المغني لابن قدامةصفحات 53-92
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،

صفحات 53-92
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
المغني لابن قدامة
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
مكتبة القاهرة
الطبعة
بدون طبعة
عدد الأجزاء
10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

إلَّا بِمُطَالَبَةِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَسْتَوْفِي حَقًّا لِمَنْ لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ مُطَالَبَتِهِ، فَإِنْ طَلَبَ صَاحِبُهُ؛ ذَلِكَ نَقَضَهُ.
وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي قَبْلَهُ لَا يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، نُقِضَتْ قَضَايَاهُ الْمُخَالِفَةُ لِلصَّوَابِ كُلُّهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ أَوْ لَا يَسُوغُ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَقَضَاؤُهُ كَلَا قَضَاءٍ، لِعَدَمِ شَرْطِ الْقَضَاءِ فِيهِ، وَلَيْسَ فِي نَقْضِ قَضَايَاهُ نَقْضُ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَيْسَ بِاجْتِهَادٍ، وَلَا يَنْقُضُ مَا وَافَقَ الصَّوَابَ؛ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي نَقْضِهِ، فَإِنَّ الْحَقَّ وَصَلَ إلَى مُسْتَحِقِّهِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَنْقُضُ قَضَايَاهُ كُلَّهَا؛ مَا أَخْطَأَ فِيهِ وَمَا أَصَابَ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ وُجُودَ قَضَائِهِ كَعَدَمِهِ.
وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ فَائِدَةً، فَإِنَّ الْحَقَّ لَوْ وَصَلَ إلَى مُسْتَحِقِّهِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ، لَمْ يُغَيَّرْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ بِقَضَاءٍ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ وَحُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يُزِيلُ الشَّيْءَ عَنْ صِفَتِهِ]

(8242) فَصْلٌ: وَحُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يُزِيلُ الشَّيْءَ عَنْ صِفَتِهِ، فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ؛ مِنْهُمْ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُد، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِعَقْدٍ أَوْ فَسْخٍ أَوْ طَلَاقٍ، نَفَذَ حُكْمُهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ تَعَمَّدَا الشَّهَادَةَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، فَقَبِلَهُمَا الْقَاضِي بِظَاهِرِ عَدَالَتِهِمَا، فَفَرَّقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، لَجَازَ لِأَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ نِكَاحُهَا بَعْدَ قَضَاءِ عِدَّتِهَا، وَهُوَ عَالِمٌ بِتَعَمُّدِهِ الْكَذِبَ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى نِكَاحَ امْرَأَةٍ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ، وَأَقَامَ شَاهِدَيْ زُورٍ، فَحَكَمَ الْحَاكِمُ، حَلَّتْ لَهُ بِذَلِكَ، وَصَارَتْ زَوْجَتَهُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَتَفَرَّدَ أَبُو حَنِيفَةَ، فَقَالَ: لَوْ اسْتَأْجَرَتْ امْرَأَةٌ شَاهِدَيْنِ، شَهِدَا لَهَا بِطَلَاقِ زَوْجِهَا، وَهُمَا يَعْلَمَانِ كَذِبَهُمَا وَتَزْوِيرَهُمَا، فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِطَلَاقِهَا، لَحَلَّ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ، وَحَلَّ لِأَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ نِكَاحُهَا.
وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى عَلَى امْرَأَةٍ نِكَاحَهَا.
فَرَفَعَهَا إلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَشَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ بِذَلِكَ، فَقَضَى بَيْنَهُمَا بِالزَّوْجِيَّةِ، فَقَالَتْ: وَاَللَّهِ مَا تَزَوَّجَنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اعْقِدْ بَيْنَنَا عَقْدًا حَتَّى أَحِلَّ لَهُ.
فَقَالَ: شَاهِدَاك زَوَّجَاك.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ ثَبَتَ بِحُكْمِهِ.
وَلِأَنَّ اللِّعَانِ يَنْفَسِخُ بِهِ النِّكَاحُ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَاذِبًا، فَالْحُكْمُ أَوْلَى.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ يَكُونُ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَضَيْت لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَذَا يَدْخُلُ فِيهِ مَا إذَا ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ شَيْئًا، فَحَكَمَ لَهُ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ بِشَهَادَةِ زُورٍ، فَلَا يُحِلُّ لَهُ مَا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ، كَالْمَالِ الْمُطْلَقِ.

وَأَمَّا الْخَبَرُ عَنْ عَلِيٍّ إنْ صَحَّ، فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ التَّزْوِيجَ إلَى الشَّاهِدَيْنِ، لَا إلَى حُكْمِهِ، وَلَمْ يُجِبْهَا إلَى التَّزْوِيجِ؛ لِأَنَّ فِيهِ طَعْنًا عَلَى الشُّهُودِ.
فَأَمَّا اللِّعَانُ، فَإِنَّمَا حَصَلْت الْفُرْقَةُ بِهِ، لَا بِصِدْقِ الزَّوْجِ، وَلِهَذَا لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِهِ، لَمْ يَنْفَسِخْ النِّكَاحُ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِذَا شَهِدَ عَلَى امْرَأَةٍ بِنِكَاحٍ، وَحَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ، وَلَمْ تَكُنْ زَوْجَتَهُ، فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ، وَيَلْزَمُهَا فِي الظَّاهِرِ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مَا أَمْكَنَهَا، فَإِنْ أَكْرَهَهَا عَلَيْهِ، فَالْإِثْمُ عَلَيْهِ دُونَهَا، وَإِنْ وَطِئَهَا الرَّجُلُ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ.
وَقِيلَ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ مُخْتَلَفٌ فِي حِلِّهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ غَيْرَهُ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: تَحِلُّ لِزَوْجٍ ثَانٍ، غَيْرَ أَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْهُ فِي الْحُكْمِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ النِّكَاحُ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا يَقْضِي إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْوَطْءِ لِلْمَرْأَةِ مِنْ اثْنَيْنِ، أَحَدُهُمَا يَطَؤُهَا بِحُكْمِ الظَّاهِرِ، وَالْآخَرُ، بِحُكْمِ الْبَاطِنِ.
وَهَذَا فَسَادٌ، فَلَا يُشْرَعُ، وَلِأَنَّهَا مَنْكُوحَةٌ لِهَذَا الَّذِي قَامَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ، فِي قَوْلِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ، فَلَمْ يَجُزْ تَزْوِيجُهَا لِغَيْرِهِ، كَالْمُتَزَوِّجَةِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ.
وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ، عَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةً أُخْرَى، مِثْلَ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، فِي أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يُزِيلُ الْفُسُوخَ وَالْعُقُودَ.
وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ.

[فَصْلٌ وَإِذَا اسْتَعْدَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ إلَى الْحَاكِمِ]

(8243) فَصْل: وَإِذَا اسْتَعْدَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ إلَى الْحَاكِمِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُعْدِيَهُ، وَيَسْتَدْعِيَ خَصْمَهُ، سَوَاءٌ عَلِمَ بَيْنَهُمَا مُعَامَلَةً أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَعْدِي مِمَّنْ يُعَامِلُ الْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ أَوْ لَا يُعَامِلُهُ، كَالْفَقِيرِ يَدَّعِي عَلَى ذِي ثَرْوَةٍ وَهَيْئَةٍ.
نَصَّ عَلَى هَذَا، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، فِي الرَّجُلِ يَسْتَعْدِي، عَلَى الْحَاكِمِ، أَنَّهُ يُحْضِرُهُ وَيَسْتَحْلِفُهُ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ تَضْيِيعًا لِلْحُقُوقِ، وَإِقْرَارًا لِلظُّلْمِ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهُ الْحَقُّ عَلَى مَنْ هُوَ أَرْفَعُ مِنْهُ بِغَصْبٍ، أَوْ يَشْتَرِي مِنْهُ شَيْئًا وَلَا يُوَفِّيهِ، أَوْ يُودِعُهُ شَيْئًا، أَوْ يُعِيرُهُ إيَّاهُ فَلَا يَرُدُّهُ، وَلَا تُعْلَمُ بَيْنَهُمَا مُعَامَلَةٌ، فَإِذَا لَمْ يَعْدُ عَلَيْهِ، سَقَطَ حَقُّهُ، وَهَذَا أَعْظَمُ ضَرَرًا مِنْ حُضُورِ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ، فَإِنَّهُ لَا نَقِيصَةَ فِيهِ، وَقَدْ حَضَرَ عُمَرُ وَأُبَيُّ عِنْدَ زَيْدٍ، وَحَضَرَ هُوَ وَآخَرُ عِنْدَ شُرَيْحٍ، وَحَضَرَ عَلِيٌّ عِنْدَ شُرَيْحٍ وَحَضَرَ الْمَنْصُورُ عِنْدَ رَجُلٍ وَلَدِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا يَسْتَدْعِيهِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ بَيْنَهُمَا مُعَامَلَةً، وَيَتَبَيَّنَ أَنَّ لِمَا ادَّعَاهُ أَصْلًا.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ فِي ادِّعَائِهِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ تَبْذِيلَ أَهْلِ الْمُرُوءَاتِ، وَإِهَانَةً لِذَوِي الْهَيْئَاتِ، فَإِنَّهُ لَا يَشَاءُ أَحَدٌ أَنْ يَبْذُلَهُمْ عِنْدَ الْحَاكِمِ إلَّا فَعَلَ، وَرُبَّمَا فَعَلَ هَذَا مَنْ لَا حَقَّ لَهُ لِيَفْتَدِيَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ حُضُورِهِ وَشَرِّ خَصْمِهِ بِطَائِفَةٍ مِنْ مَالِهِ، وَالْأُولَى أَوْلَى؛ لِأَنَّ ضَرَرَ تَضْيِيعِ الْحَقِّ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا.
وَلِلْمُسْتَدْعَى عَلَيْهِ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ أَنْ كَرِهَ الْحُضُورَ.
وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَدْعَى عَلَيْهِ امْرَأَةً

نَظَرْت؛ فَإِنْ كَانَتْ بَرْزَةً، وَهِيَ الَّتِي تَبْرُزُ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهَا، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الرَّجُلِ.
وَإِنْ كَانَتْ مُخَدَّرَةً، وَهِيَ الَّتِي لَا تَبْرُزُ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهَا، أُمِرَتْ بِالتَّوْكِيلِ.
فَإِنْ تَوَجَّهْت الْيَمِينُ عَلَيْهَا، بَعَثَ الْحَاكِمُ أَمِينًا مَعَهُ شَاهِدَانِ، فَيَسْتَحْلِفُهَا بِحَضْرَتِهِمَا، فَإِنْ أَقَرَّتْ، شَهِدَا عَلَيْهَا.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْحَاكِمَ يَبْعَثُ مَنْ يَقْضِيَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَصْمِهَا فِي دَارِهَا.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» فَبَعَثَ إلَيْهَا وَلَمْ يَسْتَدْعِهَا.
وَإِذَا حَضَرُوا عِنْدَهَا، كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمْ سِتْرٌ تَتَكَلَّمُ مِنْ وَرَائِهِ، فَإِنْ اعْتَرَفَتْ لِلْمُدَّعِي أَنَّهَا خَصْمُهُ، حَكَمَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ أَنْكَرَتْ ذَلِكَ، جِيءَ بِشَاهِدَيْنِ مِنْ ذَوِي رَحِمِهَا، يَشْهَدَانِ أَنَّهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهَا، ثُمَّ يُحْكَمُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، الْتَحَفَتْ بِجِلْبَابِهَا، وَأُخْرِجَتْ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ.
وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى، إنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا، وَإِذَا كَانَتْ خَفِرَةً، مَنَعَهَا الْحَيَاءُ مِنْ النُّطْقِ بِحُجَّتِهَا، وَالتَّعْبِيرِ عَنْ نَفْسِهَا، سِيَّمَا مَعَ جَهْلِهَا بِالْحُجَّةِ، وَقِلَّةِ مَعْرِفَتِهَا بِالشَّرْعِ وَحُجَجِهِ.
(8244) فَصْلٌ: وَلَا يَخْلُو الْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا؛ فَإِنْ كَانَ حَاضِرًا فِي الْبَلَدِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، فَإِنْ شَاءَ الْحَاكِمُ بَعَثَ مَعَ الْمُسْتَعِدِّي عَوْنًا يُحْضِرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ شَاءَ بَعَثَ مَعَهُ قِطْعَةً مِنْ شَمْعٍ أَوْ طِينٍ مَخْتُومًا بِخَاتَمِهِ، فَإِذَا بَعَثَ مَعَهُ خَتْمًا، فَعَادَ فَذَكَرَ أَنَّهُ امْتَنَعَ، أَوْ كَسَرَ الْخَتْمَ، بَعَثَ إلَيْهِ عُيُونًا، فَإِنْ امْتَنَعَ، أَنْفَذَ صَاحِبَ الْمَعُونَةِ فَأَحْضَرَهُ، فَإِذَا حَضَرَ وَشَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ بِالِامْتِنَاعِ، عَزَّرَهُ إنْ رَأَى ذَلِكَ، بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ، تَأْدِيبًا لَهُ إمَّا بِالْكَلَامِ وَكَشْفِ رَأْسِهِ، أَوْ بِالضَّرْبِ أَوْ بِالْحَبْسِ، فَإِنْ اخْتَبَأَ بَعَثَ الْحَاكِمُ مَنْ يُنَادِي عَلَى بَابِهِ ثَلَاثًا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَحْضُرْ سَمَّرَ بَابَهُ، وَخَتَمَ عَلَيْهِ، وَيَجْمَعُ أَمَاثِلَ جِيرَانِهِ وَيُشْهِدُهُمْ عَلَى إعْذَارِهِ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ، وَسَأَلَ الْمُدَّعِي أَنْ يُسَمَّرَ عَلَيْهِ مَنْزِلُهُ، وَيَخْتِمَ عَلَيْهِ.
وَتَقَرَّرَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّ الْمَنْزِلَ مَنْزِلُهُ، سَمَّرَهُ أَوْ خَتَمَهُ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ، بَعَثَ الْحَاكِمُ مَنْ يُنَادِي عَلَى بَابِهِ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْ عَدْلٍ، أَنَّهُ إنْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَ فُلَانٍ، أَقَامَ عَنْهُ وَكِيلًا، وَحَكَمَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ، أَقَامَ عَنْهُ وَكِيلًا، وَسَمِعَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ، وَحَكَمَ عَلَيْهِ كَمَا يَحْكُمُ عَلَى الْغَائِبِ، وَقَضَى حَقَّهُ مِنْ مَالِهِ إنْ وَجَدَ لَهُ مَالًا.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ.
حَكَاهُ عَنْهُمْ أَحْمَدُ.
وَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَالًا، وَلَمْ تَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، فَكَانَ أَحْمَدُ يُنْكِرُ التَّهَجُّمَ عَلَيْهِ، وَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ حَتَّى يُظْهِرَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ عَلِمَ لَهُ مَكَانًا، أَمَرَ بِالْهُجُومِ عَلَيْهِ، فَيَبْعَثُ خُصْيَانًا أَوْ غِلْمَانًا لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ، وَثِقَاتٍ مِنْ النِّسَاءِ مَعَهُمْ ذَوُو عَدْلٍ مِنْ الرِّجَالِ، فَيُدْخِلُ النِّسَاءَ وَالصَّبِيَّانِ، فَإِذَا حَصَلُوا فِي صَحْنِ الدَّارِ دَخَلَ الرِّجَالُ، وَيُؤْمَرُ الْخُصْيَانُ بِالتَّفْتِيشِ، وَيَتَفَقَّدُ النِّسَاءُ النِّسَاءَ، فَإِنْ ظَفِرُوا بِهِ، أَخَذُوهُ فَأَحْضَرُوهُ.
وَإِنْ اسْتَعْدَى عَلَى غَائِبٍ

نَظَرْت؛ فَإِنْ كَانَ الْغَائِبُ فِي غَيْرِ وِلَايَةِ الْقَاضِي، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعَدِّي عَلَيْهِ، وَلَهُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِنْ كَانَ فِي وِلَايَتِهِ، وَلَهُ فِي بَلَدِهِ خَلِيفَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ، ثَبَتَ الْحَقُّ عِنْدَهُ، وَكَتَبَ بِهِ إلَى خَلِيفَتِهِ، وَلَمْ يُحْضِرْهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، حَاضِرَةٌ، نَفَّذَهُ إلَى خَصْمِهِ لِيُخَاصِمَهُ عِنْدَ خَلِيفَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ خَلِيفَةٌ، وَكَانَ فِيهِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، أَذِنَ لَهُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، قِيلَ لَهُ: حَرِّرْ دَعْوَاك؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا يَدَّعِيهِ لَيْسَ بِحَقٍّ عَنَدَهُ، كَالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ، وَقِيمَةِ الْكَلْبِ، أَوْ خَمْرِ الذِّمِّيِّ، فَلَا يُكَلِّفُهُ الْحُضُورَ لِمَا لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ، مَعَ الْمَشَقَّةِ فِيهِ، بِخِلَافِ الْحَاضِرِ، فَإِنَّهُ لَا مَشَقَّةَ فِي حُضُورِهِ، فَإِذَا تَحَرَّرَتْ، بَعَثَ فَأَحْضَرَ خَصْمَهُ بَعُدَتْ الْمَسَافَةُ أَوْ قَرُبَتْ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْضُرَ وَيَعُودَ فَيَأْوِيَ إلَى مَوْضِعِهِ، أَحْضَرَهُ، وَإِلَّا لَمْ يُحْضِرْهُ، وَيُوجَدُ مَنْ يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا.
وَقِيلَ: إنْ كَانَتْ الْمَسَافَةُ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، أَحْضَرَهُ، وَإِلَّا فَلَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ فَصْلِ الْخُصُومَةِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ إلَّا بِمَشَقَّةٍ، فَعَلَ ذَلِكَ كَمَا لَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْحُضُورِ، فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ وَيُعَزَّرُ، وَلِأَنَّ إلْحَاقَ الْمَشَقَّةِ بِهِ أَوْلَى مِنْ إلْحَاقِهَا بِمَنْ يَنْفُذُهُ الْحَاكِمُ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً بَرْزَةً، لَمْ يُشْتَرَطْ فِي سَفَرِهَا هَذَا مَحْرَمٌ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ لِحَقِّ آدَمِيٍّ، وَحَقُّ الْآدَمِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ وَالضِّيقِ.

[فَصْلٌ وَإِنْ اسْتَعْدَى رَجُل عَلَى الْحَاكِمِ الْمَعْزُولِ]

(8245) فَصْلٌ: وَإِنْ اسْتَعْدَى عَلَى الْحَاكِمِ الْمَعْزُولِ، لَمْ يُعْدِهِ حَتَّى يَعْرِفَ مَا يَدَّعِيهِ، فَيَسْأَلَهُ عَنْهُ، صِيَانَةً لِلْقَاضِي عَنْ الِامْتِهَانِ.
فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ حَقًّا مِنْ دَيْنٍ أَوْ غَصْبٍ، أَعْدَاهُ وَحَكَمَ بَيْنَهُمَا كَغَيْرِ الْقَاضِي.
وَكَذَلِكَ إنْ ادَّعَى أَنَّهُ أَخَذَ مِنْهُ رِشْوَةً عَلَى الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الرِّشْوَةِ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ، فَهِيَ كَالْغَصْبِ.
وَإِنْ ادَّعَى عَلَيْهِ الْجَوْزَ فِي الْحُكْمِ، وَكَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، أَحْضَرَهُ، وَحَكَمَ بِالْبَيِّنَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَيِّنَةٌ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يُحْضِرُهُ؛ لِأَنَّ فِي إحْضَارِهِ وَسُؤَالِهِ امْتِهَانًا لَهُ؛ وَأَعْدَاءُ الْقَاضِي كَثِيرٌ، وَإِذَا فَعَلَ هَذَا مَعَهُ، لَمْ يُؤْمَنْ أَلَّا يَدْخُلَ فِي الْقَضَاءِ أَحَدٌ، خَوْفًا مِنْ عَاقِبَتِهِ.
وَالثَّانِي، يُحْضِرُهُ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَعْتَرِفَ، فَإِنْ حَضَرَ وَاعْتَرَفَ، حَكَمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَنْكَرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْقَاضِي مَقْبُولٌ بَعْدَ الْعَزْلِ، كَمَا يُقْبَلُ فِي وِلَايَتِهِ.
وَإِنْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَتَلَ ابْنَهُ ظُلْمًا، فَهَلْ يَسْتَحْضِرُهُ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، فَإِنْ أَحْضَرَهُ، فَاعْتَرَفَ، حَكَمَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ أَخْرَجَ عَيْنًا مِنْ يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْحَاكِمِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ لِلْمَحْكُومِ لَهُ بِهَا، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

[فَصْلٌ ادَّعَى عَلَى شَاهِدَيْنِ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَيْهِ زُورًا]

(8246) فَصْلٌ: وَإِنْ ادَّعَى عَلَى شَاهِدَيْنِ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَيْهِ زُورًا، أَحْضَرَهُمَا، فَإِنْ اعْتَرَفَا، أَغْرَمَهُمَا، وَإِنْ أَنْكَرَا، وَلِلْمُدَّعِي

بَيِّنَةٌ عَلَى إقْرَارِهِمَا بِذَلِكَ، فَأَقَامَهَا، لَزِمَهُمَا ذَلِكَ، وَإِنْ أَنْكَرَا لَمْ يَسْتَحْلِفَا؛ لِأَنَّ إحْلَافَهُمَا يَطْرُقُ عَلَيْهِمَا الدَّعَاوَى فِي الشَّهَادَةِ وَالِامْتِهَانَ، وَرُبَّمَا مَنَعَ ذَلِكَ إقَامَةَ الشَّهَادَةِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا.

