمَّا أَهْلُ الْأَعْذَارِ؛ كَالْحَائِضِ وَالْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ وَالْكَافِرِ، فَتَجِبُ فِي حَقِّهِ بِأَوَّلِ جُزْءٍ أَدْرَكَهُ مِنْ وَقْتِهَا بَعْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَجِبُ تَأْخِيرُ وَقْتِهَا إذَا بَقِيَ مِنْهُ مَا لَا يَتَّسِعُ لِأَكْثَرَ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهَا وَتَرْكِهَا، فَلَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً كَالنَّافِلَةِ.
وَلَنَا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: 78] وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ عَلَى الْفَوْرِ؛ وَلِأَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمُهُ حِينَ وُجُودِهِ؛ وَلِأَنَّهَا يُشْتَرَطُ لَهَا نِيَّةُ الْفَرِيضَةِ، وَلَوْ لَمْ تَجِبْ لَصَحَّتْ بِدُونِ نِيَّةِ الْوَاجِبِ كَالنَّافِلَةِ، وَتُفَارِقُ النَّافِلَةَ؛ فَإِنَّهَا لَا يُشْتَرَطُ لَهَا ذَلِكَ، وَيَجُوزُ تَرْكُهَا غَيْرَ عَازِمٍ عَلَى فِعْلِهَا، وَهَذِهِ إنَّمَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا مَعَ الْعَزْمِ عَلَى فِعْلِهَا، كَمَا تُؤَخَّرُ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ لَيْلَةَ مُزْدَلِفَةَ عَنْ وَقْتِهَا، وَكَمَا تُؤَخَّرُ سَائِرُ الصَّلَوَاتِ عَنْ وَقْتِهَا إذَا كَانَ مُشْتَغِلًا بِتَحْصِيلِ شَرْطِهَا.
[فَصْل يَسْتَقِرُّ وُجُوبُ وَقْتِ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِمَا وَجَبَتْ بِهِ]
(517) فَصْلٌ: وَيَسْتَقِرُّ وُجُوبُهَا بِمَا وَجَبَتْ بِهِ.
فَلَوْ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا ثُمَّ جُنَّ، أَوْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ، لَزِمَهُمَا الْقَضَاءُ إذَا أَمْكَنَهُمَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ: لَا يَسْتَقِرُّ إلَّا بِمُضِيِّ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِعْلُهَا فِيهِ، وَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ بِمَا دُونَ ذَلِكَ.
وَاخْتَارَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ الْوَقْتِ مَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، فَلَمْ يَجِبْ الْقَضَاءُ، كَمَا لَوْ طَرَأَ الْعُذْرُ قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَلَنَا أَنَّهَا صَلَاةٌ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ قَضَاؤُهَا إذَا فَاتَتْهُ، كَالَّتِي أَمْكَنَ أَدَاؤُهَا، وَفَارَقَتْ الَّتِي طَرَأَ الْعُذْرُ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا؛ فَإِنَّهَا لَمْ تَجِبْ، وَقِيَاسُ الْوَاجِبِ عَلَى غَيْرِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ.
[مَسْأَلَة آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ]
(518) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ فَهُوَ آخِرُ وَقْتِهَا) يَعْنِي أَنَّ الْفَيْءَ إذَا زَادَ عَلَى مَا زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ قَدْرَ ظِلِّ طُولِ الشَّخْصِ، فَذَلِكَ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: وَأَيُّ شَيْءٍ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ؟ قَالَ: أَنْ يَصِيرَ الظِّلُّ مِثْلَهُ.
قِيلَ لَهُ: فَمَتَى يَكُونُ الظِّلُّ مِثْلَهُ؟ قَالَ: إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، فَكَانَ الظِّلُّ بَعْدَ الزَّوَالِ مِثْلَهُ، فَهُوَ ذَاكَ.
وَمَعْرِفَةُ ذَلِكَ أَنْ يَضْبِطَ مَا زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، ثُمَّ يَنْظُرَ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْ قَدْرَ الشَّخْصِ، فَقَدْ انْتَهَى وَقْتُ الظُّهْرِ؛ وَمِثْلُ شَخْصِ الْإِنْسَانِ سِتَّةُ أَقْدَامٍ وَنِصْفٍ بِقَدَمِهِ، أَوْ يَزِيدُ قَلِيلًا، فَإِذَا أَرَدْت اعْتِبَارَ الزِّيَادَةِ بِقَدَمِك مَسَحْتَهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الزَّوَالِ، ثُمَّ أَسْقَطْت مِنْهُ الْقَدْرَ الَّذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، فَإِذَا بَلَغَ الْبَاقِي سِتَّةَ أَقْدَامٍ وَنِصْفٍ فَقَدْ بَلَغَ الْمِثْلَ، فَهُوَ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ، وَأُوَلُ وَقْتِ الْعَصْرِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَنَحْوَهُ قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد وَقَالَ عَطَاءٌ: لَا تَفْرِيطَ لِلظُّهْرِ حَتَّى تَدْخُلَ الشَّمْسَ صُفْرَةٌ.
وَقَالَ طَاوُسٌ: وَقْتُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إلَى اللَّيْلِ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ: وَقْتُ الِاخْتِيَارِ إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَوَقْتُ الْأَدَاءِ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَدْرُ مَا يُؤَدَّى فِيهِ الْعَصْرُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الْحَضَرِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَقْتُ الظُّهْرِ إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
قَالَ «إنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غَدْوَةٍ إلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتْ الْيَهُودُ، ثُمَّ قَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتْ النَّصَارَى، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ الْعَصْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ؟ فَأَنْتُمْ هُمْ.
فَغَضِبَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَقَالُوا: مَا لَنَا أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً؟ قَالَ: هَلْ نَقَصْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟ قَالُوا: لَا؟ قَالَ فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنْ الظُّهْرِ إلَى الْعَصْرِ أَكْثَرُ مِنْ الْعَصْرِ إلَى الْمَغْرِبِ.
وَلَنَا «أَنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الظُّهْرَ حِينَ كَانَ الْفَيْءُ مِثْلَ الشِّرَاكِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ» وَحَدِيثُ مَالِكٍ مَحْمُولٌ عَلَى الْعُذْرِ بِمَطَرٍ أَوْ مَرَضٍ، وَمَا احْتَجَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ.
وَفِعْلُهَا يَكُونُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَتَكَامُلِ الشُّرُوطِ، عَلَى أَنَّ أَحَادِيثَنَا قُصِدَ بِهَا بَيَانُ الْوَقْتِ، وَخَبَرُهُمْ قُصِدَ بِهِ ضَرْبُ الْمَثَلِ، فَالْأَخْذُ بِأَحَادِيثِنَا أَوْلَى.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ خَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ هَذَا الْآثَارَ وَالنَّاسَ، وَخَالَفَهُ أَصْحَابُهُ.
[مَسْأَلَة وَقْت الْعَصْرِ]
(519) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا زَادَ شَيْئًا وَجَبَتْ الْعَصْرُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ مِنْ حِينِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِثْلِ أَدْنَى زِيَادَةٍ مُتَّصِلٌ بِوَقْتِ الظُّهْرِ، لَا فَصْلَ بَيْنَهُمَا، وَغَيْرُ الْخِرَقِيِّ قَالَ: إذَا صَارَ ظِلُّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ فَهُوَ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ وَأَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ.
وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا قَالَ الْخِرَقِيِّ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا زَادَ عَلَى الْمِثْلَيْنِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْحَدِيثِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: 114] وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرْتُمُوهُ لَكَانَ وَسَطَ النَّهَارِ.
وَحُكِيَ عَنْ رَبِيعَةَ: أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ وَأَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ يَشْتَرِكَانِ فِي قَدْرِ الصَّلَاةِ، فَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ يُصَلِّيَانِ مَعًا، أَحَدُهُمَا يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْآخَرُ الْعَصْرَ، حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُصَلِّيًا لَهَا فِي وَقْتِهَا.
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «صَلَّى بِي الظُّهْرَ لِوَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ» .
وَلَنَا مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: 114] . لَا يَنْفِي مَا قُلْنَا؛ فَإِنَّ الطَّرَفَ مَا تَرَاخَى عَنْ الْوَسَطِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي مَسْأَلَتِنَا، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِوَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ» أَرَادَ مُقَارَنَةَ الْوَقْتِ، يَعْنِي أَنَّ ابْتِدَاءَ صَلَاتِهِ الْيَوْمَ الْعَصْرَ مُتَّصِلٌ بِوَقْتِ انْتِهَاءِ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، أَوْ مُقَارِبٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ بَيَانَ الْمَوَاقِيتِ، وَإِنَّمَا تَبَيَّنَ أَوَّلُ الْوَقْتِ بِابْتِدَاءِ فِعْلِ الصَّلَاةِ، وَتَبَيَّنَ آخِرُهُ بِالْفَرَاغِ مِنْهَا، وَقَدْ بَيَّنَهُ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عَمْرٍو «وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ يَحْضُرْ وَقْتُ الْعَصْرِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ لِلصَّلَاةِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الظُّهْرِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وَآخِرَ وَقْتِهَا حِينَ يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ
[مَسْأَلَة آخَر وَقْت الْعَصْرِ]
(520) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ خَرَجَ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ.
اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي آخِرِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ؛ فَرُوِيَ: حِينَ يَصِيرُ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ: «الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ.» وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، أَنَّ آخِرَهُ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ.
وَهِيَ أَصَحُّ عَنْهُ حَكَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ الْأَثْرَمُ، قَالَ: سَمِعَتْهُ يُسْأَلُ عَنْ آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ؟ فَقَالَ: هُوَ تَغَيُّرُ الشَّمْسِ.
قِيلَ: وَلَا تَقُولُ بِالْمِثْلِ وَالْمِثْلَيْنِ؟ قَالَ: لَا، هَذَا عِنْدِي أَكْثَرُ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ، وَنَحْوُهُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ تَصْفَرُّ الشَّمْسُ» وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الْعَصْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ لَمْ تُخَالِطْهَا صُفْرَةٌ» . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ، فَقَدْ صَلَّاهَا فِي وَقْتهَا.
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُرَاعَاةَ الْمِثْلَيْنِ عِنْدَهُمْ اسْتِحْبَابٌ، وَلَعَلَّهُمَا مُتَقَارِبَانِ يُوجَدُ أَحَدُهُمَا قَرِيبًا مِنْ الْآخَرِ.
(521) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْعَصْرِ عَنْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَخْبَارِ، وَرَوَى مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِمَا، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ، يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ، حَتَّى إذَا اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ، فَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، أَوْ عَلَى قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، قَامَ، فَنَقَرَ أَرْبَعًا، لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إلَّا قَلِيلًا» وَلَوْ أُبِيحَ تَأْخِيرُهَا لَمَا ذَمَّهُ عَلَيْهِ، وَجَعَلَهُ عَلَامَةَ النِّفَاقِ.
[مَسْأَلَة أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ]
(522) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَهَا مَعَ الضَّرُورَةِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ ثُمَّ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَهُوَ مُدْرِكٌ لَهَا، وَمُؤَدٍّ لَهَا فِي وَقْتِهَا، سَوَاءٌ أَخَّرَهَا لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ، إلَّا أَنَّهُ إنَّمَا يُبَاحُ تَأْخِيرُهَا لِعُذْرٍ وَضَرُورَةٍ، كَحَائِضٍ تَطْهُرُ، أَوْ كَافِرٍ يُسْلِمُ، أَوْ صَبِيٍّ يَبْلُغُ، أَوْ مَجْنُونٍ يُفِيقُ، أَوْ نَائِمٍ يَسْتَيْقِظُ، أَوْ مَرِيضٍ يَبْرَأُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: " مَعَ الضَّرُورَةِ ". فَأَمَّا إدْرَاكُهَا بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ مِنْهَا، فَيَسْتَوِي فِيهِ الْمَعْذُورُ وَغَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ
سَائِرُ الصَّلَوَاتِ يُدْرِكُهَا بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ مِنْهَا فِي وَقْتِهَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا
[فَصْل هَلْ يُدْرِكُ الصَّلَاةَ بِإِدْرَاكِ مَا دُونَ رَكْعَةٍ]
(523) فَصْلٌ: وَهَلْ يُدْرِكُ الصَّلَاةَ بِإِدْرَاكِ مَا دُونَ رَكْعَةٍ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا لَا يُدْرِكُهَا بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ؛ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ، فَإِنَّ تَخْصِيصَهُ الْإِدْرَاكَ بِرَكْعَةٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِدْرَاكَ لَا يَحْصُلُ بِأَقَلَّ مِنْهَا؛ وَلِأَنَّهُ إدْرَاكٌ لِلصَّلَاةِ، فَلَا يَحْصُلُ بِأَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ كَإِدْرَاكِ الْجُمُعَةِ.
وَالثَّانِيَةُ، يُدْرِكُهَا بِإِدْرَاكِ جُزْءٍ مِنْهَا، أَيِّ جُزْءٍ كَانَ.
قَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَكُونُ مُدْرِكًا لَهَا بِإِدْرَاكِهِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصَّلَاةِ مِقْدَارَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ الْوَقْتُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا.
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَلِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِلنَّسَائِيِّ «فَقَدْ أَدْرَكَهَا» ؛ وَلِأَنَّ الْإِدْرَاكَ إذَا تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ فِي الصَّلَاةِ اسْتَوَى فِيهِ الرَّكْعَةُ وَمَا دُونَهَا، كَإِدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ، وَإِدْرَاكِ الْمُسَافِرِ صَلَاةَ الْمُقِيمِ، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ، وَالْمَنْطُوقُ أَوْلَى مِنْهُ، وَالْقِيَاسُ يَبْطُلُ بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ دُونَ تَشَهُّدِهَا.
[فَصْل الصَّلَاةُ الْوُسْطَى]
(524) فَصْلٌ: وَصَلَاةُ الْعَصْرِ هِيَ الصَّلَاةُ الْوُسْطَى، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهِمْ، مِنْهُمْ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَبُو أَيُّوبَ، وَأَبُو سَعِيدٍ وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَالضَّحَّاكُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ.
وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَائِشَةَ أَنَّهَا صَلَاةُ الظُّهْرِ.
