الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- المقدسي، موفق الدين
- الكتاب
- المغني لابن قدامة
- المؤلف
- أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
- الناشر
- مكتبة القاهرة
- الطبعة
- بدون طبعة
- عدد الأجزاء
- 10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الْكِتَابَةِ وَفِي يَدِهِ مَالٌ يَفِي بِهَا فَلَهُ أَنْ يُؤَدِّيَهَا وَيَبْدَأَ بِمَا شَاءَ مِنْهَا كَالْحُرِّ، وَإِنْ لَمْ يَفِ بِهَا مَا فِي يَدِهِ وَكُلُّهَا حَالَّةٌ وَلَمْ يَحْجُرْ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ فَخَصَّ بَعْضَهُمْ بِالْقَضَاءِ، صَحَّ كَالْحُرِّ.
وَإِنْ كَانَ فِيهَا مُؤَجَّلٌ فَعَجَّلَهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ تَعْجِيلَهُ تَبَرُّعٌ فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ كَالْهِبَةِ، وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ جَازَ كَالْهِبَةِ، وَإِنْ كَانَ التَّعْجِيلُ لِلسَّيِّدِ فَقَبُولُهُ بِمَنْزِلَةِ إذْنِهِ، وَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ قَدْ حَجَرَ عَلَيْهِ بِسُؤَالِ غُرَمَائِهِ فَالنَّظَرُ إلَى الْحَاكِمِ وَإِنَّمَا يَحْجُرُ عَلَيْهِ بِسُؤَالِهِمْ، فَإِنْ حَجَرَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ سُؤَالِهِمْ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ فَلَا يَسْتَوْفِي بِغَيْرِ إذْنِهِمْ.
وَإِنْ سَأَلَهُ سَيِّدُهُ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لَمْ يُجِبْهُ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ فَلَا يَحْجُرُ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهِ، فَإِذَا حَجَرَ عَلَيْهِ بِسُؤَالِ الْغُرَمَاءِ فَقَالَ الْقَاضِي: عِنْدِي أَنَّهُ يَبْدَأُ بِقَضَاءِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ وَعِوَضِ الْقَرْضِ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا وَيُقَدِّمُهُمَا عَلَى أَرْشِ الْجِنَايَةِ وَمَالِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ مَحَلُّ الرَّقَبَةِ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ مِمَّا فِي يَدِهِ اُسْتُوْفِيَ مِنْ رَقَبَتِهِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا وَالشَّافِعِيُّ عَلَى تَقْدِيمِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَى مَالِ الْكِتَابَةِ عَلَى مَا مَضَى بَيَانُهُ.
[فَصْلٌ جَنَى بَعْضُ عَبِيدِ الْمُكَاتَبِ جِنَايَةً تُوجِبُ الْقِصَاصَ.]
(8779) فَصْلٌ: وَإِذَا جَنَى بَعْضُ عَبِيدِ الْمُكَاتَبِ جِنَايَةً تُوجِبُ الْقِصَاصَ فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْخِيَارُ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالْمَالِ؛ فَإِنْ اخْتَارَ الْمَالَ أَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ أَوْ إتْلَافَ مَالٍ تَعَلَّقَ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ وَلِلْمُكَاتَبِ فِدَاؤُهُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ شِرَائِهِ وَلَيْسَ لَهُ فِدَاؤُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِذَلِكَ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ فِيهِ سَيِّدُهُ فَإِنْ كَانَ الْأَرْشُ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَسْلِيمُهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِالزِّيَادَةِ وَإِنْ زَادَ الْأَرْشُ عَلَى قِيمَتِهِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ أَوْ يَفْدِيهِ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
[فَصْلٌ مَلَكَ الْمُكَاتَبُ بَعْضَ ذَوِي رَحِمِهِ الْمَحْرَمِ أَوْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ مِنْ أَمَتِهِ فَجَنَى جِنَايَةً تَعَلَّقَ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ.]
(8780) فَصْلٌ: فَإِنْ مَلَكَ الْمُكَاتَبُ ابْنَهُ أَوْ بَعْضَ ذَوِي رَحِمِهِ الْمَحْرَمِ، أَوْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ مِنْ أَمَتِهِ فَجَنَى جِنَايَةً تَعَلَّقَ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ فَلِلْمُكَاتَبِ فِدَاؤُهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ كَمَا يَفْدِي غَيْرَهُ مِنْ عَبِيدِهِ وَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ ": لَيْسَ لَهُ فِدَاؤُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ لِمَالِهِ، فَإِنَّ ذَوِي رَحِمِهِ لَيْسُوا بِمَالٍ لَهُ وَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ إخْرَاجُ مَالِهِ فِي مُقَابَلَتِهِمْ، وَلِأَنَّ شِرَاءَهُمْ كَالتَّبَرُّعِ وَيُفَارِقُ الْعَبْدُ الْأَجْنَبِيَّ؛ فَإِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ وَلَهُ صَرْفُهُ فِي كِتَابَتِهِ فَكَانَ لَهُ فِدَاؤُهُ وَشِرَاؤُهُ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ، لَكِنْ إنْ كَانَ لِهَذَا الْجَانِي كَسْبٌ فُدِيَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ بِيعَ فِي الْجِنَايَةِ إنْ اسْتَغْرَقَتْ قِيمَتَهُ، وَإِنْ لَمْ تَسْتَغْرِقْهَا بِيعَ بَعْضُهُ فِيهَا وَمَا بَقِيَ لِلْمُكَاتَبِ.
وَلَنَا أَنَّهُ عَبْدٌ لَهُ جَنَى فَمَلَكَ فِدَاءَهُ كَسَائِرِ عَبِيدِهِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ شِرَاءَهُ وَقَوْلُهُمْ: لَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ.
قُلْنَا: إلَّا أَنَّ كَسْبَهُ لَهُ وَإِنْ عَجَّزَهُ الْمُكَاتَبُ صَارَ رَقِيقًا مَعَهُ لِسَيِّدِهِ وَإِنْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ لَمْ يَتَضَرَّرْ السَّيِّدُ بِعِتْقِهِمْ وَانْتَفَعَ بِهِ الْمُكَاتَبُ، وَإِذَا دَارَ أَمْرُهُ بَيْنَ نَفْعٍ وَانْتِفَاءِ ضَرَرٍ وَجَبَ أَنْ لَا يُمْنَعَ مِنْهُ، وَفَارَقَ التَّبَرُّعُ فَإِنَّهُ يُفَوِّتُ الْمَالَ عَلَى السَّيِّدِ فَإِنْ قِيلَ: بَلْ فِيهِ مَضَرَّةٌ وَهُوَ مَنْعُهُ مِنْ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ، فَإِنَّهُ إذَا صَرَفَ الْمَالَ فِيهِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى صَرْفِهِ فِي الْكِتَابَةِ عَجَزَ عَنْهَا.
قُلْنَا: هَذَا الضَّرَرُ لَا يُمْنَعُ الْمُكَاتَبُ مِنْهُ؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ تَرَكَ الْكَسْبَ مَعَ إمْكَانِهِ، أَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْأَدَاءِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى كَسْبٍ وَلَا أَدَاءً، فَكَذَلِكَ لَا يُمْنَعُ مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ وَلَا مِمَّا يُفْضِي إلَيْهِ، وَلِأَنَّ غَايَةَ الضَّرَرِ فِي هَذَا الْمَنْعُ مِنْ إتْمَامِ الْكِتَابَةِ - وَلَيْسَ إتْمَامُهَا وَاجِبًا عَلَيْهِ - فَأَشْبَهَ تَرْكَ الْكَسْبِ، بَلْ هَذَا أَوْلَى لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذَا فِيهِ نَفْعٌ لِلسَّيِّدِ؛ لِمَصِيرِهِمْ عَبِيدًا لَهُ.
وَالثَّانِي أَنَّ فِيهِ نَفْعًا لِلْمُكَاتَبِ بِإِعْتَاقِ وَلَدِهِ وَذَوِي رَحِمِهِ وَنَفْعِهِمْ بِالْإِعْتَاقِ عَلَى تَقْدِيرِ الْأَدَاءِ، فَإِذَا لَمْ يُمْنَعْ مِمَّا يُسَاوِيهِ فِي الْمَضَرَّةِ مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ فِيهِ، فَلَأَنْ لَا يُمْنَعَ مِمَّا فِيهِ نَفْعٌ لَازِمٌ لِإِحْدَى الْجِهَتَيْنِ أَوْلَى.
وَوَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ يَدْخُلُ فِي كِتَابَتِهَا، وَالْحُكْمُ فِي جِنَايَتِهِ كَالْحُكْمِ فِي وَلَدِ الْمُكَاتَبِ سَوَاءٌ.
[فَصْلٌ جَنَى بَعْضُ عَبِيدِ الْمُكَاتَبِ عَلَى بَعْضٍ جِنَايَةً مُوجَبُهَا الْمَالُ.]
(8781) فَصْلٌ: وَإِنْ جَنَى بَعْضُ عَبِيدِ الْمُكَاتَبِ عَلَى بَعْضٍ جِنَايَةً مُوجَبُهَا الْمَالُ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ لِلسَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ مَالٌ.
وَإِنْ كَانَ مُوجَبُهَا قِصَاصًا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَيْسَ لَهُ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافٌ لِمَالِهِ بِاخْتِيَارِهِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي " رُءُوسِ الْمَسَائِلِ " وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَصْلَحَةِ مِلْكِهِ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْتَوْفِهِ أَفْضَى إلَى إقْدَامِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَيْسَ لَهُ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ؛ لِمَا ذَكَرْنَا وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي أَرْشِ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ لَا يَثْبُتُ لَهُ فِي رَقَبَةِ عَبْدِهِ فَإِنْ كَانَ الْجَانِي مِنْ عَبِيدِ ابْنِهِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ لِذَلِكَ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بَيْعَهُ قَبْلَ جِنَايَتِهِ فَيَسْتَفِيدُ بِالْجِنَايَةِ مِلْكَ بَيْعِهِ.
وَلَنَا أَنَّهُ عَبْدُهُ فَلَمْ يَجِبْ لَهُ عَلَيْهِ أَرْشٌ كَالْأَجْنَبِيِّ وَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِالرَّهْنِ إذَا جَنَى عَلَى رَاهِنِهِ.
[فَصْل جَنَى عَبْدُ الْمُكَاتَبِ عَلَيْهِ جِنَايَةً مُوجَبُهَا الْمَالُ]
(8782) فَصْل: وَإِنْ جَنَى عَبْدُ الْمُكَاتِبِ عَلَيْهِ جِنَايَةً مُوجَبُهَا الْمَالُ، كَانَتْ هَدْرًا؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ كَانَ مُوجَبُهَا الْقِصَاصَ، فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ، إنْ كَانَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يُقْتَصُّ مِنْهُ لِسَيِّدِهِ.
وَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ، سَقَطَ الْقِصَاصُ، وَلَمْ يَجِبْ الْمَالُ.
فَإِنْ كَانَ الْجَانِي أَبَاهُ، لَمْ يَقْتَصَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْوَالِدَ لَا يُقْتَلُ بِوَلَدِهِ.
وَإِنْ جَنَى الْمُكَاتِبُ عَلَيْهِ، لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ لِعَبْدِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَبِ مَعَهُ حُكْمُ الْأَحْرَارِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بَيْعَهُ وَالتَّصَرُّفَ فِيهِ، وَجُعِلَتْ حُرِّيَّتُهُ مَوْقُوفَةً عَلَى حُرِّيَّتِهِ.
قَالَ: وَلَا نَعْلَمُ مَوْضِعًا يَقْتَصُّ فِيهِ الْمَمْلُوكُ مِنْ مَالِكِهِ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ.
[فَصْلٌ جَنَى عَلَى الْمُكَاتَبِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ]
(8783) فَصْلٌ: وَإِذَا جُنِيَ عَلَى الْمُكَاتَبِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، فَأَرْشُ الْجِنَايَةِ لَهُ، دُونَ سَيِّدِهِ، لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ؛ أَحَدُهَا، أَنَّ كَسْبَهُ لَهُ، وَذَلِكَ عِوَضٌ عَمَّا يَتَعَطَّلُ بِقَطْعِ يَدِهِ مِنْ كَسْبِهِ.
وَالثَّانِي، أَنَّ الْمُكَاتَبَةَ تَسْتَحِقُّ الْمَهْرَ فِي النِّكَاحِ، لِتَعَلُّقِهِ بِعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا، كَذَلِكَ بَدَلُ الْعُضْوِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ السَّيِّدَ يَأْخُذُ مَالَ الْكِتَابَةِ بَدَلًا عَنْ نَفْسِ الْمُكَاتَبَةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّ عَنْهُ عِوَضًا آخَرَ.
ثُمَّ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يَكُونَ الْجَانِي سَيِّدَهُ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ؛ لِمَعْنَيَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ حُرٌّ، وَالْمُكَاتَبَ عَبْدٌ.
وَالثَّانِي، أَنَّهُ مَالِكُهُ، وَلَا يُقْتَصُّ مِنْ الْمَالِكِ لِمَمْلُوكِهِ، وَلَكِنْ يَجِبُ الْأَرْشُ، وَلَا يَجِبُ إلَّا بِانْدِمَالِ الْجُرْحِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْجِنَايَات.
وَلِأَنَّهُ قَبْلَ الِانْدِمَالِ لَا تُؤْمَنُ سِرَايَتُهُ إلَى نَفْسِهِ، فَيَسْقُطُ أَرْشُهُ.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إنْ سَرَى الْجُرْحُ إلَى نَفْسِهِ، انْفَسَخَتْ الْكِتَابَةُ، وَكَانَ الْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ.
وَإِنْ انْدَمَلَ الْجُرْحُ، وَجَبَ أَرْشُهُ لَهُ عَلَى سَيِّده، فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ مَالِ الْكِتَابَةِ، وَقَدْ حَلَّ عَلَيْهِ نَجْمٌ، تَقَاصَّا، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ مَالِ الْكِتَابَةِ، أَوْ كَانَ النَّجْمُ لَمْ يَحِلَّ، لَمْ يَتَقَاصَّا، وَيُطَالِبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا يَسْتَحِقُّهُ.
وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يُجْعَلَ أَحَدُهُمَا عِوَضًا عَنْ الْآخَرِ، وَكَانَا مِنْ جِنْسَيْنِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ.
فَإِنْ قَبَضَ أَحَدُهُمَا حَقَّهُ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلَى الْآخَرِ، عِوَضًا عَنْ حَقِّهِ، جَازَ.
وَإِنْ رَضِيَ الْمُكَاتَبُ بِتَعْجِيلِ الْوَاجِبِ لَهُ عَنْ مَا لَمْ يَحِلَّ مِنْ نُجُومِهِ، جَازَ إذَا كَانَ مِنْ جِنْس مَالِ الْكِتَابَةِ.
الْحَالُ الثَّانِيَةُ، إذَا كَانَ الْجَانِي أَجْنَبِيًّا حُرًّا فَلَا قِصَاصَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحُرَّ لَا يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ، وَلَكِنْ يُنْظَرُ؛ إنْ سَرَى الْجُرْحُ إلَى نَفْسِهِ، انْفَسَخَتْ الْكِتَابَةُ، وَعَلَى الْجَانِي قِيمَتُهُ لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ انْدَمَلَ الْجُرْحُ، فَعَلَيْهِ أَرْشُهُ لَهُ.
فَإِنْ أَدَّى الْكِتَابَةَ، وَعَتَقَ، لَهُ ثُمَّ سَرَى الْجُرْحُ إلَى نَفْسِهِ، وَجَبَتْ دِيَتُهُ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الضَّمَانِ بِحَالَةِ الِاسْتِقْرَارِ وَيَكُونُ ذَلِكَ لِوَرَثَتِهِ.
فَإِنْ كَانَ الْجَانِي السَّيِّدَ، أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْوَرَثَةِ، لَمْ يَرِثْ مِنْهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَرِثُ،
وَيَكُونُ لِبَيْتِ الْمَالِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ.
وَمَنْ اعْتَبَرَ الْجِنَايَةَ بِحَالَةِ ابْتِدَائِهَا، أَوْجَبَ عَلَى الْجَانِي قِيمَتَهُ، وَيَكُونُ لِوَرَثَتِهِ أَيْضًا.
الْحَالُ الثَّالِثُ، إذَا كَانَ الْجَانِي عَبْدًا أَوْ مُكَاتَبًا، فَإِنْ كَانَ مُوجَبُ الْجِنَايَةِ الْقِصَاصَ وَكَانَتْ عَلَى النَّفْسِ، انْفَسَخَتْ الْكِتَابَةُ، وَسَيِّدُهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ عَلَى مَالٍ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَةِ الْجَانِي.
وَإِنْ كَانَتْ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، مِثْلُ أَنْ يَقْطَعَ يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ، فَلِلْمُكَاتَبِ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ، كَمَا أَنَّ الْمَرِيضَ يَقْبِضُ وَلَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ وَرَثَتُهُ، وَالْمُفْلِسَ يَقْبِضُ وَلَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ غُرَمَاؤُهُ.
وَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ، ثَبَتَ لَهُ.
وَإِنْ عَفَا مُطْلَقًا، أَوْ إلَى غَيْرِ مَالٍ، انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي مُوجَبِ الْعَمْدِ؛ إنْ قُلْنَا: مُوجَبُهُ الْقِصَاصُ عَيْنًا.
صَحَّ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ مَالٌ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ مُطَالَبَتُهُ بِاشْتِرَاطِ مَالٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَكَسُّبٌ، وَلَا يَمْلِكُ السَّيِّدُ إجْبَارَهُ عَلَى الْكَسْبِ.
وَإِنْ قُلْنَا: الْوَاجِبُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ.
ثَبَتَتْ لَهُ دِيَةُ الْجُرْحِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَقَطَ الْقِصَاصُ، تَعَيَّنَ الْمَالُ، وَلَا يَصِحُّ عَفْوُهُ عَنْ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ بِهِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ.
وَإِنْ صَالَحَ عَلَى بَعْضِ الْأَرْشِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْعَفْو إلَى غَيْرِ مَالٍ.
[فَصْلٌ مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ وَأُرُوشُ جِنَايَاتٍ]
(8784) فَصْلٌ: وَإِذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ، وَعَلَيْهِ دُيُونٌ، وَأُرُوشُ جِنَايَاتٍ، وَلَمْ يَكُنْ مَلَكَ مَا يُؤَدِّي فِي كِتَابَتِهِ، انْفَسَخَتْ كِتَابَتُهُ، وَسَقَطَ أَرْشُ الْجِنَايَاتِ؛ لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِرَقَبَتِهِ وَقَدْ تَلِفَتْ، وَيُسْتَوْفَى دَيْنُهُ مِمَّا كَانَ فِي يَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفِ بِهَا، سَقَطَ الْبَاقِي.
قَالَ أَحْمَد: لَيْسَ عَلَى سَيِّدِهِ قَضَاءُ دَيْنِهِ، هَذَا كَانَ يَسْعَى لِنَفْسِهِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ مَلَكَ مَا يُؤَدِّي فِي كِتَابَتِهِ، انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي عِتْقِ الْمُكَاتَبِ بِمِلْكِ مَا يُؤَدِّيه، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيهِ رِوَايَتَيْنِ، الظَّاهِرُ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ بِذَلِكَ، فَتَنْفَسِخُ الْكِتَابَةُ أَيْضًا، وَيَبْدَأُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْحَالِ الْأَوَّلِ.
وَهَذَا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِت وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَن، وَشُرَيْحٍ، وَعَطَاءٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَأَبِي الزِّنَادِ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ، وَرَبِيعَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أَنَّهُ إذَا مَلَكَ مَا يُؤَدِّي، فَقَدْ صَارَ حُرًّا فَعَلَى هَذَا، يَضْرِبُ السَّيِّدُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِمَا حَلَّ مِنْ نُجُومِهِ.
وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ شُرَيْحٍ، وَالنَّخَعِيّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْحَكَمِ، وَحَمَّادٍ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ لَهُ حَالٌّ، فَيَضْرِبُ بِهِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ.
وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ الدَّيْنَ يَحِلُّ بِالْمَوْتِ.
أَنْ يَضْرِبَ بِجَمِيعِ مَالِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ حَالًّا.
وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، الَّذِي نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ.
وَقَدْ رَوَى سَعِيدٌ، فِي " سُنَنِهِ "، حَدَّثَنَا هُشَيْم، أَنَا مَنْصُورٌ وَسَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ذَكَرْت لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَوْلَ شُرَيْحٍ فِي الْمُكَاتَب إذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، وَبَقِيَّةٌ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ، فَقُلْت: إنَّ شُرَيْحًا قَضَى أَنَّ مَوْلَاهُ يَضْرِبُ مَعَ الْغُرَمَاءِ.
فَقَالَ سَعِيدٌ: أَخْطَأَ شُرَيْحٌ، قَضَى زَيْدٌ بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْمُكَاتَبَةِ.
[مَسْأَلَةٌ كَاتَبَهُ ثُمَّ دَبَّرَهُ فَإِذَا أَدَّى فَمَا الْحُكْمُ]
(8785) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا كَاتَبَهُ، ثُمَّ دَبَّرَهُ، فَإِذَا أَدَّى، صَارَ حُرًّا، وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ الْأَدَاءِ، عَتَقَ بِالتَّدْبِيرِ، إنْ حَمَلَ الثُّلُثَ، مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ، وَإِلَّا عَتَقَ مِنْهُ بِمِقْدَارِ الثُّلُثِ، وَسَقَطَ مِنْ الْكِتَابَةِ بِمِقْدَارِ مَا عَتَقَ، وَكَانَ عَلَى الْكِتَابَةِ فِيمَا بَقِيَ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ تَدْبِيرَ الْمُكَاتَبِ صَحِيحٌ.
لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ عِتْقٍ بِصِفَةِ، وَهُوَ يَمْلِكُ إعْتَاقَهُ، وَإِنْ كَانَ وَصِيَّةً، فَهُوَ وَصِيَّةٌ بِإِعْتَاقِهِ، وَهُوَ يَمْلِكُهُ.
فَعِنْدَ هَذَا، إنْ أَدَّى عَتَقَ بِالْأَدَاءِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْعِتْقِ، وَيَبْطُلُ التَّدْبِيرُ لِلْغِنَى عَنْهُ، وَمَا فِي يَدِهِ لَهُ.
وَإِنْ عَجَزَ، وَفُسِخَتْ الْكِتَابَةُ، بَطَلَتْ كِتَابَتُهُ، وَصَارَ مُدَبَّرًا غَيْرَ مُكَاتَبٍ.
فَإِذَا مَاتَ السَّيِّدُ، عَتَقَ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ، وَمَا فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ، عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ، فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ أَدَائِهِ وَعَجَّزَهُ، عَتَقَ بِالتَّدْبِيرِ، إنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ، عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ، وَسَقَطَ مِنْ الْكِتَابَةِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ؛ لِأَنَّ مَالَ الْكِتَابَةِ عِوَضٌ عَنْهُ، فَإِذَا عَتَقَ نِصْفُهُ، وَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ نِصْفُ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَبْقَ الْكِتَابَةُ إلَّا فِي نِصْفِهِ، فَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهَا إلَّا بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ عَلَى الْكِتَابَةِ فِيمَا بَقِيَ وَمَا فِي يَدِهِ لَهُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا عَتَقَ بِالتَّدْبِيرِ، بَطَلَتْ الْكِتَابَةُ، وَكَانَ مَا فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ، كَمَا لَوْ بَطَلَتْ الْكِتَابَةُ بِعَجْزِهِ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ عَتَقَ بِالتَّدْبِيرِ، فَكَانَ مَا فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ، كَغَيْرِ الْمُكَاتَبِ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ مُكَاتَبٌ بَرِئَ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ، فَعَتَقَ بِذَلِكَ، وَكَانَ مَا فِي يَدِهِ لَهُ كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ سَيِّدُهُ.
يُحَقِّقُهُ أَنَّ مِلْكَهُ كَانَ ثَابِتًا عَلَى مَا فِي يَدِهِ، وَلَمْ يَحْدُثْ مَا يُزِيلُهُ، وَإِنَّمَا الْحَادِثُ مُزِيلٌ لِمِلْكِ سَيِّدِهِ عَنْهُ، فَيَبْقَى مِلْكُهُ، كَمَا لَوْ عَتَقَ بِالْأَدَاءِ.
[فَصْلٌ قَالَ السَّيِّدُ لِمُكَاتَبِهِ مَتَى عَجَزْت بَعْدَ مَوْتِي فَأَنْتَ حُرٌّ]
(8786) فَصْلٌ: إذَا قَالَ السَّيِّدُ لِمُكَاتَبِهِ: مَتَى عَجَزْت بَعْدَ مَوْتِي، فَأَنْتَ حُرٌّ.
فَهَذَا تَعْلِيقٌ لِلْحُرِّيَّةِ عَلَى صِفَةٍ تَحْدُثُ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيهِ اخْتِلَافًا فِيمَا مَضَى.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ.
فَلَا كَلَامَ، وَإِنَّ قُلْنَا: يَصِحُّ.
فَمَتَى عَجَزَ بَعْدَ الْمَوْتِ، صَارَ حُرًّا بِالصِّفَةِ، فَإِنْ ادَّعَى الْعَجْزَ قَبْلَ حُلُولِ النَّجْمِ، لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَعْجِزُ عَنْهُ.
وَإِنْ ادَّعَى ذَلِكَ بَعْدَ حُلُولِ نَجْمِهِ، وَمَعَهُ مَا يُؤَدِّيه، لَمْ يَصِحَّ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَاجِزٍ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ، فَصَدَّقَهُ الْوَرَثَةُ، عَتَقَ، وَإِنْ كَذَّبُوهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمَالِ وَعَجَّزَهُ، فَإِذَا حَلَفَ عَتَقَ.