[مَسْأَلَةٌ شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي مَنْ لَا يَعْرِفُ عَدَالَته]

(8247) مَسْأَلَةٌ، قَالَ (وَإِذَا شَهِدَ عِنْدَهُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ، سَأَلَ عَنْهُ، فَإِنْ عَدَّلَهُ اثْنَانِ، قَبِلَ شَهَادَتَهُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ شَاهِدَانِ، فَإِنْ عَرَفَهُمَا عَدْلَيْنِ، حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا، وَإِنْ عَرَفَهُمَا فَاسِقَيْنِ، لَمْ يَقْبَلْ قَوْلَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُمَا، سَأَلَ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْعَدَالَةِ شَرْطٌ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ بِجَمِيعِ الْحُقُوقِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: يَحْكُمُ بِشَهَادَتِهِمَا إذَا عَرَفَ إسْلَامَهُمَا، بِظَاهِرِ الْحَالِ، إلَّا أَنْ يَقُولَ الْخَصْمُ: هُمَا فَاسِقَانِ.
وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَالْمَالُ وَالْحَدُّ فِي هَذَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْعَدَالَةُ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَرُوِيَ «، أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَشَهِدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ . فَقَالَ: نَعَمْ.
فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ . قَالَ: نَعَمْ.
فَصَامَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصِّيَامِ» . وَلِأَنَّ الْعَدَالَةَ أَمْرٌ خَفِيٌّ، سَبَبُهَا الْخَوْفُ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى، وَدَلِيلُ ذَلِكَ الْإِسْلَامُ، فَإِذَا وُجِدَ، فَلْيَكْتَفِ بِهِ، مَا لِمَ يَقُمْ عَلَى خِلَافِهِ دَلِيلٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ كَالرِّوَايَةِ الْأُولَى، وَفِي سَائِرِ الْحُقُوقِ كَالثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ مِمَّا يُحْتَاطُ لَهَا وَتَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا وَلَنَا، أَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ، فَوَجَبَ الْعِلْمُ بِهَا كَالْإِسْلَامِ، أَوْ كَمَا لَوْ طَعَنَ الْخَصْمُ فِيهِمَا.
فَأَمَّا الْأَعْرَابِيُّ الْمُسْلِمُ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُمْ بِثَنَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ دِينَهُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إيثَارًا لِدِينِ الْإِسْلَامِ، وَصُحْبَةِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ.
وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ، فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّ الظَّاهِرَ الْعَدَالَةُ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ وُجُوبَ الْبَحْثِ، وَمَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الْعَدَالَةِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ، أَنَّهُ أُتِيَ بِشَاهِدَيْنِ، فَقَالَ لَهُمَا عُمَرُ: لَسْت أَعْرِفُكُمَا، وَلَا يَضُرُّكُمَا إنْ لَمْ أَعْرِفْكُمَا، جِيئَا بِمَنْ يَعْرِفُكُمَا.
فَأَتَيَا بِرَجُلٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تَعْرِفُهُمَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
فَقَالَ عُمَرُ: صَحِبْتهمَا فِي السَّفَرِ الَّذِي تَبِينُ فِيهِ جَوَاهِرُ النَّاسِ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: عَامَلْتهمَا فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ الَّتِي تُقْطَعُ فِيهَا الرَّحِمُ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: كُنْت جَارًا لَهُمَا تَعْرِفُ صَبَاحَهُمَا وَمَسَاءَهُمَا؟ قَالَ لَا.
قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، لَسْت تَعْرِفُهُمَا، جِيئَا بِمَنْ يَعْرِفُكُمَا وَهَذَا بَحْثٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِدُونِهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الشَّاهِدَ يُعْتَبَرُ فِيهِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ؛ الْإِسْلَامُ وَالْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ، وَالْعَدَالَةُ، وَلَيْسَ فِيهَا

مَا يَخْفَى وَيَحْتَاجُ إلَى الْبَحْثِ إلَّا الْعَدَالَةُ، فَيَحْتَاجُ إلَى الْبَحْثِ عَنْهَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] . وَلَا نَعْلَمُ أَنَّهُ مَرْضِيٌّ حَتَّى نَعْرِفَهُ، أَوْ نُخْبَرَ عَنْهُ، فَيَأْمُرُ الْحَاكِمُ بِكَتْبِ أَسْمَائِهِمْ، وَكُنَاهُمْ، وَنَسَبِهِمْ، وَيُرْفَعُونَ فِيهَا بِمَا يَتَمَيَّزُونَ بِهِ عَنْ غَيْرِهِمْ، وَيَكْتُبُ صَنَائِعَهُمْ، وَمَعَايِشَهُمْ، وَمَوْضِعَ مَسَاكِنِهِمْ، وَصَلَاتِهِمْ؛ لِيَسْأَلَ عَنْ جِيرَانِهِمْ، وَأَهْلِ سُوقِهِمْ وَمَسْجِدِهِمْ، وَمَحَلَّتِهِمْ، وَنِحْلَتِهِمْ، فَيَكْتُبُ: أَسْوَدُ أَوْ أَبْيَضُ، أَوْ أَنْزَعُ أَوْ أَغَمُّ، أَوَأَشْهَلُ أَوْ أَكْحَلُ، أَقْنَى الْأَنْفِ أَوْ أَفْطَسُ، أَوْ رَقِيقُ الشَّفَتَيْنِ أَوْ غَلِيظُهُمَا، طَوِيلٌ أَوْ قَصِيرٌ أَوْ رَبْعَةٌ، وَنَحْوَ هَذَا، لِيَتَمَيَّزَ، وَلَا يَقَعُ اسْمٌ عَلَى اسْمٍ، وَيَكْتُبُ اسْمَ الْمَشْهُودِ لَهُ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَقَدْرَ الْحَقِّ، وَيَكْتُبُ ذَلِكَ كُلَّهُ لِأَصْحَابِ مَسَائِلِهِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ رُقْعَةً.
وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا الْمَشْهُودَ لَهُ، لِئَلَّا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّاهِدِ قَرَابَةٌ تَمْنَعُ الشَّهَادَةَ، أَوْ شَرِكَةٌ، وَذَكَرْنَا اسْمَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ؛ لِئَلَّا تَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّاهِدِ عَدَاوَةٌ، وَذَكَرْنَا قَدْرَ الْحَقِّ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ مِمَّنْ يَرَوْنَ قَبُولَهُ فِي الْيَسِيرِ دُونِ الْكَثِيرِ، فَتَطِيبُ نَفْسُ الْمُزَكَّى بِهِ إذَا كَانَ يَسِيرًا، وَلَا تَطِيبُ إذَا كَانَ كَثِيرًا.
وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُخْفِيَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ مَسَائِلِهِ مَا يُعْطِي الْآخَرَ مِنْ الرِّقَاعِ؛ لِئَلَّا يَتَوَاطَئُوا.
وَإِنْ شَاءَ الْحَاكِمُ عَيَّنَ لِصَاحِبِ مَسَائِلِهِ مَنْ يَسْأَلُهُ مِمَّنْ يَعْرِفُهُ، مِنْ جِوَارِ الشَّاهِدِ، وَأَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ أَطْلَقَ، وَلَمْ يُعَيِّنْ الْمَسْئُولَ، وَيَكُونُ السُّؤَالُ سِرًّا؛ لِئَلَّا يَكُونَ فِيهِ هَتْكُ الْمَسْئُولِ عَنْهُ، وَرُبَّمَا يَخَافُ الْمَسْئُولُ مِنْ الشَّاهِدَ أَوْ مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ أَوْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَ بِمَا عِنْدَهُ، أَوْ يَسْتَحْيِيَ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَصْحَابُ مَسَائِلِهِ غَيْرَ مَعْرُوفِينَ لَهُ؛ لِئَلَّا يُقْصَدُوا بِهَدِيَّةِ أَوْ رِشْوَةٍ، وَأَنْ يَكُونُوا أَصْحَابَ عَفَافٍ فِي الطُّعْمَةِ وَالْأَنْفُسِ، ذَوِي عُقُولٍ وَافِرَةٍ، أَبْرِيَاءَ مِنْ الشَّحْنَاءِ وَالْبُغْضِ؛ لِئَلَّا يَطْعَنُوا فِي الشُّهُودِ، أَوْ يَسْأَلُوا عَنْ الشَّاهِدِ عَدُوَّهُ فَيَطْعَنَ فِيهِ، فَيَضِيعَ حَقُّ الْمَشْهُودِ لَهُ، وَلَا يَكُونُونَ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْعَصَبِيَّةِ، يَمِيلُونَ إلَى مَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ، وَيَكُونُونَ أُمَنَاءَ ثِقَاتٍ؛ لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ أَمَانَةٍ.
فَإِذَا رَجَعَ أَصْحَابُ مَسَائِلِهِ، فَأَخْبَرَ اثْنَانِ بِالْعَدَالَةِ، قَبِلَ شَهَادَتَهُ، وَإِنْ أَخْبَرَا بِالْجَرْحِ، رَدَّ شَهَادَتَهُ، وَإِنْ أَخْبَرَ أَحَدُهُمَا بِالْعَدَالَةِ، وَالْآخِرُ بِالْجَرْحِ، بَعَثَ آخَرَيْنِ، فَإِنْ عَادَا فَأَخْبَرَا بِالتَّعْدِيلِ، تَمَّتْ بَيِّنَةُ التَّعْدِيلِ، وَسَقَطَ الْجَرْحُ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ لَمْ تَتِمَّ، وَإِنْ أَخْبَرَا بِالْجَرْحِ، ثَبَتَ وَرَدَّ الشَّهَادَةَ، وَإِنْ أَخْبَرَ أَحَدُهُمَا بِالْجَرْحِ وَالْآخَرُ بِالتَّعْدِيلِ، تَمَّتْ الْبَيِّنَتَانِ، وَيُقَدِّمُ الْجَرْحَ، وَلَا يَقْبَلُ الْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ، وَيَقْبَلُ قَوْلَ أَصْحَابِ الْمَسَائِلِ.
وَقِيلَ: لَا يَقْبَلُ إلَّا شَهَادَةَ الْمَسْئُولِينَ، وَيُكَلِّفُ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا بِالتَّزْكِيَةِ وَالْجَرْحِ عِنْدَهُ، عَلَى شُرُوطِ الشَّهَادَةِ فِي اللَّفْظِ وَغَيْرِهِ، وَلَا تُقْبَلُ مِنْ صَاحِبِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ، مَعَ حُضُورِ شُهُودِ الْأَصْلِ.

وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، أَنَّ شَهَادَةَ أَصْحَابِ الْمَسَائِلِ شَهَادَةُ اسْتِفَاضَةٍ، لَا شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ، فَيَكْتَفِي بِمَنْ يَشْهَدُ بِهَا، كَسَائِرِ شَهَادَاتِ الِاسْتِفَاضَةِ؛ وَلِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ فَلَا يَلْزَمُ الْمُزَكِّيَ الْحُضُورُ لِلتَّزْكِيَةِ، وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ إجْبَارُهُ عَلَيْهَا، فَصَارَ كَالْمَرَضِ وَالْغَيْبَةِ فِي سَائِرِ الشَّهَادَاتِ، وَلِأَنَّنَا لَوْ لَمْ نَكْتَفِ بِشَهَادَةِ أَصْحَابِ الْمَسَائِلِ، لَتَعَذَّرَتْ التَّزْكِيَةُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَّفِقُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي جِيرَانِ الشَّاهِدِ مَنْ يَعْرِفُهُ الْحَاكِمُ، فَلَا يَقْبَلُ قَوْلَهُ، فَيَفُوتُ التَّعْدِيلُ وَالْجَرْحُ.

[فَصْلٌ مِنْ شُرُوط الشَّاهِد إسْلَامه]

(8248) فَصْلٌ: قَالَ الْقَاضِي: وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ إسْلَامِ الشَّاهِدِ، وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِأَحَدِ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ؛ أَحَدُهَا، إخْبَارُهُ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، أَوْ إتْيَانُهُ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا صَارَ مُسْلِمًا بِذَلِكَ.
الثَّانِي، اعْتِرَافُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِإِسْلَامِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ عَلَيْهِ.
الثَّالِثُ، خِبْرَةُ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّنَا اكْتَفَيْنَا بِذَلِكَ فِي عَدَالَتِهِ، فَكَذَلِكَ فِي إسْلَامِهِ.
الرَّابِعُ، بَيِّنَةٌ تَقُومُ بِهِ.
وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْحُرِّيَّةِ فِي مَوْضِعٍ تُعْتَبَرُ فِيهِ، وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ أَحَدُ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ؛ بَيِّنَةٌ، أَوْ اعْتِرَافُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، أَوْ خِبْرَةُ الْحَاكِمِ.
وَلَا يَكْفِي اعْتِرَافُ الشَّاهِدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَصِيرَ حُرًّا، فَلَا يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ بِهِ، بِخِلَافِ الْإِسْلَامِ.

[فَصْلٌ شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ مَجْهُولُ الْحَالِ]

(8249) فَصْلٌ: وَإِذَا شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ مَجْهُولُ الْحَالِ، فَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: هُوَ عَدْلٌ.
فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَلْزَمُ الْحَاكِمَ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِ؛ لِأَنَّ الْبَحْثَ عَنْ عَدَالَتِهِ لِحَقِّ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَقَدْ اعْتَرَفَ بِهَا، وَلِأَنَّهُ إذَا أَقَرَّ بِعَدَالَتِهِ، فَقَدْ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ الْحُكْمَ لِخَصْمِهِ عَلَيْهِ، فَيُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ، كَسَائِرِ أَقَارِيرِهِ.
وَالثَّانِي، لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِ؛ لِأَنَّ فِي الْحُكْمِ بِهَا تَعْدِيلًا لَهُ، فَلَا يَثْبُتُ بِقَوْلِ وَاحِدٍ، وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ الْعَدَالَةِ فِي الشَّاهِدِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا لَوْ رَضِيَ الْخَصْمُ بِأَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ فَاسِقٍ، لَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ بِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو؛ إمَّا أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ مَعَ تَعْدِيلِهِ، أَوْ مَعَ انْتِفَائِهِ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ مَعَ تَعْدِيلِهِ؛ لِأَنَّ التَّعْدِيلَ لَا يَثْبُتُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ، وَلَا يَجُوزُ مَعَ انْتِفَاءِ تَعْدِيلِهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِشَهَادَةِ غَيْرِ الْعَدْلِ غَيْرُ جَائِزٍ، بِدَلِيلِ شَهَادَةِ مَنْ ظَهَرَ فِسْقُهُ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ مِثْلُ هَذَا، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، فَلَا يَثْبُتُ تَعْدِيلُهُ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ بَيِّنَةُ التَّعْدِيلِ، وَإِنَّمَا حُكِمَ عَلَيْهِ لِإِقْرَارِهِ بِوُجُودِ شُرُوطِ الْحُكْمِ، وَإِقْرَارُهُ يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ دُونَ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِحَقٍّ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ، ثَبَتَ فِي حَقِّهِ دُونَ غَيْرِهِ.

[مَسْأَلَةٌ عَدَّلَ الشَّاهِد اثْنَانِ وَجَرَّحَهُ اثْنَانِ]

(8250) مَسْأَلَةٌ، قَالَ: (وَإِنْ عَدَّلَهُ اثْنَانِ، وَجَرَّحَهُ اثْنَانِ، فَالْجِرَاحَةُ أَوْلَى) وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُنْظَرُ أَيُّهُمَا أَعْدَلُ؟ اللَّذَانِ جَرَّحَاهُ، أَوْ اللَّذَانِ عَدَّلَاهُ؟ فَيُؤْخَذُ بِقَوْلِ أَعْدَلِهِمَا.
وَلَنَا، أَنَّ الْجَارِحَ مَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ خَفِيَتْ عَلَى الْمُعَدِّلِ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ؛ لِأَنَّ التَّعْدِيلَ يَتَضَمَّنُ تَرْكَ الرَّيْبِ وَالْمَحَارِمِ، وَالْجَارِحُ مُثْبِتٌ لِوُجُودِ ذَلِكَ، وَالْإِثْبَاتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّفْيِ، وَلِأَنَّ الْجَارِحَ يَقُولُ: رَأَيْته يَفْعَلُ كَذَا.
وَالْمُعَدِّلُ مُسْتَنَدُهُ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ يَفْعَلُ، وَيُمْكِنُ صِدْقُهُمَا، وَالْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلَيْهِمَا بِأَنْ يَرَاهُ الْجَارِحُ يَفْعَلُ الْمَعْصِيَةَ، وَلَا يَرَاهُ الْمُعَدِّلُ، فَيَكُونُ مَجْرُوحًا.

[فَصْلٌ وَلَا يُقْبَلُ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ]

(8251) فَصْلٌ: وَلَا يُقْبَلُ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ: يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْ وَاحِدٍ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ، فَقُبِلَ مِنْ وَاحِدٍ، كَالرِّوَايَةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ إثْبَاتُ صِفَةِ مَنْ يَبْنِي الْحَاكِمُ حُكْمَهُ عَلَى صِفَتِهِ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْعَدَدُ، كَالْحَضَانَةِ، وَفَارَقَ الرِّوَايَةَ؛ فَإِنَّهَا عَلَى الْمُسَاهَلَةِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا لَا تَفْتَقِرُ إلَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ، وَيُعْتَبَرُ فِي التَّعْدِيلِ وَالْجَرْحِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ، فَيَقُولُ فِي التَّعْدِيلِ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ.
وَيَكْفِي هَذَا.
وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: عَلَيَّ وَلِي.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِهِ يَقُولُ شُرَيْحٌ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، وَمَالِكٌ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ.
وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: لَا يَكْفِيهِ إلَّا أَنْ يَقُولَ: عَدْلٌ عَلَيَّ وَلِي.
وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْلِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِئَلَّا تَكُونَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ أَوْ قَرَابَةٌ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِئَلَّا يَكُونَ عَدْلًا فِي شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] فَإِذَا شَهِدَا أَنَّهُ عَدْلٌ، ثَبَتَ ذَلِكَ بِشَهَادَتِهِمَا، فَيَدْخُلُ ذَلِكَ فِي عُمُومِ الْأَمْرِ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَدْلًا، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَفِي حَقِّ سَائِرِ النَّاسِ، وَفِي كُلِّ شَيْءٍ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ.
وَلَا يَصِحُّ مَا ذَكَرُوهُ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَكُونُ عَدْلًا فِي شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، وَلَا فِي حَقِّ شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ، فَإِنَّهَا لَا تُوصَفُ بِهَذَا، وَلَا تَنْتَفِي أَيْضًا بِقَوْلِهِ: عَدْلٌ وَلِي فَإِنَّ مَنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ، لَمْ تَزُلْ بِقَرَابَةٍ وَلَا عَدَاوَةٍ، وَإِنَّمَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِلتُّهْمَةِ مَعَ كَوْنِهِ عَدْلًا، ثُمَّ إنَّ هَذَا إذَا كَانَ مَعْلُومًا انْتِقَاؤُهُ بَيْنَهُمَا، لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِهِ وَلَا نَفْيِهِ عَنْ نَفْسِهِ، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِالْحَقِّ مَنْ عَرَفَ الْحَاكِمُ عَدَالَتَهُ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى أَنْ يَنْفِيَ

عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْعَدَاوَةَ لَا تَمْنَعُ مِنْ شَهَادَتِهِ لَهُ بِالتَّزْكِيَةِ، وَإِنَّمَا تَمْنَعُ الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ، وَهَذَا شَاهِدٌ لَهُ بِالتَّزْكِيَةِ وَالْعَدَالَةِ، فَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى نَفْيِ الْعَدَاوَةِ.

[فَصْل يَقُولَ لَا أَعْلَمُ مِنْ الشَّاهِد إلَّا الْخَيْرَ]

(8252) فَصْلٌ: وَلَا يَكْفِي أَنْ يَقُولَ: لَا أَعْلَمُ مِنْهُ إلَّا الْخَيْرَ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَكْفِي؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهِ، وَلَا يَعْلَمُ إلَّا الْخَيْرَ، فَهُوَ عَدْلٌ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالتَّعْدِيلِ، فَلَمْ يَكُنْ تَعْدِيلًا، كَمَا لَوْ قَالَ: أَعْلَمُ مِنْهُ خَيْرًا.
وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْجَاهِلَ بِحَالِ أَهْلِ الْفِسْقِ، لَا يَعْلَمُ مِنْهُمْ إلَّا الْخَيْرَ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ إسْلَامَهُمْ، وَهُوَ خَيْرٌ، وَلَا يَعْلَمُ مِنْهُمْ غَيْرَ ذَلِكَ وَهُمْ غَيْرُ عُدُولٍ.

[فَصْلٌ لَا يُقْبَلُ التَّعْدِيلُ لِلشُّهُودِ إلَّا مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ]

(8253) فَصْلٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يُقْبَلُ التَّعْدِيلُ إلَّا مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ، وَالْمَعْرِفَةِ الْمُتَقَادِمَةِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِخَبَرِ عُمَرَ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ، وَلِأَنَّ عَادَةَ النَّاسِ إظْهَارُ الصَّالِحَاتِ وَإِسْرَارُ الْمَعَاصِي، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَا خِبْرَةٍ بَاطِنَةٍ، فَرُبَّمَا اغْتَرَّ بِحُسْنِ ظَاهِرِهِ، وَهُوَ فَاسِقٌ فِي الْبَاطِنِ.
وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدُوا بِهِ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا عِلْمَ أَنَّ الْمُعَدِّلَ لَا خِبْرَةَ لَهُ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ بِالتَّعْدِيلِ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّهُ لَا تَجُوزُ لِلْمُعَدِّلِ الشَّهَادَةُ بِالْعَدَالَةِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ خِبْرَةٌ بَاطِنَةٌ.
فَأَمَّا الْحَاكِمُ إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ الْعَدْلُ بِالتَّعْدِيلِ، وَلَا يَعْرِفُ حَقِيقَةَ الْحَالِ، فَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ الشَّهَادَةَ مِنْ غَيْرِ كَشْفٍ، وَإِنْ اسْتَكْشَفَ الْحَالَ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَلَا بَأْسَ.

[فَصْلٌ وَلَا يُسْمَعُ الْجَرْحُ فِي الشُّهُود إلَّا مُفَسَّرًا]

(8254) فَصْلٌ: وَلَا يُسْمَعُ الْجَرْحُ إلَّا مُفَسَّرًا، وَيُعْتَبَرُ فِيهِ اللَّفْظُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّنِي رَأَيْته يَشْرَبُ الْخَمْرَ، أَوْ يُعَامِلُ بِالرِّبَا، أَوْ يَظْلِمُ النَّاسَ بِأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ أَوْ ضَرْبِهِمْ، أَوْ سَمِعْته يَقْذِفُ.
أَوْ يُعْلَمُ ذَلِكَ بِاسْتِفَاضَتِهِ فِي النَّاسِ.
وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ السَّبَبِ وَتَعْيِينِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَسَوَّارٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُقْبَلُ الْجَرْحُ الْمُطْلَقُ، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ فَاسِقٌ، أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَدْلٍ.
وَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّ التَّعْدِيلَ يُسْمَعُ مُطْلَقًا؛ فَكَذَلِكَ الْجَرْحُ، وَلِأَنَّ التَّصْرِيحَ بِالسَّبَبِ يَجْعَلُ الْجَارِحَ فَاسِقًا، وَيُوجِبُ عَلَيْهِ الْحَدَّ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِالزِّنَى، فَيُفْضِي الْجَرْحُ إلَى جَرْحِ الْجَارِحِ، وَتَبْطِيلِ شَهَادَتِهِ، وَلَا يَتَجَرَّحُ بِهَا الْمَجْرُوحُ.
وَلَنَا، أَنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِي أَسْبَابِ الْجَرْحِ، كَاخْتِلَافِهِمْ فِي شَارِبِ النَّبِيذِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مُجَرَّدُ الْجَرْحِ، لِئَلَّا يَجْرَحَهُ بِمَا لَا يَرَاهُ الْقَاضِي جَرْحًا؛ وَلِأَنَّ الْجَرْحَ يَنْقُلُ عَنْ الْأَصْلِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُسْلِمِينَ الْعَدَالَةُ، وَالْجُرْحُ يَنْقُلُ عَنْهَا، فَلَا بُدَّ أَنْ يُعْرَفَ النَّاقِلُ، لِئَلَّا يُعْتَقَدَ نَقْلُهُ بِمَا لَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ نَاقِلًا.

وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ يُفْضِي إلَى جَرْحِ الْجَارِحِ، وَإِيجَابِ الْحَدِّ عَلَيْهِ.
قُلْنَا: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّعْرِيضُ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَفِي بَيَانِ السَّبَبِ هَتْكُ الْمَجْرُوح.
قُلْنَا: لَا بُدَّ مِنْ هَتْكِهِ؛ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ بِالْفِسْقِ هَتْكٌ لَهُ.
وَلَكِنْ جَازَ ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إلَيْهِ، كَمَا جَازَتْ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ بِهِ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، بَلْ هَاهُنَا أَوْلَى؛ فَإِنَّ فِيهِ دَفْعَ الظُّلْمِ عَنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَهُوَ حَقُّ آدَمِيٍّ، فَكَانَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ، وَلِأَنَّ هَتْكَ عِرْضِهِ بِسَبَبِهِ، لِأَنَّهُ تَعَرَّضَ لِلشَّهَادَةِ مَعَ ارْتِكَابِهِ مَا يُوجِبُ جَرْحَهُ، فَكَانَ هُوَ الْهَاتِكَ لِنَفْسِهِ، إذْ كَانَ فِعْلُهُ هُوَ الْمُحْوِجَ لِلنَّاسِ إلَى جَرْحِهِ.
فَإِنْ صَرَّحَ الْجَارِحُ بِقَذْفِهِ بِالزِّنَى، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ إنْ لَمْ يَأْتِ بِتَمَامِ أَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ إذَا كَانَ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إدْخَالَ الْمَعَرَّةِ عَلَيْهِ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] . الْآيَةَ.
وَلِأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ وَرَفِيقَيْهِ شَهِدُوا عَلَى الْمُغِيرَةِ بِالزِّنَى، وَلَمْ يُكْمِلْ زِيَادٌ شَهَادَتَهُ فَجَلَدَهُمْ عُمَرُ حَدَّ الْقَذْفِ بِمَحْضَرِ الصَّحَابَةِ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ، فَكَانَ إجْمَاعًا.
وَيَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ بِمَا إذَا شَهِدُوا عَلَيْهِ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ.

