المغني لابن قدامةصفحات 210-249
أهل الأثرالأرشيف العلمي

َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ

صفحات 210-249
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
المغني لابن قدامة
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
مكتبة القاهرة
الطبعة
بدون طبعة
عدد الأجزاء
10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الدَّيْنَ خَالِصُ حَقِّهِ، لَا حَقَّ لَهَا فِيهِ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ حَقُّهَا بِالنَّفَقَةِ الْحَاضِرَةِ، لِوُجُوبِ صَرْفِهَا إلَيْهَا، وَقِوَامِ بَدَنِهَا بِهَا، بِخِلَافِ الْمَاضِيَةِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّاب، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَيْسَ لِسَيِّدِهَا الْفَسْخُ لِعُسْرَةِ زَوْجِهَا بِالنَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ لَهَا، فَلَمْ يَمْلِكْ سَيِّدُهَا الْفَسْخَ دُونَهَا، كَالْفَسْخِ لِلْعَيْبِ، فَإِنْ كَانَتْ مَعْتُوهَةً، أَنْفَقَ الْمَوْلَى، وَتَكُونُ النَّفَقَةُ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ، وَإِنْ كَانَتْ عَاقِلَةً قَالَ لَهَا السَّيِّدُ: إنْ أَرَدْت النَّفَقَةَ، فَافْسَخِي النِّكَاحَ، وَإِلَّا فَلَا نَفَقَةَ لَك عِنْدِي.

[فَصْلٌ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَوْ فِي تَقْبِيضِهَا نَفَقَتَهَا]

(6485) فَصْلٌ: وَإِنْ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، أَوْ فِي تَقْبِيضِهَا نَفَقَتَهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهَا مُنْكِرَةٌ، وَالْأَصْلُ مَعَهَا.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي التَّمْكِينِ الْمُوجِبِ لِلنَّفَقَةِ، أَوْ فِي وَقْتِهِ، فَقَالَتْ: كَانَ ذَلِكَ مِنْ شَهْرٍ.
فَقَالَ: بَلْ مِنْ يَوْمٍ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، وَالْأَصْلُ مَعَهُ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي يَسَارِهِ فَادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ لِيَفْرِضَ لَهَا نَفَقَةَ الْمُوسِرِينَ، أَوْ قَالَتْ: كُنْت مُوسِرًا.
وَأَنْكَرَ ذَلِكَ، فَإِنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
وَبِهَذَا كُلِّهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي فَرْضِ الْحَاكِمِ لِلنَّفَقَةِ، أَوْ فِي وَقْتِهَا، فَقَالَ: فَرَضَهَا مُنْذُ شَهْرٍ.
فَقَالَتْ: بَلْ مُنْذُ عَامٍ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ مُقِيمًا مَعَهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنْهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ مِنْ يَوْمِ رَفَعَتْ أَمْرَهَا إلَى الْحَاكِمِ.
وَلَنَا، أَنَّ قَوْلَهُ يُوَافِقُ الْأَصْلَ، فَقُدِّمَ، كَمَا لَوْ كَانَ مُقِيمًا مَعَهَا، وَكُلُّ مَنْ قُلْنَا: الْقَوْلُ قَوْلُهُ فَلِخَصْمِهِ عَلَيْهِ الْيَمِينُ؛ لِأَنَّهَا دَعَاوَى فِي الْمَالِ، فَأَشْبَهَتْ دَعْوَى الدَّيْنِ، وَلِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.» وَإِنْ دَفَعَ الزَّوْجُ إلَى امْرَأَتِهِ نَفَقَةً وَكِسْوَةً، أَوْ بَعَثَ بِهِ إلَيْهَا فَقَالَتْ إنَّمَا فَعَلْت ذَلِكَ تَبَرُّعًا وَهِبَةً.
وَقَالَ: بَلْ وَفَاءً لِلْوَاجِبِ عَلَيَّ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَضَى دَيْنَهُ وَاخْتَلَفَ هُوَ وَغَرِيمُهُ فِي نِيَّتِهِ.
وَإِنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَكَانَتْ حَامِلًا فَوَضَعَتْ، فَقَالَ: طَلَّقْتُك حَامِلًا، فَانْقَضَتْ عِدَّتُك بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَانْقَطَعَتْ نَفَقَتُك وَرَجْعَتُك.
وَقَالَتْ: بَلْ بَعْدَ الْوَضْعِ، فَلِيَ النَّفَقَةُ، وَلَك الرَّجْعَةُ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النَّفَقَةِ، وَعَدَمُ الْمُسْقِطِ لَهَا، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَلَا رَجْعَةَ لِلزَّوْجِ؛ لِإِقْرَارِهِ بِعَدَمِهَا.
وَإِنْ رَجَعَ فَصَدَّقَهَا، فَلَهُ الرَّجْعَةُ؛ لِأَنَّهَا مُقِرَّةٌ لَهُ بِهَا.
وَلَوْ قَالَ: طَلَّقْتُك بَعْدَ الْوَضْعِ، فَلِيَ الرَّجْعَةُ، وَلَك النَّفَقَةُ.
وَقَالَتْ: بَلْ وَأَنَا حَامِلٌ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الرَّجْعَةِ، وَلَا نَفَقَةَ لَهَا، وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِيهَا.
وَإِنْ عَادَ فَصَدَّقَهَا، سَقَطَتْ رَجْعَتُهُ، وَوَجَبَ لَهَا النَّفَقَةُ.
هَذَا فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ، فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَنْبَنِي عَلَى مَا يَعْلَمُهُ مِنْ حَقِيقَةِ الْأَمْرِ دُونَ مَا قَالَهُ.

[فَصْلٌ طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَادَّعَتْ أَنَّهَا حَامِلٌ لِتَكُونَ لَهَا النَّفَقَةُ]

(6486) فَصْلٌ: وَإِنْ طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، فَادَّعَتْ أَنَّهَا حَامِلٌ، لِتَكُونَ لَهَا النَّفَقَةُ أَنْفَقَ عَلَيْهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ تُرَى الْقَوَابِلَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ يَبِينُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، إلَّا أَنْ تَظْهَرَ بَرَاءَتُهَا مِنْ الْحَمْلِ بِالْحَيْضِ أَوْ بِغَيْرِهِ فَتَنْقَطِعَ نَفَقَتُهَا، كَمَا تَنْقَطِعُ إذَا قَالَ الْقَوَابِلُ: لَيْسَتْ حَامِلًا.
وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِمَا أُنْفِقَ؛ لِأَنَّهَا أَخَذَتْ مِنْهُ مَا لَا تَسْتَحِقُّهُ، فَرَجَعَ عَلَيْهَا، كَمَا لَوْ ادَّعَتْ عَلَيْهِ دَيْنًا وَأَخَذَتْهُ مِنْهُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ كَذِبُهَا.
وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى: لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهَا بِحُكْمِ آثَارِ النِّكَاحِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ، كَالنَّفَقَةِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ إذَا تَبَيَّنَ فَسَادُهُ وَإِنْ عَلِمَتْ بَرَاءَتَهَا مِنْ الْحَمْلِ بِالْحَيْضِ، فَكَتَمَتْهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهَا، قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهَا أَخَذَتْ النَّفَقَةَ مَعَ عِلْمِهَا بِبَرَاءَتِهِ مِنْهَا كَمَا لَوْ أَخَذَتْهَا مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ.
وَإِنْ ادَّعَتْ الرَّجْعِيَّةُ الْحَمْلَ، فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ عِدَّتِهَا، رَجَعَ عَلَيْهَا بِالزِّيَادَةِ، وَيُرْجَعُ فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا أَعْلَمُ بِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِيهَا مَعَ يَمِينِهَا.
فَإِنْ قَالَتْ: قَدْ ارْتَفَعَ حَيْضِي، وَلَمْ أَدْرِ مَا رَفَعَهُ.
فَعِدَّتُهَا سَنَةٌ إنْ كَانَتْ حُرَّةً.
وَإِنْ قَالَتْ: قَدْ انْقَضَتْ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ.
وَذَكَرَتْ آخِرَهَا، فَلَهَا النَّفَقَةُ إلَى ذَلِكَ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِالزَّائِدِ.
وَإِنْ قَالَتْ: لَا أَدْرِي مَتَى آخِرُهَا.
رَجَعْنَا إلَى عَادَتِهَا، فَحَسَبَنَا لَهَا بِهَا.
وَإِنْ قَالَتْ: عَادَتِي تَخْتَلِفُ فَتَطُولُ وَتَقْصُرُ.
انْقَضَتْ الْعِدَّةُ بِالْأَقْصَرِ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ.
وَإِنْ قَالَتْ: عَادَتِي تَخْتَلِفُ، وَلَا أَعْلَمُ.
رَدَدْنَاهَا إلَى غَالِبِ عَادَاتِ النِّسَاءِ، فِي كُلِّ شَهْرٍ قُرْءٌ؛ لِأَنَّا رَدَدْنَا الْمُتَحَيِّرَةَ إلَى ذَلِكَ فِي أَحْكَامِهَا، فَكَذَلِكَ هَذِهِ.
وَإِنْ بَانَ أَنَّهَا حَامِلٌ مِنْ غَيْرِهِ، مِثْلَ أَنْ تَلِدَهُ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ، فَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ لِمُدَّةِ حَمْلِهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً، فَلَهَا النَّفَقَةُ فِي مُدَّةِ عِدَّتِهَا، فَإِنْ كَانَتْ انْقَضَتْ قَبْلَ حَمْلِهَا، فَلَهَا النَّفَقَةُ إلَى انْقِضَائِهَا، وَإِنْ حَمَلَتْ فِي أَثْنَاءِ عِدَّتِهَا، فَلَهَا النَّفَقَةُ إلَى الْوَطْءِ الَّذِي حَمَلَتْ، ثُمَّ لَا نَفَقَةَ لَهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا، ثُمَّ تَكُونُ لَهَا النَّفَقَةُ فِي تَمَامِ عِدَّتِهَا.
وَإِنْ وَطِئَهَا زَوْجُهَا فِي الْعِدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ، حَصَلَتْ الرَّجْعَةُ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَحْصُلُ.
فَالنَّسَبُ لَاحِقٌ بِهِ، وَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ لِمُدَّةِ حَمْلِهَا.
وَإِنْ وَطِئَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، أَوْ وَطِئَ الْبَائِنَ، عَالِمًا بِذَلِكَ وَبِتَحْرِيمِهِ، فَهُوَ زِنًى، لَا يَلْحَقُهُ نَسَبُ الْوَلَدِ، وَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهِ.
وَإِنْ جَهِلَ بَيْنُونَتَهَا، أَوْ انْقِضَاءَ عِدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ، أَوْ تَحْرِيمَ ذَلِكَ وَهُوَ مِمَّنْ يَجْهَلُهُ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ، وَفِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ رِوَايَتَانِ.

[مَسْأَلَةٌ إجْبَارُ الرَّجُلِ عَلَى نَفَقَةِ وَالِدَيْهِ وَوَلَدِهِ]

(6487) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَيُجْبَرُ الرَّجُلُ عَلَى نَفَقَةِ وَالِدَيْهِ، وَوَلَدِهِ، الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، إذَا كَانُوا فُقَرَاءَ، وَكَانَ لَهُ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ) الْأَصْلُ فِي وُجُوبِ نَفَقَةِ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ

تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] . أَوْجَبَ أَجْرَ رَضَاعِ الْوَلَدِ عَلَى أَبِيهِ، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] . وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23] . وَمِنْ الْإِحْسَانِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ حَاجَتِهِمَا.
وَمِنْ السُّنَّةِ «قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِهِنْدٍ: خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَرَوَتْ عَائِشَةُ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ، فَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ نَفَقَةَ الْوَالِدَيْنِ الْفَقِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا كَسْبَ لَهُمَا، وَلَا مَالَ، وَاجِبَةٌ فِي مَالِ الْوَلَدِ، وَأَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ عَلَى الْمَرْءِ نَفَقَةَ أَوْلَادِهِ الْأَطْفَالِ الَّذِينَ لَا مَالَ لَهُمْ.
وَلِأَنَّ وَلَدَ الْإِنْسَانِ بَعْضُهُ، وَهُوَ بَعْضُ وَالِدِهِ، فَكَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ كَذَلِكَ عَلَى بَعْضِهِ وَأَصْلِهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ الْأُمَّ تَجِبُ نَفَقَتُهَا، وَيَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تُنْفِقَ عَلَى وَلَدِهَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ عَلَيْهَا، وَلَا لَهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَصَبَةً لِوَلَدِهَا.
وَلَنَا، قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: 83] . «وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرَجُلٍ سَأَلَهُ: مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ أُمَّك، ثُمَّ أُمَّك، ثُمَّ أُمَّك، ثُمَّ أَبَاك، ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلِأَنَّهَا أَحَدُ الْوَالِدَيْنِ، فَأَشْبَهَتْ الْأَبَ، وَلِأَنَّ بَيْنَهُمَا قَرَابَةً تُوجِبُ رَدَّ الشَّهَادَةِ، وَوُجُوبَ الْعِتْقِ، فَأَشْبَهْت الْأَبَ.
فَإِنْ أَعْسَرَ الْأَبُ، وَجَبَتْ النَّفَقَةُ عَلَى الْأُمِّ، وَلَمْ تَرْجِعْ بِهَا عَلَيْهِ إنْ أَيْسَرَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: تَرْجِعُ عَلَيْهِ.
وَلَنَا، أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ بِالْقَرَابَةِ، لَمْ يَرْجِعْ بِهِ، كَالْأَبِ.

[فَصْلٌ الْإِنْفَاقُ عَلَى الْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ وَإِنْ عَلَوْا وَوَلَدِ الْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلُوا]

(6488) فَصْلٌ: وَيَجِبُ الْإِنْفَاقُ عَلَى الْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ وَإِنْ عَلَوْا، وَوَلَدِ الْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلُوا، وَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تَجِبْ النَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ وَلَا لَهُمْ؛ لِأَنَّ الْجَدَّ لَيْسَ بِأَبٍ حَقِيقِيٍّ.
وَلَنَا، قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233] . وَلِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي مُطْلَقِ اسْمِ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ، بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] . فَيَدْخُلُ فِيهِمْ وَلَدُ الْبَنِينَ.
وَقَالَ تَعَالَى: وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ.
وَقَالَ:

﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: 78] . وَلِأَنَّ بَيْنَهُمَا قَرَابَةً تُوجِبُ الْعِتْقَ وَرَدَّ الشَّهَادَةَ، فَأَشْبَهَ الْوَلَدَ وَالْوَالِدَ الْقَرِيبَيْنِ.

[فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْإِنْفَاقِ عَلَى الْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ]

(6489) فَصْلٌ: وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْإِنْفَاقِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا، أَنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ، لَا مَالَ لَهُمْ، وَلَا كَسْبَ يَسْتَغْنُونَ بِهِ عَنْ إنْفَاقِ غَيْرِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا مُوسِرِينَ بِمَالٍ أَوْ كَسْبٍ يَسْتَغْنُونَ بِهِ، فَلَا نَفَقَةَ لَهُمْ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ، وَالْمُوسِرُ مُسْتَغْنٍ عَنْ الْمُوَاسَاةِ.
الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ لِمَنْ تَجِبْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ، فَاضِلًا عَنْ نَفَقَةِ نَفْسِهِ، إمَّا مِنْ مَالِهِ، وَإِمَّا مِنْ كَسْبِهِ.
فَأَمَّا مَنْ لَا يَفْضُلُ عَنْهُ شَيْءٌ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فَقِيرًا، فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ فَضَلَ، فَعَلَى عِيَالِهِ، فَإِنْ كَانَ فَضْلٌ، فَعَلَى قَرَابَتِهِ.» وَفِي لَفْظٍ: «ابْدَأْ بِنَفْسِك، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» . حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِنْدِي دِينَارٌ.
قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِك قَالَ: عِنْدِي آخَرُ.
قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِك.
قَالَ: عِنْدِي آخَرُ.
قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجِك.
قَالَ: عِنْدِي آخَرُ.
قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِك.
قَالَ: عِنْدِي آخَرُ.
قَالَ: أَنْتَ أَبْصَرُ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ، فَلَا تَجِبُ عَلَى الْمُحْتَاجِ، كَالزَّكَاةِ.
الثَّالِثُ، أَنْ يَكُونَ الْمُنْفِقُ وَارِثًا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233] . وَلِأَنَّ بَيْنَ الْمُتَوَارِثِينَ قَرَابَةً تَقْتَضِي كَوْنَ الْوَارِثِ أَحَقَّ بِمَالِ الْمَوْرُوثِ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصَّ بِوُجُوبِ صِلَتِهِ بِالنَّفَقَةِ دُونَهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا لِعَدَمِ الْقَرَابَةِ، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ لِذَلِكَ.
وَإِنْ امْتَنَعَ الْمِيرَاثُ مَعَ وُجُودِ الْقَرَابَةِ، لَمْ يَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ؛ أَحَدُهَا، أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا، فَلَا نَفَقَةَ لَأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ بَيْنَهُمَا وَلَا إرْثَ، فَأَشْبَهَا الْأَجْنَبِيَّيْنِ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ لَا مَالَ لَهُ فَتَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ وَكَسْبُهُ لِسَيِّدِهِ، وَنَفَقَتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ فَيَسْتَغْنِي بِهَا عَنْ نَفَقَةِ غَيْرِهِ.

الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ دِينُهُمَا مُخْتَلِفًا، فَلَا نَفَقَة لَأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي عَمُودِي النَّسَبِ رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، تَجِبُ النَّفَقَةُ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا نَفَقَةٌ تَجِبُ مَعَ اتِّفَاقِ الدِّينِ، فَتَجِبُ مَعَ اخْتِلَافِهِ، كَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَالْمَمْلُوكِ، وَلِأَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَى قَرِيبِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ اتَّفَقَ دِينُهُمَا.
وَلَنَا، أَنَّهَا مُوَاسَاةٌ عَلَى سَبِيلِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ، فَلَمْ تَجِبْ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ، كَنَفَقَةِ غَيْرِ عَمُودَيْ النَّسَبِ، وَلِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَوَارِثَيْنِ فَلَمْ يَجِبْ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ نَفَقَةٌ بِالْقَرَابَةِ، كَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا، وَتُفَارِقُ نَفَقَةَ الزَّوْجَاتِ؛ لِأَنَّهَا عِوَضٌ يَجِبُ مَعَ الْإِعْسَارِ، فَلَمْ يُنَافِهَا اخْتِلَافُ الدِّينِ، كَالصَّدَاقِ وَالْأُجْرَةِ، وَكَذَلِكَ تَجِبُ مَعَ الرِّقِّ فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا، وَكَذَلِكَ نَفَقَةُ الْمَمَالِيكِ، وَالْعِتْقُ عَلَيْهِ يَبْطُلُ بِسَائِرِ ذَوِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ، فَإِنَّهُمْ يَعْتِقُونَ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ، وَلَا نَفَقَةَ لَهُمْ مَعَهُ، وَلِأَنَّ هَذِهِ صِلَةٌ وَمُوَاسَاةٌ، فَلَا تَجِبُ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ، كَأَدَاءِ زَكَاتِهِ إلَيْهِ، وَعَقْلِهِ عَنْهُ، وَإِرْثِهِ مِنْهُ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْقَرِيبُ مَحْجُوبًا عَنْ الْمِيرَاثِ بِمَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ، فَيُنْظَرُ؛ فَإِنْ كَانَ الْأَقْرَبُ مُوسِرًا فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَحْجُوبِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَقْرَبَ أَوْلَى بِالْمِيرَاثِ مِنْهُ، فَيَكُونُ أَوْلَى بِالْإِنْفَاقِ وَإِنْ كَانَ الْأَقْرَبُ مُعْسِرًا، وَكَانَ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ عَمُودَيْ النَّسَبِ، وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى الْمُوسِرِ.
ذَكَرَ الْقَاضِي، فِي أَبِ مُعْسِرٍ وَجَدٍّ مُوسِرٍ، أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْجَدِّ.
وَقَالَ، فِي أُمٍّ مُعْسِرَةٍ وَجَدَّةٍ مُوسِرَةٍ: النَّفَقَةُ عَلَى الْجَدَّةِ.
وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: لَا يَدْفَعُ الزَّكَاةَ إلَى وَلَدِ ابْنَتِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ» . فَسَمَّاهُ ابْنَهُ، وَهُوَ ابْنُ ابْنَتِهِ، وَإِذَا مُنِعَ مِنْ دَفْعِ الزَّكَاةِ إلَيْهِمْ لَقَرَابَتِهِمْ، يَجِبْ أَنْ تَلْزَمَهُ نَفَقَتُهُمْ عِنْدَ حَاجَتِهِمْ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ عَمُودِي النَّسَبِ، لَمْ تَجِبْ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مَحْجُوبًا.
قَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، فِي ابْنٍ فَقِيرٍ وَأَخٍ مُوسِرٍ لَا نَفَقَةَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الِابْنَ لَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ لِعُسْرَتِهِ وَالْأَخَ لَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ إرْثه؛ وَلِأَنَّ قَرَابَتَهُ ضَعِيفَةٌ لَا تَمْنَعُ شَهَادَتَهُ لَهُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَارِثًا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ كَذَوِي الرَّحِمِ.
وَيَتَخَرَّجُ فِي كُلِّ وَارِثٍ، لَوْلَا الْحُجُب، إذَا كَانَ مَنْ يَحْجُبُهُ مُعْسِرًا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَارِثٍ، أَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ.
وَالثَّانِي، عَلَيْهِ النَّفَقَةُ لِوُجُودِ الْقَرَابَةِ الْمُقْتَضِيَةِ

لِلْإِرْثِ وَالْإِنْفَاقِ، وَالْمَانِعُ مِنْ الْإِرْثِ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْإِنْفَاقِ؛ لِأَنَّهُ مُعْسِرٌ لَا يُمْكِنُهُ الْإِنْفَاقُ، فَوُجُودُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِنْفَاقِ كَعَدَمِهِ.

[فَصْلٌ نَفَقَةُ ذَوِي الْأَرْحَامِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ بِفَرْضٍ وَلَا تَعْصِيبٍ]

(6490) فَصْلٌ: فَأَمَّا ذَوُو الْأَرْحَامِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ بِفَرْضٍ وَلَا تَعْصِيبٍ، فَإِنْ كَانُوا مِنْ غَيْرِ عَمُودِي النَّسَبِ، فَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِمْ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ: الْخَالَةُ وَالْعَمَّةُ لَا نَفَقَةَ عَلَيْهِمَا.
قَالَ الْقَاضِي: لَا نَفَقَةَ لَهُمْ رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَرَابَتَهُمْ ضَعِيفَةٌ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُونَ مَالَهُ عِنْدَ عَدَمِ الْوَارِثِ، فَهُمْ كَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الْمَالَ يُصْرَفُ إلَيْهِمْ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَارِثٌ، وَذَلِكَ الَّذِي يَأْخُذُهُ بَيْتُ الْمَالِ؛ وَلِذَلِكَ يُقَدَّمُ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُخَرَّجُ فِيهِمْ رِوَايَةٌ أُخْرَى: أَنَّ النَّفَقَةَ تَلْزَمُهُمْ عِنْدَ عَدَمِ الْعَصَبَاتِ وَذَوِي الْفُرُوضِ؛ لِأَنَّهُمْ وَارِثُونَ فِي تِلْكَ الْحَالِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: هَذَا يَتَوَجَّهُ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ.
فَأَمَّا عَمُودُ النَّسَبِ، فَذَكَرَ الْقَاضِي مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِمْ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ، كَأَبِي الْأُمِّ وَابْنِ الْبِنْتِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَسَوَاءٌ كَانُوا مَحْجُوبِينَ أَوْ وَارِثِينَ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَرَابَتَهُمْ قَرَابَةٌ جُزْئِيَّةٌ وَبَعْضِيَّةٌ، وَتَقْتَضِي رَدَّ الشَّهَادَةِ، وَتَمْنَعُ جَرَيَانَ الْقِصَاصِ عَلَى الْوَالِدِ بِقَتْلِ الْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ، فَأَوْجَبَتْ النَّفَقَةَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، كَقَرَابَةِ الْأَبِ الْأَدْنَى.

[فَصْلٌ مَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ نَفَقَةِ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ]

(6491) فَصْلٌ: وَلَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ نَفَقَةِ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ نَقْصُ الْخِلْقَةِ، وَلَا نَقْصُ الْأَحْكَامِ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ فَإِنَّهُ أَوْجَبَ نَفَقَتَهُمْ مُطْلَقًا إذَا كَانُوا فُقَرَاءَ وَلَهُ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُشْتَرَطُ فِي الْوَالِدَيْنِ.
وَهَلْ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الْوَلَدِ؟ فَكَلَامُ أَحْمَدَ يَقْتَضِي رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، تَلْزَمهُ نَفَقَتُهُ؛ لِأَنَّهُ فَقِيرٌ.
وَالثَّانِيَةُ: إنْ كَانَ يَكْتَسِبُ فَيُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ، لَمْ تَلْزَمْ نَفَقَتُهُ.
وَهَذَا الْقَوْلُ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى كَسْبِ مَا يَقُومُ بِهِ تَلْزَمُ نَفَقَتُهُ، رِوَايَةً، وَاحِدَةً، سَوَاءٌ كَانَ نَاقِصَ الْأَحْكَامِ، كَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، أَوْ نَاقِصَ الْخِلْقَةِ كَالزَّمِنِ، وَإِنَّمَا الرِّوَايَتَانِ فِي مَنْ لَا حِرْفَةَ لَهُ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ بِبَدَنِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُشْتَرَطُ نُقْصَانُهُ، إمَّا، مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ أَوْ مِنْ طَرِيقِ الْخِلْقَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُنْفَقُ عَلَى الْغُلَامِ حَتَّى يَبْلُغَ، فَإِذَا بَلَغَ صَحِيحًا، انْقَطَعَتْ نَفَقَتُهُ، وَلَا تَسْقُطُ نَفَقَةُ الْجَارِيَةِ حَتَّى تَتَزَوَّجَ.
وَنَحْوَهُ قَالَ مَالِكٌ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: يُنْفَقُ عَلَى النِّسَاءِ حَتَّى يَتَزَوَّجْنَ، وَيَدْخُلَ بِهِنَّ الْأَزْوَاجُ، ثُمَّ لَا نَفَقَةَ لَهُنَّ، وَإِنْ طُلِّقْنَ، وَلَوْ طُلِّقْنَ قَبْلَ الْبِنَاءِ بِهِنَّ، فَهُنَّ عَلَى نَفَقَتِهِنَّ.
وَلَنَا، «قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِهِنْدٍ: خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ.» لَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُمْ بَالِغًا وَلَا صَحِيحًا، وَلِأَنَّهُ وَالِدٌ أَوْ وَلَدٌ فَقِيرٌ، فَاسْتَحَقَّ النَّفَقَةَ عَلَى وَالِدِهِ أَوْ وَلَدِهِ الْغَنِيِّ، كَمَا لَوْ كَانَ زَمِنًا أَوْ مَكْفُوفًا، فَأَمَّا الْوَالِدُ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَافَقَنَا عَلَى وُجُوب نَفَقَتِهِ صَحِيحًا إذَا لَمْ يَكُنْ ذَا كَسْبٍ، وَلِلشَّافِعِي فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ.
وَلَنَا أَنَّهُ وَالِدٌ مُحْتَاجٌ، فَأَشْبَهَ الزَّمِنَ.

[فَصْلٌ كَانَ لَهُ أَبٌ مِنْ أَهْلِ الْإِنْفَاقِ لَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهُ عَلَى سِوَاهُ]

(6492) فَصْلٌ: وَمَنْ كَانَ لَهُ أَبٌ مِنْ أَهْلِ الْإِنْفَاقِ، لَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهُ عَلَى سِوَاهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] . وَقَالَ: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: 233] . «وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِهِنْدٍ: خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ.» فَجَعَلَ النَّفَقَةَ عَلَى أَبِيهِمْ دُونَهَا.
وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا نَعْلَمُهُ، إلَّا أَنَّ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، فِيمَا إذَا اجْتَمَعَ لِلْفَقِيرِ أَبٌ وَابْنٌ مُوسِرَانِ، وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْأَب وَحْدَهُ.
وَالثَّانِي، عَلَيْهِمَا جَمِيعًا؛ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْقُرْب.
وَلَنَا، أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْأَبِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا، فَيَجِبُ اتِّبَاعُ النَّصِّ، وَتَرْكُ مَا عَدَاهُ.

[فَصْلٌ يَلْزَمُ الرَّجُلَ إعْفَافُ أَبِيهِ إذَا احْتَاجَ إلَى النِّكَاحِ]

(6493) فَصْلٌ: وَيَلْزَمُ الرَّجُلَ إعْفَافُ أَبِيهِ، إذَا احْتَاجَ إلَى النِّكَاحِ.
وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَلَهُمْ فِي إعْفَافِ الْأَبِ الصَّحِيحِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ لَا يَجِبُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ إعْفَافُ أَبِيهِ، سَوَاءٌ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ أَوْ لَمْ تَجِبْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْمَلَاذِ، فَلَمْ تَجِبْ لِلْأَبِ، كَالْحَلْوَاءِ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ، فَلَمْ يَجِبْ لَهُ ذَلِكَ كَالْأُمِّ.
وَلَنَا، أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا تَدْعُو حَاجَتُهُ إلَيْهِ، وَيَسْتَضِرُّ بِفَقْدِهِ، فَلَزِمَ ابْنَهُ لَهُ، كَالنَّفَقَةِ، وَلَا يُشْبِهُ الْحَلْوَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَضِرُّ بِفَقْدِهَا، وَإِنَّمَا يُشْبِهُ الطَّعَامَ وَالْأُدْمَ، وَأَمَّا الْأُمُّ فَإِنْ إعْفَافَهَا إنَّمَا هُوَ تَزْوِيجُهَا إذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ، وَخَطَبَهَا كُفْؤُهَا، وَنَحْنُ نَقُولُ بِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَهُمْ يُوَافِقُونَنَا فِي ذَلِكَ إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ إعْفَافُ مَنْ لَزِمَتْ نَفَقَتُهُ مِنْ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ، فَإِنْ اجْتَمَعَ جَدَّانِ، وَلَمْ يُمْكِنْ إلَّا إعْفَافُ أَحَدِهِمَا، قُدِّمَ الْأَقْرَبُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مِنْ جِهَةِ الْأَبِ وَالْآخَرُ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ، فَيُقَدَّمُ الَّذِي مِنْ جِهَةِ الْأَبِ، وَإِنْ بَعُدَ؛ لِأَنَّهُ عَصَبَةٌ وَالشَّرْعُ قَدْ اعْتَبَرَ جِهَتَهُ فِي التَّوْرِيثِ وَالتَّعْصِيبِ، فَكَذَلِكَ فِي الْإِنْفَاقِ وَالِاسْتِحْقَاقِ.
(6494) فَصْلٌ: وَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ إعْفَافُ أَبِيهِ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ، إنْ شَاءَ زَوَّجَهُ حُرَّةً، وَإِنْ شَاءَ مَلَّكَهُ أَمَةً، أَوْ دَفَعَ إلَيْهِ مَا يَتَزَوَّجُ بِهِ حُرَّةً أَوْ يَشْتَرِي بِهِ أَمَةً، وَلَيْسَ لِلْأَبِ التَّخْيِيرُ عَلَيْهِ، إلَّا أَنَّ الْأَبَ إذَا عَيَّنَ امْرَأَةً، وَعَيَّنَ الِابْنُ أُخْرَى، وَصَدَاقُهُمَا وَاحِدٌ، قُدِّمَ تَعْيِينُ الْأَبِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَهُ، وَالْمُؤْنَةَ وَاحِدَةٌ، فَقُدِّمَ قَوْلُهُ كَمَا لَوْ عَيَّنَتْ الْبِنْتُ كُفُؤًا، وَعَيَّنَ الْأَبُ كُفُؤًا، قُدِّمَ تَعْيِينُهَا.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الصَّدَاقِ لَمْ يَلْزَمْ الِابْنَ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ أَقَلُّ مَا تَحْصُلُ بِهِ الْكِفَايَةُ، وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ أَوْ يُمَلِّكَهُ قَبِيحَةً أَوْ كَبِيرَةً لَا اسْتِمْتَاعَ فِيهَا،

وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ أَمَةً؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَيْهِ، وَهُوَ إرْقَاقُ وَلَدِهِ، وَالنَّقْصُ فِي اسْتِمْتَاعِهِ.
وَإِنْ رَضِيَ الْأَبُ بِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُ بِغَيْرِهِ، وَهُوَ الْوَلَدُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْمُوسِرِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً.
وَإِذَا زَوَّجَهُ زَوْجَةً أَوْ مَلَّكَهُ أَمَةً، فَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ وَنَفَقَتُهَا.
وَمَتَى أَيْسَرَ الْأَبُ، لَمْ يَكُنْ لِلْوَلَدِ اسْتِرْجَاعُ مَا دَفَعَهُ إلَيْهِ، وَلَا عِوَضَ مَا زَوَّجَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ فِي حَالِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَمْلِكْ اسْتِرْجَاعَهُ، كَالزَّكَاةِ.
وَإِنْ زَوَّجَهُ أَوْ مَلَّكَهُ أَمَةً فَطَلَّقَ الزَّوْجَةَ أَوْ أَعْتَقَ الْأَمَةَ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُزَوِّجَهُ أَوْ يُمَلِّكَهُ ثَانِيًا؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ.
وَإِنْ مَاتَتَا، فَعَلَيْهِ إعْفَافُهُ ثَانِيًا لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ لَهُ فِي ذَلِكَ.

[فَصْلٌ كُلُّ مَنْ لَزِمَهُ إعْفَافُهُ لَزِمَتْهُ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ]

فَصْلٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَعَلَى الْأَبِ إعْفَافُ ابْنِهِ إذَا كَانَتْ عَلَيْهِ، نَفَقَتُهُ، وَكَانَ مُحْتَاجًا إلَى إعْفَافِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مِنْ عَمُودَيْ نَسَبِهِ، وَتَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، فَيَلْزَمُهُ إعْفَافُهُ عِنْدَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ، كَأَبِيهِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَكَذَلِكَ يَجِيءُ فِي كُلِّ مَنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ؛ مِنْ أَخٍ، أَوْ عَمٍّ، أَوْ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَدْ نَصَّ فِي الْعَبْدِ: يَلْزَمُهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ إذَا طَلَبَ ذَلِكَ، وَإِلَّا بِيعَ عَلَيْهِ.
وَكُلُّ مِنْ لَزِمَهُ إعْفَافُهُ لَزِمَتْهُ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْإِعْفَافِ إلَّا بِذَلِكَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْأَبَ نَفَقَةُ زَوْجَةِ الِابْنِ.
وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الِابْنَ كَانَ يَجِدُ نَفَقَتَهَا.

[مَسْأَلَةٌ قَالَ الصَّبِيُّ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ أُجْبِرَ وَارِثُهُ عَلَى نَفَقَتِهِ]

(6496) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ، أُجْبِرَ وَارِثُهُ عَلَى نَفَقَتِهِ، عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ مِنْهُ) ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ عَلَى كُلِّ وَارِثٍ لِمَوْرُوثِهِ، إذَا اجْتَمَعْت الشُّرُوطُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهَا.
وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَحْمَدَ، فِي الصَّبِيِّ الْمُرْضِعِ لَا أَبَ لَهُ وَلَا جَدَّ، نَفَقَتَهُ وَأَجْرَ رَضَاعِهِ عَلَى الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ.
وَكَذَلِكَ رَوَى بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَحْمَدَ: النَّفَقَةُ عَلَى الْعَصَبَاتِ.
وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَضَى عَلَى بَنِي عَمِّ مَنْفُوسٍ بِنَفَقَتِهِ.
احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ حَبَسَ عَصَبَةً يُنْفِقُونَ عَلَى صَبِيِّ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ.
وَلِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ وَمَعُونَةٌ تَخْتَصُّ الْقَرَابَةَ، فَاخْتَصَّتْ بِهَا الْعَصَبَاتُ، كَالْعَقْلِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ، وَلَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِهِمْ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 75] . وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا نَفَقَةَ إلَّا عَلَى الْمَوْلُودِينَ وَالْوَالِدَيْنِ؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَرَجُلٍ سَأَلَهُ: عِنْدِي دِينَارٌ؟ قَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِك.
قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِك.
قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِك.
قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِك.
قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ . قَالَ: أَنْتَ أَعْلَمُ» . وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِنْفَاقِهِ عَلَى غَيْرِ هَؤُلَاءِ، وَلِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا وَرَدَ بِنَفَقَةِ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ، وَمَنْ سِوَاهُمْ لَا يَلْحَقُ بِهِمْ فِي الْوِلَادَةِ وَأَحْكَامِهَا، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَيْهِمْ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] . ثُمَّ قَالَ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233] . فَأَوْجَبَ عَلَى الْأَبِ نَفَقَةَ الرَّضَاعِ، ثُمَّ عَطَفَ الْوَارِثَ عَلَيْهِ، فَأَوْجَبَ عَلَى الْوَارِثِ مِثْلَ مَا أَوْجَبَ عَلَى الْوَالِدِ.
وَرُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: أُمَّك وَأَبَاك، وَأُخْتَك وَأَخَاك.
وَفِي لَفْظٍ: وَمَوْلَاك الَّذِي هُوَ أَدْنَاك، حَقًّا وَاجِبًا، وَرَحِمًا مَوْصُولًا.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَهَذَا نَصٌّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلْزَمَهُ الصِّلَةَ وَالْبِرَّ وَالنَّفَقَةُ مِنْ الصِّلَةِ، جَعَلَهَا حَقًّا وَاجِبًا، وَمَا احْتَجَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ فِي كُلِّ ذِي رَحِمٍ فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِ فِي عِدَادِ الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ، وَقَدْ اخْتَصَّتْ بِالْوَارِثِ فِي الْإِرْثِ فَكَذَلِكَ فِي الْإِنْفَاقِ.
وَأَمَّا خَبَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، فَقَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ، يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُ مِنْ أُمِرَ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ الْوَالِدَ وَالْأَجْدَادَ وَأَوْلَادَ الْأَوْلَادِ.
وَقَوْلُهُمْ: لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ.
قُلْنَا: إنَّمَا أَثْبَتْنَاهُ بِالنَّصِّ، ثُمَّ إنَّهُمْ قَدْ أَلْحَقُوا أَوْلَادَ الْأَوْلَادِ بِالْأَوْلَادِ، مَعَ التَّفَاوُتِ، فَبَطَلَ مَا قَالُوهُ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْوَارِثِ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ، لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَلَا يَتَنَاوَلُ ذَوِي الْأَرْحَامِ، عَلَى مَا مَضَى بَيَانُهُ، فَإِنْ كَانَ اثْنَانِ يَرِثُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ وَلَا يَرِثُهُ الْآخَرُ، كَالرَّجُلِ مَعَ عَمَّتِهِ أَوْ ابْنَةِ عَمِّهِ وَابْنَةِ أَخِيهِ، وَالْمَرْأَةِ مَعَ ابْنَةِ بِنْتِهَا وَابْنِ بِنْتِهَا، فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْوَارِثِ دُونَ الْمَوْرُوثِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ زِيَادٍ، فَقَالَ: يَلْزَمُ الرَّجُلَ نَفَقَةُ بِنْتِ عَمِّهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ بِنْتِ أُخْتِهِ.
وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا رِوَايَةً أُخْرَى لَا تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى الْوَارِثِ هَاهُنَا؛ لِقَوْلِ أَحْمَدَ: الْعَمَّةُ وَالْخَالَةُ لَا نَفَقَةَ لَهُمَا.
إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ قَالَ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْعَمَّةِ مِنْ الْأُمِّ فَإِنَّهُ لَا يَرِثُهَا؛ لِكَوْنِهِ ابْنَ أَخِيهَا مِنْ أُمِّهَا.
وَقَدْ ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ، أَنَّ عَلَى الرَّجُلِ نَفَقَةَ مُعْتِقِهِ؛ لِأَنَّهُ وَارِثُهُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُعْتَقَ لَا يَرِثُ مُعْتِقَهُ، وَلَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ.
فَعَلَى هَذَا، يَلْزَمُ الرَّجُلَ نَفَقَةُ عَمَّتِهِ لِأَبَوَيْهِ أَوْ لِأَبِيهِ وَابْنَةِ عَمِّهِ وَابْنَةِ أُخْتِهِ كَذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُهُنَّ نَفَقَتُهُ.
وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233] . وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ وَارِثٌ.

[مَسْأَلَةٌ كَانَ لِلصَّبِيِّ أُمٌّ وَجَدٌّ فَمَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ النَّفَقَةِ]

(6497) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ كَانَ لِلصَّبِيِّ أُمٌّ وَجَدٌّ فَعَلَى الْأُمِّ ثُلُثُ النَّفَقَةِ، وَعَلَى الْجَدِّ ثُلُثَا النَّفَقَةِ)

وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلصَّبِيِّ أَبٌ، فَالنَّفَقَةُ عَلَى وَارِثِهِ.
فَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثَانِ، فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا عَلَى قَدْرِ إرْثِهِمَا مِنْهُ، وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً أَوْ أَكْثَرَ، فَالنَّفَقَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ إرْثِهِمْ مِنْهُ؛ فَإِذَا كَانَ لَهُ أُمٌّ وَجَدٌّ، فَعَلَى الْأُمِّ الثُّلُثُ وَالْبَاقِي عَلَى الْجَدِّ؛ لِأَنَّهُمَا يَرِثَانِهِ كَذَلِكَ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: النَّفَقَةُ كُلُّهَا عَلَى الْجَدِّ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَرِدَ بِالتَّعْصِيبِ، فَأَشْبَهَ الْأَبَ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا رِوَايَةً أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْعَصَبَاتِ خَاصَّةً.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233] وَالْأُمُّ وَارِثَةٌ، فَكَانَ عَلَيْهَا بِالنَّصِّ، وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يُسْتَحَقُّ بِالنَّسَبِ، فَلَمْ يَخْتَصَّ بِهِ الْجَدُّ دُونَ الْأُمِّ كَالْوِرَاثَةِ.

[فَصْلٌ اجْتَمَعَ ابْنٌ وَبِنْتٌ فَالنَّفَقَةُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا]

(6498) فَصْلٌ: وَإِنْ اجْتَمَعَ ابْنٌ وَبِنْتٌ، فَالنَّفَقَةُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا، كَالْمِيرَاثِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: النَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْقُرْبِ.
وَإِنْ كَانَ أُمٌّ وَابْنٌ، فَعَلَى الْأُمِّ السُّدُسُ وَالْبَاقِي عَلَى الِابْنِ.
وَإِنْ كَانَتْ بِنْتٌ وَابْنُ ابْنٍ، فَالنَّفَقَةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: النَّفَقَةُ عَلَى الْبِنْتِ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ: النَّفَقَةُ عَلَى الِابْنِ؛ لِأَنَّهُ الْعَصْبَةُ.
وَإِنْ كَانَتْ لَهُ أُمٌّ وَبِنْتٌ، فَالنَّفَقَةُ بَيْنَهُمَا أَرْبَاعًا؛ لِأَنَّهُمَا يَرِثَانِهِ كَذَلِكَ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: النَّفَقَةُ عَلَى الْبِنْتِ؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ عَصَبَةً مَعَ أَخِيهَا.
وَإِنْ كَانَتْ لَهُ بِنْتٌ وَابْنُ بِنْتٍ فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْبِنْتِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ: النَّفَقَةُ عَلَى ابْنِ الْبِنْتِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرٌ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233] . فَرَتَّبَ النَّفَقَةَ عَلَى الْإِرْثِ، فَيَجِبُ أَنْ تَتَرَتَّبَ فِي الْمِقْدَارِ عَلَيْهِ، وَإِيجَابُهَا عَلَى ابْنِ الْبِنْتِ يُخَالِفُ النَّصَّ وَالْمَعْنَى، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعَصَبَةٍ وَلَا وَارِثٍ، فَلَا مَعْنَى لِإِيجَابِهَا عَلَيْهِ دُونَ الْبِنْتِ الْوَارِثَةِ.

[مَسْأَلَةٌ كَانَتْ جَدَّةً وَأَخًا فَمَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ النَّفَقَةِ]

(6499) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ كَانَتْ جَدَّةً وَأَخًا، فَعَلَى الْجَدَّةِ سُدُسُ النَّفَقَةِ وَالْبَاقِي عَلَى الْأَخِ، وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى حِسَابُ النَّفَقَات) يَعْنِي أَنَّ تَرْتِيبَ النَّفَقَاتِ عَلَى تَرْتِيبِ الْمِيرَاثِ، فَكَمَا أَنَّ لِلْجَدَّةِ هَاهُنَا سُدُسَ الْمِيرَاثِ، فَعَلَيْهَا سُدُسُ

النَّفَقَةِ، وَكَمَا أَنَّ الْبَاقِيَ لِلْأَخِ فَكَذَلِكَ الْبَاقِي مِنْ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ.
وَعَنَدَ مَنْ لَا يَرَى النَّفَقَةَ عَلَى غَيْر عَمُودِي النَّسَبِ، يَجْعَلُ النَّفَقَةَ كُلَّهَا عَلَى الْجَدَّةِ.
وَهَذَا أَصْلٌ قَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِيهِ.
فَإِنْ اجْتَمَعَ بِنْتٌ وَأُخْتٌ، أَوْ بِنْتٌ وَأَخٌ، أَوْ بِنْتٌ وَعَصَبَةٌ، أَوْ أُخْتٌ وَعَصَبَةٌ، أَوْ أُخْتٌ وَأُمٌّ، أَوْ بِنْتٌ وَبِنْتُ ابْنٍ، أَوْ أُخْتٌ لِأَبَوَيْنِ وَأُخْتٌ لِأَبٍ، أَوْ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ مُفْتَرِقَاتٍ، فَالنَّفَقَةُ بَيْنهمْ عَلَى قَدْرِ الْمِيرَاثِ فِي ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ رَدٌّ أَوْ عَوْلٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَعَلَى هَذَا تَحْسِبُ مَا أَتَاك مِنْ الْمَسَائِلِ.
وَإِنْ اجْتَمَعَ أُمُّ أُمٍّ وَأُمُّ أَبٍ، فَهُمَا سَوَاءٌ فِي النَّفَقَةِ؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمِيرَاثِ.