وَإِذَا عَتَقَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، كَانَ مَا فِي يَدِهِ لَهُ، إنْ لَمْ تَكُنْ كِتَابَتُهُ فُسِخَتْ؛
لِأَنَّ الْعَجْزَ لَا تَنْفَسِخُ بِهِ الْكِتَابَةُ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِهِ اسْتِحْقَاقُ الْفَسْخِ، وَالْحُرِّيَّةُ تَحْصُلُ بِأَوَّلِ وُجُودِهِ، فَتَكُونُ الْحُرِّيَّةُ قَدْ حَصَلَتْ لَهُ فِي حَالِ كِتَابَتِهِ، فَيَكُونُ مَا فِي يَدِهِ لَهُ، كَمَا لَوْ عَتَقَ بِالْإِبْرَاءِ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ.
وَمُقْتَضَى قَوْلِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، أَنْ تَبْطُلَ كِتَابَتُهُ، وَيَكُونَ مَا بِيَدِهِ لِوَرَثَةِ سَيِّدِهِ.
[فَصْلٌ كَاتَبَ عَبْدًا فِي صِحَّتِهِ ثُمَّ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ]
(8787) فَصْلٌ: وَإِذَا كَاتَبَ عَبْدًا فِي صِحَّتِهِ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ، فَإِنْ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ مَالِ كِتَابَتِهِ، عَتَقَ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ سِوَى الْمُكَاتَبِ مِائَتَانِ، وَقِيمَةُ الْمُكَاتَبِ مِائَةٌ، وَمَالُ الْكِتَابَةِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ، فَإِنَّنَا نَعْتَبِرُ قِيمَتَهُ دُونَ مَالِ الْكِتَابَةِ، وَهِيَ تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ.
وَلَوْ كَانَ مَالُ الْكِتَابَةِ مِائَةً، وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ، اعْتَبَرْنَا مَالَ الْكِتَابَةِ، وَنَفَذَ الْعِتْقُ، وَيُعْتَبَرُ الْبَاقِي مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ دُونَ مَا أَدَّى مِنْهَا.
وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا الْأَقَلَّ؛ لِأَنَّ قِيمَتَهُ إنْ كَانَتْ أَقَلَّ، فَهِيَ قِيمَةُ مَا أُتْلِفَ بِالْإِعْتَاقِ، وَمَالُ الْكِتَابَةِ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ، فَإِنَّ لِلْعَبْدِ إسْقَاطَهُ بِتَعْجِيزِ نَفْسِهِ، أَوْ يَمْتَنِعُ مِنْ أَدَائِهِ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ بِهِ.
وَإِنْ كَانَ عِوَضُ الْكِتَابَةِ أَقَلَّ، اعْتَبَرْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ يَعْتِقُ بِأَدَائِهِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ السَّيِّدُ عَلَيْهِ سِوَاهُ، وَقَدْ ضَعُفَ مِلْكُهُ فِيهِ، وَصَارَ عِوَضَهُ.
وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مَالُهُ سِوَى الْمُكَاتَبِ قِيمَتُهُ مِائَةٌ، فَإِنَّنَا نَضُمُّ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ مَالِ كِتَابَتِهِ إلَى مَالِهِ، وَنَعْمَلُ بِحِسَابِهِ، فَيَعْتِقُ مِنْهُ ثُلُثَاهُ، وَيَبْقَى ثُلُثُهُ بِثُلُثِ مَالِ الْكِتَابَةِ، فَإِنْ أَدَّاهُ، عَتَقَ، وَإِلَّا رَقَّ مِنْهُ ثُلُثُهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَالُ الْكِتَابَةِ مِائَةً وَخَمْسِينَ، فَبَقِيَ ثُلُثُهُ بِخَمْسِينَ، فَأَدَّاهَا، أَنْ يَقُولَ: قَدْ زَادَ مَالُ الْمَيِّتِ.
لِأَنَّهُ حُسِبَ عَلَى الْوَرَثَةِ بِمِائَةٍ، وَحَصَلَ لَهُمْ بِثُلُثِهِ خَمْسُونَ، فَقَدْ زَادَ مَالُ الْمَيِّتِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ بِمَا عَتَقَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَالَ يَحْصُلُ لَهُمْ بِعَقْدِ السَّيِّدِ، وَالْإِرْثِ عَنْهُ.
وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَبَرُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ؛ لِأَنَّ رُبْعَهُ يَجِبُ إيتَاؤُهُ لِلْمُكَاتَبِ، فَلَا يُحْسَبُ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ.
فَعَلَى هَذَا، إذَا كَانَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ مَالِ الْمُكَاتَبِ مِائَةً وَخَمْسِينَ، وَقِيمَةُ الْعَبْدِ مِائَةً، وَلِلْمَيِّتِ مِائَةٌ أُخْرَى، عَتَقَ مِنْ الْعَبْدِ ثُلُثَاهُ، وَحَصَلَ لِلْوَرَثَةِ مِنْ كِتَابَةِ الْعَبْدِ خَمْسُونَ، عَنْ ثُلُثِ الْعَبْدِ الْمَحْسُوبِ عَلَيْهِمْ بِثُلُثِ الْمِائَةِ، فَقَدْ زَادَ لَهُمْ ثُلُثُ الْخَمْسِينَ، فَيَعْتِقَ مِنْ الْعَبْدِ قَدْرُ ثُلُثِهَا، وَهُوَ تُسْعُ الْخَمْسِينَ، وَذَلِكَ نِصْفُ تُسْعِهِ، فَصَارَ الْعِتْقُ ثَابِتًا فِي ثُلُثَيْهِ، وَنِصْفِ تُسْعِهِ، وَحَصَلَ لِلْوَرَثَةِ الْمِائَةُ، وَثَمَانِيَةُ أَتْسَاعِ الْخَمْسِينَ، وَهُوَ مِثْلَا مَا عَتَقَ مِنْهُ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ أَعْتَقْتُمْ بَعْضَهُ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ مَالِ الْكِتَابَةِ، وَقَدْ قُلْتُمْ: إنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَعْتِقُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى يُؤَدِّيَ جَمِيعَ مَالِ الْكِتَابَةِ؟ قُلْنَا: إنَّمَا أَعْتَقْنَا بَعْضَهُ هَاهُنَا بِإِعْتَاقِ سَيِّدِهِ، لَا بِالْكِتَابَةِ، وَلَمَّا كَانَ الْعِتْقُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، نَفَذَ فِي ثُلُثِ
مَالِهِ، وَبَقِيَ بَاقِيه لِحَقِّ الْوَرَثَةِ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي لَا يَعْتِقُ إلَّا بِأَدَاءِ جَمِيعِ الْكِتَابَةِ، إذَا كَانَ عِتْقُهُ بِهَا، لِأَنَّهُ إذَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَمَا حَصَلَ الِاسْتِيفَاءُ، وَيَخْتَصُّ الْمُعَاوَضَةَ، فَلَمْ تَثْبُتْ الْحُرِّيَّةُ فِي الْعِوَضِ.
[فَصْلٌ وَصَّى سَيِّدُهُ بِإِعْتَاقِهِ أَوْ إبْرَائِهِ مِنْ الْكِتَابَةِ]
(8788) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى سَيِّدُهُ بِإِعْتَاقِهِ، أَوْ إبْرَائِهِ مِنْ الْكِتَابَةِ، وَكَانَ يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ مَالِ كِتَابَتِهِ، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِهِ، أَوْ أَبْرَأَهُ، إلَّا أَنَّهُ يَحْتَاجُ هَاهُنَا إلَى إيقَاعِ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى بِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ الْأَقَلُّ مِنْهُمَا مِنْ ثُلُثِهِ، أَعْتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ، وَيَسْقُطُ مِنْ الْكِتَابَةِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ، وَيَبْقَى بَاقِيه عَلَى بَاقِي الْكِتَابَةِ، فَإِنْ أَدَّاهُ، عَتَقَ جَمِيعُهُ، وَإِنْ عَجَزَ، عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ، وَرَقَّ الْبَاقِي.
وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يَتَنَجَّزَ عِتْقُ ثُلُثِهِ فِي الْحَالِ، كَقَوْلِنَا فِي مَنْ دَبَّرَ عَبْدًا لَهُ وَلَهُ مَالٌ غَائِبٌ، أَوْ دَيْنٌ فِي ذِمَّةِ مُوسِرٍ أَوْ مُعْسِرٍ: إنَّهُ يَعْتِقُ ثُلُثُهُ فِي الْحَالِ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لِلْوَرَثَةِ فِي الْحَالِ شَيْءٌ.
وَلِأَنَّ حَقَّ الْوَرَثَةِ مُتَحَقِّقُ الْحُصُولِ، فَإِنَّهُ إنْ أَدَّى، وَإِلَّا عَادَ الْبَاقِي قِنًّا، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ وَجْهًا آخَرَ، أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّزُ عِتْقُ شَيْءٍ مِنْهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ مَالٌ سِوَاهُ؛ لِئَلَّا يَتَنَجَّزَ لِلْوَصِيَّةِ مَا عَتَقَ مِنْهُ، وَيَتَأَخَّرَ حَقُّ الْوَارِثِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ غَائِبٌ، أَوْ دَيْنٌ حَاضِرٌ، لَمْ تَتَنَجَّزْ وَصِيَّتُهُ مِنْ الْحَاضِرِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَأَمَّا الْحَاضِرُ وَالْغَائِبُ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ أَوْصَى لَهُ بِالْحَاضِرِ، أَخَذَ ثُلُثَهُ فِي الْحَالِ، وَوَقَفَ الْبَاقِي عَلَى قُدُومِ الْغَائِبِ، فَقَدْ حَصَلَ لِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثُهُ الْحَاضِرُ، وَلَمْ يَحْصُلْ لِلْوَرَثَةِ شَيْءٌ فِي الْحَالِ، فَهُوَ كَمَسْأَلَتِنَا، وَلَمْ يَكْمُلْ لَهُ جَمِيعُ وَصِيَّتِهِ؛ لِأَنَّ الْغَائِبَ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِحُصُولِهِ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا تَلِفَ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ.
فَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْحَاصِلَةُ بِزِيَادَةِ مَالِ الْكِتَابَةِ، فَإِنَّهَا تَقِفُ عَلَى أَدَاءِ مَالِ الْكِتَابَةِ.
[مَسْأَلَةٌ ادَّعَى الْمُكَاتَبُ وَفَاءَ كِتَابَتِهِ وَأَتَى بِشَاهِدٍ]
مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا ادَّعَى الْمُكَاتَبُ وَفَاءَ كِتَابَتِهِ، وَأَتَى بِشَاهِدٍ، حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ، وَصَارَ حُرًّا وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِأَنَّ النِّزَاعَ بَيْنَهُمَا فِي أَدَاءِ الْمَالِ، وَالْمَالُ يُقْبَلُ فِيهِ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ.
فَإِنْ قِيلَ: الْقَصْدُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ الْعِتْقُ، وَهُوَ مِمَّا لَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ.
قُلْنَا: بَلْ يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، فِي رِوَايَةٍ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ، لَكِنَّ الشَّهَادَةَ هَاهُنَا إنَّمَا هِيَ بِأَدَاءِ الْمَالِ، وَالْعِتْقُ يَحْصُلُ عِنْدَ أَدَائِهِ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يَشْهَدْ الشَّاهِدُ بِهِ، وَلَا بَيْنَهُمَا، فِيهِ نِزَاعٌ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَثْبُتَ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَمْرٌ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ، كَمَا أَنَّ الْوِلَادَةَ تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا ثُبُوتُ النَّسَبِ، الَّذِي لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ، وَلَا بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ.
(8790)
فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ شَاهِدٌ وَأَنْكَرَ السَّيِّدُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينه؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ.
وَإِنْ قَالَ الْعَبْدُ: لِي شَاهِدٌ
غَائِبٌ.
أُنْظِرَ ثَلَاثًا، فَإِنْ جَاءَ بِهِ، وَإِلَّا حَلَفَ السَّيِّدُ، ثُمَّ مَتَى جَاءَ شَاهِدُهُ، وَأَدَّى الشَّهَادَةَ، ثَبَتَتْ حُرِّيَّتُهُ.
وَإِنْ جَاءَ بِشَاهِدٍ فَجُرِحَ فَقَالَ: لِي شَاهِدٌ غَائِبٌ عَدْلٌ.
أُنْظِرَ ثَلَاثًا؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
[فَصْلٌ أَقَرَّ السَّيِّدُ بِقَبْضِ مَالِ الْكِتَابَةِ]
(8791) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقَرَّ السَّيِّدُ بِقَبْضِ مَالِ الْكِتَابَةِ، عَتَقَ الْعَبْدُ، إذَا كَانَ مِمَّنْ يَصِحُّ إقْرَارُهُ.
وَإِنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، قُبِلَ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ لِغَيْرِ وَارِثٍ، وَإِقْرَارُ الْمَرِيضِ لِغَيْرِ وَارِثِهِ مَقْبُولٌ.
وَإِذَا قَالَ: اسْتَوْفَيْت كِتَابَتِي كُلَّهَا.
عَتَقَ الْعَبْدُ.
وَإِنْ قَالَ: اسْتَوْفَيْتهَا كُلَّهَا، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنْ شَاءَ زَيْدٌ.
عَتَقَ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ الِاسْتِثْنَاءُ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْإِقْرَارِ.
قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: إذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ، إنْ شَاءَ اللَّهُ.
كَانَ مُقِرًّا بِهَا.
وَلِأَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ تَعْلِيقٌ بِشَرْطِ، وَاَلَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ إنَّمَا هُوَ الْمُسْتَقْبَلُ، وَأَمَّا الْمَاضِي، فَلَا يُمْكِنُ تَعْلِيقُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ عَلَى صِفَةٍ لَا يَتَغَيَّرُ عَنْهَا بِالشَّرْطِ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ الشَّرْطُ فِيهِ عَلَى الشَّكِّ فِيهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: اسْتَوْفَيْت كِتَابَتِي، وَأَنَا أَشُكُّ فِيهِ.
فَيَلْغُو الشَّكُّ، وَيَثْبُتُ الْإِقْرَارُ.
وَإِنْ قَالَ: اسْتَوْفَيْت آخِرَ كِتَابَتِي.
وَقَالَ: إنَّمَا أَرَدْت أَنِّي اسْتَوْفَيْت النَّجْمَ الْآخِرَ دُونَ مَا قَبْلَهُ.
وَادَّعَى الْعَبْدُ إقْرَارَهُ بِاسْتِيفَاءِ الْكُلِّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِمُرَادِهِ.
[فَصْلٌ أَبْرَأَهُ السَّيِّدُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ]
(8792) فَصْلٌ: وَإِذَا أَبْرَأَهُ السَّيِّدُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ، بَرِئَ، وَعَتَقَ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ خَلَتْ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَدَّاهُ.
وَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنْ بَعْضِهِ، بَرِئَ مِنْهُ وَكَانَ عَلَى الْكِتَابَةِ فِيمَا بَقِيَ؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ كَالْأَدَاءِ.
وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى دَنَانِيرَ، فَأَبْرَأَهُ مِنْ دَرَاهِمَ، أَوْ عَلَى دَرَاهِمَ، فَأَبْرَأَهُ مِنْ دَنَانِيرَ، لَمْ تَصِحّ الْبَرَاءَةُ؛ لِأَنَّهُ أَبْرَأَهُ مِمَّا لَا يَجِبُ لَهُ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِقَدْرِ ذَلِكَ مِمَّا لِي عَلَيْك.
فَإِنْ اخْتَلَفَا، فَقَالَ الْمُكَاتَبُ: إنَّمَا أَرَدْت مِنْ قِيمَةِ ذَلِكَ.
وَقَالَ السَّيِّدُ: بَلْ ظَنَنْت أَنَّ لِي عَلَيْك النَّقْدَ الَّذِي أَبْرَأْتُك مِنْهُ، فَلَمْ تَقَعْ الْبَرَاءَةُ مَوْضِعَهَا.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ، مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ بِنِيَّتِهِ.
وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ، وَاخْتَلَفَ الْمُكَاتَبُ مَعَ وَرَثَتِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَوْرُوثَهُمْ أَرَادَ ذَلِكَ.
وَإِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ، وَاخْتَلَفَ وَرَثَتُهُ وَسَيِّدُهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
[مَسْأَلَةٌ الْمُكَاتَبُ إذَا لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ]
(8793) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَلَا يُكَفِّرُ الْمُكَاتَبُ بِغَيْرِ الصَّوْمِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُكَاتَبَ إذَا لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ ظِهَارٍ أَوْ جِمَاعٍ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، أَوْ قَتْلٍ، أَوْ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ، وَلِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُعْسِرِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ زَكَاةُ، وَلَا نَفَقَةُ قَرِيبٍ، وَلَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ لِحَاجَتِهِ، وَكَفَّارَةُ الْعَبْدِ وَالْمُعْسِرِ الصِّيَامُ.
وَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ، جَازَ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّبَرُّعِ،
وَيَجُوزُ لَهُ التَّبَرُّعُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَلِأَنَّ الْمَنْعَ لِحَقِّهِ، وَقَدْ أَذِنَ فِيهِ.
وَلَا يَلْزَمُهُ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ، إذَا أَذِنَ فِيهِ السَّيِّدُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِيهِ، لِمَا يُفْضِي إلَيْهِ مِنْ تَفْوِيتِ حُرِّيَّتِهِ كَمَا أَنَّ التَّبَرُّعَ لَا يَلْزَمُهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: الْمُكَاتَبُ كَالْعَبْدِ الْقِنِّ فِي التَّكْفِيرِ، وَمَتَى أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ، انْبَنَى عَلَى مِلْكِ الْعَبْدِ إذَا مَلَكَهُ سَيِّدُهُ؛ فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ.
لَمْ يَصِحَّ تَكْفِيرُهُ بِعِتْقٍ وَلَا إطْعَامٍ وَلَا كِسْوَةٍ، سَوَاءٌ مَلَكَهُ سَيِّده أَوْ لَمْ يَمْلِكْهُ، وَسَوَاءٌ أَذِنَ فِيهِ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ؛ لِأَنَّهُ يُكَفِّرُ بِمَا لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ لَهُ، فَلَمْ يَصِحَّ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ.
صَحَّ تَكْفِيرُهُ بِالطَّعَامِ إذَا أَذِنَ فِيهِ.
وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّكْفِيرِ بِالْعِتْقِ، فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، سَبَقَ ذِكْرُهُمَا فِي تَكْفِيرِ الْعَبْدِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ لَا يَتَوَجَّهُ فِي الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْمَالَ، بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَإِنَّمَا مِلْكُهُ نَاقِصٌ؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّ سَيِّدِهِ بِهِ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِيهِ، صَحَّ، كَالتَّبَرُّعِ.
[مَسْأَلَةٌ وَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ الَّذِينَ وَلَدَتْهُمْ فِي الْكِتَابَةِ]
(8794) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَوَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ الَّذِينَ وَلَدَتْهُمْ فِي الْكِتَابَةِ، يَعْتِقُونَ بِعِتْقِهَا وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يَصِحُّ مُكَاتَبَةُ الْأَمَةِ، كَمَا تَصِحُّ مُكَاتَبَةُ الْعَبْدِ.
لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ.
وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ، بَرِيرَةَ، وَحَدِيثُ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ.
وَلِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33] . وَلِأَنَّهَا يُمْكِنُهَا التَّكَسُّبُ وَالْأَدَاءُ، فَهِيَ كَالْعَبْدِ.
وَإِذَا أَتَتْ الْمُكَاتَبَةُ بِوَلَدٍ مِنْ غَيْرِ سَيِّدِهَا، إمَّا مِنْ نِكَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَهُوَ تَابِعٌ لَهَا، مَوْقُوفٌ عَلَى عِتْقِهَا، فَإِنْ عَتَقَتْ بِالْأَدَاءِ أَوْ الْإِبْرَاءِ، عَتَقَ، وَإِنْ فُسِخَتْ كِتَابَتُهَا، وَعَادَتْ إلَى الرِّقِّ، عَادَ رَقِيقًا.
وَهَذَا قَوْلُ شُرَيْحٍ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ.
وَسَوَاءٌ فِي هَذَا مَا كَانَ حَمْلًا حَالَ الْكِتَابَةِ، وَمَا حَدَثَ بَعْدَهَا.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: هُوَ عَبْدٌ قِنٌّ، لَا يَتْبَعُ أُمَّهُ.
وَلِلشَّافِعِي قَوْلَانِ، كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْكِتَابَةَ غَيْرُ لَازِمَةٍ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ، فَلَا تَسْرِي إلَى الْوَلَدِ، كَالتَّعْلِيقِ بِالصِّفَةِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْكِتَابَةَ سَبَبٌ ثَابِتٌ لِلْعِتْقِ، لَا يَجُوزُ إبْطَالُهُ، فَسَرَى إلَى الْوَلَدِ كَالِاسْتِيلَادِ، وَيُفَارِقُ التَّعْلِيقَ بِالصِّفَةِ، فَإِنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ إبْطَالَهُ بِالْبَيْعِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْكَلَامُ فِي الْوَلَدِ فِي فُصُولٍ أَرْبَعَةٍ؛ فِي قِيمَتِهِ إذَا تَلِفَ وَفِي كَسْبِهِ، وَفِي نَفَقَتِهِ وَفِي عِتْقِهِ.
أَمَّا قِيمَتُهُ إذَا تَلِفَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ لِأُمِّهِ، تَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى كِتَابَتِهَا؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ مَعَ كَوْنِهِ عَبْدًا، فَلَا يَسْتَحِقُّ قِيمَتَهُ، وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ جُزْءٍ مِنْهَا، وَلَوْ جَنَى عَلَى جُزْءٍ مِنْهَا، كَانَ أَرْشُهُ لَهَا، كَذَلِكَ
وَلَدُهَا، وَإِذَا لَمْ يَسْتَحِقَّهَا هُوَ كَانَتْ لِأُمِّهِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا، وَلِأَنَّ وَلَدَهَا لَوْ مَلَكَتْهُ بِهِبَةٍ أَوْ شِرَاءٍ كَانَتْ قِيمَتُهُ لَهَا، فَكَذَلِكَ لَوْ تَبِعَهَا.
يُحَقِّقُهُ أَنَّهُ إذَا تَبِعَهَا، صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَهَا، فَلَا يَثْبُتُ مِلْكُ السَّيِّدِ فِي مَنَافِعِهِ، وَلَا فِي أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، كَمَا لَا يَثْبُتُ لَهُ ذَلِكَ فِيهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: تَكُونُ الْقِيمَةُ لِسَيِّدِهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ قُتِلَتْ، كَانَتْ قِيمَتُهَا لِسَيِّدِهَا، فَكَذَلِكَ وَلَدُهَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْكِتَابَةَ تَبْطُلُ بِقَتْلِهَا، فَيَصِيرُ مَالُهَا لِسَيِّدِهَا، بِخِلَافِ وَلَدِهَا؛ فَإِنَّ الْعَقْدَ بَاقٍ بَعْدَ قَتْلِهِ، فَنَظِيرُ هَذَا إتْلَافُ بَعْضِ أَعْضَائِهَا.
وَالْحُكْمُ فِي إتْلَافِ بَعْضِ أَعْضَائِهَا كَالْحُكْمِ فِي إتْلَافِهِ.
وَأَمَّا كَسْبُهُ، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، فَيَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ يَكُونَ لِأُمِّهِ؛ لِأَنَّ وَلَدَهَا جُزْءٌ مِنْهَا، تَابِعٌ لَهَا، فَأَشْبَهَ بَقِيَّةَ أَجْزَائِهَا، وَلِأَنَّ أَدَاءَهَا لِكِتَابَتِهَا سَبَبٌ لِعِتْقِهِ، وَحُصُولِ الْحُرِّيَّةِ لَهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُصْرَفَ فِيهِ، بِمَنْزِلَةِ صَرْفِهِ إلَيْهِ، إذْ فِي عَجْزِهَا رِقُّهُ، وَفَوَاتُ كَسْبِهِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا نَفَقَتُهُ فَعَلَى أُمِّهِ؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِكَسْبِهِ وَكَسْبُهُ لَهَا، فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهَا.
وَأَمَّا عِتْقُهُ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ بِأَدَائِهَا أَوْ إبْرَائِهَا، وَيَرِقُّ بِعَجْزِهَا؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهَا.
وَإِنْ مَاتَتْ الْمُكَاتَبَةُ عَلَى كِتَابَتِهَا، بَطَلَتْ كِتَابَتُهَا، وَعَادَ رَقِيقًا قِنًّا، إلَّا أَنْ تُخَلِّفَ وَفَاءً، فَيَكُونَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ أَعْتَقَهَا سَيِّدُهَا، لَمْ يَعْتِقْ وَلَدُهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَبِعَهَا فِي حُكْمِ الْكِتَابَةِ، وَهُوَ الْعِتْقُ بِالْأَدَاءِ، وَمَا حَصَلَ الْأَدَاءُ، وَإِنَّمَا حَصَلَ عِتْقُهَا بِأَمْرٍ لَا يَتْبَعُهَا فِيهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مُكَاتَبَةً.
وَمُقْتَضَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا الَّذِينَ قَالُوا: تَبْطُلُ كِتَابَتُهَا بِعِتْقِهَا.
أَنْ يَعُودَ وَلَدُهَا رَقِيقًا.