[فَصْلٌ أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً عَلَى فِسْقِ الشُّهُود]

(8255) فَصْلٌ: وَإِذَا أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً، أَنَّ هَذَيْنِ الشَّاهِدَيْنِ شَهِدَا بِهَذَا الْحَقِّ عِنْدَ حَاكِمٍ، فَرَدَّ شَهَادَتَهُمَا لِفِسْقِهِمَا، بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إذَا رُدَّتْ لِفِسْقٍ، لَمْ تُقْبَلْ مَرَّةً ثَانِيَةً.

[فَصْلٌ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ فِي الشُّهُود مِنْ النِّسَاءِ]

(8256) فَصْلٌ: وَلَا يُقْبَلُ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ مِنْ النِّسَاءِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ، فَأَشْبَهَ الرِّوَايَةَ، وَأَخْبَارَ الدِّيَاتِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا شَهَادَةٌ فِيمَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالُ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ، فَأَشْبَهَ الشَّهَادَةَ فِي الْقِصَاصِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ.

[فَصْلٌ الْجَرْحُ فِي الشُّهُودِ مِنْ الْخَصْمِ]

(8257) فَصْلٌ: وَلَا يُقْبَلُ الْجَرْحُ مِنْ الْخَصْمِ.
بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
فَلَوْ قَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: هَذَانِ فَاسِقَانِ، أَوْ عَدُوَّانِ لِي، أَوْ آبَاءُ لِلْمَشْهُودِ لَهُ.
لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي قَوْلِهِ، وَيَشْهَدُ بِمَا يَجُرُّ إلَيْهِ نَفْعًا، فَأَشْبَهَ الشَّهَادَةَ لِنَفْسِهِ، وَلَوْ قَبِلْنَا

قَوْلَهُ، لَمْ يَشَأْ أَحَدٌ أَنْ يُبْطِلَ شَهَادَةَ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ إلَّا أَبْطَلَهَا، فَتَضِيعَ الْحُقُوقُ، وَتَذْهَبَ حِكْمَةُ شَرْعِ الْبَيِّنَةِ.

[فَصْلٌ شَهَادَةُ الْمُتَوَسِّمِينَ]

(8258) فَصْلٌ: وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُتَوَسِّمِينَ، وَذَلِكَ إذَا حَضَرَ مُسَافِرَانِ، فَشَهِدَا عِنْدَ حَاكِمٍ لَا يَعْرِفُهُمَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَقْبَلُهُمَا إذَا رَأَى فِيهِمَا سِيمَا الْخَيْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَةِ عَدَالَتِهِمَا، فَفِي التَّوَقُّفِ عَنْ قَبُولِهِمَا تَضْيِيعُ الْحُقُوقِ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهِمَا إلَى السِّيمَاءِ الْجَمِيلَةِ.
وَلَنَا، أَنَّ عَدَالَتَهُمَا مَجْهُولَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِمَا، كَشَاهِدَيْ الْحَضَرِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ مُعَارَضٌ بِأَنَّ قَبُولَ شَهَادَتِهِمَا يُفْضِي إلَى أَنْ يَقْضِي بِشَهَادَتِهِمَا بِدَفْعِ الْحَقِّ إلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ.

[فَصْلٌ لِلْقَاضِيَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شُهُودِهِ كُلَّ قَلِيلٍ]

(8259) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شُهُودِهِ كُلَّ قَلِيلٍ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ يَنْتَقِلُ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ.
وَهَلْ هَذَا مُسْتَحَبُّ أَوْ وَاجِبٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَ، فَلَا يَزُولُ حَتَّى يَثْبُت الْجَرْحُ.
وَالثَّانِي، يَجِبُ الْبَحْثُ كُلَّمَا مَضَتْ مُدَّةٌ يَتَغَيَّرُ الْحَالُ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ يَحْدُثُ، وَذَلِكَ عَلَى مَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ، مِثْلُ هَذَيْنِ.

[فَصْلٌ شَهَادَةَ غَيْرِ الْمُرَتَّبِينَ]

(8260) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُرَتِّبَ شُهُودًا لَا يَقْبَلُ غَيْرَهُمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] وَلِأَنَّ فِيهِ إضْرَارًا بِالنَّاسِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْوَقَائِعِ الَّتِي يُحْتَاجُ إلَى الْبَيِّنَةِ فِيهَا تَقَعُ عِنْدَ غَيْرِ الْمُرَتَّبِينَ، فَمَتَى ادَّعَى إنْسَانٌ شَهَادَةَ غَيْرِ الْمُرَتَّبِينَ، وَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ سَمَاعُ بَيِّنَتِهِ، وَالنَّظَرُ فِي عَدَالَةِ شَاهِدَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ رَدُّهُمْ بِكَوْنِهِمْ مِنْ غَيْرِ الْمُرَتَّبِينَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ، لَكِنْ لَهُ أَنْ يُرَتِّبَ شُهُودًا يُشْهِدُهُمْ النَّاسُ، فَيَسْتَغْنُونَ بِإِشْهَادِهِمْ عَنْ تَعْدِيلِهِمْ، وَيَسْتَغْنِي الْحَاكِمُ عَنْ الْكَشْفِ عَنْ أَحْوَالِهِمْ، فَيَكُونُ فِيهِ تَخْفِيفٌ مِنْ وَجْهٍ، وَيَكُونُونَ أَيْضًا يُزَكُّونَ مَنْ عَرَفُوا عَدَالَتَهُ مِنْ غَيْرِهِمْ إذَا شَهِدَ.

[فَصْلٌ يَعِظَ الْقَاضِي الشَّاهِدَيْنِ]

(8261) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعِظَ الشَّاهِدَيْنِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِلشَّاهِدَيْنِ إذَا حَضَرَا: يَا هَذَانِ، أَلَا تَرَيَانِ؟ إنِّي لَمْ أَدْعُكُمَا، وَلَسْت أَمْنَعُكُمَا أَنْ تَرْجِعَا، وَإِنَّمَا يَقْضِي عَلَى هَذَا أَنْتُمَا، وَأَنَا مُتَّقٍ بِكُمَا، فَاتَّقِيَا.
وَفِي لَفْظٍ: وَإِنِّي بِكُمَا أَقْضِي الْيَوْمَ، وَبِكُمَا أَتَّقِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَرَوَى أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ كُنْت عِنْدَ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ وَهُوَ قَاضِي الْكُوفَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ، فَادَّعَى عَلَى رَجُلٍ

حَقًّا، فَأَنْكَرَهُ، فَأَحْضَرَ الْمُدَّعِي شَاهِدَيْنِ، فَشَهِدَا لَهُ، فَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: وَاَلَّذِي بِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ لَقَدْ كَذَبَا عَلَيَّ فِي الشَّهَادَةِ.
وَكَانَ مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ مُتَّكِئًا فَاسْتَوَى جَالِسًا، وَقَالَ: سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ الطَّيْرَ لَتَخْفِقُ بِأَجْنِحَتِهَا، وَتَرْمِي مَا فِي حَوَاصِلِهَا، مِنْ هَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ شَاهِدَ الزُّورِ لَا تَزُولُ قَدَمَاهُ حَتَّى يَتَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» . فَإِنْ صَدَقْتُمَا فَاثْبُتَا، وَإِنْ كَذَبْتُمَا فَغَطِّيَا رُءُوسَكُمَا وَانْصَرِفَا.
فَغَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَانْصَرَفَا.

[مَسْأَلَةٌ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَتَّخِذَ كَاتِبًا عَدْلًا]

(8262) مَسْأَلَةٌ، قَالَ: (وَيَكُونُ كَاتِبُهُ عَدْلًا، وَكَذَلِكَ قَاسِمُهُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَتَّخِذَ كَاتِبًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَكْتَبَ زِيدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَغَيْرَهُ، وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ تَكْثُرُ أَشْغَالُهُ وَنَظَرُهُ، فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَوَلَّى الْكِتَابَةَ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ تَوَلِّي الْكِتَابَةِ بِنَفْسِهِ، جَازَ، وَالِاسْتِنَابَةُ فِيهِ أَوْلَى.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي ذَلِكَ إلَّا عَدْلًا؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مَوْضِعُ أَمَانَةٍ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا؛ لِيَعْرِفَ مَوَاقِعَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا الْأَحْكَامُ، وَيُفَرِّقَ بَيْنَ الْجَائِزِ وَالْوَاجِبِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَافِرَ الْعَقْلِ، وَرِعًا، نَزِهًا؛ لِئَلَّا يُسْتَمَالَ بِالطَّمَعِ، وَيَكُونَ مُسْلِمًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا﴾ [آل عمران: 118] وَيُرْوَى أَنَّ أَبَا مُوسَى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَمَعَهُ كَاتِبٌ نَصْرَانِيٌّ، فَأَحْضَرَ أَبُو مُوسَى شَيْئًا مِنْ مَكْتُوبَاتِهِ عِنْدَ عُمَرَ، فَاسْتَحْسَنَهُ، وَقَالَ: قُلْ لِكَاتِبِك يَجِيءُ، فَيَقْرَأُ كِتَابَهُ.
قَالَ: إنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ.
قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: إنَّهُ نَصْرَانِيٌّ.
فَانْتَهَرَهُ عُمَرُ، وَقَالَ: لَا تَأْتَمِنُوهُمْ، وَقَدْ خَوَّنَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا تُقَرِّبُوهُمْ، وَقَدْ أَبْعَدَهُمْ اللَّهُ - تَعَالَى، وَلَا تُعِزُّوهُمْ، وَقَدْ أَذَلَّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ مِنْ شُرُوطِ الْعَدَالَةِ، وَالْعَدَالَةُ شَرْطٌ.
، وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: فِي اشْتِرَاطِ عَدَالَتِهِ وَإِسْلَامِهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، تُشْتَرَطُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَالثَّانِي، لَا تُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّ مَا يَكْتُبُهُ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوفِ الْقَاضِي عَلَيْهِ، فَتُؤْمَنُ الْخِيَانَةُ فِيهِ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ جَيِّدَ الْخَطِّ؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ.
وَأَنْ يَكُونَ حُرًّا؛ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ.
وَإِنْ كَانَ عَبْدًا، جَازَ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْعَبْدِ جَائِزَةٌ.
وَيَكُونَ الْقَاسِمُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا فِي الْكَاتِبِ، وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ حَاسِبًا؛ لِأَنَّهُ عَمَلُهُ، وَبِهِ يَقْسِمُ، فَهُوَ كَالْحَظِّ لِلْكَاتِبِ وَالْفِقْهِ لِلْحَاكِمِ.

وَيُسْتَحَبُّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُجْلِسَ كَاتِبَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ لِيُشَاهِدَ مَا يَكْتُبُهُ، وَيُشَافِهَهُ بِمَا يُمْلِي عَلَيْهِ، وَإِنْ قَعَدَ نَاحِيَةً، جَازَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ، فَإِنَّ مَا يَكْتُبُهُ يُعْرَضُ عَلَى الْحَاكِمِ، فَيَسْتَبْرِئُهُ.

[فَصْلٌ تَرَافَعَ إلَى الْحَاكِمِ خَصْمَانِ فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ]

(8263) فَصْلٌ: وَإِذَا تَرَافَعَ إلَى الْحَاكِمِ خَصْمَانِ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ، فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ لِلْحَاكِمِ: أَشْهِدْ لِي عَلَى إقْرَارِهِ شَاهِدَيْنِ.
لَزِمَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ، فَرُبَّمَا جَحَدَ الْمُقِرُّ، فَلَا يُمْكِنُهُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِعِلْمِهِ، وَلَوْ كَانَ يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ اُحْتُمِلَ أَنْ يَنْسَى، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ عُرْضَةُ النِّسْيَانِ، فَلَا يُمْكِنُهُ الْحُكْمُ بِإِقْرَارِهِ.
وَإِنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ حَقٌّ بِنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي بَعْدَ النُّكُولِ، فَسَأَلَهُ الْمُدَّعِي أَنْ يُشْهِدَ عَلَى نَفْسِهِ، لَزِمَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ لِلْمُدَّعِي سِوَى الْإِشْهَادِ، وَإِنْ ثَبَتَتْ عِنْدَهُ بَيِّنَةٌ فَسَأَلَهُ الْإِشْهَادَ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ بِالْحَقِّ بَيِّنَةً، فَلَا يَجِبُ جَعْلُ بَيِّنَةٍ أُخْرَى.
وَالثَّانِي، يَجِبُ؛ لِأَنَّ فِي الْإِشْهَادِ فَائِدَةً جَدِيدَةً، وَهِيَ إثْبَاتُ تَعْدِيلِ بَيِّنَتِهِ، وَإِلْزَامُ خَصْمِهِ وَإِنْ حَلَفَ الْمُنْكِرُ وَسَأَلَ الْحَاكِمُ الْإِشْهَادَ عَلَى بَرَاءَتِهِ لَزِمَهُ لِيَكُونَ حُجَّةً لَهُ.
فِي سُقُوطِ الْمُطَالَبَةِ مَرَّةً أُخْرَى، وَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ، إذَا سَأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا بِمَا جَرَى، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَلْزَمُهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ لَهُ، فَهُوَ كَالْإِشْهَادِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ رُبَّمَا نَسِيَا الشَّهَادَةَ، أَوْ نَسِيَا الْخَصْمَيْنِ، فَلَا يُذَكِّرُهُمَا إلَّا رُؤْيَةُ خَطَّيْهِمَا.
وَالثَّانِي، لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ الْإِشْهَادَ يَكْفِيهِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ تَكْثُرُ عَلَيْهِمْ الشَّهَادَاتُ، وَيَطُولُ عَلَيْهِمْ الْأَمَدُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا لَا يَتَحَقَّقَانِ الشَّهَادَةَ تَحَقُّقًا يَحْصُلُ بِهِ أَدَاؤُهَا، فَلَا يَتَقَيَّدُ إلَّا بِالْكِتَابِ.
فَإِنْ اخْتَارَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا، فَصِفَتُهُ: حَضَرَ الْقَاضِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ، قَاضِي عَبْدِ اللَّهِ الْإِمَامِ فُلَانٍ، عَلَى كَذَا وَكَذَا.
وَإِنْ كَانَ خَلِيفَةَ الْقَاضِي قَالَ: خَلِيفَةُ الْقَاضِي فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ عَبْدُ اللَّهِ قَاضِي الْإِمَامِ بِمَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ.
فَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ الْمُدَّعِيَ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَسْمَائِهِمَا وَأَنْسَابِهِمَا، قَالَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ، وَأَحْضَرَ مَعَهُ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ الْفُلَانِيَّ.
وَيَرْفَعُ فِي نَسَبِهِمَا حَتَّى يَتَمَيَّزَ وَيُسْتَحَبُّ ذِكْرُ حِلْيَتِهِمَا، وَإِنْ أَخَلَّ بِهِ، جَازَ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ نَسَبِهِمَا إذَا رَفَعَ فِيهِ أَغْنَى عَنْ ذِكْرِ الْحِلْيَةِ.
وَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ لَا يَعْرِفُ الْخَصْمَيْنِ، قَالَ: مُدَّعٍ ذَكَرَ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ، وَأَحْضَرَ مَعَهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ ذَكَرَ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ.
وَيَرْفَعُ فِي نَسَبِهِمَا، وَيَذْكُرُ حِلْيَتَهُمَا؛ لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَيْهَا، فَرُبَّمَا اسْتَعَارَ النَّسَبَ.
وَيَقُولُ: أَغَمُّ، أَوْ أَنْزَعُ.
وَيَذْكُرُ صِفَةَ الْعَيْنَيْنِ وَالْأَنْفِ وَالْفَمِ وَالْحَاجِبَيْنِ، وَاللَّوْنَ وَالطُّولَ وَالْقِصَرَ.
مَا ادَّعَى عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا، فَأَقَرَّ لَهُ.
وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: بِمَجْلِسِ حُكْمِهِ.
لِأَنَّ الْإِقْرَارَ يَصِحُّ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ.

وَإِنْ كَتَبَ أَنَّهُ شَهِدَ عَلَى إقْرَارِهِ شَاهِدَانِ، كَانَ أَوْكَدَ.
وَيَكْتُبُ الْحَاكِمُ عَلَى رَأْسِ الْمَحْضَرِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
أَوَ مَا أَحَبَّ مِنْ ذَلِكَ.
فَأَمَّا إنْ أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَشَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، قَالَ: فَادَّعَى عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا، فَأَنْكَرَ، فَسَأَلَ الْحَاكِمُ الْمُدَّعِيَ: أَلِك بَيِّنَةٌ؟ فَأَحْضَرَهَا، وَسَأَلَ الْحَاكِمُ سَمَاعَهَا فَفَعَلَ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا بِمَا جَرَى، فَأَجَابَهُ إلَيْهِ، وَذَلِكَ فِي وَقْتِ كَذَا.
وَيَحْتَاجُ هَاهُنَا أَنْ يَذْكُرَ: بِمَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ.
بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تُسْمَعُ إلَّا فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ، وَالْإِقْرَارُ بِخِلَافِهِ.
وَيَكْتُبُ الْحَاكِمُ فِي آخِرِ الْمَحْضَرِ: شَهِدَا عِنْدِي بِذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَ مَعَ الْمُدَّعِي كِتَابٌ فِيهِ خَطُّ الشَّاهِدِ كَتَبَ تَحْتَ خُطُوطِهِمَا أَوْ تَحْت خَطِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: شَهِدَ عِنْدِي بِذَلِكَ.
وَيَكْتُبُ عَلَامَتَهُ فِي رَأْسِ الْمَحْضَرِ، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ دُونَ الْمَحْضَرِ، جَازَ.
فَأَمَّا إنْ لَمْ تَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، فَاسْتَحْلَفَ الْمُنْكِرَ، ثُمَّ سَأَلَ الْمُنْكِرُ الْحَاكِمَ مَحْضَرًا لِئَلَّا يَحْلِفَ فِي ذَلِكَ ثَانِيًا، كَتَبَ لَهُ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ، إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ: فَأَنْكَرَ، فَسَأَلَ الْحَاكِمُ الْمُدَّعِيَ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ فَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَقَالَ: لَك يَمِينُهُ.
فَسَأَلَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ، فَاسْتَحْلَفَهُ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ، فِي وَقْتِ كَذَا وَكَذَا.
وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ تَحْلِيفِهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْلَافَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ، وَيُعْلَمُ فِي أَوَّلِهِ خَاصَّةً.
وَإِنْ نَكِلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ، قَالَ: فَعُرِضَ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَنَكِلَ عَنْهَا، فَسَأَلَ خَصْمُهُ الْحَاكِمَ أَنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ، فَقَضَى عَلَيْهِ فِي وَقْتِ كَذَا.
وَيُعْلِمُ فِي آخِرِهِ، وَيَذْكُرُ أَنَّ ذَلِكَ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ.
فَهَذِهِ صِفَةُ الْمَحْضَرِ.
فَأَمَّا إنْ سَأَلَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْحَاكِمَ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِمَا ثَبَتَ فِي الْمَحْضَرِ، لَزِمَهُ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِهِ، وَيَنْفُذَهُ، فَيَقُولَ: حَكَمْت لَهُ بِهِ، أَلْزَمْته الْحَقَّ، أَنْفَذَتْ الْحُكْمَ بِهِ.
فَإِنْ طَلَبَهُ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ عَلَى حُكْمِهِ، لَزِمَهُ ذَلِكَ، لِتَحْصُلَ لَهُ الْوَثِيقَةُ بِهِ.
فَإِنْ طَالَبَهُ أَنْ يُسَجِّلَ لَهُ بِهِ، وَهُوَ أَنْ يَكْتُبَ فِي الْمَحْضَرِ وَيَشْهَدَ عَلَى إنْقَاذِهِ، سَجَّلَ لَهُ.
وَفِي وُجُوبِ ذَلِكَ، الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي الْمَحْضَرِ.
وَهَذِهِ صُورَةُ السِّجِلِّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا مَا أَشْهَدَ عَلَيْهِ الْقَاضِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ، قَاضِي عَبْدِ اللَّهِ الْإِمَامِ، عَلَى كَذَا وَكَذَا فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ، فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا، فِي وَقْتِ كَذَا وَكَذَا، أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِشَهَادَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَنَسَبِهِمَا، وَقَدْ عَرَفَهُمَا بِمَا سَاغَ لَهُ بِهِ قَبُولُ شَهَادَتِهِمَا عِنْدَهُ بِمَا فِي كِتَابٍ نَسَخَهُ وَيَنْسَخُ الْكِتَابَ إنْ كَانَ مَعَهُ، أَوْ الْمَحْضَرَ فِي أَيِّ حُكْمٍ كَانَ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: فَحَكَمَ بِهِ، فَأَنْفَذَهُ وَأَمْضَاهُ، بَعْدَ أَنْ سَأَلَهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِهِ.
وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَذْكُرَ أَنَّهُ بِمَحْضَرِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ جَائِزٌ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَهُ احْتِيَاطًا، قَالَ: بَعْدَ أَنْ حَضَرَهُ مَنْ سَاغَ لَهُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ.
وَيَكْتُبُ الْحَاكِمُ بِالسِّجِلِّ وَالْمَحْضَرِ نُسْخَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، تَكُونُ فِي يَدِ صَاحِبِ الْحَقِّ.

وَالْأُخْرَى، تَكُونُ فِي دِيوَانِ الْحُكْمِ، فَإِنْ هَلَكَتْ إحْدَاهُمَا نَابَتْ الْأُخْرَى عَنْهَا، وَيُخْتَمُ الَّذِي فِي دِيوَانِ الْحُكْمِ، وَيَكْتُبُ عَلَى طَيِّهِ: سِجِلُّ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، أَوْ مَحْضَرُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، أَوْ وَثِيقَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ.
فَإِنْ كَثُرَ مَا عِنْدَهُ جَمَعَ مَا يَجْتَمِعُ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَوْ أُسْبُوعٍ أَوْ شَهْرٍ، عَلَى قَدْرِ كَثْرَتِهَا وَقِلَّتِهَا وَشَدَّهَا إضْبَارَةً، وَيَكْتُبُ عَلَيْهَا: أُسْبُوعُ كَذَا، مِنْ شَهْرِ كَذَا، مِنْ سَنَةِ كَذَا.
ثُمَّ يَضُمُّ مَا يَجْتَمِعُ فِي السَّنَةِ، وَيَدَعُهَا نَاحِيَةً، وَيَكْتُبُ عَلَيْهَا: كُتِبَ سَنَةَ كَذَا.
حَتَّى إذَا حَضَرَ مَنْ يَطْلُبُ شَيْئًا مِنْهَا، سَأَلَهُ عَنْ السَّنَةِ، فَيُخْرِجُ كُتُبَ تِلْكَ السَّنَةِ، وَيَسْهُلُ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَوَلَّى جَمْعَهَا وَشَدَّهَا بِنَفْسِهِ؛ لِئَلَّا يُزَوَّرَ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَوَلَّى ذَلِكَ ثِقَةٌ مِنْ ثِقَاتِهِ، جَازَ.

[فَصْلٌ يُجْعَلَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ بِرَسْمِ الْكَاغَد أَيْ الْحَاكِم]

(8264) فَصْلٌ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ بِرَسْمِ الْكَاغَدِ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ الْمَحَاضِرُ وَالسِّجِلَّاتُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَصَالِحِ، فَإِنَّهُ، يُحْفَظُ بِهِ الْوَثَائِقُ، وَيُذَكِّرُ الْحَاكِمَ حُكْمَهُ، وَالشَّاهِدَ شَهَادَتَهُ، وَيُرْجَعُ بِالدَّرْكِ عَلَى مَنْ رَجَعَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَعْوَزَ ذَلِكَ، لَمْ يَلْزَمْ الْحَاكِمَ ذَلِكَ، وَيَقُولُ لِصَاحِبِ الْحَقِّ: إنْ شِئْت جِئْت بِكَاغَدٍ، أَكْتُبُ لَك فِيهِ، فَإِنَّهُ حُجَّةٌ لَك، وَلَسْت أُكْرِهُك عَلَيْهِ.