[فَصْلٌ اجْتَمَعَ أَبَوَا أُمٍّ فَالنَّفَقَةُ عَلَى أُمِّ الْأُمِّ]

(6500) فَصْلٌ: فَإِنْ اجْتَمَعَ أَبَوَا أُمٍّ، فَالنَّفَقَةُ عَلَى أُمِّ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهَا الْوَارِثَةُ.
وَإِنْ اجْتَمَعَ أَبَوَا أَبٍ، فَعَلَى أُمِّ الْأَبِ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي عَلَى الْجَدِّ.
وَإِنْ اجْتَمَعَ جَدٌّ وَأَخٌ، فَهُمَا سَوَاءٌ.
وَإِنْ اجْتَمَعَتْ أُمٌّ وَأَخٌ وَجَدٌّ، فَالنَّفَقَةُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ النَّفَقَةُ عَلَى الْجَدِّ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا، إلَّا الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى، فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ.
وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَى أَصْلِ هَذَا فِيمَا تَقَدَّمَ.

[فَصْلٌ كَانَ فِيمَنْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ خُنْثَى مُشْكِلٌ]

(6501) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ فِيمَنْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ خُنْثَى مُشْكِلٌ، فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ، فَإِنْ انْكَشَفَ بَعْدَ ذَلِكَ حَالُهُ، فَبَانَ أَنَّهُ أَنْفَقَ أَكْثَرَ مِنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، رَجَعَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى شَرِيكِهِ فِي الْإِنْفَاقِ، وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ أَنْفَقَ أَقَلَّ، رَجَعَ عَلَيْهِ، فَلَوْ كَانَ لِلرَّجُلِ ابْنٌ وَوَلَدٌ خُنْثَى، عَلَيْهِمَا نَفَقَتُهُ، فَأَنْفَقَا عَلَيْهِ، ثُمَّ بَانَ أَنَّ الْخُنْثَى ابْنٌ رَجَعَ عَلَيْهِ أَخُوهُ بِالزِّيَادَةِ، وَإِنْ بَانَ بِنْتًا، رَجَعَتْ عَلَى أَخِيهَا بِفَضْلِ نَفَقَتِهَا؛ لِأَنَّ مَنْ لَهُ الْفَضْلُ أَدَّى مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ، مُعْتَقِدًا وُجُوبَهُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ خِلَافُهُ، رَجَعَ بِذَلِكَ كَمَا لَوْ أَدَّى مَا يَعْتَقِدُهُ دَيْنًا فَبَانَ خِلَافُهُ.

[فَصْلٌ كَانَ لَهُ قَرَابَتَانِ مُوسِرَانِ وَأَحَدُهُمَا مَحْجُوبٌ عَنْ مِيرَاثِهِ بِفَقِيرٍ فَعَلَى مَنْ تَجِبُ النَّفَقَةُ]

(6502) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ لَهُ قَرَابَتَانِ مُوسِرَانِ، وَأَحَدُهُمَا مَحْجُوبٌ عَنْ مِيرَاثِهِ بِفَقِيرٍ، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَحْجُوبُ مِنْ عَمُودِي النَّسَبِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَجْبَ لَا يُسْقِطُ النَّفَقَةَ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمَا فَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ.
فَعَلَى هَذَا، إذَا كَانَ لَهُ أَبَوَانِ وَجَدٌّ، وَالْأَبُ مُعْسِرٌ، كَانَ الْأَبُ كَالْمَعْدُومِ، فَيَكُونُ عَلَى الْأُمِّ ثُلُثُ النَّفَقَةِ، وَالْبَاقِي عَلَى الْجَدِّ.
وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ زَوْجَةٌ، فَكَذَلِكَ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا نَفَقَةَ عَلَى الْمَحْجُوبِ.
فَلَيْسَ عَلَى الْأُمِّ هَاهُنَا إلَّا رُبْعُ النَّفَقَةِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْجَدِّ.
وَإِنْ كَانَ أَبَوَانِ وَأَخَوَانِ وَجَدٌّ، وَالْأَبُ مُعْسِرٌ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَخَوَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا مَحْجُوبَانِ، وَلَيْسَا مِنْ عَمُودِي النَّسَبِ، وَيَكُونُ عَلَى الْأُمِّ الثُّلُثُ، وَالْبَاقِي عَلَى الْجَدِّ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ غَيْرَهُمَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَى الْأُمِّ إلَّا السُّدُسُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَبُ مَعْدُومًا، لَمْ تَرِثْ إلَّا السُّدُسَ.

وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ كُلَّ مَحْجُوبٍ لَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ.
فَلَيْسَ عَلَى الْأُمِّ إلَّا السُّدُسُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى غَيْرِهَا.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْأَلَةِ جَدٌّ، فَالنَّفَقَةُ كُلُّهَا عَلَى الْأُمِّ.
عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ.
وَعَلَى الثَّانِي، لَيْسَ عَلَيْهَا إلَّا السُّدُسُ.
وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ عَلَى الْمَحْجُوبِ بِالْمُعْسِرِ النَّفَقَةَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ عَمُودِي النَّسَبِ.
فَعَلَى الْأُمِّ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي عَلَى الْجَدِّ وَالْأَخَوَيْنِ أَثْلَاثًا، كَمَا يَرِثُونَ إذَا كَانَ الْأَبُ مَعْدُومًا.
وَإِنْ كَانَ بَعْضُ مَنْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ غَائِبًا، وَلَهُ مَالٌ حَاضِرٌ، أَنْفَقَ الْحَاكِمُ مِنْهُ حِصَّتَهُ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ، فَأَمْكَنَ الْحَاكِمَ الِاقْتِرَاضُ عَلَيْهِ، اقْتَرَضَ، فَإِذَا قَدِمَ، فَعَلَيْهِ وَفَاؤُهُ.

[فَصْلٌ وَمَنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ قُوتِهِ إلَّا نَفَقَةُ شَخْصٍ وَلَهُ امْرَأَةٌ]

(6503) فَصْلٌ: وَمَنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ قُوتِهِ إلَّا نَفَقَةُ شَخْصٍ، وَلَهُ امْرَأَةٌ، فَالنَّفَقَةُ لَهَا دُونَ الْأَقَارِبِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فَقِيرًا، فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ، فَعَلَى عِيَالِهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ، فَعَلَى قَرَابَتِهِ.» وَلِأَنَّ نَفَقَةَ الْقَرِيبِ مُوَاسَاةٌ، وَنَفَقَةَ الْمَرْأَةِ تَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ، فَقُدِّمَتْ عَلَى مُجَرَّدِ الْمُوَاسَاةِ، وَلِذَلِكَ وَجَبَتْ مَعَ يَسَارِهِمَا وَإِعْسَارِهِمَا، وَنَفَقَةُ الْقَرِيبِ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ تَجِبُ لِحَاجَتِهِ، فَقُدِّمَتْ عَلَى نَفَقَةِ الْقَرِيبِ، كَنَفَقَةِ نَفْسِهِ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهَا نَفَقَةُ الرَّقِيقِ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ مَعَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ، فَقُدِّمَتْ عَلَى مُجَرَّدِ الْمُوَاسَاةِ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ.
فَإِنْ اجْتَمَعَ أَبٌ وَجَدٌّ، أَوْ وَابْنٌ وَابْنُ ابْنٍ، قُدِّمَ الْأَبُ عَلَى الْجَدِّ، وَالِابْنُ عَلَى ابْنِهِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ: يَسْتَوِي الْأَبُ وَالْجَدُّ، وَالِابْنُ وَابْنُهُ؛ لِتَسَاوِيهِمْ فِي الْوِلَادَةِ وَالتَّعْصِيبِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْأَبَ وَالِابْنَ أَقْرَبُ وَأَحَقُّ بِمِيرَاثِهِ، فَكَانَا أَحَقَّ، كَالْأَبِ مَعَ الْأَخِ.
وَإِنْ اجْتَمَعَ ابْنٌ وَجَدٌّ، أَوْ أَبٌ وَابْنُ ابْنٍ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، تَقْدِيمُ الِابْنِ؛ وَالْأَبِ؛ لِأَنَّهُمَا أَقْرَبُ، فَإِنَّهُمَا يَلِيَانِهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَلَا يَسْقُطُ إرْثُهُمَا بِحَالٍ، وَالْجَدُّ وَابْنُ الِابْنِ بِخِلَافِهِمَا، وَيَحْتَمِلُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْإِرْثِ وَالتَّعْصِيبِ وَالْوِلَادَةِ.
وَإِنْ اجْتَمَعَ جَدٌّ وَابْنُ ابْنٍ، فَهُمَا سَوَاءٌ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْقُرْبِ وَالْإِرْثُ وَالْوِلَادَةِ وَالتَّعْصِيبِ.
وَيَحْتَمِلُ فِيهِمَا مَا يَحْتَمِلُ فِي الْأَبِ وَالِابْنِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.

[فَصْلٌ اجْتَمَعَ أَبٌ وَابْنٌ فَعَلَى مَنْ تَجِبُ النَّفَقَةُ]

(6504) فَصْلٌ: وَإِنْ اجْتَمَعَ أَبٌ وَابْنٌ، فَقَالَ الْقَاضِي: إنْ كَانَ الِابْنُ صَغِيرًا، أَوْ مَجْنُونًا، قُدِّمَ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ وَجَبَتْ بِالنَّصِّ،

مَعَ أَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْكَسْبِ، وَالْأَبُ قَدْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الِابْنُ كَبِيرًا، وَالْأَبُ زَمِنٌ، فَهُوَ أَحَقُّ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ آكَدُ، وَحَاجَتَهُ أَشَدُّ.
وَيَحْتَمِلُ تَقْدِيمَ الِابْنِ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُ وَجَبَتْ بِالنَّصِّ.
وَإِنْ كَانَا صَحِيحَيْنِ فَقِيرَيْنِ، فَفِيهِمَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا، التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا؛ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْقُرْبِ، وَتَقَابُلِ مَرْتَبَتِهِمَا.
وَالثَّانِي، تَقْدِيمُ الِابْنِ؛ لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ بِالنَّصِّ.
وَالثَّالِثُ.
تَقْدِيمُ الْأَبِ، لِتَأَكُّدِ حُرْمَتِهِ.
وَإِنْ اجْتَمَعَ أَبَوَانِ، فَفِيهِمَا الْوُجُوهُ الثَّلَاثَةُ؛ أَحَدُهَا، التَّسْوِيَةُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَالثَّانِي، تَقْدِيمُ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِالْبِرِّ، وَلَهَا فَضِيلَةُ الْحَمْلِ وَالرَّضَاعِ وَالتَّرْبِيَةِ، وَزِيَادَةُ الشَّفَقَةِ، وَهِيَ أَضْعَفُ وَأَعْجَزُ.
وَالثَّالِثُ، تَقْدِيمُ الْأَبِ، لِفَضِيلَتِهِ، وَانْفِرَادِهِ بِالْوِلَايَةِ عَلَى وَلَدِهِ، وَاسْتِحْقَاقِ الْأَخْذِ مِنْ مَالِهِ، وَإِضَافَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوَلَدَ وَمَالَهُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيك.» وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
وَإِنْ اجْتَمَعَ جَدٌّ وَأَخٌ احْتَمَلَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا؛ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي اسْتِحْقَاقِ مِيرَاثِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْجَدَّ أَحَقُّ؛ لِأَنَّ لَهُ مَزِيَّةَ الْوِلَادَةِ وَالْأُبُوَّةِ، وَلِأَنَّ ابْنَ ابْنِهِ يَرِثُهُ مِيرَاثَ ابْنٍ، وَيَرِثُ الْأَخُ مِيرَاثَ أَخٍ، وَمِيرَاثُ الِابْنِ آكَدُ فَالنَّفَقَةُ الْوَاجِبَةُ بِهِ تَكُونُ آكَدَ.
وَإِنْ كَانَ مَكَانَ الْأَخِ ابْنُ أَخٍ أَوْ عَمٌّ فَالْجَدُّ أَوْلَى بِكُلِّ حَالٍ.

[فَصْلٌ نَفَقَةِ الْقَرِيبِ]

(6505) فَصْلٌ: وَالْوَاجِبُ فِي نَفَقَةِ الْقَرِيبِ قَدْرُ الْكِفَايَةِ مِنْ الْخُبْزِ وَالْأُدْمِ وَالْكِسْوَةِ، بِقَدْرِ الْعَادَةِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الزَّوْجَةِ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ لِلْحَاجَةِ، فَتَقَدَّرَتْ بِمَا تَنْدَفِعُ بِهِ الْحَاجَةُ، وَقَدْ «قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهِنْدٍ: خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ فَقَدَّرَ نَفَقَتَهَا وَنَفَقَةَ وَلَدِهَا بِالْكِفَايَةِ.
فَإِنْ احْتَاجَ إلَى خَادِمٍ فَعَلَيْهِ إخْدَامُهُ» ، كَمَا قُلْنَا فِي الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ كِفَايَتِهِ.

[مَسْأَلَةٌ عَلَى الْمُعْتِقِ نَفَقَةُ مُعْتَقِهِ إذَا كَانَ فَقِيرًا]

(6506) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَعَلَى الْمُعْتِقِ نَفَقَةُ مُعْتَقِهِ، إذَا كَانَ فَقِيرًا؛ لِأَنَّهُ وَارِثُهُ) هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وَأَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ عَلَى الْوَارِثِ، وَالْمُعْتِقُ وَارِثُ عَتِيقِهِ، فَتَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ إذَا كَانَ فَقِيرًا، وَلِمَوْلَاهُ يَسَارٌ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ، بِنَاءً عَلَى أُصُولِهِمْ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا.

وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233] . «وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَّك وَأَبَاك، وَأُخْتَك وَأَخَاك، ثُمَّ أَدْنَاك أَدْنَاك، وَمَوْلَاك الَّذِي يَلِي ذَاكَ، حَقًّا وَاجِبًا، وَرَحِمًا مَوْصُولًا» . وَلِأَنَّهُ يَرِثُهُ بِالتَّعْصِيبِ، فَكَانَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ كَالْأَبِ.
وَيُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ الشُّرُوطُ الْمَذْكُورَةُ فِي غَيْرِهِ.
(6507) فَصْلٌ: فَإِنْ مَاتَ مَوْلَاهُ، فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْوَارِثِ مِنْ عَصَبَاتِهِ، عَلَى مَا بُيِّنَ فِي بَاب الْوَلَاءِ وَيَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ نَفَقَةُ أَوْلَادِ عَتِيقِهِ، إذَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ وَلَاءٌ؛ لِأَنَّهُ عَصَبَتُهُمْ وَوَارِثُهُمْ، وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ أَوْلَادِ مُعْتَقَتِهِ إذَا كَانَ أَبُوهُمْ عَبْدًا كَذَلِكَ، فَإِنْ أُعْتِقَ أَبُوهُمْ فَانْجَرَّ الْوَلَاءُ إلَى مُعْتَقِهِ، صَارَ وَلَاؤُهُمْ لِمُعْتِقِ أَبِيهِمْ، وَنَفَقَتُهُمْ عَلَيْهِ، إذَا كَمُلَتْ الشُّرُوطُ، وَلَيْسَ عَلَى الْعَتِيقَ نَفَقَةُ مُعْتِقِهِ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُهُ، فَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْلَى صَاحِبِهِ، مِثْلَ أَنْ يَعْتِقَ الْحَرْبِيُّ عَبْدًا، ثُمَّ يَسْبِي الْعَبْدُ سَيِّدَهُ فَيَعْتِقُهُ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَفَقَةُ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ يَرِثُهُ.

