باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
لَا بُدَّ لِهَذَا الضَّابِطِ مِنْ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِهِ، ثُمَّ قَدْ افْتَرَقَ حُكْمُهُمْ، فَإِنَّ الْمَجُوسَ يُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ، وَغَيْرُهُمْ لَا يُقِرُّ بِهَا، وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي مَعْبُودَاتِهِمْ، وَمُعْتَقِدَاتِهِمْ، وَآرَائِهِمْ، يَسْتَحِلُّ بَعْضُهُمْ دِمَاءَ بَعْضٍ، وَيُكَفِّرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَكَانُوا مِلَلًا كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّ إسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ، رَوَى عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ جَعَلَ الْكُفْرَ مِلَلًا مُخْتَلِفَةً.
وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا.
[فَصْلٌ أَهْلَ الْمِلَّةِ الْوَاحِدَة يَتَوَارَثُونَ]
(4948) فَصْلٌ: وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ عِنْدِي، أَنَّ الْمِلَّةَ الْوَاحِدَةَ يَتَوَارَثُونَ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ دِيَارُهُمْ؛ لِأَنَّ الْعُمُومَاتِ مِنْ النُّصُوصِ تَقْتَضِي تَوْرِيثَهُمْ، وَلَمْ يَرِدْ بِتَخْصِيصِهِمْ نَصٌّ، وَلَا إجْمَاعٌ، وَلَا يَصِحُّ فِيهِمْ قِيَاسٌ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِعُمُومِهَا.
وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى.» أَنَّ أَهْلَ الْمِلَّةِ الْوَاحِدَةِ يَتَوَارَثُونَ.
وَضَبْطُهُ التَّوْرِيثَ بِالْمِلَّةِ وَالْكُفْرِ وَالْإِسْلَامِ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ مُقْتَضَى التَّوْرِيثِ مَوْجُودٌ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى تَحَقُّقِ الْمَانِعِ.
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، فِي مَنْ دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ فَقُتِلَ، أَنَّهُ يُبْعَثُ بِدِيَتِهِ إلَى مَلِكِهِمْ حَتَّى يَدْفَعَهَا إلَى الْوَرَثَةِ.
وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ كَانَ مَعَ أَهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ فَسَلِمَ وَرَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ، فَوَجَدَ رَجُلَيْنِ فِي طَرِيقِهِ مِنْ الْحَيِّ الَّذِي قَتَلُوهُمْ، وَكَانَا أَتَيَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَمَانٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ عَمْرٌو، فَقَتَلَهُمَا، فَوَدَاهُمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.» وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ بَعَثَ بِدِيَتِهِمَا إلَى أَهْلِهِمَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ عِنْدِي، أَنَّهُ لَا يَرِثُ حَرْبِيٌّ ذِمِّيًّا، وَلَا ذِمِّيٌّ حَرْبِيًّا؛ لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ بَيْنَهُمَا مُنْقَطِعَةٌ، فَأَمَّا الْمُسْتَأْمَنُ فَيَرِثُهُ أَهْلُ الْحَرْبِ، وَأَهْلُ دَارِ الْإِسْلَامِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، إلَّا أَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ لَا يَرِثُهُ الذِّمِّيُّ؛ لِأَنَّ دَارَهُمَا مُخْتَلِفَةٌ.
قَالَ الْقَاضِي: وَيَرِثُ أَهْلُ الْحَرْبِ بَعْضَهُمْ بَعْضًا، سَوَاءٌ اتَّفَقَتْ دِيَارُهُمْ، أَوْ اخْتَلَفَتْ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا اخْتَلَفَتْ دِيَارُهُمْ، بِحَيْثُ كَانَ لِكُلِّ طَائِفَةٍ مَلِكٌ، وَيَرَى بَعْضُهُمْ قَتْلَ بَعْضٍ، لَمْ يَتَوَارَثَا؛ لِأَنَّهُمْ لَا مُوَالَاةَ بَيْنَهُمْ، أَشْبَهَ أَهْلَ دَارِ الْحَرْبِ، فَجَعَلُوا اتِّفَاقَ الدَّارِ، وَاخْتِلَافَهَا ضَابِطًا لِلتَّوْرِيثِ، وَعَدَمِهِ.
وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا كُلِّهِ حُجَّةً مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِعُمُومِ النَّصِّ الْمُقْتَضِي لِلتَّوْرِيثِ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا الدِّينَ فِي اتِّفَاقِهِ، وَلَا اخْتِلَافِهِ، مَعَ وُرُودِ الْخَبَرِ فِيهِ، وَصِحَّةِ الْعِبْرَةِ فِيهَا، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَإِنْ اخْتَلَفْت الدَّارُ بِهِمْ، فَكَذَلِكَ الْكُفَّارَ.
وَلَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ كَافِرًا، وَلَا الْكَافِرُ مُسْلِمًا؛ لِاخْتِلَافِ الدِّينِ بِهِمْ، وَكَذَلِكَ لَا يَرِثُ مُخْتَلِفَا الدِّينِ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ شَيْئًا.
[مَسْأَلَةٌ الْمُرْتَدّ لَا يَرِث أَحَدًا]
(4949) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَالْمُرْتَدُّ لَا يَرِثُ أَحَدًا، إلَّا أَنْ يَرْجِعَ قَبْلَ قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَرِثُ أَحَدًا.
وَهَذَا قَوْلُ، مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُ مُسْلِمًا، لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَرِثُ كَافِرٌ مُسْلِمًا» . وَلَا يَرِثُ كَافِرًا؛ لِأَنَّهُ يُخَالِفُهُ فِي حُكْمِ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى كُفْرِهِ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ أَهْلِ الدِّينِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ، وَلِهَذَا لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُمْ، وَلَا نِكَاحُ نِسَائِهِمْ، وَإِنْ انْتَقَلُوا إلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَلِأَنَّ الْمُرْتَدَّ تَزُولُ أَمْلَاكُهُ الثَّابِتَةُ لَهُ وَاسْتِقْرَارُهَا، فَلَأَنْ لَا يَثْبُتُ لَهُ مِلْكٌ أَوْلَى.
وَلَوْ ارْتَدَّ مُتَوَارِثَانِ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَرِثْهُ الْآخَرُ، فَإِنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَرِثُ.
وَلَا يُورَثُ.
وَإِنْ رَجَعَ الْمُرْتَدُّ إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ قَسْمِ الْمِيرَاثِ، قُسِمَ لَهُ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي بَعْدَهَا، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[فَصْلٌ مَال الزِّنْدِيق فِي بَيْت الْمَال]
(4950) فَصْلٌ: وَالزِّنْدِيقُ كَالْمُرْتَدِّ فِيمَا ذَكَرْنَا.
وَالزِّنْدِيقُ هُوَ الَّذِي يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَيَسْتَسِرُّ بِالْكُفْرِ، وَهُوَ الْمُنَافِقُ، كَانَ يُسَمَّى فِي عَصْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنَافِقًا، وَيُسَمَّى الْيَوْمَ زِنْدِيقًا.
قَالَ أَحْمَدُ: مَالُ الزِّنْدِيقِ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
[فَصْلٌ حُكْمُ الْمِيرَاثِ ارْتَدَّ أُحُد الزَّوْجَيْنِ قَبْل الدُّخُول]
(4951) فَصْلٌ: إذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ فِي الْحَالِ، وَلَمْ يَرِثْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، وَإِنْ كَانَتْ رِدَّتُهُ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، يَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةَ.
وَالْأُخْرَى يَقِفُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَأَيَّهُمَا مَاتَ لَمْ يَرِثْهُ الْآخِرُ.
وَحُكْمُ رِدَّتِهِمَا جَمِيعًا كَحُكْمِ رِدَّةِ أَحَدِهِمَا، فِي فَسْخِ النِّكَاحِ، وَامْتِنَاعِ الْمِيرَاثِ.
وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: إذَا ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ مَعًا، فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ دِينَهُمَا لَمْ يَخْتَلِفْ، فَأَشْبَهَا الْكَافِرِينَ الْأَصْلِيِّينَ، إلَّا أَنَّهُمَا لَا يَتَوَارَثَانِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَرِثُ الْمُرْتَدَّ مَا دَامَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ لَحِقَا بِدَارِ الْحَرْبِ تَوَارَثَا؛ لِأَنَّ حُكْمَهُمَا صَارَ كَحُكْمِ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ.
وَلَنَا، أَنَّهُمَا لَا يَتَوَارَثَانِ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَالْمُسْلِمِ مَعَ الْكَافِرِ.
[مَسْأَلَةٌ أَسْلَمَ قَبْلَ قَسْمِ مِيرَاثِ مَوْرُوثِهِ الْمُسْلِمِ]
(4952) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَكَذَلِكَ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ، قُسِمَ لَهُ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي مَنْ أَسْلَمَ قَبْلَ قَسْمِ مِيرَاثِ مَوْرُوثِهِ الْمُسْلِمِ؛ فَنَقَلَ الْأَثْرَمُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ، أَنَّهُ يَرِثُ.
وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ.
وَبِهِ قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالْحَسَنُ، وَمَكْحُولٌ، وَقَتَادَةُ، وَحُمَيْدٌ، وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَإِسْحَاقُ، فَعَلَى هَذَا إنْ أَسْلَمَ قَبْلَ قَسْمِ بَعْضِ الْمَالِ وَرِثَ مِمَّا بَقِيَ.
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ.
وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ، فِي مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْمَوْتِ: لَا يَرِثُ، قَدْ وَجَبَتْ الْمَوَارِيثُ لِأَهْلِهَا.
وَهَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَكَمُ، وَأَبُو الزِّنَادِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَعَامَّةُ
الْفُقَهَاءِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» . وَلِأَنَّ الْمِلْكَ قَدْ انْتَقَلَ بِالْمَوْتِ إلَى الْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يُشَارِكْهُمْ مَنْ أَسْلَمَ، كَمَا لَوْ اقْتَسَمُوا، وَلِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الْإِرْثِ مُتَحَقِّقٌ حَالَ وُجُودِ الْمَوْتِ، فَلَمْ يَرِثْ، كَمَا لَوْ كَانَ رَقِيقًا فَأُعْتِقَ، أَوْ كَمَا لَوْ بَقِيَ عَلَى كُفْرِهِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ» . رَوَاهُ سَعِيدٌ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْ عُرْوَةَ، وَابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّ قَسْمٍ قُسِمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَلَى مَا قُسِمَ، وَكُلُّ قَسْمٍ أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ فَهُوَ عَلَى قَسْمِ الْإِسْلَامِ.» وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، بِإِسْنَادِهِ فِي " التَّمْهِيدِ "، عَنْ زَيْدِ بْنِ قَتَادَةَ الْعَنْبَرِيِّ، أَنَّ إنْسَانًا مِنْ أَهْلِهِ مَاتَ عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ، فَوَرِثَتْهُ أُخْتِي دُونِي، وَكَانَتْ عَلَى دِينِهِ، ثُمَّ إنَّ جَدِّي أَسْلَمَ، وَشَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُنَيْنًا، فَتُوُفِّيَ، فَلَبِثْت، سَنَةً، وَكَانَ تَرَكَ مِيرَاثًا، ثُمَّ إنَّ أُخْتِي أَسْلَمَتْ، فَخَاصَمَتْنِي فِي الْمِيرَاثِ إلَى عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَحَدَّثَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَرْقَمَ، أَنَّ عُمَرَ قَضَى أَنَّهُ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ، فَلَهُ نَصِيبُهُ، فَقَضَى بِهِ عُثْمَانُ، فَذَهَبَتْ بِذَاكَ الْأَوَّلِ، وَشَارَكَتْنِي فِي هَذَا.
وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ انْتَشَرَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ فَكَانَتْ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَجَدَّدَ لَهُ صَيْدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَعَ فِي شَبَكَتِهِ الَّتِي نَصَبَهَا فِي حَيَاتِهِ، لَثَبَتَ لَهُ الْمِلْكُ فِيهِ، وَلَوْ وَقَعَ إنْسَانٌ فِي بِئْرٍ حَفَرَهَا، لَتَعَلَّقَ ضَمَانُهُ بِتَرِكَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَجَازَ أَنْ يَتَجَدَّدَ حَقُّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ وَرَثَتِهِ بِتَرِكَتِهِ، تَرْغِيبًا فِي الْإِسْلَامِ، وَحَثًّا عَلَيْهِ، فَأَمَّا إذَا قُسِمَتْ التَّرِكَةُ، وَتَعَيَّنَ حَقُّ كُلِّ وَارِثٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ، فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ وَاحِدًا، فَإِذَا تَصَرَّفَ فِي التَّرِكَةِ وَاحْتَازَهَا، كَانَ بِمَنْزِلَةِ قِسْمَتِهَا.
[فَصْلٌ كَانَ رَقِيقًا حِينَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ فَأُعْتِقَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ]
(4953) فَصْلٌ: وَمَنْ كَانَ رَقِيقًا حِينَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ، فَأُعْتِقَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، لَمْ يَرِثْ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالْعِتْقِ، وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ مَاتَ، وَتَرَكَ أَبَاهُ عَبْدًا، فَأُعْتِقَ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ مِيرَاثُهُ، فَقَالَ: لَهُ مِيرَاثُهُ.
وَحُكِيَ عَنْ مَكْحُولٍ، وَقَتَادَةَ، أَنَّهُمَا وَرَّثَا مَنْ أُعْتِقَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الْمِيرَاثِ زَالَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَسْلَمَ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ: يُخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ مَنْ وَرَّثَ الْمُسْلِمَ، أَنْ يُوَرَّثَ الْعَبْدُ إذَا
أُعْتِقَ.
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ قُرْبَةٌ وَهُوَ أَعْظَمُ الطَّاعَاتِ، وَالْقُرْبُ وَرَدَ الشَّرْعُ بِالتَّأْلِيفِ عَلَيْهَا، فَوَرَدَ الشَّرْعُ بِتَوْرِيثِهِ، تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَحَثًّا عَلَيْهِ، وَالْعِتْقُ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ، وَلَا يُحْمَدُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَصِحَّ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ، وَلَوْلَا مَا وَرَدَ مِنْ الْأَثَرِ مِنْ تَوْرِيثِ مَنْ أَسْلَمَ، لَكَانَ النَّظَرُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَرِثَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ حِينَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ يُنْتَقَلُ بِهِ إلَى الْوَرَثَةِ، فَيَسْتَحِقُّونَهُ، فَلَا يَبْقَى لِمَنْ حَدَثَ شَيْءٌ، وَلَكِنْ خَالَفْنَاهُ فِي الْإِسْلَامِ لِلْأَثَرِ، وَلَيْسَ فِي الْعِتْقِ أَثَرٌ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى مَا فِيهِ الْأَثَرُ، فَيَبْقَى عَلَى مُوجِبِ الْقِيَاسِ.
[مَسْأَلَةٌ مَالِ الْمُرْتَدِّ إذَا مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ]
(4954) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ (وَمَتَى قُتِلَ الْمُرْتَدُّ عَلَى رِدَّتِهِ، فَمَالُهُ فَيْءٌ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي مَالِ الْمُرْتَدِّ إذَا مَاتَ، أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَكُونُ فَيْئًا فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ الْقَاضِي: هُوَ صَحِيحٌ فِي الْمَذْهَبِ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَبِيعَةَ، وَمَالِكٍ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِوَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالْحَسَنُ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَطَاءٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْحَكَمُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ.
وَإِسْحَاقُ.
إلَّا أَنَّ الثَّوْرِيَّ، وَأَبَا حَنِيفَةَ، وَاللُّؤْلُؤِيَّ، وَإِسْحَاقَ، قَالُوا: مَا اكْتَسَبَهُ فِي رِدَّتِهِ يَكُونُ فَيْئًا.
وَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا بَيْنَ تِلَادِ مَالِهِ وَطَارِفِهِ.
وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ قَوْلُ الْخَلِيفَتَيْنِ الرَّاشِدَيْنِ، فَإِنَّهُ يُرْوَى عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِت، قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ عِنْدَ رُجُوعِهِ إلَى أَهْلِ الرِّدَّةِ أَنْ أُقَسِّمَ أَمْوَالَهُمْ بَيْنَ وَرَثَتِهِمْ الْمُسْلِمِينَ.
وَلِأَنَّ رِدَّتَهُ يَنْتَقِلُ بِهَا مَالُهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى وَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا لَوْ انْتَقَلَ بِالْمَوْتِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةً، أَنَّ مَالَهُ لِأَهْلِ دِينِهِ الَّذِي اخْتَارَهُ، إنْ كَانَ مِنْهُ مَنْ يَرِثُهُ، وَإِلَّا فَهُوَ فَيْءٌ.
وَبِهِ قَالَ دَاوُد.
وَرُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عُرْوَةَ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ، فَوَرِثَهُ أَهْلُ دِينِهِ، كَالْحَرْبِيِّ، وَسَائِرِ الْكُفَّارِ.
وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» . وَقَوْلُهُ: «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى» . وَلِأَنَّهُ كَافِرٌ، فَلَا يَرِثُهُ الْمُسْلِمُ، كَالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ، وَلِأَنَّ مَالَهُ مَالُ مُرْتَدٍّ، فَأَشْبَهَ الَّذِي كَسَبَهُ فِي رِدَّتِهِ، وَلَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ لِأَهْلِ دِينِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُهُمْ، فَلَا يَرِثُونَهُ، كَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ، وَلِأَنَّهُ يُخَالِفُهُمْ فِي حُكْمِهِمْ؛ فَإِنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى مَا انْتَقَلَ إلَيْهِ، وَلَا تُوكَلُ لَهُ ذَبِيحَةٌ، وَلَا يَحِلُّ نِكَاحُهُ إنْ كَانَ امْرَأَةً، فَأَشْبَهَ الْحَرْبِيَّ مَعَ الذِّمِّيِّ.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا جَعَلْتُمُوهُ فَيْئًا فَقَدْ
وَرَّثْتُمُوهُ لِلْمُسْلِمِينَ.
قُلْنَا: لَا يَأْخُذُونَهُ مِيرَاثًا، بَلْ يَأْخُذُونَهُ فَيْئًا، كَمَا يُؤْخَذُ مَالُ الذِّمِّيِّ إذَا لَمْ يُخَلِّفْ وَارِثًا، وَكَالْعُشُورِ.
[فَصْلٌ الزِّنْدِيقُ لَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ]
(4955) فَصْلٌ: وَالزِّنْدِيقُ، كَالْمُرْتَدِّ؛ لَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الزِّنْدِيقِ الَّذِي يُتَّهَمُ بِذِمِّيٍّ وَرَثَتِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ: مَالُهُ لِوَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، مِثْلُ مَنْ يَرْتَدُّ إذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ.
قَالَ: وَتَرِثُهُ زَوْجَتُهُ، سَوَاءٌ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، أَوْ لَمْ تَنْقَضِ، كَاَلَّتِي يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ؛ لِيَحْرِمَهَا الْمِيرَاثَ؛ لِأَنَّهُ فَارٌّ مِنْ مِيرَاثِ مَنْ انْعَقَدَ سَبَبُ مِيرَاثِهِ، فَوَرِثَهُ، كَالْمُطَلَّقَةِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ.
وَلَنَا؛ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ.» وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ إذَا ارْتَدَّ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، يَرِثُهُ الْآخَرُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يَفْسَخُ النِّكَاحَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، فَأَشْبَهَ الطَّلَاقَ، وَفِعْلَ الْمَرْأَةِ مَا يَفْسَخُ نِكَاحَهَا، وَيُخَرَّجُ فِي مِيرَاثِ سَائِرِ الْوَرَثَةِ مِثْلُ الزَّوْجَيْنِ، فَيَكُونُ مِثْلَ مَذْهَبِ مَالِكٍ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إذَا ارْتَدَّتْ الْمَرِيضَةُ، فَمَاتَتْ فِي عِدَّتِهَا، أَوْ لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَرِثَهَا زَوْجُهَا.
وَرَوَى اللُّؤْلُؤِيُّ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إذَا ارْتَدَّ الرَّجُلُ، فَقُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ، أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، بَانَتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ، فَإِنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا، وَرِثَتْهُ، إذَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، بَانَتْ وَلَمْ تَرِثْهُ.
وَإِنْ ارْتَدَّتْ الْمَرْأَةُ مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ، فَمَاتَتْ، لَمْ يَرِثْهَا زَوْجُهَا؛ لِأَنَّهَا عِنْدَهُمْ لَا تُقْتَلُ، فَلَمْ تَكُنْ فَارَّةً مِنْ مِيرَاثِهِ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ.
[فَصْلٌ مِيرَاث الزَّوْجَيْنِ إذَا ارْتِدَاد مَعًا]
(4956) فَصْلٌ: وَارْتِدَادُ الزَّوْجَيْنِ مَعًا، كَارْتِدَادِ أَحَدِهِمَا؛ فِي فَسْخِ نِكَاحِهِمَا، وَعَدَمِ مِيرَاثِ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ، سَوَاءٌ لَحِقَا بِدَارِ الْحَرْبِ، أَوْ أَقَامَا بِدَارِ الْإِسْلَامِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا مَا ارْتَدَّا مَعًا، لَمْ يَنْفَسِخْ النِّكَاحُ، وَلَمْ يَتَوَارَثَا؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَرِثُ الْمُرْتَدَّ مَا دَامَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ لَحِقَا بِدَارِ الْحَرْبِ تَوَارَثَا.
وَلَنَا؛ أَنَّهُمَا مُرْتَدَّانِ، فَلَمْ يَتَوَارَثَا، كَمَا لَوْ كَانَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ
وَلَوْ ارْتَدَّا جَمِيعًا، وَلَهُمَا أَوْلَادٌ صِغَارٌ، لَمْ يَتْبَعُوهُمْ فِي رِدَّتِهِمْ، وَلَمْ يَرِثُوا مِنْهُمْ شَيْئًا، وَلَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُمْ، سَوَاءٌ لَحِقُوهُمْ بِدَارِ الْحَرْبِ، أَوْ لَمْ يَلْحَقُوهُمْ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: مَنْ أَلْحَقُوهُ بِدَارِ الْحَرْبِ مِنْهُمْ يَصِيرُ مُرْتَدًّا، يَجُوزُ سَبْيُهُ، وَمَنْ لَمْ يُلْحِقُوهُ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَهُوَ فِي حُكْمِ الْإِسْلَامِ.
فَأَمَّا مَنْ وُلِدَ بَعْدَ الرِّدَّةِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ؛ فَذَكَرَ الْخِرَقِيِّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ، الشَّافِعِيِّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يُسْبَوْنَ.
وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ.
[فَصْلٌ لُحُوق الْمُرْتَدّ بِدَارِ الْحَرْبِ]
(4957) فَصْلٌ: فَإِذَا لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِدَارِ الْحَرْبِ، وُقِفَ مَالُهُ فَإِنْ أَسْلَمَ دُفِعَ إلَيْهِ، وَإِنْ مَاتَ صَارَ فَيْئًا.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. وَجَعَلَ أَهْلُ الْعِرَاقِ لِحَاقَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ كَمَوْتِهِ، فِي زَوَالِ مِلْكِهِ، وَصَرْفِ مَالِهِ إلَى مِنْ يُصْرَفُ إلَيْهِ إذَا مَاتَ، فَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ، فَلَهُ مَا وُجِدَ مِنْ مَالِهِ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى وَرَثَتِهِ بِشَيْءٍ مِمَّا أَتْلَفُوهُ، إلَّا أَنْ يَكُونُوا اقْتَسَمُوهُ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ.
وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِيمَا اكْتَسَبَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ أَخْرَجَهُ مِنْ مَالِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، أَنَّهُ فَيْءٌ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: إذَا ارْتَدَّ الْمُسْلِمُ، زَالَ مِلْكُهُ عَنْ مَالِهِ، وَلَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِشَيْءٍ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ، فَإِنْ أَسْلَمَ رُدَّ إلَيْهِ تَمْلِيكًا مُسْتَأْنَفًا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنَّمَا أَحْكُمُ بِمَوْتِهِ يَوْمَ يَخْتَصِمُونَ فِي مَالِهِ، لَا يَوْمَ لَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ
وَلَنَا، أَنَّهُ حُرٌّ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ، وَيَبْقَى مِلْكُهُ بَعْدَ إسْلَامِهِ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِزَوَالِ مِلْكِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَرْتَدَّ، وَيَجِبُ رَدُّ مَا أُخِذَ مِنْ مَالِهِ، أَوْ أُتْلِفَ عَلَيْهِ، كَغَيْرِهِ.
[فَصْلٌ مَاتَ الذِّمِّيُّ وَلَا وَارِثَ لَهُ]
(4958) فَصْلٌ: وَمَتَى مَاتَ الذِّمِّيُّ، وَلَا وَارِثَ لَهُ، كَانَ مَالُهُ فَيْئًا، وَكَذَلِكَ مَا فَضَلَ مِنْ مَالِهِ عَنْ وَارِثِهِ، كَمَنْ لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ إلَّا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ، فَإِنَّ الْفَاضِلَ عَنْ مِيرَاثِهِ يَكُونُ فَيْئًا؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَيْسَ لَهُ مُسْتَحِقٌّ مُعَيَّنٌ، فَكَانَ فَيْئًا، كَمَالِ الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَا وَارِثَ لَهُ.
[فَصْلٌ مِيرَاثِ الْمَجُوسِ وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ]
(4959) فَصْلٌ: فِي مِيرَاثِ الْمَجُوسِ، وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ، مِمَّنْ يَنْكِحُ ذَوَاتَ الْمَحَارِمِ، إذَا أَسْلَمُوا وَتَحَاكَمُوا إلَيْنَا.
لَا نَعْلَمُ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ خِلَافًا فِي أَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ بِنِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، فَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ الْأَنْكِحَةِ، فَكُلُّ نِكَاحٍ اعْتَقَدُوا صِحَّتَهُ، وَأَقَرُّوا عَلَيْهِ بَعْدَ إسْلَامِهِمْ، تَوَارَثُوا بِهِ، سَوَاءٌ وُجِدَ بِشُرُوطِهِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي نِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ لَمْ يُوجَدْ، وَمَا لَا يُقِرُّونَ عَلَيْهِ بَعْدَ إسْلَامِهِمْ لَا يَتَوَارَثُونَ بِهِ، وَالْمَجُوسُ وَغَيْرُهُمْ فِي هَذَا سَوَاءٌ، فَلَوْ طَلَّقَ الْكَافِرُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ نَكَحَهَا، ثُمَّ أَسْلَمَا، وَمَاتَ أَحَدُهُمَا، لَمْ يُقَرَّا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَتَوَارَثَا بِهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ إسْلَامِهِمَا، لَمْ يَتَوَارَثَا.
فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ.
وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ شُهُودٍ، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا، وَرِثَهُ الْآخَرُ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. وَقَالَ زُفَرُ، وَاللُّؤْلُؤِيُّ: لَا يَتَوَارَثَانِ.