وَمُقْتَضَى قَوْلِنَا، أَنَّهُ يَبْقَى عَلَى حُكْمِ الْكِتَابَةِ، وَيَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يُوجَدْ مَا يُبْطِلُهُ، وَإِنَّمَا سَقَطَ الْأَدَاءُ عَنْهَا لِحُصُولِ الْحُرِّيَّةِ بِدُونِهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ يَتْبَعُهَا فِي الْكِتَابَةِ، وَلَا فِي يَدِهَا مَالٌ يَأْخُذُهُ، لَمْ يَظْهَرْ حُكْمُ بَقَاءِ الْعَقْدِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي بَقَائِهِ فَائِدَةٌ، فَانْتَفَى لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا، فِي بَقَائِهِ فَائِدَةٌ؛ لِإِفْضَائِهِ إلَى عِتْقِ وَلَدِهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعْتِقَ بِإِعْتَاقِهَا لِأَنَّهُ جَرَى مَجْرَى إبْرَائِهَا مِنْ مَال الْكِتَابَة.
وَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا أَعْتَقَتْ بِاسْتِيلَادِ أَوْ تَدْبِيرٍ أَوْ تَعْلِيقٍ بِصِفَةِ، كَالْحُكْمِ فِيمَا إذَا أَعْتَقَهَا؛ لِأَنَّهَا عَتَقَتْ بِغَيْرِ الْكِتَابَةِ.
وَإِنْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ الْوَلَدَ دُونَهَا، صَحَّ عِتْقُهُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ فَصَحَّ عِتْقُهُ، كَأُمِّهِ وَلِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ مَعَهَا لَصَحَّ، وَمَنْ صَحَّ عِتْقُهُ مَعَ غَيْرِهِ، صَحَّ مُفْرَدًا، كَسَائِرِ مَمَالِيكِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ كَانَ يَجِبُ أَنْ لَا يَنْفُذَ عِتْقُهُ: لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا بِأُمِّهِ، بِتَفْوِيتِ كَسْبِهِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَسْتَعِينُ بِهِ فِي كِتَابَتِهَا، وَلَعَلَّ أَحْمَدَ نَفَّذَ عِتْقَهُ تَغْلِيبًا لِلْعِتْقِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَعْتِقُ، وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي مِنْ الضَّرَرِ لَا يَصِحُّ لَوُجُوهٍ؛ أَحَدُهَا، أَنَّ الضَّرَرَ إنَّمَا يَحْصُلُ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ كَسْبٌ يَفْضُلُ عَنْ نَفَقَتِهِ، فَأَمَّا مَنْ لَا كَسْبَ لَهُ، فَتَخْلِيصُهَا مِنْ نَفَقَتِهِ نَفْعٌ مَحْضٌ، فَلَا ضَرَرَ فِي إعْتَاقِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا يَفْضُلُ لَهَا مِنْ كَسْبِهِ شَيْءٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُقَيِّدَ الْحُكْمَ الَّذِي ذَكَرَهُ بِهَذَا الْقَيْدِ.
الثَّانِي أَنَّ النَّفْعَ بِكَسْبِهَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ لَهَا؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا تَمْلِكُ إجْبَارَهُ عَلَى الْكَسْبِ، فَلَمْ يَكُنْ الضَّرَرُ بِفَوَاتِهِ مُعْتَبَرًا فِي حَقِّهَا.
الثَّالِثُ، أَنَّ مُطْلَقَ الضَّرَرِ لَا يَكْفِي فِي مَنْعِ الْعِتْقِ الَّذِي تَحَقَّقَ مُقْتَضِيه، مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ يَشْهَدُ بِالِاعْتِبَارِ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ أَصْلًا، ثُمَّ هُوَ مُلْغًى بِعِتْقِ الْمُفْلِسِ وَالرَّاهِنِ وَسِرَايَةِ الْعِتْقِ إلَى مِلْكِ الشَّرِيكِ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ مَعَ وُجُودِ الضَّرَرِ بِتَفْوِيتِ الْحَقِّ اللَّازِمِ، فَهَذَا أَوْلَى.
[فَصْلٌ الْمَوْلُودَةُ قَبْلَ الْكِتَابَةِ]
(8795) فَصْلٌ: فَأَمَّا وَلَدُ وَلَدِهَا فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ أُمِّهِ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْمُكَاتَبِ لَا يَتْبَعُهُ، وَأَمَّا وَلَدُ بِنْتِهَا، فَهُوَ كَبِنْتِهَا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَسْرِي الْكِتَابَةُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ السِّرَايَةَ إنَّمَا تَكُونُ مَعَ الِاتِّصَالِ، وَهَذَا وَلَدٌ مُنْفَصِلٌ، فَلَا تَسْرِي إلَيْهِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ وَلَدَ أُمِّ الْوَلَدِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْلِدَهَا، لَا يَسْرِي إلَيْهِ الِاسْتِيلَادُ، وَهَذَا الْوَلَدُ اتَّصَلَ بِأُمِّهِ دُونَ جَدَّتِهِ.
وَلَنَا أَنَّ ابْنَتَهَا ثَبَتَ لَهَا حُكْمُهَا تَبَعًا، فَيَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ لِابْنَتِهَا حُكْمُهَا تَبَعًا، كَمَا يَثْبُت حُكْمُ أُمِّهَا، وَلِأَنَّ الْبِنْتَ تَبِعَتْ أُمَّهَا، فَيَجِبُ أَنْ يَتْبَعَهَا وَلَدُهَا؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ إتْبَاعَهَا لِأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي وَلَدِهَا، وَلِأَنَّ الْبِنْتَ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْعِتْقِ، فَيَجِبُ أَنْ يَسْرِيَ إلَى وَلَدِهَا، كَالْمُكَاتَبَةِ.
وَهَذَا الْخِلَافُ فِي وَلَدِ الْبِنْتِ التَّابِعَةِ لِأُمِّهَا فِي الْكِتَابَةِ، فَأَمَّا الْمَوْلُودَةُ قَبْلَ الْكِتَابَةِ، فَلَا تَدْخُلُ فِي الْكِتَابَةِ، فَابْنَتُهَا أَوْلَى.
[مَسْأَلَةٌ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ]
(8796) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَيَجُوزُ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَهُوَ قَدِيمُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، قَالَ: وَلَا وَجْهَ لِقَوْلٍ مَنْ قَالَ:
لَا يَجُوزُ.
وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ، عَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَالْجَدِيدُ مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَ كَسْبِهِ، فَيَمْنَعُ بِيعَهُ، كَبَيْعِهِ وَعِتْقِهِ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، وَأَبُو الزِّنَاد: يَجُوزُ بَيْعُهُ بِرِضَاهُ، وَلَا يَجُوزُ إذَا لَمْ يَرْضَ.
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ بَرِيرَةَ إنَّمَا بِيعَتْ بِرِضَاهَا وَطَلَبِهَا، وَلِأَنَّ لِسَيِّدِهِ اسْتِيفَاءَ مَنَافِعِهِ بِرِضَاهُ، وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ رِضَاهُ، كَذَلِكَ بَيْعُهُ.
وَلَنَا، مَا رَوَى عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: «جَاءَتْ بَرِيرَةُ إلَيَّ، فَقَالَتْ: يَا عَائِشَةُ، إنِّي كَاتَبْت أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي.
وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ، وَنَفَسَتْ فِيهَا: ارْجِعِي إلَى أَهْلِك، إنْ أَحَبُّوا أَنْ أُعْطِيَهُمْ ذَلِكَ جَمِيعًا، فَعَلْت.
فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إلَى أَهْلِهَا، فَعَرَضَتْ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، فَأَبَوْا، وَقَالُوا: إنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْك فَلْتَفْعَلْ، وَيَكُونَ وَلَاؤُك لَنَا.
فَذَكَرَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: لَا يَمْنَعُك ذَلِكَ مِنْهَا، ابْتَاعِي وَأَعْتِقِي، إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ.
فَقَامَ رَسُولُ اللَّه فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُ نَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّه، فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُهُ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: بِيعَتْ بَرِيرَةُ بِعِلْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ، فَفِي ذَلِكَ أَبْيَنُ الْبَيَانِ أَنَّ بَيْعَهُ جَائِزٌ، وَلَا أَعْلَمُ خَبَرًا يُعَارِضُهُ، وَلَا أَعْلَمُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَخْبَارِ دَلِيلًا عَلَى عَجْزِهَا.
وَتَأَوَّلَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ قَدْ عَجَزَتْ، وَكَانَ بَيْعُهَا فَسْخًا لِكِتَابَتِهَا.
وَهَذَا التَّأْوِيلُ بَعِيدٌ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ، وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، بَلْ قَوْلُهَا: أَعِينِينِي عَلَى كِتَابَتِي.
دَلَالَةٌ عَلَى بَقَائِهَا عَلَى الْكِتَابَةِ، وَلِأَنَّهَا أَخْبَرَتْهَا أَنَّ نُجُومَهَا فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ، فَالْعَجْزُ إنَّمَا يَكُونُ بِمُضِيِّ عَامَيْنِ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى الْعَجْزَ إلَّا بِحُلُولِ نَجْمَيْنِ، أَوْ بِمُضِيِّ عَامٍ عِنْدَ الْآخَرِينَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ شِرَاءَ عَائِشَةَ لَهَا كَانَ فِي أَوَّلِ كِتَابَتِهَا، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ حُرِّيَّتِهَا مُسْتَقِرٌّ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ فَسْخُهُ بِحَالٍ، فَأَشْبَهَ الْوَقْفَ، وَالْمُكَاتَبُ يَجُوزُ رَدُّهُ إلَى الرِّقِّ، وَفَسْخُ كِتَابَتِهِ إذَا عَجَزَ، فَافْتَرَقَا.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَهَلْ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَبِيعَ الْمُكَاتَبَ بِأَكْثَرَ مِمَّا عَلَيْهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَلِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهِ، لَمْ يَتَحَتَّمْ عِتْقُهُ، فَجَازَ بَيْعُهُ، كَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مَمْلُوكٌ، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» . وَأَنَّ مَوْلَاتَه لَا يَلْزَمُهَا أَنْ تَحْتَجِبَ مِنْهُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «إذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، فَمَلَكَ مَا يُؤَدِّي، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ» فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَحْتَجِبُ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَقَدْ رَوَيْنَا فِي هَذَا عَنْ نَبْهَانَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَتْ لِي أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبْهَانُ، هَلْ عِنْدَك مَا تُؤَدِّي؟ قُلْت: نَعَمْ.
فَأَخْرَجَتْ الْحِجَابَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا، وَرَوَتْ هَذَا الْحَدِيثَ.
قَالَ فَقُلْت: لَا وَاَللَّهِ عِنْدِي مَا أُؤَدِّي، وَلَا أَنَا بِمُؤَدٍّ.
وَإِنَّمَا سَقَطَ الْحِجَابُ عَنْهَا مِنْهُ؛ لِكَوْنِهِ مَمْلُوكَهَا، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ عِتْقُهُ، وَلَا يَصِحُّ عِتْقُ مَنْ لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ، وَيَرْجِعُ عِنْدَ الْعَجْزِ إلَى كَوْنِهِ قِنًّا، وَلَوْ صَارَ حُرًّا، مَا عَادَ إلَى الرِّقِّ، وَيُفَارِقُ إعْتَاقَهُ؛ لِأَنَّهُ يُزِيلُ الرِّقَّ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَيْسَ بِعَقْدٍ، وَإِنَّمَا هُوَ إسْقَاطٌ لِلْمِلْكِ فِيهِ، وَأَمَّا بَيْعُهُ، فَلَا يُمْنَعُ مَالِكُهُ بَيْعَهُ، وَأَمَّا الْبَائِعُ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ فِيهِ مِلْكٌ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
[فَصْلٌ هِبَةُ الْمُكَاتَبِ وَالْوَصِيَّةُ بِهِ وَنَقْلُ الْمِلْكِ فِيهِ]
(8797) فَصْلٌ: وَتَجُوزُ هِبَتُهُ، وَالْوَصِيَّةُ بِهِ، وَنَقْلُ الْمِلْكِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى بَيْعِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ مَنَعَ هِبَتَهُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا وَرَدَ بِبَيْعِهِ.
وَالصَّحِيحُ جَوَازُهَا؛ لِأَنَّ مَا كَانَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، ثَبَتَ الْحُكْمُ فِيهِ.
[مَسْأَلَةٌ مُشْتَرِي الْمُكَاتَبِ]
(8798) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَمُشْتَرِيه يَقُومُ فِيهِ مَقَامَ الْمُكَاتِبِ، فَإِذَا أَدَّى، صَارَ حُرًّا.
وَوَلَاؤُهُ لِمُشْتَرِيهِ، فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي أَنَّهُ مُكَاتَبٌ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ فِي الثَّمَنِ، أَوْ يَأْخُذَ مَا بَيَّنَهُ سَلِيمًا وَمُكَاتَبًا
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَنْفَسِخُ بِالْبَيْعِ، وَلَا يَجُوزُ إبْطَالُهَا.
لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ بَيْعَ السَّيِّدِ مُكَاتَبَهُ عَلَى أَنْ يُبْطِلَ كِتَابَتَهُ بِبَيْعِهِ، إذَا كَانَ مَاضِيًا فِيهَا، مُؤَدِّيًا مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ نُجُومِهِ فِي أَوْقَاتِهَا، غَيْرُ جَائِزٍ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا عَقْدٌ لَازِمٌ، فَلَا تَبْطُلُ بِبَيْعِ، الْعَبْدِ، كَإِجَارَتِهِ وَنِكَاحِهِ، وَيَبْقَى عَلَى كِتَابَتِهِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَعَلَى نُجُومِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ مُبْقًى عَلَى مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ، وَيُؤَدِّي إلَى الْمُشْتَرِي، كَمَا كَانَ يُؤَدِّي إلَى الْبَائِعِ، فَإِنْ عَجَزَ، فَهُوَ عَبْدٌ لِمُشْتَرِيهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ سَيِّدَهُ، وَإِنْ أَدَّى، عَتَقَ، وَوَلَاؤُهُ لِمُشْتَرِيهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُكَاتِبِ فِيهِ انْتَقَلَ إلَى الْمُشْتَرِي، فَصَارَ الْمُشْتَرِي هُوَ الْمُعْتِقَ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَائِشَةَ: «ابْتَاعِي، وَأَعْتِقِي، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» . وَلَمَّا أَرَادَ أَهْلُهَا اشْتِرَاطَ وَلَائِهَا، أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَأَخْبَرَ بِبُطْلَانِهِ.
وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي كَوْنَهُ مُكَاتَبًا، ثُمَّ عَلِمَ ذَلِكَ، فَلَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ، أَوْ أَخْذُ الْأَرْشِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَيْبٌ، لِكَوْنِ الْمُشْتَرِي لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ كَسْبَهُ، وَلَا اسْتِخْدَامَهُ، وَلَا الْوَطْءَ إنْ كَانَتْ أَمَةً، وَقَدْ انْعَقَدَ سَبَبُ زَوَالِ الْمِلْكِ فِيهِ، فَيَمْلِكُ الْفَسْخَ بِذَلِكَ، كَمُشْتَرِي الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ أَوْ الْمَعِيبَةِ، فَيَتَخَيَّرُ حِينَئِذٍ بَيْنَ فَسْخِ الْبَيْعِ وَالرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ، وَبَيْنَ إمْسَاكِهِ وَأَخْذِ الْأَرْشِ، وَهُوَ قِسْطُ مَا بَيْنَهُ مُكَاتَبًا وَبَيْنَهُ رَقِيقًا قِنًّا، فَيُقَالُ: كَمْ قِيمَتُهُ مُكَاتَبًا، وَكَمْ قِيمَتُهُ لَوْ كَانَ غَيْرَ مُكَاتَبٍ؟ فَإِذَا قِيلَ: قِيمَتُهُ مُكَاتَبًا مِائَةٌ، وَقِيمَتُهُ غَيْرَ مُكَاتَبٍ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ.
وَالثَّمَنُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ، فَقَدْ نَقَصَتْهُ الْكِتَابَةُ ثُلُثَ قِيمَتِهِ، فَيَرْجِعُ بِثُلُثِ ثَمَنِهِ، وَهُوَ أَرْبَعُونَ، وَلَا يَرْجِعُ بِالْخَمْسِينَ الَّتِي نَقَصَتْ بِالْكِتَابَةِ مِنْ قِيمَتِهِ، عَلَى مَا قُرِّرَ فِي الْبَيْعِ.
[فَصْلٌ بَيْعُ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الْمُكَاتَبِ مِنْ نُجُومِهِ]
(8799) فَصْلٌ: فَأَمَّا بَيْعُ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الْمُكَاتَبِ مِنْ نُجُومِهِ، فَلَا يَصِحُّ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَمَالِكٌ: يَصِحُّ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُهَا فِي ذِمَّةِ الْمُكَاتَبِ، فَجَازَ بَيْعُهَا، كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ دَيْنٌ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، كَدَيْنِ السَّلَمِ، وَدَلِيلُ عَدَمِ الِاسْتِقْرَارِ، أَنَّهُ مُعَرَّضٌ لِلسُّقُوطِ بِعَجْزِ الْمُكَاتَبِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ السَّيِّدُ إجْبَارَ الْعَبْدِ عَلَى أَدَائِهِ، وَلَا إلْزَامِهِ بِتَحْصِيلِهِ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، كَالْعِدَّةِ بِالتَّبَرُّعِ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْبُوضٍ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ فَإِنْ بَاعَهُ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي مُطَالَبَةُ الْمُكَاتَبِ بِتَسْلِيمِهِ إلَيْهِ، وَلَا الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ، إنْ كَانَ دَفَعَهُ إلَيْهِ.
فَإِنْ سَلَّمَ الْمُكَاتَبُ إلَى الْمُشْتَرِي نُجُومَهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَعْتِقُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ تَضَمَّنَ الْإِذْنَ فِي الْقَبْضِ، فَأَشْبَهَ قَبْضَ الْوَكِيلِ.
وَالثَّانِي، لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَنِبْهُ فِي الْقَبْضِ، وَإِنَّمَا قَبَضَ لِنَفْسِهِ بِحُكْمِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، فَكَانَ الْقَبْضُ أَيْضًا فَاسِدًا، وَلَمْ يَعْتِقْ، بِخِلَافِ وَكِيلِهِ، فَإِنَّهُ اسْتَنَابَهُ.
وَلَوْ صَرَّحَ بِالْإِذْنِ فَلَيْسَ بِمُسْتَنِيبٍ لَهُ فِي الْقَبْضِ، وَإِنَّمَا إذْنُهُ بِحُكْمِ الْمُعَاوَضَةِ، فَلَا فَرْقَ بَيْن التَّصْرِيحِ وَعَدَمِهِ.
فَإِنْ قُلْنَا: يَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ بَرِئَ الْمُكَاتَبُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ، وَيَرْجِعُ السَّيِّدُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِمَا قَبَضَهُ؛ لِأَنَّهُ كَالنَّائِبِ عَنْهُ.
فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ، وَكَانَ قَدْ تَلِفَ، تَقَاصَّا بِقَدْرِ أَقَلِّهِمَا، وَرَجَعَ ذُو الْفَضْلِ بِفَضْلِهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَعْتِقُ بِذَلِكَ.
فَمَالُ الْكِتَابَةِ بَاقٍ عَلَى الْمُكَاتَبِ، وَيَرْجِعُ الْمُكَاتَبُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِمَا دَفَعَهُ إلَيْهِ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ.
فَإِنْ سَلَّمَهُ الْمُشْتَرِي إلَى الْبَائِعِ، لَمْ يَصِحَّ التَّسْلِيمُ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُكَاتَبِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَهُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ مَالِ الْكِتَابَةِ تَرَاجَعَا بِمَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ.
وَإِنْ بَاعَهُ مَا أَخَذَهُ بِمَالِهِ فِي ذِمَّتِهِ، وَكَانَ مِمَّا يَجُوزُ الْبَيْعُ فِيهِ، جَازَ إذَا كَانَ مَا قَبَضَهُ السَّيِّدُ، بَاقِيًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَلِفَ، وَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ، وَكَانَتْ مِنْ جِنْسِ مَالِ الْكِتَابَةِ، تَقَاصَّا، وَإِنْ كَانَ الْمَقْبُوضُ مِنْ جِنْسِ مَالِ الْكِتَابَةِ، فَتَحَاسَبَا بِهِ، جَازَ.
[فَصْلٌ كَانَتْ الْمُكَاتَبَةُ ذَاتَ وَلَدٍ يَتْبَعُهَا فِي الْكِتَابَةِ فَبَاعَهُمَا مَعًا]
(8800) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَتْ الْمُكَاتَبَةُ ذَاتَ وَلَدٍ يَتْبَعُهَا فِي الْكِتَابَةِ، فَبَاعَهُمَا مَعًا، صَحَّ؛ لِأَنَّهُمَا مِلْكُهُ، وَلَا مَانِعَ مِنْ بَيْعِهِمَا، وَيَكُونَانِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، كَمَا كَانَا عِنْدَ الْبَائِعِ، سَوَاءً.
وَإِنْ بَاعَ أَحَدُهُمَا دُونَ صَاحِبِهِ، أَوْ بَاعَ أَحَدُهُمَا لَرَجُلٍ، وَبَاعَ الْآخَرُ لِغَيْرِهِ، لَمْ يَصِحَّ، لِوَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا فِي الْبَيْعِ إلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ.
فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَالثَّانِي، أَنَّ الْوَلَدَ تَابِعٌ لِأُمِّهِ، وَلَهَا كَسْبُهُ، وَعَلَيْهَا نَفَقَتُهُ، وَصَارَ فِي مَعْنَى مَمْلُوكِهَا، فَلَمْ يَجُزْ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ إذَا كَانَ بَالِغًا؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِلْبَيْعِ، صَدَرَ فِيهِ التَّصَرُّفُ مِنْ أَهْلِهِ، وَيَكُونُ عِنْدَ مَنْ هُوَ عِنْدَهُ، عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ بَيْعِهِ، لَهَا كَسْبُهُ، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهَا نَفَقَتُهُ، وَيَعْتِقُ بِعِتْقِهَا، كَمَا لَوْ بِيعَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ وَصَّى السَّيِّد بِالْمُكَاتَبِ لَرَجُلٍ]
(8801) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى بِالْمُكَاتَبِ لَرَجُلٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَالَ أَحْمَدُ الْوَصِيَّةُ بِهِ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَرَى بَيْعَهُ، وَكَذَلِكَ هِبَتَهُ، وَيَقُومُ مَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ مَقَامَ مُكَاتِبِهِ فِي الْأَدَاءِ إلَيْهِ، وَإِنْ عَجَزَ، عَادَ إلَيْهِ رَقِيقًا لَهُ قِنًّا، وَإِنْ عَتَقَ، فَالْوَلَاءُ لَهُ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمُشْتَرِي، سَوَاءٌ، فَإِنْ عَجَزَ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي، لَمْ تَبْطُلْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ رِقَّهُ لَا يُنَافِي الْوَصِيَّةَ.
وَإِنْ أَدَّى وَعَتَقَ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ.
وَمَنْ مَنَعَ بَيْعَ الْمُكَاتَبِ، مَنَعَ الْوَصِيَّةَ فِيهِ، وَهِبَتَهُ.
فَإِنْ قَالَ: إنْ عَجَزَ وَرَقَّ، فَهُوَ لَك بَعْدَ مَوْتِي.
صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ، إذَا عَجَزَ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي، وَإِنْ عَجَزَ بَعْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَسْتَحِقَّهُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ بَطَلَ بِمَوْتِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ، فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي.
فَلَمْ يَدْخُلْهَا حَتَّى مَاتَ سَيِّدُهُ.
وَإِنْ قَالَ: إنْ عَجَزْت بَعْدَ مَوْتِي، فَهُوَ لَك.
فَهَذَا تَعْلِيقٌ لِلْوَصِيَّةِ عَلَى صِفَةٍ، تُوجَدُ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي صِحَّتِهَا وَجْهَيْنِ.
[فَصْلٌ وَصَّى السَّيِّد بِكِتَابَتِهِ لِرَجُلِ]
(8802) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى بِكِتَابَتِهِ لِرَجُلٍ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهَا تَصِحُّ بِمَا لَيْسَ بِمُسْتَقِرٍّ، كَمَا تَصِحُّ بِمَا لَا يَمْلِكُهُ فِي الْحَالِ؛ مِنْ ثَمَرَةِ شَجَرَةٍ، وَحَمْلِ جَارِيَتِهِ.
وَلِلْمُوصَى لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمَالَ عِنْدَ حُلُولِهِ، وَلَهُ أَنْ يُبْرِئَ مِنْهُ؛ فَإِذَا اسْتَوْفَاهُ، أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ، عَتَقَ الْمُكَاتَبُ، وَالْوَلَاءُ لِسَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُنْعِمُ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ، فَأَرَادَ الْوَارِثُ تَعْجِيزَهُ، وَأَرَادَ الْمُوصَى لَهُ إنْظَارَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَارِثِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُوصَى لَهُ فِي الْمَالِ مَا دَامَ الْعَقْدُ قَائِمًا، وَحَقُّ الْوَارِثِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، إذَا عَجَزَهُ يَرُدُّهُ فِي الرِّقِّ، وَلَيْسَ لِلْمُوصَى لَهُ إبْطَالُ حَقِّ الْوَارِثِ مِنْ تَعْجِيزِهِ.
وَإِنْ أَرَادَ الْوَارِثُ إنْظَارَهُ، وَأَرَادَ الْمُوصَى لَهُ تَعْجِيزَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي التَّعْجِيزِ وَالْفَسْخِ لِلْوَارِثِ، وَلَا حَقَّ لِلْمُوصَى لَهُ فِي ذَلِكَ، وَلَا بَيْعَ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ يَسْقُطُ بِهِ.
وَمَتَى عَجَزَ، عَادَ عَبْدًا لِلْوَرَثَةِ.
وَإِنْ وَصَّى لَرَجُلٍ بِمَا تَعَجَّلَهُ الْمُكَاتَبُ، صَحَّ؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ بِصِفَةٍ، فَإِنْ عَجَّلَ شَيْئًا، فَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُعَجِّلْ شَيْئًا حَتَّى حَلَّتْ نُجُومُهُ، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ.