[فَصْل ارْتَفَعَ إلَى الْحَاكِم خَصْمَانِ فَذَكَرَ أَحَدُهُمَا أَنَّ حَجَّتَهُ فِي دِيوَانِ الْحُكْمِ]

(8265) فَصْلٌ: وَإِذَا ارْتَفَعَ إلَيْهِ خَصْمَانِ، فَذَكَرَ أَحَدُهُمَا أَنَّ حُجَّتَهُ فِي دِيوَانِ الْحُكْمِ، فَأَخْرَجَهَا الْحَاكِمُ مِنْ دِيوَانِهِ، فَوَجَدَهَا مَكْتُوبَةً بِخَطِّهِ تَحْت خَتْمِهِ، وَفِيهَا حُكْمُهُ، فَإِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ، حَكَمَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ، لَمْ يَحْكُمْ بِهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي الشَّهَادَةِ، قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَعَنْ أَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ يَحْكُمُ بِهِ.
وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى.
وَهَذَا الَّذِي رَأَيْته عَنْ أَحْمَدَ فِي الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِي قِمْطَرِهِ تَحْتَ خَتْمِهِ، لَمْ يَحْتَمِلْ أَنْ يَكُونَ إلَّا صَحِيحًا.
وَوَجْهُ الْأُولَى، أَنَّهُ حُكْمُ حَاكِمٍ لَمْ يَعْلَمْهُ، فَلَمْ يَجُزْ إنْفَاذُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، كَحُكْمِ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُزَوَّرَ عَلَيْهِ وَعَلَى خَتْمِهِ، وَالْخَطُّ يُشْبِهُ الْخَطَّ.
فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ وَجَدَ فِي دَفْتَرِ أَبِيهِ حَقًّا عَلَى إنْسَانٍ، جَازَ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَهُ، وَيَحْلِفَ عَلَيْهِ.
قُلْنَا: هَذَا يُخَالِفُ الْحُكْمَ وَالشَّهَادَةَ، بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ بِخَطِّ أَبِيهِ شَهَادَةً، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِهَا، وَلَا يَشْهَدَ بِهَا، وَلَوْ وَجَدَ حُكْمَ أَبِيهِ مَكْتُوبًا بِخَطِّهِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ إنْقَاذُهُ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فِيمَا حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ إلَى نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ فِعْلُ نَفْسِهِ، فَرُوعِيَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا مَا كَتَبَهُ أَبُوهُ، فَلَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فِيمَا حَكَمَ بِهِ إلَى نَفْسِهِ، فَيَكْفِي فِيهِ الظَّنُّ.

[فَصْلٌ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى الْحَاكِمِ أَنَّك حَكَمْت لِي بِهَذَا الْحَقِّ عَلَى خَصْمِي فَذَكَرَ الْحَاكِمُ حُكْمَهُ]

(8266) فَصْلٌ: فَإِنْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى الْحَاكِمِ، أَنَّك حَكَمْت لِي بِهَذَا الْحَقِّ عَلَى خَصْمِي.
فَذَكَرَ الْحَاكِمُ حُكْمَهُ، أَمْضَاهُ، وَأَلْزَمَ خَصْمَهُ مَا حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ.
وَلَيْسَ هَذَا حُكْمًا بِالْعِلْمِ، إنَّمَا هُوَ إمْضَاءٌ لِحُكْمِهِ السَّابِقِ.
وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ الْقَاضِي، فَشَهِدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ عَلَى حُكْمِهِ، لَزِمَهُ قَبُولُهَا، وَإِمْضَاءُ الْقَضَاءِ.
وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: يَرْجِعُ الْإِمَامُ إلَى قَوْلِ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا مِنْ الْمَأْمُومِينَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ إلَى الْإِحَاطَةِ وَالْعِلْمِ، فَلَا يَرْجِعُ إلَى الظَّنِّ، كَالشَّاهِدِ إذَا نَسِيَ شَهَادَتَهُ، فَشَهِدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ أَنَّهُ شَهِدَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ.
وَلَنَا، أَنَّهُمَا لَوْ شَهِدَا عِنْدَهُ بِحُكْمِ غَيْرِهِ قَبِلَ، فَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَا عِنْدَهُ بِحُكْمِ نَفْسِهِ، وَلِأَنَّهُمَا شَهِدَا بِحُكْمِ حَاكِمٍ.
وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ مَا نَسِيَهُ لَيْسَ إلَيْهِ، وَيُخَالِفُ الشَّاهِدَ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ يُمْضِي مَا حَكَمَ بِهِ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، وَالشَّاهِدُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إمْضَاءِ شَهَادَتِهِ، وَإِنَّمَا يُمْضِيهَا الْحَاكِمُ.

[مَسْأَلَةٌ قَبُول الْقَاضِي الْهَدِيَّةَ]

(8267) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يَقْبَلُ هَدِيَّةَ مَنْ لَمْ يَكُنْ يُهْدِي إلَيْهِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ) وَذَلِكَ لِأَنَّ الْهَدِيَّةَ يُقْصَدُ بِهَا فِي الْغَالِبِ اسْتِمَالَةُ قَلْبِهِ، لِيَعْتَنِيَ بِهِ فِي الْحُكْمِ، فَتُشْبِهُ الرِّشْوَةَ.
قَالَ مَسْرُوقٌ: إذَا قَبِلَ الْقَاضِي الْهَدِيَّةَ، أَكَلَ السُّحْتَ، وَإِذَا قَبِلَ الرِّشْوَةَ، بَلَغَتْ بِهِ الْكُفْرَ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا مِنْ الْأَزْدِ، يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ.
فَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ، فَيَجِيءُ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ، أَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أُمِّهِ، فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى إلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا نَبْعَثُ أَحَدًا مِنْكُمْ، فَيَأْخُذُ شَيْئًا، إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ.
فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْت عُفْرَةَ إبْطَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْت ثَلَاثًا؟» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ حُدُوثَ الْهَدِيَّةِ عَنَدَ حُدُوثِ الْوِلَايَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ أَجْلِهَا، لِيَتَوَسَّلَ بِهَا إلَى مَيْلِ الْحَاكِمِ مَعَهُ عَلَى خَصْمِهِ، فَلَمْ يَجُزْ قَبُولُهَا مِنْهُ كَالرِّشْوَةِ، فَأَمَّا إنْ كَانَ يُهْدِي إلَيْهِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ، جَازَ قَبُولُهَا مِنْهُ بَعْدَ الْوِلَايَةِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مِنْ أَجْلِ الْوِلَايَةِ؛ لِوُجُودِ سَبَبِهَا قَبْلَ الْوِلَايَةِ، بِدَلِيلِ وُجُودِهَا قَبْلَهَا.

قَالَ الْقَاضِي: وَيُسْتَحَبُّ لَهُ التَّنَزُّهُ عَنْهَا.
وَإِنْ أَحَسَّ أَنَّهُ يُقَدِّمُهَا بَيْنَ يَدَيْ خُصُومِهِ، أَوْ فَعَلَهَا حَالَ الْحُكُومَةِ، حَرُمَ أَخْذُهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ؛ لِأَنَّهَا كَالرِّشْوَةِ.
وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، أَنَّ قَبُولَ الْهَدِيَّةِ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ.
وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ دَلَالَةٌ عَلَى التَّحْرِيمِ.

[فَصْلٌ الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ وَرِشْوَةُ الْعَامِلِ]

(8268) فَصْلٌ: فَأَمَّا الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ، وَرِشْوَةُ الْعَامِلِ، فَحَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: 42] قَالَ الْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، فِي تَفْسِيرِهِ: هُوَ الرِّشْوَةُ.
وَقَالَ: إذَا قَبِلَ الْقَاضِي الرِّشْوَةَ، بَلَغَتْ بِهِ إلَى الْكُفْرِ وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ.» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَزَادَ: " فِي الْحُكْمِ ". وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ، فِي " زَادِ الْمُسَافِرِ "، وَزَادَ: " وَالرَّائِشَ " وَهُوَ السَّفِيرُ بَيْنَهُمَا.
وَلِأَنَّ الْمُرْتَشِيَ إنَّمَا يَرْتَشِي لِيَحْكُمَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، أَوْ لِيُوقِفَ الْحُكْمَ عَنْهُ، وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الظُّلْمِ.
قَالَ مَسْرُوقٌ: سَأَلْت ابْنَ مَسْعُودٍ عَنْ السُّحْتِ، أَهْوَ الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ؟ قَالَ: لَا، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44] وَ ﴿الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: 45] وَ ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 47] وَلَكِنَّ السُّحْتَ أَنْ يَسْتَعِينَك الرَّجُلُ عَلَى مَظْلَمَةٌ، فَيُهْدِيَ لَك، فَلَا تَقْبَلْ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: قَالَ كَعْبٌ: الرِّشْوَةُ تُسَفِّهُ الْحَلِيمَ، وَتُعْمِي عَيْنَ الْحَكِيمِ.
فَأَمَّا الرَّاشِي فَإِنْ رَشَاهُ لِيَحْكُمَ لَهُ بِبَاطِلٍ، أَوْ يَدْفَعَ عَنْهُ حَقًّا، فَهُوَ مَلْعُونٌ، وَإِنْ رَشَاهُ لِيَدْفَعَ ظُلْمَهُ، وَيَجْزِيَهُ عَلَى وَاجِبِهِ، فَقَدْ قَالَ عَطَاءٌ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالْحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُصَانِعَ عَنْ نَفْسِهِ.
قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ: مَا رَأَيْنَا فِي زَمَنِ زِيَادٍ أَنْفَعَ لَنَا مِنْ الرِّشَا.
وَلِأَنَّهُ يَسْتَنْقِذُ مَالَهُ كَمَا يَسْتَنْقِذُ الرَّجُلُ أَسِيرَهُ.
فَإِنْ ارْتَشَى الْحَاكِمُ، أَوْ قَبِلَ هَدِيَّةً لَيْسَ لَهُ قَبُولُهَا، فَعَلَيْهِ رَدُّهَا إلَى أَرْبَابِهَا؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، فَأَشْبَهَ الْمَأْخُوذَ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ بِرَدِّهَا عَلَى أَرْبَابِهَا.
وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: إذَا أَهْدَى الْبِطْرِيقُ لِصَاحِبِ الْجَيْشِ عَيْنًا أَوْ فِضَّةً، لَمْ تَكُنْ لَهُ دُونَ سَائِرِ الْجَيْشِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَكُونُونَ فِيهِ سَوَاءً.

[فَصْلٌ تَوَلَّى الْقَاضِي الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ بِنَفْسِهِ]

(8269) فَصْلٌ: وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَتَوَلَّى الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ بِنَفْسِهِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو الْأَسْوَدِ الْمَالِكِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا عَدَلَ وَالٍ اتَّجَرَ فِي رَعِيَّتِهِ أَبَدًا» وَلِأَنَّهُ يُعْرَفُ فَيُحَابَى، فَيَكُونُ كَالْهَدِيَّةِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ عَنْ النَّظَرِ فِي أُمُورِ النَّاسِ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ لَمَّا بُويِعَ، أَخَذَ الذِّرَاعَ وَقَصْدَ السُّوقَ، فَقَالُوا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَسَعُك أَنْ تَشْتَغِلَ عَنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ: فَإِنِّي لَا أَدَعُ عِيَالِي يَضِيعُونَ.
قَالُوا: فَنَحْنُ نَفْرِضُ لَك مَا يَكْفِيك.
فَفَرَضُوا لَهُ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمَيْنِ.
فَإِنْ بَاعَ وَاشْتَرَى، صَحَّ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ تَمَّ بِشُرُوطِهِ وَأَرْكَانِهِ.
وَإِنْ احْتَاجَ إلَى مُبَاشَرَتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَكْفِيهِ، جَازَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُكْرَهْ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَصْدَ السُّوقَ لِيَتَّجِرَ فِيهِ، حَتَّى فَرَضُوا لَهُ مَا يَكْفِيهِ، وَلِأَنَّ الْقِيَامَ بِعِيَالِهِ فَرْضُ عَيْنٍ، فَلَا يَتْرُكُهُ لِوَهْمِ مَضَرَّةٍ، وَأَمَّا إذَا اسْتَغْنَى عَنْ مُبَاشَرَتِهِ، وَوَجَدَ مَنْ يَكْفِيهِ ذَلِكَ كُرِهَ لَهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُوَكِّلَ فِي ذَلِكَ مَنْ لَا يُعْرَفُ أَنَّهُ وَكِيلُهُ؛ لِئَلَّا يُحَابَى.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّهُ قَالَ: لَا يُكْرَهُ لَهُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَتَوْكِيلُ مَنْ يُعْرَفُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَضِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَنَا، مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ، أَنَّهُ قَالَ: شَرَطَ عَلَيَّ عُمَرُ حِينَ وَلَّانِي الْقَضَاءَ أَنْ لَا أَبِيعَ، وَلَا أَبْتَاعَ، وَلَا أَرْتَشِيَ، وَلَا أَقْضِيَ وَأَنَا غَضْبَانُ.
وَقَضِيَّةُ أَبِي بَكْرٍ حُجَّةٌ لَنَا؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ، فَاعْتَذَرَ بِحِفْظِ عِيَالِهِ عَنْ الضَّيَاعِ، فَلَمَّا أَغْنَوْهُ عَنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بِمَا فَرَضُوا لَهُمْ، قَبِلَ قَوْلَهُمْ، وَتَرَكَ التِّجَارَةَ، فَحَصَلَ الِاتِّفَاقُ مِنْهُمْ عَلَى تَرْكِهَا عِنْدَ الْغِنَى عَنْهَا.

[فَصْلٌ لِلْحَاكِمِ حُضُورُ الْوَلَائِمِ]

(8270) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ لِلْحَاكِمِ حُضُورُ الْوَلَائِمِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَحْضُرُهَا، وَيَأْمُرُ بِحُضُورِهَا، وَقَالَ: «مَنْ لَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» فَإِنْ كَثُرَتْ وَازْدَحَمَتْ، تَرَكَهَا كُلَّهَا، وَلَمْ يُجِبْ أَحَدًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ عَنْ الْحُكْمِ الَّذِي قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ يَعْتَذِرُ إلَيْهِمْ، وَيَسْأَلُهُمْ التَّحْلِيلَ، وَلَا يُجِيبُ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ كَسْرًا لِقَلْبِ مَنْ لَمْ يُجِبْهُ، إلَّا أَنْ يَخْتَصَّ بَعْضُهَا بِعُذْرٍ يَمْنَعُهُ دُونَ بَعْضٍ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ فِي إحْدَاهُمَا مُنْكَرٌ، أَوْ تَكُونَ فِي مَكَان بَعِيدٍ، أَوْ يَشْتَغِلَ بِهَا زَمَنًا طَوِيلًا، وَالْأُخْرَى بِخِلَافِ ذَلِكَ فَلَهُ الْإِجَابَةُ إلَيْهَا دُونَ الْأُولَى؛ لِأَنَّ عُذْرَهُ ظَاهِرٌ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ الْأُولَى.

[فَصْلٌ عِيَادَةُ الْمَرْضَى وَشُهُودُ الْجَنَائِزِ وَإِتْيَانُ مُقَدَّم الْغَائِبِ لِلْحَاكِمِ]

(8271) فَصْلٌ: وَلَهُ عِيَادَةُ الْمَرْضَى، وَشُهُودُ الْجَنَائِزِ، وَإِتْيَانُ مَقْدَمِ الْغَائِبِ، وَزِيَارَةُ إخْوَانِهِ وَالصَّالِحِينَ مِنْ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ، وَإِنْ كَثُرَ ذَلِكَ، فَلَيْسَ لَهُ الِاشْتِغَالُ بِهِ عَنْ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ هَذَا تَبَرُّعٌ، فَلَا يَشْتَغِلُ بِهِ عَنْ الْفَرْضِ،

وَلَهُ حُضُورُ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّ هَذَا يَفْعَلُهُ لِنَفْعِ نَفْسِهِ لِتَحْصِيلِ الْأَجْرِ، وَالْقُرْبَةِ لَهُ، وَالْوَلَائِمُ يُرَاعَى فِيهَا حَقُّ الدَّاعِي، فَيَنْكَسِرُ قَلْبُ مَنْ لَمْ يُجِبْهُ إذَا أَجَابَ غَيْرَهُ.

[مَسْأَلَةٌ عَدْلُ الْقَاضِي بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ]

(8272) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيَعْدِلُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِ، وَالْمَجْلِسِ، وَالْخِطَابِ) وَجُمْلَتُهُ، أَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، مِنْ الْمَجْلِسِ، وَالْخِطَابِ وَاللَّحْظِ وَاللَّفْظِ وَالدُّخُولِ عَلَيْهِ، وَالْإِنْصَاتِ إلَيْهِمَا، وَالِاسْتِمَاعِ مِنْهُمَا.
وَهَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا.
وَقَدْ رَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، فِي كِتَابِ " قُضَاةِ الْبَصْرَةِ " بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ بُلِيَ بِالْقَضَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلْيَعْدِلْ بَيْنَهُمْ فِي لَفْظِهِ، وَإِشَارَتِهِ، وَمَقْعَدِهِ، وَلَا يَرْفَعْ صَوْتَهُ عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ مَا لَا يَرْفَعُهُ عَلَى الْآخَرِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَلْيُسَوِّ بَيْنَهُمْ؛ فِي النَّظَرِ، وَالْمَجْلِسِ، وَالْإِشَارَةِ» وَكَتَبَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى أُبَيٍّ: سَوِّ بَيْنَ النَّاسِ فِي مَجْلِسِك وَعَدْلِك، حَتَّى لَا يَيْأَسَ الضَّعِيفُ مِنْ عَدْلِك، وَلَا يَطْمَعَ شَرِيفٌ فِي حَيْفِك.
وَقَالَ سَعِيدٌ، ثنا هُشَيْمٌ، ثنا سَيَّارٌ ثنا الشَّعْبِيُّ، قَالَ: كَانَ بَيْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ بِدَارٍ فِي شَيْءٍ، فَجَعَلَا بَيْنَهُمَا زِيدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَأَتَيَاهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَتَيْنَاك لِتَحْكُمَ بَيْنَنَا، فِي بَيْتِهِ يُؤْتَى الْحَكَمُ فَوَسَّعَ لَهُ زَيْدٌ عَنْ صَدْرِ فِرَاشِهِ، فَقَالَ: هَاهُنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: جُرْت فِي أَوَّلِ الْقَضَاءِ، وَلَكِنْ أَجْلِسُ مَعَ خَصْمِي.
فَجَلَسَا بَيْن يَدَيْهِ، فَادَّعَى أُبَيٍّ وَأَنْكَرَ عُمَرُ، فَقَالَ زَيْدٌ لِأُبَيٍّ، أَعْفِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْيَمِينِ، وَمَا كُنْت لِأَسْأَلَهَا لِأَحَدٍ غَيْرِهِ.
فَحَلَفَ عُمَرُ، ثُمَّ أَقْسَمَ: لَا يُدْرِكُ زَيْدٌ بَابَ الْقَضَاءِ، حَتَّى يَكُونَ عُمَرُ وَرَجُلٌ مِنْ عَرَضِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَهُ سَوَاءً

وَرَوَاهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، وَفِيهِ: فَلَمَّا أَتَيَا بَابَ زَيْدٍ، خَرَجَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ أَرْسَلْت إلَيَّ لَأَتَيْتُك.
قَالَ: فِي بَيْتِهِ يُؤْتَى الْحَكَمُ.
فَلَمَّا دَخَلَا عَلَيْهِ، قَالَ: هَاهُنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ: بَلْ أَجْلِسُ مَعَ خَصْمِي.
فَادَّعَى أُبَيٌّ وَأَنْكَرَ عُمَرُ، وَلَمْ تَكُنْ لِأُبَيٍّ، بَيِّنَةٌ، فَقَالَ زَيْدٌ: أَعْفِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْيَمِينِ.
فَقَالَ عُمَرُ: تَاللَّهِ إنْ زِلْت ظَالِمًا، السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
هَاهُنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
أَعْفِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
إنْ كَانَ لِي حَقٌّ اسْتَحْقَقْته بِيَمِينِي، وَإِلَّا تَرَكْته، وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، إنَّ النَّخْلَ لَنَخْلِي، وَمَا لِأُبَيٍّ فِيهَا حَقٌّ.
ثُمَّ أَقْسَمَ عُمَرُ: لَا يُصِيبُ زَيْدٌ وَجْهَ الْقَضَاءِ حَتَّى يَكُونَ عُمَرُ وَغَيْرُهُ مِنْ النَّاسِ عِنْدَهُ سَوَاءً.
فَلَمَّا خَرَجَا وَهَبَ النَّخْلَ لِأُبَيٍّ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ، الْمُؤْمِنِينَ، فَهَلَّا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَحْلِفَ؟ قَالَ: خِفْت أَنْ أَتْرُكَ الْيَمِينَ، فَتَصِيرَ سُنَّةً، فَلَا يَحْلِفُ النَّاسُ عَلَى حُقُوقِهِمْ.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى شُرَيْحٍ، وَعِنْدَهُ السَّرِيُّ بْنُ وَقَّاصٍ، فَقَالَ الرَّجُلُ لِشُرَيْحٍ: أَعِنِّي عَلَى هَذَا الْجَالِسِ عِنْدَك.
فَقَالَ شُرَيْحٌ لِلسَّرِيِّ: قُمْ فَاجْلِسْ مَعَ خَصْمِك.
قَالَ: إنِّي أُسْمِعُك مِنْ مَكَانِي.
قَالَ: لَا قُمْ فَاجْلِسْ مَعَ خَصْمِك.
فَأَبَى أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ حَتَّى أَجْلَسَهُ مَعَ خَصْمِهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ إنَّ مَجْلِسَك يُرِيبُهُ، وَإِنِّي لَا أَدَعُ النُّصْرَةَ وَأَنَا عَلَيْهَا قَادِرٌ.
وَلَمَّا تَحَاكَمَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَالْيَهُودِيُّ إلَى شُرَيْحٍ، قَالَ عَلِيٌّ إنَّ خَصْمِي لَوْ كَانَ مُسْلِمًا لَجَلَسْت مَعَهُ بَيْنَ يَدَيْك وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ إذَا مَيَّزَ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ حُصِرَ، وَانْكَسَرَ قَلْبُهُ وَرُبَّمَا لَمْ تَقُمْ حُجَّتُهُ، فَأَدَّى ذَلِكَ إلَى ظُلْمَةٍ.
وَإِنْ أَذِنَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ لِلْحَاكِمِ فِي رَفْعِ الْخَصْمِ الْآخَرِ عَلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ، جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، وَلَا يَنْكَسِرُ قَلْبُهُ إذَا كَانَ هُوَ الَّذِي رَفَعَهُ.
وَالسُّنَّةُ أَنْ يَجْلِسَ الْخَصْمَانِ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى أَنْ يَجْلِسَ الْخَصْمَانِ بَيْنَ يَدَيْ الْحَاكِمِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَوْ أَنَّ خَصْمِي مُسْلِمٌ لَجَلَسْت مَعَهُ بَيْنَ يَدَيْك.
وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَمْكَنُ لِلْحَاكِمِ فِي الْعَدْلِ بَيْنَهُمَا، وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِمَا، وَالنَّظَرِ فِي خُصُومَتِهِمَا.
وَإِنْ كَانَ الْخَصْمَانِ ذِمِّيَّيْنِ، سَوَّى بَيْنَهُمَا أَيْضًا؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي دِينِهِمَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا وَالْآخَرُ ذِمِّيًّا، جَازَ رَفْعُ الْمُسْلِمِ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى إبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، قَالَ: وَجَدَ عَلِيٌّ، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، دِرْعَهُ مَعَ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: دِرْعِي، سَقَطَتْ وَقْتَ كَذَا وَكَذَا.
فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: دِرْعِي، وَفِي يَدِي، بَيْنِي وَبَيْنَك قَاضِي الْمُسْلِمِينَ، فَارْتَفَعَا إلَى شُرَيْحٍ، فَلَمَّا رَآهُ شُرَيْحٌ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ، وَأَجْلِسَهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَجَلَسَ مَعَ الْيَهُودِيِّ بَيْنَ

يَدَيْهِ فَقَالَ عَلِيٌّ: إنَّ خَصْمِي لَوْ كَانَ مُسْلِمًا لَجَلَسْت مَعَهُ بَيْنَ يَدَيْك، وَلَكِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «لَا تُسَاوُوهُمْ فِي الْمَجَالِسِ» ذَكَرَهُ: أَبُو نُعَيْمٍ، فِي الْحِلْيَةِ.
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُضَيِّفَ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ دُونَ صَاحِبِهِ، إمَّا أَنْ يُضَيِّفَهُمَا مَعًا أَوْ يَدَعَهُمَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، أَنَّهُ نَزَلَ بِهِ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ: إنَّك خَصْمٌ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: تَحُلُّ عَنَّا، فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا تُضَيِّفُوا أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ إلَّا وَمَعَهُ خَصْمُهُ» . وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُوهِمُ الْخَصْمَ مَيْلَ الْحَاكِمِ إلَى مَنْ أَضَافَهُ.
وَلَا يُلَقِّنُ أَحَدَهُمَا حُجَّتَهُ، وَلَا مَا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى خَصْمِهِ، مِثْلَ أَنْ يُرِيدَ أَحَدُهُمَا الْإِقْرَارَ، فَيُلَقِّنَهُ الْإِنْكَارَ، أَوْ الْيَمِينَ فَيُلَقِّنَهُ النُّكُولَ، أَوْ النُّكُولَ، فَيُجْزِئَهُ عَلَى الْيَمِينِ، أَوْ يُحِسَّ مِنْ الشَّاهِدِ بِالتَّوَقُّفِ، فَيُجَسِّرَهُ عَلَى الشَّهَادَةِ، أَوْ يَكُونَ مُقْدِمًا عَلَى الشَّهَادَةِ، فَيُوقِفَهُ عَنْهَا، أَوْ يَقُولَ لِأَحَدِهِمَا وَحْدَهُ: تَكَلَّمْ.
وَنَحْوَ هَذَا مِمَّا فِيهِ إضْرَارٌ بِخَصْمِهِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ الْعَدْلَ بَيْنَهُمَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ لَقَّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السَّارِقَ، فَقَالَ: " مَا أَخَالُكَ سَرَقْت ". وَقَالَ عُمَرُ لِزِيَادٍ: أَرْجُو أَنْ لَا يَفْضَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْك رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قُلْنَا: لَا يَرِدُ هَذَا الْإِلْزَامُ هَاهُنَا؛ فَإِنَّ هَذَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ وَحُدُودِهِ، وَلَا خَصْمَ لِلْمُقِرِّ، وَلَا لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ فِي تَلْقِينِهِ حَيْفٌ عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ، وَلَا تَرْكٌ لِلْعَدْلِ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَاَلَّذِي قُلْنَا فِي الْمُخْتَلِفَيْنِ فِي حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ.
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَنِّتَ الشَّاهِدَ، وَلَا يُدَاخِلَهُ فِي كَلَامِهِ، وَيُعَنِّفَهُ فِي أَلْفَاظِهِ.