وَإِنْ
تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا، تَوَارَثَا، فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا أَسْلَمَا، وَقَدْ نَكَحَهَا فِي الْعِدَّةِ أُقِرَّا عَلَيْهِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ أَسْلَمَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، أُقِرَّا، وَإِنْ أَسْلَمَا قَبْلُ لَمْ يُقَرَّا
فَعَلَى هَذَا إنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، لَمْ يَتَوَارَثَا، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَهُ، تَوَارَثَا.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَتَأَوَّلَ الْقَاضِي رِوَايَةَ أَحْمَدَ، عَلَى مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
وَإِنْ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ حُبْلَى مِنْ زَوْجٍ، أَوْ زِنًا، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الزِّنَى مُوجِبٌ لِلْعِدَّةِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْحَامِلِ مِنْ زَوْجٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ، فِي الْحَامِلِ مِنْ زَوْجٍ: لَا يَتَوَارَثَانِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، فِي الْحَامِلِ مِنْ الزِّنَا: يَتَوَارَثَانِ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَزُفَرُ، وَاللُّؤْلُؤِيُّ: لَا يَتَوَارَثَانِ.
وَأَصْلُ الْخِلَافِ فِي الْمِيرَاثِ الِاخْتِلَافُ فِيمَا يُقَرَّانِ عَلَيْهِ إذَا أَسْلَمَا، أَوْ تَحَاكَمَا إلَيْنَا، وَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[فَصْلٌ مِيرَاث الْقَرَابَة]
(4960) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْقَرَابَةُ فَيَرِثُونَ بِجَمِيعِهَا، إذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَزَيْدٍ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ.
وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ، وَإِسْحَاقُ، وَدَاوُد، وَالشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ.
وَاخْتَارَهُ ابْنُ اللَّبَّانِ.
وَعَنْ زَيْدٍ، أَنَّهُ وَرَّثَهُ بِأَقْوَى الْقَرَابَتَيْنِ، وَهِيَ الَّتِي لَا تَسْقُطُ بِحَالٍ.
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَحَمَّادٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنْ الشَّافِعِيِّ.
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَكْحُولٍ، وَالشَّعْبِيِّ، الْقَوْلَانِ جَمِيعًا، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُمَا قَرَابَتَانِ، لَا يُورَثُ بِهِمَا فِي الْإِسْلَامِ، فَلَا يُورَثُ بِهِمَا فِي غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى.
وَلَنَا، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ لِلْأُمِّ الثُّلُثَ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفَ، فَإِذَا كَانَتْ الْأُمُّ أُخْتًا، وَجَبَ إعْطَاؤُهَا مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا فِي الْآيَتَيْنِ، كَالشَّخْصَيْنِ.
وَلِأَنَّهُمَا قَرَابَتَانِ، تَرِثُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدَةً، لَا تَحْجُبُ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، وَلَا تُرَجَّحُ بِهَا، فَتَرِثُ بِهِمَا، مُجْتَمِعَيْنِ، كَزَوْجٍ هُوَ ابْنُ عَمٍّ، أَوْ ابْنُ عَمٍّ هُوَ أَخٌ مِنْ أُمٍّ، وَكَذَوِي الْأَرْحَامِ الْمُدْلِينَ بِقَرَابَتَيْنِ.
وَقِيَاسُهُمْ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْقَرَابَتَيْنِ فِي الْأَصْلِ تُسْقِطُ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى إذَا كَانَتَا فِي شَخْصَيْنِ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَتَا فِي شَخْصٍ.
وَقَوْلُهُمْ: لَا يُورَثُ بِهِمَا فِي الْإِسْلَامِ.
مَمْنُوعٌ، فَإِنَّهُ إذَا وُجِدَ ذَلِكَ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ فِي الْإِسْلَامِ وَرِثَ بِهِمَا، ثُمَّ إنَّ امْتِنَاعَ الْإِرْثِ بِهِمَا فِي الْإِسْلَامِ لِعَدَمِ وُجُودِهِمَا، وَلَوْ تُصُوِّرَ وُجُودُهُمَا لَوُرِثَ بِهِمَا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَدْ وُرِثَ بِنَظِيرِهِمَا فِي ابْنِ عَمٍّ هُوَ زَوْجٌ، أَوْ أَخٌ مِنْ أُمٍّ
قَالَ ابْنُ اللَّبَّانِ: وَاعْتِبَارُهُمْ عِنْدِي فَاسِدٌ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْجَدَّةَ تَكُونُ أُخْتًا لِأَبٍ، فَإِنْ وَرَّثُوهَا بِكَوْنِهَا جَدَّةً، لِكَوْنِ الِابْنِ يُسْقِطُ الْأُخْتَ دُونَهَا، لَزِمَهُمْ تَوْرِيثُهَا، بِكَوْنِهَا أُخْتًا، لِكَوْنِ الْأُمِّ تُسْقِطُ الْجَدَّةَ دُونَهَا.
وَخَالَفُوا نَصَّ الْكِتَابِ فِي فَرْضِ الْأُخْتِ، وَوَرَّثُوا الْجَدَّةَ الَّتِي لَا نَصَّ لِلْكِتَابِ فِي فَرْضِهَا، وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ طُعْمَةٌ، وَلَيْسَ بِفَرْضٍ مُسْتَحَقٍّ.
وَيَلْزَمُهُمْ أَنَّ الْمَيِّتَ إذَا خَلَّفَ أُمَّهُ، وَأُمَّ أُمٍّ هِيَ أُخْتٌ، أَنْ لَا يُوَرِّثُوهَا شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْجُدُودَةَ مَحْجُوبَةٌ، وَهِيَ أَقْوَى الْقَرَابَتَيْنِ.
وَإِنْ قَالُوا: نُوَرِّثُهَا مَعَ الْأُمِّ بِكَوْنِهَا أُخْتًا
نَقَضُوا اعْتِبَارَهُمْ بِكَوْنِهَا أَقْوَى الْقَرَابَتَيْنِ، وَجَعَلُوا الْأُخُوَّة تَارَةً أَقْوَى، وَتَارَةً أَضْعَفَ.
وَإِنْ قَالُوا: أَقْوَى الْقَرَابَتَيْنِ الْأُخُوَّةُ؛ لِأَنَّ مِيرَاثَهَا أَوْفَرُ.
لَزِمَهُمْ فِي أُمٍّ هِيَ أُخْتٌ جَعْلَ الْأُخُوَّةِ أَقْوَى مِنْ جِهَةِ الْأُمُومَةِ، وَيَلْزَمُهُمْ فِي إسْقَاطِ مِيرَاثِهَا مَعَ الِابْنِ وَالْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ مَا لَزِمَ الْقَائِلِينَ بِتَقْدِيمِ الْجُدُودَةِ مَعَ الْأُمِّ.
فَإِنْ قَالُوا: تَوْرِيثُهَا بِالْقَرَابَتَيْنِ يُفْضِي إلَى حَجْبِ الْأُمِّ بِنَفْسِهَا، إذَا كَانَتْ أُخْتًا، وَلِلْمَيِّتِ أُخْتٌ أُخْرَى.
قُلْنَا: وَمَا الْمَانِعُ مِنْ هَذَا؟ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَجَبَ الْأُمَّ بِالْأُخْتَيْنِ بِقَوْلِهِ ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: 11]
مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِغَيْرِهَا.
ثُمَّ هُمْ قَدْ حَجَبُوهَا عَنْ مِيرَاثِ الْأُخْتِ بِنَفْسِهَا، فَقَدْ دَخَلُوا فِيمَا أَنْكَرُوهُ، بَلْ هُوَ أَعْظَمُ؛ لِأَنَّهُمْ فَرُّوا مِنْ حَجْبِ التَّنْقِيصِ إلَى حَجْبِ الْإِسْقَاطِ، وَأَسْقَطُوا الْفَرْضَ الَّذِي هُوَ أَوْفَرُ بِالْكُلِّيَّةِ مُحَافَظَةً عَلَى بَعْضِ الْفَرْضِ الْأَدْنَى وَخَالَفُوا مَدْلُولَ أَرْبَعَةِ نُصُوصٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُمْ أَعْطَوْا الْأُمَّ الثُّلُثَ، وَإِنَّمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا مَعَ الْأُخْتَيْنِ السُّدُسَ.
وَالثَّانِي، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا فَرَضَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْأُخْتَيْنِ ثُلُثًا، فَأَعْطَوْا إحْدَاهُمَا النِّصْفَ كَامِلًا
وَالثَّالِثُ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ لِلْأُخْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ، وَهَاتَانِ أُخْتَانِ، فَلَمْ يَجْعَلُوا لَهُمَا الثُّلُثَيْنِ الرَّابِعُ، أَنَّ مُقْتَضَى الْآيَةِ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْأُخْتَيْنِ الثُّلُثُ، وَهَذِهِ أُخْتٌ، فَلَمْ يُعْطُوهَا بِكَوْنِهَا أُخْتًا شَيْئًا.
وَهَذَا كُلُّهُ مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ اللَّبَّانِ.
[فَصْلٌ الْمَسَائِلُ الَّتِي تَجْتَمِعُ فِيهَا قَرَابَتَانِ فِي الْمِيرَاث]
(4961) فَصْلٌ: وَالْمَسَائِلُ الَّتِي تَجْتَمِعُ فِيهَا قَرَابَتَانِ، يَصِحُّ الْإِرْثُ بِهِمَا سِتٌّ؛ إحْدَاهُنَّ فِي الذُّكُورِ، وَهِيَ عَمٌّ هُوَ أَخٌ لِأُمٍّ، وَخَمْسٌ فِي الْإِنَاثِ، وَهِيَ بِنْتٌ هِيَ أُخْتٌ، أَوْ بِنْتُ ابْنٍ، وَأُمٌّ هِيَ أُخْتٌ، وَأُمُّ أُمٍّ هِيَ أُخْتٌ لِأَبٍ، وَأُمُّ أَبٍ هِيَ أُخْتٌ لِأُمٍّ، فَمَنْ وَرَّثَهُمْ بِأَقْوَى الْقَرَابَتَيْنِ، وَرَّثَهُمْ بِالْبُنُوَّةِ وَالْأُمُومَةِ، دُونَ الْأُخُوَّةِ، وَبُنُوَّةِ الِابْنِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَدَّةِ إذَا كَانَتْ أُخْتًا؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْجُدُودَةُ أَقْوَى؛ لِأَنَّهَا جِهَةُ وِلَادَةٍ لَا تَسْقُطُ بِالْوَلَدِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْأُخُوَّةُ أَقْوَى؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ مِيرَاثًا.
قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ: هُوَ الصَّحِيحُ.
وَمَنْ وَرَّثَ بِأَقْوَى الْقَرَابَتَيْنِ لَمْ يَحْجُبْ الْأُمَّ بِأُخُوَّةِ نَفْسِهَا، إلَّا مَا حَكَاهُ سَحْنُونٌ، عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ حَجَبَهَا بِذَلِكَ.
وَالصَّحِيحُ عَنْهُ الْأَوَّلُ.
وَمَنْ وَرَّثَ بِالْقَرَابَتَيْنِ حَجَبَهَا بِذَلِكَ.
وَمَتَى كَانَتْ الْبِنْتُ أُخْتًا،
وَالْمَيِّتُ رَجُلٌ، فَهِيَ أُخْتٌ لِأُمٍّ، وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً فَهِيَ أُخْتٌ لِأَبٍ
وَإِنْ قِيلَ: أُمٌّ هِيَ أُخْتٌ لِأُمٍّ، أَوْ أُمُّ أُمٍّ هِيَ أُخْتٌ لِأُمٍّ، أَوْ أُمُّ أَبٍ هِيَ أُخْتٌ لِأَبٍ.
فَهُوَ مُحَالٌ.
مَسَائِلُ مِنْ ذَلِكَ: مَجُوسِيٌّ تَزَوَّجَ ابْنَتَهُ، فَأَوْلَدَهَا بِنْتًا، ثُمَّ مَاتَ عَنْهُمَا، فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ؛ لِأَنَّهُمَا ابْنَتَانِ، وَلَا تَرِثُ الْكُبْرَى بِالزَّوْجِيَّةِ شَيْئًا فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.
فَإِنْ مَاتَتْ الْكُبْرَى بَعْدَهُ، فَقَدْ تَرَكَتْ بِنْتًا، هِيَ أُخْتٌ لِأَبٍ، فَلَهَا النِّصْفُ بِالْبُنُوَّةِ، وَالْبَاقِي بِالْأُخُوَّةِ، وَإِنْ مَاتَتْ الصُّغْرَى قَبْلَ الْكُبْرَى، فَقَدْ تَرَكَتْ أُمًّا، هِيَ أُخْتٌ لِأَبٍ، فَلَهَا النِّصْفُ، وَالثُّلُثُ بِالْقَرَابَتَيْنِ، وَمَنْ وَرَّثَ بِأَقْوَى الْقَرَابَتَيْنِ لَمْ يُوَرِّثْهَا بِالْأُخُوَّةِ شَيْئًا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ
وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: يَحْتَمِلُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَوْرِيثَهَا بِالْقَرَابَتَيْنِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ تَوْرِيثَ الشَّخْصِ بِفَرْضٍ وَتَعْصِيبٍ، لِتَوْرِيثِهِ ابْنَ الْعَمِّ إذَا كَانَ زَوْجًا، أَوْ أَخًا لِأُمٍّ، وَإِنَّمَا مُنِعَ الْإِرْثُ بِفَرْضَيْنِ.
فَإِنْ كَانَ الْمَجُوسِيُّ أَوْلَدَهَا بِنْتَيْنِ، ثُمَّ مَاتَ وَمَاتَتْ الْكُبْرَى بَعْدَهُ، فَقَدْ تَرَكَتْ بِنْتَيْنِ، هُمَا أُخْتَانِ لِأَبٍ، وَإِنْ لَمْ تَمُتْ الْكُبْرَى، بَلْ مَاتَتْ إحْدَى الصَّغِيرَتَيْنِ، فَقَدْ تَرَكَتْ أُخْتًا لِأَبَوَيْنِ، وَأُمًّا هِيَ أُخْتٌ لِأَبٍ؛ فَلِأُمِّهَا السُّدُسُ بِكَوْنِهَا أُمًّا، وَالسُّدُسُ بِكَوْنِهَا أُخْتًا لِأَبٍ، وَانْحَجَبَتْ بِنَفْسِهَا وَأُخْتِهَا عَنْ السُّدُسِ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ
وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ، لَهَا الثُّلُثُ بِالْأُمُومَةِ، وَلَا شَيْءَ لَهَا بِالْأُخُوَّةِ، وَلَا تَنْحَجِبُ بِهَا، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ، فَقَدْ اسْتَوَى الْحُكْمُ فِي الْقَوْلَيْنِ، وَإِنْ اخْتَلَفَ طَرِيقُهُمَا.
وَعَلَى مَا حَكَاهُ سَحْنُونٌ، لَهَا السُّدُسُ وَتَنْحَجِبُ بِنَفْسِهَا، وَأُخْتِهَا.
وَإِنْ أَوْلَدَهَا الْمَجُوسِيُّ ابْنًا، وَبِنْتًا، ثُمَّ مَاتَ، وَمَاتَتْ الصُّغْرَى بَعْدَهُ، فَقَدْ خَلَّفَتْ أُمًّا هِيَ أُخْتٌ لِأَبٍ، وَأَخًا لِأُمٍّ وَأَبٍ، فَلِأُمِّهَا السُّدُسُ، وَالْبَاقِي لِلْأَخِ، وَلَا شَيْءَ لِلْأُمِّ بِالْأُخُوَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَخَ لِلْأَبَوَيْنِ يَحْجُبُهَا.
وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ؛ لِلْأُمِّ الثُّلُثُ كَامِلًا
وَإِنْ تَزَوَّجَ الْمَجُوسِيُّ أُمَّهُ، فَأَوْلَدَهَا بِنْتًا، ثُمَّ مَاتَ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ، وَلِابْنَتِهِ النِّصْفُ، وَلَا تَرِثُ أُمُّهُ بِالزَّوْجِيَّةِ شَيْئًا، وَلَا ابْنَتُهُ بِكَوْنِهَا أُخْتًا لِأُمٍّ شَيْئًا.
وَإِنْ مَاتَتْ الْكُبْرَى بَعْدَهُ، فَقَدْ خَلَّفَتْ بِنْتًا هِيَ بِنْتُ ابْنٍ، فَلَهَا الثُّلُثَانِ بِالْقَرَابَتَيْنِ.
وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ؛ لَهَا النِّصْفُ.
وَإِنْ مَاتَتْ الصُّغْرَى بَعْدَهُ، فَقَدْ تَرَكَتْ أُمًّا هِيَ أُمُّ أَبٍ، فَلَهَا الثُّلُثُ بِالْأُمُومَةِ لَا غَيْرُ، عَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا.
وَإِنْ تَزَوَّجَ ابْنَتَهُ، فَأَوْلَدَهَا ابْنَةً، ثُمَّ تَزَوَّجَ الصُّغْرَى، فَأَوْلَدَهَا بِنْتًا، ثُمَّ مَاتَ، وَمَاتَتْ الْكُبْرَى بَعْدَهُ، فَقَدْ تَرَكَتْ أُخْتَيْهَا لِأَبِيهَا، إحْدَاهُمَا بِنْتُهَا وَبِنْتُ أَبِيهَا، وَالْأُخْرَى بِنْتُ بِنْتِهَا، فَلِبِنْتِهَا النِّصْفُ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا
وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ، لَبِنْتِهَا النِّصْفُ، وَالْبَاقِي لِلصُّغْرَى.
وَإِنْ مَاتَتْ الْوُسْطَى بَعْدَهُ، فَقَدْ تَرَكَتْ أُخْتَيْهَا؛ إحْدَاهُمَا أُمُّهَا، وَالْأُخْرَى بِنْتُهَا؛ فَلِأُمِّهَا السُّدُسُ، وَلِبِنْتِهَا النِّصْفُ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا.
وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ، الْبَاقِي لِلْعَصَبَةِ.
وَإِنْ مَاتَتْ الصُّغْرَى بَعْدَهُ، فَقَدْ خَلَّفَتْ أُخْتَيْهَا؛
إحْدَاهُمَا أُمُّهَا، وَالْأُخْرَى جَدَّتُهَا؛ فَلِأُمِّهَا السُّدُسُ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا، وَقَدْ انْحَجَبَتْ الْأُمُّ بِنَفْسِهَا، وَبِأُمِّهَا عَنْ السُّدُسِ.
وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ مِنْ جَعْلِ الْأُخُوَّةِ أَقْوَى، فَلِلْكُبْرَى النِّصْفُ، وَلِلْوُسْطَى الثُّلُثُ، وَالْبَاقِي لِلْعَصَبَةِ
وَمَنْ جَعَلَ الْجُدُودَةَ أَقْوَى، لَمْ يُوَرِّثْ الْكُبْرَى شَيْئًا؛ لِأَنَّهَا لَا تَرِثُ بِالْأُخُوَّةِ، لِكَوْنِهَا ضَعِيفَةً، وَلَا بِالْجُدُودَةِ، لِكَوْنِهَا مَحْجُوبَةً بِالْأُمُومَةِ وَإِنْ مَاتَتْ الصُّغْرَى بَعْدَ الْوُسْطَى، فَقَدْ خَلَّفَتْ جَدَّةً هِيَ أُخْتٌ لِأَبٍ، فَلَهَا الثُّلُثُ بِالْقَرَابَتَيْنِ، وَمَنْ وَرَّثَ بِإِحْدَاهُمَا، فَلَهَا السُّدُسُ عِنْدَ قَوْمٍ.
وَعِنْدَ ابْنِ سُرَيْجٍ وَمَنْ وَافَقَهُ لَهَا النِّصْفُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخَبْرِيِّ
مَجُوسِيٌّ تَزَوَّجَ أُمَّهُ، فَأَوْلَدَهَا بِنْتًا، ثُمَّ تَزَوَّجَ بِنْتَهُ، فَأَوْلَدَهَا ابْنًا، ثُمَّ تَزَوَّجَ الِابْنُ جَدَّتَهُ، فَأَوْلَدَهَا بِنْتًا، ثُمَّ مَاتَ الْمَجُوسِيُّ، ثُمَّ مَاتَتْ أُمُّهُ، فَقَدْ خَلَّفَتْ بِنْتًا هِيَ بِنْتُ ابْنٍ، وَبِنْتًا أُخْرَى هِيَ بِنْتُ ابْنِ ابْنٍ، وَخَلَّفَتْ ابْنَ ابْنٍ هُوَ زَوْجُهَا؛ فَلِابْنَتِهَا الثُّلُثَانِ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْكُبْرَى وَابْنِهَا عَلَى ثَلَاثَةٍ، وَتَصِحُّ مِنْ تِسْعَةٍ؛ لِلْكُبْرَى أَرْبَعَةٌ، وَلِلصُّغْرَى ثَلَاثَةٌ، وَلِلذَّكَرِ سَهْمَانِ.
وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ، الْبَاقِي لِلذَّكَرِ وَحْدَهُ.
فَإِنْ مَاتَتْ بَعْدَهُ بِنْتُهُ، فَإِنَّ الْكُبْرَى جَدَّتُهَا أُمُّ أَبِيهَا، وَهِيَ أُخْتُهَا مِنْ أُمِّهَا، فَلَهَا السُّدُسَانِ بِالْقَرَابَتَيْنِ، وَفِي الثَّانِي لَهَا السُّدُسُ بِإِحْدَاهُمَا.
[فَصْلٌ وَطِئَ مُسْلِمٌ بَعْضَ مَحَارِمِهِ بِشُبْهَةِ]
(4962) فَصْلٌ: وَإِنْ وَطِئَ مُسْلِمٌ بَعْضَ مَحَارِمِهِ بِشُبْهَةٍ، أَوْ اشْتَرَاهَا وَهُوَ لَا يَعْرِفُهَا فَوَطِئَهَا، فَوَلَدَتْ لَهُ، وَاتَّفَقَ مِثْلُ هَذِهِ لِإِنْسَانٍ، فَالْحُكْمُ فِيهَا مِثْلُ هَذَا سَوَاءٌ.
[مَسْأَلَةٌ غَرِقَ الْمُتَوَارِثَانِ أَوْ مَاتَا تَحْتَ هَدْمٍ فَجَهْل أَوَّلُهُمَا مَوْتًا]
(4963) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا غَرِقَ الْمُتَوَارِثَانِ، أَوْ مَاتَا تَحْتَ هَدْمٍ، فَجُهِلَ أَوَّلُهُمَا مَوْتًا، وُرِّثَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُتَوَارِثَيْنِ إذَا مَاتَا، فَجُهِلَ أَوَّلُهُمَا مَوْتًا، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ: أَذْهَبُ إلَى قَوْلِ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَشُرَيْحٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَالشَّعْبِيِّ: يَرِثُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ.
يَعْنِي مِنْ تِلَادِ مَالِهِ دُونَ طَارِفِهِ، وَهُوَ مَا وَرِثَهُ مِنْ مَيِّتٍ مَعَهُ.
وَهَذَا قَوْلُ مَنْ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَهُوَ قَوْلُ إيَاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَحُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَشَرِيكٍ، وَيَحْيَى بْنِ آدَمَ، وَإِسْحَاقَ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ.
قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَقَعَ الطَّاعُونُ عَامَ عَمَوَاسٍ، فَجَعَلَ أَهْلُ الْبَيْتِ يَمُوتُونَ عَنْ آخِرِهِمْ، فَكُتِبَ فِي ذَلِكَ إلَى عُمَرَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. فَكَتَبَ عُمَرُ: أَنْ وَرِّثُوا بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَزَيْدٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُعَاذٍ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، أَنَّهُمْ لَمْ يُوَرِّثُوا بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَجَعَلُوا مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ لِلْأَحْيَاءِ مِنْ وَرَثَتِهِ
وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ،
وَأَبُو الزِّنَادِ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَرَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، وَحَكِيمِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي امْرَأَةٍ وَابْنِهَا مَاتَا، فَقَالَ زَوْجُهَا: مَاتَتْ فَوَرِثْنَاهَا، ثُمَّ مَاتَ ابْنِي فَوَرِثْتُهُ.
وَقَالَ أَخُوهَا: مَاتَ ابْنُهَا فَوَرِثَتْهُ، ثُمَّ مَاتَتْ فَوَرِثْنَاهَا.
حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى إبْطَالِ دَعْوَى صَاحِبِهِ، وَكَانَ مِيرَاثُ الِابْنِ لِأَبِيهِ، وَمِيرَاثُ الْمَرْأَةِ لِأَخِيهَا وَزَوْجِهَا نِصْفَيْنِ.
فَجَعَلَ مِيرَاثَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْأَحْيَاءِ مِنْ وَرَثَتِهِ.
فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْعَلَ هَذَا رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ الْبَابِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَوْلًا فِيمَا إذَا ادَّعَى وَارِثُ كُلِّ مَيِّتٍ أَنَّ مَوْرُوثَهُ كَانَ آخِرَهُمَا مَوْتًا، وَيَرِثُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْآخَرِ، إذَا اتَّفَقَ وُرَّاثُهُمْ عَلَى الْجَهْلِ بِكَيْفِيَّةِ مَوْتِهِمْ؛ لِأَنَّ مَعَ التَّدَاعِي تَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ، عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَيَحْلِفُ عَلَى إبْطَالِ دَعْوَى صَاحِبِهِ، وَيَتَوَفَّرُ الْمِيرَاثُ لَهُ.
كَمَا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ، بِخِلَافِ مَا إذَا اتَّفَقُوا عَلَى الْجَهْلِ، فَلَا تَتَوَجَّهُ يَمِينٌ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا يُشْرَعُ فِي مَوْضِعٍ اتَّفَقُوا عَلَى الْجَهْلِ بِهِ.
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ تَوْرِيثِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، بِمَا رَوَى سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيدٍ: أَنَّ قَتْلَى الْيَمَامَةِ، وَقَتْلَى صِفِّينَ وَالْحَرَّةِ، لَمْ يُوَرِّثُوا بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَوَرَّثُوا عَصَبَتَهُمْ الْأَحْيَاءَ
وَقَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ أُمَّ كُلْثُومِ بِنْتَ عَلِيٍّ تُوُفِّيَتْ هِيَ وَابْنُهَا زَيْدُ بْنُ عُمَرَ، فَالْتَقَتْ الصَّيْحَتَانِ فِي الطَّرِيقِ، فَلَمْ يُدْرَ أَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلَ صَاحِبِهِ، فَلَمْ تَرِثْهُ وَلَمْ يَرِثْهَا
وَأَنَّ أَهْلَ صِفِّينَ، وَأَهْلَ الْحَرَّةِ لَمْ يَتَوَارَثُوا.