[فَصْلٌ وَصَّى بِمَالِ الْكِتَابَةِ لَرَجُلٍ وَبِرَقَبَتِهِ لِآخَرَ]
(8803) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى بِمَالِ الْكِتَابَةِ لَرَجُلٍ، وَبِرَقَبَتِهِ لِآخَرَ، صَحَّتْ الْوَصِيَّتَانِ؛ فَإِنْ أَدَّى إلَى صَاحِبِ الْمَالِ، أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ، عَتَقَ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَتَبْطُلُ وَصِيَّةُ صَاحِبِ الرَّقَبَةِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَبْطُلَ، وَيَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي اسْتِحْقَاقِ الرَّقَبَةِ، وَلَوْ لَمْ يُوصِ بِهَا لَكَانَ الْوَلَاءُ لَهُ، فَإِذَا وَصَّى بِهَا كَانَ الْوَلَاءُ لِمَنْ وَصَّى لَهُ بِهَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَصَّى لَهُ بِالْمُكَاتَبِ مُطْلَقًا، لَكَانَ الْوَلَاءُ لَهُ، فَكَذَلِكَ إذَا وَصَّى بِرَقَبَتِهِ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ يُسْتَفَادُ مِنْ الْوَصِيَّةِ بِالرَّقَبَةِ دُونَ الْوَصِيَّةِ بِالْمَالِ.
وَإِنْ عَجَزَ، فَسَخَ صَاحِبُ الرَّقَبَةِ كِتَابَتَهُ، وَكَانَ رَقِيقًا لَهُ، وَبَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ.
وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْمَالِ قَدْ قَبَضَ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْئًا، فَهُوَ لَهُ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي فَسْخِ الْكِتَابَةِ عِنْدَ الْعَجْزِ قُدِّمَ قَوْلُ صَاحِبِ الرَّقَبَةِ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْوَرَثَةِ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَقِيَاسُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، أَنَّهُ لَوْ وَصَّى لَرَجُلٍ بِرَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ دُونَ مَالِ الْكِتَابَةِ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالرَّقَبَةِ دُونَ الْمَالِ صَحِيحَةٌ، فِيمَا إذَا وَصَّى بِهَا لَرَجُلٍ وَحْدَهُ، وَأَوْصَى بِالْمَالِ لِآخَرَ.
[فَصْلٌ كَانَتْ الْكِتَابَةُ فَاسِدَةً فَأَوْصَى لَرَجُلٍ بِمَا فِي ذِمَّةِ الْمُكَاتَبِ]
(8804) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَتْ الْكِتَابَةُ فَاسِدَةً، فَأَوْصَى لَرَجُلٍ بِمَا فِي ذِمَّةِ الْمُكَاتَبِ، لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ فِي ذِمَّتِهِ.
وَإِنْ قَالَ: وَصَّيْت لَك بِمَا أَقْبِضُهُ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ.
صَحَّ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ الْفَاسِدَةَ يُؤَدَّى فِيهَا الْمَالُ، كَمَا يُؤَدَّى فِي الصَّحِيحَةِ.
وَإِنْ وَصَّى بِرَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ، صَحَّ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِرَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ تَصِحُّ فِي الْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ، فَفِي الْفَاسِدَةِ أُولَى.
[فَصْلٌ الْوَصِيَّةُ لِمُكَاتَبِهِ]
(8805) فَصْلٌ: وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِمُكَاتَبِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعَ سَيِّدِهِ فِي الْمُعَامَلَةِ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ زَكَاتَهُ.
فَإِنْ قَالَ: ضَعُوا عَنْ مُكَاتَبِي بَعْضَ كِتَابَتِهِ، أَوْ بَعْضَ مَا عَلَيْهِ وَضَعُوا مَا شَاءُوا، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، مِنْ أَوَّلِ نُجُومِهِ أَوْ مِنْ
آخِرِهَا.
وَإِنْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ نَجْمًا مِنْ نُجُومِهِ.
فَلَهُمْ أَنْ يَضَعُوا أَيَّ نَجْمٍ شَاءُوا، كَمَا لَوْ قَالَ: ضَعُوا أَيَّ نَجْمٍ شِئْتُمْ.
وَسَوَاءٌ كَانَتْ نُجُومُهُ مُتَّفِقَةً أَوْ مُخْتَلِفَةً؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُ وَاحِدًا مِنْهَا غَيْرُ مُعَيَّنٍ.
وَإِنْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ أَيَّ نَجْمٍ شَاءَ.
كَانَ ذَلِكَ إلَى مَشِيئَتِهِ، فَيَلْزَمُهُمْ وَضْعُ النَّجْمِ الَّذِي يَخْتَارُ وَضْعَهُ؛ لِأَنَّ سَيِّدَهُ جَعَلَ الْمَشِيئَةَ لَهُ.
وَإِنْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ أَكْبَرَ نُجُومِهِ.
لَزِمَهُمْ أَنْ يَضَعُوا أَكْبَرَهَا مَالًا؛ لِأَنَّهُ أَكْبَرُهَا قَدْرًا.
وَإِنْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ أَكْثَرَ نُجُومِهِ.
لَزِمَهُمْ أَنْ يَضَعُوا عَنْهُ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِهَا؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الشَّيْءِ يَزِيدُ عَلَى نِصْفِهِ، فَإِذَا كَانَتْ نُجُومُهُ خَمْسَةً، وَضَعُوا ثَلَاثَةً، وَإِنْ كَانَتْ سِتَّةً، وَضَعُوا أَرْبَعَةً.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْصَرِفَ ذَلِكَ إلَى وَاحِدٍ مِنْهَا أَكْبَرُهَا مَالًا، بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: أَكْبَرَ نُجُومِهِ.
فَإِنْ كَانَتْ نُجُومُهُ مُتَسَاوِيَةً، تَعَيَّنَ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ.
وَإِنْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ أَوْسَطَ نُجُومِهِ.
فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا وَسَطٌ وَاحِدٌ، تَعَيَّنَتْ الْوَصِيَّةُ فِيهِ، مِثْلَ أَنْ تَكُونَ نُجُومُهُ مُتَسَاوِيَةَ الْقَدْرِ وَالْأَجَلِ، وَعَدَدُهَا مُنْفَرِدٌ، فَيَتَعَيَّنُ وَضْعُ أَوْسَطِهَا عَدَدًا، فَإِذَا كَانَتْ خَمْسَةً، فَالْأَوْسَطُ الثَّالِثُ، وَإِنْ كَانَتْ سَبْعَةً، فَالْأَوْسَطُ الرَّابِعُ، وَإِنْ كَانَ عَدَدُهَا مُزْدَوَجًا، وَهِيَ مُخْتَلِفَةُ الْمِقْدَارِ، فَبَعْضُهَا مِائَةٌ، وَبَعْضُهَا مِائَتَانِ، وَبَعْضُهَا ثَلَاثُمِائَةٍ، فَأَوْسَطُهَا الْمِائَتَانِ، فَتَعَيَّنَ الْوَصِيَّةُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَوْسَطُهَا.
وَإِنْ كَانَتْ مُتَسَاوِيَةَ الْقَدْرِ، مُخْتَلِفَةَ الْأَجَلِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ اثْنَانِ مِنْهَا إلَى شَهْرٍ، وَوَاحِدٌ إلَى شَهْرَيْنِ، وَوَاحِدٌ إلَى ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، تَعَيَّنَتْ الْوَصِيَّةُ فِيمَا هُوَ إلَى شَهْرَيْنِ، لِأَنَّهَا أَوْسَطُهَا.
وَإِنْ اتَّفَقَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةُ فِي وَاحِدٍ، تَعَيَّنَتْ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَ لَهَا أَوْسَطُ فِي الْقَدْرِ، وَأَوْسَطُ فِي الْأَجَلِ، وَأَوْسَطُ فِي الْعَدَدِ، يُخَالِفُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَذَلِكَ إلَى اخْتِيَارِ الْوَرَثَةِ، فَلَهُمْ وَضْعُ مَا شَاءُوا مِنْهَا.
وَإِنْ اخْتَلَفَ الْوَرَثَةُ وَالْمُكَاتَبُ، فِيمَا أَرَادَ الْمُوصِي مِنْهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَرَثَةِ مَعَ أَيْمَانِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَا أَرَادَ الْمُوصِي، ثُمَّ التَّعْيِينُ إلَيْهِمْ.
وَمَتَى كَانَ فِيهَا أَوْسَطَانِ، عَيَّنَ الْوَرَثَةُ أَحَدَهُمَا.
وَمَتَى كَانَ الْعَدَدُ وِتْرًا، فَأَوْسَطُهُ وَاحِدٌ.
وَإِنْ كَانَ شَفْعًا، كَأَرْبَعَةٍ وَسِتَّةٍ، فَأَوْسَطُهُ اثْنَانِ.
وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِيمَا إذَا وَصَّى بِأَوْسَطِ نُجُومِهِ.
وَإِنْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ مَا خَفَّ.
أَوْ قَالَ: مَا يَثْقُلُ، أَوْ مَا يَكْثُرُ.
كَانَ ذَلِكَ إلَى تَقْدِيرِ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَخِفُّ إلَى جَنْبِ مَا هُوَ أَخَفُّ مِنْهُ، كَمَا قَالَ أَصْحَابُنَا فِيمَا إذَا وَصَّى بِمَالٍ عَظِيمٍ، أَوْ كَثِيرٍ، أَوْ ثَقِيلٍ، أَوْ خَفِيفٍ.
وَإِنْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ أَكْثَرَ مَا عَلَيْهِ.
وُضِعَ عَنْهُ النِّصْفُ، وَأَدْنَى زِيَادَةٍ.
وَإِنْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ أَكْثَرَ مَا عَلَيْهِ، وَمِثْلَ نِصْفِهِ.
فَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ، وَأَدْنَى زِيَادَةٍ.
وَإِنْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ أَكْثَرَ مَا عَلَيْهِ، وَمِثْلَهُ.
فَذَلِكَ الْكِتَابَةُ كُلُّهَا، وَزِيَادَةٌ عَلَيْهَا، فَيَصِحُّ فِي الْكِتَابَةِ، وَيَبْطُلُ فِي الزِّيَادَةِ؛ لِعَدَمِ مَحَلِّهَا.
وَإِنْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ مَا شَاءَ.
فَشَاءَ وَضْعَ كُلِّ مَا عَلَيْهِ، وُضِعَ مَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ وَصِيَّتَهُ تَتَنَاوَلُهُ.
وَإِنْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ مَا شَاءَ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ.
لَمْ يَكُنْ لَهُ وَضْعُ الْكُلِّ؛ لِأَنَّ " مِنْ " لِلتَّبْعِيضِ، فَلَا تَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ كَنَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
[مَسْأَلَةٌ اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ أَبَاهُ أَوْ ذَا رَحِمِهِ]
(8806) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ أَبَاهُ، أَوْ ذَا رَحِمِهِ مِنْ الْمُحَرَّمِ عَلَيْهِ نِكَاحُهُ، لَمْ يَعْتِقُوا حَتَّى يُؤَدِّيَ وَهُمْ فِي مِلْكِهِ، فَإِنْ عَجَزَ، فَهُمْ عَبِيدٌ لِسَيِّدِهِ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ: (8807) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ، أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ ذَوِي أَرْحَامِهِ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، بِغَيْرِ إذْنِ.
سَيِّدِهِ.
وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ يُؤَدِّي إلَى إتْلَافِ مَالِهِ، لِأَنَّهُ يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ مَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، فِي مُقَابَلَةِ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، فَأَشْبَهَ الْهِبَةَ.
فَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَجُوزُ.
قَوْلًا وَاحِدًا.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ لِحَقِّ سَيِّدِهِ، فَجَازَ بِإِذْنِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: فِيهِ قَوْلَانِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ اشْتَرَى مَمْلُوكًا لَا ضَرَرَ فِي شِرَائِهِ، فَصَحَّ، كَالْأَجْنَبِيِّ، وَبَيَانُهُ أَنَّهُ يَأْخُذُ كَسْبَهُمْ، وَإِنْ عَجَزَ صَارُوا رَقِيقًا لِسَيِّدِهِ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَشْتَرِيَهُ غَيْرُهُ، فَصَحَّ شِرَاؤُهُ لَهُ، كَالْأَجْنَبِيِّ، وَيُفَارِقُ الْهِبَةَ؛ لِأَنَّهَا تُفَوِّتُ الْمَالَ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَلَا نَفْعٍ يَرْجِعُ إلَى الْمُكَاتَبِ وَلَا السَّيِّدِ، وَلِأَنَّهُ تَحَقَّقَ السَّبَبُ، وَهُوَ صُدُورُ التَّصَرُّفِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْمَانِعُ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَا أَصْلَ لَهُ يُقَاسُ عَلَيْهِ.
(8808) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ لَا يَعْتِقُونَ بِمُجَرَّدِ مِلْكِهِ لَهُمْ لِأَنَّهُ لَوْ بَاشَرَهُمْ بِالْعِتْقِ، أَوْ أَعْتَقَ غَيْرَهُمْ، لَمْ يَقَعْ الْعِتْقُ فَلَا يَقَعُ بِالشِّرَاءِ الَّذِي أُقِيمَ مَقَامَهُ.
وَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُمْ، وَلَا هِبَتُهُمْ، وَلَا إخْرَاجُهُمْ عَنْ مِلْكِهِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَهُ بَيْعُ مَنْ عَدَا الْمَوْلُودِينَ وَالْوَالِدِينَ لِأَنَّهُمْ لَيْسَتْ قَرَابَتُهُمْ قَرَابَةَ حُرِّيَّةٍ وَلَا تَعْصِيبِيَّةٍ فَأَشْبَهُوا الْأَجَانِبَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ ذُو رَحِمٍ يَعْتِقُ عَلَيْهِ إذَا عَتَقَ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، كَالْوَالِدِينَ، وَالْمَوْلُودِينَ، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بَيْعَهُمْ إذَا كَانَ حُرًّا، فَلَا يَمْلِكُهُ مُكَاتَبًا كَوَالِدَيْهِ، وَلِأَنَّهُمْ نُزِّلُوا مَنْزِلَةَ أَجْزَائِهِ، فَلَمْ يَمْلِكْ بَيْعَهُمْ، كَيَدِهِ.
فَإِذَا أَدَّى وَهُمْ فِي مِلْكِهِ، عَتَقُوا؛ لِأَنَّهُ كَمُلَ مِلْكُهُ فِيهِمْ، وَزَالَ تَعَلُّقُ حَقِّ سَيِّدِهِ عَنْهُمْ، فَعَتَقُوا حِينَئِذٍ، وَوَلَاؤُهُمْ لَهُ دُونَ سَيِّدِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ عَتَقُوا عَلَيْهِ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِ سَيِّدِهِ عَنْهُ، فَيَكُونُونَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اشْتَرَاهُمْ بَعْدَ عِتْقِهِ.
وَإِنْ عَجَزَ وَرُدَّ فِي الرِّقِّ، صَارُوا عَبِيدًا لِلسَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ مَالِهِ، فَيَصِيرُونَ لِلسَّيِّدِ بِعَجْزِهِ، كَعَبِيدِهِ الْأَجَانِبِ.
(8809) فَصْلٌ: وَكَسْبُهُمْ؛ لِلْمُكَاتِبِ؛ لِأَنَّهُمْ مَمَالِيكُهُ.
وَنَفَقَتُهُمْ عَلَيْهِ، بِحُكْمِ الْمِلْكِ لَا بِحُكْمِ الْقَرَابَةِ.
وَإِنْ أَعْتَقَهُمْ السَّيِّدُ، لَمْ يَعْتِقُوا؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُمْ، فَلَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِمْ.
وَإِنْ أَعْتَقَهُمْ الْمُكَاتَبُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، لَمْ يَعْتِقُوا؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّ سَيِّدِهِ بِهِمْ.
وَإِنْ أَعْتَقَهُمْ بِإِذْنِهِ، عَتَقُوا، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ غَيْرَهُمْ مِنْ عَبِيدِهِ.
وَإِنْ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ، عَتَقَ، وَصَارُوا رَقِيقًا لِلسَّيِّدِ، كَمَا لَوْ عَجَزَ؛ لِأَنَّ كِتَابَتَهُ تَبْطُلُ بِعِتْقِهِ، كَمَا تَبْطُلُ بِمَوْتِهِ.
وَعَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ، يَعْتِقُونَ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ قَبْلَ فَسْخِ الْكِتَابَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَعْتِقُوا، كَمَا لَوْ عَتَقَ بِالْإِبْرَاءِ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ، أَوْ بِأَدَائِهِ، يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدٌ لَازِمٌ، يَسْتَفِيدُ بِهَا الْمُكَاتَبُ مِلْكَ رَقِيقِهِ وَاكْتِسَابِهِ، وَيَبْقَى حَقُّ السَّيِّدِ فِي مِلْكِ رَقَبَتِهِ، عَلَى وَجْهٍ لَا يَزُولُ إلَّا بِالْأَدَاءِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، فَلَا يَتَسَلَّطُ السَّيِّدُ عَلَى إبْطَالِهَا فِيمَا يَرْجِعُ إلَى إبْطَالِ حَقِّ الْمُكَاتَبِ، وَإِنَّمَا يَتَسَلَّطُ عَلَى إبْطَالِ حَقِّهِ مِنْ رَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ، فَيَنْفُذُ فِي مَالِهِ دُونَ مَالِ الْمُكَاتَبِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا مِثْلَ هَذَا فِيمَا مَضَى.
وَإِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ، وَلَمْ يُخَلِّفْ وَفَاءً، عَادَ رَقِيقًا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: يَسْعَوْنَ فِي الْكِتَابَةِ عَلَى نُجُومِهَا، وَكَذَلِكَ أُمُّ وَلَدِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْوَلَدِ خَاصَّةً: إنْ جَاءَ بِالْكِتَابَةِ حَالَّةً، قُبِلَتْ مِنْهُ، وَعَتَقَ.
وَلَنَا، أَنَّهُ عَبْدٌ لِلْمُكَاتَبِ، فَصَارَ بِمَوْتِهِ لِسَيِّدِهِ إذَا لَمْ يُخَلِّفْ وَفَاءً كَالْأَجْنَبِيِّ.
وَإِنْ خَلَّفَ وَفَاءً، انْبَنَى عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي فَسْخِ الْكِتَابَةِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
[فَصْلٌ وُهِبَ لِلْمُكَاتَبِ بَعْضُ ذَوِي رَحِمِهِ]
(8810) فَصْلٌ: وَإِنْ وُهِبَ لَهُ بَعْضُ ذَوِي رَحِمِهِ، فَلَهُ قَبُولُهُ.
وَإِنْ وُصِّيَ لَهُ بِهِ، فَلَهُ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَلَكَ شِرَاءَهُ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ بَذْلِ مَالِهِ، فَلَأَنْ يَجُوزَ بِغَيْرِ عِوَضٍ أَوْلَى.
وَإِذَا مَلَكَهُ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ اشْتَرَاهُ.
[فَصْلٌ يَشْتَرِيَ الْمُكَاتَبُ امْرَأَتَهُ وَالْمُكَاتَبَةُ زَوْجَهَا]
(8811) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْمُكَاتَبُ امْرَأَتَهُ، وَالْمُكَاتَبَةُ زَوْجَهَا لِأَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ لِغَيْرِ الْمُكَاتَبِ، فَجَازَ لِلْمُكَاتَبِ، كَشِرَاءِ الْأَجَانِبِ.
وَيَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِذَلِكَ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَنْفَسِخُ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَمْلِكُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّسَرِّي، وَلَا يَعْتِقُ وَالِدُهُ وَوَلَدُهُ إذَا اشْتَرَاهُ، فَأَشْبَهَ الْعَبْدَ الْقِنَّ.
وَلَنَا، أَنَّ الْمُكَاتَبَ يَمْلِكُ مَا اشْتَرَاهُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ تَثْبُتُ لَهُ الشُّفْعَةُ عَلَى سَيِّدِهِ، وَلِسَيِّدِهِ عَلَيْهِ، وَيَجْرِي الرِّبَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ التَّسَرِّي، لِتَعَلُّقِ حَقِّ سَيِّدِهِ بِمَا فِي يَدِهِ، كَمَا يُمْنَعُ الرَّاهِنُ مِنْ الْوَطْءِ مَعَ ثُبُوتِ مِلْكِهِ، وَلَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ ذَوُو رَحِمِهِ لِذَلِكَ، فَإِذَا اشْتَرَى أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ مِنْهُ.
[فَصْلٌ زَوَّجَ السَّيِّدُ ابْنَهُ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ بِرِضَاهَا ثُمَّ مَاتَ السَّيِّدُ وَكَانَتْ مِنْ وَرَثَتِهِ]
(8812) فَصْلٌ: وَإِذَا زَوَّجَ السَّيِّدُ ابْنَهُ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ بِرِضَاهَا، ثُمَّ مَاتَ السَّيِّدُ، وَكَانَتْ مِنْ وَرَثَتِهِ، انْفَسَخَ النِّكَاحُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَرِثُهُ، وَإِنَّمَا تَمْلِكُ نَصِيبَهَا مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي
عَلَيْهِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْوَارِثَ لَوْ أَبْرَأَ الْمُكَاتَبَ مِنْ الدَّيْنِ عَتَقَ، وَكَانَ الْوَلَاءُ لِلْمَيِّتِ، لَا لِلْوَارِثِ، فَإِنْ عَجَزَ وَعَادَ رَقِيقًا، انْفَسَخَ النِّكَاحُ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهَا مَلَكَتْ نَفْسهَا مِنْهُ.
وَلَنَا، أَنَّ الْمُكَاتَبَ مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهِ، لَا يَعْتِقُ بِمَوْتِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى وَرَثَتِهِ، كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ، وَلِأَنَّهَا لَا يَجُوزُ لَهَا ابْتِدَاءُ نِكَاحِهِ لِأَجْلِ الْمِلْكِ، فَانْفَسَخَ نِكَاحُهَا بِتَجَدُّدِ ذَلِكَ فِيهِ، كَالْعَبْدِ الْقِنِّ، وَأَمَّا كَوْنُ الْوَلَاءِ لِلْمَيِّتِ، فَلِأَنَّ السَّبَبَ وُجِدَ مِنْهُ، فَنُسِبَ الْعِتْقُ إلَيْهِ، وَثَبَتَ الْوَلَاءُ لَهُ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَرِثَهُ كُلَّهُ، أَوْ تَرِثَ نَصِيبَهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا إذَا مَلَكَتْ مِنْهُ جُزْءًا، انْفَسَخَ النِّكَاحُ فِيهِ فَبَطَلَ فِي بَاقِيه؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَتْ زَوْجَهَا، أَوْ جُزْءًا مِنْهُ، أَوْ وَرِثَتْ شَيْئًا مِنْ الْعَبْدِ الْقِنِّ، بَطَلَ نِكَاحُهَا.
وَإِنْ كَانَتْ لَا تَرِثُ أَبَاهَا، لِمَانِعٍ مِنْ مَوَانِعِ الْمِيرَاثِ، فَنِكَاحُهَا بَاقٍ بِحَالِهِ.
وَالْحُكْمُ فِي سَائِرِ الْوَرَثَةِ مِنْ النِّسَاءِ، كَالْحُكْمِ فِي الْبِنْتِ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ مُكَاتَبَةً، فَوَرِثَهَا، أَوْ وَرِثَ شَيْئًا مِنْهَا، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ لِذَلِكَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ كَانَ الْعَبْد لِثَلَاثَةِ فَجَاءَهُمْ بِثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَقَالَ بِيعُونِي نَفْسِي بِهَا فَأَجَابُوهُ]
(8813) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا كَانَ الْعَبْد لِثَلَاثَةِ، فَجَاءَهُمْ بِثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: بِيعُونِي نَفْسِي بِهَا.
فَأَجَابُوهُ، فَلَمَّا عَادَ إلَيْهِمْ لِيَكْتُبُوا لَهُ كِتَابًا، أَنْكَرَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَكُونَ أَخَذَ شَيْئًا، وَشَهِدَ الرَّجُلَانِ عَلَيْهِ بِالْأَخْذِ، فَقَدْ صَارَ الْعَبْدُ حُرًّا بِشَهَادَةِ الشَّرِيكَيْنِ، إذَا كَانَا عَدْلَيْنِ، وَيُشَارِكُهُمَا فِيمَا أَخَذَا مِنْ الْمَالِ، وَلَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ شَيْءٌ اعْتَرَضَ عَلَى الْخِرَقِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، حَيْثُ أَجَازَ لَهُ شِرَاءَ نَفْسِهِ بِعَيْنِ مَا فِي يَدِهِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ فِي بَابِ الْعِتْقِ: إذَا قَالَ الْعَبْدُ لَرَجُلٍ: اشْتَرِنِي مِنْ سَيِّدِي بِهَذَا الْمَالِ، وَأَعْتِقْنِي فَاشْتَرَاهُ بِعَيْنِ الْمَالِ، كَانَ الشِّرَاءُ وَالْعِتْقُ بَاطِلَيْنِ وَيَكُونُ السَّيِّدُ قَدْ أَخَذَ مَالَهُ.
وَقَدْ أَجَابَ الْقَاضِي عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ بِوُجُوهِ؛ مِنْهَا، أَنْ يَكُونَ مُكَاتَبًا، وَقَوْلُهُ: بِيعُونِي مِنْ نَفْسِي بِهَذِهِ.
أَيْ أُعَجِّلُ لَكُمْ الثَّلَاثَمِائَةِ، وَتَضَعُونَ عَنِّي مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِي.
وَلِهَذَا ذَكَرَهُمَا فِي بَابِ الْمُكَاتَبِ.
الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمَالُ فِي يَدِ الْعَبْدِ لِأَجْنَبِيٍّ قَالَ لَهُ: اشْتَرِ نَفْسَك بِهَا.
مِنْ غَيْرِ أَنْ يُمَلِّكَهُ إيَّاهَا.
الثَّالِثُ، أَنْ يَكُونَ عِتْقًا بِصِفَةٍ، تَقْدِيرُهُ: إذَا قَبَضْنَا مِنْك هَذِهِ الدَّرَاهِمَ، فَأَنْتَ حُرٌّ.
الرَّابِعُ، أَنْ يَكُونَ رَضِيَ سَادَتُهُ بِبَيْعِهِ نَفْسَهُ بِمَا فِي يَدِهِ، وَفِعْلُهُمْ ذَلِكَ مَعَهُ إعْتَاقٌ مِنْهُمْ لَهُ مَشْرُوطًا بِتَأْدِيَةِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، فَتَكُونَ صُورَتُهُ صُورَةَ الْبَيْعِ وَمَعْنَاهُ الْعِتْقَ بِشَرْطِ الْأَدَاءِ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُك نَفْسَك بِخِدْمَتِي سَنَةً.
فَإِنَّ مَنَافِعَهُ مَمْلُوكَةٌ لِسَيِّدِهِ، وَقَدْ صَحَّ هَذَا فِيهَا فَكَانَ هَاهُنَا.
وَهَذَا الْوَجْهُ أَظْهَرُهَا، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلٍ، وَمَتَى أَمْكَنَ حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى ظَاهِرِهِ، لَمْ يَجُزْ تَأْوِيلُهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.
وَإِذَا تَعَذَّرَ هَذَا، فَمَتَى اشْتَرَى الْعَبْدُ نَفْسَهُ مِنْ سَادَتِهِ، عَتَقَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يُخْرِجُهُ مِنْ مِلْكِهِمْ، وَلَا يَثْبُتُ
عَلَيْهِ مِلْكٌ آخَرُ، إلَّا أَنَّهُ هَاهُنَا لَا يَعْتِقُ إلَّا بِالْقَبْضِ؛ لِأَنَّا جَعَلْنَاهُ عِتْقًا مَشْرُوطًا بِالْقَبْضِ.
وَبِهَذَا قَالَ الْخِرَقِيِّ: فَقَدْ صَارَ الْعَبْدُ حُرًّا بِشَهَادَةِ الشَّرِيكَيْنِ اللَّذَيْنِ شَهِدَا بِالْقَبْضِ.
وَلَوْ عَتَقَ بِالْبَيْعِ، لَعَتَقَ بِاعْتِرَافِهِمْ بِهِ، لَا بِالشَّهَادَةِ بِالْقَبْضِ.
وَمَتَى أَنْكَرَ أَحَدُهُمْ أَخْذَ نَصِيبِهِ مِنْ الثَّمَنِ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ شَرِيكَاهُ، وَكَانَا عَدْلَيْنِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا عَدْلَانِ شَهِدَا لِلْعَبْدِ بِأَدَاءِ مَا يَعْتِقُ بِهِ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، كَالْأَجْنَبِيَّيْنِ، وَرَجَعَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ عَلَيْهِمَا فَيُشَارِكُهُمَا فِيمَا أَخَذَاهُ؛ لِأَنَّهُمَا اعْتَرَفَا بِأَخْذِ مِائَتَيْنِ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ، وَالْعَبْدُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ، فَثَمَنُهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ، وَلِأَنَّ مَا فِي يَدِ الْعَبْدِ لَهُمْ، وَاَلَّذِي أَخَذَاهُ كَانَ فِي يَدِهِ، فَيَجِبُ أَنْ يَشْتَرِكَ الْجَمِيعُ فِيهِ، وَيَكُونَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَشَهَادَتُهُمَا فِيمَا لَهُمَا فِيهِ نَفْعٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَدَفْعُ مُشَارَكَتِهِ لَهُمَا فِيهِ نَفْعٌ لَهُمَا، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا فِيهِ، وَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا فِيمَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْعَبْدُ، دُونَ مَا يَنْتَفِعَانِ بِهِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ لَغَيْرِهِمَا لَهُمَا فِيهِ نَفْعٌ، فَإِنَّ إقْرَارَهُمَا يُقْبَلُ فِيمَا عَلَيْهِمَا، دُونَ مَالَهُمَا.
وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُمَا عَلَى شَرِيكِهِمَا بِالْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُمَا يَدْفَعَانِ بِهَا عَنْ أَنْفُسِهِمَا مَغْرَمًا، وَمَنْ شَهِدَ شَهَادَةً جَرَّ إلَى نَفْسِهِ نَفْعًا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ فِي الْكُلِّ، وَإِنَّمَا يُقْبَلُ ذَلِكَ فِي الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِيهِ، وَالتُّهْمَةَ لَا تَمْنَعُ مِنْ صِحَّتِهِ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ.
فَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ، يَعْتِقُ نَصِيبُ الشَّاهِدَيْنِ بِإِقْرَارِهِمَا، وَيَبْقَى نَصِيبُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ مَوْقُوفًا عَلَى الْقَبْضِ، وَلَهُ مُطَالَبَتُهُ بِنَصِيبِهِ، أَوْ مُشَارَكَةُ صَاحِبِهِ فِيمَا أَخَذَ.
فَإِنْ شَارَكَهُمَا، أَخَذَ مِنْهُمَا ثُلُثَيْ مِائَةٍ، وَرَجَعَ عَلَى الْعَبْدِ بِتَمَامِ الْمِائَةِ، وَلَا يَرْجِعُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ، لِأَنَّهُ إنْ أَخَذَ مِنْ الْعَبْدِ، فَهُوَ يَقُولُ: ظَلَمَنِي، وَأَخَذَ مِنِّي مَرَّتَيْنِ.
وَإِنْ أَخَذَ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ، فَهُمَا يَقُولَانِ: ظَلَمَنَا، وَأَخَذَ مِنَّا مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْنَا.
وَلَا يَرْجِعُ الْمَظْلُومُ عَلَى غَيْرِ ظَالِمِهِ.
وَإِنْ كَانَا غَيْرَ عَدْلَيْنِ، فَكَذَلِكَ، سَوَاءٌ قُلْنَا: إنَّ شَهَادَةَ الْعَدْلَيْنِ مَقْبُولَةٌ.
أَوْ لَا؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْعَدْلِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَإِنَّمَا يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ.
وَإِنْ أَنْكَرَ الثَّالِثُ الْبَيْعَ فَنَصِيبُهُ بَاقٍ عَلَى الرِّقِّ، إذَا حَلَفَ، إلَّا أَنْ يَشْهَدَا عَلَيْهِ بِالْبَيْعِ، يَكُونَانِ عَدْلَيْنِ، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ نَفْعًا.
[فَصْلٌ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَكَاتَبَاهُ بِمِائَةٍ فَادَّعَى دَفْعَهَا إلَيْهِمَا وَصَدَّقَاهُ]
(8814) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ، فَكَاتَبَاهُ بِمِائَةٍ، فَادَّعَى دَفْعَهَا إلَيْهِمَا، وَصَدَّقَاهُ، عَتَقَ، فَإِنْ أَنْكَرَ، أَوْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا مَعَ أَيْمَانِهِمَا.
وَإِنْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ، عَتَقَ نَصِيبُ الْمُقِرِّ، وَأَمَّا الْمُنْكِرُ، فَعَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، تُقْبَلُ شَهَادَةُ شَرِيكِهِ عَلَيْهِ، إذَا كَانَ عَدْلًا، فَيَحْلِفُ الْعَبْدُ مَعَ شَهَادَتِهِ، وَيَصِيرُ حُرًّا، وَيَرْجِعُ الْمُنْكِرُ
عَلَى الشَّاهِدِ، فَيُشَارِكُهُ فِيمَا أَخَذَهُ.
وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَيَقْتَضِي أَنْ لَا تُسْمَعَ شَهَادَةُ شَرِيكِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ بِشَهَادَتِهِ عَنْ نَفْسِهِ مَغْرَمًا، وَالْقَوْلُ قَوْلُ سَيِّدِهِ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِذَا حَلَفَ، فَلَهُ مُطَالَبَةُ شَرِيكِهِ بِنِصْفِ مَا اعْتَرَفَ بِهِ، وَهُوَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ؛ لِأَنَّ مَا قَبَضَهُ كَسْبُ الْعَبْدِ، وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَالْمُنْكِرُ يُنْكِرُ قَبْضَ شَرِيكِهِ، فَكَيْفَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ؟ قُلْنَا: إنَّمَا يُنْكِرُ قَبْضَ نَفْسِهِ، وَشَرِيكُهُ مُقِرٌّ بِالْقَبْضِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَبَضَ، فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ، وَإِذَا أَقَرَّ بِمُتَصَوَّرٍ، لَزِمَهُ حُكْمُ إقْرَارِهِ، وَمِنْ حُكْمِهِ جَوَازُ رُجُوعِ شَرِيكِهِ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِاثْنَيْنِ، فَوَفَّى أَحَدَهُمَا، لَمْ يَرْجِع الْآخَرُ عَلَى شَرِيكِهِ فَلِمَ يَرْجِع هَاهُنَا؟ قُلْنَا: إنْ كَانَ الدَّيْنُ ثَابِتًا بِسَبَبِ وَاحِدٍ، فَمَا قَبَضَ أَحَدُهُمَا مِنْهُ، يَرْجِع الْآخَرُ عَلَيْهِ بِهِ، كَمَسْأَلَتِنَا، وَعَلَى أَنَّ هَذَا يُفَارِقُ الدَّيْنَ؛ لِكَوْنِ الدَّيْنِ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا فِي يَدِ الْغَرِيمِ، إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ فَحَسْبُ، وَالسَّيِّدُ يَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بِمَا فِي يَدِ الْمُكَاتَبِ، فَلَا يَدْفَعُ شَيْئًا مِنْهُ إلَى أَحَدِهِمَا، إلَّا كَانَ حَقُّ الْآخَرِ ثَابِتًا فِيهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إنْ رَجَعَ عَلَى الْعَبْدِ بِخَمْسِينَ، اسْتَقَرَّ مِلْكُ الشَّرِيكِ فِيهِ عَلَى مَا أَخَذَهُ، وَلَمْ يَرْجِعْ الْعَبْدُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَبَضَ حَقَّهُ.
وَإِنْ رَجَعَ عَلَى الشَّرِيكِ، رَجَعَ عَلَيْهِ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ، وَعَلَى الْعَبْدِ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ، وَلَمْ يَرْجِعْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِمَا أَخَذَ مِنْهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ.
وَإِنْ عَجَزَ الْعَبْدُ عَنْ أَدَاءِ مَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ، فَلَهُ تَعْجِيزُهُ وَاسْتِرْقَاقُهُ، وَيَكُونُ نِصْفُهُ حُرًّا، وَنِصْفُهُ رَقِيقًا، وَرَجَعَ عَلَى الشَّرِيكِ بِنِصْفِ مَا أَخَذَهُ، وَلَا تَسْرِي الْحُرِّيَّةُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الشَّرِيكَ وَالْعَبْدَ يَعْتَقِدَانِ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ ثَابِتَةٌ فِي جَمِيعِهِ، وَأَنَّ هَذَا الْمُنْكِرَ غَاصِبٌ لِهَذَا النِّصْفِ الَّذِي اسْتَرَقَّهُ، ظَالِمٌ بِاسْتِرْقَاقِهِ، وَالْمُنْكِرُ يَدَّعِي رِقَّ الْعَبْدِ جَمِيعِهِ، وَلَا يَعْتَرِفُ بِحُرِّيَّةِ شَيْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنِّي مَا قَبَضْت نَصِيبِي مِنْ كِتَابَتِهِ، وَشَرِيكِي إنْ قَبَضَ شَيْئًا اسْتَحَقَّ نِصْفَهُ بِغَيْرِ إذْنِي، فَلَا يَعْتِقُ شَيْءٌ مِنْهُ بِهَذَا الْقَبْضِ.
وَسِرَايَةُ الْعِتْقِ مُمْتَنِعَةٌ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّ السِّرَايَةَ إنَّمَا تَكُونُ فِيمَا إذَا عَتَقَ بَعْضُهُ وَبَقِيَ بَعْضُهُ رَقِيقًا، وَجَمِيعُهُمْ يَتَّفِقُونَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ.
وَهَذَا الْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ.
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
[فَصْلٌ ادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّهُ دَفَعَ الْمِائَةَ إلَى أَحَدِهِمَا لِيَدْفَعَ إلَى شَرِيكِهِ حَقَّهُ وَيَأْخُذَ الْبَاقِيَ وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ]
(8815) فَصْلٌ: فَإِنْ ادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّهُ دَفَعَ الْمِائَةَ إلَى أَحَدِهِمَا، لِيَدْفَعَ إلَى شَرِيكِهِ حَقَّهُ، وَيَأْخُذَ الْبَاقِيَ، وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، حَلَفَ، وَبَرِئَ.
وَإِذَا قَالَ: إنَّمَا دَفَعْت إلَيَّ حَقِّي، وَإِلَى شَرِيكِي حَقَّهُ.
وَلَا بَيِّنَةَ لِلْعَبْدِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فِي أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ إلَّا قَدْرَ حَقِّهِ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا نِزَاعَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَلَهُ مُطَالَبَةُ الْعَبْدِ بِجَمِيعِ حَقِّهِ، وَلَهُ مُطَالَبَتُهُ بِنِصْفِهِ، وَمُطَالَبَةُ الْقَابِضِ بِنِصْفِ مَا قَبَضَهُ؛ فَإِنْ اخْتَارَ مُطَالَبَةَ الْعَبْدِ، فَلَهُ الْقَبْضُ مِنْهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَإِنْ اخْتَارَ الرُّجُوعَ عَلَى شَرِيكِهِ بِنِصْفِهِ، فَلِلشَّرِيكِ عَلَيْهِ الْيَمِينُ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ مِنْ الْمُكَاتَبِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ
لَوْ أَقَرَّ بِذَلِكَ، لَسَقَطَ حَقُّهُ مِنْ الرُّجُوعِ، فَإِذَا أَنْكَرَهُ، لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ.
فَإِنْ شَهِدَ الْقَابِضُ عَلَى شَرِيكِهِ بِالْقَبْضِ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ لِمَعْنَيَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَمْ يَدَّعِ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ إذَا شَهِدَتْ بِصِدْقِ الْمُدَّعِي.
وَالثَّانِي، أَنَّهُ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ مَغْرَمًا، فَإِنْ عَجَزَ الْعَبْدُ، فَلِغَيْرِ الْقَابِضِ أَنْ يَسْتَرِقَّ نِصْفَهُ، وَيُقَوَّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مُعْتَرِفٌ بِرِقِّهِ، غَيْرُ مُدَّعٍ لِحُرِّيَّةِ هَذَا النَّصِيبِ، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تُقَوَّمَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْقَابِضَ يَدَّعِي حُرِّيَّةَ جَمِيعِهِ، وَالْمُنْكِرَ يَدَّعِي مَا يُوجِبُ رِقَّ جَمِيعِهِ، فَإِنَّهُمَا يَقُولَانِ: مَا قَبَضَهُ قَبَضَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَا يَعْتِقُ حَتَّى يُسَلِّمَ إلَيَّ مِثْلَ مَا سَلَّمَ إلَيْهِ.
فَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا يَدَّعِي رِقَّ جَمِيعِهِ، وَالْآخَرُ يَدَّعِي حُرِّيَّةَ جَمِيعِهِ اتَّفَقَا عَلَى حُرِّيَّةِ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ.
[فَصْلٌ اعْتَرَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِقَبْضِ الْمِائَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُكَاتَبُ، وَقَالَ: قَدْ دَفَعْت إلَى شَرِيكِي نِصْفَهَا فَأَنْكَرَ الشَّرِيكُ]
(8816) فَصْلٌ: وَإِنْ اعْتَرَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِقَبْضِ الْمِائَةِ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُكَاتَبُ، وَقَالَ: قَدْ دَفَعْت إلَى شَرِيكِي نِصْفَهَا.
فَأَنْكَرَ الشَّرِيكُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا بِجَمِيعِ حَقِّهِ، وَلِلْمَرْجُوعِ عَلَيْهِ أَنْ يُحَلِّفَهُ.
فَإِنْ رَجَعَ عَلَى الشَّرِيكِ، فَأَخَذَ مِنْهُ خَمْسِينَ، كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ بِقَبْضِ الْمِائَةِ كُلِّهَا، وَيَعْتِقُ الْمُكَاتَبُ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْرُ حَقِّهِ مِنْ الْكِتَابَةِ، وَلَا يَرْجِعُ الشَّرِيكُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَرِفُ لَهُ بِأَدَاءِ مَا عَلَيْهِ، وَبَرَاءَتِهِ مِنْهُ، وَإِنَّمَا يَزْعُمُ أَنَّ شَرِيكَهُ ظَلَمَهُ، فَلَا يَرْجِعُ عَلَى غَيْرِ ظَالِمِهِ.
وَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْعَبْدِ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الْخَمْسِينَ؛ لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ مَا قَبَضَ شَيْئًا مِنْ كِتَابَتِهِ، وَلِلْعَبْدِ الرُّجُوعُ عَلَى الْقَابِضِ بِهَا، سَوَاءٌ صَدَّقَهُ فِي دَفْعِهَا إلَى الْمُنْكِرِ أَوْ كَذَّبَهُ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ دَفَعَهَا فَقَدْ دَفَعَهَا دَفْعًا غَيْرَ مُبْرٍ، فَكَانَ مُفَرِّطًا.
وَيَعْتِقُ الْعَبْدُ بِأَدَائِهَا، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ أَدَائِهَا فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْ الْقَابِضِ، ثُمَّ يُسَلِّمَهَا، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ، فَلَهُ تَعْجِيزُهُ، وَاسْتِرْقَاقُ نِصْفِهِ، وَمُشَارَكَةُ الْقَابِضِ فِي الْخَمْسِينَ الَّتِي قَبَضَهَا عِوَضًا عَنْ نَصِيبِهِ، وَيُقَوَّمُ عَلَى الشَّرِيكِ الْقَابِضِ إنْ كَانَ مُوسِرًا، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ يُصَدِّقُهُ فِي دَفْعِ الْخَمْسِينَ إلَى شَرِيكِهِ، فَلَا يُقَوَّمُ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَرِفُ أَنَّهُ حُرٌّ، وَأَنَّ هَذَا ظَلَمَهُ بِاسْتِرْقَاقِ نِصْفِهِ الْحُرِّ.
وَإِنْ أَمْكَنَ الرُّجُوعُ عَلَى الْقَابِضِ بِالْخَمْسِينَ، وَدَفْعُهَا إلَى الْمُنْكِرِ، فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، فَهَلْ يَمْلِكُ الْمُنْكِرُ تَعْجِيزَهُ وَاسْتِرْقَاقَ نِصْفِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ فِي تَعْجِيزِ الْعَبْدِ نَفْسَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَدَاءِ، إنْ قُلْنَا: لَهُ ذَلِكَ.
فَلِلْمُنْكِرِ اسْتِرْقَاقُهُ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
فَلَيْسَ لِلْمُنْكِرِ اسْتِرْقَاقُهُ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْأَدَاءِ فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَا يَرْجِعُ الْمُنْكِرُ عَلَى الْقَابِضِ بِنِصْفِ مَا قَبَضَهُ، إذَا اسْتَرَقَّ نِصْفَ الْعَبْدِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ عَلَيْهِ بِهَا كَانَ قَابِضًا جَمِيعَ حَقِّهِ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ، فَيَعْتِقُ الْمُكَاتَبُ بِذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ قَبْضُهَا فِي نُجُومِهَا فَتُفْسَخَ الْكِتَابَةُ، ثُمَّ يُطَالَبَ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَكُونَ لَهُ الرُّجُوعُ بِنِصْفِهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ غَائِبَةً فِي بَلَدٍ آخَرَ، وَتَعَذَّرَ تَسْلِيمُهَا حَتَّى فُسِخَتْ الْكِتَابَةُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ قَالَ السَّيِّدُ: كَاتَبْتُك عَلَى أَلْفَيْنِ، وَقَالَ الْعَبْدُ عَلَى أَلْفٍ]
(8817) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا قَالَ السَّيِّدُ: كَاتَبْتُك عَلَى أَلْفَيْنِ.
وَقَالَ الْعَبْدُ: عَلَى أَلْفٍ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ مَعَ يَمِينِهِ قَالَ الْقَاضِي: هَذَا الْمَذْهَبُ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي رِوَايَةِ الْكَوْسَجِ.
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَإِسْحَاقَ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: اتَّفَقَ أَحْمَدُ، وَالشَّافِعِيُّ، عَلَى أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ، وَيَتَرَادَّانِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي عِوَضِ الْعَقْدِ الْقَائِمِ بَيْنَهُمَا، فَيَتَحَالَفَانِ إذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، كَالْمُتَبَايِعِينَ.
وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُكَاتَبِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلْأَلْفِ الزَّائِدِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، وَلِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ". وَلَنَا، أَنَّهُ اخْتِلَافٌ فِي الْكِتَابَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ فِيهِ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِهَا، وَيُفَارِقُ الْبَيْعَ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْبَيْعِ عَدَمُ مِلْكِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَا صَارَ إلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِي الْمُكَاتَبِ وَكَسْبِهِ أَنَّهُ لِسَيِّدِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيهِ.
وَالثَّانِي، أَنَّ التَّحَالُفَ فِي الْبَيْعِ مُفِيدٌ، وَلَا فَائِدَةَ فِي التَّحَالُفِ فِي الْكِتَابَةِ؛ فَإِنَّ الْحَاصِلَ مِنْهُ يَحْصُلُ بِيَمِينِ السَّيِّدِ وَحْدَهُ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَاصِلَ بِالتَّحَالُفِ فَسْخُ الْكِتَابَةِ، وَرَدُّ الْعَبْدِ إلَى الرِّقِّ، إذَا لَمْ يَرْضَ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ، وَهَذَا يَحْصُلُ مِنْ جَعْلِ الْقَوْلِ قَوْلَ السَّيِّدِ مَعَ يَمِينِهِ، فَلَا يُشْرَعُ التَّحَالُفُ مَعَ عَدَمِ فَائِدَتِهِ، وَإِنَّمَا قَدَّمْنَا قَوْلَ الْمُنْكِرِ فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَعَهُ، وَالْأَصْلَ هَاهُنَا مَعَ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مِلْكُهُ الْعَبْدَ وَكَسْبَهُ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَمَتَى حَلَفَ السَّيِّدُ، ثَبَتَتْ الْكِتَابَةُ بِأَلْفَيْنِ، كَمَا لَوْ اتَّفَقَا عَلَيْهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ اخْتِلَافُهُمَا قَبْلَ الْعِتْقِ أَوْ بَعْدَهُ مِثْلُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ أَلْفَيْنِ فَيَعْتِقَ، ثُمَّ يَدَّعِيَ الْمُكَاتَبُ أَنَّ أَحَدَهُمَا عَنْ الْكِتَابَةِ، وَالْآخَرَ وَدِيعَةٌ، وَيَقُولَ السَّيِّدُ: هُمَا جَمِيعًا مَالُ الْكِتَابَةِ.
وَمَنْ قَالَ بِالتَّحَالُفِ، قَالَ: إذَا تَحَالَفَا، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُ الْكِتَابَةِ، إلَّا أَنْ يَرْضَى بِقَوْلِ صَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَ التَّحَالُفُ بَعْدَ الْعِتْقِ فِي مِثْلِ الصُّوَر الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، لَمْ تَرْتَفِعْ الْحُرِّيَّةُ؛ لِأَنَّهَا لَا يُمْكِنُ رَفْعُهَا بَعْدَ حُصُولِهَا، وَلَا إعَادَةُ الرِّقِّ بَعْدَ رَفْعِهِ، وَلَكِنْ يَرْجِعُ السَّيِّدُ بِقِيمَتِهِ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا أَدَّى إلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، تَقَاصَّا بِقَدْرِ أَقَلِّهِمَا، وَأَخَذَ ذُو الْفَضْلِ فَضْلَهُ.
[فَصْلٌ اخْتَلَفَ الْمُكَاتَبُ وَالسَّيِّد فِي أَدَاءِ النُّجُومِ]
(8818) فَصْلٌ: وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي أَدَاءِ النُّجُومِ، فَقَالَ الْمُكَاتَبُ: أَدَّيْت، وَعَتَقْت.
وَأَنْكَرَ السَّيِّدُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي إبْرَائِهِ مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ، أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِذَلِكَ.
[فَصْلٌ كَاتَبَ عَبْدَيْنِ وَاسْتَوْفَى مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يَدْرِ مِنْ أَيِّهِمَا اسْتَوْفَى]
فَصْلٌ: وَإِنْ كَاتَبَ عَبْدَيْنِ، وَاسْتَوْفَى مِنْ أَحَدِهِمَا، وَلَمْ يَدْرِ مِنْ أَيِّهِمَا اسْتَوْفَى، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، عَتَقَ وَرَقَّ الْآخَرُ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ وَأُنْسِيَهُ.
فَإِنْ ادَّعَى الْآخَرُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَدَّى، فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ أَنَّهُ مَا أَدَّى إلَيْهِ.
فَإِنْ نَكَلَ، عَتَقَ الْآخَرُ.
وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ الْقُرْعَةِ، أَقْرَعَ الْوَرَثَةُ.
فَإِنْ ادَّعَى الْآخَرُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ الْمُؤَدِّي، فَعَلَيْهِمْ الْيَمِينُ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَدَّى؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ الْغَيْرِ.