[فَصْلٌ حَضَرَ الْقَاضِي خُصُومٌ كَثِيرَة]

(8273) فَصْلٌ: وَإِذَا حَضَرَ الْقَاضِيَ خُصُومٌ كَثِيرَةٌ، قُدِّمَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْعَثَ مَنْ يَكْتُبُ مَنْ جَاءَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، فَيَقْدَمُهُ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: الْأَحْسَنُ أَنْ يَتَّخِذَ خَيْطًا مَمْدُودًا، طَرَفُهُ يَلِي مَجْلِسَ الْحَاكِمِ، وَالطَّرَفُ الْآخَرُ مَجْلِسَ الْخُصُومِ، فَكُلُّ مَنْ جَاءَ كَتَبَ اسْمَهُ فِي رُقْعَةٍ، وَثَقَبَهَا، وَأَدْخَلَهَا فِي الْخَيْطِ مِمَّا يَلِي مَجْلِسَ الْخُصُومِ، حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى آخِرِهِمْ، فَإِذَا جَلَسَ الْقَاضِي مَدَّ يَدَهُ إلَى الطَّرَفِ الَّذِي يَلِيهِ، فَأَخَذَ الرُّقْعَةَ الَّتِي تَلِيهِ، ثُمَّ الَّتِي بَعْدَهَا كَذَلِكَ، حَتَّى

يَأْتِيَ عَلَى آخِرِهَا فَإِنْ بَقِيَ مِنْهَا شَيْءٌ، وَزَالَ الْوَقْتُ الَّذِي يَقْضِي فِيهِ، عَرَفَ الطَّرَفَ الَّذِي يَلِيهِ حِينَ يَجْلِسُ، فَيَتَنَاوَلُ فِي الْمَجْلِسِ الثَّانِي الرِّقَاعَ، كَفِعْلِهِ بِالْأَمْسِ.
وَالِاعْتِبَارُ بِسَبْقِ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، وَمَتَى قَدَّمَ رَجُلًا لِسَبْقِهِ فَحَكَمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ، فَقَالَ: لِي دَعْوَى أُخْرَى.
لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَدَّمَهُ بِسَبْقِهِ فِي خُصُومَةٍ، فَلَا يُقَدِّمُهُ بِأُخْرَى، وَيَقُولُ لَهُ: اجْلِسْ حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ الْحَاضِرِينَ، نَظَرْت فِي دَعْوَاك الْأُخْرَى إنْ أَمْكَنَ.
فَإِذَا فَرَغَ الْكُلُّ، فَقَالَ الْأَخِيرُ بَعْدَ فَصْلِ خُصُومَتِهِ: لِي دَعْوَى أُخْرَى.
لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، حَتَّى يَسْمَعَ دَعْوَى الْأَوَّلِ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ يَسْمَعُ دَعْوَاهُ.
وَإِنْ ادَّعَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، عَلَى الْمُدَّعِي، حَكَمَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّنَا إنَّمَا نَعْتَبِرُ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ فِي الدَّعْوَى، لَا فِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَإِذَا تَقَدَّمَ الثَّانِي، فَادَّعَى عَلَى الْمُدَّعِي الْأَوَّلِ، أَوْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْأَوَّلِ، حَكَمَ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ حَضَرَ اثْنَانِ، أَوْ جَمَاعَةٌ دَفْعَةً وَاحِدَةً، أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَقَدَّمَ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ؛ لِتَسَاوِي حُقُوقِهِمْ، وَإِنْ كَثُرَ عَدَدُهُمْ، كَتَبَ أَسْمَاءَهُمْ فِي رِقَاعٍ، وَتَرَكَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمَدَّ يَدَهُ فَأَخَذَ رُقْعَةً رُقْعَةً، وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى، وَيُقَدِّمُ صَاحِبَهَا حَسَبَ مَا يَتَّفِقُ.
(8274) فَصْلٌ: فَإِنْ حَضَرَ مُسَافِرُونَ وَمُقِيمُونَ، وَكَانَ الْمُسَافِرُونَ قَلِيلًا، بِحَيْثُ لَا يَضُرُّ تَقْدِيمُهُمْ عَلَى الْمُقِيمِينَ، قَدَّمَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ عَلَى جَنَاحِ السَّفَرِ، يَشْتَغِلُونَ بِمَا يَصْلُحُ لِلرَّحِيلِ، وَقَدْ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ الصَّوْمَ وَشَطَرَ الصَّلَاةَ تَحْقِيقًا عَنْهُمْ، وَفِي تَأْخِيرِهِمْ ضَرَرٌ بِهِمْ، فَإِنْ شَاءَ أَفْرَدَ لَهُمْ يَوْمًا يَفْرُغُ مِنْ حَوَائِجِهِمْ فِيهِ، وَإِنْ شَاءَ قَدَّمَهُمْ مِنْ غَيْرِ إفْرَادِ يَوْمٍ لَهُمْ.
فَإِنْ كَانُوا كَثِيرًا، بِحَيْثُ يَضُرُّ تَقْدِيمُهُمْ، فَهُمْ وَالْمُقِيمُونَ سَوَاءٌ، لِأَنَّ تَقْدِيمَهُمْ مَعَ الْقِلَّةِ، إنَّمَا كَانَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْمُخْتَصِّ بِهِمْ فَإِذَا آلَ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْهُمْ إلَى الضَّرَرِ بِغَيْرِهِمْ، تَسَاوَوْا.
وَلَا خِلَافَ فِي أَكْثَرِ هَذِهِ الْآدَابِ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْقَضَاءِ، فَلَوْ قَدَّمَ الْمَسْبُوقَ، أَوْ قَدَّمَ الْحَاضِرِينَ، أَوْ نَحْوَهُ، كَانَ قَضَاؤُهُ صَحِيحًا.

[فَصْلٌ تَقَدَّمَ إلَى الْحَاكِم خَصْمَانِ]

(8275) فَصْلٌ: وَإِذَا تَقَدَّمَ إلَيْهِ خَصْمَانِ، فَإِنْ شَاءَ قَالَ: مَنْ الْمُدَّعِي مِنْكُمَا؟ لِأَنَّهُمَا حَضَرَا لِذَلِكَ، وَإِنْ شَاءَ سَكَتَ، وَيَقُولُ الْقَائِمُ عَلَى رَأْسِهِ: مَنْ الْمُدَّعِي مِنْكُمَا؟ إنْ سَكَتَا جَمِيعًا.
وَلَا يَقُولُ الْحَاكِمُ وَلَا صَاحِبُهُ لِأَحَدِهِمَا: تَكَلَّمْ.
لِأَنَّ فِي إفْرَادِهِ بِذَلِكَ تَفْضِيلًا لَهُ، وَتَرْكًا لِلْإِنْصَافِ.
قَالَ عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ: شَهِدْت شُرَيْحًا إذَا جَلَسَ إلَيْهِ الْخَصْمَانِ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ يَقُولُ: أَيُّكُمَا الْمُدَّعِي فَلْيَتَكَلَّمْ؟ وَإِنْ ذَهَبَ الْآخَرُ يَشْغَبُ، غَمَزَهُ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُدَّعِي، ثُمَّ يَقُولُ: تَكَلَّمْ.
فَإِنْ بَدَأَ أَحَدُهُمَا، فَادَّعَى، فَقَالَ خَصْمُهُ: أَنَا الْمُدَّعِي.
لَمْ يَلْتَفِتْ الْحَاكِمُ إلَيْهِ، وَقَالَ: أَجِبْ عَنْ دَعْوَاهُ، ثُمَّ ادَّعِ بَعْدُ مَا شِئْت.
فَإِنْ ادَّعَيَا مَعًا،

فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا.
وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، كَالْمَرْأَتَيْنِ إذَا زُفَّتَا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَاسْتَحْسَنَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمَا جَمِيعًا.
وَقِيلَ: يُرْجَأُ أَمْرُهُمَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْمُدَّعِي مِنْهُمَا.
وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحُكْمِ فِي الْقَضِيَّتَيْنِ مَعًا، وَإِرْجَاءُ أَمْرِهِمَا إضْرَارٌ بِهِمَا، وَفِيمَا ذَكَرْنَا دَفْعٌ الضَّرَرِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَلَهُ نَظِيرٌ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الشَّرْعِ، فَكَانَ أَوْلَى.

[فَصْلٌ سَمَاع الْحَاكِمُ الدَّعْوَى مُحَرَّرَةً]

(8276) فَصْلٌ: وَلَا يَسْمَعُ الْحَاكِمُ الدَّعْوَى إلَّا مُحَرَّرَةً، إلَّا فِي الْوَصِيَّةِ وَالْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَسْأَلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَمَّا ادَّعَاهُ، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِهِ لَزِمَهُ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ تَلْزَمَهُ مَجْهُولَةً وَيُفَارِقُ الْإِقْرَارَ؛ فَإِنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ، فَلَا يَسْقُطُ بِتَرْكِهِ إثْبَاتَهُ، وَإِنَّمَا صَحَّتْ الدَّعْوَى فِي الْوَصِيَّةِ مَجْهُولَةً؛ لِأَنَّهَا تَصِحُّ مَجْهُولَةً؛ فَإِنَّهُ لَوْ وَصَّى لَهُ بِشَيْءٍ أَوْ سَهْمٍ صَحَّ، فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَدَّعِيَهَا إلَّا مَجْهُولَةً كَمَا ثَبَتَ، وَكَذَلِكَ الْإِقْرَارُ، لَمَّا صَحَّ أَنْ يُقِرَّ بِمَجْهُولٍ، صَحَّ لِخَصْمِهِ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِمَجْهُولٍ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى أَثْمَانًا، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ؛ الْجِنْسُ، وَالنَّوْعُ، وَالْقَدْرُ، فَيَقُولَ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ بَصْرِيَّةً.
وَإِنْ اخْتَلَفَتْ بِالصِّحَاحِ وَالْمُكَسَّرَةِ، قَالَ: صِحَاحٌ.
أَوْ قَالَ: مُكَسَّرَةٌ.
وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي غَيْرِ الْأَثْمَانِ، وَكَانَتْ عَيْنًا تَنْضَبِطُ بِالصِّفَاتِ، كَالْحُبُوبِ وَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ، احْتَاجَ أَنْ يَذْكُرَ الصِّفَاتِ الَّتِي تُشْتَرَطُ فِي السِّلْمِ، وَإِنْ ذَكَرَ الْقِيمَةَ كَانَ آكَدَ، إلَّا أَنَّ الصِّفَةَ تُغْنِي فِيهِ كَمَا تُغْنِي فِي الْعَقْدِ.
وَإِنْ كَانَتْ جَوَاهِرَ وَنَحْوَهَا مِمَّا لَا يَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْضَبِطُ إلَّا بِهَا.
وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى تَالِفًا، وَهُوَ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ، كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، ادَّعَى مِثْلَهُ، وَضَبَطَهُ بِصِفَتِهِ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ، كَالنَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ، ادَّعَى قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِتَلَفِهِ.
وَإِنْ كَانَ التَّالِفُ شَيْئًا مُحَلًّى بِفِضَّةٍ أَوْ بِذَهَبٍ، قَوَّمَهُ بِغَيْرِ جِنْسِ حِلْيَتِهِ، وَإِنْ كَانَ مُحَلًّى بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، قَوَّمَهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ.
وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَقَارًا، فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ مَوْضِعِهِ وَحُدُودِهِ، فَيَدَّعِي أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ بِحُدُودِهَا وَحُقُوقِهَا لِي، وَأَنَّهَا فِي يَدِهِ ظُلْمًا، وَأَنَا أُطَالِبُهُ بِرَدِّهَا عَلَيَّ.
وَإِنْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لِي، وَأَنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْهَا، صَحَّتْ الدَّعْوَى وَإِنْ لَمْ يَقُلْ إنَّهَا فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُنَازِعَهُ وَيَمْنَعَهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي يَدِهِ.
وَإِنْ ادَّعَى جِرَاحَةً لَهَا أَرْشٌ مَعْلُومٌ، كَالْمُوضِحَةِ مِنْ الْحُرِّ، جَازَ أَنْ يَدَّعِيَ الْجِرَاحَةَ وَلَا يَذْكُرَ أَرْشَهَا؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ.
وَإِنْ كَانَتْ مِنْ عَبْدٍ، أَوْ كَانَتْ مِنْ حُرٍّ لَا مُقَدَّرَ فِيهَا، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ أَرْشِهَا.
وَإِنْ ادَّعَى عَلَى أَبِيهِ دَيْنًا، لَمْ تُسْمَعْ الدَّعْوَى حَتَّى يَدَّعِيَ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ، وَتَرَكَ فِي يَدِهِ مَالًا؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَلْزَمُهُ

قَضَاءُ دِينِ وَالِدِهِ مَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.
وَيَحْتَاجُ أَنْ يَذْكُرَ تَرِكَةَ أَبِيهِ، وَيُحَرِّرَهَا، وَيَذْكُرَ قَدْرَهَا، كَمَا يَصْنَعُ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ.
هَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ؛ تَحْرِيرُ دَيْنِهِ، وَمَوْتُ أَبِيهِ، وَأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ تَرِكَةِ أَبِيهِ مَا فِيهِ وَفَاءٌ لِدَيْنِهِ.
وَإِنْ قَالَ: مَا فِيهِ وَفَاءٌ لِبَعْضِ دَيْنِهِ.
احْتَاجَ أَنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ الْقَدْرَ.
وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فِي نَفْيِ تَرِكَةِ الْأَبِ مَعَ يَمِينِهِ.
وَإِنْ أَنْكَرَ مَوْتَ أَبِيهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَيَكْفِيهِ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى نَفْي الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ، وَقَدْ يَمُوتُ وَلَا يَعْلَمُ بِهِ ابْنُهُ، وَيَكْفِيهِ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّ مَا وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ تَرِكَةِ أَبِيهِ مَا فِيهِ وَفَاءُ حَقِّهِ، وَلَا شَيْءٌ مِنْهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّ أَبَاهُ لَمْ يُخَلِّفْ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُخَلِّفُ تَرِكَةً فَلَا تَصِلُ إلَيْهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِيفَاءُ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ الْمُدَّعِي تَحْرِيرَ الدَّعْوَى، فَهَلْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُلَقِّنَهُ تَحْرِيرَهَا؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى صَاحِبِهِ فِي ذَلِكَ.
وَالثَّانِي، لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةَ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ فِي حُكُومَتِهِ.

[فَصْلٌ مَا يَفْعَلهُ الْحَاكِم إذَا حَرَّرَ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ]

(8277) فَصْلٌ: إذَا حَرَّرَ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ، فَلِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَ خَصْمَهُ الْجَوَابَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ الْمُدَّعِي ذَلِكَ، لِأَنَّ شَاهِدَ الْحَالِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ إحْضَارَهُ الدَّعْوَى إنَّمَا يُرَادُ لِيَسْأَلَ الْحَاكِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَقَدْ أَغْنَى ذَلِكَ عَنْ سُؤَالِهِ، فَيَقُولُ لِخَصْمِهِ: مَا تَقُولُ فِيمَا يَدَّعِيهِ؟ فَإِنْ أَقَرَّ لَزِمَهُ، وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ إلَّا بِمَسْأَلَةِ الْمُقَرِّ لَهُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَيْهِ حَقٌّ لَهُ، فَلَا يَسْتَوْفِيهِ إلَّا بِمَسْأَلَةٍ مُسْتَحَقَّةٍ، هَكَذَا ذَكَرَ أَصْحَابُنَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ لَهُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ قَبْلَ مَسْأَلَةِ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْحَالَ تَدُلُّ عَلَى إرَادَتِهِ ذَلِكَ، فَاكْتُفِيَ بِهَا، كَمَا اُكْتُفِيَ بِهَا فِي مَسْأَلَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْجَوَابَ، وَلِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَا يَعْرِفُ مُطَالَبَةَ الْحَاكِمِ بِذَلِكَ، فَيَتْرُكُ مُطَالَبَتَهُ بِهِ لِجَهْلِهِ، فَيَضِيعُ حَقُّهُ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ قَبْلَ مَسْأَلَتِهِ.
وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، إنْ سَأَلَهُ الْخَصْمُ فَقَالَ: اُحْكُمْ لِي.
حَكَمَ عَلَيْهِ، وَالْحُكْمُ أَنْ يَقُولَ: قَدْ أَلْزَمْتُك ذَلِكَ، أَوْ قَضَيْت عَلَيْك لَهُ.
أَوْ يَقُولَ: اُخْرُجْ لَهُ مِنْهُ.
فَمَتَى قَالَ لَهُ أَحَدَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، كَانَ حُكْمًا بِالْحَقِّ، وَإِنْ أَنْكَرَ فَقَالَ: لَا حَقَّ لَك قِبَلِي.
فَهَذَا مَوْضِعُ الْبَيِّنَةِ، قَالَ الْحَاكِمُ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ حَضْرَمِيٌّ وَكِنْدِيٌّ، فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي.
فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي، وَفِي يَدِي، وَلَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ.
فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْحَضْرَمِيِّ: أَلَك بَيِّنَةٌ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَلَكَ يَمِينُهُ» . وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي عَارِفًا بِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْبَيِّنَةِ، فَالْحَاكِمُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: أَلَك بَيِّنَةٌ؟ وَبَيْنَ أَنْ يَسْكُتَ، فَإِذَا قَالَ لَهُ: أَلَك بَيِّنَةٌ؟ فَذَكَرَ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً حَاضِرَةً، لَمْ يَقُلْ لَهُ الْحَاكِمُ: أَحْضِرْهَا.
لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لَهُ، فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَرَى.
وَإِذَا أَحْضَرَهَا لَمْ يَسْأَلْهَا الْحَاكِمُ عَمَّا عِنْدَهَا حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمُدَّعِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ فَلَا يَسْأَلُهُ، وَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ، فَإِذَا سَأَلَهُ الْمُدَّعِي سُؤَالَهَا، قَالَ: مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ فَلْيَذْكُرْهَا، إنْ شَاءَ؟ وَلَا يَقُولُ لَهُمَا: اشْهَدَا.
لِأَنَّهُ أَمْرٌ.
وَكَانَ شُرَيْحٌ يَقُولُ لِلشَّاهِدَيْنِ: مَا أَنَا دَعَوْتُكُمَا، وَلَا أَنْهَاكُمَا أَنْ تَرْجِعَا، وَمَا يَقْضِي عَلَى هَذَا الْمُسْلِمِ غَيْرُكُمَا، وَإِنِّي بِكُمَا أَقْضِي الْيَوْمَ، وَبِكُمَا أَتَّقِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ عَلَيْهِمَا مَا يُوجِبُ رَدَّ شَهَادَتِهِمَا، رَدَّهَا.
كَمَا رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ، أَنَّهُ شَهِدَ عِنْدَهُ شَاهِدٌ، وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مَخْرُوطُ الْكُمَّيْنِ، فَقَالَ لَهُ شُرَيْحٌ: أَتُحْسِنُ أَنْ تَتَوَضَّأَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَاحْسُرْ عَنْ ذِرَاعَيْك.
فَذَهَبَ يَحْسُرُ عَنْهُمَا، فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَقَالَ لَهُ شُرَيْحٌ: قُمْ، فَلَا شَهَادَةَ لَك.
وَإِنْ أَدَّيَا الشَّهَادَةَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا، مِثْلَ أَنْ يَقُولَا: بَلَغَنَا أَنَّ عَلَيْهِ أَلْفًا، أَوْ سَمِعْنَا ذَلِكَ.
رُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا.
وَشَهِدَ رَجُلٌ عِنْدَ شُرَيْحٍ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّهُ اتَّكَأَ عَلَيْهِ بِمِرْفَقِهِ حَتَّى مَاتَ.
فَقَالَ شُرَيْحٌ: أَتَشْهَدُ أَنَّهُ قَتَلَهُ؟ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّهُ اتَّكَأَ عَلَيْهِ بِمِرْفَقِهِ حَتَّى مَاتَ.
قَالَ أَتَشْهَدُ أَنَّهُ قَتَلَهُ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّهُ اتَّكَأَ عَلَيْهِ بِمِرْفَقِهِ حَتَّى مَاتَ.
قَالَ: قُمْ، لَا شَهَادَةَ لَك.
وَإِنْ كَانَتْ شَهَادَةً صَحِيحَةً، وَعَرَفَ الْحَاكِمُ عَدَالَتَهُمْ، قَالَ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ: قَدْ شَهِدَا عَلَيْك، فَإِنْ كَانَ عِنْدَكِ مَا يَقْدَحُ فِي شَهَادَتِهِمَا، فَبَيِّنِهِ عِنْدِي.
فَإِنْ سَأَلَ الْإِنْظَارَ، أَنْظِرْهُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ.
فَإِنْ لَمْ يَجْرَحْ حَكَمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ وَضَحَ عَلَى وَجْهٍ لَا إشْكَالَ فِيهِ.
وَإِنْ ارْتَابَ بِشَهَادَتِهِمْ، فَرَّقَهُمْ، فَسَأَلَ كُلَّ وَاحِدٍ عَنْ شَهَادَتِهِ وَصِفَتِهَا، فَيَقُولُ: كُنْت أَوَّلَ مَنْ شَهِدَ، أَوْ كَتَبْت، أَوْ لَمْ تَكْتُبْ، وَفِي أَيِّ مَكَان شَهِدْت، وَفِي أَيِّ شَهْرٍ، وَأَيِّ