وَبِهِ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّي صَلَاةً أَشَدَّ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا، فَنَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: 238] » رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرَوَتْ عَائِشَةُ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَرَأَ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَقَالَ طَاوُسٌ، وَعَطَاءٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالشَّافِعِيُّ: هِيَ الصُّبْحُ لِقَوْلِ اللَّهِ
تَعَالَى: ﴿وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238] وَالْقُنُوتُ طُولُ الْقِيَامِ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالصُّبْحِ؛ وَلِأَنَّهَا مِنْ أَثْقَلِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَلِهَذَا اُخْتُصَّتْ بِالْوَصِيَّةِ وَبِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: 39] يَعْنِي صَلَاةَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ، وَرَوَى جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ نَظَرَ إلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَالَ: أَمَّا إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تَغْلِبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِلْبُخَارِيِّ (فَافْعَلُوا ثُمَّ قَرَأَ جَرِيرٌ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: 130]
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ» يُرِيدُ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ.
وَقَالَ: «لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي صَلَاةِ الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» مُتَّفَقٌ عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ.
وَقِيلَ: هِيَ الْمَغْرِبُ؛ لِأَنَّ الْأُولَى هِيَ الظُّهْرُ، فَتَكُونُ الْمَغْرِبُ الثَّالِثَةَ، وَالثَّالِثَةُ مِنْ كُلِّ خَمْسٍ هِيَ الْوُسْطَى؛ وَلِأَنَّهَا وُسْطَى فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، وَوُسْطَى فِي الْأَوْقَاتِ؛ لِأَنَّ عَدَدَ رَكَعَاتِهَا ثَلَاثٌ، فَهِيَ وُسْطَى بَيْنَ الْأَرْبَعِ وَالِاثْنَيْنِ، وَوَقْتُهَا فِي آخِرِ النَّهَارِ وَأَوَّلِ اللَّيْلِ، وَخُصَّتْ مِنْ بَيْنِ الصَّلَاةِ بِأَنَّهَا وِتْرٌ، وَاَللَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ، وَبِأَنَّهَا تُصَلَّى فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ.
وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا عَنْهُ، وَكَذَلِكَ صَلَّاهَا جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْيَوْمَيْنِ لِوَقْتٍ وَاحِدٍ، وَلِذَلِكَ ذَهَبَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ إلَى أَنَّهَا لَيْسَ لَهَا إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ لِذَلِكَ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَزَالُ أُمَّتِي، أَوْ قَالَ: هَذِهِ الْأُمَّةُ بِخَيْرٍ أَوْ قَالَ عَلَى الْفِطْرَةِ، مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إلَى أَنْ تَشْتَبِكَ النُّجُومُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقِيلَ: هِيَ الْعِشَاءُ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: «مَكَثْنَا لَيْلَةً نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، فَخَرَجَ إلَيْنَا حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ بَعْدَهُ، فَقَالَ: إنَّكُمْ لَتَنْتَظِرُونَ صَلَاةً مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُمْ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَصَلَّيْت بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ.
وَقَالَ: إنَّ أَثْقَلَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْغَدَاةِ وَالْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.
وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْأَحْزَابِ: شَغَلُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ.» وَعَنْ سَمُرَةَ مِثْلُهُ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَهَذَا نَصٌّ لَا يَجُوزُ التَّعْرِيجُ مَعَهُ عَلَى شَيْءٍ يُخَالِفُهُ؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ: «مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ: «إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ» يَعْنِي النَّجْمَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمَا ذُكِرَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فَقَدْ شَارَكَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فِي أَكْثَرِهِ، وَرِوَايَةُ عَائِشَةَ " وَصَلَاةُ الْعَصْرِ " فَالْوَاوُ زَائِدَةٌ كَالْوَاوِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: 75] وَفِي قَوْلِهِ ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: 40] وَقَوْلِهِ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238] فَالْقُنُوتُ قِيلَ: هُوَ الطَّاعَةُ.
أَيْ قُومُوا لِلَّهِ مُطِيعِينَ.
وَقِيلَ: الْقُنُوتُ السُّكُوتُ.
قَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238] فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ.
ثُمَّ مَا رَوَيْنَا نَصٌّ صَرِيحٌ.
فَكَيْفَ يُتْرَكُ بِمِثْلِ هَذَا الْوَهْمِ، أَوْ يُعَارَضُ بِهِ؟
[مَسْأَلَة وَقْتُ الْمَغْرِبِ]
(525) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ وَجَبَتْ الْمَغْرِبُ، وَلَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا إلَى أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ أَمَّا دُخُولُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ فَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ خِلَافًا فِيهِ، وَالْأَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَيْهِ.
وَآخِرُهُ: مَغِيبُ الشَّفَقِ.
وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ لَيْسَ لَهَا إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ، عِنْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّاهَا بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْيَوْمَيْنِ لِوَقْتٍ وَاحِدٍ، فِي بَيَانِ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إلَى أَنْ يَشْتَبِكَ النَّجْمُ» ؛ وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ مُجْمِعُونَ عَلَى فِعْلِهَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ.
وَعَنْ طَاوُسٍ: لَا تَفُوتُ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ حَتَّى الْفَجْرِ.
وَنَحْوُهُ عَنْ عَطَاءٍ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ.
وَلَنَا حَدِيثُ بُرَيْدَةَ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ غَابَ الشَّفَقُ» وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ: «فَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ إلَى أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ.»
وَرَوَى أَبُو مُوسَى «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَّرَ الْمَغْرِبَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حَتَّى كَانَ عِنْدَ سُقُوطِ الشَّفَقِ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ لِلصَّلَاةِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ حِينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ يَغِيبُ الْأُفُقُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَهَذِهِ نُصُوصٌ صَحِيحَةٌ، لَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهَا بِشَيْءٍ مُحْتَمَلٍ
؛ وَلِأَنَّهَا إحْدَى الصَّلَوَاتِ، فَكَانَ لَهَا وَقْتٌ مُتَّسِعٌ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ؛ وَلِأَنَّهَا إحْدَى صَلَاتَيْ جَمْعٍ، فَكَانَ وَقْتُهَا مُتَّصِلًا بِوَقْتِ الَّتِي تُجْمَعُ إلَيْهَا كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؛ وَلِأَنَّ مَا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ وَقْتٌ لِاسْتِدَامَتِهَا، فَكَانَ وَقْتًا لِابْتِدَائِهَا كَأَوَّلِ وَقْتِهَا.
وَأَحَادِيثُهُمْ مَحْمُولَةٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالِاخْتِيَارِ، وَكَرَاهَةِ التَّأْخِيرِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْخِرَقِيِّ " وَلَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا ".
فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ فِيهَا تَأْكِيدٌ لِفِعْلِهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَأَقَلُّ أَحْوَالِهَا تَأْكِيدُ الِاسْتِحْبَابِ.
وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ مُتَعَارِضَةٌ وَجَبَ حَمْلُ أَحَادِيثِهِمْ عَلَى أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ؛ لِأَنَّهَا فِي أَوَّلِ فَرْضِ الصَّلَاةِ بِمَكَّةَ، وَأَحَادِيثُنَا بِالْمَدِينَةِ مُتَأَخِّرَةٌ، فَتَكُنْ نَاسِخَةً لِمَا قَبْلَهَا مِمَّا يُخَالِفُهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَة وَقْتُ الْعِشَاءِ]
(526) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِذَا غَابَ الشَّفَقُ، وَهُوَ الْحُمْرَةُ فِي السَّفَرِ، وَفِي الْحَضَرِ الْبَيَاضُ؛ لِأَنَّ فِي الْحَضَرِ قَدْ تَنْزِلُ الْحُمْرَةُ فَتُوَارِيهَا الْجُدْرَانُ، فَيُظَنُّ أَنَّهَا قَدْ غَابَتْ، فَإِذَا غَابَ الْبَيَاضُ فَقَدْ تُيُقِّنَ، وَوَجَبَتْ عِشَاءُ الْآخِرَةِ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ) لَا خِلَافَ فِي دُخُولِ وَقْتِ الْعِشَاءِ بِغَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الشَّفَقِ مَا هُوَ؟ فَمَذْهَبُ إمَامِنَا، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، أَنَّ الشَّفَقَ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ وَقْتُ الْمَغْرِبِ، وَيَدْخُلُ بِهِ وَقْتُ الْعِشَاءِ، هُوَ الْحُمْرَةُ.
وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَصَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَعَنْ أَنَسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ: الشَّفَقُ الْبَيَاضُ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِأَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِوَقْتِ هَذِهِ الصَّلَاةِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّيهَا لِسُقُوطِ الْقَمَرِ لِثَالِثَةٍ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ حِينَ يَسْوَدُّ الْأُفُقُ» .
وَلَنَا، مَا رَوَتْ عَائِشَةُ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: «أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعِشَاءِ حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ بِالصَّلَاةِ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ.
فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ غَيْرُكُمْ قَالَ: وَلَا يُصَلِّي يَوْمَئِذٍ إلَّا بِالْمَدِينَةِ وَكَانَ يُصَلُّونَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ الْأَوَّلُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالشَّفَقُ الْأَوَّلُ هُوَ الْحُمْرَةُ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ فَوْرُ الشَّفَقِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرُوِيَ " ثَوْرُ الشَّفَقِ " وَفَوْرُ الشَّفَقِ: فَوَرَانُهُ وَسُطُوعُهُ.
وَثَوْرُهُ: ثَوَرَانُ حُمْرَتِهِ، وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ هَذَا الْحُمْرَةَ، وَآخِرُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ أَوَّلُ وَقْتِ الْعِشَاءِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ، فَإِذَا غَابَ الشَّفَقُ وَجَبَتْ الْعِشَاءُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَمَا رَوَوْهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ قَلِيلًا، وَهُوَ الْأَفْضَلُ وَالْأَوْلَى، وَلِهَذَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «قَالَ لِبِلَالٍ: اجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِك وَإِقَامَتِك قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ، وَالْمُتَوَضِّئُ مِنْ وُضُوئِهِ، وَالْمُعْتَصِرُ إذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ» إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ فِي مَكَان يَظْهَرُ لَهُ الْأُفُقُ، وَيَبِينُ لَهُ مَغِيبُ الشَّفَقِ، فَمَتَى ذَهَبَتْ الْحُمْرَةُ وَغَابَتْ، دَخَلَ وَقْتُ الْعِشَاءِ، وَإِنْ كَانَ فِي مَكَان يَسْتَتِرُ عَنْهُ الْأُفُقُ بِالْجُدْرَانِ وَالْجِبَالِ، اسْتَظْهَرَ حَتَّى يَغِيبَ الْبَيَاضُ، لِيَسْتَدِلَّ بِغَيْبَتِهِ عَلَى مَغِيبِ الْحُمْرَةِ، فَيَعْتَبِرُ غَيْبَةَ الْبَيَاضِ، لِدَلَالَتِهِ عَلَى مَغِيبِ الْحُمْرَةِ لَا لِنَفْسِهِ.
[مَسْأَلَة إذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ذَهَبَ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ]
(527) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ذَهَبَ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ، وَوَقْتُ الضَّرُورَةِ مُبْقًى إلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ الثَّانِي، وَهُوَ الْبَيَاضُ الَّذِي يُرَى مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، فَيَنْتَشِرُ، وَلَا ظُلْمَةَ بَعْدَهُ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي آخِرِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ ثُلُثُ اللَّيْلِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَالِكٍ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ، أَنَّهُ صَلَّى بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ ثُلُثَ اللَّيْلِ، وَقَالَ: «الْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ» وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ثُلُثَ اللَّيْلِ» وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صَلُّوا فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ» وَفِي حَدِيثِهَا الْآخَرِ: وَكَانُوا يُصَلُّونَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ الْأَوَّلُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ.
وَلِأَنَّ ثُلُثَ اللَّيْلِ يَجْمَعُ الرِّوَايَاتِ، وَالزِّيَادَةُ تَعَارَضْت الْأَخْبَارُ فِيهَا، فَكَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْلَى، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ آخِرَهُ نِصْفُ اللَّيْلِ.
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْعِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْلَا ضَعْفُ الضَّعِيفِ، وَسَقَمُ السَّقِيمِ، لَأَمَرْت بِهَذِهِ الصَّلَاةِ أَنْ تُؤَخَّرَ إلَى شَطْرِ اللَّيْلِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «وَقْتُ الْعِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ»
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْأَوْلَى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ لَا يُؤَخِّرَهَا عَنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَإِنْ أَخَّرَهَا إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ جَازَ، وَمَا بَعْدَ النِّصْفِ وَقْتُ ضَرُورَةٍ، الْحُكْمُ فِيهِ حُكْمُ وَقْتِ الضَّرُورَةِ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ، عَلَى مَا مَضَى شَرْحُهُ وَبَيَانُهُ، ثُمَّ لَا يَزَالُ الْوَقْتُ مُمْتَدًّا حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ الثَّانِي.
(528) فَصْلٌ: وَتُسَمَّى هَذِهِ الصَّلَاةُ الْعِشَاءَ، وَلَا يُسْتَحَبُّ تَسْمِيَتُهَا الْعَتَمَةَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: الْعَتَمَةُ.
صَاحَ وَغَضِبَ، وَقَالَ: إنَّمَا هُوَ الْعِشَاءُ
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ، فَإِنَّهَا الْعِشَاءُ، وَإِنَّهُمْ يُعْتِمُونَ بِالْإِبِلِ» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ.
رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ وَإِنْ سَمَّاهَا الْعَتَمَةَ جَازَ؛ فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُعَاذٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَبْقَيْنَا - يَعْنِي - انْتَظَرْنَا - رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْعَتَمَةِ؛ وَلِأَنَّ هَذَا نِسْبَةٌ لَهَا إلَى الْوَقْتِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ، فَأَشْبَهَتْ صَلَاةَ الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ وَسَائِرَ الصَّلَوَاتِ
[مَسْأَلَة وَقْتُ الصُّبْحِ]
(529) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ الثَّانِي وَجَبَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ وَالْوَقْتُ مُبْقًى إلَى مَا قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَمَنْ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ فَقَدْ أَدْرَكَهَا، وَهَذَا مَعَ الضَّرُورَةِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ وَقْتَ الصُّبْحِ يَدْخُلُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي إجْمَاعًا، وَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ أَخْبَارُ الْمَوَاقِيتِ، وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُسْتَطِيرُ الْمُنْتَشِرُ فِي الْأُفُقِ، وَيُسَمَّى الْفَجْرَ الصَّادِقَ؛ لِأَنَّهُ صَدَقَك عَنْ الصُّبْحِ وَبَيَّنَهُ لَك، وَالصُّبْحُ مَا جَمَعَ بَيَاضًا وَحُمْرَةً، وَمِنْهُ سُمِّيَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي لَوْنِهِ بَيَاضٌ وَحُمْرَةٌ أَصْبَحَ، وَأَمَّا الْفَجْرُ الْأَوَّلُ، فَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُسْتَدَقُّ صَعِدًا مِنْ غَيْرِ اعْتِرَاضٍ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ، وَيُسَمَّى الْفَجْرَ الْكَاذِبَ.