وَلِأَنَّ شَرْطَ التَّوْرِيثِ حَيَاةُ الْوَارِثِ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْرُوثِ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَلَا يَثْبُتُ التَّوْرِيثُ مَعَ الشَّكِّ فِي شَرْطِهِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ تُعْلَمْ حَيَاتُهُ حِينَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ، فَلَمْ يَرِثْهُ، كَالْحَمْلِ إذَا وَضَعَتْهُ مَيِّتًا، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّوْرِيثِ فَلَا نُثْبِتُهُ بِالشَّكِّ، وَلِأَنَّ تَوْرِيثَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَطَأٌ يَقِينًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مَوْتُهُمَا مَعًا، أَوْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا بِهِ، وَتَوْرِيثُ السَّابِقِ بِالْمَوْتِ وَالْمَيِّتِ مَعَهُ خَطَأٌ يَقِينًا، مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ، فَكَيْفَ يُعْمَلُ بِهِ، فَإِنْ قِيلَ: فَفِي قَطْعِ التَّوْرِيثِ قَطْعُ تَوْرِيثِ الْمَسْبُوقِ بِالْمَوْتِ، وَهُوَ خَطَأٌ أَيْضًا
قُلْنَا: هَذَا غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ مَوْتُهُمَا جَمِيعًا، فَلَا يَكُونُ فِيهِمَا مَسْبُوقٌ.
وَقَدْ احْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِمَا رَوَى إيَاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سُئِلَ عَنْ قَوْمٍ وَقَعَ عَلَيْهِمْ بَيْتٌ.
فَقَالَ: يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» . وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ عَنْ إيَاسٍ نَفْسِهِ، وَأَنَّهُ هُوَ الْمَسْئُولُ، وَلَيْسَ بِرَاوِيَةٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. هَكَذَا رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي " سُنَنِهِ ". وَحَكَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْهُ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَابْن سُرَيْجٍ، وَطَائِفَةٌ مِنْ الْبَصْرِيِّينَ: يُعْطَى كُلُّ وَارِثٍ الْيَقِينَ، وَيُوقَفُ الْمَشْكُوكُ فِيهِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْأَمْرُ، أَوْ يَصْطَلِحُوا
وَقَالَ الْخَبْرِيُّ: هَذَا هُوَ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا عُلِمَ مَوْتُ أَحَدِهِمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ.
وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خِلَافًا.
وَمِنْ مَسَائِلِ ذَلِكَ؛ أَخَوَانِ غَرِقَا، أَحَدُهُمَا مَوْلَى زَيْدٍ، وَالْآخَرُ مَوْلَى عَمْرٍو؛ مَنْ وَرَّثَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، جَعَلَ مِيرَاثَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَوْلَى أَخِيهِ، وَمَنْ لَمْ يُوَرِّثْ أَحَدَهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، جَعَلَ مِيرَاثَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَوْلَاهُ، وَمَنْ قَالَ بِالْوَقْفِ وَقَفَ مَالَهُمَا.
فَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَوْلَيَيْنِ أَنَّ مَوْلَاهُ آخِرُهُمَا مَوْتًا، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى إبْطَالِ دَعْوَى صَاحِبِهِ، وَأَخَذَ مَالَ مَوْلَاهُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْخِرَقِيِّ
وَإِنْ كَانَتْ لَهُمَا أُخْتٌ، فَلَهَا الثُّلُثَانِ مِنْ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَالنِّصْفُ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي.
وَإِنْ خَلَّفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنْتًا وَزَوْجَةً، فَمَنْ لَمْ يُوَرِّثْ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ، صَحَّحَهَا مِنْ ثَمَانِيَةٍ، لِامْرَأَتِهِ الثُّمُنُ، وَلِابْنَتِهِ النِّصْفُ، وَالْبَاقِي لِمَوْلَاهُ.
وَمَنْ وَرَّثَهُمْ، جَعَلَ الْبَاقِيَ لِأَخِيهِ، ثُمَّ قَسَّمَهُ بَيْنَ وَرَثَةِ أَخِيهِ عَلَى ثَمَانِيَةٍ، ثُمَّ ضَرَبَهَا فِي الثَّمَانِيَةِ الْأُولَى، فَصَحَّتْ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَسِتِّينَ؛ لِامْرَأَتِهِ ثَمَانِيَةٌ، وَلِابْنَتِهِ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ، وَلِامْرَأَةِ أَخِيهِ ثُمُنُ الْبَاقِي، وَلِابْنَتِهِ اثْنَا عَشَرَ، وَلِمَوْلَاهُ الْبَاقِي تِسْعَةٌ.
أَخٌ وَأُخْتٌ غَرِقَا، وَلَهُمَا أُمٌّ وَعَمٌّ وَزَوْجَانِ.
فَمَنْ وَرَّثَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبِهِ، جَعَلَ مِيرَاثَ الْأَخِ بَيْنَ امْرَأَتِهِ وَأُمِّهِ وَأُخْتِهِ عَلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ، فَمَا أَصَابَ الْأُخْتَ مِنْهَا فَهُوَ بَيْنَ زَوْجِهَا وَأُمِّهَا وَعَمِّهَا عَلَى سِتَّةٍ، فَصَحَّتْ الْمَسْأَلَتَانِ مِنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ؛ لِامْرَأَةِ الْأَخِ ثَلَاثَةٌ، وَلِزَوْجِ الْأُخْتِ ثَلَاثَةٌ، وَلِلْأُمِّ أَرْبَعَةٌ بِمِيرَاثِهَا مِنْ الْأَخِ، وَاثْنَانِ بِمِيرَاثِهَا مِنْ الْأُخْتِ، وَلِلْعَمِّ سَهْمٌ، وَمِيرَاثُ الْأُخْتِ بَيْنَ زَوْجِهَا وَأُمِّهَا وَأَخِيهَا عَلَى سِتَّةٍ؛ لِأَخِيهَا سَهْمٌ بَيْنَ أُمِّهِ وَامْرَأَتِهِ وَعَمِّهِ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ، تَضْرِبُهَا فِي الْأُولَى، تَكُنْ مِنْ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ، وَالضَّرَرُ فِي هَذَا الْقَوْلِ عَلَى مَنْ يَرْتُ مِنْ أَحَدِ الْمَيِّتَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ يَرِثُ مِنْهُمَا
ثَلَاثَةُ إخْوَةٍ مِنْ أَبَوَيْنِ.
غَرِقُوا، وَلَهُمْ أُمٌّ وَعَصَبَةٌ، فَقَدِّرْ مَوْتَ أَحَدِهِمْ أَوَّلًا، فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي لِأَخَوَيْهِ، فَتَصِحُّ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَخَوَيْهِ خَمْسَةٌ، بَيْنَ أُمِّهِ وَعَصَبَتِهِ، عَلَى ثَلَاثَةٍ، فَتَضْرِبُهَا فِي الْأُولَى، تَكُنْ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ، لِلْأُمِّ مِنْ مِيرَاثِ الْأَوَّلِ السُّدُسُ سِتَّةٌ، وَمِمَّا وَرِثَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَخَوَيْنِ خَمْسَةٌ، فَصَارَ لَهَا سِتَّةَ عَشَرَ، وَالْبَاقِي لِلْعَصَبَةِ، وَلَهَا مِنْ مِيرَاثِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَخَوَيْنِ مِثْلُ ذَلِكَ.
ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَبُو بَكْرٍ.
ثَلَاثَةُ إخْوَةٍ مُفْتَرِقِينَ غَرِقُوا، وَخَلَّفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أُخْتَهُ لِأَبَوَيْهِ، فَقَدِّرْ مَوْتَ الْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ أَوَّلًا عَنْ أُخْتِهِ مِنْ أَبَوَيْهِ، وَأَخَوَيْهِ مِنْ أَبِيهِ، وَأَخَوَيْهِ مِنْ أُمِّهِ، فَصَحَّتْ مَسْأَلَتُهُ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ؛ لِأَخِيهِ مِنْ أُمِّهِ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ بَيْنَ أُخْتِهِ مِنْ أَبَوَيْهِ وَأُخْتِهِ مِنْ أُمِّهِ، عَلَى أَرْبَعَةٍ وَأَصَابَ الْأَخُ مِنْ الْأَبِ مِنْهَا اثْنَيْنِ، بَيْنَ أَخِيهِ مِنْ أَبَوَيْهِ، وَأُخْتِهِ مِنْ أَبِيهِ، عَلَى أَرْبَعَةٍ، فَتَجْتَزِئُ بِإِحْدَاهُمَا، وَتَضْرِبُهَا فِي الْأُولَى، تَكُنْ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ، ثُمَّ قَدِّرْ مَوْتَ الْأَخِ مِنْ الْأُمِّ، عَنْ أُخْتٍ لِأَبَوَيْنِ، وَأَخٍ، وَأُخْتٍ لِأُمٍّ، فَمَسْأَلَتُهُ مِنْ خَمْسَةٍ
مَاتَ أَخُوهُ لِأُمِّهِ عَنْ ثَلَاثِ أَخَوَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ، فَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ
أَيْضًا، تَضْرِبُهَا فِي الْأُولَى، تَكُنْ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ، ثُمَّ قَدِّرْ مَوْتَ الْأَخِ مِنْ الْأَبِ، عَنْ أُخْتٍ لِأَبَوَيْهِ، وَأَخٍ وَأُخْتٍ لِأَبِيهِ، فَهِيَ مِنْ سِتَّةٍ، ثُمَّ مَاتَ الْأَخُ مِنْ الْأَبِ عَنْ ثَلَاثِ أَخَوَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ، فَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ، تَضْرِبُهَا فِي الْأُولَى، تَكُنْ ثَلَاثِينَ.
فَإِنْ خَلَّفَ بِنْتًا وَأَخَوَيْنِ، فَلَمْ يَقْتَسِمُوا التَّرِكَةَ حَتَّى غَرِقَ الْأَخَوَانِ، وَخَلَّفَ أَحَدُهُمَا امْرَأَةً وَبِنْتًا وَعَمًّا؛ وَخَلَّفَ الْآخَرُ ابْنَتَيْنِ، وَابْنَتَيْنِ؛ الْأُولَى مِنْ أَرْبَعَةٍ، مَاتَ أَحَدُهُمْ عَنْ سَهْمٍ، وَمَسْأَلَتُهُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ، لِأَخِيهِ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ بَيْنَ أَوْلَادِهِ عَلَى سِتَّةٍ رَجَعُوا إلَى اثْنَيْنِ، تَضْرِبُهَا فِي ثَمَانِيَةٍ، تَكُنْ سِتَّةَ عَشَرَ
وَفَرِيضَةُ الْآخَرِ مِنْ سِتَّةٍ، يَتَّفِقَانِ بِالنِّصْفِ، فَاضْرِبْ نِصْفَ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى، تَكُنْ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ، ثُمَّ فِي أَرْبَعَةٍ، تَكُنْ مِائَةً وَاثْنَيْنِ وَتِسْعِينَ، لِلْبِنْتِ نِصْفُهَا، وَلِأَوْلَادِ الْأَخِ عَنْ أَبِيهِمْ رُبُعُهَا، وَعَنْ عَمِّهِمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، صَارَ لَهُمْ سِتَّةٌ وَسِتُّونَ، وَلِامْرَأَةِ الْأَخِ سِتَّةٌ، وَلِبِنْتِهِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ.
[فَصْلٌ عُلِمَ خُرُوجُ رُوحِ الْمُتَوَارِثِينَ مَعًا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ]
(4964) فَصْلٌ: وَإِنْ عُلِمَ خُرُوجُ رَوْحِهِمَا مَعًا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، لَمْ يَرِثْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، وَوَرِثَ كُلَّ وَاحِدٍ الْأَحْيَاءُ مِنْ وَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّ تَوْرِيثَهُ مَشْرُوطٌ بِحَيَاتِهِ بَعْدَهُ، وَقَدْ عُلِمَ انْتِفَاءُ ذَلِكَ.
وَإِنْ عُلِمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا مَاتَ قَبْلَ صَاحِبِهِ بِعَيْنِهِ، ثُمَّ أَشْكَلَ، أُعْطِيَ كُلُّ وَارِثٍ الْيَقِينَ، وَوُقِفَ الْبَاقِي حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْأَمْرُ أَوْ يَصْطَلِحُوا.
قَالَ الْقَاضِي: وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يُقَسَّمَ عَلَى سَبِيلِ مِيرَاثِ الْغَرْقَى الَّذِينَ جُهِلَ حَالُهُمْ.
وَإِنْ ادَّعَى وَرَثَةُ كُلِّ مَيِّتٍ أَنَّهُ آخِرُهُمَا مَوْتًا، فَهِيَ مَسْأَلَةُ الْخِرَقِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
وَقَدْ نَصَّ فِيهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ وَرَثَةَ كُلِّ مَيِّتٍ يَحْلِفُونَ، وَيَخْتَصُّونَ بِمِيرَاثِهِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَاسَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ سَائِرُ الصُّوَرِ، فَيَتَخَرَّجُ فِي الْجَمِيعِ رِوَايَتَانِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَخْتَصَّ هَذَا الْحُكْمُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ دُونَ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصُّورَ فِيهَا مُدَّعٍ وَمُنْكِرٌ، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الصُّوَرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ مِنْ لَمْ يَرِثْ لِمَعْنَى فِيهِ لَا يَحْجُبُ غَيْرَهُ]
(4965) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ لَمْ يَرِثْ لَمْ يُحْجَبْ) يَعْنِي مَنْ لَمْ يَرِثْ لِمَعْنًى فِيهِ، كَالْمُخَالِفِ فِي الدِّينِ، وَالرَّقِيقِ، وَالْقَاتِلِ، فَهَذَا لَا يَحْجُبُ غَيْرَهُ، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، إلَّا ابْنَ مَسْعُودٍ، وَمَنْ وَافَقَهُ، فَإِنَّهُمْ يَحْجُبُونَ الْأُمَّ، وَالزَّوْجَيْنِ بِالْوَلَدِ الْكَافِرِ، وَالْقَاتِلِ، وَالرَّقِيقِ، وَيَحْجُبُونَ الْأُمَّ بِالْإِخْوَةِ الَّذِينَ هُمْ كَذَلِكَ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد.
وَتَابَعَهُ الْحَسَنُ فِي الْقَاتِلِ دُونَ غَيْرِهِ.
وَلَعَلَّهُمْ تَمَسَّكُوا بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: 12] .
وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: 11] . وَقَوْلِهِ ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: 11] .
وَهَؤُلَاءِ أَوْلَادٌ، وَإِخْوَةٌ، وَعَدَمُ إرْثِهِمْ لَا يَمْنَعُ حَجْبَهُمْ، كَالْإِخْوَةِ مَعَ الْأَبَوَيْنِ يَحْجُبُونَ الْأُمَّ، وَلَا يَرِثُونَ وَلَنَا، أَنَّهُ وَلَدٌ لَا يَحْجُبُ الْإِخْوَةَ مِنْ الْأُمِّ، وَلَا يَحْجُبُ وَلَدَهُ، وَلَا الْأَبَ إلَى السُّدُسِ، فَلَمْ يَحْجُبْ غَيْرَهُمْ، كَالْمَيِّتِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي حَجْبِ غَيْرِ الْأُمِّ وَالزَّوْجَيْنِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي حَجْبِهِمْ، كَالْمَيِّتِ، وَالْآيَةُ أُرِيدَ بِهَا وَلَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]
أَرَادَ بِهِ الْوَارِثَ، وَلَمْ يَدْخُلْ هَذَا فِيهِمْ، وَلَمَّا قَالَ ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ [النساء: 176] . لَمْ يَدْخُلْ هَذَا فِيهِمْ.
وَأَمَّا الْإِخْوَةُ مَعَ الْأَبِ، فَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْلَا الْأَبُ لَوَرِثُوا، وَإِنَّمَا قُدِّمَ عَلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ، وَمُنِعُوا مَعَ أَهْلِيَّتِهِمْ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُمْ أَوْلَى مِنْهُمْ، فَامْتِنَاعُ إرْثِهِمْ لِمَانِعٍ، لَا لِانْتِفَاءِ الْمُقْتَضِي.
[فَصْلٌ مَنْ لَا يَرِثُ لِحَجْبِ غَيْرِهِ لَهُ فَإِنَّهُ يَحْجُبُ وَإِنْ لَمْ يَرِثْ]
(4966) فَصْلٌ: فَأَمَّا مَنْ لَا يَرِثُ لِحَجْبِ غَيْرِهِ لَهُ، فَإِنَّهُ يَحْجُبُ، وَإِنْ لَمْ يَرِثْ، كَالْإِخْوَةِ يَحْجُبُونَ الْأُمَّ، وَهُمْ مَحْجُوبُونَ بِالْأَبِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ إرْثِهِمْ لَمْ يَكُنْ لِمَعْنًى فِيهِمْ، وَلَا لِانْتِفَاءِ أَهْلِيَّتِهِمْ، بَلْ لِتَقْدِيمِ غَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ، وَالْمَعْنَى الَّذِي حُجِبُوا بِهِ فِي حَالِ إرْثِهِمْ مَوْجُودٌ، مَعَ حَجْبِهِمْ عَنْ الْمِيرَاثِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
فَعَلَى هَذَا، إذَا اجْتَمَعَ أَبَوَانِ وَأَخَوَانِ أَوْ أُخْتَانِ؛ فَلِلْأُمِّ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي لِلْأَبِ، وَيَحْجُبُ الْأَخَوَانِ الْأُمَّ عَنْ السُّدُسِ، وَلَا يَرِثُونَ شَيْئًا
وَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ، وَخَلَّفَ أَبَاهُ وَأُمَّ أَبِيهِ وَأُمَّ أُمِّ أُمِّهِ، لَحَجَبَ الْأَبُ أُمَّهُ عَنْ الْمِيرَاثِ، وَحَجَبَتْ أُمُّهُ أُمَّ أُمِّ الْأُمِّ، عَلَى قَوْلِ مَنْ يَحْجُبُ الْجَدَّةَ بِابْنِهَا، وَالْبُعْدَى مِنْ الْجَدَّاتِ بِمَنْ هِيَ أَقْرَبُ مِنْهَا، وَيَكُونُ الْمَالُ جَمِيعُهُ لِلْأَبِ.
[فَصْلٌ مِيرَاث الْحَمْلِ]
(4967) فَصْلٌ: فِي مِيرَاثِ الْحَمْلِ: إذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ عَنْ حَمْلٍ يَرِثُهُ، وُقِفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ، فَإِنْ طَالِبَ الْوَرَثَةُ بِالْقِسْمَةِ، لَمْ يُعْطُوا كُلَّ الْمَالِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ دَاوُد، وَالصَّحِيحُ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ، وَلَكِنْ يُدْفَعُ إلَى مَنْ لَا يَنْقُصُهُ الْحَمْلُ كَمَالَ مِيرَاثِهِ، وَإِلَى مَنْ يَنْقُصُهُ أَقَلُّ مَا يُصِيبُهُ، وَلَا يُدْفَعُ إلَى مَنْ يُسْقِطُهُ شَيْءٌ، فَأَمَّا مَنْ يُشَارِكُهُ، فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا: يُوقَفُ لِلْحَمْلِ شَيْءٌ، وَيُدْفَعُ إلَى شُرَكَائِهِ الْبَاقِي.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ وَاللَّيْثُ، وَشَرِيكٌ وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ وَهُوَ رِوَايَةُ الرَّبِيعِ عَنْ الشَّافِعِيِّ
وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُدْفَعُ إلَى شُرَكَائِهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ لَا حَدَّ لَهُ وَلَا نَعْلَمُ كَمْ يُتْرَكُ لَهُ.
وَقَدْ حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَرَدَ طَالِبًا لِلْعِلْمِ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالْفَضْلِ، أَنَّ امْرَأَةً وَلَدَتْ بِالْيَمَنِ شَيْئًا كَالْكِرْشِ، فَظُنَّ أَنْ لَا وَلَدَ فِيهِ، فَأُلْقِيَ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، فَلَمَّا
طَلَعَتْ الشَّمْسُ وَحَمِيَ بِهَا، تَحَرَّكَ فَأُخِذَ وَشُقَّ، فَخَرَجَ مِنْهُ سَبْعَةُ أَوْلَادٍ ذُكُورٍ، وَعَاشُوا جَمِيعًا، وَكَانُوا خَلْقًا سَوِيًّا، إلَّا أَنَّهُ كَانَ فِي أَعْضَادِهِمْ قِصَرٌ، قَالَ: وَصَارَعَنِي أَحَدُهُمْ فَصَرَعَنِي، فَكُنْت أُعَيَّرُ بِهِ، فَيُقَال: صَرَعَك سُبْعُ رَجُلٍ
وَقَدْ أَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّمِائَةٍ، أَوْ سَنَةَ تِسْعٍ، عَنْ ضَرِيرٍ بِدِمَشْقَ أَنَّهُ قَالَ: وَلَدَتْ امْرَأَتِي فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ سَبْعَةً فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ، ذُكُورًا وَإِنَاثًا، وَكَانَ بِدِمَشْقَ أُمُّ وَلَدٍ لِبَعْضِ كُبَرَائِهَا، وَتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ مَنْ كَانَ يَقْرَأُ عَلَيَّ، وَكَانَتْ تَلِدُ ثَلَاثَةً فِي كُلِّ بَطْنٍ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: هَذَا نَادِرٌ، وَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ مَنْعُ الْمِيرَاثِ مِنْ أَجْلِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَظْهَرْ بِالْمَرْأَةِ حَمْلٌ.
وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْوَقْفِ فِيمَا يُوقَفُ، فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يُوقَفُ نَصِيبُ ذَكَرَيْنِ، إنْ كَانَ مِيرَاثُهُمَا أَكْثَرَ، أَوْ ابْنَتَيْنِ إنْ كَانَ نَصِيبُهُمَا أَكْثَرَ
وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَاللُّؤْلُؤِيِّ.
وَقَالَ شَرِيكٌ: يُوقَفُ نَصِيبُ أَرْبَعَةٍ، فَإِنِّي رَأَيْت بَنِي إسْمَاعِيلَ أَرْبَعَةً، وُلِدُوا فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ، مُحَمَّدُ، وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ.
قَالَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ: وَأَظُنُّ الرَّابِعَ إسْمَاعِيلَ.
وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَرَوَاهُ الرَّبِيعُ عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَالَ اللَّيْثُ، وَأَبُو يُوسُفَ: يُوقَفُ نَصِيبُ غُلَامٍ، وَيُؤْخَذُ ضَمِينٌ مِنْ الْوَرَثَةِ
وَلَنَا؛ أَنَّ وِلَادَةَ التَّوْأَمَيْنِ كَثِيرٌ مُعْتَادٌ، فَلَا يَجُوزُ قَسْمُ نَصِيبِهِمَا، كَالْوَاحِدِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِمَا نَادِرٌ، فَلَمْ يُوقَفْ لَهُ شَيْءٌ كَالْخَامِسِ، وَالسَّادِسِ، وَمَتَى وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ مَنْ يَرِثُ الْمَوْقُوفَ كُلَّهُ أَخَذَهُ، وَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ رُدَّ إلَى أَهْلِهِ، وَإِنْ أَعْوَزَ شَيْئًا رَجَعَ عَلَى مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ.
مَسَائِلُ مِنْ ذَلِكَ: امْرَأَةٌ حَامِلٌ وَبِنْتٌ، لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنُ، وَلِلْبِنْتِ خُمُسُ الْبَاقِي.
وَفِي قَوْلِ شَرِيكٍ تِسْعَةٌ.
وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ثُلُثُهُ بِضَمِينِ.
وَلَا يُدْفَعُ إلَيْهَا شَيْءٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
وَإِنْ كَانَ مَكَانَ الْبِنْتِ ابْنٌ دَفَعَ إلَيْهِ ثُلُثَ الْبَاقِي، أَوْ خُمُسَهُ، أَوْ نِصْفَهُ، عَلَى اخْتِلَافِ الْأَقْوَالِ.
وَمَتَى زَادَتْ الْفُرُوضُ عَلَى ثُلُثِ الْمَالِ، فَمِيرَاثُ الْإِنَاثِ أَكْثَرُ، فَإِذَا خَلَّفَ أَبَوَيْنِ، وَامْرَأَةً حَامِلًا، فَلِلْمَرْأَةِ ثَلَاثَةٌ مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ، وَلِلْأَبَوَيْنِ ثَمَانِيَةٌ مِنْهَا، وَيُوقَفُ سِتَّةَ عَشَرَ، وَيَسْتَوِي هَاهُنَا قَوْلُ مَنْ وَقَفَ نَصِيبَ ابْنَتَيْنِ، وَقَوْلُ مَنْ وَقَفَ نَصِيبَ أَرْبَعَةٍ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: تُعْطَى الْمَرْأَةُ ثُمُنًا كَامِلًا، وَالْأَبَوَانِ ثُلُثًا كَامِلًا، وَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ ضَمِينٌ.
فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ بِنْتٌ دُفِعَ إلَيْهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ مِنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ
وَفِي قَوْلِ شَرِيكٍ، ثَلَاثَةَ عَشَرَ مِنْ مِائَتَيْنِ وَسِتَّةَ عَشَرَ.
وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، ثَلَاثَةَ عَشَرَ مِنْ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ، وَيُؤْخَذُ مِنْ الْكُلِّ ضُمَنَاءُ مِنْ الْبِنْتِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُولَدَ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ، وَمِنْ الْبَاقِينَ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَعُولَ الْمَسْأَلَةُ.
وَعَلَى قَوْلِنَا يُوَافَقُ بَيْنَ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ بِالْأَثْلَاثِ، وَتَضْرِبُ ثُلُثَ إحْدَاهُمَا فِي جَمِيعِ الْأُخْرَى، تَكُنْ أَلْفًا وَثَمَانِينَ، وَتُعْطِي الْبِنْتَ ثَلَاثَةَ
عَشَرَ فِي تِسْعَةٍ، تَكُنْ مِائَةً وَسَبْعَةَ عَشَرَ، وَلِلْأَبَوَيْنِ وَالْمَرْأَةُ أَحَدَ عَشَرَ فِي أَرْبَعِينَ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ مَوْقُوفٌ
زَوْجٌ وَأُمٌّ حَامِلٌ مِنْ الْأَبِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ، لِلزَّوْجِ ثَلَاثَةٌ، وَلِلْأُمِّ سَهْمٌ، وَيُوقَفُ أَرْبَعَةٌ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هِيَ مِنْ ثَمَانِيَةٍ، يُدْفَعُ إلَى الزَّوْجِ ثَلَاثَةٌ، وَإِلَى الْأُمِّ سَهْمَانِ، وَتَقِفُ ثَلَاثَةً، وَتَأْخُذُ مِنْهَا ضَمِينًا، هَكَذَا حَكَى الْخَبْرِيُّ عَنْهُ.
فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ مَنْ يَسْقُطُ بِوَلَدِ الْأَبَوَيْنِ، كَعَصَبَةٍ، أَوْ أَحَدٍ مِنْ وَلَدِ الْأَبِ، لَمْ يُعْطَ شَيْئًا.
وَلَوْ كَانَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ جَدٌّ، فَلِلزَّوْجِ الثُّلُثُ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ، وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ وَالْبَاقِي مَوْقُوفٌ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ، وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ، وَيُوقَفُ السُّدُسُ بَيْنَ الْجَدِّ وَالْأُمِّ، وَلَا شَيْءَ لِلْحَمْلِ؛ لِأَنَّ الْجَدَّ يُسْقِطُهُ وَأَبُو يُوسُفَ يَجْعَلُهَا مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ، وَيَقِفُ أَرْبَعَةَ أَسْهُمٍ.