[مَسْأَلَةٌ زُوِّجَتْ الْأَمَةُ لَزِمَ زَوْجَهَا أَوْ سَيِّدَهُ إنْ كَانَ مَمْلُوكًا نَفَقَتُهَا]

(6508) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا زُوِّجَتْ الْأَمَةُ، لَزِمَ زَوْجَهَا أَوْ سَيِّدَهُ، إنْ كَانَ مَمْلُوكًا، نَفَقَتُهَا) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ زَوْجَ الْأَمَةِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا، أَوْ بَعْضُهُ حُرًّا وَبَعْضُهُ عَبْدًا، فَإِنْ كَانَ حُرًّا، فَنَفَقَتُهَا عَلَيْهِ، لِلنَّصِّ، وَاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ الْبَالِغِينَ، وَالْأَمَةُ دَاخِلَةٌ فِي عُمُومِهِنَّ، وَلِأَنَّهَا زَوْجَةٌ مُمَكِّنَةٌ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَجَبَ عَلَى زَوْجِهَا نَفَقَتُهَا، كَالْحُرَّةِ، وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا مَمْلُوكًا، فَالنَّفَقَةُ وَاجِبَةٌ لِزَوْجَتِهِ لِذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ عَلَى الْعَبْدِ نَفَقَةَ زَوْجَتِهِ.
هَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وَالْحَكَمِ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إذَا بَوَّأَهَا بَيْتًا.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ مُوَاسَاةٌ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا، وَلِذَلِكَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ أَقَارِبِهِ، وَلَا زَكَاةُ مَالِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا عِوَضٌ وَاجِبٌ فِي النِّكَاحِ فَوَجَبَتْ عَلَى الْعَبْدِ كَالْمَهْرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا عِوَضٌ، أَنَّهَا تَجِبُ فِي مُقَابَلَةِ التَّمْكِينِ؛ وَلِهَذَا تَسْقُطُ عَنْ الْحُرِّ بِفَوَاتِ التَّمْكِينِ، وَفَارَقَ نَفَقَةَ الْأَقَارِبِ.
إذَا ثَبَتَ وُجُوبُهَا عَلَى الْعَبْدِ، فَإِنَّهَا تَلْزَمُ سَيِّدَهُ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ أَذِنَ لَهُ فِي النِّكَاحِ الْمُفْضِي إلَى إيجَابِهَا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: فِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهَا تَجِبُ فِي كَسْبِ الْعَبْدِ.
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ إيجَابُهَا

فِي ذِمَّتِهِ، وَلَا رَقَبَتِهِ، وَلَا ذِمَّةِ سَيِّدِهِ، وَلَا إسْقَاطُهَا، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ بِكَسْبِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي النِّكَاحِ بِمَنْزِلَةِ الْجِنَايَةِ، وَأَرْشُ جِنَايَةِ الْعَبْدِ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، يُبَاعُ فِيهَا، أَوْ يَفْدِيه سَيِّدُهُ.
وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْي.
وَلَنَا، أَنَّهُ دَيْنٌ أَذِنَ السَّيِّدُ فِيهِ، فَلَزِمَ ذِمَّتَهُ، كَاَلَّذِي اسْتَدَانَهُ وَكِيلُهُ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الْوَطْءِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ، وَيَجِبُ لِلرَّتْقَاءِ، وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ، وَزَوْجَةِ الْمَجْبُوبِ وَالصَّغِيرِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ بِالتَّمْكِينِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِجِنَايَةٍ وَلَا قَائِمٍ مَقَامَهَا.
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّهُ تَعَذَّرَ إيجَابُهُ فِي ذِمَّةِ السَّيِّدِ.
غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ إيجَابِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا وُجُودَ مُقْتَضِيه، فَلَا مَعْنَى لِدَعْوَى التَّعَذُّرِ.

[مَسْأَلَةٌ أَمَةٌ تَأْوِي بِاللَّيْلِ عِنْدَ الزَّوْجِ وَبِالنَّهَارِ عِنْدَ الْمَوْلَى فَمِنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا]

(6509) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً تَأْوِي بِاللَّيْلِ عِنْدَ الزَّوْجِ، وَبِالنَّهَارِ عِنْدَ الْمَوْلَى، أَنْفَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّةَ مُقَامِهَا عِنْدَهُ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ تَقَدَّمَتْ، وَذَكَرْنَا أَنَّ النَّفَقَةَ فِي مُقَابَلَةِ التَّمْكِينِ، وَقَدْ وُجِدَ مِنْهَا فِي اللَّيْلِ، فَتَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ النَّفَقَةُ فِيهِ، وَالْبَاقِي مِنْهَا عَلَى السَّيِّدِ، بِحُكْمِ أَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ لَمْ تَجِبْ لَهَا نَفَقَةٌ عَلَى غَيْرِهِ فِي هَذَا الزَّمَنِ، فَيَكُونُ عَلَى هَذَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ النَّفَقَةِ.
وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ فِي الْآخَرِ: لَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُمَكِّنْ مِنْ نَفْسِهَا فِي جَمِيعِ الزَّمَانِ، فَلَمْ يَجِبْ لَهَا شَيْءٌ مِنْ النَّفَقَةِ، كَالْحُرَّةِ إذَا بَذَلَتْ نَفْسَهَا فِي أَحَدِ الزَّمَانَيْنِ دُونَ الْآخَرِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ وُجِدَ التَّمْكِينُ الْوَاجِبُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ فَاسْتَحَقَّتْ النَّفَقَةَ كَالْحُرَّةِ إذَا مَكَّنَتْ مِنْ نَفْسِهَا فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ وَالصَّوْمِ الْوَاجِبِ، وَالْحَجِّ الْمَفْرُوضِ.
وَفَارَقَ الْحُرَّةَ إذَا امْتَنَعَتْ فِي أَحَدِ الزَّمَانَيْنِ، فَإِنَّهَا لَمْ تَبْذُلْ الْوَاجِبَ، فَتَكُونَ نَاشِزًا، وَهَذِهِ لَيْسَتْ نَاشِزًا وَلَا عَاصِيَةً.
(6510) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (فَإِنْ كَانَ لَهَا وَلَدٌ، لَمْ تَلْزَمْهُ نَفَقَةُ وَلَدِهِ، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، وَنَفَقَتُهُمْ عَلَى سَيِّدِهِمْ) يَعْنِي الْأَمَةَ لَيْسَ عَلَى زَوْجِهَا نَفَقَةُ وَلَدِهَا مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ حُرًّا؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْأَمَةِ عَبْدٌ لِسَيِّدِهَا، فَإِنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ أُمَّهُ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، فَتَكُونُ نَفَقَتُهُمْ عَلَى سَيِّدِهِمْ دُونَ أَبِيهِمْ، فَإِنَّ الْعَبْدَ أَخَصُّ بِسَيِّدِهِ مِنْ أَبِيهِ؛ وَلِذَلِكَ لَا وِلَايَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ، وَلَا مِيرَاثَ، وَلَا إنْفَاقَ، وَكُلُّ ذَلِكَ لِلسَّيِّدِ، وَقَدْ رُوِيَتْ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ وَلَدَ الْعَرَبِيِّ يَكُونُ حُرًّا، وَعَلَى أَبِيهِ فِدَاؤُهُ.
فَعَلَى هَذَا تَكُونُ نَفَقَتُهُمْ عَلَيْهِ.

وَلَوْ أَعْتَقَ الْوَلَدَ سَيِّدُهُ، أَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِوِلَادَتِهِ، أَوْ تَزَوَّجَ الْأَمَةَ عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ، فَوَلَدُهُ مِنْهَا أَحْرَارٌ، وَعَلَى أَبِيهِمْ نَفَقَتُهُمْ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا، إذَا كَانَ حُرًّا، وَتَحَقَّقَتْ فِيهِ شَرَائِطُ الْإِنْفَاقِ.

[فَصْلٌ طَلَّقَ الْأَمَةَ طَلَاقًا رَجْعِيًّا هَلْ لَهَا النَّفَقَة]

فَصْلٌ: وَإِذَا طَلَّقَ الْأَمَةَ طَلَاقًا رَجْعِيًّا، فَلَهَا النَّفَقَةُ فِي الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ.
وَإِنْ أَبَانَهَا وَهِيَ حَائِلٌ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حُرَّةً، لَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَةٌ فَالْأَمَةُ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا، فَلَهَا النَّفَقَةُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] . نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ.
وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي نَفَقَةِ الْحَامِلِ رِوَايَتَانِ، هَلْ هِيَ لِلْحَمْلِ أَوْ لِلْحَامِلِ بِسَبَبِهِ؟ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، هِيَ لِلْحَمْلِ.
فَعَلَى هَذَا لَا تَجِبُ لِلْمَمْلُوكَةِ الْحَامِلِ الْبَائِنِ نَفَقَةٌ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهَا، فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ فِي هَذَا قَوْلَانِ، كَالرِّوَايَتَيْنِ.

[فَصْلٌ طَلَّقَ الْعَبْدُ زَوْجَتَهُ الْحَامِلَ طَلَاقًا بَائِنًا هَلْ لَهَا النَّفَقَةُ]

(6512) فَصْلٌ: وَإِنْ طَلَّقَ الْعَبْدُ زَوْجَتَهُ الْحَامِلَ طَلَاقًا بَائِنًا، انْبَنَى عَلَى وُجُوبِ النَّفَقَةِ، عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي النَّفَقَةِ، هَلْ هِيَ لِلْحَمْلِ أَوْ لِلْحَامِلِ؟ فَإِنْ قُلْنَا: هِيَ لِلْحَمْلِ.
فَلَا نَفَقَةَ عَلَى الْعَبْدِ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الشَّعْبِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ وَلَدِهِ.
وَإِنْ قُلْنَا: هِيَ لِلْحَامِلِ بِسَبَبِهِ.
وَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ.
وَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] . وَلِأَنَّهَا حَامِلٌ، فَوَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ، كَمَا لَوْ كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا.

[فَصْلٌ وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهُ عَلَيْهِ مِنْ نَفَقَةِ امْرَأَتِهِ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ]

(6513) فَصْلٌ: وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهُ عَلَيْهِ مِنْ نَفَقَةِ امْرَأَتِهِ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ، وَبَاقِيهَا عَلَى سَيِّدِهِ، أَوْ فِي ضَرِيبَتِهِ، أَوْ فِي رَقَبَتِهِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْعَبْدِ.
وَالْقَدْرُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ بِالْحُرِّيَّةِ، يُعْتَبَرُ فِيهِ حَالُهُ؛ إنْ كَانَ مُوسِرًا فَنَفَقَةُ الْمُوسِرِينَ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَنَفَقَةُ الْمُعْسِرِينَ، وَالْبَاقِي تَجِبُ فِيهِ نَفَقَةُ الْمُعْسِرِينَ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ مِمَّا يَتَبَعَّضُ، وَمَا يَتَبَعَّضُ بَعَّضْنَاهُ فِي حَقِّ الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ كَالْمِيرَاثِ وَالدِّيَاتِ، وَمَا لَا يَتَبَعَّضُ، فَهُوَ فِيهِ كَالْعَبْدِ، وَلِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ إمَّا شَرْطٌ فِيهِ، أَوْ سَبَبٌ لَهُ، فَلَمْ يَكْمُلْ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ الْمُزَنِيّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: حُكْمُهُ حُكْمُ الْقِنِّ فِي الْجَمِيعِ، إلْحَاقًا لِأَحَدِ الْحُكْمَيْنِ بِالْآخَرِ.

وَلَنَا، أَنَّهُ يَمْلِكُ بِنِصْفِهِ الْحُرِّ مِلْكًا تَامًّا؛ وَلِهَذَا يُورَثُ عَنْهُ، وَيُكَفِّرُ بِالْإِطْعَامِ، وَيَجِبُ فِيهِ نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ، فَوَجَبَ أَنْ تَتَبَعَّضَ نَفَقَتُهُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْكَامِ الْقَابِلَةِ لِلتَّبْعِيضِ، فَأَمَّا نَفَقَةُ أَقَارِبِهِ، فَيَلْزَمُهُ مِنْهَا بِقَدْرِ مِيرَاثِهِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ تَنْبَنِي عَلَى الْمِيرَاثِ.
وَعِنْدَ الْمُزَنِيّ، تَلْزَمُهُ كُلُّهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَبَعَّضُ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ، لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْعَبِيدِ.
وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي هَذَا.

[مَسْأَلَةٌ لَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ نَفَقَةُ وَلَدِهِ]

(6514) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَلَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ نَفَقَةُ وَلَدِهِ، حُرَّةً كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَوْ أَمَةً) أَمَّا إذَا كَانَتْ زَوْجَةُ الْعَبْدِ حُرَّةً فَوَلَدُهَا أَحْرَارٌ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ الْأُمَّ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، وَلَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ نَفَقَةُ أَقَارِبِهِ الْأَحْرَارِ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهُمْ تَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا.
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ زَوْجَتُهُ مَمْلُوكَةً، فَوَلَدُهَا عَبِيدٌ لِسَيِّدِهَا؛ لِأَنَّهُمْ يَتْبَعُونَهَا، فَتَكُونُ نَفَقَتُهُمْ عَلَى سَيِّدِهِمْ.

[فَصْلٌ حُكْمُ الْمُكَاتَبِ فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ وَالْأَوْلَادِ وَالْأَقَارِبِ]

فَصْلٌ: وَحُكْمُ الْمُكَاتَبِ، فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ وَالْأَوْلَادِ وَالْأَقَارِبِ، حُكْمُ الْعَبْدِ الْقِنِّ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ كَسْبِهِ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ وَاجِبَةٌ بِحُكْمِ الْمُعَاوَضَةِ مَعَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ، وَلِذَلِكَ وَجَبَتْ عَلَى الْعَبْدِ فَعَلَى الْمُكَاتَبِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ نَفَقَةَ الْمَرْأَةِ لَا تَسْقُطُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ، إذَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا مَا يُسْقِطُ نَفَقَتَهَا، وَلَا يُمْكِنُ إيجَابُهَا عَلَى سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْمُكَاتَبِ لَا تَجِبُ عَلَى سَيِّدِهِ، فَنَفَقَةُ امْرَأَتِهِ أَوْلَى.
فَأَمَّا نَفَقَةُ أَوْلَادِهِ وَأَقَارِبِهِ الْأَحْرَارِ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا؛ وَلِذَلِكَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِي مَالِهِ، وَلَا الْفِطْرَةُ فِي بَدَنِهِ، فَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ حُرَّةً، فَنَفَقَةُ أَوْلَادِهَا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُمْ يَتْبَعُونَهَا فِي الْحُرِّيَّةِ.
وَإِنْ كَانَ لَهُمْ أَقَارِبُ أَحْرَارٌ، كَجَدٍّ حُرٍّ وَأَخٍ حُرٍّ مَعَ الْأُمِّ، أَنْفَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِحَسَبِ مِيرَاثِهِ، وَالْمُكَاتَبُ كَأَنَّهُ مَعْدُومٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّفَقَةِ.