ثُمَّ لَا يَزَالُ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ إلَى أَنْ يُسْفِرَ النَّهَارُ؛ لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ وَبُرَيْدَةَ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ وَقْتُ عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: «وَوَقْتُ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ.
وَمَنْ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ كَانَ مُدْرِكًا لَهَا» وَفِي إدْرَاكِهَا بِمَا دُونَ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ قَدْ ذَكَرْنَاهُ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، فِيمَنْ طَلَعْت الشَّمْسُ وَقَدْ صَلَّى رَكْعَةً: تَفْسُدُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ فِي وَقْتٍ نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ.
وَهَذَا لَا يَصِحُّ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا، فَكَانَ مُدْرِكًا لَهَا فِي وَقْتِهَا، كَبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْ النَّافِلَةِ، فَأَمَّا الْفَرَائِضُ فَتُصَلَّى فِي كُلِّ وَقْتٍ، بِدَلِيلِ أَنَّ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقْتُ نَهْيٍ أَيْضًا، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ فِعْلِ الْفَجْرِ فِيهِ
[فَصْل إذَا شَكَّ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ]
(530) فَصْلٌ: إذَا شَكَّ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ، لَمْ يُصَلِّ حَتَّى يَتَيَقَّنَ دُخُولَهُ، أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ، مِثْلُ مَنْ هُوَ ذُو صَنْعَةٍ جَرَتْ عَادَتُهُ بِعَمَلِ شَيْءٍ مُقَدَّرٍ إلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ، أَوْ قَارِئٍ جَرَتْ عَادَتُهُ بِقِرَاءَةِ جُزْءٍ فَقَرَأَهُ، وَأَشْبَاهِ هَذَا، فَمَتَى فَعَلَ ذَلِكَ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُ الْوَقْتِ، أُبِيحَتْ لَهُ الصَّلَاةُ، وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا قَلِيلًا احْتِيَاطًا، لِتَزْدَادَ غَلَبَةُ ظَنِّهِ، إلَّا أَنْ يَخْشَى خُرُوجَ الْوَقْتِ، أَوْ تَكُونَ صَلَاةُ الْعَصْرِ فِي وَقْتِ الْغَيْمِ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّبْكِيرُ بِهَا؛ لِمَا رَوَى بُرَيْدَةَ، قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزَاةٍ، فَقَالَ: بَكِّرُوا بِصَلَاةِ الْعَصْرِ فِي الْغَيْمِ، فَإِنَّهُ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَمَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - التَّبْكِيرُ بِهَا إذَا دَخَلَ وَقْتُ فِعْلِهَا، لِيَقِينٍ، أَوْ غَلَبَةِ ظَنٍّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ وَقْتَهَا الْمُخْتَارَ فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ يَضِيقُ، فَيُخْشَى خُرُوجُهُ.
(531) فَصْلٌ: وَمَنْ أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ عَنْ عِلْمٍ عَمِلَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيٌّ، فَقُبِلَ فِيهِ قَوْلُ الْوَاحِدِ كَالرِّوَايَةِ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ عَنْ اجْتِهَادِهِ لَمْ يُقَلِّدْهُ، وَاجْتَهَدَ لِنَفْسِهِ، حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الصَّلَاةِ بِاجْتِهَادِ نَفْسِهِ، فَلَمْ يُصَلِّ بِاجْتِهَادِ غَيْرِهِ، كَحَالَةِ اشْتِبَاهِ الْقِبْلَةِ.
وَالْبَصِيرُ وَالْأَعْمَى وَالْمَطْمُورُ الْقَادِرُ عَلَى التَّوَصُّلِ إلَى الِاسْتِدْلَالِ سَوَاءٌ؛ لِاسْتِوَائِهِمْ فِي إمْكَانِ التَّقْدِيرِ بِمُرُورِ الزَّمَانِ، كَمَا بَيَّنَّا، فَمَتَى صَلَّى فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، فَبَانَ أَنَّهُ وَافَقَ الْوَقْتَ أَوْ بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى مَا فُرِضَ عَلَيْهِ، وَخُوطِبَ بِأَدَائِهِ، وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ لَمْ يُجْزِهِ؛ لِأَنَّ الْمُخَاطَبَةَ بِالصَّلَاةِ وَسَبَبَ الْوُجُوبِ وُجِدَ بَعْدَ فِعْلِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ حُكْمُهُ بِمَا وُجِدَ قَبْلَهُ.
وَإِنْ صَلَّى مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ مَعَ الشَّكِّ، لَمْ تُجْزِهِ صَلَاتُهُ، سَوَاءٌ أَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ لِأَنَّهُ صَلَّى مَعَ الشَّكِّ فِي شَرْطِ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فَصَلَّى مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ.
[فَصْل إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ مِنْ ثِقَةٍ عَالِمٍ بِالْوَقْتِ]
(532) فَصْلٌ: وَإِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ مِنْ ثِقَةٍ عَالِمٍ بِالْوَقْتِ، فَلَهُ تَقْلِيدُهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، فَجَرَى مَجْرَى خَبَرِهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَوْلَا أَنَّهُ يُقَلِّدُ وَيُرْجَعُ إلَيْهِ مَا كَانَ مُؤْتَمَنًا، وَجَاءَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «خَصْلَتَانِ مُعَلَّقَتَانِ فِي أَعْنَاقِ الْمُؤَذِّنِينَ لِلْمُسْلِمِينَ صَلَاتُهُمْ وَصِيَامُهُمْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَلِأَنَّ الْآذَانَ مَشْرُوعٌ لِلْإِعْلَامِ بِالْوَقْتِ فَلَوْ لَمْ يَجُزْ تَقْلِيدُ
الْمُؤَذِّنِ لَمْ تَحْصُلْ الْحِكْمَةُ الَّتِي شُرِعَ الْآذَانُ مِنْ أَجْلِهَا، وَلَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَجْتَمِعُونَ فِي مَسَاجِدِهِمْ وَجَوَامِعِهِمْ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا سَمِعُوا الْآذَانَ قَامُوا إلَى الصَّلَاةِ، وَبَنَوْا عَلَى أَذَانِ الْمُؤَذِّنِ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ فِي الْوَقْتِ، وَلَا مُشَاهَدَةِ مَا يَعْرِفُونَهُ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَكَانَ إجْمَاعًا.
[مَسْأَلَة الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ]
(533) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ، إلَّا عِشَاءَ الْآخِرَةِ، وَفِي شِدَّةِ الْحَرِّ الظُّهْرَ) . وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْأَوْقَاتَ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: وَقْتُ فَضِيلَةٍ، وَجَوَازٍ، وَضَرُورَةٍ.