وَحُكِيَ عَنْ شَرِيكٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بِقَوْلِ عَلِيٍّ فِي الْجَدِّ فَيَقِفُ هَاهُنَا نَصِيبَ الْإِنَاثِ، فَيَكُونُ عِنْدَهُ مِنْ تِسْعَةٍ، وَتَقِفُ مِنْهَا أَرْبَعَةً.
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا زَوْجٌ، كَانَ لِلْأُمِّ السُّدُسُ وَلِلْجَدِّ ثُلُثُ الْبَاقِي، وَتَقِفُ عَشَرَةً مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِلْجَدِّ الثُّلُثَانِ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ، وَيُوقَفُ السُّدُسُ بَيْنَهُمَا
قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، يَقِفُ الثُّلُثَ، وَيُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثًا، وَيُؤْخَذُ مِنْهُمَا ضَمِينٌ.
وَمَتَى خَلَّفَ وَرَثَةً، وَأُمًّا تَحْتَ الزَّوْجِ، فَيَنْبَغِي لِلزَّوْجِ الْإِمْسَاكُ عَنْ وَطْئِهَا، لِيَعْلَم أَحَامِلٌ هِيَ أَمْ لَا؟ كَذَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، فِي آخَرِينَ.
وَإِنْ وَطِئَهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَرِثَ، لِأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا بِهِ، وَإِنْ وَلَدَتْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، لَمْ تَرِثْ، إلَّا أَنْ يُقِرَّ الْوَرَثَةُ أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا بِهِ يَوْمَ مَوْتِ وَلَدِهَا.
[فَصْلٌ لَا يَرِثْ الْحَمْلُ إلَّا بِشَرْطَيْنِ]
فَصْلٌ: وَلَا يَرِثُ الْحَمْلُ إلَّا بِشَرْطَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الْمَوْتِ، وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِأَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ نَظَرْنَا، فَإِنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ أَوْ سَيِّدٌ يَطَؤُهَا لَمْ يَرِثْ، إلَّا أَنْ يُقِرَّ الْوَرَثَةُ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ الْمَوْتِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تُوطَأُ، إمَّا لِعَدَمِ الزَّوْجِ، أَوْ السَّيِّدِ، وَإِمَّا لِغَيْبَتِهِمَا، أَوْ اجْتِنَابِهِمَا الْوَطْءَ، عَجْزًا أَوْ قَصْدًا أَوْ غَيْرَهُ، وَرِثَ مَا لَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَمْلِ وَذَلِكَ أَرْبَعُ سِنِينَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى سَنَتَانِ
وَالثَّانِي، أَنْ تَضَعَهُ حَيًّا، فَإِنْ وَضَعَتْهُ مَيِّتًا لَمْ يَرِثْ، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، وَاخْتُلِفَ فِيمَا يَثْبُتُ بِهِ الْمِيرَاثُ مِنْ الْحَيَاةِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا اسْتَهَلَّ صَارِخًا وَرِثَ، وَوُرِثَ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ وَرِثَ» . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ
جَابِرٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَهُ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَى الِاسْتِهْلَالِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَرِثُ حَتَّى يَسْتَهِلَّ، وَلَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الِاسْتِهْلَالِ مَا هُوَ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَرِثُ حَتَّى يَسْتَهِلَّ صَارِخًا
فَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ لَا يَرِثُ حَتَّى يَسْتَهِلَّ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَابِرٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٍ، وَشُرَيْحٍ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَإِسْحَاقَ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ وَرِثَ»
أَنَّهُ لَا يَرِثُ بِغَيْرِ الِاسْتِهْلَالِ، وَفِي لَفْظٍ ذَكَرَهُ ابْنُ سُرَاقَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ فِي الصَّبِيِّ الْمَنْفُوسِ: «إذَا وَقَعَ صَارِخًا فَاسْتَهَلَّ وَرِثَ، وَتَمَّتْ دِيَتُهُ، وَسُمِّيَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَإِنْ وَقَعَ حَيًّا وَلَمْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا، لَمْ تَتِمَّ دِيَتُهُ، وَفِيهِ غُرَّةٌ؛ عَبْدٌ، أَوْ أَمَةٌ، عَلَى الْعَاقِلَةِ» . وَلِأَنَّ الِاسْتِهْلَالَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ حَيٍّ، وَالْحَرَكَةُ تَكُونُ مِنْ غَيْرِ حَيٍّ، فَإِنَّ اللَّحْمَ يَخْتَلِجُ سِيَّمَا إذَا خَرَجَ مِنْ مَكَان ضَيِّقٍ، فَتَضَامَّتْ أَجْزَاؤُهُ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى مَكَان فَسِيحٍ فَإِنَّهُ يَتَحَرَّكُ مِنْ غَيْرِ حَيَاةٍ فِيهِ، ثُمَّ إنْ كَانَتْ فِيهِ حَيَاةٌ، فَلَا نَعْلَمُ كَوْنَهَا مُسْتَقِرَّةً.
لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، فَإِنَّ الْحَيَوَانَاتِ تَتَحَرَّكُ بَعْدَ الذَّبْحِ حَرَكَةً شَدِيدَةً، وَهِيَ فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ، وَاخْتُلِفَ فِي الِاسْتِهْلَالِ مَا هُوَ؟ فَقِيلَ: هُوَ الصُّرَاخُ خَاصَّةً.
وَهَذَا قَوْلُ مَنْ ذَكَرْنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَرَوَاهُ أَبُو طَالِبٍ، عَنْ أَحْمَدَ، فَقَالَ: لَا يَرِثُ إلَّا مَنْ اسْتَهَلَّ صَارِخًا.
وَإِنَّمَا سُمِّيَ الصُّرَاخُ مِنْ الصَّبِيِّ الِاسْتِهْلَالَ تَجَوُّزًا، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ النَّاسَ إذَا رَأَوْا الْهِلَالَ صَاحُوا عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، وَاجْتَمَعُوا، وَأَرَاهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَسُمِّيَ الصَّوْتُ عِنْدَ اسْتِهْلَالِ الْهِلَالِ اسْتِهْلَالًا، ثُمَّ سُمِّيَ الصَّوْتُ مِنْ الصَّبِيِّ الْمَوْلُودِ اسْتِهْلَالًا؛ لِأَنَّهُ صَوْتٌ عِنْدَ وُجُودِ شَيْءٍ يُجْتَمَعُ لَهُ، وَيُفْرَحُ بِهِ
وَرَوَى يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: يَرِثُ السِّقْطُ وَيُورَثُ، إذَا اسْتَهَلَّ.
فَقِيلَ لَهُ: مَا اسْتِهْلَالُهُ؟ قَالَ: إذَا صَاحَ أَوْ عَطَسَ أَوْ بَكَى.
فَعَلَى هَذَا كُلُّ صَوْتٍ يُوجَدُ مِنْهُ، تُعْلَمُ بِهِ حَيَاتُهُ، فَهُوَ اسْتِهْلَالٌ.
وَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ صَوْتٌ عُلِمَتْ بِهِ حَيَاتُهُ، فَأَشْبَهَ الصُّرَاخَ.
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، إذَا عُلِمَتْ حَيَاتُهُ بِصَوْتٍ أَوْ حَرَكَةٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَرِثَ، وَثَبَتَ لَهُ أَحْكَامُ الْمُسْتَهِلِّ، لِأَنَّهُ حَيٌّ فَتَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الْحَيَاةِ، كَالْمُسْتَهِلِّ.
وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ، وَدَاوُد
وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُهُ حَيًّا فَاسْتَهَلَّ، ثُمَّ انْفَصَلَ بَاقِيهِ مَيِّتًا، لَمْ يَرِثْ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: إذَا خَرَجَ أَكْثَرُهُ فَاسْتَهَلَّ ثُمَّ مَاتَ، وَرِثَ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ وَرِثَ» . وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ جَمِيعُهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ قَبْلَ خُرُوجِ أَكْثَرِهِ.
[فَصْلٌ وَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ فَاسْتَهَلَّ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يُعْلَمْ بِعَيْنِهِ]
(4969) فَصْلٌ: وَإِنْ وَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ، فَاسْتَهَلَّ أَحَدُهُمَا، وَلَمْ يُعْلَمْ بِعَيْنِهِ فَإِنْ كَانَا ذَكَرَيْنِ، أَوْ أُنْثَيَيْنِ، أَوْ ذَكَرًا وَأُنْثَى، لَا يَخْتَلِفُ مِيرَاثُهُمَا، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَا ذَكَرًا وَأُنْثَى يَخْتَلِفُ مِيرَاثُهُمَا، فَقَالَ الْقَاضِي: مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ أَخْرَجَتْهُ الْقُرْعَةُ جُعِلَ الْمُسْتَهِلَّ، كَمَا لَوْ طَلَّقَ إحْدَى نِسَائِهِ فَلَمْ تُعْلَمْ بِعَيْنِهَا ثُمَّ مَاتَ، أُخْرِجَتْ بِالْقُرْعَةِ.
وَقَالَ الْخَبْرِيُّ: لَيْسَ فِي هَذَا عَنْ السَّلَفِ نَصٌّ.
وَقَالَ الْفَرْضِيُّونَ: تُعْمَلُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى الْحَالَيْنِ، وَيُعْطَى كُلُّ وَارِثٍ الْيَقِينَ، وَيُوقَفُ الْبَاقِي حَتَّى يَصْطَلِحُوا عَلَيْهِ
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَسَّمَ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ الِاحْتِمَالِ.
وَمِنْ مَسَائِل ذَلِكَ: رَجُلٌ خَلَّفَ أُمَّهُ وَأَخَاهُ وَأُمَّ وَلَدٍ حَامِلًا مِنْهُ، فَوَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ، ذَكَرًا وَأُنْثَى، فَاسْتَهَلَّ أَحَدُهُمَا، وَلَمْ يُعْلَمْ بِعَيْنِهِ، فَقِيلَ: إنْ كَانَ الِابْنُ الْمُسْتَهِلَّ، فَلِلْأُمِّ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي لَهُ تَرِثُ أُمُّهُ، ثُلُثَهُ، وَالْبَاقِي لِعَمِّهِ، فَاضْرِبْ ثَلَاثَةً فِي سِتَّةٍ، تَكُنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، لِأُمِّ الْمَيِّتِ ثَلَاثَةٌ، وَلِأُمِّ الْوَلَدِ خَمْسَةٌ، وَلِلْعَمِّ عَشَرَةٌ.
وَإِنْ كَانَتْ الْبِنْتُ الْمُسْتَهِلَّةَ، فَالْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ، فَتَمُوتُ الْبِنْتُ عَنْ ثَلَاثَةٍ، لِأُمِّهَا سَهْمٌ، وَلِعَمِّهَا سَهْمَانِ
وَالسِّتَّةُ تَدْخُلُ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، فَمَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ مَضْرُوبٌ فِي وَاحِدٍ، وَمَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ السِّتَّةِ مَضْرُوبٌ فِي ثَلَاثَةٍ، فَسُدُسُ الْأُمِّ لَا يَتَغَيَّرُ، وَلِلْعَمِّ مِنْ السِّتَّةِ أَرْبَعَةٌ فِي ثَلَاثَةٍ اثْنَا عَشَرَ، وَلَهُ مِنْ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ عَشَرَةٌ فِي وَاحِدٍ، فَهَذَا الْيَقِينُ فَيَأْخُذُهُ، وَلِأُمِّ الْوَلَدِ خَمْسَةٌ فِي سَهْمٍ، وَسَهْمٌ فِي ثَلَاثَةٍ، فَيَأْخُذُهَا، وَيَقِفُ سَهْمَيْنِ بَيْنَ الْأَخِ وَأُمِّ الْوَلَدِ حَتَّى يَصْطَلِحَا عَلَيْهَا.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقْتَسِمَاهَا بَيْنَهُمَا.
امْرَأَةٌ حَامِلٌ وَعَمٌّ وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ ابْنًا وَبِنْتًا، وَاسْتَهَلَّ أَحَدُهُمَا، وَلَمْ يُعْلَمْ، فَالْمَسْأَلَتَانِ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ، إذَا أَعْطَيْت كُلَّ وَاحِدٍ أَقَلَّ مِنْ نَصِيبِهِ بَقِيَتْ ثَلَاثَةٌ مَوْقُوفَةٌ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا بِنْتٌ، فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ مِنْ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ، وَالْمَوْقُوفُ اثْنَا عَشَرَ
امْرَأَةٌ وَعَمٌّ وَأُمٌّ حَامِلٌ مِنْ الْأَبِ، وَلَدَتْ ابْنًا وَبِنْتًا، فَاسْتَهَلَّ أَحَدُهُمَا، فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَهِلُّ الْأَخَ، فَهِيَ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ، وَإِنْ كَانَتْ الْأُخْتُ الْمُسْتَهِلَّةَ، فَهِيَ مِنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، فَالْمَسْأَلَتَانِ مُتَبَايِنَتَانِ، فَاضْرِبْ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى، تَكُنْ أَرْبَعَمِائَةٍ وَثَمَانِيَةً، وَسِتِّينَ، كُلُّ مَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ إحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ مَضْرُوبٌ فِي الْأُخْرَى، فَيَدْفَعُ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَقَلَّ النَّصِيبَيْنِ، يَبْقَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ، مِنْهَا تِسْعَةٌ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَالْعَمِّ، وَخَمْسَةٌ بَيْنَ الْأُمِّ وَالْعَمِّ.
فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ وَالْأُمُّ حَامِلَيْنِ، فَوَضَعَتَا مَعًا، فَاسْتَهَلَّ أَحَدُهُمَا، فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَرْجِعُ إلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ، فَيُعْطَى كُلُّ وَارِثٍ أَقَلَّ النَّصِيبَيْنِ، وَيَبْقَى أَحَدَ عَشَرَ، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ مَوْقُوفَةٌ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَالْأُمِّ، وَسَبْعَةٌ بَيْنَ الْأُمِّ وَالْعَمِّ.
(4970) فَصْلٌ: وَإِذَا وَلَدَتْ الْحَامِلُ تَوْأَمَيْنِ، فَسُمِعَ الِاسْتِهْلَالُ مِنْ أَحَدِهِمَا، ثُمَّ سُمِعَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمْ يَدْرِ أَهُوَ مِنْ الْأَوَّلِ، أَوْ مِنْ الثَّانِي، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ الْمِيرَاثُ لِمَنْ عُلِمَ اسْتِهْلَالُهُ دُونَ مِنْ شَكَكْنَا فِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ اسْتِهْلَالِهِ.
فَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ، إنْ عُلِمَ الْمُسْتَهِلُّ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ الْوَارِثُ وَحْدَهُ، وَإِنْ جُهِلَ عَيْنُهُ، كَانَ كَمَا لَوْ اسْتَهَلَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لَا بِعَيْنِهِ.
وَقَالَ الْفَرْضِيُّونَ: يُعْمَلُ عَلَى الْأَحْوَالِ، فَيُعْطَى كُلُّ وَارِثٍ الْيَقِينَ، وَيُوقَفُ الْبَاقِي
وَمِنْ مَسَائِلِ ذَلِكَ: أُمٌّ حَامِلٌ وَأُخْتٌ لِأَبٍ وَعَمٌّ، وَلَدَتْ الْأُمُّ بِنْتَيْنِ، فَاسْتَهَلَّتْ إحْدَاهُمَا، ثُمَّ سُمِعَ الِاسْتِهْلَالُ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمْ يَدْرِ هَلْ اسْتَهَلَّتْ الْأُخْرَى، أَوْ تَكَرَّرَ مِنْ وَاحِدَةٍ؟ فَقِيلَ: إنْ كَانَ مِنْهُمَا جَمِيعًا، فَقَدْ مَاتَتَا عَنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ سِتَّةٍ، وَلَا يُعْلَمُ أَوَّلُهُمَا مَوْتًا، فَحُكْمُهُمَا حُكْمُ الْغَرْقَى، فَمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ لَا تُوَرَّثُ إحْدَاهُمَا مِنْ الْأُخْرَى، قَالَ: قَدْ خَلَّفَتَا أُمًّا وَأُخْتًا وَعَمًّا، فَتَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَإِنْ كَانَ الِاسْتِهْلَالُ مِنْ وَاحِدَةٍ، فَقَدْ مَاتَتْ عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ سِتَّةٍ فَتَصِحُّ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ.
وَبَيْنَهُمَا مُوَافَقَةٌ بِالسُّدُسِ، فَتَصِيرُ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ، لِلْأُمِّ اثْنَا عَشَرَ، وَلِلْأُخْتِ كَذَلِكَ، وَلِلْعَمِّ تِسْعَةٌ وَنَقِفُ ثَلَاثَةً، تَدَّعِي الْأُمُّ مِنْهَا سَهْمَيْنِ، وَالْعَمُّ سَهْمًا، وَتَدَّعِيهَا الْأُخْتُ كُلَّهَا، فَيَكُونُ سَهْمَانِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأُمِّ، وَسَهْمٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَمِّ.
زَوْجٌ وَجَدٌّ وَأُمٌّ حَامِلٌ، وَلَدَتْ ابْنًا، وَبِنْتًا، فَاسْتَهَلَّ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ سُمِعَ الِاسْتِهْلَالُ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمْ يَدْرِ مِمَّنْ هُوَ؟ فَإِنْ كَانَ الِاسْتِهْلَالُ تَكَرَّرَ مِنْ الْبِنْتِ، فَهِيَ الْأَكْدَرِيَّةُ، وَمَاتَتْ عَنْ أَرْبَعَةٍ، بَيْنَ أُمِّهَا وَجَدِّهَا، فَتَصِحُّ مِنْ أَحَدٍ وَثَمَانِينَ، وَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْ الْأَخِ لَمْ يَرِثْ شَيْئًا، وَالْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ، لِلْجَدِّ مِنْهَا سَهْمٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْهُمَا، فَلِلْأُمِّ السُّدُسُ، وَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ، وَلَهُمَا السُّدُسُ عَلَى ثَلَاثَةٍ، فَتَصِحُّ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَالثَّلَاثَةُ الَّتِي لَهُمَا بَيْنَ الْجَدِّ وَالْأُمِّ عَلَى ثَلَاثَةٍ.
فَصَارَ لِلْأُمِّ أَرْبَعَةٌ، وَلِلْجَدِّ خَمْسَةٌ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ، تُوَافِقُ أَحَدًا وَثَمَانِيَةً بِالْأَتْسَاعِ، فَتَصِيرُ مِائَةً وَاثْنَيْنِ وَسِتِّينَ، لِلزَّوْجِ حَقُّهُ مِنْ الْأَكْدَرِيَّةِ أَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ، وَلِلْأُمِّ تُسْعَا الْمَالِ مِنْ مَسْأَلَةِ اسْتِهْلَالِهِمَا مَعًا، سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ، وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ مِنْ مَسْأَلَةِ اسْتِهْلَالِ الْأَخِ وَحْدَهُ، سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ، يَبْقَى خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ، يَدَّعِي الزَّوْجُ مِنْهَا سَبْعَةً وَعِشْرِينَ، وَالْأُمُّ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَيَدَّعِي مِنْهَا الْجَدُّ سَبْعَةً وَثَلَاثِينَ، وَتَعُولُ الثَّمَانِيَةُ الْفَاضِلَةُ لِلْأُمِّ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تُدْفَعَ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ وَالْجَدَّ يُقِرَّانِ لَهَا بِهَا.
[فَصْلٌ ضُرِبَ بَطْنُ حَامِلٍ فَأَسْقَطَتْ]
(4971) فَصْلٌ: وَإِذَا ضُرِبَ بَطْنُ حَامِلٍ فَأَسْقَطَتْ، فَعَلَى الضَّارِبِ غُرَّةٌ مَوْرُوثَةٌ عَنْ الْجَنِينِ، كَأَنَّهُ سَقَطَ حَيًّا.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ، إلَّا شَيْئًا يُحْكَى عَنْ رَبِيعَةَ، وَاللَّيْثِ، وَهُوَ شُذُوذٌ
لَا يَعْرُجُ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ تُوَرَّثُونَ مِنْهُ، وَهُوَ لَا يَرِثُ؟ قُلْنَا: نُوَرَّثُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ بَدَلٌ عَنْهُ، فَوَرِثَتْهُ وَرَثَتُهُ، كَدِيَةِ غَيْرِ الْجَنِينِ، وَأَمَّا تَوْرِيثُهُ فَمِنْ شُرُوطِهِ كَوْنُهُ حَيًّا حِين مَوْتِ مَوْرُوثِهِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ، فَلَا نُوَرَّثُهُ مَعَ الشَّكِّ فِي حَيَاتِهِ.
[فَصْلٌ دِيَةُ الْمَقْتُولِ مَوْرُوثَةٌ عَنْهُ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ]
(4972) فَصْلٌ: وَدِيَةُ الْمَقْتُولِ مَوْرُوثَةٌ عَنْهُ، كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ، إلَّا أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِيهَا عَنْ عَلِيٍّ، فَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ، وَعَنْهُ لَا يَرِثُهَا إلَّا عَصَبَاتُهُ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ عَنْهُ.
وَكَانَ عُمَرُ يَذْهَبُ إلَى هَذَا، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ، لَمَّا بَلَغَهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوْرِيثُ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا.
قَالَ سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، يَقُولُ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: الدِّيَةُ لِلْعَاقِلَةِ، وَلَا تَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا شَيْئًا «. فَقَالَ لَهُ الضَّحَّاكُ الْكِلَابِيُّ: كَتَبَ إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا أَشْيَمَ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَضَى إنَّ الْعَقْلَ مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ عَلَى فَرَائِضِهِمْ» . وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْمَرْأَةُ تَرِثُ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا وَعَقْلِهِ، وَيَرِثُ هُوَ مِنْ مَالِهَا وَعَقْلِهَا، مَا لَمْ يَقْتُلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ» إلَّا أَنَّ فِي إسْنَادِهِ رَجُلًا مَجْهُولًا.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الدِّيَةُ عَلَى الْمِيرَاثِ، وَالْعَقْلُ عَلَى الْعَصَبَةِ» . وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: هِيَ عَلَى الْمِيرَاثِ، وَلَا تُقْضَى مِنْهَا دُيُونُهُ، وَلَا تُنَفَّذُ مِنْهَا وَصَايَاهُ.
وَعَنْ أَحْمَدَ نَحْوٌ مِنْ هَذَا.
وَقَدْ ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ فِي مَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ، فَقُتِلَ، وَأُخِذَتْ دِيَتُهُ، فَلِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ
وَالْأُخْرَى، لَيْسَ لِمَنْ أَوْصَى لَهُ بِالثُّلُثِ مِنْ الدِّيَةِ شَيْءٌ، وَمَبْنَى هَذَا عَلَى أَنَّ الدِّيَةِ مِلْكُ الْمَيِّتِ، أَوْ عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً؟ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، أَنَّهَا تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ نَفْسِهِ، فَيَكُونُ بَدَلُهَا لَهُ، كَدِيَةِ أَطْرَافِهِ الْمَقْطُوعَةِ مِنْهُ فِي الْحَيَاةِ وَلِأَنَّهُ لَوْ أَسْقَطَهَا عَنْ الْقَاتِلِ بَعْدَ جَرْحِهِ إيَّاهُ، كَانَ صَحِيحًا، وَلَيْسَ لَهُ إسْقَاطُ حَقِّ الْوَرَثَةِ، وَلِأَنَّهَا مَالٌ مَوْرُوثٌ، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ أَمْوَالِهِ.
وَالْأُخْرَى، أَنَّهَا تُحْدَثُ عَلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُسْتَحَقُّ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَبِالْمَوْتِ تَزُولُ أَمْلَاكُ الْمَيِّتِ الثَّابِتَةُ لَهُ، وَيَخْرُجُ عَنْ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلْمِلِكِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِوَرَثَتِهِ ابْتِدَاءً.
وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ الْمَيِّتَ يُجَهَّزُ مِنْهَا، إنْ كَانَ قَبْلَ تَجْهِيزِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ، لَوَجَبَ تَجْهِيزُهُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ لَوْ كَانَ فَقِيرًا، فَأَوْلَى أَنْ يَجِبَ ذَلِكَ فِي دِيَتِهِ.
[فَصْلٌ مِيرَاثِ الْمَفْقُودِ]
(4973) فَصْلٌ: فِي مِيرَاثِ الْمَفْقُودِ، وَهُوَ نَوْعَانِ؛ أَحَدُهُمَا، الْغَالِبُ مِنْ حَالِهِ الْهَلَاكُ، وَهُوَ مَنْ يُفْقَدُ فِي مَهْلَكَةٍ، كَاَلَّذِي يُفْقَدُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، وَقَدْ هَلَكَ جَمَاعَةٌ، أَوْ فِي مَرْكَبٍ انْكَسَرَ، فَغَرِقَ بَعْضُ أَهْلِهِ، أَوْ فِي مَفَازَةٍ يَهْلَكُ فِيهَا النَّاسُ، أَوْ يُفْقَدُ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ، أَوْ يَخْرُجُ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ أَوْ لِحَاجَةِ قَرِيبَةٍ، فَلَا يَرْجِعُ، وَلَا يُعْلَمُ خَبَرُهُ، فَهَذَا يُنْتَظَرُ بِهِ أَرْبَعُ سِنِينَ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ خَبَرٌ، قُسِّمَ مَالُهُ، وَاعْتَدَّتْ امْرَأَتُهُ عِدَّةَ الْوَفَاةِ، وَحَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ، نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يُقَسِّمُ مَالُهُ، حَتَّى تَمْضِيَ عِدَّةُ الْوَفَاةِ بَعْدَ الْأَرْبَعِ سِنِينَ؛ لِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي يُبَاحُ لِامْرَأَتِهِ التَّزَوُّجُ فِيهِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ الْوَفَاةِ، فَإِذَا حُكِمَ بِوَفَاتِهِ فَلَا وَجْهَ لِلْوُقُوفِ عَنْ قَسْمِ مَالِهِ.
وَإِنْ مَاتَ لِلْمَفْقُودِ مَنْ يَرِثُهُ قَبْلَ الْحُكْمِ بِوَفَاتِهِ، وُقِفَ لِلْمَفْقُودِ نَصِيبُهُ مِنْ مِيرَاثِهِ، وَمَا يَشُكُّ فِي مُسْتَحِقِّهِ، وَقُسِمَ بَاقِيهِ؛ فَإِنْ بَانَ حَيًّا، أَخَذَهُ، وَرُدَّ الْفَضْلُ إلَى أَهْلِهِ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ مَاتَ بَعْدَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ، دُفِعَ نُصِيبُهُ مَعَ مَالِهِ إلَى وَرَثَتِهِ.
وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا حِينَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ، رُدَّ الْمَوْقُوفُ إلَى وَرَثَةِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ، وَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ، رُدَّ أَيْضًا إلَى وَرَثَةِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي حَيَاتِهِ حِينَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِ، فَلَا نُوَرِّثُهُ مَعَ الشَّكِّ، كَالْجَنِينِ الَّذِي يُسْقَطَ مَيِّتًا، وَكَذَلِكَ إنْ عَلِمْنَا أَنَّهُ مَاتَ، وَلَمْ يَدْرِ مَتَى مَاتَ.