يَوْمٍ؟ وَهَلْ كُنْت وَحْدَك، أَوْ مَعَك غَيْرُك؟ فَإِنْ اخْتَلَفُوا، سَقَطَتْ شَهَادَتُهُمْ، وَإِنْ اتَّفَقُوا بَحَثَ عَنْ عَدَالَتِهِمْ.
وَيُقَالُ: أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ هَذَا دَنْيَالُ.
وَيُقَالُ: فَعَلَهُ سُلَيْمَانُ، وَهُوَ صَغِيرٌ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ سَبْعَةَ نَفَرٍ خَرَجُوا، فَفُقِدَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، فَأَتَتْ زَوْجَتُهُ عَلِيًّا، فَدَعَا السِّتَّةَ، فَسَأَلَهُمْ عَنْهُ، فَأَنْكَرُوا، فَفَرَّقَهُمْ، وَأَقَامَ كُلَّ وَاحِدٍ عِنْدَ سَارِيَةٍ، وَوَكَّلَ بِهِ مَنْ يَحْفَظُهُ، وَدَعَا وَاحِدًا مِنْهُمْ، فَسَأَلَهُ فَأَنْكَرَ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ.
فَظَنَّ الْبَاقُونَ أَنَّهُ قَدْ اعْتَرَفَ، فَدَعَاهُمْ فَاعْتَرَفُوا، فَقَالَ لِلْأَوَّلِ: قَدْ شَهِدُوا عَلَيْك، وَأَنَا قَاتِلُك.
فَاعْتَرَفَ، فَقَتَلَهُمْ.
وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ عَدَالَتَهُمَا، بَحَثَ عَنْهَا، فَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ عَدَالَتُهُمَا، قَالَ لِلْمُدَّعِي: زِدْنِي شُهُودًا.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، عَرَّفَهُ الْحَاكِمُ أَنَّ لَك يَمِينَهُ.
وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ قَبْلَ مَسْأَلَةِ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ حَقٌّ لَهُ، فَلَمْ يَجُزْ اسْتِيفَاؤُهَا مِنْ غَيْرِ مُطَالَبَةِ مُسْتَحَقِّهَا، كَنَفْسِ الْحَقِّ.
فَإِنْ اسْتَحْلَفَهُ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، أَوْ بَادَرَ الْمُنْكِرُ فَحَلَفَ، لَمْ يُعْتَدَّ بِيَمِينِهِ.
لِأَنَّهُ أَتَى بِهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا.
وَإِذَا سَأَلَهَا الْمُدَّعِي، أَعَادَهَا لَهُ؛ لِأَنَّ الْأُولَى لَمْ تَكُنْ يَمِينَهُ.
وَإِنْ أَمْسَكَ الْمُدَّعِي عَنْ إحْلَافِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَرَادَ إحْلَافَهُ بِالدَّعْوَى الْمُتَقَدِّمَةِ، جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْقِطْ حَقَّهُ مِنْهَا، وَإِنَّمَا أَخَّرَهَا.
وَإِنْ قَالَ: أَبْرَأْتُك مِنْ هَذِهِ الْيَمِينِ.
سَقَطَ حَقُّهُ مِنْهَا فِي هَذِهِ الدَّعْوَى، وَلَهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّ حَقَّهُ لَا يَسْقُطُ بِالْإِبْرَاءِ مِنْ الْيَمِينِ.
فَإِنْ اسْتَأْنَفَ الدَّعْوَى، فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَلَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى غَيْرُ الدَّعْوَى الَّتِي أَبْرَأَهُ فِيهَا مِنْ الْيَمِينِ، فَإِنْ حَلَفَ سَقَطَتْ الدَّعْوَى، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي أَنْ يُحَلِّفَهُ يَمِينًا أُخْرَى، لَا فِي هَذَا الْمَجْلِسِ، وَلَا فِي غَيْرِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ لِجَمَاعَةٍ فَرَضُوا بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ، جَازَ، وَسَقَطَتْ دَعْوَاهُمْ بِالْيَمِينِ؛ لِأَنَّهَا حَقُّهُمْ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ ثُبُوتُ الْحَقِّ بِبَيِّنَةٍ وَاحِدَةٍ لِجَمَاعَةٍ، جَازَ سُقُوطُهُ بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ.
قَالَ الْقَاضِي: وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ حَتَّى يَحْلِفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا.
وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ حُجَّةٌ فِي حَقِّ الْوَاحِدِ، فَإِذَا رَضِيَ بِهَا اثْنَانِ، صَارَتْ الْحُجَّةُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَاقِصَةً، وَالْحُجَّةُ النَّاقِصَةُ لَا تَكْمُلُ بِرِضَى الْخَصْمِ، كَمَا لَوْ رَضِيَ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، فَإِذَا رَضِيَا بِهِ، جَازَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ رِضَاهُمَا بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ، أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَعْضُ الْيَمِينِ، كَمَا أَنَّ الْحُقُوقَ إذَا قَامَتْ بِهَا بَيِّنَةٌ وَاحِدَةٌ، لَا يَكُونُ لِكُلِّ حَقٍّ بَعْضُ الْبَيِّنَةِ، فَأَمَّا إنْ حَلَّفَهُ لِجَمِيعِهِمْ يَمِينًا وَاحِدَةً بِغَيْرِ رِضَاهُمْ، لَمْ تَصِحَّ يَمِينُهُ.
بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
وَقَدْ حَكَى الْإِصْطَخْرِيُّ، أَنَّ إسْمَاعِيلَ بْنَ إِسْحَاقَ الْقَاضِيَ، حَلَّفَ رَجُلًا بِحَقِّ لِرَجُلَيْنِ يَمِينًا وَاحِدَةً، فَخَطَّأَهُ أَهْلُ عَصْرِهِ.

وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي: لِي بَيِّنَةٌ غَائِبَةٌ.
قَالَ لَهُ الْحَاكِمُ: لَك يَمِينُهُ، فَإِنْ شِئْت فَاسْتَحْلِفْهُ، وَإِنْ شِئْت أَخَّرْته إلَى أَنْ تُحْضِرَ بَيِّنَتَك، وَلَيْسَ لَك مُطَالَبَتُهُ بِكَفِيلٍ، وَلَا مُلَازَمَتُهُ حَتَّى تُحْضِرَ الْبَيِّنَةَ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ، لَيْسَ لَك إلَّا ذَلِكَ» . فَإِنْ أَحْلَفَهُ، ثُمَّ حَضَرَتْ بَيِّنَتُهُ، حَكَمَ بِهَا، وَلَمْ تَكُنْ مُزِيلَةً لِلْحَقِّ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهَا عِنْدَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ، فَإِذَا وُجِدَتْ الْبَيِّنَةُ بَطَلَتْ الْيَمِينُ، وَتَبَيَّنَ كَذِبُهَا.
وَإِنْ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ، وَأُرِيدُ يَمِينَهُ ثُمَّ أُقِيمُ بَيِّنَتِي.
لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَسْتَحْلِفُهُ، وَإِنْ نَكِلَ قَضَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِي الِاسْتِحْلَافِ فَائِدَةً، وَهُوَ أَنَّهُ رُبَّمَا نَكِلَ، فَقَضَى عَلَيْهِ، فَأَغْنَى عَنْ الْبَيِّنَةِ.
وَلَنَا، قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ، لَيْسَ لَك إلَّا ذَلِكَ» . وَ " أَوْ " لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ فَصْلُ الْخُصُومَةِ بِالْبَيِّنَةِ، فَلَمْ يُشْرَعْ غَيْرُهَا مَعَ إرَادَةِ الْمُدَّعِي إقَامَتَهَا وَحُضُورَهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَطْلُبْ يَمِينَهُ، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ بَدَلٌ، فَلَمْ يَجِبْ الْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مُبْدَلِهَا، كَسَائِرِ الْأَبْدَالِ مَعَ مُبْدَلَاتِهَا، وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي: لَا أُرِيدُ إقَامَتَهَا، وَإِنَّمَا أُرِيدُ يَمِينَهُ أَكْتَفِي بِهَا.
اسْتَحْلَفَ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ حَقُّهُ، فَإِذَا رَضِيَ بِإِسْقَاطِهَا، وَتَرْكِ إقَامَتِهَا، فَلَهُ ذَلِكَ، كَنَفْسِ الْحَقِّ.
فَإِنْ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَرَادَ الْمُدَّعِي إقَامَةَ بَيِّنَتِهِ، فَهَلْ يَمْلِكُ ذَلِكَ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تَبْطُلُ بِالِاسْتِحْلَافِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ غَائِبَةً.
وَالثَّانِي، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ إقَامَتِهَا، وَلِأَنَّ تَجْوِيزَ إقَامَتِهَا، يَفْتَحُ بَابَ الْحِيلَةِ، لِأَنَّهُ يَقُولُ: لَا أُرِيدُ إقَامَتَهَا.
لِيَحْلِفَ خَصْمُهُ، ثُمَّ يُقِيمُهَا.
فَإِنْ كَانَ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فِي الْأَمْوَالِ، عَرَّفَهُ الْحَاكِمُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ، وَيَسْتَحِقُّ، فَإِنْ قَالَ: لَا أَحْلِفُ أَنَا، وَأَرْضَى بِيَمِينِهِ.
اسْتَحْلَفَ لَهُ، فَإِذَا حَلَفَ، سَقَطَ الْحَقُّ عَنْهُ، فَإِنْ عَادَ الْمُدَّعِي بَعْدَهَا، فَقَالَ: أَنَا أَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِي.
لَمْ يَسْتَحْلِفْ، وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ فِعْلُهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا، فَأَمْكَنَهُ أَنْ يُسْقِطَهَا، بِخِلَافِ الْبَيِّنَةِ.
وَإِنْ عَادَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَبَذَلَ الْيَمِينَ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ.
وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا: يَسْتَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَقُولُ لَهُ: إنْ حَلَفْت، وَإِلَّا جَعَلْتُك نَاكِلًا، وَقَضَيْت عَلَيْك.
ثَلَاثًا، فَإِنْ حَلَفَ، وَإِلَّا حَكَمَ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ إذَا سَأَلَهُ الْمُدَّعِي ذَلِكَ.
فَإِنْ سَكَتَ عَنْ جَوَابِ الدَّعْوَى، فَلَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ، حَبَسَهُ الْحَاكِمُ حَتَّى يُجِيبَ، وَلَا يَجْعَلُهُ بِذَلِكَ نَاكِلًا.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي، فِي الْمُجَرَّدِ.

وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَقُولُ لَهُ الْحَاكِمُ: إنْ أَجَبْت، وَإِلَّا جَعَلْتُك نَاكِلًا، وَحَكَمْت عَلَيْك.
وَيُكَرِّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَجَابَ وَإِلَّا جَعَلَهُ نَاكِلًا، وَحَكَمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ نَاكِلٌ عَمَّا تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْجَوَابُ فِيهِ، فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ عَنْهُ، كَالْيَمِينِ.

[مَسْأَلَةٌ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَالْأَمِيرِ إلَى الْأَمِيرِ]

(8278) مَسْأَلَةٌ، قَالَ: وَإِذَا حَكَمَ عَلَى رَجُلٍ فِي عَمَلِ غَيْرِهِ فَكَتَبَ بِإِنْفَاذِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ إلَى قَاضِي ذَلِكَ الْبَلَدِ، قَبِلَ كِتَابَهُ، وَأَخَذَ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْحَقِّ ثُمَّ الْأَصْلُ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَالْأَمِيرِ إلَى الْأَمِيرِ، الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: 29] ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: 30] ﴿أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: 31] . وَأَمَّا السُّنَّةُ، «فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ إلَى كِسْرَى، وَقَيْصَرَ، وَالنَّجَاشِيِّ، وَمُلُوكِ الْأَطْرَافِ، وَكَانَ يَكْتُبُ إلَى وُلَاتِهِ، وَيَكْتُبُ لِعُمَّالِهِ وَسُعَاتِهِ، وَكَانَ فِي كِتَابِهِ إلَى قَيْصَرَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، إلَى قَيْصَرَ عَظِيمِ الرُّومِ، أَمَّا بَعْدُ، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِك اللَّهُ أَجْرًا عَظِيمًا، فَإِنْ تَوَلَّيْت، فَإِنَّ عَلَيْك إثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ، وَ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: 64] » . وَرَوَى الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ «كَتَبَ إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنْ وَرِّثْ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا» . وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي.
وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى قَبُولِهِ دَاعِيَةٌ، فَإِنَّ مَنْ لَهُ حَقٌّ فِي بَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ إتْيَانُهُ، وَالْمُطَالَبَةُ بِهِ، إلَّا بِكِتَابِ الْقَاضِي، فَوَجَبَ قَبُولُهُ.

إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ كِتَابَ الْقَاضِي يُقْبَلُ فِي الْأَمْوَالِ، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ، وَلَا يُقْبَلُ فِي الْحُدُودِ، كَحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى.
وَهَلْ يُقْبَلُ فِيمَا عَدَا هَذَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: يُقْبَلُ فِي كُلِّ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ، مِنْ الْجِرَاحِ وَغَيْرِهَا، وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُدُودِ الَّتِي لِلَّهِ تَعَالَى؟ عَلَى قَوْلَيْنِ.
وَتَمَامُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْفَصْلِ يُذْكَرُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالْكِتَابُ عَلَى ضَرْبَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ يَكْتُبَ بِمَا حَكَمَ بِهِ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ، فَيَغِيبَ قَبْلَ إيفَائِهِ، أَوْ يَدَّعِيَ حَقًّا عَلَى غَائِبٍ، وَيُقِيمَ بِهِ بَيِّنَةً، وَيَسْأَلَ الْحَاكِمَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ، فَيَحْكُمَ عَلَيْهِ، وَيَسْأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا يَحْمِلُهُ إلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْغَائِبُ، فَيَكْتُبَ لَهُ إلَيْهِ، أَوْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عَلَى حَاضِرٍ، فَيَهْرُبَ قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، فَيَسْأَلَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْحَاكِمَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا بِحُكْمِهِ.
فَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ، يَلْزَمُ الْحَاكِمَ إجَابَتُهُ إلَى الْكِتَابَةِ، وَيَلْزَمُ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ قَبُولُهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ بَعِيدَةٌ أَوْ قَرِيبَةٌ، حَتَّى لَوْ كَانَا فِي جَانِبَيْ بَلَدٍ أَوْ مَجْلِسٍ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ وَإِمْضَاؤُهُ، سَوَاءٌ كَانَ حُكْمًا عَلَى حَاضِرٍ أَوْ غَائِبٍ.
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يَجِبُ إمْضَاؤُهُ عَلَى كُلِّ حَاكِمٍ.
الضَّرْبُ الثَّانِي، أَنْ يَكْتُبَ يُعْلِمُهُ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ عِنْدَهُ بِحَقٍّ لِفُلَانٍ، مِثْلَ أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عِنْدَهُ بِحَقٍّ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ، فَيَسْأَلُهُ صَاحِبُ الْحَقِّ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا بِمَا حَصَلَ عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ يَكْتُبُ لَهُ أَيْضًا.
قَالَ الْقَاضِي: وَيَكُونُ فِي كِتَابِهِ: شَهِدَ عِنْدِي فُلَانٌ وَفُلَانٌ بِكَذَا وَكَذَا.
لِيَكُونَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ هُوَ الَّذِي يَقْضِي بِهِ، وَلَا يَكْتُبُ: ثَبَتَ عِنْدِي؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ثَبَتَ عِنْدِي.
حُكْمٌ بِشَهَادَتِهِمَا، فَهَذَا لَا يَقْبَلُهُ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ، إلَّا فِي الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ، الَّتِي هِيَ مَسَافَةُ الْقَصْرِ، وَلَا يَقْبَلُهُ فِيمَا دُونَهَا؛ لِأَنَّهُ نَقْلُ شَهَادَةٍ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ.
وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: يَجُوزُ أَنْ يَقْبَلَهُ فِي بَلَدِهِ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلُ هَذَا.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ.
وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَهُ بِأَنَّهُ كِتَابُ الْحَاكِمِ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، فَجَازَ قَبُولُهُ مَعَ الْقُرْبِ، كَكِتَابِهِ بِحُكْمِهِ.
وَلَنَا، أَنَّ ذَلِكَ نَقْلُ الشَّهَادَةِ إلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ مَعَ الْقُرْبِ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَيُفَارِقُ كِتَابَهُ بِالْحُكْمِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِنَقْلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ يَلْزَمُهُ قَبُولُ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ الَّذِي حَكَمَ عَلَيْهِ بِهِ، فَيَبْعَثُ إلَيْهِ، فَيَسْتَدْعِيهِ، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِالْحَقِّ، أَمَرَهُ بِأَدَائِهِ، وَأَلْزَمَهُ إيَّاهُ.
وَإِنْ قَالَ: لَسْت الْمُسَمَّى فِي هَذَا الْكِتَابِ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً أَنَّهُ الْمُسَمَّى فِي الْكِتَابِ.
وَإِنْ اعْتَرَفَ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ اسْمُهُ، وَالنَّسَبَ نَسَبُهُ، وَالصِّفَةَ صِفَتُهُ، إلَّا أَنَّ الْحَقَّ لَيْسَ هُوَ عَلَيْهِ، إنَّمَا هُوَ عَلَى آخَرَ يُشَارِكُهُ فِي الِاسْمِ وَالنَّسَبِ وَالصِّفَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعِي فِي نَفْيِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ الْمُشَارَكَةِ فِي هَذَا كُلِّهِ، فَإِنْ أَقَامَ

الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ مِنْ وُجُودِ مُشَارِكٍ لَهُ فِي هَذَا كُلِّهِ، أَحْضَرَهُ الْحَاكِمُ، وَسَأَلَهُ عَنْ الْحَقِّ، فَإِنْ اعْتَرَفَ بِهِ، أَلْزَمَهُ بِهِ، وَتَخَلَّصَ الْأَوَّلُ، وَإِنْ أَنْكَرَهُ، وَقَفَ الْحُكْمَ، وَيَكْتُبُ إلَى الْحَاكِمِ الْكَاتِبُ يُعْلِمُهُ الْحَالَ، وَمَا وَقَعَ مِنْ الْإِشْكَالِ، حَتَّى يُحْضِرَ الشَّاهِدَيْنِ، فَيَشْهَدَا عِنْدَهُ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا.
وَإِنْ ادَّعَى الْمُسَمَّى أَنَّهُ كَانَ فِي الْبَلَدِ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي الِاسْمِ وَالصِّفَةِ، وَقَدْ مَاتَ، نَظَرْنَا؛ فَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ قَبْلَ وُقُوعِ الْمُعَامَلَةِ الَّتِي وَقَعَ الْحُكْمُ بِهَا، أَوْ كَانَ مِمَّنْ لَمْ يُعَاصِرْهُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ، أَوْ الْمَحْكُومُ لَهُ، لَمْ يَقَعْ إشْكَالٌ، وَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
وَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ الْحُكْمِ، أَوْ بَعْدَ الْمُعَامَلَةِ، وَكَانَ مِمَّنْ أَمْكَنَ أَنْ تَجْرِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَحْكُومِ لَهُ مُعَامَلَةٌ، فَقَدْ وَقَعَ الْإِشْكَالُ، كَمَا لَوْ كَانَ حَيًّا؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ عَلَى الَّذِي مَاتَ.

[فَصْلٌ إذَا كَتَبَ الْحَاكِمُ بِثُبُوتِ بَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ بِدِينِ]

(8279) فَصْلٌ: وَإِذَا كَتَبَ الْحَاكِمُ بِثُبُوتِ بَيِّنَةٍ، أَوْ إقْرَارٍ بِدَيْنٍ، جَازَ، وَحَكَمَ بِهِ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ، وَأَخَذَ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَيْنًا؛ كَعَقَارٍ مَحْدُودٍ، أَوْ عَيْنٍ مَشْهُودَةٍ، لَا تَشْتَبِهُ بِغَيْرِهَا، كَعَبْدٍ مَعْرُوفٍ مَشْهُورٍ، أَوْ دَابَّةٍ كَذَلِكَ، حَكَمَ بِهِ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ أَيْضًا، وَأُلْزِمَ تَسْلِيمَهُ إلَى الْمَحْكُومِ لَهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ عَيْنًا لَا تَتَمَيَّزُ إلَّا بِالصِّفَةِ، كَعَبْدٍ غَيْرِ مَشْهُودٍ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْيَانِ الَّتِي لَا تَتَمَيَّزُ إلَّا بِالْوَصْفِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَقْبَلُ كِتَابَهُ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ لَا يَكْفِي، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَشْهَدَ لِرَجُلٍ بِالْوَصْفِ وَالتَّحْلِيَةِ، كَذَلِكَ الْمَشْهُودُ بِهِ.
وَالثَّانِي، يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ بِالْعَقْدِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، فَأَشْبَهَ الدَّيْنَ، وَيُخَالِفُ الْمَشْهُودَ لَهُ، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ فِيهِ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ لَهُ لَا تَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ دَعْوَاهُ، وَلِأَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ يَثْبُتُ بِالصِّفَةِ وَالتَّحْلِيَةِ، فَكَذَلِكَ الْمَشْهُودُ بِهِ.
فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ، يَنْفُذُ الْعَيْنَ مَخْتُومَةً، وَإِنْ كَانَ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ خَتَمَ فِي عُنُقِهِ، وَبَعَثَهُ إلَى الْقَاضِي الْكَاتِبِ، لِيَشْهَدَ الشَّاهِدَانِ عَلَى عَيْنِهِ، فَإِنْ شَهِدَا عَلَيْهِ، دُفِعَ إلَى الْمَشْهُودِ لَهُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدَا عَلَى عَيْنِهِ، أَوْ قَالَ: الْمَشْهُودُ بِهِ غَيْرُ هَذَا.
وَجَبَ عَلَى آخِذِهِ رَدُّهُ إلَى صَاحِبِهِ، وَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَغْصُوبِ فِي ضَمَانِهِ، وَضَمَانِ نَقْصِهِ وَمَنْفَعَتِهِ، فَيَلْزَمُهُ أَجْرُهُ إنْ كَانَ لَهُ أَجْرٌ مِنْ يَوْمِ أَخْذِهِ، إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ صَاحِبِهِ قَهْرًا بِغَيْرِ حَقٍّ.

[فَصْلٌ الْحَاكِمَ إنَّمَا يَكْتُبُ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ أَوْ حَكَمَ بِهِ]

(8280) فَصْلٌ: وَمَنْ اسْتَوْفَى الْحَقَّ مِنْ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، فَقَالَ لِلْحَاكِمِ عَلَيْهِ: اُكْتُبْ لِي مَحْضَرًا بِمَا جَرَى؛ لِئَلَّا يَلْقَانِي خَصْمِي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، فَيُطَالِبَنِي بِهِ مَرَّةً أُخْرَى.
فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، تَلْزَمُهُ إجَابَتُهُ؛ لِيَخْلُصَ مِنْ الْمَحْذُورِ الَّذِي يَخَافُهُ.