فَأَمَّا وَقْتُ الْجَوَازِ وَالضَّرُورَةِ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا، وَأَمَّا وَقْتُ الْفَضِيلَةِ فَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ قَالَ أَحْمَدُ: أَوَّلُ الْوَقْتِ أَعْجَبُ إلَيَّ، إلَّا فِي صَلَاتَيْنِ: صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ الظُّهْرِ يُبْرَدُ بِهَا فِي الْحَرِّ، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ.
وَهَكَذَا كَانَ يُصَلِّي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ: دَخَلْت أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ فَسَأَلَهُ أَبِي: «كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ؟ قَالَ: كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ، الَّتِي يَدْعُونَهَا الْأُولَى، حِينَ تُدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ وَنَسِيت مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ.
قَالَ: وَكَانَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنْ الْعِشَاءِ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إلَى الْمِائَةِ» .
، وَقَالَ جَابِرٌ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا، وَأَحْيَانًا إذَا رَآهُمْ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ قَدْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحُ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا وَقَدْ رَوَى الْأُمَوِيُّ، فِي " الْمَغَازِي " حَدِيثًا أَسْنَدَهُ إلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، قَالَ: «لَمَّا بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْيَمَنِ، قَالَ: أَظْهِرْ كَبِيرَ الْإِسْلَامِ وَصَغِيرَهُ، وَلْيَكُنْ مِنْ أَكْبَرِهَا الصَّلَاةُ، فَإِنَّهَا رَأْسُ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِالدِّينِ، إذَا كَانَ الشِّتَاءُ فَصَلِّ صَلَاةَ الْفَجْرِ فِي أَوَّلِ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَطِلْ الْقِرَاءَةَ عَلَى قَدْرِ مَا تُطِيقُ، وَلَا تُمِلَّهُمْ، وَتُكَرِّهْ إلَيْهِمْ أَمْرَ اللَّهِ، ثُمَّ عَجِّلْ الصَّلَاةَ الْأُولَى بَعْدَ أَنْ تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَصَلِّ الْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ عَلَى مِيقَاتٍ وَاحِدٍ؛ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ مُرْتَفِعَةٌ، وَالْمَغْرِبَ حِينَ تَغِيبُ الشَّمْسُ، وَتَوَارَى بِالْحِجَابِ، وَصَلِّ الْعِشَاءَ فَأَعْتِمْ بِهَا، فَإِنَّ اللَّيْلَ طَوِيلٌ، فَإِذَا كَانَ الصَّيْفُ فَأَسْفِرْ بِالصُّبْحِ، فَإِنَّ اللَّيْلَ قَصِيرٌ.
وَإِنَّ النَّاسَ يَنَامُونَ، فَأَمْهِلْهُمْ حَتَّى يُدْرِكُوهَا، وَصَلِّ الظُّهْرَ بَعْدَ أَنْ يَنْقُصَ الظِّلُّ وَتَتَحَرَّكَ الرِّيحُ، فَإِنَّ النَّاسَ يَقِيلُونَ، فَأَمْهِلْهُمْ حَتَّى يُدْرِكُوهَا، وَصَلِّ الْعَتَمَةَ فَلَا تُعْتِمْ بِهَا، وَلَا تُصَلِّهَا حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ»
وَرَوَى أَيْضًا فِي كِتَابِهِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: وَالصَّلَاةُ لَهَا وَقْتٌ شَرَطَهُ اللَّهُ، لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ؛ وَقْتُ صَلَاةِ الْفَجْرِ حِينَ يُزَايِلُ الرَّجُلُ أَهْلَهُ وَيَحْرُمُ عَلَى الصَّائِمِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ، فَأَعْطُوهَا نَصِيبَهَا مِنْ الْقِرَاءَةِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ إذَا كَانَ الْقَيْظُ وَاشْتَدَّ الْحَرُّ، حِينَ يَكُونُ ظِلُّك مِثْلَك، وَذَلِكَ حِينَ يُهَجِّرُ الْمُهَجِّرُ وَذَلِكَ لِئَلَّا يَرْقُدَ عَنْ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ فِي الشِّتَاءِ فَحِينَ تَزِيغُ عَنْ الْفَلَكِ حَتَّى تَكُونَ عَلَى حَاجِبِك الْأَيْمَنِ، وَالْعَصْرُ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ قَبْلَ أَنْ تَصْفَرَّ، وَالْمَغْرِبُ حِينَ يُفْطِرُ الصَّائِمُ، وَالْعِشَاءُ حِينَ يَغْسِقُ اللَّيْلُ، وَتَذْهَبُ حُمْرَةُ الْأُفُقِ إلَى أَنْ يَذْهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، مَنْ نَامَ عَنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا أَرْقَدَ اللَّهُ عَيْنَهُ.
هَذِهِ مَوَاقِيتُ الصَّلَاةِ ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]
[فَصْل تَعْجِيلِ الظُّهْرِ فِي غَيْرِ الْحَرِّ وَالْغَيْمِ]
(534) فَصْلٌ: وَلَا نَعْلَمُ فِي اسْتِحْبَابِ تَعْجِيلِ الظُّهْرِ، فِي غَيْرِ الْحَرِّ وَالْغَيْمِ، خِلَافًا.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَذَلِكَ لِمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ وَجَابِرٍ، وَغَيْرِهِمَا، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - مَا رَأَيْت أَحَدًا كَانَ أَشَدَّ تَعْجِيلًا لِلظُّهْرِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَلَا مِنْ عُمَرَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْوَقْتُ الْأَوَّلُ مِنْ الصَّلَاةِ رِضْوَانُ اللَّهِ، وَالْوَقْتُ الْأَخِيرُ عَفْوُ اللَّهِ تَعَالَى» قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وَأَمَّا فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ الْإِبْرَادِ بِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: وَعَلَى هَذَا مَذْهَبُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ سَوَاءٌ، يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهَا فِي الشِّتَاءِ وَالْإِبْرَادُ بِهَا فِي الْحَرِّ.
وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ؛ لِظَاهِرِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحُرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهَذَا عَامٌّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنَّمَا يُسْتَحَبُّ الْإِبْرَادُ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: شِدَّةُ الْحَرِّ، وَأَنْ يَكُونَ فِي الْبُلْدَانِ الْحَارَّةِ وَمَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ، فَأَمَّا مَنْ صَلَّاهَا فِي بَيْتِهِ، أَوْ فِي مَسْجِدٍ بِفِنَاءِ بَيْتِهِ، فَالْأَفْضَلُ تَعْجِيلُهَا.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ إنَّمَا يُسْتَحَبُّ لِيَنْكَسِرَ الْحَرُّ، وَيَتَّسِعَ فِي الْحِيطَانِ، وَيَكْثُرَ السَّعْيُ إلَى الْجَمَاعَاتِ، وَمَنْ لَا يُصَلِّي فِي جَمَاعَةٍ لَا حَاجَةَ بِهِ إلَى التَّأْخِيرِ.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْبُلْدَانِ الْحَارَّةِ وَغَيْرِهَا وَلَا بَيْنَ كَوْنِ الْمَسْجِدِ يَنْتَابُهُ النَّاسُ أَوْ لَا، فَإِنَّ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، كَانَ يُؤَخِّرُهَا فِي مَسْجِدِهِ وَلَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
وَالْأَخْذُ بِظَاهِرِ الْخَبَرِ أَوْلَى.