وَلَمْ يُفَرِّقْ سَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ بَيْنَ هَذِهِ الصُّورَةِ وَبَيْنَ سَائِرِ صُورِ الْفِقْدَانِ فِيمَا عَلِمْنَا، إلَّا أَنَّ مَالِكًا، وَالشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، فِي الْقَدِيمِ، وَافَقَا فِي الزَّوْجَةِ أَنَّهَا تَتَزَوَّجُ خَاصَّةً
وَالْأَظْهَرُ مِنْ مَذْهَبِهِ مِثْلُ قَوْلِ الْبَاقِينَ، فَأَمَّا مَالُهُ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَسَّمُ حَتَّى تَمْضِيَ مُدَّةٌ لَا يَعِيشُ فِي مِثْلِهَا، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي الصُّورَةِ الْأُخْرَى، إنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ مَفْقُودٌ لَا يَتَحَقَّقُ مَوْتُهُ، فَأَشْبَهَ التَّاجِرَ وَالسَّائِحَ.
وَلَنَا، اتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عَلَى تَزْوِيجِ امْرَأَتِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْعَدَدِ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ مَعَ الِاحْتِيَاطِ لِلْأَبْضَاعِ، فَفِي الْمَالِ أَوْلَى وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ هَلَاكُهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَضَتْ مُدَّةٌ لَا يَعِيشُ فِي مِثْلِهَا
النَّوْعُ الثَّانِي، مَنْ لَيْسَ الْغَالِبُ هَلَاكَهُ، كَالْمُسَافِرِ لِتِجَارَةٍ، أَوْ طَلَبِ عِلْمٍ، أَوْ سِيَاحَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يُقَسَّمُ مَالُهُ، وَلَا تَتَزَوَّجُ امْرَأَتُهُ، حَتَّى يَتَيَقَّنَ مَوْتُهُ، أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهِ مُدَّةٌ لَا يَعِيشُ مِثْلَهَا، وَذَلِكَ مَرْدُودٌ إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ حَيَاتُهُ، وَالتَّقْدِيرُ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِتَوْقِيفٍ، وَلَا تَوْقِيفَ هَاهُنَا، فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ عَنْهُ
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّهُ يُنْتَظَرُ بِهِ تَمَامُ تِسْعِينَ سَنَةً مَعَ سَنَةِ يَوْمَ فُقِدَ.
وَهَذَا قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ؛
لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: يُنْتَظَرُ بِهِ إلَى تَمَامِ سَبْعِينَ سَنَةً مَعَ سَنَةِ يَوْمَ فُقِدَ.
وَلَعَلَّهُ يَحْتَجُّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ وَالسِّتِّينَ» . أَوْ كَمَا قَالَ؛ وَلِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا، فَأَشْبَهَ التِّسْعِينَ
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ: يُنْتَظَرُ بِهِ تَمَامُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً.
قَالَ: وَلَوْ فُقِدَ وَهُوَ ابْنُ سِتِّينَ سَنَةً، وَلَهُ مَالٌ، لَمْ يُقَسَّمْ مَالُهُ حَتَّى يَمْضِيَ عَلَيْهِ سِتُّونَ سَنَةً أُخْرَى، فَيَكُونُ لَهُ مَعَ سَنَةِ يَوْمَ فُقِدَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، فَيُقَسَّمُ مَالُهُ حِينَئِذٍ بَيْنَ وَرَثَتِهِ إنْ كَانُوا أَحْيَاءً، وَإِنْ مَاتَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ قَبْلَ مُضِيِّ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، وَخَلَّفَ وَرَثَةً لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ مَالِ الْمَفْقُودِ، وَكَانَ مَالُهُ لِلْأَحْيَاءِ مِنْ وَرَثَتِهِ، وَيُوقَفُ لِلْمَفْقُودِ حِصَّتُهُ مِنْ مَالِ مَوْرُوثِهِ الَّذِي مَاتَ فِي مُدَّةِ الِانْتِظَارِ، فَإِنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ وَلَمْ يُعْلَمْ خَبَرُ الْمَفْقُودِ رُدَّ الْمَوْقُوفُ إلَى وَرَثَةِ مَوْرُوثِ الْمَفْقُودِ، وَلَمْ يَكُنْ لِوَرَثَةِ الْمَفْقُودِ
قَالَ اللُّؤْلُؤِيُّ: وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ.
وَحَكَى الْخَبْرِيُّ عَنْ اللُّؤْلُؤِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ الْمَوْقُوفَ لِلْمَفْقُودِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ خَبَرُهُ يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ.
قَالَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي، وَاَلَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ الَّذِي حَكَاهُ ابْنِ اللَّبَّانِ عَنْ اللُّؤْلُؤِيِّ، فَقَالَ: لَوْ مَاتَتْ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ قَبْلَ تَمَامَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً بِيَوْمِ، أَوْ بَعْدَ فَقْدِهِ بِيَوْمِ، وَتَمَّتْ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، لَمْ تُوَرَّثْ مِنْهُ شَيْئًا، وَلَمْ نُوَرِّثْهُ مِنْهَا؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ أَيَّهُمَا مَاتَ أَوَّلًا
وَهَذَا قِيَاسُ قَوْلِ مَنْ قَالَ فِي الْغَرْقَى: إنَّهُ لَا يُوَرَّثُ أَحَدُهُمْ مِنْ صَاحِبِهِ، وَيَرِثُ كُلُّ وَاحِدٍ الْأَحْيَاءَ مِنْ وَرَثَتِهِ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ.
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرِثُ الْمَفْقُودَ إلَّا الْأَحْيَاءُ مِنْ وَرَثَتِهِ يَوْمَ قَسْمِ مَالِهِ، لَا مَنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَوْ بِيَوْمٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِي مَنْ مَاتَ وَفِي وَرَثَتِهِ مَفْقُودٌ فَمَذْهَبُ أَحْمَدَ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، عَلَى أَنَّهُ يُعْطَى كُلُّ وَارِثٍ مِنْ وَرَثَتِهِ الْيَقِينَ، وَيُوقَفُ الْبَاقِي حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ، أَوْ تَمْضِيَ مُدَّةُ الِانْتِظَارِ
، فَتَعْمَلُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ، ثُمَّ عَلَى أَنَّهُ مَيِّتٌ، وَتَضْرِبُ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى إنْ تَبَايَنَتَا، أَوْ فِي وَقْفِهِمَا إنْ اتَّفَقَتَا، وَتَجْتَزِئُ إحْدَاهُمَا إنْ تَمَاثَلَتَا، أَوْ بِأَكْثَرِهِمَا إنْ تَنَاسَبَتَا، وَتُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ أَقَلَّ النَّصِيبَيْنِ، وَمَنْ لَا يَرِثُ إلَّا مِنْ أَحَدِهِمَا لَا تُعْطِيهِ شَيْئًا، وَتَقِفُ الْبَاقِيَ.
وَلَهُمْ أَنْ يَصْطَلِحُوا عَلَى مَا زَادَ عَلَى نَصِيبِ الْمَفْقُودِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ اللَّبَّانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ.
وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْوَنِّيُّ، وَقَالَ: لَا فَائِدَةَ فِي أَنْ يَنْقُصَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ فِي مَسْأَلَةِ الْحَيَاةِ، وَهِيَ مُتَيَقَّنَةٌ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: لَك أَنْ تُصَالِحَ عَلَى بَعْضِهِ
بَلْ إنْ جَازَ ذَلِكَ، فَالْأَوْلَى أَنْ نُقَسِّمَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى تَقْدِيرِ الْحَيَاةِ، وَنَقِفُ نَصِيبَ الْمَفْقُودِ لَا غَيْرُ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنَّ الزَّائِدَ عَنْ نَصِيبِ الْمَفْقُودِ مِنْ الْمَوْقُوفِ مَشْكُوكٌ فِي مُسْتَحِقِّهِ، وَيَقِينُ الْحَيَاةِ مُعَارِضٌ بِظُهُورِ الْمَوْتِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُوَرَّثَ كَالزَّائِدِ عَنْ الْيَقِينِ فِي مَسَائِلِ الْحَمْلِ وَالِاسْتِهْلَالِ، وَيَجُوزُ لِلْوَرَثَةِ الْمَوْجُودِينَ الصُّلْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُمْ، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ، وَإِبَاحَةُ الصُّلْحِ عَلَيْهِ لَا تَمْنَعُ وُجُوبَ وَقْفِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَظَائِرِهِ، وَوُجُوبُ وَقْفِهِ
لَا يَمْنَعُ الصُّلْحَ عَلَيْهِ لِذَلِكَ، وَلِأَنَّ تَجْوِيزَ أَخْذِ الْإِنْسَانِ حَقَّ غَيْرِهِ بِرِضَاهُ وَصُلْحِهِ، لَا يَلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ أَخْذِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ
وَظَاهِرُ قَوْلِ الْوَنِّيِّ هَذَا أَنْ تُقَسَّمَ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ، وَيَقِفَ نَصِيبَهُ لَا غَيْرُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يُقَسَّمُ الْمَالُ عَلَى الْمَوْجُودِينَ؛ لِأَنَّهُمْ مُتَحَقِّقُونَ، وَالْمَفْقُودُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يُوَرَّثُ مَعَ الشَّكِّ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ الْمَالُ فِي يَدِهِ، فَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ، وَخَلَّفَ ابْنَتَيْهِ، وَابْنَ ابْنٍ، أَبُوهُ مَفْقُودٌ، وَالْمَالُ فِي يَدِ الِابْنَتَيْنِ، فَاخْتَصَمُوا إلَى الْقَاضِي، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُحَوِّلَ الْمَالَ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَلَا يَقِفَ مِنْهُ شَيْئًا، سَوَاءٌ اعْتَرَفَتْ الِابْنَتَانِ بِفَقْدِهِ، أَوْ ادَّعَتَا مَوْتَهُ
وَإِنْ كَانَ الْمَالُ فِي يَدِ ابْنِ الْمَفْقُودِ، لَمْ يُعْطَ الِابْنَتَانِ إلَّا النِّصْفَ أَقَلَّ مَا يَكُونُ لَهُمَا، وَإِنْ كَانَ الْمَالُ فِي يَدِ أَجْنَبِيٍّ، فَأَقَرَّ بِأَنَّ الِابْنَ مَفْقُودٌ، وُقِفَ لَهُ النِّصْفُ فِي يَدَيْهِ، وَإِنْ قَالَ الْأَجْنَبِيُّ: قَدْ مَاتَ الْمَفْقُودُ، لَزِمَهُ دَفْعُ الثُّلُثَيْنِ إلَى الْبِنْتَيْنِ، وَيُوقَفُ الثُّلُثُ، إلَّا أَنْ يُقِرَّ ابْنُ الِابْنِ بِمَوْتِ أَبِيهِ، فَيُدْفَعَ إلَيْهِ الْبَاقِي.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ.
وَمِنْ مَسَائِلِ ذَلِكَ: زَوْجٌ وَأُمٌّ وَأُخْتٌ وَجَدٌّ وَأَخٌ مَفْقُودٌ، مَسْأَلَةُ الْمَوْتِ، مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ؛ لِأَنَّهَا مَسْأَلَةُ الْأَكْدَرِيَّةِ، وَمَسْأَلَةُ الْحَيَاةِ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَهُمَا يَتَّفِقَانِ بِالْأَتْسَاعِ
، فَتَضْرِبُ تُسْعَ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى، تَكُنْ أَرْبَعَةً وَخَمْسِينَ، لِلزَّوْجِ النِّصْفُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْحَيَاةِ، وَالثُّلُثُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمَوْتِ، فَيُعْطَى الثُّلُثَ، وَلِلْأُمِّ التُّسْعَانِ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمَوْتِ، وَالسُّدُسُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْحَيَاةِ، فَتُعْطَى السُّدُسَ، وَلِلْجَدِّ سِتَّةَ عَشَرَ سَهْمًا مِنْ مَسْأَلَةِ الْمَوْتِ، وَتِسْعَةٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْحَيَاةِ، فَيَأْخُذُ التِّسْعَةَ، وَلِلْأُخْتِ ثَمَانِيَةٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمَوْتِ، وَثَلَاثَةٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْحَيَاةِ، فَتَأْخُذُ ثَلَاثَةً، وَيَبْقَى خَمْسَةَ عَشَرَ مَوْقُوفَةً، إنْ بَانَ أَنَّ الْأَخَ حَيٌّ، وَأَخَذَ سِتَّةً، وَأَخَذَ الزَّوْجُ تِسْعَةً، وَإِنْ بَانَ مَيِّتًا، أَوْ مَضَتْ الْمُدَّةُ قَبْلَ قُدُومِهِ، أَخَذَتْ الْأُمُّ ثَلَاثَةً، وَالْأُخْتُ خَمْسَةً، وَالْجَدُّ سَبْعَةً
وَاخْتَارَ الْخَبْرِيُّ أَنَّ الْمُدَّةَ إذَا مَضَتْ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ أَمْرُهُ، أَنْ يُقَسَّمَ نَصِيبُهُ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَى وَرَثَتِهِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ مَحْكُومًا بِحَيَاتِهِ، لِأَنَّهَا الْيَقِينُ، وَإِنَّمَا حَكَمْنَا بِمَوْتِهِ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مَالٌ مَوْقُوف لِمَنْ يُنْتَظَرُ مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ حَالُهُ، فَإِذَا لَمْ تَتَبَيَّنْ حَيَاتُهُ، لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ، كَالْمَوْقُوفِ لِلْحَمْلِ، وَلِلْمُورِثَةِ أَنْ يَصْطَلِحُوا عَلَى التِّسْعَةِ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ.
زَوْجٌ وَأَبَوَانِ وَابْنَتَانِ مَفْقُودَتَانِ
مَسْأَلَةُ حَيَاتِهِمَا مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَفِي حَيَاةِ إحْدَاهُمَا مِنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، وَفِي مَوْتِهِمَا مِنْ سِتَّةٍ، فَتَضْرِبُ ثُلُثَ السِّتَّةِ فِي خَمْسَةَ عَشْرَ، ثُمَّ فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ، تَكُنْ ثَلَاثَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ، ثُمَّ تُعْطِي الزَّوْجَ وَالْأَبَوَيْنِ حُقُوقَهُمْ مِنْ مَسْأَلَةِ الْحَيَاةِ مَضْرُوبًا فِي اثْنَيْنِ، ثُمَّ فِي ثَلَاثَةَ عَشْرَ، وَتَقِفُ الْبَاقِي.
وَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةٌ مَفْقُودُونَ، عَمِلْت لَهُمْ أَرْبَعَ مَسَائِلَ.
وَإِنْ كَانُوا أَرْبَعَةً عَمِلْت لَهُمْ مَسَائِلَ.
وَعَلَى هَذَا.
وَإِنْ كَانَ الْمَفْقُودُ يَحْجُبُ وَلَا يَرِثُ، كَزَوْجٍ وَأُخْتٍ مِنْ أَبَوَيْنِ وَأُخْتٍ مِنْ أَبٍ وَأَخٍ لَهَا مَفْقُودٍ، وَقَفْت السُّبْعَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ وَالْأُخْتِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ
وَقِيلَ:
لَا يُوقَفُ هَاهُنَا شَيْءٌ، وَتُعْطَى الْأُخْتُ مِنْ الْأَبِ السُّبْعَ؛ لِأَنَّهَا لَا تُحْجَبُ بِالشَّكِّ، كَمَا لَا تَرِثُ بِالشَّكِّ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ دَفْعَ السُّبْعِ إلَيْهَا تَوْرِيثٌ بِالشَّكِّ، وَلَيْسَ فِي الْوَقْفِ حَجْبٌ يَقِينًا، إنَّمَا هُوَ تَوَقُّفٌ عَنْ صَرْفِ الْمَالِ إلَى إحْدَى الْجِهَتَيْنِ الْمَشْكُوكِ فِيهَا.
وَيُعَارِضُ قَوْلَ هَذَا الْقَائِلِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ الْيَقِينَ حَيَاتُهُ، فَيُعْمَلُ عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ، وَيُدْفَعُ الْمَالُ إلَى الزَّوْجِ وَالْأُخْتِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ.
وَالتَّوَسُّطُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ مِيرَاث الْأَسِير]
(4974) فَصْلٌ: وَالْأَسِيرُ كَالْمَفْقُودِ، إذَا انْقَطَعَ خَبَرُهُ.
وَإِنْ عُلِمَتْ حَيَاتُهُ، وَرِثَ، فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ.
وَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ لَا يَرِثُ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
وَالْكُفَّارُ لَا يَمْلِكُونَ الْأَحْرَارَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ حُكْمُ النِّكَاحِ فِي الْمَرَضِ وَالصِّحَّةِ سَوَاءٌ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ وَتَوْرِيثِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ]
(4975) فَصْلٌ: فِي التَّزْوِيجِ فِي الْمَرَضِ وَالصِّحَّةِ.
حُكْمُ النِّكَاحِ فِي الْمَرَضِ وَالصِّحَّةِ سَوَاءٌ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ، وَتَوْرِيثِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. وَقَالَ مَالِكٌ: أَيُّ الزَّوْجَيْنِ كَانَ مَرِيضًا مَرَضًا مَخُوفًا حَالَ عَقْدِ النِّكَاحِ، فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ لَا يَتَوَارَثَانِ بِهِ إلَّا أَنْ يُصِيبَهَا، فَيَكُونَ لَهَا الْمُسَمَّى فِي ثَلَاثَةٍ مُقَدَّمًا عَلَى الْوَصِيَّةِ
وَعَنْ الزُّهْرِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مِثْلُهُ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي نِكَاحِ مَنْ لَمْ يَرِثْ، كَالْأَمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ بِقَصْدِ تَوْرِيثِهَا.
وَمِنْهُمْ مَنْ أَبْطَلَهُ؛ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ وَارِثَةً.
وَقَالَ رَبِيعَةُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: الصَّدَاقُ وَالْمِيرَاثُ مِنْ الثُّلُثِ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: النِّكَاحُ صَحِيحٌ، وَلَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا
وَعَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَالْحَسَنِ: إنْ قَصَدَ الْإِضْرَارَ بِوَرَثَتِهِ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ، وَإِلَّا فَهُوَ صَحِيحٌ وَلَنَا، أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَصِحُّ فِي الصِّحَّةِ، فَيَصِحُّ فِي الْمَرَضِ كَالْبَيْعِ، وَلِأَنَّهُ نِكَاحٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ بِشَرْطِهِ، فَيَصِحُّ كَحَالِ الصِّحَّةِ، وَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أُمِّ الْحَكَمِ تَزَوَّجَ فِي مَرَضِهِ ثَلَاثَ نِسْوَةٍ، أَصْدَقَ كُلَّ وَاحِدَةٍ أَلْفًا لِيُضَيِّقَ بِهِنَّ عَلَى امْرَأَتِهِ، وَيَشْرَكْنَهَا فِي مِيرَاثِهَا، فَأُجِيزَ ذَلِكَ.
وَإِذَا ثَبَتَ صِحَّةُ النِّكَاحِ، ثَبَتَ الْمِيرَاثُ بِعُمُومِ الْآيَةِ.
[فَصْلٌ لَا فَرْقَ فِي مِيرَاثِ الزَّوْجَيْنِ بَيْنَ مَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ]
(4976) فَصْلٌ: وَلَا فَرْقَ فِي مِيرَاثِ الزَّوْجَيْنِ بَيْنَ مَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى لِبِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ بِالْمِيرَاثِ، وَكَانَ زَوْجُهَا مَاتَ عَنْهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا.
وَلِأَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ ثَابِتٌ، فَيُوَرَّثُ بِهِ، كَمَا بَعْدَ الدُّخُولِ.
[فَصْلٌ النِّكَاحُ الْفَاسِدُ لَا يَثْبُتُ بِهِ التَّوَارُثُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ]
(4977) فَصْلٌ: فَأَمَّا النِّكَاحُ الْفَاسِدُ، فَلَا يَثْبُتُ بِهِ التَّوَارُثُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنِكَاحٍ شَرْعِيٍّ.
وَإِذَا اشْتَبَهَ مَنْ نِكَاحُهَا فَاسِدٌ بِمَنْ نِكَاحُهَا صَحِيحٌ، فَالْمَنْقُولُ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ فِي مَنْ تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ، لَا يَدْرِي أَيَّتَهُمَا تَزَوَّجَ أَوَّلَ: فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا.
وَتَوَقَّفَ عَنْ أَنْ يَقُولَ فِي الصَّدَاقِ شَيْئًا.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَتَوَجَّهُ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا
فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فِي الْمِيرَاثِ إذَا مَاتَ عَنْهُمَا.
وَعَنْ النَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ وَالْمِيرَاثَ يُقَسَّمُ بَيْنَهُنَّ عَلَى حَسَبِ الدَّعَاوَى وَالتَّنْزِيلِ، كَمِيرَاثِ الْخَنَاثَى.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يُوقَفُ الْمَشْكُوكُ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَصْطَلِحْنَ عَلَيْهِ، أَوْ يَتَبَيَّنَ الْأَمْرُ.
فَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عَقْدٍ، وَأَرْبَعًا فِي عَقْدٍ، ثُمَّ مَاتَ، وَخَلَّفَ أَخًا، وَلَمْ يُعْلَمْ أَيُّ الْعَقْدَيْنِ سَبَقَ، فَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، كُلُّ وَاحِدَةٍ تَدَّعِي مَهْرًا كَامِلًا يُنْكِرُهُ الْأَخُ، فَتُعْطَى كُلُّ وَاحِدَةٍ نِصْفَ مَهْرٍ، وَيُؤْخَذُ رُبُعُ الْبَاقِي تَدَّعِيهِ الْوَاحِدَةُ وَالْأَرْبَعُ، فَيُقَسَّمُ لِلْوَاحِدَةِ نِصْفُهُ، وَلِلْأَرْبَعِ نِصْفُهُ
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَكْثَرُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ مُهُورٍ فَيَأْخُذُ ذَلِكَ، يُوقَفُ مِنْهَا مَهْرٌ بَيْنَ النِّسَاءِ الْخَمْسِ، وَيَبْقَى ثَلَاثَةٌ تَدَّعِي الْوَاحِدَةُ رُبُعَهَا مِيرَاثًا، وَيَدَّعِي الْأَخُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهَا، فَيُوقَفُ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ مَهْرٍ بَيْنَ النِّسَاءِ الْخَمْسِ، وَبَاقِيهَا وَهُوَ مَهْرَانِ وَرُبُعٌ بَيْنَ الْأَرْبَعِ وَبَيْنَ الْأَخِ، ثُمَّ يُؤْخَذُ رُبُعُ مَا بَقِيَ، فَيُوقَفُ بَيْنَ النِّسَاءِ الْخَمْسِ، وَالْبَاقِي لِلْأَخِ.
وَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عَقْدٍ وَاثْنَتَيْنِ فِي عَقْدٍ، وَثَلَاثًا فِي عَقْدٍ، وَلَمْ يُعْلَمْ السَّابِقُ، فَالْوَاحِدَةُ نِكَاحُهَا صَحِيحٌ، فَلَهَا مَهْرُهَا، وَيَبْقَى الشَّكُّ فِي الْخَمْسِ، فَعَلَى قَوْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ لَهُنَّ مَهْرَانِ بِيَقِينٍ، وَالثَّالِثُ لَهُنَّ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ.
فَيَكُونُ لَهُنَّ نِصْفُهُ، ثُمَّ يُقَسَّمُ ذَلِكَ بَيْنَهُنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفُ مَهْرٍ، ثُمَّ يُؤْخَذُ رُبُعُ الْبَاقِي لَهُنَّ مِيرَاثًا، فَلِلْوَاحِدَةِ رُبُعُهُ يَقِينًا، وَتَدَّعِي نِصْفَ سُدُسِهِ، فَتُعْطَى نِصْفَهُ، فَيَصِيرُ لَهَا مِنْ الرُّبُعِ سُدُسُهُ وَثُمُنُهُ، وَذَلِكَ سَبْعَةٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ، وَالِاثْنَتَانِ تَدَّعِيَانِ ثُلُثَيْهِ، وَهُوَ سِتَّةَ عَشْرَ سَهْمًا، فَيُعْطَيْنَ نِصْفَهُ، وَهُوَ ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ، وَالثَّلَاثُ يَدَّعِينَ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ، وَهُوَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا، فَيُعْطَيْنَ تُسْعَهُ.
هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، تُقَسَّمُ السَّبْعَةَ عَشَرَ بَيْنَ الثَّلَاثِ وَالِاثْنَتَيْنِ نِصْفَيْنِ.
فَيَصِيرُ الرُّبُعُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَهْمًا، ثُمَّ تَضْرِبُ الِاثْنَيْنِ فِي الثَّلَاثِ، ثُمَّ فِي الثَّمَانِيَةِ وَالْأَرْبَعِينَ، تَكُنْ مِائَتَيْنِ وَثَمَانِيَةً وَثَمَانِينَ، فَهَذَا رُبُعُ الْمَالِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تُعْطَى الْوَاحِدَةُ مَهْرَهَا، وَيُوقَفُ ثَلَاثَةُ مُهُورٍ؛ مَهْرَانِ؛ مِنْهَا بَيْنَ الْخَمْسِ، وَمَهْرٌ تَدَّعِيهِ الْوَاحِدَةُ، وَالِاثْنَتَانِ رُبُعُهُ مِيرَاثًا، وَتَدَّعِيهِ الثَّلَاثُ مَهْرًا وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ تَدَّعِيهِ الْأُخْرَى مِيرَاثًا وَتَدَّعِيهِ الثَّلَاثُ مَهْرًا، وَيُؤْخَذُ رُبُعُ مَا بَقِيَ فَيُدْفَعُ رُبُعُهُ إلَى الْوَاحِدَةِ، وَنِصْفُ سُدُسِهِ بَيْنَ الْوَاحِدَةِ وَالثَّلَاثِ مَوْقُوفٌ، وَثُلُثَاهُ بَيْنَ الثَّلَاثِ وَالِاثْنَتَيْنِ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ طَلَبَتْ وَاحِدَةٌ مِنْ الْخَمْسِ شَيْئًا مِنْ
الْمِيرَاثِ الْمَوْقُوفِ، لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهَا شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ إنْ طَلَبَهُ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ، لَمْ يُدْفَعُ إلَيْهِ شَيْءٌ.
وَإِنْ طَلَبَتْ وَاحِدَةٌ مِنْ الثَّلَاثِ، وَوَاحِدَةٌ مِنْ الِاثْنَتَيْنِ، دُفِعَ إلَيْهِمَا رُبُعُ الْمِيرَاثِ.
وَإِنْ طَلَبَتْهُ وَاحِدَةٌ مِنْ الِاثْنَتَيْنِ، وَاثْنَتَانِ مِنْ الثَّلَاثِ، أَوْ الثَّلَاثُ كُلُّهُنَّ، دُفِعَ إلَيْهِنَّ ثُلُثُهُ.