[مَسْأَلَةٌ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ نَفَقَةُ وَلَدِهَا دُونَ أَبِيهِ الْمُكَاتَبِ]

(6516) مَسْأَلَةٌ قَالَ: (وَعَلَى الْمُكَاتَبَةِ نَفَقَةُ وَلَدِهَا دُونَ أَبِيهِ الْمُكَاتَبِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُكَاتَبَ إذَا كَانَ لَهُ وَلَدٌ، لَمْ يَخْلُ؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ مِنْ أَمَةٍ، فَإِنْ كَانَ مِنْ زَوْجَةٍ، وَكَانَتْ مُكَاتَبَةً، فَوَلَدُهَا يَتْبَعُونَهَا فِي الْكِتَابَة، وَيَكُونُونَ مَوْقُوفِينَ عَلَى كِتَابَتِهَا؛ إنْ رَقَّتْ رَقُّوا، وَإِنْ عَتَقَتْ بِالْأَدَاءِ عَتَقُوا، فَتَكُونُ نَفَقَتُهُمْ عَلَيْهَا مِمَّا فِي يَدَيْهَا؛ لِأَنَّهُمْ فِي حُكْمِ نَفْسِهَا، وَنَفَقَتُهَا مِمَّا فِي يَدَيْهَا، فَكَذَلِكَ عَلَى وَلَدِهَا.
وَأَمَّا زَوْجُهَا الْمُكَاتَبُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ عَبِيدٌ لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبَةِ.
وَإِنْ كَانَتْ، زَوْجَتُهُ حُرَّةً أَوْ أَمَةً، فَقَدْ بَيَّنَّا حُكْمَهُمْ.
وَإِنْ أَرَادَ الْمُكَاتَبُ التَّبَرُّعَ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى وَلَدِهِ، وَكَانَ مِنْ

أَمَةٍ أَوْ مُكَاتَبَةٍ لِغَيْرِ سَيِّدِهِ، أَوْ حُرَّةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا بِمَالِ سَيِّدِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَمَةٍ لِسَيِّدِهِ، جَازَ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهِ، فَهُوَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ سَيِّده، وَإِنْ كَانَ مِنْ مُكَاتَبَةٍ لِسَيِّدِهِ، احْتَمَلَ الْجَوَازَ لِأَنَّهُ فِي الْحَالِ بِمَنْزِلَةِ أُمِّهِ، وَأُمُّهُ مَمْلُوكَةٌ لِسَيِّدِهَا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا، إذْ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَعْجِزَ هُوَ، وَتُؤَدِّي الْمُكَاتَبَةُ، فَيَعْتِقُ وَلَدُهَا، فَيَحْصُلُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ، وَيَصِيرُ حُرًّا.

[مَسْأَلَةٌ عَلَى الْمُكَاتَبِ نَفَقَةُ وَلَدِهِ مِنْ أَمَتِهِ]

(6517) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَعَلَى الْمُكَاتَبِ نَفَقَةُ وَلَدِهِ مِنْ أَمَتِهِ) أَمَّا وَلَدُ الْمُكَاتَبِ مِنْ أَمَتِهِ، فَنَفَقَتُهُمْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ وَلَدَهُ مِنْ أَمَتِهِ تَابِعٌ لَهُ، يَرِقُّ بِرِقِّهِ، وَيَعْتِقُ بِعِتْقِهِ، فَجَرَى مَجْرَى نَفْسِهِ فِي النَّفَقَةِ، فَكَمَا أَنَّ الْمُكَاتَبَ يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ فَكَذَلِكَ عَلَى وَلَدِهِ الَّذِي هَذَا حَالُهُ، وَلِأَنَّ هَذَا الْوَلَدَ لَيْسَ لَهُ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ سِوَى أَبِيهِ، فَإِنَّ أُمَّهُ أَمَةٌ لِلْمُكَاتَبِ، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ الْأَحْرَارِ أَقَارِبٌ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُكَاتَبِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ، كَأُمِّهِ، وَلِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى السَّيِّدِ فِي إنْفَاقِ الْمُكَاتَبِ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ أَمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَدَّى وَعَتَقَ، فَقَدْ وَفَّى مَالَ الْكِتَابَةِ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَكْثَرُ مِنْهَا، وَإِنْ عَجَزَ وَرَقَّ، عَادَ إلَيْهِ الْمُكَاتَبُ وَوَلَدُهُ الَّذِي أَنْفَقَ عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ إنَّمَا أَنْفَقَ عَلَى عَبْدِهِ، وَتَصِيرُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ كَنَفَقَتِهِ عَلَى سَائِرِ رَقِيقِهِ.

[فَصْلٌ لَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَتَسَرَّى بِأَمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّده]

(6518) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَتَسَرَّى بِأَمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ تَامٍّ، وَعَلَى السَّيِّدِ ضَرَرٌ فِي تَسَرِّيهِ بِهَا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ بِهَا.
وَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي ذَلِكَ، جَازَ؛ لِأَنَّ الْمَنْعِ لِحَقِّهِ، فَجَازَ بِإِذْنِهِ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ الْقِنِّ.
وَإِنْ وَطِئَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ مَمْلُوكَتَهُ، فَإِنْ أَوْلَدَهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ لَيْسَ لَهُ بَيْعُهَا، وَلَا يَبِعْ وَلَدَهُ، فَإِنْ عَتَقَ، عَتَقَ وَلَدُهَا، وَصَارَتْ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ، تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ، وَإِنْ رَقَّ، رَقَّتْ هِيَ وَوَلَدُهَا، وَصَارَتْ أَمَةً لَسَيِّدِهِ، وَالْمُكَاتَبُ وَوَلَدُهُ عَبْدَانِ لَهُ.
وَيَلْزَمُ الْمُكَاتَبَ الْإِنْفَاقُ عَلَى عَبِيدِهِ، وَإِمَائِهِ، وَأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ؛ لِأَنَّهُمْ مِلْكٌ لَهُ، فَلَزِمَهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِمْ، كَبَهَائِمِهِ.

[بَابٌ الْحَالُ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا النَّفَقَةُ عَلَى الزَّوْجِ.]

[مَسْأَلَةٌ الْمَرْأَةُ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ عَلَى زَوْجِهَا بِشَرْطَيْنِ]

ِ. (6519) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وَإِذَا تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ مِثْلُهَا يُوطَأُ، فَلَمْ تَمْنَعْهُ نَفْسَهَا، وَلَا مَنَعَهُ أَوْلِيَاؤُهَا، لَزِمَتْهُ النَّفَقَةُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ عَلَى زَوْجِهَا بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ كَبِيرَةً يُمْكِنُ وَطْؤُهَا، فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَا تَحْتَمِلُ الْوَطْءَ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا.
وَبِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ، وَبَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ لَوْ قِيلَ: لَهَا النَّفَقَةُ.
كَانَ مَذْهَبًا.
وَهَذَا قَوْل الثَّوْرِيِّ؛ لِأَنَّ تَعَذُّرَ الْوَطْءِ لَمْ يَكُنْ بِفِعْلِهَا، فَلَمْ يَمْنَعْ وُجُوبَ النَّفَقَةِ لَهَا، كَالْمَرَضِ.
وَلَنَا، أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ بِالتَّمْكِينِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ مَعَ تَعَذُّرِ الِاسْتِمْتَاعِ، فَلَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهَا، كَمَا لَوْ مَنَعَهُ أَوْلِيَاؤُهَا مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا، وَبِهَذَا يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ، وَيُفَارِقُ الْمَرِيضَةَ، فَإِنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا مُمْكِنٌ، وَإِنَّمَا نَقَصَ بِالْمَرَضِ، وَلِأَنَّ مَنْ لَا تُمَكِّنُ الزَّوْجَ مِنْ نَفْسِهَا، لَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ نَفَقَتُهَا، فَهَذِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ تِلْكَ يُمْكِنُ الزَّوْجُ قَهْرَهَا وَالِاسْتِمْتَاعُ بِهَا كُرْهًا، وَهَذِهِ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيهَا بِحَالٍ.
الشَّرْطُ الثَّانِي، أَنْ تَبْذُلَ التَّمْكِينَ التَّامَّ مِنْ نَفْسِهَا لِزَوْجِهَا، فَأَمَّا إنْ مَنَعَتْ نَفْسَهَا أَوْ مَنَعَهَا أَوْلِيَاؤُهَا، أَوْ تَسَاكَتَا بَعْدَ الْعَقْدِ، فَلَمْ تَبْذُلْ وَلَمْ يَطْلُبْ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، وَإِنْ أَقَامَا زَمَنًا، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزَوَّجَ عَائِشَةَ وَدَخَلَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ سَنَتَيْنِ، وَلَمْ يُنْفِقْ إلَّا بَعْدَ دُخُولِهِ، وَلَمْ يَلْتَزِمْ نَفَقَتَهَا لِمَا مَضَى.
وَلِأَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ فِي مُقَابَلَةِ التَّمْكِينِ الْمُسْتَحَقِّ بِعَقْدِ النِّكَاحِ، فَإِذَا وُجِدَ اسْتَحَقَّتْ، وَإِذَا فُقِدَ لَمْ تَسْتَحِقَّ شَيْئًا، وَلَوْ بَذَلَتْ تَسْلِيمًا غَيْرَ تَامٍّ، بِأَنْ تَقُولَ: أُسَلِّمُ إلَيْك نَفْسِي فِي مَنْزِلِي دُونَ غَيْرِهِ.
أَوْ فِي الْمَوْضِعِ الْفُلَانِيِّ دُونَ غَيْرِهِ.
لَمْ تَسْتَحِقَّ شَيْئًا، إلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ اشْتَرَطَتْ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَبْذُلْ التَّسْلِيمَ الْوَاجِبَ بِالْعَقْدِ، فَلَمْ تَسْتَحِقَّ النَّفَقَةَ، كَمَا لَوْ قَالَ الْبَائِعُ: أُسَلِّمُ إلَيْك السِّلْعَةَ عَلَى أَنْ تَتْرُكَهَا فِي مَوْضِعِهَا، أَوْ فِي مَكَان بِعَيْنِهِ.
وَإِنْ شَرَطَتْ دَارَهَا أَوْ بَلَدَهَا، فَسَلَّمَتْ نَفْسَهَا فِي ذَلِكَ، اسْتَحَقَّتْ النَّفَقَةَ؛ لِأَنَّهَا سَلَّمَتْ التَّسْلِيمَ الْوَاجِبَ عَلَيْهَا؛ وَلِذَلِكَ لَوْ سَلَّمَ السَّيِّدُ أَمَتَهُ الْمُزَوَّجَةَ لَيْلًا دُونَ النَّهَارِ، اسْتَحَقَّتْ النَّفَقَةَ، وَفَارَقَ الْحُرَّةَ، فَإِنَّهَا لَوْ بَذَلَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا فِي بَعْضِ الزَّمَانِ، لَمْ تَسْتَحِقَّ شَيْئًا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُسَلِّمْ التَّسْلِيمَ الْوَاجِبَ بِالْعَقْدِ.
وَكَذَلِكَ إنْ أَمْكَنَتْهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ، وَمَنَعَتْهُ اسْتِمْتَاعًا، لَمْ تَسْتَحِقَّ شَيْئًا لِذَلِكَ.

[فَصْلٌ غَابَ الزَّوْجُ بَعْدَ تَمْكِينِهَا وَوُجُوبِ نَفَقَتِهَا عَلَيْهِ]

(6520) فَصْلٌ: وَإِنْ غَابَ الزَّوْجُ بَعْدَ تَمْكِينِهَا وَوُجُوبِ نَفَقَتِهَا عَلَيْهِ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ، بَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ فِي زَمَنِ غَيْبَتِهِ؛ لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ النَّفَقَةَ بِالتَّمْكِينِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهَا مَا يُسْقِطُهَا.
وَإِنْ غَابَ قَبْلَ تَمْكِينِهَا، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدُ الْمُوجِبُ لَهَا.
فَإِنْ بَذَلَتْ التَّسْلِيمَ وَهُوَ غَائِبٌ، لَمْ تَسْتَحِقَّ نَفَقَةً؛ لِأَنَّهَا بَذَلَتْهُ فِي حَالٍ لَا يُمْكِنُهُ التَّسْلِيمُ فِيهِ، لَكِنْ إنْ مَضَتْ إلَى الْحَاكِمِ، فَبَذَلَتْ التَّسْلِيمَ، كَتَبَ الْحَاكِمُ إلَى حَاكِمِ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ لِيَسْتَدْعِيَهُ وَيُعْلِمَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ سَارَ إلَيْهَا، أَوْ وَكَّلَ مَنْ يُسَلِّمُهَا إلَيْهِ، فَوَصَلَ، وَتَسَلَّمْهَا هُوَ أَوْ نَائِبُهُ، وَجَبَتْ النَّفَقَةُ حِينَئِذٍ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَرَضَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ نَفَقَتَهَا مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهَا وَتَسَلُّمُهَا فِيهِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ امْتَنَعَ مِنْ تَسَلُّمِهَا مَعَ إمْكَانِ ذَلِكَ، وَبَذْلِهَا إيَّاهُ لَهُ، فَلَزِمَتْهُ نَفَقَتُهَا، كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا.
وَإِنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ صَغِيرَةً، يُمْكِنُ وَطْؤُهَا، أَوْ مَجْنُونَةً، فَسَلَّمَتْ نَفْسَهَا إلَيْهِ، فَتَسَلَّمْهَا، لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهَا كَالْكَبِيرَةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَسَلَّمْهَا، لِمَنْعِهَا نَفْسَهَا، أَوْ مَنْعِ أَوْلِيَائِهَا، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ.
وَإِنْ غَابَ الزَّوْجُ، فَبَذَلَ وَلِيُّهَا تَسْلِيمَهَا، فَهُوَ كَمَا لَوْ بَذَلَتْ الْمُكَلَّفَةُ التَّسْلِيمَ، فَإِنَّ وَلِيَّهَا يَقُومُ مَقَامَهَا.
وَإِنْ بَذَلَتْ هِيَ دُونَ وَلِيِّهَا، لَمْ يَفْرِضْ الْحَاكِمُ النَّفَقَةَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِكَلَامِهَا.

[مَسْأَلَةٌ كَانَتْ الْمَرْأَةُ كَبِيرَةً يُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا فَمَكَّنَتْ مِنْ نَفْسِهَا]

(6521) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا كَانَتْ بِهَذِهِ الْحَالِ الَّتِي وَصَفْت، وَزَوْجُهَا صَبِيٌّ، أُجْبِرَ وَلِيُّهُ عَلَى نَفَقَتِهَا مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، فَاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ، فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا) يَعْنِي إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ كَبِيرَةً، يُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا، فَمَكَّنَتْ مِنْ نَفْسِهَا، أَوْ بَذَلَتْ تَسْلِيمَهَا، وَلَمْ تَمْنَعْ نَفْسَهَا، وَلَا مَنَعَهَا أَوْلِيَاؤُهَا، فَعَلَى زَوْجِهَا الصَّبِيِّ نَفَقَتُهَا وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَقَالَ فِي الْآخَرِ: لَا نَفَقَةَ لَهَا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَا يَتَمَكَّنْ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، فَلَمْ تَلْزَمْهُ نَفَقَتُهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ غَائِبَةً أَوْ صَغِيرَةً وَلَنَا، أَنَّهَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا تَسْلِيمًا صَحِيحًا، فَوَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ، كَمَا لَوْ كَانَ الزَّوْجُ كَبِيرًا، وَلِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا مُمْكِنٌ، وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ، كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ التَّسْلِيمُ لِمَرَضِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ، وَفَارَقَ مَا إذَا غَابَتْ، أَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً، فَإِنَّهَا لَمْ تُسَلِّمْ نَفْسَهَا تَسْلِيمًا صَحِيحًا، وَلَمْ تَبْذُلْ ذَلِكَ، فَعَلَى هَذَا يُجْبَرُ الْوَلِيُّ عَلَى نَفَقَتِهَا مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الصَّبِيِّ، وَإِنَّمَا الْوَلِيُّ يَنُوبُ عَنْهُ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ عَلَيْهِ، كَمَا يُؤَدِّي أُرُوشَ جِنَايَاتِهِ، وَقِيَمَ مُتْلَفَاتِهِ، وَزَكَوَاتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، فَاخْتَارَتْ فِرَاقَهُ، فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، كَمَا ذَكَرْنَا فِي حَقِّ الْكَبِيرِ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَامْتَنَعَ الْوَلِيُّ مِنْ الْإِنْفَاقِ، أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ بِالْحَبْسِ، فَإِنْ لَمْ يُنْفِقْ، أَخَذَ الْحَاكِمُ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ، وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ، وَصَبَرَ الْوَلِيُّ عَلَى الْحَبْسِ، وَتَعَذَّرَ الْإِنْفَاقُ، فَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، إذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي حَقِّ الْكَبِيرِ وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْكَبِيرِ، أَنَّهُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمَا، فَكَذَلِكَ فِي أَحْكَامِهِ.