وَمَعْنَى الْإِبْرَادِ بِهَا، تَأْخِيرُهَا حَتَّى يَنْكَسِرَ الْحَرُّ، وَيَتَّسِعَ فِي الْحِيطَانِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ: أَنَّ
النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَبْرِدْ، حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ» وَهَذَا إنَّمَا يَكُنْ مَعَ كَثْرَةِ تَأْخِيرِهَا، وَلَا يُؤَخِّرُهَا إلَى آخِرِ وَقْتِهَا، بَلْ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتٍ إذَا فَرَغَ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخِرِ الْوَقْتِ فَضْلٌ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: «كَانَ قَدْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّيْفِ ثَلَاثَةَ أَقْدَامٍ، وَفِي الشِّتَاءِ خَمْسَةَ أَقْدَامٍ إلَى تِسْعَةِ أَقْدَامٍ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ
فَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَيُسَنُّ تَعْجِيلُهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ غَيْرِ إبْرَادٍ؛ لِأَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ، قَالَ: «كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ أَخَّرَهَا، بَلْ كَانَ يُعَجِّلُهَا، حَتَّى قَالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ: مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ.
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ؛ وَلِأَنَّ السُّنَّةَ التَّبْكِيرُ بِالسَّعْيِ إلَيْهَا، وَيَجْتَمِعُ النَّاسُ لَهَا، فَلَوْ أَخَّرَهَا لَتَأَذَّى النَّاسُ بِتَأْخِيرِ الْجُمُعَةِ.
[فَصْل تَأْخِيرُ الظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ فِي الْغَيْمِ وَتَعْجِيلُ الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ فِيهِ]
(535) فَصْلٌ: ذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ فِي الْغَيْمِ، وَتَعْجِيلُ الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ فِيهِ.
قَالَ: وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ؛ مِنْهُمْ الْمَرُّوذِيُّ فَقَالَ: يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ فِي يَوْمِ الْغَيْمِ، وَيُعَجِّلُ الْعَصْرَ، وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ، وَيُعَجِّلُ الْعِشَاءَ وَعَلَّلَ الْقَاضِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ وَقْتٌ يُخَافُ مِنْهُ الْعَوَارِضُ وَالْمَوَانِعُ؛ مِنْ الْمَطَرِ، وَالرِّيحِ، وَالْبَرْدِ، فَتَلْحَقُ الْمَشَقَّةُ فِي الْخُرُوجِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَفِي تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ الْأُولَى مِنْ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ، وَتَعْجِيلِ الثَّانِيَةِ، دَفْعٌ لِهَذِهِ الْمَشَقَّةِ؛ لِكَوْنِهِ يَخْرُجُ إلَيْهِمَا خُرُوجًا وَاحِدًا، فَيَحْصُلُ بِهِ الرِّفْقُ، كَمَا يَحْصُلُ بِجَمْعِ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ إحْدَاهُمَا، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِثْلُ ذَلِكَ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: يُعَجِّلُ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ الظُّهْرِ فِي غَيْرِ الْحَرِّ، وَالْمَغْرِبِ فِي كُلِّ حَالٍ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ قَالَ: مَتَى غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُ الْوَقْتِ بِاجْتِهَادِهِ اُسْتُحِبَّ لَهُ التَّعْجِيلُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، إنَّمَا أَرَادَ بِتَأْخِيرِ الظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ لِيَتَيَقَّنَ دُخُولَ وَقْتِهِمَا، وَلَا يُصَلِّي مَعَ الشَّكِّ، وَقَدْ نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ كَلَامًا يَدُلُّ عَلَى هَذَا قَالَ: يَوْمُ الْغَيْمِ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ حَتَّى لَا يَشُكَّ أَنَّهَا قَدْ حَانَتْ، وَيُعَجِّلُ الْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبُ يُؤَخِّرُهَا حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ سَوَادُ اللَّيْلِ، وَيُعَجِّلُ الْعِشَاءَ.
[فَصْل تَعْجِيلُ صَلَاةِ الْعَصْرِ]
(536) فَصْلٌ: وَأَمَّا الْعَصْرُ فَتَعْجِيلُهَا مُسْتَحَبٌّ بِكُلِّ حَالٍ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَائِشَةَ، وَأَنَسٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَابْنِ شُبْرُمَةَ أَنَّهُمَا قَالَا: إنَّمَا سُمِّيت الْعَصْرُ لِتُعْصَرَ.
يَعْنِيَانِ أَنَّ تَأْخِيرَهَا أَفْضَلُ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: الْأَفْضَلُ فِعْلُهَا
فِي آخِرِ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ؛ لِمَا رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُ بِتَأْخِيرِ الْعَصْرِ.
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ شَيْبَانَ، قَالَ: «قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَصْرَ مَا دَامَتْ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؛ وَلِأَنَّهَا آخِرُ صَلَاتَيْ جَمْعٍ، فَاسْتُحِبَّ تَأْخِيرُهَا كَصَلَاةِ الْعِشَاءِ.
وَلَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ، وَقَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْعَصْرِ، ثُمَّ يُنْحَرُ الْجَزُورُ، فَيُقْسَمُ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ، ثُمَّ يُطْبَخُ فَيُؤْكَلُ لَحْمًا نَضِيجًا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: " صَلَّيْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الظُّهْرَ ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَوَجَدْنَاهُ يُصَلِّي الْعَصْرَ، فَقُلْنَا يَا أَبَا عُمَارَةَ مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّيْت؟ قَالَ: الْعَصْرُ وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّتِي كُنَّا نُصَلِّيهَا مَعَهُ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
وَعَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ أَبِي بُرَيْدَةَ فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ، فَقَالَ: بَكِّرُوا الصَّلَاةَ لِلْعَصْرِ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الْوَقْتُ الْأَوَّلُ مِنْ الصَّلَاةِ رِضْوَانُ اللَّهِ، وَالْوَقْتُ الْآخِرُ عَفْوُ اللَّهِ» يَرْوِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وَأَمَّا حَدِيثُ رَافِعٍ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ فَلَا يَصِحُّ.
قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: يَرْوِيهِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ نَافِعٍ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَلَا يَصِحُّ عَنْ رَافِعٍ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَالصَّحِيحُ عَنْهُمْ تَعْجِيلُ صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَالتَّبْكِيرُ بِهَا.
[فَصْل اسْتِحْبَابُ تَقْدِيم الْمَغْرِبُ]
(537) فَصْلٌ: وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَلَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِهَا فِي غَيْرِ حَالِ الْعُذْرِ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ بَعْدَهُمْ.
قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّيهَا إذَا وَجَبَتْ، وَقَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ «كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ أَنَسٍ مِثْلُهُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الْمَغْرِبَ سَاعَةَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ، إذَا غَابَ حَاجِبُهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَهَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُد وَفِعْلُ جِبْرِيلَ لَهَا فِي الْيَوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ دَلِيلٌ عَلَى تَأْكِيدِ اسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِهَا.