وَإِنْ عَيَّنَ الزَّوْجُ الْمَنْكُوحَاتِ أَوَّلًا، قُبِلَ تَعْيِينُهُ وَثَبَتَ.
وَإِنْ وَطِئَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَعْيِينًا لَهَا.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَلِلْمَوْطُوءَةِ الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرُ الْمِثْلِ، فَيَكُون الْفَضْلُ بَيْنَهُمَا مَوْقُوفًا.
وَعَلَى قَوْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، يَكُونُ تَعْيِينًا، فَإِنْ كَانَتْ الْمَوْطُوءَةُ مِنْ الِاثْنَتَيْنِ، صَحَّ نِكَاحُهَا، وَبَطَلَ نِكَاحُ الثَّلَاثِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الثَّلَاثِ، بَطَلَ نِكَاحُ الِاثْنَتَيْنِ.
وَإِنْ وَطِئَ وَاحِدَةً مِنْ الِاثْنَتَيْنِ، وَوَاحِدَةً مِنْ الثَّلَاثِ، صَحَّ نِكَاحُ الْفَرِيقِ الْمَبْدُوءِ بِوَطْءِ وَاحِدَةٍ مِنْهُ، وَلِلْمَوْطُوءَةِ الَّتِي لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُهَا مَهْرُ مِثْلِهَا فَإِنْ أَشْكَلَ أَيْضًا، أُخِذَ مِنْهُ الْيَقِينُ، وَهُوَ مَهْرَانِ مُسَمَّيَانِ وَمَهْرُ مِثْلٍ، وَيَبْقَى مَهْرٌ مُسَمًّى تَدَّعِيهِ النِّسْوَةُ، وَيُنْكِرُهُ الْأَخُ، فَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا، فَيَحْصُلُ لِلنِّسْوَةِ مَهْرُ مِثْلٍ وَمُسَمَّيَانِ وَنِصْفٌ، مِنْهَا مَهْرٌ مُسَمًّى، وَمَهْرُ مِثْلٍ يُقَسَّمُ بَيْنَ الْمَوْطُوءَتَيْنِ نِصْفَيْنِ، وَيَبْقَى مُسَمًّى وَنِصْفٌ بَيْنَ الثَّلَاثِ الْبَاقِيَاتِ، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفٌ مُسَمًّى، وَالْمِيرَاثُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ، لَا حُكْمَ لِلْوَطْءِ فِي التَّعْيِينِ، وَهَلْ يَقُومُ تَعْيِينُ الْوَارِثِ مَقَامَ تَعْيِينِ الزَّوْجِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ.
فَعَلَى قَوْلِهِ، يُؤْخَذُ مُسَمًّى وَمَهْرُ مِثْلٍ لِلْمَوْطُوءَتَيْنِ، تُعْطَى كُلُّ وَاحِدَةٍ الْأَقَلَّ مِنْ الْمُسَمَّى أَوْ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَيَقِفُ الْفَضْلُ بَيْنَهُمَا، وَيَبْقَى مُسَمَّيَانِ وَنِصْفٌ، يَقِفُ أَحَدَهُمَا بَيْنَ الثَّلَاثِ اللَّاتِي لَمْ يُوطَأْنَ، وَآخَرُ بَيْنَ الثَّلَاثِ وَالِاثْنَتَيْنِ، وَالْمِيرَاثُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَحُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ، فِي مَنْ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ أَبَتَّ طَلَاقَ إحْدَاهُنَّ، ثُمَّ نَكَحَ خَامِسَةً، وَمَاتَ وَلَمْ يُدْرَ أَيَّتَهُنَّ طَلَّقَ، فَلِلْخَامِسَةِ رُبُعُ الْمِيرَاثِ، وَلِلْأَرْبَعِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ بَيْنَهُنَّ
وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا كَانَ نِكَاحُ الْخَامِسَةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ.
وَلَوْ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ نِكَاحِ الْخَامِسَةِ: إحْدَى نِسَائِي طَالِقٌ.
ثُمَّ نَكَحَ سَادِسَةً، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ، فَلِلسَّادِسَةِ رُبُعُ الْمِيرَاثِ، وَلِلْخَامِسَةِ رُبُعُ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْبَاقِي، وَمَا بَقِيَ بَيْنَ الْأَرْبَعِ الْأُوَلِ أَرْبَاعًا.
وَفِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا أَشْكَلَ مِنْ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
[فَصْلٌ الطَّلَاق الرُّجْعَى لَا يَسْقُط التَّوَارُث بَيْنَهُمَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ]
فَصْلٌ: فِي الطَّلَاقِ.
إذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ طَلَاقًا يَمْلِكُ رَجْعَتَهَا فِي عِدَّتِهَا، لَمْ يَسْقُطْ التَّوَارُثُ بَيْنَهُمَا، مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَرَضِ أَوْ الصِّحَّةِ.
بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. وَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ وَظِهَارُهُ وَإِيلَاؤُهُ، وَيَمْلِكُ إمْسَاكَهَا بِالرَّجْعَةِ بِغَيْرِ رِضَاهَا وَلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ وَلَا صَدَاقٍ جَدِيدٍ، وَإِنْ طَلَّقَهَا فِي الصِّحَّةِ طَلَاقًا
بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا، فَبَانَتْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، لَمْ يَتَوَارَثَا إجْمَاعًا
وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ فِي الْمَرَضِ الْمَخُوفِ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ فِي عِدَّتِهَا، وَرِثَتْهُ وَلَمْ يَرِثْهَا إنْ مَاتَتْ.
يُرْوَى هَذَا عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. وَبِهِ قَالَ عُرْوَةُ، وَشُرَيْحٌ، وَالْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَمَالِكٌ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْقَدِيمِ
وَرُوِيَ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: لَا تَرِثُ مَبْتُوتَةٌ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْجَدِيدُ؛ لِأَنَّهَا بَائِنٌ، فَلَا تَرِثُ، كَالْبَائِنِ فِي الصِّحَّةِ، أَوْ كَمَا لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ بِاخْتِيَارِهَا، وَلِأَنَّ أَسْبَابَ الْمِيرَاثِ مَحْصُورَةٌ فِي رَحِمٍ وَنِكَاحٍ وَوَلَاءٍ، وَلَيْسَ لَهَا شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ.
وَلَنَا، أَنَّ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَرَّثَ تُمَاضِرَ بِنْتَ الْأَصْبَغِ الْكَلْبِيَّةَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِهِ فَبَتَّهَا.
وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ فِي الصَّحَابَةِ فَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ إجْمَاعًا
وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ عَلِيٍّ وَلَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ خِلَافٌ فِي هَذَا، بَلْ قَدْ رَوَى عُرْوَةُ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَئِنْ مِتّ لَأُوَرِّثَنَّهَا مِنْك.
قَالَ: قَدْ عَلِمْت ذَلِكَ.
وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ إنْ صَحَّ، فَهُوَ مَسْبُوقٌ بِالْإِجْمَاعِ.
وَلِأَنَّ هَذَا قَصَدَ قَصْدًا فَاسِدًا فِي الْمِيرَاثِ، فَعُورِضَ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، كَالْقَاتِلِ الْقَاصِدِ اسْتِعْجَالَ الْمِيرَاثِ يُعَاقَبُ بِحِرْمَانِهِ
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا تَرِثُهُ فِي الْعِدَّةِ وَبَعْدَهَا مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا إذَا طَلَّقَهَا الْمَرِيضُ، أَنَّهَا تَرِثُهُ فِي الْعِدَّة، وَبَعْدَهَا مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ.
وَهُوَ قَوْلُ الْبَتِّيِّ، وَحُمَيْدٍ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَبَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ، وَأَصْحَابِ الْحَسَنِ، وَمَالِكٍ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
وَذُكِرَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، لَمَّا رَوَى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَاهُ طَلَّقَ أُمَّهُ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَمَاتَ، فَوَرِثَتْهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ
وَلِأَنَّ سَبَبَ تَوْرِيثِهَا فِرَارُهُ مِنْ مِيرَاثِهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَزُولُ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَرِثُ بَعْدَ الْعِدَّةِ فَإِنَّهُ قَالَ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: يَلْزَمُ مَنْ قَالَ: لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ مُطَلَّقَاتِهِ.
أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أَرْبَعًا، ثُمَّ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ، أَنَّ الثَّمَانِيَ يَرِثْنَهُ كُلَّهُنَّ، فَيَكُونُ مُسْلِمًا يَرِثُهُ ثَمَانِ نِسْوَةٍ.
وَهَذَا الْقَوْلُ يَلْزَمُ مِنْهُ تَوْرِيثُ ثَمَانٍ، وَتَوْرِيثُهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ يَلْزَمُ مِنْهُ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ قَالَ فِي الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ: لَا تَرِثُ؛ لِأَنَّهَا لَا عِدَّةَ لَهَا
وَهَذِهِ كَذَلِكَ فَلَا تَرِثُ.
وَهَذَا قَوْلُ عُرْوَةَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْقَدِيمُ؛ لِأَنَّهَا تُبَاحُ لِزَوْجٍ آخَرَ، فَلَمْ تَرِثْهُ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي الصِّحَّةِ، وَلِأَنَّ تَوْرِيثَهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ يُفْضِي إلَى تَوْرِيثِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، فَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ، وَإِنْ تَزَوَّجْت الْمَبْتُوتَةُ لَمْ تَرِثْهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي
الزَّوْجِيَّةِ أَوْ بَانَتْ مِنْ الزَّوْجِ الثَّانِي.
هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ: تَرِثُهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا لِلرِّوَايَةِ الْأُولَى، وَلِأَنَّهَا شَخْصٌ يَرِثُ مَعَ انْتِفَاءِ الزَّوْجِيَّةِ، فَوَرِثَ مَعَهَا، كَسَائِرِ الْوَارِثِينَ
وَلَنَا، أَنَّ هَذِهِ وَارِثَةٌ مِنْ زَوْجٍ، فَلَا تَرِثُ زَوْجًا سِوَاهُ، كَسَائِرِ الزَّوْجَاتِ، وَلِأَنَّ التَّوَارُثَ مِنْ حُكْمِ النِّكَاحِ، فَلَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُ مَعَ نِكَاحٍ آخَرَ، كَالْعِدَّةِ، وَلِأَنَّهَا فَعَلَتْ بِاخْتِيَارِهَا مَا يُنَافِي نِكَاحَ الْأَوَّلِ لَهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ فَسْخُ النِّكَاحِ مِنْ قِبَلِهَا (4979) فَصْلٌ: وَلَوْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ، ثُمَّ مَاتَ بَعْدَهُ، لَمْ تَرِثْهُ، فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ.
وَرُوِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَزُفَرَ، أَنَّهَا تَرِثُهُ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقُ مَرَضٍ قُصِدَ بِهِ الْفِرَارُ مِنْ الْمِيرَاثِ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَصِحَّ
وَلَنَا، أَنَّ هَذِهِ بَائِنٌ بِطَلَاقٍ فِي غَيْرِ مَرَضِ الْمَوْتِ، فَلَمْ تَرِثْهُ، كَالْمُطَلَّقَةِ فِي الصِّحَّةِ، وَلِأَنَّ حُكْمَ هَذَا الْمَرَضِ حُكْمُ الصِّحَّةِ فِي الْعَطَايَا وَالْإِعْتَاقِ وَالْإِقْرَارِ، فَكَذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ.
وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِمَا إذَا قَصَدَ الْفِرَارَ بِالطَّلَاقِ فِي صِحَّتِهِ.
[فَصْلٌ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَرَضِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ]
(4980) فَصْلٌ: وَلَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَرَضِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِيهَا أَرْبَعُ رِوَايَاتٍ؛ إحْدَاهُنَّ، لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا وَالْمِيرَاثُ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ.
اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَأَبِي عُبَيْدٍ؛ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ ثَبَتَ لِلْمَدْخُولِ بِهَا لِفِرَارِهِ مِنْهُ، وَهَذَا فَارٌّ، وَإِذَا ثَبَتَ الْمِيرَاثُ ثَبَتَ وُجُوبُ الْعِدَّةِ وَتَكْمِيلُ الصَّدَاقِ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْعِدَّةُ عِدَّةَ الْوَفَاةِ، لِأَنَّا جَعَلْنَاهَا فِي حُكْمِ مَنْ تُوُفِّيَ عَنْهَا وَهِيَ زَوْجَةٌ، وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يُوجِبُ عِدَّةً عَلَى غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا
الثَّانِيَةُ، لَهَا الْمِيرَاثُ وَالصَّدَاقُ، وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا.
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ حَقٌّ عَلَيْهَا، فَلَا يَجِبُ بِفِرَارِهِ.
وَالثَّالِثَةُ، لَهَا الْمِيرَاثُ وَنِصْفُ الصَّدَاقِ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، فِي رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْهُ؛ لِأَنَّ مَنْ تَرِثُ يَجِبُ أَنْ تَعْتَدَّ، وَلَا يَكْمُلُ الصَّدَاقُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى تَنْصِيفِهِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الْمَسِيسِ، وَلَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ.
وَالرَّابِعَةُ، لَا مِيرَاثَ لَهَا، وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ.
وَهُوَ قَوْلُ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ: لَا مِيرَاثَ لَهَا، وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا.
وَقَالَ الْحَسَنُ: تَرِثُ.
قَالَ أَحْمَدُ: أَذْهَبُ إلَى قَوْلِ جَابِرٍ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى تَنْصِيفِ الصَّدَاقِ، وَنَفَى الْعِدَّةَ عَنْ الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237]
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49] . وَلَا يَجُوزُ مُخَالَفَةُ نَصِّ الْكِتَابِ بِالرَّأْيِ وَالتَّحَكُّمِ.
وَأَمَّا الْمِيرَاثُ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ وَلَا مُعْتَدَّةٍ مِنْ نِكَاحٍ، فَأَشْبَهَتْ الْمُطَلَّقَةَ فِي الصِّحَّةِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ خَلَا بِهَا، وَقَالَ: لَمَّا أَطَأْهَا.
وَصَدَّقَتْهُ، فَلَهَا الْمِيرَاثُ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ لِلْوَفَاةِ، وَيَكْمُلُ لَهَا الصَّدَاقُ؛ لِأَنَّ الْخَلْوَةَ تَكْفِي فِي ثُبُوتِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ.
[فَصْلٌ طَلَّقَ الْمَدْخُولَ بِهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا ثُمَّ مَرِضَ فِي عِدَّتِهَا وَمَاتَ بَعْد انْقِضَائِهَا]
(4981) فَصْلٌ: وَلَوْ طَلَّقَ الْمَدْخُولَ بِهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا ثُمَّ مَرِضَ فِي عِدَّتِهَا، وَمَاتَ بَعْد انْقِضَائِهَا، لَمْ تَرِثْهُ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقُ صِحَّةٍ.
وَإِنْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً فِي صِحَّتِهِ، وَأَبَانَهَا فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَحُكْمُهَا حُكْمُ مَا لَوْ ابْتَدَأَ طَلَاقَهَا فِي مَرَضِهِ لِأَنَّهُ فَرَّ مِنْ مِيرَاثِهَا.
وَإِنْ طَلْقَهَا وَاحِدَةً فِي صِحَّتِهِ، وَأُخْرَى فِي مَرَضِهِ، وَلَمْ يُبِنْهَا حَتَّى بَانَتْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، لَمْ تَرِثْ؛ لِأَنَّ طَلَاقَ الْمَرَضِ لَمْ يَقْطَعْ مِيرَاثَهَا، وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي بَيْنُونَتِهَا.
[فَصْلٌ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي مَرَضِهِ فَارْتَدَّتْ ثُمَّ أَسْلَمَتْ ثُمَّ مَاتَ فِي عِدَّتِهَا]
(4982) فَصْلٌ: وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي مَرَضِهِ، فَارْتَدَّتْ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ، ثُمَّ مَاتَ فِي عِدَّتِهَا فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، تَرِثُهُ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ فِي الْمَرَضِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ تَرْتَدَّ.
وَالثَّانِي، لَا تَرِثُهُ
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا فَعَلَتْ مَا يُنَافِي النِّكَاحَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَزَوَّجَتْ.
وَلَوْ كَانَ هُوَ الْمُرْتَدَّ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ، وَرِثَتْهُ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَا تَرِثُهُ.
وَلَنَا، أَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ فِي الْمَرَضِ، لَمْ تَفْعَلْ مَا يُنَافِي نِكَاحَهَا، مَاتَ زَوْجُهَا فِي عِدَّتِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ تَرْتَدَّ.
وَلَوْ ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بَعْدَ الدُّخُولِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ، ثُمَّ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَرِثَهُ الْآخَرُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ بَاقٍ
فَإِنْ انْقَضَتْ الْعِدَّةُ قَبْلَ رُجُوعِهِ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَلَمْ يَرِثْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ.
وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْفُرْقَةَ تُتَعَجَّلُ عَنَدَ اخْتِلَافِ الدِّينِ، لَمْ يَرِثْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَرِثَهُ الْآخَرُ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ تَحْصُلُ بِهِ الْبَيْنُونَةُ، فَأَشْبَهَ الطَّلَاقَ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: إذَا ارْتَدَّتْ الْمَرْأَةُ، ثُمَّ مَاتَتْ فِي عِدَّتِهَا، وَرِثَهَا الزَّوْجُ.
[فَصْلٌ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ الْأُمَّةَ وَالذِّمِّيَّةَ طَلَاقًا بَائِنًا ثُمَّ عَتَقَتْ الْأَمَةُ ثُمَّ مَاتَ فِي عُدْتهمَا]
(4983) فَصْلٌ: إذَا طَلَّقَ الْمُسْلِمُ الْمَرِيضُ زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ وَالذِّمِّيَّةَ طَلَاقًا بَائِنًا، ثُمَّ أَسْلَمَتْ الذِّمِّيَّةُ، وَعَتَقَتْ الْأَمَةُ، ثُمَّ مَاتَ فِي عِدَّتِهِمَا، لَمْ تَرِثَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الطَّلَاقِ فَارًّا.
وَإِنْ قَالَ لَهُمَا فِي الْمَرَضِ: إذَا عَتَقْت أَنْتِ أَوْ أَسْلَمْت
أَنْتِ، فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ.
فَعَتَقَتْ الْأَمَةُ، وَأَسْلَمَتْ الذِّمِّيَّةُ، وَمَاتَ، وَرِثَتَاهُ؛ لِأَنَّهُ فَارٌّ فَإِنْ قَالَ لَهُمَا: أَنْتُمَا طَالِقَتَانِ غَدًا.
فَعَتَقَتْ الْأَمَةُ، وَأَسْلَمَتْ الذِّمِّيَّةُ، لَمْ تَرِثَاهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ فَارٍّ.
وَإِنْ قَالَ سَيِّدُ الْأَمَةِ: أَنْتِ حُرَّةٌ غَدًا.
وَقَالَ الزَّوْجُ: أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا.
وَهُوَ يَعْلَمُ بِقَوْلِ السَّيِّدِ.
وَرِثَتْهُ؛ لِأَنَّهُ فَارٌّ.
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، لَمْ تَرِثْهُ؛ لِعَدَمِ الْفِرَارِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَالشَّافِعِيُّ وَلَمْ أَعْلَمْ لَهُمْ مُخَالِفًا.
[فَصْلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ فِي صِحَّته إذَا مَرِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ]
(4984) فَصْلٌ: وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ فِي صِحَّتِهِ: إذَا مَرِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَحُكْمُهُ حُكْمُ طَلَاقِ الْمَرَضِ سَوَاءٌ.
فَإِنْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ أَنَّهُ كَانَ طَلَّقَهَا فِي صِحَّتِهِ ثَلَاثًا، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ عَلَيْهَا، وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ طَلَاقِهِ فِي مَرَضِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يُقْبَلُ إقْرَارُهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ إقْرَارٌ بِمَا يَبْطُلُ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِمَالِهَا.
[فَصْلِ سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ فِي مَرَضِهِ فَأَجَابَهَا]
(4985) فَصْلٌ: وَإِنْ سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ فِي مَرَضِهِ، فَأَجَابَهَا، فَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا تَرِثُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفَارٍّ.
وَالثَّانِيَةُ، تَرِثُهُ لِأَنَّهُ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إنْ خَالَعَهَا، أَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى مَشِيئَتِهَا فَشَاءَتْ، أَوْ عَلَى فِعْلٍ مِنْ جِهَتِهَا لَهَا مِنْهُ بُدٌّ فَفَعَلَتْهُ، أَوْ خَيَّرَهَا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا.
وَالصَّحِيحُ فِي هَذَا كُلِّهِ أَنَّهَا لَا تَرِثُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا فِرَارَ مِنْهُ
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِتَعْلِيقِ طَلَاقِهَا، فَفَعَلَتْ مَا عَلَّقَ عَلَيْهِ، وَرِثَتْهُ؛ لِأَنَّهَا مَعْذُورَةٌ فِيهِ.
وَلَوْ سَأَلَتْهُ طَلْقَةً، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، وَرِثَتْهُ؛ لِأَنَّهُ أَبَانَهَا بِمَا لَمْ تَطْلُبْهُ مِنْهُ.
وَإِنْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى فِعْلٍ لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ، كَصَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، وَصِيَامٍ وَاجِبٍ فِي وَقْتِهِ، فَفَعَلَتْهُ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ طَلَاقِهَا ابْتِدَاءً، فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.
وَكَذَلِكَ إنْ عَلَّقَهُ عَلَى كَلَامِهَا لِأَبَوَيْهَا أَوْ لَأَحَدِهِمَا.
وَإِنْ قَالَ فِي مَرَضِهِ أَنْتَ طَالِقٌ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ.
وَنَحْوُهُ مِمَّا لَيْسَ مِنْ فِعْلِهَا، وَلَا فِعْلِهِ، فَوُجِدَ الشَّرْطُ فَطَلُقَتْ بِهِ.
وَرِثَتْهُ.
[فَصْلٌ عَلَّقَ طَلَاقَهَا فِي الصِّحَّةِ عَلَى شَرْطٍ وُجِدَ فِي الْمَرَضِ]
(4986) فَصْلٌ: فَإِنْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا فِي الصِّحَّةِ عَلَى شَرْطٍ وُجِدَ فِي الْمَرَضِ، كَقُدُومِ زَيْدٍ، وَمَجِيءِ غَدٍ، وَصَلَاتِهَا الْفَرْضَ، بَانَتْ وَلَمْ تَرِثْ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ كَانَتْ فِي الصِّحَّةِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّهَا تَرِثُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَقَعَ فِي الْمَرَضِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ
وَإِنْ عَلَّقَهُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، فَفَعَلَهُ فِي الْمَرَضِ وَرِثَتْهُ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ بِهَا فِي الْمَرَضِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الْمَرَضِ.
وَلَوْ قَالَ فِي الصِّحَّةِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أَضْرِبْ غُلَامِي.
فَلَمْ يَضْرِبْهُ حَتَّى مَاتَ،
وَرِثَتْهُ.
وَإِنْ مَاتَتْ، لَمْ يَرِثْهَا.
وَإِنْ مَاتَ الْغُلَامُ وَالزَّوْجُ مَرِيضٌ، طَلُقَتْ، وَكَانَ كَتَعْلِيقِهِ عَلَى مَجِيءِ زَيْدٍ أَيْضًا.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: إنْ لَمْ أُوَفِّك مَهْرَكَ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَإِنْ ادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ وَفَّاهَا مَهْرَهَا فَأَنْكَرَتْهُ، صُدِّقَ الزَّوْجُ فِي تَوْرِيثِهِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ، وَلَمْ تُصَدَّقْ فِي بَرَاءَتِهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ فِي ذِمَّتِهِ
وَلَوْ قَالَ لَهَا فِي الصِّحَّةِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْك.
فَكَذَلِكَ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ.
وَلَوْ قَذَفَ الْمَرِيضُ امْرَأَتَهُ، ثُمَّ لَاعَنَهَا فِي مَرَضٍ، فَبَانَتْ مِنْهُ، ثُمَّ مَاتَ فِي مَرَضِهِ وَرِثَتْهُ.
وَإِنْ مَاتَتْ، لَمْ يَرِثْهَا.
وَإِنْ قَذَفَهَا فِي صِحَّتِهِ، وَلَاعَنَهَا فِي مَرَضِهِ، وَمَاتَ فِيهِ، لَمْ تَرِثْهُ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَاللُّؤْلُؤِيِّ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّهَا تَرِثُ
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ.
وَإِنْ آلَى مِنْهَا فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ صَحَّ، ثُمَّ نَكَسَ فِي مَرَضِهِ، فَبَانَتْ بِالْإِيلَاءِ، لَمْ تَرِثْهُ.
[فَصْلٌ اسْتَكْرَهَ الِابْنُ امْرَأَةَ أَبِيهِ عَلَى مَا يَنْفَسِخ بِهِ نِكَاحُهَا فِي مَرَضِ أَبِيهِ فَمَاتَ أَبُوهُ مِنْ مَرَضِهِ]
(4987) فَصْلٌ: وَإِذَا اسْتَكْرَهَ الِابْنُ امْرَأَةَ أَبِيهِ عَلَى مَا يَنْفَسِخُ بِهِ نِكَاحُهَا، مِنْ وَطْءٍ أَوْ غَيْرِهِ، فِي مَرَضِ أَبِيهِ، فَمَاتَ أَبُوهُ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ، وَرِثَتْهُ، وَلَمْ يَرِثْهَا إنْ مَاتَتْ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ.
فَإِنْ طَاوَعَتْهُ عَلَى ذَلِكَ، لَمْ تَرِثْ؛ لِأَنَّهَا مُشَارِكَةٌ فِيمَا يَنْفَسِخُ بِهِ نِكَاحُهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَالَعَتْهُ.
وَسَوَاءٌ كَانَ لِلْمَيِّتِ بَنُونَ سِوَى هَذَا الِابْنِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ.
فَإِذَا انْتَفَتْ التُّهْمَةُ عَنْهُ، بِأَنْ يَكُونَ غَيْرَ وَارِثٍ، كَالْكَافِرِ وَالْقَاتِلِ وَالرَّقِيقِ، أَوْ كَانَ ابْنًا مِنْ الرَّضَاعَةِ، أَوْ ابْنَ ابْنٍ مَحْجُوبٍ بِابْنٍ لِلْمَيْتِ، أَوْ بِأَبَوَيْنِ، أَوْ ابْنَيْنِ، أَوْ كَانَ لِلْمَيْتِ امْرَأَةٌ أُخْرَى تَجُوزُ مِيرَاثَ الزَّوْجَاتِ، لَمْ تَرِثْ؛ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ
وَلَوْ صَارَ ابْنُ الِابْنِ وَارِثًا بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ يَرِثْ؛ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ حَالَ الْوَطْءِ.
وَلَوْ كَانَ حَالَ الْوَطْءِ وَارِثًا، فَعَادَ مَحْجُوبًا عَنْ الْمِيرَاثِ لَوَرِثَتْ؛ لِوُجُودِ التُّهْمَةِ حِينَ الْوَطْءِ.