[فَصْلٌ بَذَلَتْ الرَّتْقَاءُ أَوْ الْحَائِضُ أَوْ النُّفَسَاءُ أَوْ النِّضْوَةُ الْخَلْقِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا أَوْ الْمَرِيضَةُ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا]

(6522) فَصْلٌ: وَإِنْ بَذَلَتْ الرَّتْقَاءُ، أَوْ الْحَائِضُ، أَوْ النُّفَسَاءُ، أَوْ النِّضْوَةُ الْخَلْقِ الَّتِي لَا يُمْكِنُهُ وَطْؤُهَا، أَوْ الْمَرِيضَةُ، تَسْلِيمَ نَفْسِهَا، لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهَا، وَإِنْ حَدَثَ بِهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ مُمْكِنٌ، وَلَا تَفْرِيطَ مِنْ جِهَتهَا وَإِنْ مَنَعَ مِنْ الْوَطْءِ، وَيُفَارِقُ الصَّغِيرَةَ، فَإِنَّ لَهَا حَالًا يَتَمَكَّنُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فِيهَا اسْتِمْتَاعًا تَامًّا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا انْتِظَارًا لِتِلْكَ الْحَالِ، بِخِلَافِ هَؤُلَاءِ، وَلِذَلِكَ لَوْ طَلَبَ تَسْلِيمَ هَؤُلَاءِ وَجَبَ تَسْلِيمُهُنَّ، وَلَوْ طَلَبَ تَسْلِيمَ الصَّغِيرَةِ لَمْ يَجِبْ فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ بَذَلَتْ الصَّحِيحَةُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا دُونَ الْوَطْءِ، لَمْ تُجِبْ لَهَا النَّفَقَةُ، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ قُلْنَا: لِأَنَّ تِلْكَ مَنَعَتْ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهَا، وَهَؤُلَاءِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ التَّمْكِينُ مِمَّا فِيهِ ضَرَرٌ فَإِنْ ادَّعَتْ أَنَّ عَلَيْهَا ضَرَرًا فِي وَطْئِهِ لِضِيقِ فَرْجِهَا، أَوْ قُرُوحٍ بِهِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَأَنْكَرَ هُوَ، أُرِيَتْ امْرَأَةً ثِقَةً، وَعُمِلَ بُقُولِهَا وَإِنْ ادَّعَتْ عَبَالَةَ ذَكَرِهِ وَعِظَمَهُ، جَازَ أَنْ تَنْظُرَ الْمَرْأَةُ إلَيْهِمَا حَالَ اجْتِمَاعِهِمَا؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، وَيَجُوزُ النَّظَرُ إلَى الْعَوْرَةِ لِلْحَاجَةِ وَالشَّهَادَةِ.

[مَسْأَلَةٌ طَالَبَ الزَّوْجُ بِالدُّخُولِ وَقَالَتْ لَا أُسَلِّمُ نَفْسِي حَتَّى أَقْبِضَ صَدَاقِي]

(6523) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ طَالَبَ الزَّوْجُ بِالدُّخُولِ، وَقَالَتْ: لَا أُسَلِّمُ نَفْسِي حَتَّى أَقْبِضَ صَدَاقِي كَانَ ذَلِكَ لَهَا، وَلَزِمَتْهُ النَّفَقَةُ إلَى أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهَا صَدَاقَهَا) وَجُمْلَتُهُ، أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا حَتَّى تَتَسَلَّمَ صَدَاقَهَا؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا قَبْلَ تَسْلِيمِ صَدَاقِهَا يُفْضِي إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ مَنْفَعَتَهَا الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا بِالْوَطْءِ، ثُمَّ لَا يُسَلِّمَ صَدَاقَهَا، فَلَا يُمْكِنُهَا الرُّجُوعُ فِيمَا اسْتَوْفَى مِنْهَا، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ إذَا تَسَلَّمَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَعْسَرَ بِالثَّمَنِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فِيهِ؛ فَلِهَذَا أَلْزَمْنَاهُ تَسْلِيمَ صَدَاقِهَا أَوَّلًا، وَجَعَلْنَا لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ صَدَاقَهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا سَلَّمَ إلَيْهَا الصَّدَاقَ ثُمَّ امْتَنَعَتْ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا، أَمْكَنَ الرُّجُوعُ فِيهِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَمَتَى امْتَنَعَتْ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا لِتَقْبِضَ صَدَاقَهَا، فَلَهَا نَفَقَتُهَا؛ لِأَنَّهَا امْتَنَعَتْ بِحَقٍّ فَإِنْ

قِيلَ: فَلَوْ امْتَنَعَتْ لَصِغَرٍ أَوْ مَرَضٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ نَفَقَتُهَا قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ امْتِنَاعَهَا لَمَرَضٍ لِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهَا، وَكَذَلِكَ الِامْتِنَاعُ لِلصِّغَرِ، وَهَا هُنَا الِامْتِنَاعُ لِمَعْنًى مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ، وَهُوَ مَنْعُهُ لِمَا وَجَبَ لَهَا عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَعَذَّرَ الِاسْتِمْتَاعُ لِصِغَرِ الزَّوْجِ، فَإِنَّهُ لَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا عَنْهُ، وَلَوْ تَعَذَّرَ لِصِغَرِهَا، لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا.

[فَصْلٌ سَافَرَتْ زَوْجَتُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ]

(6524) فَصْلٌ: إذَا سَافَرَتْ زَوْجَتُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا عَنْهُ؛ لِأَنَّهَا نَاشِزٌ وَكَذَلِكَ إنْ انْتَقَلَتْ مِنْ مَنْزِلِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَإِنْ سَافَرَتْ بِإِذْنِهِ، فِي حَاجَتِهِ، فَهِيَ عَلَى نَفَقَتِهَا؛ لِأَنَّهَا سَافَرَتْ فِي شُغْلِهِ وَمُرَادِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي حَاجَةِ نَفْسِهَا، سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا؛ لِأَنَّهَا فَوَّتَتْ التَّمْكِينَ لَحَظِّ نَفْسِهَا، وَقَضَاءِ حَاجَتِهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَنْظَرَتْهُ قَبْلَ الدُّخُولِ مُدَّةً فَأَنْظَرَهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا مَعَهَا، مُتَمَكِّنًا مِنْ اسْتِمْتَاعِهَا، فَلَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُفَوِّتْ التَّمْكِينَ، فَأَشْبَهَتْ غَيْرَ الْمُسَافِرَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَسْقُطَ نَفَقَتُهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا؛ لِأَنَّهَا مُسَافِرَةٌ بِإِذْنِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ سَافَرَتْ فِي حَاجَتِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ سَفَرُهَا لِتِجَارَةٍ، أَوْ حَجِّ تَطَوُّعٍ، أَوْ زِيَارَةٍ وَلَوْ أَحْرَمَتْ بِحَجِّ تَطَوُّعٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ، سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْمُسَافِرَةِ وَإِنْ أَحْرَمَتْ بِهِ بِإِذْنِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَهَا النَّفَقَةُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا كَالْمُسَافِرَةِ؛ لِأَنَّهَا بِإِحْرَامِهَا مَانِعَةٌ لَهُ مِنْ التَّمْكِينِ، فَهِيَ كَالْمُسَافِرَةِ لِحَاجَةِ نَفْسِهَا، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنْ أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ الْوَاجِبِ، أَوْ الْعُمْرَةِ الْوَاجِبَةِ، فِي الْوَقْتِ الْوَاجِبِ، مِنْ الْمِيقَاتِ، فَلَهَا النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّهَا فَعَلَتْ الْوَاجِبَ عَلَيْهَا بِأَصْلِ الشَّرْعِ فِي وَقْتِهِ، فَلَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا، كَمَا لَوْ صَامَتْ رَمَضَانَ وَإِنْ قَدَّمَتْ الْإِحْرَامَ عَلَى الْمِيقَاتِ، أَوْ قَبْلَ الْوَقْتِ خُرِّجَ فِيهَا مِنْ الْقَوْلِ مَا فِي الْمُحْرِمَةِ بِحَجِّ التَّطَوُّعِ؛ لِأَنَّهَا فَوَّتَتْ عَلَيْهِ التَّمْكِينَ بِشَيْءٍ مُسْتَغْنًى عَنْهُ.

[فَصْلٌ صَامَتْ الزَّوْجَةُ رَمَضَانَ لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا]

(6525) فَصْلٌ: فَإِنْ اعْتَكَفَتْ، فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ كَسَفَرِهَا، إنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَهِيَ نَاشِزٌ؛ لِخُرُوجِهَا مِنْ مَنْزِلِ زَوْجِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ فِيمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَقَالَ الْقَاضِي: لَهَا النَّفَقَةُ وَإِنْ صَامَتْ رَمَضَانَ لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ مُضَيَّقٌ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، لَا يَمْلِكُ مَنْعَهَا مِنْهُ، فَلَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا، كَالصَّلَاةِ؛ وَلِأَنَّهُ يَكُونُ صَائِمًا مَعَهَا، فَيَمْتَنِعُ الِاسْتِمْتَاعُ لِمَعْنًى وُجِدَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا، لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ قَبْضَتِهِ، وَلَمْ تَأْتِ بِمَا يَمْنَعُهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ تَفْطِيرُهَا وَوَطْؤُهَا، فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ مِنْهَا فَمَنَعَتْهُ، سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا بِامْتِنَاعِهَا مِنْ التَّمْكِينِ الْوَاجِبِ وَإِنْ كَانَ صَوْمًا مَنْذُورًا مُعَلَّقًا بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَهَا النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ نَذْرُهَا قَبْلَ النِّكَاحِ، أَوْ كَانَ النَّذْرُ بِإِذْنِهِ، لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهَا بِحَقٍّ سَابِقٍ عَلَى

نِكَاحِهِ، أَوْ وَاجِبٍ أَذِنَ فِي سَبَبِهِ، وَإِنْ كَانَ النَّذْرُ فِي نِكَاحِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا فَوَّتَتْ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِاخْتِيَارِهَا بِالنَّذْرِ الَّذِي لَمْ يُوجِبْهُ الشَّرْعُ عَلَيْهَا، وَلَا نَدَبَهَا إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ النَّذْرُ مُطْلَقًا، أَوْ كَانَ صَوْمَ كَفَّارَةٍ، فَصَامَتْ بِإِذْنِهِ، فَلَهَا النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّهَا أَدَّتْ الْوَاجِبَ بِإِذْنِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَامَتْ الْمُعَيَّنَ فِي وَقْتِهِ، وَإِنْ صَامَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا نَفَقَةَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا يُمْكِنُهَا تَأْخِيرُهُ، فَإِنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي، وَحَقُّ الزَّوْجَ عَلَى الْفَوْرِ وَإِنْ كَانَ قَضَاءَ رَمَضَانَ قَبْلَ ضِيقِ وَقْتِهِ، فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ وَقْتُهُ مُضَيَّقًا، مِثْلَ أَنْ قَرُبَ رَمَضَانُ الْآخَرُ، فَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ مُضَيَّقٌ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، أَشْبَهَ أَدَاءَ رَمَضَانَ.

[مَسْأَلَةٌ طَلَّقَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ طَلَاقًا لَا يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ]

(6526) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ طَلَاقًا لَا يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ، فَلَا سُكْنَى لَهَا، وَلَا نَفَقَةَ، إلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا) وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ، أَنَّ الرَّجُلَ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلَاقًا بَائِنًا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ثَلَاثًا، أَوْ بِخُلْعِ، أَوْ بَانَتْ بِفَسْخٍ، وَكَانَتْ حَامِلًا فَلَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى، بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] وَفِي بَعْضِ أَخْبَارِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: «لَا نَفَقَةَ لَك إلَّا أَنْ تَكُونِي حَامِلًا» وَلِأَنَّ الْحَمْلَ وَلَدُهُ، فَيَلْزَمُهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ، إلَّا بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، فَوَجَبَ، كَمَا وَجَبَتْ أُجْرَةُ الرَّضَاعِ وَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَفِي السُّكْنَى رِوَايَتَانِ:؛ إحْدَاهُمَا: لَهَا ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَابْنِهِ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَائِشَةَ، وَفُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِلْآيَةِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا سُكْنَى لَهَا، وَلَا نَفَقَةَ وَهِيَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَقَوْلُ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَالْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ، وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَدَاوُد وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ الْعِرَاقِيِّينَ: لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ وَبِهِ قَالَ ابْنِ شُبْرُمَةَ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَالْبَتِّيُّ، وَالْعَنْبَرِيُّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَلِأَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ، فَوَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى، كَالرَّجْعِيَّةِ وَرَدُّوا خَبَرَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا، وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا، لِقَوْلِ امْرَأَةٍ وَأَنْكَرَتْهُ عَائِشَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَتَأَوَّلُوهُ وَلَنَا، مَا رَوَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، «أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ، فَأَرْسَلَ إلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ فَتَسَخَّطَتْهُ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا لَك عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: لَيْسَ لَك عَلَيْهِ نَفَقَةٌ وَلَا سُكْنَى فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي لَفْظٍ: «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اُنْظُرِي يَا ابْنَةَ قَيْسٍ إنَّمَا النَّفَقَةُ لِلْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا مَا كَانَتْ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ، فَلَا نَفَقَةَ وَلَا سُكْنَى» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالْأَثْرَمُ، وَالْحُمَيْدِيُّ، وَغَيْرُهُمْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ الْحُجَّةِ وَمَا يَلْزَمُ مِنْهَا، قَوْلُ أَحْمَدَ ابْنِ حَنْبَلٍ وَمَنْ تَابَعَهُ أَصَحُّ وَأَحَجُّ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَصًّا صَرِيحًا، فَأَيُّ شَيْءٍ يُعَارِضُ هَذَا إلَّا مِثْلُهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، الَّذِي هُوَ الْمُبَيِّنُ عَنْ اللَّهِ مُرَادَهُ؟ وَلَا شَيْءَ يَدْفَعُ ذَلِكَ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: 6] وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ، وَمَنْ وَافَقَهُ، فَقَدْ خَالَفَهُ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَمَنْ وَافَقَهُمَا، وَالْحُجَّةُ مَعَهُمْ، وَلَوْ لَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، لِمَا قُبِلَ قَوْلُهُ الْمُخَالِفُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُجَّةٌ عَلَى عُمَرَ وَعَلَى غَيْرِهِ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا، وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا، لِقَوْلِ امْرَأَةٍ فَإِنَّ أَحْمَدَ أَنْكَرَهُ، وَقَالَ: أَمَّا هَذَا فَلَا، وَلَكِنْ قَالَ: لَا نَقْبَلُ فِي دِيننَا قَوْلَ امْرَأَةٍ وَهَذَا أَمْرٌ يَرُدُّهُ الْإِجْمَاعُ عَلَى قَبُولِ قَوْلِ الْمَرْأَةِ فِي الرِّوَايَةِ، فَأَيُّ حُجَّةٍ فِي شَيْءٍ يُخَالِفُهُ الْإِجْمَاعُ، وَتَرُدُّهُ السَّنَةُ، وَيُخَالِفُهُ فِيهِ عُلَمَاءُ الصَّحَابَةِ قَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ: نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ عُمَرَ لَا يَقُولُ: لَا نَدَعُ كِتَابَ رَبِّنَا إلَّا لِمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَاَلَّذِي فِي الْكِتَابِ أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ إذَا كَانَتْ حَامِلًا، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] وَأَمَّا غَيْرُ ذَوَاتِ الْحَمْلِ فَلَا يَدُلُّ الْكِتَابُ إلَّا عَلَى أَنَّهُنَّ لَا نَفَقَةَ لَهُنَّ؛ لِاشْتِرَاطِهِ الْحَمْلَ فِي الْأَمْرِ بِالْإِنْفَاقِ وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ، بِإِسْنَادِهِمْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ «فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمَا يَعْنِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَقَضَى أَنْ لَا بَيْتَ لَهَا عَلَيْهِ وَلَا قُوتَ» وَلِأَنَّ هَذِهِ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا لَا تُزِيلُهُ الرَّجْعَةُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةٌ، كَالْمُلَاعَنَةِ أَوْ كَالْأَجْنَبِيَّةِ، وَفَارَقَتْ الرَّجْعِيَّةَ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا الرَّجْعِيَّةُ، فَلَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ؛ لِلْآيَةِ وَالْخَبَرِ وَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّهَا زَوْجَةٌ يَلْحَقُهَا طَلَاقُهُ وَظِهَارُهُ وَإِيلَاؤُهُ.