[فَصْل اسْتِحْبَابُ تَأْخِيرِ الْعِشَاءِ]
(538) فَصْلٌ: وَأَمَّا صَلَاةُ الْعِشَاءِ فَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا إلَى آخِرِ وَقْتِهَا إنْ لَمْ يَشُقَّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ،
مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالتَّابِعِينَ.
قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْأَفْضَلَ تَقْدِيمُهَا، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْوَقْتُ الْأَوَّلُ رِضْوَانُ اللَّهِ، وَالْوَقْتُ الْآخِرُ عَفْوُ اللَّهِ» وَرَوَى الْقَاسِمُ بْنُ غَنَّامٍ، عَنْ بَعْضِ أُمَّهَاتِهِ، عَنْ أُمِّ فَرْوَةَ، قَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا» . وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ يُؤَخِّرُهَا، وَإِنَّمَا أَخَّرَهَا لَيْلَةً وَاحِدَةً، وَلَا يَفْعَلُ إلَّا الْأَفْضَلَ.
وَلَنَا قَوْلُ أَبِي بَرْزَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنْ الْعِشَاءِ الَّتِي يَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ أَنْ يُؤَخِّرُوا الْعِشَاءَ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ» وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَأَحَادِيثُهُمْ ضَعِيفَةٌ.
أَمَّا خَبَرُ " الْوَقْتُ الْأَوَّلُ رِضْوَانُ اللَّهِ " فَيَرْوِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَحَدِيثُ أُمِّ فَرْوَةَ رُوَاتُهُ مَجَاهِيلُ، قَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا أَعْلَمْ شَيْئًا ثَبَتَ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ: أَوَّلُهَا كَذَا، وَأَوْسَطُهَا كَذَا، وَآخِرُهَا كَذَا يَعْنِي مَغْفِرَةً وَرِضْوَانًا، وَقَالَ: لَيْسَ ذَا ثَابِتًا.
وَلَوْ ثَبَتَ فَالْأَخْذُ بِأَحَادِيثِنَا الْخَاصَّةِ أَوْلَى مِنْ الْأَخْذِ بِالْعُمُومِ، مَعَ صِحَّةِ أَخْبَارِنَا، وَضَعْفِ أَخْبَارِهِمْ.
(539) فَصْلٌ: وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا لِلْمُنْفَرِدِ وَالْجَمَاعَةُ رَاضِينَ بِالتَّأْخِيرِ؛ فَأَمَّا مَعَ الْمَشَقَّةِ عَلَى الْمَأْمُومِينَ أَوْ بَعْضِهِمْ فَلَا يُسْتَحَبُّ، بَلْ يُكْرَهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: كَمْ قَدْرُ تَأْخِيرِ الْعِشَاءِ؟ فَقَالَ مَا قَدْ بَعُدَ أَنْ لَا يَشُقَّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ.
وَقَدْ تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَأْخِيرَ الْعِشَاءِ، وَالْأَمْرَ بِتَأْخِيرِهَا، كَرَاهِيَةَ الْمَشَقَّةِ عَلَى أُمَّتِهِ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ شَقَّ عَلَى أُمَّتِي شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ» وَإِنَّمَا نُقِلَ التَّأْخِيرُ عَنْهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ لِشُغْلٍ، أَوْ إتْيَانِ آخِرِ الْوَقْتِ، وَأَمَّا فِي سَائِرِ أَوْقَاتِهِ فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا، عَلَى مَا رَوَاهُ جَابِرٌ أَحْيَانًا، وَأَحْيَانًا إذَا رَآهُمْ قَدْ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ قَدْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ.
وَعَلَى مَا رَوَاهُ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الْعِشَاءَ لِسُقُوطِ الْقَمَرِ لِثَالِثَةٍ.
فَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ الِاقْتِدَاءُ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي إحْدَى هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ، وَلَا يُؤَخِّرُهَا تَأْخِيرًا يَشُقُّ عَلَى الْمَأْمُومِينَ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُ بِالتَّخْفِيفِ، رِفْقًا بِالْمَأْمُومِينَ، وَقَالَ: «إنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَا أُرِيدُ إطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأُخَفِّفُهَا كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
[فَصْلٌ التَّغْلِيسُ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ أَفْضَلُ]
(540) فَصْلٌ: وَأَمَّا صَلَاةُ الصُّبْحِ فَالتَّغْلِيسُ بِهَا أَفْضَلُ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي مُوسَى وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُغَلِّسُونَ، وَمُحَالٌ أَنْ يَتْرُكُوا الْأَفْضَلَ، وَيَأْتُوا الدُّونَ، وَهُمْ النِّهَايَةُ فِي إتْيَانِ الْفَضَائِلِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالِ الْمَأْمُومِينَ، فَإِنْ أَسْفَرُوا فَالْأَفْضَلُ الْإِسْفَارُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْعِشَاءِ، كَمَا ذَكَرَ جَابِرٌ، فَكَذَلِكَ فِي الْفَجْرِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: الْأَفْضَلُ الْإِسْفَارُ؛ لِمَا رَوَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَلَنَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَأَبِي بَرْزَةَ، وَقَوْلِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الصُّبْحَ، فَتَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، مَا يُعْرَفْنَ مِنْ الْغَلَسِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَلَّسَ بِالصُّبْحِ، ثُمَّ أَسْفَرَ مَرَّةً، ثُمَّ لَمْ يَعُدْ إلَى الْإِسْفَارِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَهُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «مَا صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةً لِوَقْتِهَا الْآخِرِ مَرَّتَيْنِ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ» . وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَلَيْسَ إسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ.
فَأَمَّا الْإِسْفَارُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِهِمْ، فَالْمُرَادُ بِهِ تَأْخِيرُهَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ طُلُوعُ الْفَجْرِ، وَيَنْكَشِفَ يَقِينًا مِنْ قَوْلِهِمْ: أَسْفَرَتْ الْمَرْأَةُ، إذَا كَشَفَتْ وَجْهَهَا.
[فَصْلٌ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا]
(541) فَصْلٌ: وَلَا يَأْثَمُ بِتَعْجِيلِ الصَّلَاةِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا، وَلَا بِتَأْخِيرِ مَا يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهُ، إذَا أَخَّرَهُ عَازِمًا عَلَى فِعْلِهِ، مَا لَمْ يَخْرُجْ الْوَقْتُ، أَوْ يَضِيقُ عَنْ فِعْلِ الْعِبَادَةِ جَمِيعِهَا؛ لِأَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّاهَا بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَآخِرِهِ، وَصَلَّاهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَآخِرِهِ «وَقَالَا: الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ» وَلِأَنَّ الْوُجُوبَ مُوَسَّعٌ فَهُوَ كَالتَّكْفِيرِ، يَجِبُ مُوَسَّعًا بَيْنَ الْأَعْيَانِ، فَإِنْ أَخَّرَ غَيْرَ عَازِمٍ عَلَى الْفِعْلِ أَثِمَ بِذَلِكَ التَّأْخِيرِ الْمُقْتَرِنِ بِالْعَزْمِ، وَإِنْ أَخَّرَهَا بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَتَّسِعُ لِجَمِيعِ الصَّلَاةِ أَثِمَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الرَّكْعَةَ الْأَخِيرَةَ مِنْ جُمْلَةِ الصَّلَاةِ، فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ الْوَقْتِ، كَالْأُولَى.