وَلَوْ كَانَ لِلْمَرِيضِ امْرَأَتَانِ، فَاسْتَكْرَهَ ابْنُهُ إحْدَاهُمَا، لَمْ تَرِثْهُ؛ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ عَنْهُ، لِكَوْنِ مِيرَاثِهَا لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ.
وَلَوْ اسْتَكْرَهَ الثَّانِيَةَ بَعْدَهَا، لَوَرِثَتْ الثَّانِيَةُ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّهَا، وَلَوْ اسْتَكْرَهَهُمَا مَعًا، دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَرِثَتَا جَمِيعًا.
وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابِهِ
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّهُ لَا يَرَى فَسْخَ النِّكَاحِ بِالْوَطْءِ الْحَرَامِ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا وَطِئَ الْمَرِيضُ مَنْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُهُ بِوَطْئِهَا، كَأُمِّ امْرَأَتِهِ أَوْ ابْنَتِهَا، فَإِنَّ امْرَأَتَهُ تَبِينُ مِنْهُ، وَتَرِثُهُ إذَا مَاتَ فِي مَرَضِهِ، وَلَا يَرِثُهَا، وَسَوَاءٌ طَاوَعَتْهُ الْمَوْطُوءَةُ أَوْ أَكْرَهَهَا، فَإِنَّ مُطَاوَعَتَهَا لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ فِيهِ فِعْلٌ يَسْقُطُ بِهِ مِيرَاثُهَا.
فَإِنْ كَانَ زَائِلَ الْعَقْلِ حِينَ الْوَطْءِ لَمْ تَرِثْ امْرَأَتُهُ مِنْهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ قَصْدٌ صَحِيحٌ، فَلَا يَكُونُ فَارًّا مِنْ مِيرَاثِهَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ وَطِئَ ابْنُهُ امْرَأَتَهُ مُسْتَكْرَهًا لَهَا، وَهُوَ زَائِلُ الْعَقْلِ، لَمْ تَرِثْ لِذَلِكَ
فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا عَاقِلًا، وَرِثَتْ؛ لِأَنَّ لَهُ قَصْدًا صَحِيحًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ كَالْمَجْنُونِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا عِبْرَةَ بِهِ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا وَطِئَ ابْنَةَ امْرَأَتِهِ أَوْ أُمَّهَا وَلِلشَّافِعِيِّ فِي وَطْءِ الصَّبِيِّ بِنْتَ امْرَأَتِهِ أَوْ أُمَّهَا قَوْلَانِ؛
أَحَدُهُمَا، لَا يَنْفَسِخُ بِهِ نِكَاحُ امْرَأَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ.
وَالثَّانِي، أَنَّ امْرَأَتَهُ تَبِينُ بِذَلِكَ، وَلَا تَرِثُهُ وَلَا يَرِثُهَا.
وَفِي الْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، تَنْشُرُ الْحُرْمَةَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّهَا مُبَاشَرَةٌ تَحْرُمُ فِي غَيْرِ النِّكَاحِ وَالْمِلْكِ فَأَشْبَهَتْ الْوَطْءَ وَالثَّانِيَةُ، لَا تَنْشُرُهَا، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِسَبَبٍ لِلْبَعْضِيَّةِ، فَلَا تَنْشُرُ الْحُرْمَةَ، كَالنَّظَرِ وَالْخَلْوَةِ
وَخَرَّجَ أَصْحَابُنَا فِي النَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ وَالْخَلْوَةِ لِشَهْوَةٍ وَجْهًا أَنَّهُ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ.
[فَصْلٌ فَعَلْت الْمَرِيضَةُ مَا يَفْسَخُ نِكَاحَهَا فَمَاتَتْ فِي مَرَضِهَا]
(4988) فَصْلٌ: وَإِنْ فَعَلَتْ الْمَرِيضَةُ مَا يَفْسَخُ نِكَاحَهَا، كَرَضَاعِ امْرَأَةٍ صَغِيرَةٍ لِزَوْجِهَا، أَوْ رَضَاعِ زَوْجِهَا الصَّغِيرِ، أَوْ ارْتَدَّتْ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَمَاتَتْ فِي مَرَضِهَا، وَرِثَهَا الزَّوْجُ وَلَمْ تَرِثْهُ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَا يَرِثُهَا
وَلَنَا، أَنَّهَا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فَرَّ مِنْ مِيرَاثِ الْآخَرِ، فَأَشْبَهَ الرَّجُلَ.
وَإِنْ أُعْتِقَتْ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، أَوْ كَانَ الزَّوْجُ عِنِّينًا فَأَجَّلَ سَنَةً، وَلَمْ يُصِبْهَا حَتَّى مَرِضَتْ فِي آخَرِ الْحَوْلِ، فَاخْتَارَتْ فُرْقَتَهُ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا، لَمْ يَتَوَارَثَا فِي قَوْلِهِمْ أَجْمَعِينَ.
ذَكَرَهُ ابْنُ اللَّبَّانِ فِي " كِتَابِهِ ". وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمُعْتَقَةِ إذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فِي مَرَضِهَا، لَمْ يَرِثْهَا؛ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ فَسْخَ النِّكَاحِ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، لَا لِلْفِرَارِ مِنْ الْمِيرَاثِ.
وَإِنْ قَبَّلَتْ ابْنَ زَوْجِهَا لِشَهْوَةٍ، خُرِّجَ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا وَيَرِثُهَا إذَا كَانَتْ مَرِيضَةً، وَمَاتَتْ فِي عِدَّتِهَا
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ.
وَالثَّانِي، لَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا زَوَّجَ ابْنَةَ أَخِيهِ وَهِيَ صَغِيرَةٌ، ثُمَّ بَلَغَتْ، فَفَسَخَتْ النِّكَاحَ فِي مَرَضِهَا، لَمْ يَرِثْهَا الزَّوْجُ.
بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ مِنْ أَصْلِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي صَحِيحِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ، وَلَهَا الْخِيَارُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، إلَّا أَنَّ الْفَسْخَ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ لَا مِنْ أَجْلِ الْفِرَارِ، فَلَمْ يَرِثْهَا، كَمَا لَوْ فَسَخَتْ الْمُعْتَقَةُ نِكَاحَهَا.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ طَلَّقَ الْمَرِيضُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ نَكَحَ أُخْرَى وَمَاتَ مِنْ مَرَضِهِ]
(4989) فَصْلٌ: إذَا طَلَّقَ الْمَرِيضُ امْرَأَتَهُ، ثُمَّ نَكَحَ أُخْرَى، وَمَاتَ مِنْ مَرَضِهِ فِي عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ، وَرِثَتَاهُ جَمِيعًا.
هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ، لَا تَرِثُ الْمَبْتُوتَةُ، فَيَكُونُ الْمِيرَاثُ كُلُّهُ لِلثَّانِيَةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ الْمِيرَاثُ كُلُّهُ لِلْمُطَلَّقَةِ؛ لِأَنَّ نِكَاحَ الْمَرِيضِ عِنْدَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ.
وَجَعَلَ بَعْضُ
أَصْحَابِنَا فِيهَا وَجْهًا، أَنَّ الْمِيرَاثَ كُلَّهُ لِلْمُطَلَّقَةِ؛ لِأَنَّهَا تَرِثُ مِنْهُ مَا كَانَتْ تَرِثُ قَبْلَ طَلَاقِهَا، وَهُوَ جَمِيعُ الْمِيرَاثِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَهُ
وَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ، فَإِنَّهَا إنَّمَا تَرِث مَا كَانَتْ تَرِثُ لَوْ لَمْ يُطَلِّقْهَا، وَلَوْ لَمْ يُطَلِّقْهَا وَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، لَمْ تَرِثْ إلَّا نِصْفَ مِيرَاثِ الزَّوْجَاتِ، فَكَذَلِكَ إذَا طَلَّقَهَا.
فَعَلَى هَذَا لَوْ تَزَوَّجَ ثَلَاثًا فِي مَرَضِهِ، فَلَيْسَ لِلْمُطَلَّقَةِ إلَّا رُبْعُ مِيرَاثِ الزَّوْجَاتِ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الزَّوْجَاتِ رُبُعُهُ.
وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ، فَالْمِيرَاثُ لِلزَّوْجَاتِ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، أَنَّ الْمِيرَاثَ لِلْأَرْبَعِ.
وَعِنْدَ مَالِكٍ الْمِيرَاثُ كُلُّهُ لِلْمُطَلَّقَةِ
وَإِنْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، فَطَلَّقَ إحْدَاهُنَّ ثَلَاثًا فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ نَكَحَ أُخْرَى فِي عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ، أَوْ طَلَّقَ امْرَأَةً وَاحِدَةً، وَنَكَحَ أُخْتَهَا فِي عِدَّتِهَا، وَمَاتَ فِي عِدَّتِهَا، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ، وَالْمِيرَاثُ بَيْنَ الْمُطَلَّقَةِ وَبَاقِي الزَّوْجَاتِ الْأَوَائِلِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: النِّكَاحُ صَحِيحٌ، وَالْمِيرَاثُ لِلْجَدِيدَةِ مَعَ بَاقِي الْمَنْكُوحَاتِ دُونَ الْمُطَلَّقَةِ.
وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِهِ الْقَدِيمِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ يَكُونَ الْمِيرَاثُ بَيْنَ الْمُطَلَّقَةِ وَبَاقِي الزَّوْجَاتِ، كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَلَا شَيْءَ لِلْمَنْكُوحَةِ
وَالثَّانِي، أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُنَّ عَلَى خَمْسَةٍ، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ خُمْسُهُ.
فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ، فَفِي مِيرَاثِهَا رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا مِيرَاثَ لَهَا، فَيَكُونُ الْمِيرَاثُ لِبَاقِي الزَّوْجَاتِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ.
وَالثَّانِيَةُ، تَرِثُ مَعَهُنَّ وَلَا شَيْءَ لِلْمَنْكُوحَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الْمِيرَاثُ لِلْمَنْكُوحَاتِ كُلِّهِنَّ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُطَلَّقَةِ.
وَإِنْ تَزَوَّجَ الْخَامِسَةَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ، صَحَّ نِكَاحُهَا
وَهَلْ تَرِثُ الْمُطَلَّقَةُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا تَرِثُ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: يَلْزَمُ مَنْ قَالَ: يَصِحُّ النِّكَاحُ فِي الْعِدَّةِ.
أَنْ يَرِثَ ثَمَانِ نِسْوَةٍ، وَأَنْ يَرِثَهُ أُخْتَانِ، فَيَكُونُ مُسْلِمٌ يَرِثُهُ ثَمَانِ نِسْوَةٍ أَوْ أُخْتَانِ، وَتَوْرِيثُ الْمُطَلَّقَاتِ بَعْدَ الْعِدَّة يَلْزَمُ مِنْهُ هَذَا، أَوْ حِرْمَانُ الزَّوْجَاتِ الْمَنْصُوصِ عَلَى مِيرَاثِهِنَّ، فَيَكُونُ مُنْكِرًا لَهُ غَيْرَ قَائِلٍ بِهِ.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمِيرَاثُ لِلزَّوْجَاتِ دُونَ الْمُطَلَّقَةِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، تَرِثُ الْمُطَلَّقَةُ.
فَيُخَرَّجُ فِيهِ
وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَكُونُ الْمِيرَاثُ بَيْنَ الْخَمْسِ.
وَالثَّانِي، يَكُونُ لِلْمُطَلَّقَةِ وَالْمَنْكُوحَاتِ الْأَوَائِلِ دُونَ الْجَدِيدَةِ؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ مَمْنُوعٌ مِنْ أَنْ يَحْرِمَهُنَّ
مِيرَاثِهِنَّ بِالطَّلَاقِ، فَكَذَلِكَ يُمْنَعُ مِنْ تَنْقِيصِهِنَّ مِنْهُ، وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ بَعِيدٌ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَيَرُدُّهُ نَصَّ الْكِتَابِ عَلَى تَوْرِيثِ الزَّوْجَاتِ، فَلَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ بِغَيْرِ نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ وَلَا قِيَاسٍ عَلَى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ مِنْ النَّصِّ فِي مَعْنَاهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُبِحْ نِكَاحَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، وَلَا الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ.
فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعْنَ فِي مِيرَاثِهِ بِالزَّوْجِيَّةِ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ طَلَّقَ أَرْبَعًا فِي مَرَضِهِ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ، وَنَكَحَ أَرْبَعًا سِوَاهُنَّ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ تَرِثُهُ الْمَنْكُوحَاتُ دُونَ الْمُطَلَّقَاتِ
وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ الْمِيرَاثَ كُلَّهُ لِلْمُطَلَّقَاتِ.
وَعَلَى الثَّانِي هُوَ بَيْنَ الثَّمَانِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: الْمِيرَاثُ لِلْمُطَلَّقَاتِ، وَلَا شَيْءَ لِلْمَنْكُوحَاتِ؛ لِأَنَّ نِكَاحَهُنَّ غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدَهُ.
وَإِنْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ، فَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا فِي صِحَّتِهِ ثُمَّ مَاتَ، فَالْمِيرَاثُ لَهُنَّ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُطَلَّقَاتِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَمَنْ وَافَقَهُ.
وَكَذَلِكَ إنْ تَزَوَّجَتْ الْمُطَلَّقَاتُ لَمْ يَرِثْنَ شَيْئًا إلَّا فِي قَوْلِهِ وَقَوْلِ مَنْ وَافَقَهُ.
وَلَوْ طَلَّقَ أَرْبَعًا بَعْدَ دُخُولِهِ بِهِنَّ ثَلَاثًا فِي مَرَضِهِ، وَقَالَ: قَدْ أَخْبَرْنَنِي بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهِنَّ
فَكَذَّبْنَهُ، فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ أَرْبَعًا سِوَاهُنَّ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي مُدَّةٍ يُمْكِنُ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ فِيهَا، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَيْهِنَّ فِي حِرْمَانِ الْمِيرَاثِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَاللُّؤْلُؤِيِّ، إذَا كَانَ بَعْد أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.
وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَجُوزُ لَهُ التَّزْوِيجُ أَيْضًا.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا حَقَّ لَهُنَّ فِيهِ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيهِ.
فَعَلَى هَذَا إنْ تَزَوَّجَ أَرْبَعًا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ مَاتَ، وَرِثَهُ الْمُطَلَّقَاتُ دُونَ الْمَنْكُوحَاتِ، إلَّا أَنْ يَمُتْنَ قَبْلَهُ، فَيَكُونَ الْمِيرَاثُ لِلْمَنْكُوحَاتِ
وَإِنْ أَقْرَرْنَ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهِنَّ، وَقُلْنَا: الْمِيرَاثُ لَهُنَّ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
فَالْمِيرَاثُ لِلْمَنْكُوحَاتِ أَيْضًا.
وَإِنْ مَاتَ مِنْهُنَّ ثَلَاثٌ، فَالْمِيرَاثُ لِلْبَاقِيَةِ.
وَإِنْ مَاتَ مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ، وَمِنْ الْمَنْكُوحَاتِ وَاحِدَةٌ أَوْ اثْنَتَانِ، أَوْ مَاتَ مِنْ الْمُطَلَّقَاتِ اثْنَتَانِ، وَمِنْ الْمَنْكُوحَاتِ وَاحِدَةٌ، فَالْمِيرَاثُ لِبَاقِي الْمُطَلَّقَاتِ.
وَإِنْ مَاتَ مِنْ الْمُطَلَّقَاتِ وَاحِدَةٌ وَمِنْ الْمَنْكُوحَاتِ ثَلَاثٌ، أَوْ مِنْ الْمُطَلَّقَاتِ اثْنَتَانِ، وَمِنْ الْمَنْكُوحَاتِ اثْنَتَانِ، أَوْ مِنْ الْمُطَلَّقَاتِ ثَلَاثٌ وَمِنْ الْمَنْكُوحَاتِ وَاحِدَةٌ، فَالْمِيرَاثُ بَيْنَ الْبَوَاقِي مِنْ الْمُطَلَّقَاتِ وَالْمَنْكُوحَاتِ مَعًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَأْنَفَ الْعَقْدَ عَلَى الْبَاقِيَاتِ مِنْ الْجَمِيعِ، جَازَ فَكَانَ صَحِيحًا
وَإِنْ تَزَوَّجَ الْمَنْكُوحَاتِ فِي أَرْبَعَةِ عُقُودٍ، فَمَاتَ مِنْ الْمُطَلَّقَاتِ وَاحِدَةٌ وَرِثَتْ مَكَانَهَا الْأُولَى مِنْ الْمَنْكُوحَاتِ.
وَإِنْ مَاتَ اثْنَتَانِ، وَرِثَتْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ.
وَإِنْ مَاتَ ثَلَاثٌ، وَرِثَتْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ مِنْ الْمَنْكُوحَاتِ، مَعَ مَنْ بَقِيَ مِنْ الْمُطَلَّقَاتِ.
وَهَذَا عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَاللُّؤْلُؤِيِّ.
وَأَمَّا زُفَرُ فَلَا يَرَى صِحَّةَ نِكَاحِ الْمَنْكُوحَاتِ حَتَّى يُصَدِّقَهُ الْمُطَلَّقَاتُ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَيُبَاحُ عِنْدَهُ التَّزْوِيجُ فِي عِدَّةِ الْمُطَلَّقَاتِ، فَعَلَى قَوْلِهِ إذَا طَلَّقَ أَرْبَعًا، وَنَكَحَ أَرْبَعًا، فِي عَقْدٍ أَوْ عُقُودٍ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ فَالْمِيرَاثُ لِلْمَنْكُوحَاتِ
وَعَلَى قَوْلِهِ الْقَدِيمِ يُخَرَّجُ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ الْمِيرَاثَ بَيْنَ الثَّمَانِ.
وَالثَّانِي، أَنَّ الْمِيرَاثَ لِلْمُطَلَّقَاتِ دُونَ الْمَنْكُوحَاتِ.
فَإِنْ مَاتَ بَعْضُ الْمُطَلَّقَاتِ، أَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ فَلِلْمَنْكُوحَاتِ مِيرَاثُ الْمَيِّتَاتِ.
وَإِنْ مَاتَتْ وَاحِدَةٌ فَلِلزَّوْجَاتِ رُبُعُ مِيرَاثِ النِّسَاءِ.
وَإِنْ مَاتَتْ اثْنَتَانِ فَلِلزَّوْجَاتِ نِصْفُ الْمِيرَاثِ.
فَإِنْ مَاتَ ثَلَاثٌ، فَلَهُنَّ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمِيرَاثِ إنْ كَانَ نِكَاحُهُنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ
وَإِنْ كَانَ فِي عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ، فَإِذَا مَاتَتْ وَاحِدَةٌ مِنْ الْمُطَلَّقَاتِ، فَمِيرَاثُهَا لِلْأُولَى مِنْ الْمَنْكُوحَاتِ، وَمِيرَاثُ الثَّانِيَةِ لِلثَّانِيَةِ، وَمِيرَاثُ الثَّالِثَةِ لِلثَّالِثَةِ.
[فَصْلٌ قَالَ لِنِسَائِهِ إحْدَاكُنَّ طَالِقٌ]
(4990) فَصْلٌ: إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِنِسَائِهِ: إحْدَاكُنَّ طَالِقٌ.
يَعْنِي وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا، طَلُقَتْ وَحْدَهَا، وَيُرْجَعُ إلَى تَعْيِينِهِ، وَيُؤْخَذُ بِنَفَقَتِهِنَّ كُلِّهِنَّ إلَى أَنْ تُعَيَّنَ.
وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا، مُنِعَ مِنْهُنَّ إلَى أَنْ يُعَيِّنَ.
فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت هَذِهِ.
طَلُقَتْ وَحْدَهَا.
وَإِنْ قَالَ: لَمْ أُرِدْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَ.
طَلُقَتْ الرَّابِعَةُ.
وَإِنْ، عَادَ، فَقَالَ: أَخْطَأْت، إنَّمَا أَرَدْت هَذِهِ.
طَلُقَتْ الْأُخْرَى
وَإِنْ مُتْنَ أَوْ إحْدَاهُنَّ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ رُجِعَ إلَى قَوْلِهِ، فَمَنْ أَقَرَّ بِطَلَاقِهَا حَرَمْنَاهُ مِيرَاثَهَا، وَأَحْلَفْنَاهُ، لِوَرَثَةِ مَنْ لَمْ يُعَيِّنْهَا.
وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَإِنْ لَمْ يَعْنِ بِذَلِكَ وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا، أَوْ مَاتَ قَبْلَ التَّعْيِينِ، أُخْرِجَتْ بِالْقُرْعَةِ، وَكَذَلِكَ إنَّ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ، بِعَيْنِهَا، فَأُنْسِيهَا، فَمَاتَ، أُخْرِجَتْ بِالْقُرْعَةِ، فَمَنْ تَقَعُ عَلَيْهَا الْقُرْعَةُ فَلَا مِيرَاثَ لَهَا.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ.
وَرَوَى عَطَاءٌ، عَنْ ابْن عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: إنَّ لِي ثَلَاثَ نِسْوَةٍ، وَإِنِّي طَلَّقْت إحْدَاهُنَّ فَبَتَتّ طَلَاقَهَا.
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنْ كُنْت نَوَيْت وَاحِدَةً مِنْهُنَّ بِعَيْنِهَا ثُمَّ أُنْسِيتهَا، فَقَدْ اشْتَرَكْنَ فِي الطَّلَاقِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ نَوَيْت وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا، فَطَلِّقْ أَيَّتَهُنَّ شِئْت.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَهْلُ الْعِرَاقِ: يُرْجَعُ إلَى تَعْيِينِهِ فِي الْمَسَائِلِ كُلِّهَا.
فَإِنْ وَطِئَ إحْدَاهُنَّ كَانَ تَعْيِينًا لَهَا بِالنِّكَاحِ، فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَكُونُ تَعْيِينًا.
فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُنَّ كُلِّهِنَّ، فِي قَوْل أَهْلِ الْعِرَاقِ
وَقَالَ مَالِكٌ: يُطَلَّقْنَ كُلُّهُنَّ، وَلَا مِيرَاثَ لَهُنَّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُوقَفُ مِيرَاثُهُنَّ، وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ دَفَعَ إلَى كُلّ وَاحِدَةٍ نِصْفَ مَهْرٍ، وَوَقَفَ الْبَاقِيَ فِي مُهُورِهِنَّ.
وَقَالَ دَاوُد: يَبْطُلُ حُكْمُ طَلَاقِهِنَّ؛ لِمَوْضِعِ الْجَهَالَةِ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مَهْرٌ كَامِلٌ، وَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُنَّ.
وَإِنْ مُتْنَ قَبْلَهُ، طَلُقَتْ الْآخِرَةُ، فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُرْجَعُ إلَى تَعْيِينِهِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَلَنَا، قَوْلُ عَلِيٍّ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّ ابْن عَبَّاسٍ يَعْتَرِفُ لِعَلِيٍّ بِتَقْدِيمِ قَوْلِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا ثَبَتَ لَنَا عَنْ عَلِيٍّ قَوْلٌ، لَمْ نَعْدُهُ إلَى غَيْرِهِ
وَقَالَ: مَا عِلْمِي إلَى عِلْمِ عَلِيٍّ، إلَّا كَالْقَرَارَةِ إلَى الْمُثْعَنْجِرِ.
وَلِأَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ عَنْ الْآدَمِيِّ، فَتُسْتَعْمَلُ فِيهِ الْقُرْعَةُ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ، كَالْعِتْقِ.
وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِي الْعِتْقِ بِخَبَرِ عِمْرَانِ بْنِ الْحُصَيْنِ.
وَلِأَنَّ الْحُقُوقَ تَسَاوَتْ عَلَى وَجْهٍ تَعَذَّرَ تَعْيِينُ الْمُسْتَحِقِّ فِيهِ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُسْتَعْمَلَ فِيهِ الْقُرْعَةُ، كَالْقِسْمَةِ فِي السَّفَرِ بَيْنَ النِّسَاءِ، فَأَمَّا قَسْمُ الْمِيرَاثِ بَيْنَ الْجَمِيعِ، فَفِيهِ دَفْعٌ إلَى إحْدَاهُنَّ مَا لَا تَسْتَحِقُّهُ، وَتَنْقِيصُ بَعْضِهِنَّ حَقَّهَا يَقِينًا، وَالْوَقْفُ إلَى غَيْرِ غَايَةٍ تَضْيِيعٌ لِحُقُوقِهِنَّ، وَحِرْمَانُ الْجَمِيعِ مَنْعُ الْحَقِّ عَنْ صَاحِبِهِ يَقِينًا
وَلَوْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ، فَطَلَّقَ إحْدَاهُمَا، ثُمَّ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا، ثُمَّ مَاتَ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهَا قُرْعَةُ الطَّلَاقِ لَمْ يَرِثْهَا إنْ كَانَتْ الْمَيِّتَةُ، وَلَمْ تَرِثْهُ إنْ كَانَتْ الْأُخْرَى.
وَفِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ: يَرِثُ الْأُولَى، وَلَا تَرِثُهُ، الْأُخْرَى.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يُرْجَعُ إلَى تَعْيِينِ الْوَارِثِ، فَإِنْ قَالَ: طَلَّقَ الْمَيِّتَةَ.
لَمْ يَرِثْهَا، وَوَرِثَتْهُ الْحَيَّةُ.
وَإِنْ قَالَ: طَلَّقَ الْحَيَّةَ.
حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَخَذَ مِيرَاثَ الْمَيِّتَةِ، وَلَمْ تُوَرَّثْ الْحَيَّةُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي، يُوقَفُ مِنْ مَالِ الْمَيِّتَةِ مِيرَاثُ الزَّوْجِ، وَمِنْ مَالِ الزَّوْجِ مِيرَاثُ الْحَيَّةِ
وَإِنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ قَدْ دَخَلَ بِإِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى، وَطَلَّقَ إحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهَا الْقُرْعَةُ فَلَهَا حُكْمُ الطَّلَاقِ، وَلِلْأُخْرَى حُكْمُ الزَّوْجِيَّةِ.
وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: لِلْمَدْخُولِ بِهَا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمِيرَاثِ إنْ مَاتَ فِي عِدَّتِهَا، وَلِلْأُخْرَى رُبُعُهُ لِأَنَّ لِلْمَدْخُولِ بِهَا نِصْفَهُ بِيَقِينٍ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ يَتَدَاعَيَانِهِ، فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا.
وَفِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: النِّصْفُ لِلْمَدْخُولِ بِهَا، وَالثَّانِي مَوْقُوفٌ.
وَإِنْ كَانَتَا مَدْخُولًا بِهِمَا، فَقَالَ فِي مَرَضِهِ: أَرَدْت هَذِهِ.
ثُمَّ مَاتَ فِي عِدَّتِهَا، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالطَّلَاقِ فِي الْمَرَضِ كَالطَّلَاقِ فِيهِ
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ زُفَرُ: يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَالْمِيرَاثُ لِلْأُخْرَى.
وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ.
وَلَوْ كَانَ لِلْمَرِيضِ امْرَأَةٌ أُخْرَى سِوَى هَاتَيْنِ، فَلَهَا نِصْفُ الْمِيرَاثِ، وَلِلِاثْنَتَيْنِ نِصْفُهُ.
وَفِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ نِصْفُهُ مَوْقُوفٌ.
[فَصْلٌ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَطَلَّقَ إحْدَاهُنَّ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ ثُمَّ نَكَحَ خَامِسَةً بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ]
(4991) فَصْلٌ: وَلَوْ كَانَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، فَطَلَّقَ إحْدَاهُنَّ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ، ثُمَّ نَكَحَ خَامِسَةً بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ، فَلِلْخَامِسَةِ رُبُعُ الْمِيرَاثِ وَالْمَهْرُ، وَيُقْرَعُ بَيْنَ الْأَرْبَعِ.
وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: لَهُنَّ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمِيرَاثِ بَيْنَهُنَّ وَإِنْ كُنَّ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهِنَّ، فَلَهُنَّ ثَلَاثَةُ مُهُورٍ وَنِصْفٌ.
وَفِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، يُوقَفُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمِيرَاثِ، وَمَهْرٌ وَنِصْفٌ بَيْنَ الْأَرْبَعِ، فَإِنْ جَاءَتْ وَاحِدَةٌ تَطْلُبُ مِيرَاثَهَا لَمْ تُعْطَ شَيْئًا
وَإِنْ طَلَبَهُ اثْنَتَانِ دُفِعَ
إلَيْهِمَا رُبُعُ الْمِيرَاثِ، وَإِنَّ طَلَبَهُ ثَلَاثٌ دُفِعَ إلَيْهِنَّ نِصْفُهُ، وَإِنْ طَلَبَهُ الْأَرْبَعُ دُفِعَ إلَيْهِنَّ.
وَلَوْ قَالَ بَعْدَ نِكَاحِ الْخَامِسَةِ: إحْدَاكُنَّ طَالِقٌ.
فَعَلَى قَوْلِهِمْ، لِلْخَامِسَةِ رُبْعُ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهَا شَرِيكَةُ ثَلَاثٍ، وَبَاقِيهِ بَيْنَ الْأَرْبَعِ كَالْأُولَى، وَلِلْخَامِسَةِ سَبْعَةُ أَثْمَانِ مَهْرٍ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ نَقَصَهَا وَثَلَاثًا مَعَهَا نِصْفَ مَهْرٍ، وَيَبْقَى لِلْأَرْبَعِ ثَلَاثَةٌ وَثُمُنٌ بَيْنَهُنَّ، فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
فَإِنْ تَزَوَّجَ بَعْدَ ذَلِكَ سَادِسَةً، فَلَهَا رُبُعُ الْمِيرَاثِ، وَمَهْرٌ كَامِلٌ.
وَلِلْخَامِسَةِ رُبْعُ مَا بَقِيَ وَسَبْعَةُ أَثْمَانِ مَهْرٍ، وَلِلْأَرْبَعِ مَا بَقِيَ وَثَلَاثَةُ مُهُورٍ وَثُمْنٌ، وَيَكُونُ الرُّبُعُ مَقْسُومًا عَلَى أَرْبَعَةٍ وَسِتِّينَ.
فَإِنْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: إحْدَاكُنَّ طَالِقٌ.
لَمْ يَخْتَلِفْ الْمِيرَاثُ وَلَكِنْ تَخْتَلِفُ الْمُهُورُ، فَلِلسَّادِسَةِ سَبْعَةُ أَثْمَانِ مَهْرٍ، وَلِلْخَامِسَةِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ جُزْءًا مِنْ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ مِنْ مَهْرٍ وَيَبْقَى لِلْأَرْبَعِ مَهْرَانِ وَسَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ جُزْءًا مِنْ مَهْرٍ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُوقَفُ رُبُعُ الْمِيرَاثِ بَيْنَ السِّتِّ، وَرُبْعٌ آخَرُ بَيْنَ الْخَمْسِ، وَبَاقِيهِ بَيْنَ الْأَرْبَعِ، وَيُوقَفُ نِصْفُ مَهْرٍ بَيْنَ السِّتِّ، وَنِصْفٌ بَيْنَ الْخَمْسِ، وَنِصْفٌ بَيْنَ الْأَرْبَعِ، وَيُدْفَعُ إلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفٌ.
[بَاب الِاشْتِرَاك فِي الطُّهْر]
ِ إذَا وَطِئَ رَجُلَانِ امْرَأَةً فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ وَطْئًا يَلْحَقُ النَّسَبُ مِنْ مِثْلِهِ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا، مِثْلَ أَنْ يَطَأَ الشَّرِيكَانِ جَارِيَتَهُمَا الْمُشْتَرَكَةَ، أَوْ يَطَأَ الْإِنْسَانُ جَارِيَتَهُ ثُمَّ يَبِيعَهَا قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا، فَيَطَؤُهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا، أَوْ يَطَؤُهَا رَجُلَانِ بِشُبْهَةٍ أَوْ يُطَلِّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ فَيَتَزَوَّجَهَا غَيْرُهُ فِي عِدَّتِهَا وَيَطَأَهَا، أَوْ يَطَأُ إنْسَانٌ جَارِيَةَ آخَرَ أَوْ امْرَأَتَهُ بِشُبْهَةٍ فِي الطُّهْرِ الَّذِي وَطِئَهَا فِيهِ سَيِّدُهَا أَوْ زَوْجُهَا ثُمَّ تَأْتِي بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا، فَإِنَّهُ يَرَى الْقَافَةَ مَعَهُمَا
وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَمَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، فَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِأَحَدِهِمَا، لَحِقَ بِهِ، وَإِنْ نَفَتْهُ عَنْ أَحَدِهِمَا، لَحِقَ الْآخَرَ، وَسَوَاءٌ ادَّعَيَاهُ، أَوْ لَمْ يَدَّعِيَاهُ، أَوْ ادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ، وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِمَا، لَحِقَهُمَا وَكَانَ ابْنَهُمَا.
وَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ.
وَرَوَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ عَنْهُ
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُرَى وَلَدُ الْحُرَّةِ لِلْقَافَةِ، بَلْ يَكُونُ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ الصَّحِيحِ دُونَ الْوَاطِئِ بِشُبْهَةٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُلْحَقُ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، فَإِنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، كَانَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ لَا يُوجَدَ قَافَةٌ.
وَمَتَى لَمْ يُوجَدْ قَافَةٌ، أَوْ أُشْكِلْ عَلَيْهَا، أَوْ اخْتَلَفَ الْقَائِفَانِ فِي نَسَبِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَضِيعُ نَسَبُهُ، وَلَا حُكْمَ لِاخْتِيَارِهِ، وَيَبْقَى عَلَى الْجَهَالَةِ أَبَدًا.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُتْرَكُ حَتَّى يَبْلُغَ فَيَنْتَسِبَ إلَى أَحَدِهِمَا.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْجَدِيدُ
وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: يُتْرَكُ حَتَّى يُمَيَّزَ، وَذَلِكَ لِسَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ، فَيَنْتَسِبَ إلَى أَحَدِهِمَا، وَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِمَا، إلَى أَنْ يُنْتَسَبَ إلَى أَحَدِهِمَا، فَيَرْجِعُ الْآخَرُ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ.
وَإِذَا ادَّعَى اللَّقِيطَ، اثْنَانِ، أُرِيَ الْقَافَةَ مَعَهُمَا.
وَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ الْمُدَّعَى فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ قَبْلَ أَنْ يُرَى الْقَافَةَ، وَلَهُ وَلَدٌ، أُرِيَ وَلَدُهُ الْقَافَةَ مَعَ الْمُدَّعِينَ.
وَلَوْ مَاتَ الرَّجُلَانِ
أُرِيَ الْقَافَةَ مَعَ عَصَبَتِهِمَا.
وَإِنْ ادَّعَاهُ أَكْثَرُ مِنْ اثْنَيْنِ، فَأَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِمْ، لَحِقَ.
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ يُلْحَقُ بِثَلَاثَةِ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ يُلْحَقَ بِهِمْ وَإِنْ كَثُرُوا.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُلْحَقُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ
وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يُلْحَقُ بِأَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ.
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَشَرِيكٌ، وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ: لَا حُكْمَ لِلْقَافَةِ، بَلْ إذَا سَبَقَ أَحَدُهُمَا بِالدَّعْوَى، فَهُوَ ابْنُهُ.
فَإِنْ ادَّعَيَاهُ مَعًا، فَهُوَ ابْنُهُمَا.
وَكَذَلِكَ إنْ كَثُرَ الْوَاطِئُونَ وَادَّعَوْهُ مَعًا، فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُمْ جَمِيعًا وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَضَى فِي ذَلِكَ بِالْقُرْعَةِ وَالْيَمِينِ.
وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَإِسْحَاقُ وَعَنْ أَحْمَدَ نَحْوُهُ إذَا عَدِمَتْ الْقَافَةُ
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَكْثَرَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَشْرُوحَةً مَدْلُولًا عَلَيْهَا فِي مَوَاضِعِهَا، وَالْغَرَضُ هَاهُنَا ذِكْرُ مِيرَاثِ الْمُدَّعِي، وَالتَّوْرِيثُ مِنْهُ، وَبَيَانُ مَسَائِلِهِ.
[مَسْأَلَةٌ أُلْحِقَ بِاثْنَيْنِ فَمَاتَ وَتَرَكَ أُمَّهُ حُرَّةً]
(4992) مَسْأَلَةٌ: إذَا أُلْحِقَ بِاثْنَيْنِ، فَمَاتَ، وَتَرَكَ أُمَّهُ حُرَّةً، فَلَهَا الثُّلُثُ، وَالْبَاقِي لَهُمَا، فَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ابْنٌ سِوَاهُ، أَوْ لَأَحَدِهِمَا ابْنَانِ، فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ.
فَإِنْ مَاتَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ، وَلَهُ ابْنٌ آخَرُ، فَمَالُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَإِنْ مَاتَ الْغُلَامُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي لِلْبَاقِي مِنْ أَبَوَيْهِ، وَلَا شَيْءَ لِإِخْوَتِهِ؛ لِأَنَّهُمَا مَحْجُوبَانِ بِالْأَبِ الْبَاقِي فَإِنْ كَانَ الْغُلَامُ تَرَكَ ابْنًا، فَلِلْبَاقِي مِنْ الْأَبَوَيْنِ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي لِابْنِهِ
وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَبَوَيْهِ، وَتَرَكَ ابْنًا، فَلَهُمَا جَمِيعًا السُّدُسُ، وَالْبَاقِي لِابْنِهِ.
فَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَبَوَانِ، ثُمَّ مَاتَ الْغُلَامُ وَلَهُ جَدَّةٌ أُمُّ أُمٍّ وَابْنٌ، فَلِأُمِّ أُمِّهِ نِصْفُ السُّدُسِ، وَلِأُمَّيْ الْمُدَّعِيَيْنِ نِصْفُهُ، كَأَنَّهُمَا جَدَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَلِلْجَدَّيْنِ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي لِلِابْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ابْنٌ، فَلِلْجَدَّيْنِ الثُّلُثُ؛ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ جَدٍّ وَاحِدٍ، وَالْبَاقِي لِلْأَخَوَيْنِ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، الْبَاقِي كُلُّهُ لِلْجَدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْجَدَّ يُسْقِطُ الْإِخْوَةَ
وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِيَانِ أَخَوَيْنِ، وَالْمُدَّعَى جَارِيَةً، فَمَاتَا وَخَلَّفَا أَبَاهُمَا، فَلَهُمَا مِنْ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهُ، وَالْبَاقِي لِلْأَبِ.
فَإِنْ مَاتَ الْأَبُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهَا النِّصْفُ؛ لِأَنَّهَا بِنْتُ ابْنٍ.
وَحَكَى الْخَبْرِيُّ عَنْ أَحْمَدَ وَزُفَرَ وَابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، أَنَّ لَهَا الثُّلُثَيْنِ؛ لِأَنَّهَا بِنْتُ ابْنَتِهِ فَلَهَا مِيرَاثُ بِنْتَيْ ابْنٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي ابْنًا، فَمَاتَ أَبَوَاهُ، وَلِأَحَدِهِمَا بِنْتٌ، ثُمَّ مَاتَ أَبُوهُمَا فَمِيرَاثُهُ بَيْنَ الْغُلَامِ وَالْبِنْتِ عَلَى ثَلَاثَةٍ.
وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ، عَلَى خَمْسَةٍ؛ لِأَنَّ الْغُلَامَ يَضْرِبُ بِنَصِيبِ ابْنَيْ ابْنٍ
وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنْتٌ، فَلِلْغُلَامِ مِنْ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثَاهُ، وَلَهُ مِنْ مَالِ جَدِّهِ نِصْفُهُ.
وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ، لَهُ ثُلُثَاهُ، وَلَهُمَا سُدْسَاهُ.
وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِيَانِ رَجُلًا وَعَمَّةً، وَالْمُدَّعَى جَارِيَةً، فَمَاتَا، وَخَلَّفَا أَبَوَيْهِمَا، ثُمَّ مَاتَ أَبُو الْأَصْغَرِ،
فَلَهَا النِّصْفُ، وَالْبَاقِي لِأَبِي الْعَمِّ؛ لِأَنَّهُ أَبُوهُ.
وَإِذَا مَاتَ أَبُو الْعَمِّ، فَلَهَا النِّصْفُ مِنْ مَالِهِ أَيْضًا.
وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ، لَهَا الثُّلُثَانِ؛ لِأَنَّهَا بِنْتُ ابْنٍ وَبِنْتُ ابْنِ ابْنٍ.
وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي رَجُلًا وَابْنَهُ، فَمَاتَ الِابْنُ، فَلَهَا نِصْفُ مَالِهِ
وَإِذَا مَاتَ الْأَبُ فَلَهَا النِّصْفُ أَيْضًا.
وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ لَهَا الثُّلُثَانِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا تَدَاعَى الْأَبُ وَابْنُهُ، قُدِّمَ الْأَبُ، وَلَمْ يَكُنْ لِلِابْنِ شَيْءٌ.
وَإِنْ مَاتَ الْأَبُ أَوَّلًا، فَمَالُهُ بَيْنَ ابْنِهِ وَبَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةٍ، ثُمَّ تَأْخُذُ نِصْفَ مَالِ الْأَصْغَرِ، لِكَوْنِهَا بِنْتَهُ، وَبَاقِيهِ لِأَنَّهَا أُخْتُهُ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُ الْمُدَّعِي، وُقِفَ نَصِيبُهُ، وَدُفِعَ إلَى كُلِّ وَارِثٍ الْيَقِينُ، وَوُقِفَ الْبَاقِي حَتَّى يَثْبُتَ نَسَبُهُ أَوْ يَصْطَلِحُوا
فَلَوْ كَانَ الْمُدَّعُونَ ثَلَاثَةً، فَمَاتَ أَحَدُهُمْ، وَتَرَكَ ابْنًا وَأَلْفًا، ثُمَّ مَاتَ الثَّانِي، وَتَرَكَ ابْنًا وَأَلْفَيْنِ، ثُمَّ مَاتَ الثَّالِثُ، وَتَرَكَ ابْنًا وَعِشْرِينَ أَلْفًا، ثُمَّ مَاتَ الْغُلَامُ، وَتَرَكَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَأُمًّا حُرَّةً، وَقَدْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِمْ، فَقَدْ تَرَكَ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ، فَلِأُمِّهِ سُدُسُهَا، وَالْبَاقِي بَيْنَ إخْوَتِهِ الثَّلَاثَةِ أَثْلَاثًا.
وَإِنْ كَانَ مَوْتُهُمْ قَبْلَ ثُبُوتِ نَسَبِهِ، دُفِعَ إلَى الْأُمِّ ثُلُثُ تَرِكَتِهِ، وَهُوَ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ؛ لِأَنَّ أَدْنَى الْأَحْوَالِ أَنْ يَكُونَ ابْنَ صَاحِبِ الْأَلْفِ، فَيَرِثُ مِنْهُ خَمْسَمِائَةٍ، وَقَدْ كَانَ وُقِفَ لَهُ مِنْ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُدَّعِينَ نِصْفُ مَالِهِ، فَيُرَدُّ إلَى ابْنِ صَاحِبِ الْأَلْفِ، وَابْنِ صَاحِبِ الْأَلْفَيْنِ، مَا وُقِفَ مِنْ مَالِ أَبَوَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ أَخًا لَهُمَا فَذَلِكَ لَهُمَا مِنْ أَبَوَيْهِمَا
وَإِنْ كَانَ أَخَا أَحَدِهِمَا، فَهُوَ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ، وَأَكْثَرَ مِنْهُ بِإِرْثِهِ مِنْهُ، وَيُرَدُّ عَلَى ابْنِ الثَّالِثِ تِسْعَةُ آلَافٍ وَثُلُثُ أَلْفٍ، وَيَبْقَى ثُلُثَا أَلْفٍ مَوْقُوفَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَخَاهُ، فَيَكُونَ قَدْ مَاتَ عَنْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفًا، لِأُمِّهِ ثُلُثُهَا، وَيَبْقَى مِنْ مَالِ الِابْنِ أَلْفَانِ وَخَمْسَمِائَةٍ مَوْقُوفَةً يَدَّعِيهَا ابْنُ صَاحِبِ الْأَلْفِ كُلِّهَا، وَيَدَّعِي مِنْهَا ابْنُ صَاحِبِ الْأَلْفَيْنِ أَلْفَيْنِ وَثُلُثًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَوْقُوفًا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْأُمِّ، وَسُدُسُ الْأَلْفِ بَيْنَ الْأُمِّ وَابْنِ صَاحِبِ الْأَلْفِ
فَإِنْ ادَّعَى أَخَوَانِ ابْنًا، وَلَهُمَا أَبٌ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا وَخَلَّفَ بِنْتًا، ثُمَّ مَاتَ الْآخَرُ قَبْلَ ثُبُوتِ نَسَبِ الْمُدَّعِي، وُقِفَ مِنْ مَالِ الْأَوَّلِ خَمْسَةُ أَتْسَاعِهِ، مِنْهَا تُسْعَانِ بَيْنَ الْغُلَامِ وَالْبِنْتِ، وَثَلَاثَةُ أَتْسَاعٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَبِ، وَيُوقَفُ مِنْ مَالِ الثَّانِي خَمْسَةُ أَسْدَاسٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَبِ.
فَإِنْ مَاتَ الْأَبُ بَعْدَهُمَا، وَخَلَّفَ بِنْتًا، فَلَهَا نِصْفُ مَالِهِ، وَنِصْفُ مَا وَرِثَهُ عَنْ ابْنَتِهِ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْغُلَامِ وَبِنْتِ الِابْنِ؛ لِأَنَّهُ ابْنُ ابْنِهِ بِيَقِينِ وَيُدْفَعُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ الْمَوْقُوفِ الْيَقِينُ، وَيُوقَفُ الْبَاقِي، فَتُقَدِّرُهُ مَرَّةً ابْنَ صَاحِبِ الْبِنْتِ، وَمَرَّةً ابْنَ الْآخَرِ.
وَتَنْظُرُ مَالَهُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الْحَالَيْنِ، فَتُعْطِيهِ أَقَلَّهُمَا، فَلِلْغُلَامِ فِي حَالٍ الْمَوْقُوفِ مِنْ مَالِ الثَّانِي، وَخُمْسُ الْمَوْقُوفِ مِنْ مَالِ الْأَوَّلِ، وَفِي حَالٍ كُلُّ الْمَوْقُوفِ مِنْ مَالِ الْأَوَّلِ، وَثُلُثُ الْمَوْقُوفِ مِنْ الثَّانِي، فَلَهُ أَقَلُّهُمَا، وَلِبِنْتِ الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ فِي حَالٍ النِّصْفُ مِنْ مَالِ أَبِيهَا، وَفِي حَالٍ السُّدُسُ مِنْ مَالِ عَمِّهَا، وَلِبِنْتِ الْأَبِ فِي حَالٍ نِصْفُ الْمَوْقُوفِ مِنْ
مَالِ الثَّانِي، وَفِي حَالٍ ثَلَاثَةُ أَعْشَارِهِ مِنْ مَالِ الْأَوَّلِ، فَتَدْفَعُ إلَيْهَا أَقَلَّهُمَا، وَيَبْقَى بَاقِي التَّرِكَةِ مَوْقُوفًا بَيْنَهُمْ حَتَّى يَصْطَلِحُوا عَلَيْهِ
وَمِنْ النَّاس مَنْ يُقَسِّمُهُ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ الدَّعَاوَى.
وَمَتَى اخْتَلَفَ أَجْنَاسُ التَّرِكَةِ، وَلَمْ يَصِرْ بَعْضُهَا قِصَاصًا عَنْ بَعْضٍ، قُوِّمَتْ، وَعُمِلَ فِي قِيمَتِهَا عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي الدَّرَاهِمِ إنْ تَرَاضَوْا عَلَى ذَلِكَ، أَوْ يَبِيعُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِمْ لِيَصِيرَ الْحَقُّ كُلُّهُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، لِمَا فِيهِ مِنْ الصَّلَاحِ لَهُمْ، وَيُوقَفُ الْفَضْلُ الْمَشْكُوكُ فِيهِ بَيْنَهُمْ عَلَى الصُّلْحِ.
وَلَوْ ادَّعَى اثْنَانِ غُلَامًا، فَأَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِمَا، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا، وَتَرَكَ أَلْفًا وَبِنْتًا وَعَمًّا، ثُمَّ مَاتَ الْآخَرُ، وَتَرَكَ أَلْفَيْنِ وَابْنَ ابْنٍ، ثُمَّ مَاتَ الْغُلَامُ، وَتَرَكَ ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَأُمًّا، كَانَ لِلْبِنْتِ مِنْ تَرِكَةِ أَبِيهَا ثُلُثُهَا، وَلِلْغُلَامِ ثُلُثَاهَا، وَتَرِكَةُ الثَّانِي كُلُّهَا لَهُ؛ لِأَنَّهُ ابْنُهُ، فَهُوَ أَحَقُّ مِنْ ابْنِ الِابْنِ.
ثُمَّ مَاتَ الْغُلَامُ عَنْ خَمْسَةِ آلَافٍ وَثُلُثَيْ أَلْفٍ، فَلِأُمِّهِ ثُلُثُ، ذَلِكَ، وَلِأُخْتِهِ نِصْفُهُ، وَبَاقِيهِ لِابْنِ الِابْنِ؛ لِأَنَّهُ ابْنُ أَخِيهِ، وَلَا شَيْءَ لِلْعَمِّ.
وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ، فَلِابْنَةِ الْأَوَّلِ ثُلُثُ الْأَلْفِ، وَيُوقَفُ ثُلُثَاهَا وَجَمِيعُ تَرِكَةِ الثَّانِي.
فَإِذَا مَاتَ الْغُلَامُ، فَلِأُمِّهِ مِنْ تَرِكَتِهِ أَلْفٌ وَتُسْعَا أَلْفٍ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ ابْنَ الْأَوَّلِ، فَيَكُونُ قَدْ مَاتَ عَنْ ثَلَاثَةِ آلَافٍ وَثُلُثَيْ أَلْفٍ، وَيُرَدُّ الْمَوْقُوفُ مِنْ مَالِ أَبِي الْبِنْتِ عَلَى الْبِنْتِ وَالْعَمِّ، فَيَصْطَلِحَانِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَهُمَا، إمَّا عَنْ صَاحِبِهِمَا أَوْ الْغُلَامِ، وَيُرَدُّ الْمَوْقُوفُ مِنْ مَالِ الثَّانِي إلَى ابْنِ ابْنِهِ.
لِأَنَّهُ لَهُ إمَّا عَنْ جَدِّهِ وَإِمَّا عَنْ عَمِّهِ، وَتُعْطَى الْأُمُّ مِنْ تَرِكَةِ الْغُلَامِ أَلْفًا وَتُسْعَيْ أَلْفٍ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَالِهَا، وَيَبْقَى أَلْفٌ وَسَبْعَةُ أَتْسَاعِ أَلْفٍ تَدَّعِي الْأُمُّ مِنْهَا أَرْبَعَةَ أَتْسَاعِ أَلْفٍ، تَمَامَ ثُلُثِ خَمْسَةِ آلَافٍ، وَيَدَّعِي مِنْهَا ابْنُ الِابْنِ أَلْفًا وَثُلُثًا، تَمَامَ ثُلُثَيْ خَمْسَةِ آلَافٍ، وَتَدَّعِي الْبِنْتُ وَالْعَمُّ جَمِيعَ الْبَاقِي، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَوْقُوفًا بَيْنَهُمْ حَتَّى يَصْطَلِحُوا.
وَلَوْ كَانَ الْمَوْلُودُ فِي يَدَيْ امْرَأَتَيْنِ فَادَّعَيَاهُ مَعًا، أُرِيَ الْقَافَةَ مَعَهُمَا، فَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِإِحْدَاهُمَا، لَحِقَ بِهَا وَوَرِثَهَا، وَوَرِثَتْهُ فِي إحْدَى الرِّوَايَاتِ.
وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِمَا، أَوْ نَفَتْهُ عَنْهُمَا، لَمْ يَلْحَقْ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا
وَإِنْ قَامَتْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، تَعَارَضَتَا، وَلَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُمَا.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَاللُّؤْلُؤِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُمَا، وَيَرِثَانِهِ مِيرَاثَ أُمٍّ وَاحِدَةٍ، كَمَا يُلْحَقُ بِرَجُلَيْنِ.
وَلَنَا، أَنَّ إحْدَى الْبِنْتَيْنِ كَاذِبَةٌ يَقِينًا، فَلَمْ تُسْمَعْ، كَمَا لَوْ عُلِمَتْ، وَمِنْ ضَرُورَةِ رَدِّهَا رَدُّهُمَا؛ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِعَيْنِهَا، وَلِأَنَّ هَذَا مُحَالٌ، فَلَمْ يَثْبُتْ بِبَيِّنَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، كَمَا لَوْ كَانَ الْوَلَدُ أَكْبَرَ مِنْهُمَا.
وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مَعَهَا صَبِيٌّ، ادَّعَاهُ رَجُلَانِ، كُلُّ وَاحِدٍ يَزْعُمُ أَنَّهُ ابْنُهُ مِنْهَا، وَهِيَ زَوْجَتُهُ، فَكَذَّبَتْهُمَا، لَمْ يَلْحَقْهُمَا، وَإِنْ صَدَّقَتْ أَحَدَهُمَا، لَحِقَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ بَالِغًا، فَادَّعَيَاهُ، فَصَدَّقَ أَحَدَهُمَا
وَلَوْ أَنَّ صَبِيًّا مَعَ امْرَأَةٍ، فَقَالَ زَوْجُهَا: هُوَ ابْنِي مِنْ غَيْرِكِ.
فَقَالَتْ: بَلْ هُوَ ابْنِي مِنْك.
لَحِقَهُمَا جَمِيعًا.