وَالثَّانِي، لَا تَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ إنَّمَا يَكْتُبُ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، أَوْ حَكَمَ بِهِ، فَأَمَّا اسْتِئْنَافُ ابْتِدَاءٍ، فَيَكْفِيهِ فِيهِ الْإِشْهَادُ، فَيُطَالِبُهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِقَبْضِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ عَلَيْهِ بِالشَّهَادَةِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِهَذَا الْحَقِّ، وَيَخَافُ الضَّرَرَ بِدُونِ الْمَحْضَرِ، فَأَشْبَهَ مَا حَكَمَ بِهِ ابْتِدَاءً.
وَإِنْ طَالِبَ الْمَحْكُومُ لَهُ بِدَفْعِ الْكِتَابِ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ الْحَقُّ، لَمْ يَلْزَمْهُ دَفْعُهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُهُ إلَى غَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ لَهُ كِتَابٌ بِدَيْنٍ، فَاسْتَوْفَاهُ، أَوْ عَقَارٌ فَبَاعَهُ، لَا يَلْزَمُهُ دَفْعُ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ؛ وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ مَا قَبَضَهُ مُسْتَحَقًّا، فَيَعُودَ إلَى مَالِهِ.

[فَصْلٌ الْكِتَابُ مِنْ قَاضِي مِصْرٍ إلَى قَاضِي مِصْرٍ]

(8281) فَصْلٌ: وَيُقْبَلُ الْكِتَابُ مِنْ قَاضِي مِصْرٍ إلَى قَاضِي مِصْرٍ، وَإِلَى قَاضِي قَرْيَةٍ، وَمِنْ قَاضِي قَرْيَةٍ إلَى قَاضِي قَرْيَةٍ، وَقَاضِي مِصْرٍ.
وَمِنْ الْقَاضِي إلَى خَلِيفَتِهِ، وَمِنْ خَلِيفَتِهِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كِتَابٌ مِنْ قَاضٍ إلَى قَاضٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَوَيَا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ إلَى قَاضٍ مُعَيَّنٍ، وَإِلَى مَنْ وَصَلَهُ كِتَابِيّ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَحُكَّامِهِمْ، مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، وَيَلْزَمُ مَنْ وَصَلَهُ قَبُولُهُ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ.
وَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو يُوسُفَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ إلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ.
وَلَنَا، أَنَّهُ كِتَابُ حَاكِمٍ مِنْ وِلَايَتِهِ، وَصَلَ إلَى حَاكِمٍ، فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ، كَمَا لَوْ كَانَ الْكِتَابُ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ.

[فَصْلٌ صِفَةُ كِتَاب الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي]

فَصْلٌ: وَصِفَةُ الْكِتَابِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سَبَبُ هَذَا الْكِتَابِ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَ مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَحُكَّامِهِمْ، أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدِي فِي مَجْلِسِ حُكْمِي وَقَضَائِي، الَّذِي أَتَوَلَّاهُ بِمَكَانِ كَذَا.
وَإِنْ كَانَ نَائِبًا، قَالَ: الَّذِي أَنُوبُ فِيهِ عَنْ الْقَاضِي فُلَانٍ، بِمَحْضَرٍ مِنْ خَصْمَيْنِ؛ مُدَّعٍ، وَمُدَّعًى عَلَيْهِ، جَازَ اسْتِمَاعُ الدَّعْوَى مِنْهُمَا، وَقَبُولُ الْبَيِّنَةِ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، بِشَهَادَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَهُمَا مِنْ الشُّهُودِ الْمُعَدَّلِينَ عِنْدِي، عَرَفْتُهُمَا، وَقَبِلْت شَهَادَتَهُمَا، بِمَا رَأَيْت مَعَهُ قَبُولَهَا مَعْرِفَةَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ، بِعَيْنِهِ وَاسْمِهِ وَنَسَبِهِ.
فَإِنْ كَانَ فِي إثْبَاتِ أَسْرِ أَسِيرٍ قَالَ: وَإِنَّ الْفِرِنْجَ، خَذَلَهُمْ اللَّهُ، أَسَرُوهُ بِمَكَانِ كَذَا، فِي وَقْتِ كَذَا، وَأَخَذُوهُ إلَى مَكَانِ كَذَا، وَهُوَ مُقِيمٌ تَحْتَ حَوْطَتِهِمْ، أَبَادَهُمْ اللَّهُ، وَإِنَّهُ رَجُلٌ فَقِيرٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الدُّنْيَا، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى فِكَاكِ نَفْسِهِ، وَلَا عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ، وَإِنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلصَّدَقَةِ، عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ كِتَابُ الْمَحْضَرِ الْمُشَارُ إلَيْهِ، الْمُتَّصِلُ أَوَّلُهُ بِآخِرِ كِتَابِي هَذَا، الْمُؤَرَّخِ بِكَذَا.
وَإِنْ كَانَ فِي إثْبَاتِ دَيْنٍ كَتَبَ: وَإِنَّهُ اسْتَحَقَّ فِي ذِمَّةِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ - وَيَرْفَعُ فِي نَسَبِهِ، وَيَصِفُهُ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ مِنْ الدِّينِ - كَذَا وَكَذَا، دَيْنًا عَلَيْهِ حَالًّا، وَحَقًّا وَاجِبًا لَازِمًا، وَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتَهُ وَاسْتِيفَاءَهُ مِنْهُ.

وَإِنْ كَانَ فِي إثْبَاتِ عَيْنٍ، كَتَبَ: وَإِنَّهُ مَالِكٌ لِمَا فِي يَدَيْ فُلَانٍ مِنْ الشَّيْءِ الْفُلَانِيِّ - وَيَصِفُهُ صِفَةً يَتَمَيَّزُ بِهَا - مُسْتَحِقٌّ لِأَخْذِهِ وَتَسْلِيمِهِ، عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ كِتَابُ الْمَحْضَرِ الْمُتَّصِلُ بِآخِرِ كِتَابِي هَذَا، الْمُؤَرَّخُ بِتَارِيخِ كَذَا، وَقَالَ الشَّاهِدَانِ الْمَذْكُورَانِ: إنَّهُمَا بِمَا شَهِدَا بِهِ مِنْهُ عَالِمَانِ، وَلَهُ مُحَقِّقَانِ، وَإِنَّهُمَا لَا يَعْلَمَانِ خِلَافَ مَا شَهِدَا بِهِ إلَى حِينَ أَقَامَا الشَّهَادَةَ عِنْدِي، فَأَمْضَيْت مَا ثَبَتَ عِنْدِي مِنْ ذَلِكَ، وَحَكَمْت بِمُوجِبِهِ بِسُؤَالِ مَنْ جَازَتْ مَسْأَلَتُهُ، وَسَأَلَنِي مَنْ جَازَ سُؤَالُهُ، وَسَوَّغَتْ الشَّرِيعَةُ الْمُطَهَّرَةُ إجَابَتَهُ الْمُكَاتَبَةَ بِذَلِكَ إلَى الْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ، فَأَجَبْتُهُ إلَى مُلْتَمَسِهِ؛ لِجَوَازِهِ لَهُ شَرْعًا، وَتَقَدَّمْت بِهَذَا الْكِتَابِ فَكُتِبَ، وَبِإِلْصَاقِ الْمَحْضَرِ الْمُشَارِ إلَيْهِ فَأُلْصِقَ، فَمَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ، وَتَأَمَّلَ مَا ذَكَرْته، وَتَصَفَّحَ مَا سَطَّرْته، وَاعْتَمَدَ فِي إنْفَاذِهِ وَالْعَمَلِ بِمُوجَبِ مَا يُوجِبُهُ الشَّرْعُ الْمُطَهَّرُ، أَحْرَزَ مِنْ الْأَجْرِ أَجْزَلَهُ.
وَكَتَبَ مِنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ الْمَحْرُوسِ، مِنْ مَكَانِ كَذَا، فِي وَقْتِ كَذَا.
وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَذْكُرَ الْقَاضِي اسْمَهُ فِي الْعِنْوَانِ، وَلَا ذِكْرُ اسْمِ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ فِي بَاطِنِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا لَمْ يَذْكُرْ اسْمَهُ، فَلَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ لَيْسَ إلَيْهِ، وَلَا يَكْفِي ذِكْرُ اسْمِهِ فِي الْعِنْوَانِ دُونَ بَاطِنِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ عَلَى وَجْهِ الْمُخَاطَبَةِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْمُعَوَّلَ فِيهِ عَلَى شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الْقَاضِي الْكَاتِبِ بِالْحُكْمِ، وَذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِيهَا، وَلَوْ ضَاعَ الْكِتَابُ أَوْ امْتَحَا، سُمِعَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَحُكِمَ بِهَا.

[مَسْأَلَةٌ مَا يُشْتَرَطُ لِقَبُولِ كِتَابِ الْقَاضِي]

(8283) مَسْأَلَةٌ، قَالَ: وَلَا يُقْبَلُ الْكِتَابُ إلَّا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ يَقُولَانِ: قَرَأَهُ عَلَيْنَا، أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ بِحَضْرَتِنَا، فَقَالَ: اشْهَدَا عَلَى أَنَّهُ كِتَابِي إلَى فُلَانٍ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِقَبُولِ كِتَابِ الْقَاضِي شُرُوطٌ ثَلَاثَةٌ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يَشْهَدَ بِهِ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ، وَلَا يَكْفِي مَعْرِفَةُ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ خَطَّ الْكَاتِبِ، وَخَتْمَهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ قَبُولُهُ بِذَلِكَ، فِي قَوْلِ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى.
وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ، وَسَوَّارٍ، وَالْعَنْبَرِيِّ، أَنَّهُمْ قَالُوا: إذَا كَانَ يَعْرِفُ خَطَّهُ وَخَتْمَهُ، قَبِلَهُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، وَالْإِصْطَخْرِيِّ.
وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُهُ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ فِي الْوَصِيَّةِ إذَا وُجِدَتْ بِخَطِّهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَحْصُلُ بِهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ، فَأَشْبَهَ شَهَادَةَ الشَّاهِدَيْنِ.
وَلَنَا، أَنَّ مَا أَمْكَنَ إثْبَاتُهُ بِالشَّهَادَةِ، لَمْ يَجُزْ الِاقْتِصَارُ فِيهِ عَلَى الظَّاهِرِ، كَإِثْبَاتِ الْعُقُودِ؛ وَلِأَنَّ الْخَطَّ يُشْبِهُ الْخَطَّ، وَالْخَتْمَ يُمْكِنُ التَّزْوِيرُ عَلَيْهِ، وَيُمْكِنُ الرُّجُوعُ إلَى الشَّهَادَةِ، فَلَمْ يُعَوَّلْ عَلَى الْخَطِّ، كَالشَّاهِدِ لَا يُعَوَّلُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ، وَفِي هَذَا انْفِصَالٌ عَمَّا ذَكَرُوهُ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْقَاضِيَ إذَا كَتَبَ الْكِتَابَ، دَعَا رَجُلَيْنِ يَخْرُجَانِ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ، فَيَقْرَأُ عَلَيْهِمَا الْكِتَابَ، أَوْ يَقْرَؤُهُ غَيْرُهُ عَلَيْهِمَا، وَالْأَحْوَطُ أَنْ يَنْظُرَا مَعَهُ فِيمَا يَقْرَآهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْظُرَا، جَازَ؛ لِأَنَّهُ

لَا يَسْتَقْرِئُ إلَّا ثِقَةً، فَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمَا قَالَ: اشْهَدَا عَلَيَّ أَنَّ هَذَا كِتَابِي إلَى فُلَانٍ.
وَإِنْ قَالَ: اشْهَدَا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ.
كَانَ أَوْلَى، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: هَذَا كِتَابِي إلَى فُلَانٍ.
فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ يُحَمِّلُهُمَا الشَّهَادَةَ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ أَنْ يَقُولَ: اشْهَدَا عَلَيَّ.
كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُجْزِئُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
ثُمَّ إنْ كَانَ مَا فِي الْكِتَابِ قَلِيلًا، اعْتَمَدَ عَلَى حِفْظِهِ، وَإِنْ كَثُرَ فَلَمْ يَقْدِرَا عَلَى حِفْظِهِ، كَتَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَضْمُونَهُ، وَقَابَلَ بِهَا لِتَكُونَ مَعَهُ، يَذْكُرُ بِهَا مَا يَشْهَدُ بِهِ، وَيَقْبِضَانِ الْكِتَابَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَا؛ لِئَلَّا يَدْفَعَ إلَيْهِمَا غَيْرَهُ، فَإِذَا وَصَلَ الْكِتَابُ مَعَهُمَا إلَيْهِ، قَرَأَهُ الْحَاكِمُ أَوْ غَيْرُهُ عَلَيْهِمَا، فَإِذَا سَمِعَاهُ قَالَا: نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا كِتَابُ فُلَانٍ الْقَاضِي إلَيْك، أَشْهَدَنَا عَلَى نَفْسِهِ بِمَا فِيهِ.
لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ كِتَابُهُ غَيْرَ الَّذِي أَشْهَدَهُمَا عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَلَا يُقْبَلُ إلَّا أَنْ يَقُولَا: نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا كِتَابُ فُلَانٍ.
لِأَنَّهَا أَدَاءُ شَهَادَةٍ، فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ لَفْظِ الشَّهَادَةِ.
وَيَجِبُ أَنْ يَقُولَا: مِنْ عَمَلِهِ.
لِأَنَّ الْكِتَابَ لَا يُقْبَلُ إلَّا إذَا وَصَلَ مِنْ مَجْلِسِ عَمَلِهِ.
وَسَوَاءٌ وَصَلَ الْكِتَابُ مَخْتُومًا أَوْ غَيْرَ مَخْتُومٍ، مَقْبُولًا أَوْ غَيْرَ مَقْبُولٍ؛ لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى شَهَادَتِهِمَا، لَا عَلَى الْخَطِّ وَالْخَتْمِ.
فَإِنْ امْتَحَا الْكِتَابُ، وَكَانَا يَحْفَظَانِ مَا فِيهِ، جَازَ لَهُمَا أَنْ يَشْهَدَا بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَحْفَظَا مَا فِيهِ، لَمْ تُمْكِنْهُمَا الشَّهَادَةُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا يُقْبَلُ الْكِتَابُ حَتَّى يَشْهَدَ شَاهِدَانِ عَلَى خَتْمِ الْقَاضِي.
وَلَنَا، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ كِتَابًا إلَى قَيْصَرَ، وَلَمْ يَخْتِمْهُ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ لَا يَقْرَأُ كِتَابًا غَيْرَ مَخْتُومٍ، فَاتَّخَذَ الْخَاتَمَ.» وَاقْتِصَارُهُ عَلَى الْكِتَابِ دُونَ الْخَتْمِ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَتْمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْقَبُولِ، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَقْرَءُوا كِتَابَهُ، وَلِأَنَّهُمَا شَهِدَا بِمَا فِي الْكِتَابِ وَعَرَفَا مَا فِيهِ، فَوَجَبَ قَبُولُهُ، كَمَا لَوْ وَصَلَ مَخْتُومًا وَشَهِدَا بِالْخَتْمِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ ضَبْطُهُمَا لِمَعْنَى الْكِتَابِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهُ يُسْأَلُ عَنْ قَوْمٍ شَهِدُوا عَلَى صَحِيفَةٍ، وَبَعْضُهُمْ يَنْظُرُ فِيهَا، وَبَعْضُهُمْ لَا يَنْظُرُ؟ قَالَ: إذَا حَفِظَ فَلْيَشْهَدْ.
قِيلَ: كَيْفَ يَحْفَظُ، وَهُوَ كَلَامٌ كَثِيرٌ، قَالَ: يَحْفَظُ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْكَلَامُ وَالْوَضْعُ.
قُلْت: يَحْفَظُ الْمَعْنَى؟ قَالَ: نَعَمْ.
قِيلَ لَهُ: وَالْحُدُودَ وَالثَّمَنَ وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَلَوْ أَدْرَجَ الْكِتَابَ وَخَتَمَهُ، وَقَالَ: هَذَا كِتَابِي، اشْهَدَا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ.
أَوْ قَدْ: أَشْهَدْتُكُمَا عَلَى نَفْسِي بِمَا فِيهِ.
لَمْ يَصِحَّ هَذَا التَّحَمُّلُ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إذَا خَتَمَهُ بِخَتْمِهِ وَعِنْوَانِهِ، جَازَ أَنْ يَتَحَمَّلَا الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ مُدْرَجًا، فَإِذَا وَصَلَ الْكِتَابُ شَهِدَا عِنْدَهُ أَنَّهُ كِتَابُ فُلَانٍ.
وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ هَذَا؛ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا بِمَا فِي الْكِتَابِ، فَجَازَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا تَفْصِيلَهُ، كَمَا لَوْ شَهِدَا لِرَجُلٍ بِمَا فِي هَذَا الْكِيسِ مِنْ الدَّرَاهِمِ، جَازَتْ الشَّهَادَةُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفَا قَدْرَهَا.
وَلَنَا، أَنَّهُمَا شَهِدَا بِمَجْهُولٍ لَا يَعْلَمَانِهِ، فَلَمْ تَصِحَّ شَهَادَتُهُمَا، كَمَا لَوْ شَهِدَا أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ مَالًا.
وَفَارَقَ مَا ذَكَرَهُ، فَإِنَّ تَعْيِينَهُ الدَّرَاهِمَ الَّتِي فِي الْكِيسِ أَغْنَى عَنْ مَعْرِفَةِ قَدْرِهَا، وَهَا هُنَا الشَّهَادَةُ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ دُونَ الْكِتَابِ، وَهُمَا لَا يَعْرِفَانِهِ.
الشَّرْطُ الثَّانِي، أَنْ يَكْتُبَهُ الْقَاضِي مِنْ مَوْضِعِ وِلَايَتِهِ وَحُكْمِهِ فَإِنْ كَتَبَهُ مِنْ غَيْرِ وِلَايَتِهِ، لَمْ يَسُغْ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسُوغُ لَهُ فِي غَيْرِ وِلَايَتِهِ حُكْمٌ، فَهُوَ فِيهِ كَالْعَامِّيِّ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ، أَنْ يَصِلَ الْكِتَابُ إلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ فِي مَوْضِعِ وِلَايَتِهِ، فَإِنْ وَصَلَهُ فِي غَيْرِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبُولُهُ حَتَّى يَصِيرَ إلَى مَوْضِعِ وِلَايَتِهِ.
وَلَوْ تَرَافَعَ إلَيْهِ خَصْمَانِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ وِلَايَتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا بِحُكْمِ وِلَايَتِهِ، إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا بِهِ، فَيَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ غَيْرِ الْقَاضِي إذَا تَرَاضَيَا بِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْخَصْمَانِ مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ أَوْ لَمْ يَكُونَا.
وَلَوْ تَرَافَعَ إلَيْهِ خَصْمَانِ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ وِلَايَتِهِ، مِنْ غَيْرِ أَهْلِ وِلَايَتِهِ، كَانَ لَهُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِمَوْضِعِهِمَا، إلَّا أَنْ يَأْذَنَ الْإِمَامُ لِقَاضٍ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ أَهْلِ وِلَايَتِهِ حَيْثُ كَانُوا، وَيَمْنَعَهُ مِنْ الْحُكْمِ بَيْنَ غَيْرِ أَهْلِ وِلَايَتِهِ حَيْثُمَا كَانَ، فَيَكُونَ الْأَمْرُ عَلَى مَا أَذِنَ فِيهِ وَمَنَعَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ بِتَوْلِيَتِهِ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِهَا.

[فَصْلٌ فِي تَغْيِيرِ حَالِ الْقَاضِي]

(8284) فَصْلٌ: فِي تَغْيِيرِ حَالِ الْقَاضِي: وَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَتَغَيَّرَ حَالُ الْكَاتِبِ أَوْ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ، أَوْ حَالُهُمَا مَعًا، فَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ الْكَاتِبِ، بِمَوْتٍ أَوْ عَزْلٍ، بَعْدَ أَنْ كَتَبَ الْكِتَابَ، وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ، لَمْ يَقْدَحْ فِي كِتَابِهِ، وَكَانَ عَلَى مَنْ وَصَلَهُ الْكِتَابُ قَبُولُهُ، وَالْعَمَلُ بِهِ، سَوَاءٌ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ قَبْلَ خُرُوجِ الْكِتَابِ مِنْ يَدِهِ، أَوْ بَعْدَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُعْمَلُ بِهِ فِي الْحَالَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ مَاتَ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنْ يَدِهِ، لَمْ يُعْمَلْ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ يَدِهِ، عُمِلَ بِهِ؛ لِأَنَّ كِتَابَ الْحَاكِمِ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، لِأَنَّهُ يَنْقُلُ شَهَادَةَ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ، فَإِذَا مَاتَ قَبْلَ وُصُولِ الْكِتَابِ، صَارَ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ قَبْلَ أَدَاءِ شَهَادَتِهِمَا.
وَلَنَا، أَنَّ الْمُعَوَّلَ فِي الْكِتَابِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ اللَّذَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَى الْحَاكِمِ وَهُمَا حَيَّانِ، فَيَجِبُ أَنْ يُقْبَلَ كِتَابُهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَمُتْ، وَلِأَنَّ كِتَابَهُ إنْ كَانَ فِيمَا حَكَمَ بِهِ، فَحُكْمُهُ لَا يَبْطُلُ بِمَوْتِهِ وَعَزْلِهِ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا ثَبَتَ

عِنْدَهُ بِشَهَادَةٍ، فَهُوَ أَصْلٌ، وَاَللَّذَانِ شَهِدَا عَلَيْهِ فَرْعٌ، وَلَا تَبْطُلُ شَهَادَةُ الْفَرْعِ بِمَوْتِ شَاهِدِ الْأَصْلِ، وَمَا ذَكَرُوهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ قَدْ أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَشْهَدُ عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ شَاهِدَانِ عَلَيْهِ، وَهُمَا حَيَّانِ، وَهُمَا شَاهِدَا الْفَرْعِ، وَلَيْسَ مَوْتُهُ مَانِعًا مِنْ شَهَادَتِهِمَا، فَلَا يَمْنَعُ قَبُولَهَا، كَمَوْتِ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ.
وَإِنْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ بِفِسْقٍ قَبْلَ الْحُكْمِ بِكِتَابَتِهِ، لَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ بِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ بَعْدَ فِسْقِهِ لَا يَصِحُّ، فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِكِتَابِهِ، وَلِأَنَّ بَقَاءَ عَدَالَةِ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْحُكْمِ بِشَاهِدَيْ الْفَرْعِ، فَكَذَلِكَ بَقَاءُ عَدَالَةِ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ.
وَإِنْ فَسَقَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِكِتَابِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ، كَمَا لَوْ حَكَمَ بِشَيْءٍ ثُمَّ بَانَ فِسْقُهُ، فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ مَا مَضَى مِنْ أَحْكَامِهِ، كَهَذَا هَاهُنَا.
وَأَمَّا إنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ بِأَيِّ حَالٍ كَانَ؛ مِنْ مَوْتٍ، أَوْ عَزْلٍ، أَوْ فِسْقٍ، فَلِمَنْ وَصَلَ إلَيْهِ الْكِتَابُ مِمَّنْ قَامَ مَقَامَهُ، قَبُولُ الْكِتَابِ، وَالْعَمَلُ بِهِ.
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ.
حُكِيَ عَنْهُ أَنَّ قَاضِيَ الْكُوفَةِ كَتَبَ إلَى إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَاضِي الْبَصْرَةِ كِتَابًا، فَوَصَلَ وَقَدْ عُزِلَ، وَوُلِّيَ الْحَسَنُ، فَعَمِلَ بِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَعْمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ، وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عِنْدَ قَاضٍ، لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِمَا غَيْرُهُ.
وَلَنَا، أَنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَى شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ، بِحُكْمِ الْأَوَّلِ، أَوْ ثُبُوتِ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ، وَقَدْ شَهِدَا عِنْدَ الثَّانِي، فَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ كَالْأَوَّلِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ شَهَادَةٌ عِنْدَ الَّذِي مَاتَ.
لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ فَإِنَّ الْحَاكِمَ الْكَاتِبَ لَيْسَ بِفَرْعٍ، وَلَوْ كَانَ فَرْعًا لَمْ يُقْبَلْ وَحْدَهُ، وَإِنَّمَا الْفَرْعُ الشَّاهِدَانِ اللَّذَانِ شَهِدَا عَلَيْهِ، وَقَدْ أَدَّيَا الشَّهَادَةَ عِنْدَ الْمُتَجَدِّدِ، وَلَوْ ضَاعَ الْكِتَابُ، فَشَهِدَا بِذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ، قُبِلَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِشَهَادَتِهِمَا دُونَ الْكِتَابِ، وَقِيَاسُ مَا ذَكَرْنَاهُ، أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ لَوْ حَمَلَا الْكِتَابَ إلَى غَيْرِ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، وَشَهِدَا عِنْدَهُ، عُمِلَ بِهِ؛ لِمَا بَيَّنَّاهُ.
وَإِنْ كَانَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ خَلِيفَةً لِلْكَاتِبِ، فَمَاتَ الْكَاتِبُ، أَوْ عُزِلَ، انْعَزَلَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُ، فَيَنْعَزِلُ بِعَزْلِهِ وَمَوْتِهِ، كَوُكَلَائِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: لَا يَنْعَزِلُ خَلِيفَتُهُ، كَمَا لَا يَنْعَزِلُ الْقَاضِي الْأَصْلِيُّ بِمَوْتِ الْإِمَامِ، وَلَا عَزْلِهِ.
وَلَنَا، مَا ذَكَرْنَاهُ، وَيُفَارِقُ الْإِمَامَ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يَعْقِدُ الْقَضَاءَ وَالْإِمَارَةَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَبْطُلْ مَا عَقَدَهُ لِغَيْرِهِ، كَمَا لَوْ مَاتَ الْوَلِيُّ فِي النِّكَاحِ، لَمْ يَبْطُلْ النِّكَاحُ، وَلِهَذَا لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْزِلَ الْقَاضِيَ مِنْ غَيْرِ تُغَيِّرْ حَالِهِ، وَلَا يَنْعَزِلُ إذَا عَزَلَهُ، بِخِلَافِ نَائِبِ الْحَاكِمِ، فَإِنَّهُ تَنْعَقِدُ وِلَايَتُهُ لِنَفْسِهِ نَائِبًا عَنْهُ، فَمَلَكَ عَزْلَهُ، وَلِأَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ انْعَزَلَ بِمَوْتِ الْإِمَامِ، لَدَخَلَ الضَّرَرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى عَزْلِ الْقُضَاةِ فِي جَمِيعِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَتَعَطَّلُ الْأَحْكَامُ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ، فَلَيْسَ لَهُ قَبُولُ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ بِقَاضٍ.