فَإِنْ أَقَامَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ بَيِّنَةً أَنَّهُ أَدَّى عَتَقَ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْقُرْعَةِ أَوْ بَعْدَهَا، فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْقُرْعَةِ تَعَيَّنَتْ الْحُرِّيَّةُ فِيهِ، وَرَقَّ الْآخَرُ.
وَإِنْ كَانَ بَعْدَهَا، فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ لَيْسَتْ عِتْقًا، وَإِنَّمَا هِيَ مُعَيَّنَةٌ لِلْعِتْقِ، وَالْبَيِّنَةُ أَقْوَى مِنْهَا، فَثَبَتَ بِهَا خَطَأُ الْقُرْعَةِ، فَتَبَيَّنَ بَقَاءُ الرِّقِّ فِي الَّذِي ظَنَنَّا حُرِّيَّتَهُ، كَمَا تَبَيَّنَّا حُرِّيَّةَ مَنْ ظَنَنَّا رِقَّهُ، وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يُؤَدِّ، لَا يَصِيرُ مُؤَدِّيًا بِوُقُوعِ الْقُرْعَةِ لَهُ، فَلَا يُوجَدُ حُكْمُهُ الَّذِي هُوَ الْعِتْقُ.
وَيَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ حَامِدٍ، أَنْ يَعْتِقَا، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الطَّلَاقِ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا ذَكَرَ السَّيِّدُ الْمُؤَدِّيَ مِنْهُمَا، وَمَتَى ادَّعَى الْآخَرُ أَنَّهُ أَدَّى، فَلَهُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ السَّيِّدَ أَوْ وَرَثَتَهُ، إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ السَّيِّدَ، فَالْيَمِينُ عَلَى الْبَتِّ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى وَرَثَتِهِ، فَالْيَمِينُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْأَدَاءَ إلَيْهِمْ، فَتَكُونَ أَيْمَانُهُمْ عَلَى الْبَتِّ أَيْضًا.
وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَرَثَةِ يَمِينٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُدَّعَى عَلَيْهِ، فَلَزِمَتْهُ الْيَمِينُ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِالدَّعْوَى.
[فَصْلٌ كَانَ لِلْمُكَاتَبِ أَوْلَادُ مِنْ مُعْتَقَةِ آخَر غَيْرِ سَيِّدُهُ]
(8820) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ لِلْمُكَاتَبِ أَوْلَادٌ مِنْ مُعْتَقَةِ آخَرَ غَيْرِ سَيِّدِهِ، فَقَالَ سَيِّدُهُ: قَدْ أَدَّى إلَيَّ، وَعَتَقَ، فَانْجَرَّ وَلَاءُ وَلَدِهِ إلَيَّ.
فَأَنْكَرَ ذَلِكَ مَوْلَى أُمِّهِمْ، وَكَانَ الْمُكَاتَبُ حَيًّا، فَقَدْ صَارَ حُرًّا بِهَذَا الْقَوْلِ؛ فَإِنَّهُ إقْرَارٌ مِنْ سَيِّدِهِ بِعِتْقِهِ، وَيَنْجَرُّ وَلَاءُ وَلَدِهِ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَوْلَى أُمِّهِمْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الرِّقُّ، وَبَقَاءُ وَلَائِهِمْ لَهُ، فَيَحْلِفُ، وَيَبْقَى وَلَاؤُهُمْ لَهُ.
[مَسْأَلَةٌ أَعْتَقَ الْأَمَةَ أَوْ كَاتَبَهَا وَشَرَطَ مَا فِي بَطْنِهَا]
(8821) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا أَعْتَقَ الْأَمَةَ، أَوْ كَاتَبَهَا، وَشَرَطَ مَا فِي بَطْنِهَا، أَوْ أَعْتَقَ مَا فِي بَطْنِهَا دُونَهَا، فَلَهُ شَرْطُهُ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالنَّخَعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَهُ مَا اسْتَثْنَى.
وَقَالَ عَطَاءٌ، وَالشَّعْبِيُّ: إذَا اسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا، فَلَهُ اسْتِثْنَاؤُهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْجَنِينِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الثُّنْيَا إلَّا أَنْ تُعْلَمَ.
وَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ فِي الْبَيْعِ، فَلَا يَصِحُّ فِي الْعِتْقِ، كَبَعْضِ أَعْضَائِهَا.
وَلَنَا، قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ نَعْلَمْ لَهُمَا مُخَالِفًا فِي الصَّحَابَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ: أَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْعِتْقِ، وَلَا أَذْهَبُ إلَيْهِ فِي الْبَيْعِ.
وَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ أَعْتَقَ جَارِيَةً، وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا.
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» . وَهَذَا قَدْ شَرَطَ مَا فِي بَطْنِ مُعْتَقِهِ، فَكَانَ لَهُ بِمُقْتَضَى الْخَبَرِ.
وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ إقْرَاره بِالْعِتْقِ، فَصَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ وَأَمَّا خَبَرُهُمْ، فَنَقُولُ بِهِ، وَالْحَمْلُ مَعْلُومُ، فَيَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ بِمُقْتَضَى الْحَدِيثِ، وَيُفَارِقُ الْبَيْعَ؛ فَإِنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعِلْمُ بِصِفَاتِ الْعِوَضِ؛ لِيُعْلَمَ هَلْ هُوَ قَائِمٌ مَقَامَ الْعِوَض أَمْ لَا؟ وَالْعِتْقُ تَبَرُّعٌ لَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَى مَعْرِفَةِ صِفَاتِ الْمُعْتَقِ.
وَلَا تُنَافِيه الْجَهَالَةُ بِهَا، وَيَكْفِي الْعِلْمُ بِوُجُودِهِ، وَقَدْ عُلِمَ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ صَحَّ إفْرَادُ الْحَمْلِ بِالْعِتْقِ، وَلَمْ يَصِحَّ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ، وَلِأَنَّ اسْتِثْنَاءَهُ فِي الْبَيْعِ إذَا بَطَلَ، بَطَلَ الْبَيْعُ كُلُّهُ، وَهَا هُنَا إذَا بَطَلَ اسْتِثْنَاؤُهُ، لَمْ يَبْطُلْ الْعِتْقُ فِي الْأَمَةِ، وَيَسْرِي الْإِعْتَاقُ إلَيْهِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ إعْتَاقه مَعَ تَضَادِّ الْحُكْمِ فِيهِمَا؟ وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى بَعْضِ أَعْضَائِهَا؛ لِأَنَّ الْعُضْوَ لَا يُتَصَوَّرُ انْفِرَادُهُ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ دُونَ الْحَمْلِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْتَقَ عُضْوًا مِنْ أَمَتِهِ، صَارَتْ كُلُّهَا حُرَّةً، فَإِذَا عَتَقَ بَعْضَهَا، سَرَى إلَى الْمُسْتَثْنَى، وَالْوَلَدُ حَيَوَانٌ مُنْفَرِدٌ، لَوْ أَعْتَقَهُ لَمْ تَسْرِ الْحُرِّيَّةُ إلَى أُمِّهِ، وَيَصِحُّ انْفِرَادُهُ بِالْحُرِّيَّةِ عَنْ أُمِّهِ، فِيمَا إذَا أَعْتَقَهُ دُونَهَا، وَفِي وَلَدِ الْمَغْرُورِ بِحُرِّيَّةِ أُمِّهِ، وَفِيمَا إذَا وَطِئَ بِشُبْهَةٍ، وَفِي وَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ، وَلِأَنَّ الْوَلَدَ يَرِثُ وَيُورَثُ، وَيُوصَى بِهِ وَلَهُ، وَإِذَا قُتِلَ كَانَ بَدَلُهُ مَوْرُوثًا، وَلَا تَخْتَصُّ بِهِ أُمُّهُ، وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِقَتْلِهِ، وَالدِّيَةُ فِي مُقَابَلَتِهِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى أَعْضَائِهَا؟ فَأَمَّا إنْ أَعْتَقَ مَا فِي بَطْنِهَا دُونَهَا، فَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِيهِ.
قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: سُئِلَ سُفْيَانُ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: مَا فِي بَطْنِك حُرٌّ، قَالَ: هُوَ حُرٌّ، وَالْأُمُّ مَمْلُوكَةٌ؛ لِأَنَّ وَلَدَهَا مِنْهَا، وَلَيْسَتْ هِيَ مِنْ وَلَدِهَا.
قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: جَيِّدٌ.
وَقَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ رَجُلٍ زَوَّجَ أَمَتَهُ، فَقَالَتْ: قَدْ حَبِلْت.
فَقَالَ لَهَا مَوْلَاهَا:
مَا فِي بَطْنِك حُرٌّ.
وَلَمْ تَكُنْ حَامِلًا.
قَالَ: لَا تَعْتِقُ.
فَأَعَدْت عَلَيْهِ الْقَوْلَ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ: لَا يَكُونُ شَيْءٌ، إنَّمَا أَرَادَ مَا فِي بَطْنِهَا، فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ.
قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: وَسُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَجُلٍ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ خِدْمَتُهُ شَهْرًا، فَقَالَ: جَائِزٌ.
[مَسْأَلَةٌ يُعَجِّلَ الْمُكَاتَبُ لِسَيِّدِهِ بَعْضَ كِتَابَتِهِ وَيَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ كِتَابَتِهِ]
(8822) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعَجِّلَ الْمُكَاتَبُ لِسَيِّدِهِ بَعْضَ كِتَابَتِهِ، وَيَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ كِتَابَتِهِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفٍ فِي نَجْمَيْنِ إلَى سَنَةٍ، ثُمَّ قَالَ: عَجِّلْ لِي خَمْسَمِائَةٍ مِنْهُ، حَتَّى أَضَعَ عَنْك الْبَاقِيَ، أَوْ حَتَّى أُبْرِئَك مِنْ الْبَاقِي.
أَوْ قَالَ: صَالِحْنِي مِنْهُ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ مُعَجَّلَةٍ.
جَازَ ذَلِكَ.
وَبِهِ يَقُولُ طَاوُسٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيُّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعُ أَلْفٍ بِخَمْسِمِائَةٍ، وَهُوَ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ فِي الدَّيْنِ لِأَجْلِ الْأَجَلِ، وَهَذَا أَيْضًا هِبَةٌ، وَلِأَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ بَيْنَ الْأَجَانِبِ، وَالرِّبَا يَجْرِي بَيْنَ الْمُكَاتَبِ وَسَيِّدِهِ، فَلَمْ يَجُزْ هَذَا بَيْنَهُمَا، كَالْأَجَانِبِ.
وَلَنَا، أَنَّ مَالَ الْكِتَابَةِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، وَلَا هُوَ دَيْنٌ صَحِيحٌ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى أَدَائِهِ، وَلَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ أَدَائِهِ، وَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهِ، وَمَا يُؤَدِّيهِ إلَى سَيِّدِهِ كَسْبُ عَبْدِهِ، وَإِنَّمَا جَعَلَ الشَّرْعُ هَذَا الْعَقْدَ وَسِيلَةً إلَى الْعِتْقِ وَأَوْجَبَ فِيهِ التَّأْجِيلَ مُبَالَغَةً فِي تَحْصِيلِ الْعِتْقِ، وَتَخْفِيفًا عَنْ الْمُكَاتَبِ، فَإِذَا أَمْكَنَهُ التَّعْجِيلُ عَلَى وَجْهٍ يُسْقِطُ عَنْهُ بَعْضَ مَا عَلَيْهِ، كَانَ أَبْلَغَ فِي حُصُولِ الْعِتْقِ، وَأَخَفَّ عَلَى الْعَبْدِ، وَيَحْصُلُ مِنْ السَّيِّدِ إسْقَاطُ بَعْضِ مَالِهِ عَلَى عَبْدِهِ، وَمِنْ اللَّهِ تَعَالَى إسْقَاطُ مَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَجَلِ لِمَصْلَحَتِهِ، وَيُفَارِقُ سَائِرَ الدُّيُونِ بِمَا ذَكَرْنَا، وَيُفَارِقُ الْأَجَانِبَ مِنْ حَيْثُ إنَّ هَذَا عَبْدُهُ، فَهُوَ أَشْبَهُ بِعَبْدِهِ الْقِنِّ.
قَوْلُهُمْ: إنَّ الرِّبَا يَجْرِي بَيْنَهُمَا.
فَنَمْنَعُهُ عَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ، فَإِنَّ هَذَا مُفَارِقٌ لِسَائِرِ الرِّبَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَهَذَا يُخَالِفُ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ؛ فَإِنَّهُ إسْقَاطٌ لِبَعْضِ الدَّيْنِ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّة زِيَادَةٌ فِي الدَّيْنِ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةُ يُفْضِي إلَى نَفَادِ مَالِ الْمَدِينِ، وَتَحَمُّلِهِ مِنْ الدَّيْنِ مَا يَعْجِزُ عَنْ وَفَائِهِ، فَيُحْبَسُ مِنْ أَجْلِهِ، وَيُؤْسَرُ بِهِ، وَهَذَا يُفْضِي إلَى تَعْجِيلِ عِتْقِ الْمُكَاتَبِ، وَخَلَاصِهِ مِنْ الرِّقِّ، وَالتَّخْفِيفِ عَنْهُ، فَافْتَرَقَا.
[فَصْلٌ اتَّفَقَا عَلَى الزِّيَادَةِ فِي الْأَجَلِ وَالدَّيْنِ فِي الْمُكَاتَبَة]
(8823) فَصْلٌ: فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الزِّيَادَةِ فِي الْأَجَلِ وَالدَّيْنِ، مِثْلُ أَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى أَلْفٍ، فِي نَجْمَيْنِ، إلَى سَنَةٍ، يُؤَدِّي فِي نِصْفِهَا خَمْسَمِائَةٍ، وَفِي آخِرِهَا الْبَاقِيَ، فَيَجْعَلَانِهَا إلَى سَنَتَيْنِ بِأَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ، فِي كُلِّ سَنَةٍ سِتُّمِائَةٍ، أَوْ مِثْلُ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْهِ
نَجْمٌ، فَيَقُولَ: أَخِّرْنِي بِهِ إلَى كَذَا، وَأَزِيدُك كَذَا.
فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ إلَى وَقْتٍ، لَا يَتَأَخَّرُ أَجَلُهُ عَنْ وَقْتِهِ بِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ، وَلَا يَتَغَيَّرُ أَجَلُهُ بِتَغْيِيرِهِ، وَإِذَا لَمْ يَتَأَخَّرْ عَنْ وَقْتِهِ، لَمْ تَصِحَّ الزِّيَادَةُ الَّتِي فِي مُقَابَلَتِهِ، وَلِأَنَّ هَذَا يُشْبِهُ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ الْمُحَرَّمَ، وَهُوَ الزِّيَادَةُ فِي الدَّيْنِ لِلزِّيَادَةِ فِي الْأَجَلِ، وَيُفَارِقُ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَكَمَا أَنَّ الْأَجَلَ لَا يَتَأَخَّرُ، كَذَلِكَ لَا يُتَعَجَّلُ، وَلَا يَصِيرُ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ حَالًّا، فَلِمَ جَازَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى؟ قُلْنَا: إنَّمَا جَازَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى بِالتَّعْجِيلِ فِعْلًا، فَإِنَّهُ إذَا دَفَعَ إلَيْهِ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ قَبْلَ مَحِلِّهِ، جَازَ، وَجَازَ لِلسَّيِّدِ إسْقَاطُ بَاقِي حَقِّهِ عَلَيْهِ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، فَهُوَ ضِدُّ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ فِي ضِمْنِ الْكِتَابَةِ أَنَّكَ مَتَى أَدَّيْت إلَيَّ كَذَا، فَأَنْتَ حُرٌّ.
فَإِذَا أَدَّى إلَيْهِ ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْتِقَ، فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا غُيِّرَ الْأَجَلُ وَالْعِوَضُ فَكَأَنَّهُمَا فَسَخَا الْكِتَابَةَ الْأُولَى، وَجَعَلَاهَا كِتَابَةً ثَانِيَةً.
قُلْنَا: لَمْ يَجْزِ بَيْنَهُمَا فَسْخٌ، وَإِنَّمَا قَصَدَا تَغْيِيرَ الْعِوَضِ وَالْأَجَلِ، عَلَى وَجْهٍ لَا يَصِحُّ، فَيَبْطُلُ التَّغْيِيرُ وَيَبْطُلُ الْعَقْدُ بِحَالِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ ذَلِكَ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى.
فَعَلَى هَذَا، لَوْ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ.
ثُمَّ رَجَعَ أَحَدُهُمَا فَإِنَّ لَهُ الرُّجُوعَ.
وَكَذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، لَوْ قَالَ: أُعَجِّلُ لَك مَالَ الْكِتَابَةِ، وَتُسْقِطُ عَنِّي مِنْهُ كَذَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
ثُمَّ رَجَعَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ التَّعْجِيلِ، فَلَهُ الرُّجُوعُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْ أَجَلِهِ وَلَا يَتَقَدَّمُ، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ، وَلِمَنْ لَهُ الدَّيْنُ تَرْكُ قَبْضِهِ فِي مَحِلِّهِ، وَذَلِكَ إلَى اخْتِيَارِهِ، فَإِذَا وَعَدَ بِهِ ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ الْفِعْلِ، فَلَهُ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ صَالَحَ الْمُكَاتَبُ سَيِّدَهُ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ]
(8824) فَصْلٌ: وَإِنْ صَالَحَ الْمُكَاتَبُ سَيِّدَهُ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، مِثْلُ أَنْ يُصَالِحَهُ عَنْ النُّقُودِ بِحِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ، جَازَ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى شَيْءٍ مُؤَجَّلٍ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بَيْعَ دَيْنٍ بِدِينِ.
وَإِنْ صَالَحَهُ عَنْ الدَّرَاهِمِ بِدَنَانِيرَ، أَوْ عَنْ الْحِنْطَةِ بِشَعِيرٍ، لَمْ يَجُزْ التَّصَرُّفُ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعٌ فِي الْحَقِيقَةِ، فَيُشْتَرَطُ لَهُ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَصِحَّ هَذِهِ الْمُصَالَحَةُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ هَذَا دَيْنٌ مِنْ شَرْطِهِ التَّأْجِيلُ، فَلَمْ تَجُزْ الْمُصَالَحَةُ عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ دَيْنٌ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، فَهُوَ كَدَيْنِ السَّلَمِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يَجْرِي الرِّبَا بَيْنَ الْمُكَاتَبِ وَسَيِّدِهِ.
فَعَلَى قَوْلِهِ، تَجُوزُ الْمُصَالَحَةُ كَيْفَمَا كَانَتْ، كَمَا يَجُوزُ ذَلِكَ بَيْن الْعَبْدِ الْقِنِّ وَسَيِّدِهِ.
وَالْأَوْلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَيُفَارِقُ دَيْنُ الْكِتَابَةِ دَيْنَ السَّلَمِ؛ فَإِنَّهُ يُفَارِقُ سَائِرَ الدُّيُونِ بِمَا ذَكَرْنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَمُفَارَقَتُهُ لِدَيْنِ السَّلَمِ أَعْظَمُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَكَاتَبَ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يُؤَدِّ كُلَّ كِتَابَتِهِ حَتَّى أَعْتَقَ الْآخَرُ وَهُوَ مُوسِرٌ]
(8825) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَكَاتَبَ أَحَدَهُمَا، فَلَمْ يُؤَدِّ كُلَّ كِتَابَتِهِ حَتَّى أَعْتَقَ الْآخَرُ، وَهُوَ مُوسِرٌ،
فَقَدْ صَارَ الْعَبْدُ كُلُّهُ حُرًّا، وَيَرْجِعُ الشَّرِيكُ عَلَى الْمُعْتِقِ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ، أَنَّ الْعَبْدَ الْمُشْتَرَكَ يَجُوزُ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ كِتَابَةُ نَصِيبِهِ مِنْهُ، بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ، وَيَبْقَى سَائِرُهُ غَيْرَ مُكَاتَبٍ، فَإِذَا فَعَلَ هَذَا، فَأَعْتَقَ الَّذِي لَمْ يُكَاتِبْهُ حِصَّتَهُ مِنْهُ، وَهُوَ مُوسِرٌ، عَتَقَ، وَسَرَى الْعِتْقُ إلَى بَاقِيه، فَصَارَ كُلُّهُ حُرًّا، وَيَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ قِيمَةَ حِصَّتِهِ مِنْهُ، وَيَكُونُ الرُّجُوعُ بِقِيمَتِهِ مُكَاتَبًا، يَبْقَى عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ مَا أَتْلَفَ، وَإِنَّمَا أَتْلَفَ مُكَاتَبًا.
وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُعْسِرًا، لَمْ يَسْرِ الْعِتْقُ عَلَى مَا مَضَى فِي بَابِ الْعِتْقِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي: لَا يَسْرِي الْعِتْقُ فِي الْحَالِ، لَكِنْ يُنْظَرُ؛ فَإِنْ أَدَّى كِتَابَتَهُ عَتَقَ بَاقِيهِ بِالْكِتَابَةِ، وَكَانَ وَلَاؤُهُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ فُسِخَتْ كِتَابَتُهُ لِعَجْزِهِ، سَرَى الْعِتْقُ، وَقُوِّمَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ سِرَايَةَ الْعِتْقِ فِي الْحَالِ مُفْضِيَةٌ إلَى إبْطَالِ الْوَلَاءِ الَّذِي انْعَقَدَ سَبَبُهُ، وَنَقْلِهِ عَنْ الْمُكَاتِبِ إلَى غَيْرِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: عِتْقُ الشَّرِيكِ مَوْقُوفٌ حَتَّى يُنْظَرَ مَا يَصْنَعُ فِي الْكِتَابَةِ، فَإِنْ أَدَّاهَا، عَتَقَ، وَكَانَ الْمُكَاتِبُ ضَامِنًا لَقِيمَةِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، وَوَلَاؤُهُ كُلُّهُ لِلْمُكَاتِبِ.
وَإِنْ عَجَزَ، سَرَى عِتْقُ الشَّرِيكِ، وَضَمِنَ نِصْفَ الْقِيمَةِ لِلْمُكَاتِبِ، وَكَانَ وَلَاؤُهُ كُلُّهُ لَهُ.
وَأَمَّا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَلَا يُجَوِّزُ كِتَابَةَ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ، إلَّا أَنْ يَأْذَنَ فِيهِ شَرِيكُهُ، فَيَكُونَ فِيهِ قَوْلَانِ، فَإِذَا كَاتَبَهُ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ، ثُمَّ أَعْتَقَ الَّذِي لَمْ يُكَاتِبْ فَهَلْ يَسْرِي فِي الْحَالِ، أَوْ يَقِفُ عَلَى الْعَجْزِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، وَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ قِيمَةَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ» . وَهَذَا دَاخِلٌ فِي عُمُومِهِ، وَلِأَنَّهُ عِتْقٌ لَجُزْءٍ مِنْ الْعَبْدِ مُوسِرٍ، غَيْرِ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ، فَسَرَى إلَى بَاقِيهِ، كَمَا لَوْ كَانَ قِنًّا، وَلِأَنَّ مُقْتَضَى السِّرَايَةِ مُتَحَقِّقٌ، وَالْمَانِعُ مِنْهَا لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ مَانِعًا؛ فَإِنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَا أَصْلَ لَهُ يُقَاسُ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ يُفْضِي إلَى إبْطَالِ الْوَلَاءِ.
قُلْنَا: إذَا كَانَ الْعِتْقُ يُؤَثِّرُ فِي إبْطَالِ الْمِلْكِ الثَّابِتِ الْمُسْتَقِرِّ، الَّذِي الْوَلَاءُ مِنْ بَعْضِ آثَارِهِ، فَلَأَنْ يُؤَثِّرَ فِي نَقْلِ الْوَلَاءِ بِمُفْرَدِهِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ أَوْلَادٌ مِنْ مُعْتَقَةِ قَوْمٍ، نَقَلَ وَلَاءَهُمْ إلَيْهِ، فَإِذَا نَقَلَ وَلَاءَهُمْ الثَّابِتَ بِإِعْتَاقِ غَيْرِهِمْ، فَلَأَنْ يَنْقُلَ وَلَاءً لَمْ يَثْبُتْ بَعْدُ بِإِعْتَاقِ مَنْ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ نَقَلَ الْوَلَاءَ ثَمَّ عَمَّنْ لَمْ يَغْرَمْ لَهُ عِوَضًا، فَلَأَنْ يَنْقُلَهُ بِالْعِوَضِ أَوْلَى، فَانْتِقَالُ الْوَلَاءِ فِي مَوْضِعِ جَرِّ الْوَلَاءِ، يُنَبِّهُ عَلَى سِرَايَةِ الْعِتْقِ.
وَانْتِقَالِ الْوَلَاءُ إلَى الْمُعْتِقِ؛ لِكَوْنِهِ أَوْلَى مِنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ؛ أَحَدُهَا، أَنَّ الْوَلَاءَ ثَمَّ ثَابِتٌ، وَهَا هُنَا بِعَرَضِ الثُّبُوتِ.
وَالثَّانِي، أَنَّ النَّقْلَ حَصَلَ ثَمَّ بِإِعْتَاقِ غَيْرِهِ، وَهَا هُنَا بِإِعْتَاقِهِ.
وَالثَّالِثُ، أَنَّهُ انْتَقَلَ ثَمَّ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَهَا هُنَا بِعِوَضٍ.
فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُعْسِرًا، لَمْ يَسْرِ عِتْقُهُ، وَكَانَ نَصِيبُهُ حُرًّا، وَبَاقِيهِ عَلَى الْكِتَابَةِ، فَإِنْ أَدَّى، عَتَقَ عَلَيْهِمَا، وَكَانَ وَلَاؤُهُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ عَجَزَ، عَادَ الْجُزْءُ الْمُكَاتَبُ رَقِيقًا قِنًّا، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ: يُسْتَسْعَى الْعَبْدُ.
فَإِنَّهُ يُسْتَسْعَى عِنْدَ عَجْزِهِ فِي قِيمَةِ بَاقِيهِ، وَلَا يُسْتَسْعَى فِي حَالِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ سِعَايَةٌ فِيمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، فَاسْتُغْنِيَ بِهَا عَنْ السِّعَايَةِ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَى التَّقْوِيمِ، فَإِذَا عَجَزَ وَفُسِخَتْ الْكِتَابَةُ، بَطَلَتْ، وَرَجَعَ إلَى السِّعَايَةِ فِي الْقِيمَةِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ عَبْدٍ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَكَاتَبَاهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَدَّى إلَيْهِمَا تِسْعمِائَةِ مُنَاصَفَة ثُمَّ إنَّ أَحَدَهُمَا أَعْتَقَ نَصِيبَهُ]
(8827) فَصْلٌ: وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ عَبْدٍ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ، فَكَاتَبَاهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَدَّى إلَيْهِمَا تِسْعَمِائَةٍ؛ لِهَذَا أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا وَلِهَذَا أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا ثُمَّ إنَّ أَحَدَهُمَا، أَعْتَقَ نَصِيبَهُ؟ قَالَ: إنْ كَانَ لِلْمُعْتِقِ مَالٌ، أَدَّى إلَى شَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَةِ الْعَبْدِ، لَا يُحَاسِبُهُ بِهَا أَحَدٌ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُعَجِّزَهُ، فَيَعُودَ إلَى الرِّقِّ، أَوْ يَمُوتَ، فَيَكُونَ عِنْدَهُ مَالٌ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا.
وَنَقَلَ عَنْهُ حَنْبَلٌ، أَنَّهُ يَعْتِقُ إلَّا نِصْفَ الْمِائَةِ عَلَى هَذَا، وَيَكُونُ الْوَلَاءُ عَلَى قَدْرِ مَا أَعْتَقَ.
فَالرِّوَايَةُ الْأُولَى تُوَافِقُ قَوْلَ الْخِرَقِيِّ، فَإِنَّهُ أَوْجَبَ عَلَى الْمُعْتِقِ غَرَامَةَ نِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ نِصْفُ قِيمَتِهِ، عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي عَتَقَ عَلَيْهَا، وَهُوَ كَوْنُهُ مُكَاتَبًا، قَدْ أَدَّى كِتَابَتَهُ إلَّا مِائَةً مِنْهَا، وَهِيَ عُشْرُهَا.
وَأَمَّا رِوَايَةُ حَنْبَلٍ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ عَلَى مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي، فِي أَنَّهُ لَا يَسْرِي الْعِتْقُ إلَى الْجُزْءِ الْمُكَاتَبِ لِغَيْرِهِ.
وَقَدْ نَصَرْنَا الرِّوَايَةَ الْأُولَى بِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ إذَا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ وَرُدَّ فِي الرِّقِّ]
(8828) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ، وَرُدَّ فِي الرِّقِّ، وَكَانَ قَدْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَهُوَ لِسَيِّدِهِ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُكَاتَبَ إذَا عَجَزَ، وَفِي يَدِهِ مَالٌ، وَرُدَّ فِي الرِّقِّ، فَهُوَ لِسَيِّدِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ كَسْبِهِ، أَوْ مِنْ صَدَقَةِ.
تَطَوُّعٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ.
وَمَا كَانَ مِنْ صَدَقَةٍ مَفْرُوضَةٍ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، هُوَ لِسَيِّدِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: يَجْعَلُهُ فِي السَّبِيلِ أَحَبُّ إلَيَّ، وَإِنْ أَمْسَكَهُ فَلَا بَأْسَ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، يُؤْخَذُ مَا بَقِيَ فِي يَدِهِ، فَيُجْعَلُ فِي الْمُكَاتَبِينَ.
نَقَلَهَا حَنْبَلٌ.
وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ.
وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي، أَنَّهُ يُرَدُّ إلَى أَرْبَابِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا دُفِعَ إلَيْهِ لِيُصْرَفَ فِي الْعِتْقِ، فَإِذَا لَمْ يُصْرَفْ فِيهِ، وَجَبَ رَدُّهُ، كَالْغَازِي وَالْغَارِمِ وَابْنِ السَّبِيلِ.
وَلَنَا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَدَّ مُكَاتَبًا فِي الرِّقِّ، فَأَمْسَكَ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ.
وَلِأَنَّهُ يَأْخُذُ لِحَاجَتِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ مَا أَخَذَهُ، كَالْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ، وَأَمَّا الْغَازِي، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ لِحَاجَتِنَا إلَيْهِ، بِقَدْرِ مَا يَكْفِيه لِغَزْوِهِ، وَأَمَّا الْغَارِمُ، فَإِنْ غَرِمَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَهُوَ كَالْغَازِي، يَأْخُذُ لِحَاجَتِنَا، وَإِنْ غَرِمَ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ، فَهُوَ كَمَسْأَلَتِنَا، لَا يَرُدُّهُ.
[فَصْلٌ مَا أَدَّاهُ الْمُكَاتَبُ إلَى سَيِّدِهِ قَبْلَ عَجْزِهِ]
(8829) فَصْلٌ: وَأَمَّا مَا أَدَّاهُ إلَى سَيِّدِهِ قَبْلَ عَجْزِهِ، فَلَا يَجِبُ رَدُّهُ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ صَرَفَهُ فِي الْجِهَةِ الَّتِي أَخَذَهُ لَهَا، وَثَبَتَ مِلْكُ سَيِّدِهِ عَلَيْهِ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا، فَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ، كَمَا لَوْ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ، وَيُفَارِقُ مَا فِي يَدِ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ سَيِّدِهِ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ قَبْلَ هَذَا، وَالْخِلَافُ فِي ابْتِدَاءِ ثُبُوتِهِ.
وَمَا تَلِفَ فِي يَدِ الْمُكَاتَبِ، لَمْ يُرْجَعْ عَلَيْهِ بِهِ، سَوَاءٌ عَجَزَ أَوْ أَدَّى؛ لِأَنَّ مَالَهُ تَلِفَ فِي يَدِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَ مَا فِي يَدِ سَائِرِ أَصْنَافِ الصَّدَقَةِ.
وَإِنْ اشْتَرَى بِهِ عَرْضًا وَعَجَزَ، وَالْعَرْضُ فِي يَدِهِ، فَفِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مِثْلُ مَا لَوْ وُجِدَ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ الْعَرْضَ عِوَضُهُ، وَقَائِمٌ مَقَامَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أُعْطِيَ الْغَازِي مِنْ الصَّدَقَةِ مَا اشْتَرَى بِهِ فَرَسًا وَسِلَاحًا، ثُمَّ فَضَلَ ذَلِكَ عَنْ حَاجَتِهِ.
[فَصْلٌ مَوْتُ الْمُكَاتَبِ قَبْلَ الْأَدَاءِ]
(8830) فَصْلٌ: وَمَوْتُ الْمُكَاتَبِ قَبْلَ الْأَدَاءِ كَعَجْزِهِ، فِيمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ سَيِّدَهُ يَأْخُذُ مَا فِي يَدِهِ قَبْلَ حُصُولِ مَقْصُودِ الْكِتَابَةِ.
وَإِنْ أَدَّى، وَبَقِيَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ، فَحُكْمُهُ فِي رَدِّهِ أَوْ أَخْذِهِ لِنَفْسِهِ، حُكْمُ سَيِّدِهِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ عَجْزِهِ؛ لِأَنَّ مَا لَمْ يُؤَدِّهِ فِي كِتَابَتِهِ، بَقِيَ بَعْدَ زَوَالِهَا.
وَإِنْ كَانَ قَدْ اسْتَدَانَ مَا أَدَّاهُ فِي الْكِتَابَةِ، وَبَقِيَ عَنَدَهُ مِنْ الصَّدَقَةِ بِقَدْرِ مَا يَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ رَدُّهُ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجُ إلَيْهِ بِسَبَبِ الْكِتَابَةِ، فَأَشْبَهَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي أَدَائِهَا.
[مَسْأَلَةٌ اشْتَرَى الْمُكَاتِبَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ]
(8831) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا اشْتَرَى الْمُكَاتَبَانِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ، صَحَّ شِرَاءُ الْأَوَّلِ، وَبَطَلَ شِرَاءُ الْآخَرِ.
لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمُكَاتَبَ يَصِحُّ شِرَاؤُهُ لِلْعَبِيدِ، وَالْمُكَاتَبَ يَجُوزُ بَيْعُهُ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا.
فَإِذَا اشْتَرَى أَحَدُ الْمُكَاتَبَيْنِ الْآخَرَ، صَحَّ شِرَاؤُهُ، وَمِلْكُهُ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ، وَسَوَاءٌ كَانَا مُكَاتَبَيْنِ لَسَيِّدٍ وَاحِدٍ، أَوْ لِسَيِّدَيْنِ.
فَإِذَا عَادَ الثَّانِي، فَاشْتَرَى الَّذِي اشْتَرَاهُ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ سَيِّدُهُ وَمَالِكُهُ، وَلَيْسَ لِلْمَمْلُوكِ أَنْ يَمْلِكَ مَالِكَهُ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى تَنَاقُضِ الْأَحْكَامِ، إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: أَنَا سَيِّدُكَ، وَلِي عَلَيْكَ مَالُ الْكِتَابَةِ تُؤَدِّيهِ إلَيَّ، وَإِنْ عَجَزْتَ فَلِي فَسْخُ كِتَابَتِكَ، وَرَدُّكَ إلَيَّ أَنْ تَكُونَ رَقِيقًا لِي.
وَهَذَا تَنَاقُضٌ، وَإِذَا تَنَافَى أَنْ تَمْلِكَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا مِلْكَ الْيَمِينِ؛ لِثُبُوتِ مِلْكِهِ عَلَيْهَا فِي النِّكَاحِ، فَهَاهُنَا أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ هَذَا، لَتَقَاصَّ الدَّيْنَانِ إذَا تَسَاوَيَا، وَعَتَقَا جَمِيعًا.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَشِرَاءُ الْأَوَّلِ صَحِيحٌ، وَالْمَبِيعُ هَاهُنَا بَاقٍ عَلَى كِتَابَتِهِ، فَإِنْ أَدَّى عَتَقَ، وَوَلَاؤُهُ مَوْقُوفٌ،
فَإِنْ أَدَّى سَيِّدُهُ كِتَابَتَهُ، كَانَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ بِأَدَائِهِ إلَيْهِ، وَإِنْ عَجَزَ، فَوَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَثْبُتُ لَهُ وَلَاءٌ، وَلِأَنَّ السَّيِّدَ يَأْخُذُ مَالَهُ، فَكَذَلِكَ حُقُوقَهُ.
هَذَا مُقْتَضَى قَوْلِ الْقَاضِي، وَمُقْتَضَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ الْوَلَاءَ لِسَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ لَا يَثْبُتُ لَهُ الْوَلَاءُ، فَيَثْبُتُ لِسَيِّدِهِ.
وَكَذَلِكَ فِيمَا إذَا أَعْتَقَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، أَوْ كَاتَبَ عَبْدَهُ فَأَدَّى كِتَابَتَهُ، وَهَذَا نَظِيرُهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا؛ لِكَوْنِ الْعِتْقِ تَمَّ بِإِذْنِ السَّيِّدِ، فَيَحْصُلُ الْإِنْعَامُ مِنْهُ بِإِذْنِهِ فِيهِ، وَهَا هُنَا لَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِهِ، فَلَا نِعْمَةَ لَهُ عَلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ عَلَيْهِ وَلَاءٌ مَا لَمْ يُعَجِّزْهُ سَيِّدُهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(8832)
فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ السَّابِقُ مِنْهُمَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَبْطُلُ الْبَيْعَانِ، وَيُرَدُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى كِتَابَتِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَشْكُوكٌ فِي صِحَّةِ بَيْعِهِ فَيُرَدُّ إلَى الْيَقِينِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى مَا إذَا زَوَّجَ الْوَلِيَّانِ فَأَشْكَلَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا، فَيَقْتَضِي هَذَا أَنْ يُفْسَخَ الْبَيْعَانِ، كَمَا يُفْسَخ النِّكَاحَانِ.
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، لَا حَاجَةَ إلَى الْفَسْخِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ إنَّمَا اُحْتِيجَ إلَى فَسْخِهِ مِنْ أَجْلِ الْمَرْأَةِ؛ فَإِنَّهَا مَنْكُوحَةٌ نِكَاحًا صَحِيحًا، لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقِينًا فَلَا يَزُولُ إلَّا بِفَسْخٍ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَمْ يَثْبُتْ تَعَيُّنُ الْبَيْعِ فِي وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ فَلَمْ يُفْتَقَرْ إلَى فَسْخٍ.
[فَصْلٌ كَاتَبَ عَبِيدًا لَهُ صَفْقَةً وَاحِدَةً بِعِوَضٍ وَاحِدٍ]
(8833) فَصْلٌ: وَإِذَا كَاتَبَ عَبِيدًا لَهُ، صَفْقَةً وَاحِدَةً، بِعِوَضٍ وَاحِدٍ، مِثْلُ أَنْ يُكَاتِبَ ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ لَهُ بِأَلْفٍ صَحَّ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ عَطَاءٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَإِسْحَاقُ.
وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ، لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ مَعَ ثَلَاثَةٍ، كَعُقُودِ ثَلَاثَةٍ، وَعِوَضُ كُلٍّ مِنْهُمْ مَجْهُولٌ، فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ بَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَوَاحِدٍ صَفْقَةً وَاحِدَةً بِعِوَضٍ وَاحِدٍ.
وَلَنَا، أَنَّ جُمْلَةَ الْعِوَضِ مَعْلُومَةٌ، وَإِنَّمَا جُهِلَ تَفْصِيلُهَا فَلَمْ تَمْنَعْ صِحَّةَ الْعَقْدِ، كَمَا لَوْ بَاعَهُمْ لَوَاحِدٍ.
وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ الْعِوَضَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ عَلَى السَّوَاءِ فَقَدْ عُلِمَ أَيْضًا تَفْصِيلُ الْعِوَضِ وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثٌ، وَكَذَا يَقُولُ فِيمَا لَوْ بَاعَهُمْ لِثَلَاثَةٍ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُكَاتَبٌ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْأَلْفِ، وَيُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمْ حِينَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ الْمُعَاوَضَةِ، وَزَوَالِ سُلْطَانِ السَّيِّدِ عَنْهُمْ، فَإِذَا أَدَّاهُ، عَتَقَ.
هَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَالشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيز: يَتَوَجَّهُ لِأَبِي عَبْد اللَّه قَوْلٌ آخَرُ، أَنَّ الْعِوَضَ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ، فَيَتَسَاوَوْنَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أُضِيفَ إلَيْهِمْ إضَافَةً وَاحِدَةً فَكَانَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُمْ بِشَيْءٍ وَلَنَا أَنَّ هَذَا عِوَضٌ فَتَقَسَّطَ عَلَى الْمُعَوِّضِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شِقْصًا وَسَيْفًا، وَكَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبِيدًا.
فَرَدَّ
وَاحِدًا مِنْهُمْ بِعَيْبٍ، أَوْ أَتْلَفَ أَحَدَهُمْ وَرَدَّ الْآخَرَ.
وَيُخَالِفُ الْإِقْرَارَ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعِوَضٍ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَأَيُّهُمْ أَدَّى حِصَّتَهُ عَتَقَ وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يَعْتِقُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ حَتَّى يُؤَدِّيَ جَمِيعَ الْكِتَابَةِ.
وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ أَحَدُهُمْ عَنْ الْكَسْبِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، أُجْبِرَ عَلَيْهِ الْبَاقُونَ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْكِتَابَةَ وَاحِدَةٌ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْكِتَابَةُ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ دُونَ الْبَاقِينَ، وَلَا يَحْصُلُ الْعِتْقُ إلَّا بِأَدَاءِ جَمِيعِ الْكِتَابَةِ كَمَا لَوْ كَانَ الْمُكَاتَبُ وَاحِدًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ لَمْ يَقُلْ لَهُمْ السَّيِّدُ إنْ أَدَّيْتُمْ عَتَقْتُمْ: فَأَيُّهُمْ أَدَّى حِصَّتَهُ، عَتَقَ.
وَإِنْ أَدَّى جَمِيعَهَا، عَتَقُوا كُلُّهُمْ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى صَاحِبَيْهِ بِشَيْءٍ.
وَإِنْ قَالَ لَهُمْ: إنْ أَدَّيْتُمْ عَتَقْتُمْ.
لَمْ يَعْتِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ حَتَّى تُؤَدَّى الْكِتَابَةُ كُلُّهَا وَيَكُونَ بَعْضُهُمْ حَمِيلًا عَنْ بَعْضٍ، وَيَأْخُذُ أَيُّهُمْ شَاءَ بِالْمَالِ، وَأَيُّهُمْ أَدَّاهَا عَتَقُوا كُلُّهُمْ، وَرَجَعَ عَلَى صَاحِبَيْهِ بِحِصَّتِهِمَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ مَعَ ثَلَاثَةٍ، فَاعْتُبِرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِأَدَاءِ حِصَّتِهِ كَمَا لَوْ اشْتَرَوْا عَبْدًا، وَكَمَا لَوْ لَمْ يَقُلْ لَهُمْ إنْ أَدَّيْتُمْ عَتَقْتُمْ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْعِتْقِ بِأَدَاءِ الْعِوَضِ، لَا بِهَذَا الْقَوْلِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَعْتِق بِالْأَدَاءِ بِدُونِ هَذَا الْقَوْلِ، وَلَمْ يَثْبُتْ كَوْنُ هَذَا الْقَوْلِ مَانِعًا مِنْ الْعِتْقِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ كِتَابَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنَّ الْعَقْدَ مَعَ جَمَاعَةٍ عُقُودٌ، بِدَلِيلِ الْبَيْعِ، وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى كِتَابَةِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ مَا قَدَّرَهُ فِي مُقَابَلَةِ عِتْقِهِ، وَهَا هُنَا فِي مُقَابَلَةِ عِتْقِهِ مَا يَخُصُّهُ، فَافْتَرَقَا.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إنْ شَرَطَ عَلَيْهِمْ فِي الْعَقْدِ، أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ضَامِنٌ عَنْ الْبَاقِينَ، فَالشَّرْطُ فَاسِدٌ، وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فِي الشَّرْطِ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ صَحِيحٌ.
وَخَرَّجَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَجْهًا، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي ضَمَانِ الْحُرِّ لِمَالِ الْكِتَابَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْعَقْدُ وَالشَّرْطُ فَاسِدَانِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ فَاسِدٌ، وَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ الْعَقْدِ بِدُونِهِ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ إنَّمَا رَضِيَ بِالْعَقْدِ بِهَذَا الشَّرْطِ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ، لَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِالْعَقْدِ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: الْعَقْدُ وَالشَّرْطُ صَحِيحَانِ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ عِنْدَهُمَا.
وَلَنَا، أَنَّ مَالَ الْكِتَابَةِ لَيْسَ بِلَازِمٍ، وَلَا مَآلُهُ إلَى اللُّزُومِ، فَلَمْ يَصِحَّ ضَمَانُهُ، كَمَا لَوْ جَعَلَ الْمَالَ صِفَةً مُجَرَّدَةً فِي الْعِتْقِ، فَقَالَ: إنْ أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا، فَأَنْتَ حُرٌّ.
وَلِأَنَّ الضَّامِنَ لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِمَّا يَلْزَمُ الْمَضْمُونَ عَنْهُ، وَمَالُ الْكِتَابَةِ لَا يَلْزَمُ الْمُكَاتَبَ، فَلَا يَلْزَمُ الضَّامِنَ، وَلِأَنَّ الضَّمَانَ تَبَرُّعٌ، وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ التَّبَرُّعُ، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ
الضَّمَانَ عَنْ حُرٍّ، وَلَا عَمَّنْ لَيْسَ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ، فَكَذَلِكَ مَنْ مَعَهُ.
وَأَمَّا الْعَقْد فَصَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَفْسُدُ بِفَسَادِ الشَّرْطِ؛ بِدَلِيلِ خَبَرِ بَرِيرَةَ، وَسَنَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(8834)
فَصْلٌ: إذَا مَاتَ بَعْضُ الْمُكَاتَبِينَ، سَقَطَ قَدْرُ حِصَّتِهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ.
وَكَذَلِكَ إنْ أُعْتِقَ بَعْضُهُمْ.
وَعَنْ مَالِكٍ إنْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ أَحَدَهُمْ وَكَانَ مُكْتَسِبًا، لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ؛ لِأَنَّهُ يَضُرُّ بِالْبَاقِينَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكْتَسِبًا، نَفَذَ عِتْقُهُ؛ لِعَدَمِ الضَّرَرِ فِيهِ.
وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ حَتَّى يُؤَدِّيَ جَمِيعَ مَالِ الْكِتَابَةِ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهِ.
[فَصْلٌ أَدَّى أَحَدُ الْمُكَاتِبِينَ عَنْ صَاحِبِهِ أَوْ عَنْ مُكَاتَب آخَر قَبْلَ أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِلْمِ سَيِّدِهِ]
(8835) فَصْلٌ: فَإِنْ أَدَّى أَحَدُ الْمُكَاتَبِينَ عَنْ صَاحِبِهِ، أَوْ عَنْ مُكَاتَبٍ آخَرَ، قَبْلَ أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ، بِغَيْرِ عِلْمِ سَيِّدِهِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ هَذَا تَبَرُّعٌ، وَلَيْسَ لَهُ التَّبَرُّعُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ حَلَّ عَلَيْهِ نَجْمٌ، صُرِفَ ذَلِكَ فِيهِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَلَّ عَلَيْهِ نَجْمٌ، فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ.
وَإِنْ عَلَمِ السَّيِّدُ بِذَلِكَ، وَرَضِيَ بِقَبْضِهِ عَنْ الْآخَرِ، صَحَّ؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ لَهُ رَاضِيًا بِهِ مَعَ الْعِلْمِ، دَلِيلٌ عَلَى الْإِذْنِ فِيهِ، فَجَازَ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِيهِ تَصْرِيحًا.
وَإِنْ كَانَ الْأَدَاءُ بَعْدَ أَنْ عَتَقَ، صَحَّ، سَوَاءٌ عَلِمَ السَّيِّدُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ.
فَإِذَا أَرَادَ الرُّجُوعَ عَلَى صَاحِبِهِ بِمَا أَدَّى عَنْهُ، نَظَرْنَا؛ فَإِنْ كَانَ قَدْ قَصَدَ التَّبَرُّعَ عَلَيْهِ، لَمْ يَرْجِعْ بِهِ، وَإِنْ أَدَّاهُ مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ عَلَيْهِ، وَكَانَ الْأَدَاءُ بِإِذْنِ الْمُؤَدَّى عَنْهُ، فَهُوَ قَرْضٌ، يَلْزَمُهُ أَدَاؤُهُ كَمَا لَوْ اقْتَرَضَهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ عَلَيْهِ بِأَدَاءِ مَا لَا يَلْزَمُهُ كَمَا لَوْ تَصَدَّقَ عَنْهُ صَدَقَةَ تَطَوُّعٍ، وَبِهَذَا فَارَقَ سَائِرَ الدُّيُونِ.
وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ، وَطَلَبَ اسْتِيفَاءَهُ، قُدِّمَ عَلَى أَدَاءِ مَالِ الْكِتَابَةِ، كَسَائِرِ الدُّيُونِ.
وَإِذَا عَجَزَ عَنْ أَدَائِهِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ الدُّيُونِ.
وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
[فَصْلٌ ضَمَان الْحُرِّ لِمَالِ الْكِتَابَةِ]
(8836) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ الْحُرِّ لِمَالِ الْكِتَابَةِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي مُعَاوَضَةٍ، فَصَحَّ ضَمَانُهُ، كَثَمَنِ الْمَبِيعِ.
وَلَنَا، مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ لَازِمٌ، وَهَذَا غَيْرُ لَازِمٍ.
[فَصْلٌ أَدَّوْا أَيْ الْمُكَاتِبِينَ مَا عَلَيْهِمْ أَوْ بَعْضَهُ ثُمَّ اخْتَلَفُوا]
(8837) فَصْلٌ: وَإِذَا أَدَّوْا مَا عَلَيْهِمْ، أَوْ بَعْضَهُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ مَنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ: أَدَّى كُلُّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ مَا عَلَيْهِ، فَلَا فَضْلَ لِأَحَدِنَا عَلَى صَاحِبِهِ.
وَقَالَ مَنْ قَلَّتْ قِيمَتُهُ: أَدَّيْنَا عَلَى السَّوَاءِ، فَلِي الْفَضْلُ عَلَيْكَ، أَوْ يَكُونُ وَدِيعَةً لِي عِنْدَ
سَيِّدِنَا.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يُؤَدِّي أَكْثَرَ مِنْهُ، فَرَجَحَتْ دَعْوَاهُ بِذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَ الْمُؤَدَّى أَكْثَرَ مِمَّا عَلَيْهِمْ، وَاخْتَلَفُوا فِي الزِّيَادَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي التَّسَاوِي؛ لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا فِي أَدَائِهِ، فَكَانَتْ أَيْدِيهِمْ عَلَيْهِ، فَاسْتَوَوْا فِيهِ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ مَالٌ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ.