[مَسْأَلَةٌ قَالَ تَحَاكَمَ إلَى الْقَاضِي الْعَرَبِيِّ أَعْجَمِيَّانِ لَا يَعْرِفُ لِسَانَهُمَا]

(8285) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَلَا تُقْبَلُ التَّرْجَمَةُ عَنْ أَعْجَمِيٍّ تَحَاكَمَ إلَيْهِ، إذَا لَمْ يَعْرِفْ لِسَانَهُ، إلَّا مِنْ عَدْلَيْنِ يَعْرِفَانِ لِسَانَهُ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا تَحَاكَمَ إلَى الْقَاضِي الْعَرَبِيِّ أَعْجَمِيَّانِ، لَا يَعْرِفُ لِسَانَهُمَا، أَوْ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ، فَلَا بُدَّ مِنْ مُتَرْجِمٍ عَنْهُمَا.
وَلَا تُقْبَلُ التَّرْجَمَةُ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ عَدْلَيْنِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهَا تُقْبَلُ مِنْ وَاحِدٍ.
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كِتَابَ يَهُودَ.
قَالَ: فَكُنْت أَكْتُبُ لَهُ إذَا كَتَبَ إلَيْهِمْ، وَأَقْرَأُ لَهُ إذَا كَتَبُوا.
وَلِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَفْتَقِرُ إلَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ، فَأَجْزَأَ فِيهِ الْوَاحِدُ، كَأَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ نَقَلَ مَا خَفِيَ عَلَى الْحَاكِمِ إلَيْهِ، فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُتَخَاصَمِينَ، فَوَجَبَ فِيهِ الْعَدَدُ، كَالشَّهَادَةِ، وَيُفَارِقُ أَخْبَارَ الدِّيَانَاتِ؛ فَإِنَّهَا لَا تَتَعَلَّقُ بِالْمُتَخَاصَمِينَ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ، وَلِأَنَّ مَا لَا يَفْهَمُهُ الْحَاكِمُ وُجُودُهُ عِنْدَهُ كَعَدَمِهِ، فَإِذَا تُرْجِمَ لَهُ، كَانَ كَنَقْلِ الْإِقْرَارِ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مَجْلِسِهِ، وَلَا يُقْبَلُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ شَاهِدَيْنِ، كَذَا هَاهُنَا.
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، تَكُونُ التَّرْجَمَةُ شَهَادَةً تَفْتَقِرُ إلَى الْعَدَدِ وَالْعَدَالَةِ، وَيُعْتَبَرُ فِيهَا مِنْ الشُّرُوطِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِذَلِكَ الْحَقِّ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، اُعْتُبِرَ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ، وَلَمْ يَكْفِ إلَّا شَاهِدَانِ ذَكَرَانِ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا كَفَى فِيهِ تَرْجَمَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَلَمْ تُعْتَبَرْ الْحُرِّيَّةُ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَ فِي حَدِّ زِنًى، خُرِّجَ فِي التَّرْجَمَةِ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَكْفِي فِيهِ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ أَحْرَارٍ عُدُولٍ.
وَالثَّانِي، يَكْفِي فِيهِ اثْنَانِ؛ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ، وَيُعْتَبَرُ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَكْفِي فِيهِ وَاحِدٌ.
فَلَا بُدَّ مِنْ عَدَالَتِهِ، وَلَا وَلَا تُقْبَلُ مِنْ كَافِرٍ وَلَا فَاسِقٍ.
وَتُقْبَلُ مِنْ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُقْبَلُ مِنْ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ خَبَرٌ يَكْفِي فِيهِ قَوْلُ الْوَاحِدِ، فَيُقْبَلُ فِيهِ خَبَرُ الْعَبْدِ، كَأَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ، وَلَا أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ لَفْظُ الشَّهَادَةِ، كَالرِّوَايَةِ.
وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ تَرْجَمَةُ الْمَرْأَةِ إذَا كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ؛ لِأَنَّ رِوَايَتهَا مَقْبُولَةٌ.

[فَصْلٌ حُكْمُ الْقَاضِي فِي التَّعْرِيفِ وَالرِّسَالَةِ وَالْجُرْحِ وَالتَّعْدِيلِ]

(8286) فَصْلٌ: وَالْحُكْمُ فِي التَّعْرِيفِ، وَالرِّسَالَةِ، وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، كَالْحُكْمِ فِي التَّرْجَمَةِ، وَفِيهَا مِنْ الْخِلَافِ مَا فِيهَا.
ذَكَرَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَأَبُو الْخَطَّابِ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ فِيمَا مَضَى.

[مَسْأَلَةٌ قَالَ عُزِلَ الْقَاضِي فَقَالَ كُنْت حَكَمْت فِي وِلَايَتِي لِفُلَانِ عَلَى فُلَانٍ بِحَقِّ]

(8287) مَسْأَلَةٌ، قَالَ: وَإِذَا عُزِلَ، فَقَالَ: كُنْت حَكَمْت فِي وِلَايَتِي لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِحَقٍّ.
قُبِلَ قَوْلُهُ، وَأُمْضِيَ ذَلِكَ الْحَقُّ وَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ.
وَقَوْلُ الْقَاضِي فِي فُرُوعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ هَاهُنَا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَمْلِكُ الْحُكْمَ، لَا يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ بِهِ، كَمَنْ أَقَرَّ بِعِتْقِ عَبْدٍ بَعْدَ بَيْعِهِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: هُوَ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ، إذَا كَانَ مَعَهُ شَاهِدٌ آخَرُ، قُبِلَ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يُقْبَلُ إلَّا شَاهِدَانِ سِوَاهُ، يَشْهَدَانِ بِذَلِكَ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ لَا تُقْبَلُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَوْ كَتَبَ إلَى غَيْرِهِ، ثُمَّ عُزِلَ، وَوَصَلَ الْكِتَابُ بَعْدَ عَزْلِهِ، لَزِمَ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ قَبُولُ كِتَابِهِ بَعْدَ عَزْلِ كَاتِبِهِ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا.
وَلِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا حَكَمَ بِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ، فَيَجِبُ قَبُولُهُ، كَحَالِ وِلَايَتِهِ.

[فَصْلٌ الْحَاكِمَ إذَا حَكَمَ فِي مَسْأَلَةٍ يَسُوغُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ]

(8288) فَصْلٌ: فَأَمَّا إنْ قَالَ فِي وِلَايَتِهِ: كُنْت حَكَمْت لِفُلَانٍ بِكَذَا.
قُبِلَ قَوْلُهُ، سَوَاءٌ قَالَ: قَضَيْت عَلَيْهِ بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ.
أَوْ قَالَ: سَمِعْت بَيِّنَتَهُ وَعَرَفْت عَدَالَتَهُمْ.
أَوْ قَالَ: قَضَيْت عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ.
أَوْ قَالَ: أَقَرَّ عِنْدِي فُلَانٌ لِفُلَانٍ بِحَقٍّ، فَحَكَمْت بِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ.
وَحُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ حَتَّى يَشْهَدَ مَعَهُ رَجُلٌ عَدْلٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ إخْبَارًا بِحَقٍّ عَلَى غَيْرِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ وَاحِدٍ، كَالشَّهَادَةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ يَمْلِكُ الْحُكْمَ، فَمَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ، كَالزَّوْجِ إذَا أَخْبَرَ بِالطَّلَاقِ، وَالسَّيِّدِ إذَا أَخْبَرَ بِالْعِتْقِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ أَنَّهُ رَأَى كَذَا وَكَذَا، فَحَكَمَ بِهِ، قُبِلَ، كَذَا هَاهُنَا، وَفَارَقَ الشَّهَادَةَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ لَا يَمْلِكُ إثْبَاتَ مَا أَخْبَرَ بِهِ.
فَأَمَّا إنْ قَالَ: حَكَمْت بِعِلْمِي، أَوْ بِالنُّكُولِ، أَوْ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فِي الْأَمْوَالِ.
فَإِنَّهُ يُقْبَلُ أَيْضًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ.
وَيَنْبَنِي قَوْلُهُ: حَكَمْت عَلَيْهِ بِعِلْمِي.
عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي جَوَازِ الْقَضَاءِ بِعِلْمِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْحُكْمَ بِذَلِكَ، فَلَا يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ بِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ أَخْبَرَ بِحُكْمِهِ فِيمَا لَوْ حَكَمَ بِهِ لَنَفَذَ حُكْمُهُ، فَوَجَبَ قَبُولُهُ، كَالصُّوَرِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، وَلِأَنَّهُ حَاكِمٌ، أَخْبَرَ بِحُكْمِهِ فِي وِلَايَتِهِ، فَوَجَبَ قَبُولُهُ، كَاَلَّذِي سَلَّمَهُ، وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَكَمَ فِي مَسْأَلَةٍ، يَسُوغُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ لَمْ يَسُغْ نَقْضُ حُكْمِهِ، وَلَزِمَ غَيْرَهُ إمْضَاؤُهُ، وَالْعَمَلُ بِهِ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْحُكْمِ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ، وَلَا نُسَلِّمُ مَا ذَكَرَهُ.
وَإِنْ قَالَ: حَكَمْت لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا.
وَلَمْ يُضِفْ حُكْمَهُ إلَى بَيِّنَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَجَبَ قَبُولُهُ.

وَهُوَ ظَاهِرُ مَسْأَلَةِ الْخِرَقِيِّ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مَا ثَبَتَ بِهِ الْحُكْمُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَاكِمَ مَتَى مَا حَكَمَ بِحُكْمٍ يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ، وَجَبَ قَبُولُهُ، وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ.

[فَصْلٌ أَخْبَرَ الْقَاضِي بِحُكْمِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ وِلَايَتِهِ]

(8289) فَصْلٌ: وَإِذَا أَخْبَرَ الْقَاضِي بِحُكْمِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ وِلَايَتِهِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ قَوْلَهُ مَقْبُولٌ، وَخَبَرَهُ نَافِذٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا قُبِلَ قَوْلُهُ بِحُكْمِهِ بَعْدَ الْعَزْلِ وَزَوَالِ وِلَايَتِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَلَأَنْ يُقْبَلَ مَعَ بَقَائِهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِ وِلَايَتِهِ أَوْلَى.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ.
وَقَالَ: لَوْ اجْتَمَعَ قَاضِيَانِ فِي غَيْرِ وِلَايَتِهِمَا، كَقَاضِي دِمَشْقَ وَقَاضِي مِصْرَ، اجْتَمَعَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَأَخْبَرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِحُكْمٍ حَكَمَ بِهِ، أَوْ شَهَادَةٍ ثَبَتَتْ عِنْدَهُ، لَمْ يَقْبَلْ أَحَدُهُمَا قَوْلَ صَاحِبِهِ، وَيَكُونَانِ كَشَاهِدَيْنِ أَخْبَرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِمَا عِنْدَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ إذَا رَجَعَ إلَى عَمَلِهِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرُ مَنْ لَيْسَ بِقَاضٍ فِي مَوْضِعِهِ.
وَإِنْ كَانَا جَمِيعًا فِي عَمَلِ أَحَدِهِمَا، كَأَنَّهُمَا اجْتَمَعَا جَمِيعًا فِي دِمَشْقَ، فَإِنَّ قَاضِيَ دِمَشْقَ لَا يَعْمَلُ بِمَا أَخْبَرَهُ بِهِ قَاضِي مِصْرَ؛ لِأَنَّهُ يُخْبِرُهُ بِهِ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ.
وَهَلْ يَعْمَلُ قَاضِي مِصْرَ بِمَا أَخْبَرَهُ بِهِ قَاضِي دِمَشْقَ إذَا رَجَعَ إلَى مِصْرَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ بِنَاءً عَلَى الْقَاضِي، هَلْ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ لِأَنَّ قَاضِيَ دِمَشْقَ أَخْبَرَهُ بِهِ فِي عَمَلِهِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا كَقَوْلِ الْقَاضِي هَاهُنَا.

[فَصْلٌ وَلَّى الْإِمَامُ قَاضِيًا ثُمَّ مَاتَ]

(8290) فَصْلٌ: إذَا وَلَّى الْإِمَامُ قَاضِيًا، ثُمَّ مَاتَ، لَمْ يَنْعَزِلْ؛ لِأَنَّ الْخُلَفَاءَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَلَّوْا حُكَّامًا فِي زَمَنِهِمْ، فَلَمْ يَنْعَزِلُوا بِمَوْتِهِمْ، وَلِأَنَّ فِي عَزْلِهِ بِمَوْتِ الْإِمَامِ ضَرَرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الْبُلْدَانَ تَتَعَطَّلُ مِنْ الْحُكَّامِ، وَتَقِفُ أَحْكَامُ النَّاسِ إلَى أَنْ يُوَلِّيَ الْإِمَامُ الثَّانِي حَاكِمًا، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ.
وَكَذَلِكَ لَا يَنْعَزِلُ الْقَاضِي إذَا عُزِلَ الْإِمَامُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
فَأَمَّا إنْ عَزَلَهُ الْإِمَامُ الَّذِي وَلَّاهُ أَوْ غَيْرُهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا يَنْعَزِلُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَهُ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَمْلِكْ عَزْلَهُ مَعَ سَدَادِ حَالِهِ، كَمَا لَوْ عَقَدَ النِّكَاحَ عَلَى مُوَلِّيَتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ فَسْخُهُ.
وَالثَّانِي، لَهُ عَزْلُهُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: لَأَعْزِلَنَّ أَبَا مَرْيَمَ، وَأُوَلِّيَنَّ رَجُلًا إذَا رَآهُ الْفَاجِرُ فَرَّقَهُ.
فَعَزَلَهُ عَنْ قَضَاءِ الْبَصْرَةِ، وَوَلَّى كَعْبَ بْنَ سَوَّارٍ مَكَانَهُ.
وَوَلَّى عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَبَا الْأَسْوَدِ، ثُمَّ عَزَلَهُ، فَقَالَ: لِمَ عَزَلْتنِي، وَمَا خُنْت، وَلَا جَنَيْت؟ فَقَالَ: إنِّي رَأَيْتُك يَعْلُو كَلَامُك عَلَى الْخَصْمَيْنِ.
وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ عَزْلَ أُمَرَائِهِ وَوُلَاتِهِ عَلَى الْبُلْدَانِ، فَكَذَلِكَ قُضَاتُهُ.
وَقَدْ كَانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُوَلِّي وَيَعْزِلُ، فَعَزَلَ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ عَنْ وِلَايَتِهِ فِي الشَّامِ، وَوَلَّى

مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهُ شُرَحْبِيلُ: أَمِنْ جُبْنٍ عَزَلْتنِي، أَوْ خِيَانَةٍ؟ قَالَ: مِنْ كُلٍّ لَا، وَلَكِنْ أَرَدْت رَجُلًا أَقْوَى مِنْ رَجُلٍ.
وَعَزَلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَوَلَّى أَبَا عُبَيْدَةَ.
وَقَدْ كَانَ يُوَلِّي بَعْضَ الْوُلَاةِ الْحُكْمَ مَعَ الْإِمَارَةِ، فَوَلَّى أَبَا مُوسَى الْبَصْرَةَ قَضَاءَهَا وَإِمْرَتَهَا.
ثُمَّ كَانَ يَعْزِلُهُمْ هُوَ، وَمَنْ لَمْ يَعْزِلْهُ، عَزَلَهُ عُثْمَانُ بَعْدَهُ إلَّا الْقَلِيلَ مِنْهُمْ.
فَعَزْلُ الْقَاضِي أَوْلَى، وَيُفَارِقُ عَزْلَهُ بِمَوْتِ مَنْ وَلَّاهُ أَوْ عَزَلَهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا، وَهَا هُنَا لَا ضَرَرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْزِلُ قَاضِيًا حَتَّى يُوَلِّيَ آخَرَ مَكَانَهُ، وَلِهَذَا لَا يَنْعَزِلُ الْوَالِي بِمَوْتِ الْإِمَامِ، وَيَنْعَزِلُ بِعَزْلِهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي عَزْلِهِ بِالْمَوْتِ أَيْضًا وَجْهَيْنِ، وَالْأَوْلَى، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، مَا ذَكَرْنَاهُ.
فَأَمَّا إنْ تَغَيَّرَتْ حَالُ الْقَاضِي؛ بِفِسْقٍ، أَوْ زَوَالِ عَقْلٍ، أَوْ مَرَضٍ يَمْنَعُهُ مِنْ الْقَضَاءِ، أَوْ اخْتَلَّ فِيهِ بَعْضُ شُرُوطِهِ، فَإِنَّهُ يَنْعَزِلُ بِذَلِكَ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْإِمَامِ عَزْلُهُ، وَجْهًا وَاحِدًا.

[فَصْل وَلِلْإِمَامِ تَوْلِيَةُ الْقَضَاءِ فِي بَلَدِهِ وَغَيْرِهِ]

(8291) فَصْلٌ: وَلِلْإِمَامِ تَوْلِيَةُ الْقَضَاءِ فِي بَلَدِهِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَّى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ الْقَضَاءَ، وَوَلَّى عَلِيًّا وَمُعَاذًا.
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ لِابْنِ عُمَرَ: إنَّ أَبَاك قَدْ كَانَ يَقْضِي وَهُوَ خَيْرٌ مِنْك.
قَالَ: إنَّ أَبِي قَدْ كَانَ يَقْضِي، وَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، سَأَلَ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، فِي كِتَابِ " قُضَاةِ الْبَصْرَةِ ". وَرَوَى سَعِيدٌ، فِي " سُنَنِهِ " عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.
قَالَ: «جَاءَ خَصْمَانِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لِي: يَا عَمْرُو، اقْضِ بَيْنَهُمَا.
قُلْت: أَنْتَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: إنْ أَصَبْت الْقَضَاءَ بَيْنَهُمَا، فَلَكَ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَإِنْ أَخْطَأْت، فَلَكَ حَسَنَةٌ» وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مِثْلُهُ.
وَلِأَنَّ الْإِمَامَ يَشْتَغِلُ بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَتَفَرَّغُ لِلْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ.
فَإِذَا وَلَّى قَاضِيًا، اُسْتُحِبَّ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ فِي الِاسْتِخْلَافِ، جَازَ لَهُ بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَإِنْ نَهَاهُ عَنْهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ بِإِذْنِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا نَهَاهُ عَنْهُ، كَالْوَكِيلِ، وَإِنْ أَطْلَقَ، فَلَهُ الِاسْتِخْلَافُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِالْإِذْنِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، كَالْوَكِيلِ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا وَجْهَانِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الْقَضَاءِ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ، فَإِذَا فَعَلَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ، جَازَ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ، وَيُفَارِقُ التَّوْكِيلَ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يُوَلِّي الْقَضَاءَ لِلْمُسْلِمِينَ، لَا لِنَفْسِهِ، بِخِلَافِ التَّوْكِيلِ، فَإِنْ اسْتَخْلَفَ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ لَمْ يُوَلِّ.

[فَصْلٌ يُوَلِّي الْإِمَام قَاضِيًا عُمُومَ النَّظَرِ فِي خُصُوصِ الْعَمَلِ]

(8292) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ قَاضِيًا عُمُومَ النَّظَرِ فِي خُصُوصِ الْعَمَلِ، فَيُقَلِّدَهُ النَّظَرَ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ فِي بَلَدٍ بِعَيْنِهِ، فَيَنْفُذَ حُكْمَهُ فِيمَنْ سَكَنَهُ، وَمَنْ أَتَى إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ سُكَّانِهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَهُ خُصُوصَ النَّظَرِ فِي عُمُومِ الْعَمَلِ، فَيَقُولَ: جَعَلْت إلَيْك الْحُكْمَ فِي الْمُدَايَنَاتِ خَاصَّةً، فِي جَمِيعِ وِلَايَتِي.
وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ حُكْمَهُ فِي قَدْرٍ مِنْ الْمَالِ، نَحْوَ أَنْ يَقُولَ: اُحْكُمْ فِي الْمِائَةِ فَمَا دُونَهَا.
فَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ فِي أَكْثَرَ مِنْهَا.
وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَهُ عُمُومَ النَّظَرِ فِي عُمُومِ الْعَمَلِ، وَخُصُوصَ النَّظَرِ فِي خُصُوصِ الْعَمَلِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ قَاضِيَيْنِ وَثَلَاثَةً فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، يَجْعَلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ عَمَلًا، فَيُوَلِّيَ أَحَدَهُمْ عُقُودَ الْأَنْكِحَةِ، وَالْآخَرَ الْحُكْمَ فِي الْمُدَايَنَاتِ، وَآخَرَ النَّظَرَ فِي الْعَقَارِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عُمُومَ النَّظَرِ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِي الْبَلَدِ، فَإِنْ قَلَّدَ قَاضِيَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ عَمَلًا وَاحِدًا، فِي مَكَان وَاحِدٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَجُوزُ.
اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى إيقَافِ الْحُكْمِ وَالْخُصُومَاتِ، لِأَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الِاجْتِهَادِ، وَيَرَى أَحَدُهُمَا مَا لَا يَرَى الْآخَرُ.
وَالْآخَرُ، يَجُوزُ ذَلِكَ.
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَهُوَ أَصَحُّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ فِي الْبَلْدَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، فَيَكُونَ فِيهَا قَاضِيَانِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا قَاضِيَانِ أَصْلِيَّانِ، وَلِأَنَّ الْغَرَضَ فَصْلُ

فصول الكتاب · 5 فصل · 621 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المغني لابن قدامة · 621 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
ُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ،
باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
جارٍ التحميل