[فَصْلٌ جَنَى بَعْضُ الْمُكَاتِبِينَ]
(8838) فَصْلٌ: وَإِنْ جَنَى بَعْضُهُمْ، فَجِنَايَتُهُ عَلَيْهِ دُونَ صَاحِبِهِ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَقَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يُؤَدُّونَ كُلُّهُمْ أَرْشَهُ، فَإِنْ عَجَزُوا رَقُّوا.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] . وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَجْنِي جَانٍ إلَّا عَلَى نَفْسِهِ» . وَلِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَكَ رَجُلَانِ، وَتَعَاقَدَا، لَمْ يَحْمِلْ أَحَدُهُمَا جِنَايَةَ صَاحِبِهِ، فَكَذَا هَاهُنَا؛ لِأَنَّ مَا لَا يَصِحُّ، لَا يَتَضَمَّنُهُ عَقْدُ الْكِتَابَةِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدِهِمَا بِفِعْلِ الْآخَرِ، كَالْقِصَاصِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُكَاتَبٌ بِحِصَّتِهِ، فَهُوَ كَالْمُنْفَرِدِ بِعَقْدِهِ.
[مَسْأَلَة شَرَطَ فِي كِتَابَتِهِ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ]
(8839) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا شَرَطَ فِي كِتَابَتِهِ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ، فَالْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ) . أَمَّا الشَّرْط فَبَاطِلٌ.
لَا نَعْلَمُ فِي بُطْلَانِهِ خِلَافًا؛ وَذَلِكَ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -. قَالَتْ: «كَانَتْ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ قَضِيَّاتٍ، أَرَادَ أَهْلُهَا أَنْ يَبِيعُوهَا وَيَشْتَرِطُوا الْوَلَاءَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: اشْتَرِيهَا، وَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اشْتَرِيهَا، وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ.
فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ نَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَصِحُّ نَقْلُهُ بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ، وَقَالَ «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» . وَلِأَنَّهُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، فَلَمْ يَصِحَّ اشْتِرَاطُهُ لِغَيْرِ صَاحِبِهِ، كَالْقَرَابَةِ، وَلِأَنَّهُ حُكْمُ الْعِتْقِ فَلَمْ يَصِحَّ اشْتِرَاطُهُ لِغَيْرِ الْمُعْتِقِ، كَمَا لَا يَصِحُّ اشْتِرَاطُ حُكْمِ النِّكَاحِ لِغَيْرِ النَّاكِحِ، وَلَا حُكْمِ الْبَيْعِ لِغَيْرِ الْعَاقِدِ.
وَسَوَاءٌ شَرَطَ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ أَوْ شَرَطَهُ لِبَائِعِهِ، أَوْ لَرَجُلٍ آخَرَ بِعَيْنِهِ.
وَلَا تَفْسُدُ الْكِتَابَةُ بِهَذَا الشَّرْطِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يَفْسُدُ بِهِ، كَمَا لَوْ شَرَطَ عِوَضًا مَجْهُولًا.
وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ؛ بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ.
وَلَنَا، حَدِيثُ بَرِيرَةَ؛ فَإِنَّ أَهْلَهَا شَرَطُوا لَهُمْ الْوَلَاءَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشِرَائِهَا مَعَ هَذَا الشَّرْطِ.
وَقَالَ: «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» . وَيُفَارِقُ جَهَالَةَ الْعِوَضِ؛ فَإِنَّهُ رُكْنُ الْعَقْدِ، لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ الْعَقْدِ بِدُونِهِ، وَرُبَّمَا أَفْضَتْ جَهَالَتُهُ إلَى التَّنَازُعِ وَالِاخْتِلَافِ، وَهَذَا الشَّرْطُ زَائِدٌ، فَإِذَا حَذَفْنَاهُ بَقِيَ الْعَقْدُ صَحِيحًا بِحَالِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ» . أَيْ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَأْمُرُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ، وَاللَّامُ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى (عَلَى) كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7] . أَيْ فَعَلَيْهَا.
قُلْنَا: هَذَا لَا يَصِحُّ؛ لَوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ؛ أَحَدُهَا، أَنَّهُ يُخَالِفُ وَضْعَ اللَّفْظِ وَالِاسْتِعْمَالَ.
وَالثَّانِي، أَنَّ أَهْلَ بَرِيرَةَ أَبَوْا هَذَا الشَّرْطَ، فَكَيْفَ يَأْمُرُهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَرْطٍ لَا يَقْبَلُونَهُ، وَالثَّالِثُ، أَنَّ ثُبُوتَ الْوَلَاءِ لَهَا لَا يَحْتَاجُ إلَى شَرْطٍ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْعِتْقِ وَحُكْمُهُ.
وَالرَّابِعُ، أَنَّ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ: «لَا يَمْنَعُكِ هَذَا الشَّرْطُ مِنْهَا، ابْتَاعِي، وَأَعْتِقِي» . وَإِنَّمَا أَمَرَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالشَّرْطِ، تَعْرِيفًا لَنَا أَنَّ وُجُودَ هَذَا الشَّرْطِ كَعَدَمِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْقُلُ الْوَلَاءَ عَنْ الْمُعْتِقِ.
[فَصْل اشْتَرَطَ السَّيِّدُ عَلَى الْمَكَاتِب أَنْ يَرِثَهُ دُونَ وَرَثَتِهِ]
(8840) فَصْلٌ: وَإِنْ اشْتَرَطَ السَّيِّدُ عَلَى الْمُكَاتَبِ أَنْ يَرِثَهُ دُونَ وَرَثَتِهِ، أَوْ يُزَاحِمَهُمْ فِي مَوَارِيثِهِمْ، فَهُوَ شَرْطٌ فَاسِدٌ.
فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَشُرَيْحٌ: وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَإِسْحَاقَ.
وَأَجَازَ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَنْ يَشْتَرِطَ شَيْئًا مِنْ، مِيرَاثِهِ.
وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ، بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ، أَنَّ رَجُلًا كَاتَبَ مَمْلُوكَهُ، وَاشْتَرَطَ مِيرَاثَهُ، فَلَمَّا مَاتَ الْمُكَاتَبُ، تَخَاصَمَ وَرَثَتُهُ إلَى شُرَيْحٍ، فَقَضَى شُرَيْحٌ بِمِيرَاثِ الْمُكَاتَبِ لِوَرَثَتِهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: مَا يُغْنِي عَنِّي شَرْطِي مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً؟ فَقَالَ شُرَيْحٌ: كِتَابُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ قَبْلَ شَرْطِكَ بِخَمْسِينَ سَنَةً.
وَلَا تَفْسُدُ الْكِتَابَةُ بِهَذَا الشَّرْطِ، كَاَلَّذِي قَبْلَهُ.
[فَصْلٌ شَرَطَ عَلَى الْمَكَاتِب خِدْمَةً مَعْلُومَةً بَعْدَ الْعِتْقَ]
(8841) فَصْلٌ: وَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ خِدْمَةً مَعْلُومَةً بَعْدَ الْعِتْقَ، جَازَ.
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَالزُّهْرِيُّ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ مِيرَاثَهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ أَعْتَقَ كُلَّ مَنْ يُصَلِّي مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ، أَنَّكُمْ تَخْدُمُونَ الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ.
وَلِأَنَّهُ اشْتَرَطَ خِدْمَةً فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَهَا قَبْلَ الْعِتْقِ، وَلِأَنَّهُ شَرَطَ نَفْعًا مَعْلُومًا، أَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ عِوَضًا مَعْلُومًا، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ؛ فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ الْعِتْقُ عِنْدَ الْأَدَاءِ، وَهَذَا لَا يُنَافِيه.
[فَصْلٌ كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفَيْنِ فِي رَأْسِ كُلِّ شَهْرٍ أَلْفٌ وَشَرَطَ أَنْ يَعْتِقَ عِنْدَ أَدَاءِ الْأَوَّلِ]
(8842) فَصْلٌ: وَإِذَا كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفَيْنِ، فِي رَأْسِ كُلِّ شَهْرٍ أَلْفٌ، وَشَرَطَ أَنْ يَعْتِقَ عِنْدَ أَدَاءِ الْأَوَّلِ، صَحَّ، فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ، وَيَعْتِقُ عِنْدَ أَدَائِهِ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَوْ أَعْتَقَهُ بِغَيْرِ أَدَاءِ شَيْءٍ، صَحَّ، فَكَذَلِكَ إذَا أَعْتَقَهُ عِنْدَ أَدَاءِ الْبَعْضِ، وَيَبْقَى الْآخَرُ دَيْنًا عَلَيْهِ بَعْدَ عِتْقِهِ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ نَفْسَهُ بِهِ.
[مَسْأَلَةٌ أَسَرَ الْعَدُوُّ الْمَكَاتِب فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ فَأَخْرَجَهُ إلَى سَيِّدِهِ فَأَحَبَّ أَخْذَهُ]
(8843) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا أَسَرَ الْعَدُوُّ الْمُكَاتَبَ، فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ، فَأَخْرَجَهُ إلَى سَيِّدِهِ، فَأَحَبَّ أَخْذَهُ، أَخَذَهُ بِمَا اشْتَرَاهُ، فَهُوَ عَلَى كِتَابَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُحِبَّ أَخْذَهُ، فَهُوَ عَلَى مِلْكِ مُشْتَرِيه، مُبْقًى عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ، يَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ، وَوَلَاؤُهُ لِمَنْ يُؤَدِّي إلَيْهِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْكُفَّارَ إذَا أَسَرُوا مُكَاتَبًا، ثُمَّ اسْتَنْقَذَهُ الْمُسْلِمُونَ، فَالْكِتَابَةُ بِحَالِهَا؛ فَإِنْ أُخِذَ فِي الْغَنَائِمِ، فَعُلِمَ بِحَالِهِ، أَوْ أَدْرَكَهُ سَيِّدُهُ قَبْلَ قَسْمِهِ، أَخَذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَكَانَ عَلَى كِتَابَتِهِ كَمَنْ لَمْ يُؤْسَرْ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ حَتَّى قُسِمَ، وَصَارَ فِي سَهْمِ بَعْضِ الْغَانِمِينَ، أَوْ اشْتَرَاهُ رَجُلٌ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ قَسْمِهِ، أَوْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَأَخْرَجَهُ إلَى سَيِّدِهِ، فَإِنَّ
سَيِّدَهُ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهُ بِهِ.
وَفِيمَا إذَا كَانَ غَنِيمَةً، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ إذَا قُسِمَ، فَلَا حَقَّ لِسَيِّدِهِ فِيهِ بِحَالٍ.
فَيُخَرَّجُ فِي الْمُشْتَرِي مِثْلُ ذَلِكَ.
وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَإِنَّ سَيِّدَهُ إنْ أَخَذَهُ، فَهُوَ مُبْقًى عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ، وَإِنْ تَرَكَهُ، فَهُوَ فِي يَدِ مُشْتَرِيه، مُبْقًى عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ، فَيَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَوَلَاؤُهُ لِمَنْ يُؤَدِّي إلَيْهِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ مِنْ سَيِّدِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ مِلْكُ الْكُفَّارِ، وَيُرَدُّ إلَى سَيِّدِهِ بِكُلِّ حَالٍ.
وَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ الشَّافِعِيَّ، فِي الْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُمَا عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُمَا، وَلَا نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهِمَا، فَأَشْبَهَا أُمَّ الْوَلَدِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَا أَدْرَكَهُ صَاحِبُهُ مَقْسُومًا، لَا يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ أَخْذَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَكَذَلِكَ مَا اشْتَرَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، وَفِي أَنَّ الْمُكَاتَبَ وَالْمُدَبَّرَ يَجُوزُ بَيْعُهُمَا، بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ هَاهُنَا.
(8844)
فَصْلٌ: وَهَلْ يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِالْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا مَعَ الْكُفَّارِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِهَا؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ اقْتَضَتْ تَمْكِينَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ وَالْكَسْبِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذَلِكَ، لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ حَبَسَهُ سَيِّدُهُ.
فَعَلَى هَذَا، يَنْبَنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْمُدَّةِ قَبْلَ الْأَسْرِ، وَتَبْقَى مُدَّةُ الْأَسْرِ، كَأَنَّهَا لَمْ تُوجَدْ.
وَالثَّانِي، يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ بِهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ مُدَّةِ الْكِتَابَةِ؛ مَضَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْ سَيِّدِهِ، فَاحْتُسِبَ عَلَيْهِ بِهَا، كَمَا لَوْ مَرِضَ، وَلِأَنَّهُ مَدِينٌ مَضَتْ مُدَّةٌ مِنْ أَجْلِ دَيْنِهِ فِي حَبْسِهِ، فَاحْتُسِبَ عَلَيْهِ بِهَا، كَسَائِرِ الْغُرَمَاءِ، وَفَارَقَ مَا إذَا حَبَسَهُ سَيِّدُهُ، بِمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَعَلَى هَذَا، إذَا حَلَّ عَلَيْهِ نَجْمٌ عِنْدَ اسْتِنْقَاذِهِ، جَازَتْ مُطَالَبَتُهُ.
وَإِنْ حَلَّ مَا يَجُوزُ تَعْجِيزُهُ بِتَرْكِ أَدَائِهِ، فَلِسَيِّدِهِ تَعْجِيزُهُ، وَرَدُّهُ إلَى الرِّقِّ.
وَهَلْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أَوْ حُكْمِ الْحَاكِمِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إلَى الْمَالِ فِي وَقْتِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا، يُحَقِّقُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا، وَالْمَالُ غَائِبًا، يَتَعَذَّرُ إحْضَارُهُ وَأَدَاؤُهُ فِي مُدَّةٍ قَرِيبَةٍ، لَكَانَ لِسَيِّدِهِ الْفَسْخُ، وَالْمَالُ هَاهُنَا إمَّا مَعْدُومٌ، وَإِمَّا غَائِبٌ يَتَعَذَّرُ أَدَاؤُهُ، وَفِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ يَجُوزُ الْفَسْخُ.
وَالثَّانِي، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ مَعَ الْغَيْبَةِ يُحْتَاجُ إلَى أَنْ يُبْحَثَ، أَلَهُ مَالٌ أَمْ لَا؟ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا كَانَ حَاضِرًا؛ فَإِنَّهُ يُطَالِبُهُ، فَإِنْ أَدَّى، وَإِلَّا فَقَدْ عَجَّزَ نَفْسَهُ.
فَإِنْ فَسَخَ الْكِتَابَةَ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، ثُمَّ خَلَصَ الْمُكَاتَبُ، فَادَّعَى أَنَّ لَهُ مَالًا فِي وَقْتِ الْفَسْخِ، يَفِي بِمَا عَلَيْهِ، وَأَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً، بَطَلَ الْفَسْخُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَبْطُلَ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ أَدَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُتَعَذِّرَ الْأَدَاءِ، كَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
[فَصْلٌ حَبَسَ الْمَكَاتِب]
(8845) فَصْلٌ: وَإِنْ حَبَسَهُ سَيِّدُهُ مُدَّةً، فَقَدْ أَسَاءَ، وَلَا يَحْتَسِبُ عَلَيْهِ بِمُدَّتِهِ، فِي أَحَدِ الْوُجُوهِ.
وَالثَّانِي، يَحْتَسِبُ عَلَيْهِ بِمُدَّتِهِ؛ لِأَنَّ مَالَ الْكِتَابَةِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ، فَيَحْتَسِبُ بِمُدَّةِ الْحَبْسِ مِنْ الْأَجَلِ، كَسَائِرِ الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ.
فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ، يَلْزَمُهُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي حَبَسَهُ فِيهَا.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ عَلَى سَيِّدِهِ تَمْكِينَهُ مِنْ التَّصَرُّفِ مُدَّةَ كِتَابَتِهِ، فَإِذَا حَبَسَهُ مُدَّةً، وَجَبَ عَلَيْهِ تَأْخِيرُهُ مِثْلَ تِلْكَ الْمُدَّةِ؛ لِيَسْتَوْفِيَ الْوَاجِبَ لَهُ، وَلِأَنَّ حَبْسَهُ يُفْضِي إلَى إبْطَالِ الْكِتَابَةِ، وَتَفْوِيتِ مَقْصُودِهَا، وَرَدِّهِ إلَى الرِّقِّ، وَلِأَنَّ عَجْزَهُ عَنْ أَدَاءِ نُجُومِهِ فِي مَحِلِّهَا بِسَبَبٍ مِنْ سَيِّدِهِ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ فَسْخَ الْعَقْدِ، كَمَا لَوْ مَنَعَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ مِنْ أَدَاءِ الثَّمَنِ، لَمْ يَسْتَحِقَّ فَسْخَ الْبَيْعِ، وَلَوْ مَنَعَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، لَمْ يَسْتَحِقَّ فَسْخَ الْعَقْد؛ كَذَا، هَاهُنَا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ، أَنَّهُ يَلْزَمُ سَيِّدَهُ أَرْفَقُ الْأَمْرَيْنِ بِهِ؛ مِنْ تَخْلِيَتِهِ مِثْلَ تِلْكَ الْمُدَّةِ، أَوْ أَجْرِ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ سَبَبُهُمَا، فَكَانَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْفَعُهُمَا.
[فَصْلٌ أَوْصَى بِأَنْ يُكَاتَبَ عَبْدُهُ]
(8846) فَصْلٌ: وَإِذَا أَوْصَى بِأَنْ يُكَاتَبَ عَبْدُهُ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقُّ الْآدَمِيِّ، فَإِذَا أَوْصَى بِهِ، صَحَّ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ مِنْ ثُلُثِهِ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ مِنْ جِهَتِهِ فَإِنَّهُ بَيْعُ مَالِهِ بِمَالِهِ.
فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ؛ لَزِمَهُمْ كِتَابَتُهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ مَالُ الْكِتَابَةِ مِنْ مَالِهِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مَالِهِ وَفَائِدَتُهُ، وَلِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالَةِ الْمَوْتِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ مَالَ الْكِتَابَةِ، ثُمَّ يُنْظَرُ؛ فَإِنْ عَيَّنَ مَالَ الْكِتَابَةِ، كَاتَبُوهُ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ مِثْلَهَا أَوْ أَكْثَرَ.
وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ، كَاتَبُوهُ عَلَى مَا جَرَى الْعُرْفُ بِكِتَابَةِ مِثْلِهِ بِهِ.
وَالْعُرْفُ أَنْ يُكَاتَبَ الْعَبْدُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ؛ لِكَوْنِ دَيْنِهَا مُؤَجَّلًا.
وَيَجِبُ رَدُّ رَيْعِهِ إلَيْهِ.
وَيُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ رِضَا الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَلْزَمُهُ، وَلَا يَجُوزُ إجْبَارُهُ عَلَيْهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ وَصَّى بِعِتْقِهِ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ، وَلَا يَقِفُ عَلَى اخْتِيَارِهِ وَلَا رِضَاهُ.
فَإِنْ رَدَّ الْوَصِيَّةَ، بَطَلَتْ.
فَإِنْ عَادَ فَطَلَبِهَا، لَمْ تَلْزَمْهُ إجَابَتُهُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ وَصِيَّتَهُ بَطَلَتْ بِالرَّدِّ، فَأَشْبَهَ الْوَصِيَّةَ بِالْمَالِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَدَّهَا، وَجَبَتْ إجَابَتُهُ إلَيْهَا.
وَإِذَا أَدَّى عَتَقَ، وَكَانَ وَلَاؤُهُ لِلْمُوصِي بِكِتَابَتِهِ، كَمَا لَوْ وَصَّى بِعِتْقِهِ، وَإِنْ عَجَزَ، فَلِلْوَارِثِ رَدُّهُ فِي الرِّقِّ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ، فَإِنَّهُ يُكَاتَبُ مِنْهُ مَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ وَصَّى بِوَصَايَا غَيْرِ الْكِتَابَةِ، لَا تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ، تَحَاصُّوا فِي الثُّلُثِ، وَأُدْخِلَ النَّقْصُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقَدْرِ مَا لَهُ فِي الْوَصِيَّةِ.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ تُقَدَّمَ الْكِتَابَةُ؛ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تُقَدِّمُ الْعِتْقَ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مَقْصُودُهَا الْعِتْقُ، وَتُفْضِي إلَيْهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تُقَدَّمَ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ تَغْلِيبٌ وَسِرَايَةٌ، لَيْسَ هُوَ لِلْكِتَابَةِ، وَإِفْضَاؤُهَا إلَى الْعِتْقِ لَا يُوجِبُ تَقْدِيمَهَا، كَمَا لَوْ وَصَّى لَرَجُلٍ بِابْنِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُقَدَّمُ، مَعَ أَنَّ الْقَصْدَ بِوَصِيَّتِهِ الْعِتْقُ، وَيُفْضِي إلَيْهِ.
[فَصْلٌ قَالَ كَاتِبُوا أَحَدَ رَقِيقِي]
(8847) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: كَاتِبُوا أَحَدَ رَقِيقِي.
فَلِلْوَرَثَةِ مُكَاتَبَةُ مَنْ شَاءُوا مِنْهُمْ.
فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ، يُكَاتِبُونَ وَاحِدًا مِنْهُمْ بِالْقُرْعَةِ.
وَإِنْ قَالَ: أَحَدَ عَبِيدِي.
فَكَذَلِكَ، إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ مُكَاتَبَةُ أَمَةٍ، وَلَا خُنْثَى مُشْكِلٍ، لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَوْنُ الْخُنْثَى عَبْدًا.
أَوْ أَمَةً.
وَإِنْ قَالَ: أَحَدَ إمَائِي.
فَلَيْسَ لَهُمْ مُكَاتَبَةُ عَبْدٍ، وَلَا خُنْثَى مُشْكِلٍ كَذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ الْخُنْثَى غَيْرَ مُشْكِلٍ، وَكَانَ رَجُلًا، فَلَهُمْ مُكَاتَبَتُهُ إذَا قَالَ كَاتِبُوا أَحَدَ عَبِيدِي.
وَإِنْ كَانَ أُنْثَى، فَلَهُمْ مُكَاتَبَتُهُ إذَا قَالَ: كَاتِبُوا أَحَدَ إمَائِي.
لِأَنَّ هَذَا عَيْبٌ فِيهِ، وَالْعَيْبُ لَا يَمْنَعُ الْكِتَابَةَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ الْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ]
فَصْلٌ: وَالْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ، أَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى عِوَضٍ مَجْهُولٍ، أَوْ عِوَضٍ حَالٍّ، أَوْ مُحَرَّمٍ، كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ.
فَأَمَّا إنْ شَرَطَ فِي الْكِتَابَةِ شَرْطًا فَاسِدًا، فَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يُفْسِدُهَا لَكِنْ يَلْغُو الشَّرْطُ، وَتَبْقَى الْكِتَابَةُ صَحِيحَةً.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يُفْسِدَهَا؛ بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكِتَابَةَ عَلَى الْعِوَضِ الْمُحَرَّمِ بَاطِلَةٌ، لَا يَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ فِيهَا.
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ؛ فَإِنَّهُ قَدْ رَوَى عَنْ أَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: إذَا كَاتَبَهُ كِتَابَةً فَاسِدَةً، فَأَدَّى مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ، عَتَقَ، مَا لَمْ تَكُنْ الْكِتَابَةُ مُحَرَّمَةً.
فَحَكَمَ بِالْعِتْقِ بِالْأَدَاءِ إلَّا فِي الْمُحَرَّمَةِ.
وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ، كَسَائِرِ الْكِتَابَاتِ الْفَاسِدَةِ.
وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْقَاضِي عَلَى مَا إذَا جَعَلَ السَّيِّدُ الْأَدَاءَ شَرْطًا لِلْعِتْقِ، فَقَالَ: إذَا أَدَّيْت إلَيَّ، فَأَنْتَ حُرٌّ.
فَأَدَّى إلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ بِالصِّفَةِ الْمُجَرَّدَةِ، لَا بِالْكِتَابَةِ، وَيَثْبُتُ فِي هَذِهِ الْكِتَابَةِ حُكْمُ الصِّفَةِ فِي الْعِتْقِ بِوُجُودِهَا، لَا بِحُكْمِ الْكِتَابَةِ.
وَأَمَّا غَيْرُهَا مِنْ الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ، فَإِنَّهَا تُسَاوِي الصَّحِيحَةَ فِي أَرْبَعَةِ أَحْكَامٍ؛ أَحَدُهَا، أَنَّهُ يَعْتِقُ بِأَدَاءِ مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ صَرَّحَ بِالصِّفَةِ، فَقَالَ: إنَّ أَدَّيْت إلَيَّ، فَأَنْتَ حُرٌّ.
أَوْ لَمْ يَقُلْ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْكِتَابَةِ يَقْتَضِي هَذَا، فَيَصِيرُ كَالْمُصَرَّحِ بِهِ، فَيَعْتِقُ بِوُجُودِهِ، كَالْكِتَابَةِ الصَّحِيحَةِ.
الثَّانِي، أَنَّهُ إذَا عَتَقَ بِالْأَدَاءِ، لَمْ تَلْزَمْهُ قِيمَةُ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى سَيِّدِهِ بِمَا أَعْطَاهُ.
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يَتَرَاجَعَانِ، فَيَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ قِيمَتُهُ، وَعَلَى السَّيِّدِ مَا أَخَذَهُ، فَيَتَقَاصَّانِ بِقَدْرِ أَقَلِّهِمَا، إنْ كَانَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَيَأْخُذُ ذُو الْفَضْلِ فَضْلَهُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَاسِدَةٍ، فَوَجَبَ التَّرَاجُعُ فِيهِ، كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ عَقْدُ كِتَابَةٍ لِمُعَاوَضَةٍ حَصَلَ الْعِتْقُ فِيهَا بِالْأَدَاءِ، فَلَمْ يَجِبْ التَّرَاجُعُ فِيهَا، كَمَا لَوْ كَانَ الْعَقْدُ صَحِيحًا، وَلِأَنَّ مَا أَخَذَهُ السَّيِّدُ فَهُوَ مِنْ كَسْبِ عَبْدِهِ، الَّذِي لَمْ يَمْلِكْ كَسْبَهُ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ رَدُّهُ، وَالْعَبْدُ عَتَقَ بِالصِّفَةِ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ، فَأَنْتَ حُرٌّ.