[فَصْلٌ الْمُلَاعَنَةُ فَلَا سُكْنَى لَهَا وَلَا نَفَقَةَ إنْ كَانَتْ غَيْرَ حَامِلٍ]

(6527) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمُلَاعِنَةُ فَلَا سُكْنَى لَهَا، وَلَا نَفَقَةَ، إنْ كَانَتْ غَيْرَ حَامِلٍ، لِلْخَبَرِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ حَامِلًا فَنَفَى حَمْلَهَا، وَقُلْنَا: إنَّهُ يَنْتَفِي عَنْهُ أَوْ قُلْنَا: إنَّهُ يَنْتَفِي بِزَوَالِ الْفِرَاشِ وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْتَفِي بِنَفْيِهِ أَوْ لَمْ يَنْفِهِ، وَقُلْنَا: إنَّهُ يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ فَلَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِلْحَمْلِ، أَوْ لَهَا بِسَبَبِهِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ، فَأَشْبَهْت الْمُطَلَّقَةَ الْبَائِنَ فَإِنْ نَفَى الْحَمْلَ، فَأَنْفَقَتْ أُمُّهُ، وَسَكَنَتْ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ، وَأَرْضَعَتْ، ثُمَّ اسْتَلْحَقَهُ الْمُلَاعِنُ، لَحِقَهُ، وَلَزِمَتْهُ النَّفَقَةُ وَأُجْرَةُ الْمَسْكَنِ وَالرَّضَاعِ؛ لِأَنَّهَا فَعَلَتْ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا أَبَ لَهُ، فَإِذَا ثَبَتَ لَهُ أَبٌ، لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَرُجِعَ بِهِ عَلَيْهِ فَإِنْ قِيلَ: النَّفَقَةُ لِأَجْلِ الْحَمْلِ نَفَقَةُ الْأَقَارِبِ، وَهِيَ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، فَكَيْفَ تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا

يَسْقُطُ عَنْهُ؟ قُلْنَا: بَلْ النَّفَقَةُ لِلْحَامِلِ مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ، فَلَا تَسْقُطُ، كَنَفَقَتِهَا فِي الْحَيَاةِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا لِلْحَمْلِ، إلَّا أَنَّهَا مَصْرُوفَةٌ إلَيْهَا، وَيَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّهَا، فَلَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، كَنَفَقَتِهَا.

[فَصْلٌ الْمُعْتَدَّةُ مِنْ الْوَفَاةِ إنْ كَانَتْ حَائِلًا]

فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمُعْتَدَّةُ مِنْ الْوَفَاةِ، فَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا، فَلَا سُكْنَى لَهَا وَلَا نَفَقَةَ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ قَدْ زَالَ بِالْمَوْتِ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا، فَفِيهَا رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ؛ لِأَنَّهَا حَامِلٌ مِنْ زَوْجِهَا، فَكَانَتْ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ، كَالْمُفَارِقَةِ فِي الْحَيَاةِ وَالثَّانِيَةُ، لَا سُكْنَى لَهَا وَلَا نَفَقَةَ؛ لِأَنَّ الْمَالَ قَدْ صَارَ لِلْوَرَثَةِ، وَنَفَقَةُ الْحَامِلِ وَسُكْنَاهَا إنَّمَا هُوَ لِلْحَمْلِ أَوْ مِنْ أَجْلِهِ، وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ الْوَرَثَةَ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ مِيرَاثٌ، فَنَفَقَةُ الْحَمْلِ مِنْ نَصِيبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِيرَاثٌ، لَمْ يَلْزَمْ وَارِثَ الْمَيِّتِ الْإِنْفَاقُ عَلَى حَمْلِ امْرَأَتِهِ، كَمَا بَعْدَ الْوِلَادَةِ قَالَ الْقَاضِي: وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ.

[فَصْلٌ نَفَقَةُ الْحَامِلِ]

(6529) فَصْلٌ: وَهَلْ تَجِبُ نَفَقَةُ الْحَمْلِ لِلْحَامِلِ مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ أَوْ لِلْحَمْلِ، فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا: تَجِبُ لِلْحَمْلِ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِوُجُودِهِ، وَتَسْقُطُ عِنْدَ انْفِصَاله، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَهُ وَالثَّانِيَةُ، تَجِبُ لَهَا مِنْ أَجْلِهِ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ مَعَ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ، فَكَانَتْ لَهُ كَنَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ، وَلِأَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، فَأَشْبَهَتْ نَفَقَتَهَا فِي حَيَاتِهِ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالرِّوَايَتَيْنِ وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ فُرُوعٌ؛ مِنْهَا، أَنَّهَا إذَا كَانَتْ الْمُطَلَّقَةُ الْحَامِلُ أَمَةً، وَقُلْنَا: النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ فَنَفَقَتُهَا عَلَى سَيِّدِهَا؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَإِنْ قُلْنَا: لَهَا فَعَلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا، وَقُلْنَا: هِيَ لِلْحَمْلِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ وَلَدِهِ وَإِنْ قُلْنَا: لَهَا فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ، أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، وَقُلْنَا: النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ فَعَلَى الزَّوْجِ وَالْوَاطِئِ؛ لِأَنَّهُ وَلَدُهُ، فَلَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ كَمَا بَعْدَ الْوَضْعِ وَإِنْ قُلْنَا: لِلْحَامِلِ فَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً يَجِبُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا وَإِنْ نَشَزَتْ امْرَأَةُ إنْسَانٍ، وَهِيَ حَامِلٌ، وَقُلْنَا: النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ وَلَدِهِ لَا تَسْقُطُ بِنُشُوزِ أُمِّهِ وَإِنْ قُلْنَا: لَهَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا نَاشِزٌ.

[فَصْلٌ وَقْتُ دَفْعِ نَفَقَةِ الْحَامِلِ الْمُطَلَّقَةِ إلَيْهَا]

(6530) فَصْلٌ: وَيَلْزَمُ الزَّوْجَ دَفْعُ نَفَقَةِ الْحَامِلِ الْمُطَلَّقَةِ إلَيْهَا يَوْمًا فَيَوْمًا، كَمَا يَلْزَمُهُ دَفْعُ نَفَقَةِ الرَّجْعِيَّةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَا يَلْزَمُهُ دَفْعُهَا إلَيْهَا حَتَّى تَضَعَ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ غَيْرُ مُتَحَقِّقِ؛ وَلِهَذَا: وَقَفْنَا الْمِيرَاثَ وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ اللَّهِ

تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] وَلِأَنَّهَا مَحْكُومٌ لَهَا بِالنَّفَقَةِ، فَوَجَبَ دَفْعُهَا إلَيْهَا، كَالرَّجْعِيَّةِ وَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإِنَّ الْحَمْلَ يَثْبُتُ بِالْأَمَارَاتِ، وَتَثْبُتُ أَحْكَامُهُ فِي النِّكَاحِ، وَالْحَدِّ، وَالْقِصَاصِ، وَفَسْخِ الْبَيْعِ فِي الْجَارِيَةِ الْمَبِيعَةِ، وَالْمَنْعِ مِنْ الْأَخْذِ فِي الزَّكَاةِ، وَوُجُوبِ الدَّفْعِ فِي الدِّيَةِ، فَهُوَ كَالْمُتَحَقِّقِ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الْمِيرَاثَ؛ فَإِنْ كَانَ الْمِيرَاثُ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الْحَمْلِ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ لَهُ الْوَضْعُ وَالِاسْتِهْلَالُ بَعْدَ الْوَضْعِ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ قَبْلَهُ، وَلِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ صِفَةَ الْحَمْلِ وَقَدْرَهُ وَوُجُودَ شَرْطِ تَوْرِيثِهِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، فَإِنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ بِمُجَرَّدِ الْحَمْلِ، وَلَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَمَتَى ادَّعَتْ الْحَمْلَ فَصَدَّقَهَا، دَفَعَ إلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ حَمْلًا، فَقَدْ اسْتَوْفَتْ حَقَّهَا، وَإِنْ بَانَ أَنَّهَا لَيْسَتْ حَامِلًا، رَجَعَ عَلَيْهَا، سَوَاءٌ دَفَعَ إلَيْهَا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ شَرَطَ أَنَّهَا نَفَقَةٌ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ، وَعَنْهُ: لَا يَرْجِعُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَهُ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ، فَإِذَا بَانَ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، اسْتَرْجَعَهُ، كَمَا لَوْ قَضَاهَا دَيْنًا، فَبَانَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَإِنْ أَنْكَرَ حَمْلهَا، نَظَرَ النِّسَاءُ الثِّقَاتُ، فَرُجِعَ إلَى قَوْلِهِنَّ، وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ إذَا كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ وَالْعَدَالَةِ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، أَشْبَهَ الرَّضَاعَ، وَقَدْ ثَبَتَ الْأَصْلُ بِالْخَبَرِ.

[فَصْلٌ النَّفَقَةُ عَلَى الزَّوْجِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ]

(6531) فَصْلٌ: وَلَا تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى الزَّوْجِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ صَحِيحٌ، فَإِنْ طَلَّقَهَا أَوْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الْوَطْءِ، فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْوَطْءِ فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى، إنْ كَانَتْ حَائِلًا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ قَبْلَ التَّفْرِيقِ، فَبَعْدَهُ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا، فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ؛ فَإِنْ قُلْنَا: لَهَا النَّفَقَةُ إذَا كَانَتْ حَامِلًا فَلَهَا ذَلِكَ قَبْلَ التَّفْرِيقِ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ بَعْدَ التَّفْرِيقِ، فَقَبْلَهُ أَوْلَى وَمَتَى أَنْفَقَ عَلَيْهَا قَبْلَ مُفَارَقَتِهَا أَوْ بَعْدَهَا، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا بِشَيْءِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَالِمًا بِعَدَمِ الْوُجُوبِ، فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا فَهُوَ مُفَرِّطٌ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ، كَمَا لَوْ أَنْفَقَ عَلَى أَجْنَبِيَّةٍ وَكُلُّ مُعْتَدَّةٍ مِنْ الْوَطْءِ فِي غَيْرِ نِكَاحٍ صَحِيحٍ، كَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةِ وَغَيْرِهَا، إنْ كَانَ يَلْحَقُ الْوَاطِئَ نَسَبُ وَلَدِهَا، فَهِيَ كَالْمَوْطُوءَةِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَلْحَقُهُ نَسَبُ وَلَدِهَا، كَالزَّانِي، فَلَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا، حَامِلًا كَانَتْ أَوْ حَائِلًا؛ لِأَنَّهُ لَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا، وَلَا بَيْنَهُمَا وَلَدٌ يُنْسَبُ إلَيْهِ.

[مَسْأَلَةٌ خَالَعَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا وَأَبْرَأَتْهُ مِنْ حَمْلِهَا]

(6532) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا خَالَعَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا، وَأَبْرَأَتْهُ مِنْ حَمْلِهَا، لَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَةٌ، وَلَا لِلْوَلَدِ، حَتَّى تَفْطِمَهُ) أَمَّا إذَا خَالَعَتْهُ وَلَمْ تُبْرِئْهُ مِنْ حَمْلِهَا، فَلَهَا النَّفَقَةُ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَهِيَ حَامِلٌ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ وَلَدُهُ، فَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، وَإِنْ أَبْرَأَتْهُ مِنْ الْحَمْلِ عِوَضًا فِي الْخُلْعِ، صَحَّ، سَوَاءٌ كَانَ الْعِوَضُ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْخُلْعِ،

وَيَبْرَأُ حَتَّى تَفْطِمَهُ، إذَا كَانَتْ قَدْ أَبْرَأَتْهُ مِنْ نَفَقَةِ الْحَمْلِ وَكَفَالَةِ الْوَلَدِ إلَى ذَلِكَ، أَوْ أَطْلَقَتْ الْبَرَاءَةَ مِنْ نَفَقَةِ الْحَمْلِ وَكَفَالَتِهِ؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ الْمُطْلَقَةَ تَنْصَرِفُ إلَى الْمُدَّةِ الَّتِي تَسْتَحِقُّ الْمَرْأَةُ الْعِوَضَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَهِيَ مُدَّةُ الْحَمْلِ وَالرَّضَاعِ، لِأَنَّ الْمُطْلَقَ إذَا كَانَ لَهُ عُرْفٌ، انْصَرَفَ إلَى الْعُرْفِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ، انْصَرَفَ إلَى حَوْلَيْنِ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: 14] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: 233] ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة: 233] فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِصَالُهُ قَبْلَ الْعَامَيْنِ إلَّا بِتَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ وَإِنْ قَدَّرَا مُدَّةَ الْبَرَاءَةِ بِزَمَنِ الْحَمْلِ، أَوْ بِعَامِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَهُوَ عَلَى مَا قَدَّرَاهُ، وَهُوَ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ أَقْطَعُ لِلنِّزَاعِ، وَأَبْعَدُ مِنْ اللَّبْسِ وَالِاشْتِبَاه وَلَوْ أَبْرَأَتْهُ مِنْ نَفَقَةِ الْحَمْلِ، انْصَرَفَ ذَلِكَ إلَى زَمَنِ الْحَمْلِ قَبْلَ وَضْعِهِ قَالَ الْقَاضِي: إنَّمَا صَحَّ مُخَالَعَتُهَا عَلَى نَفَقَةِ الْوَلَدِ، وَهِيَ لِلْوَلَدِ دُونَهَا؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْمَالِكَةِ لَهَا، لِأَنَّهَا هِيَ الْقَابِضَةُ لَهَا، الْمُسْتَحِقَّةُ لَهَا، الْمُتَصَرِّفَةُ فِيهَا، فَإِنَّهَا فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ هِيَ الْآكِلَةُ لَهَا، الْمُنْتَفِعَةُ بِهَا، وَبَعْدَ الْوِلَادَةِ هِيَ أَجْرُ رَضَاعِهَا لَهُ، وَهِيَ الْآخِذَةُ لَهَا، الْمُتَصَرِّفَةُ فِيهَا أَيْضًا، فَصَارَتْ كَمِلْكٍ مِنْ أَمْلَاكِهَا، فَصَحَّ جَعْلُهَا عِوَضًا فَأَمَّا النَّفَقَةُ الزَّائِدَةُ عَلَى هَذَا، مِنْ كِسْوَةِ الطِّفْلِ وَدُهْنِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُعَاوَضَ بِهِ فِي الْخُلْعِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ لَهَا، وَلَا هُوَ فِي حُكْمِ مَا هُوَ لَهَا.

[مَسْأَلَةٌ النَّاشِزُ لَا نَفَقَةَ لَهَا]

(6533) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالنَّاشِزُ لَا نَفَقَةَ لَهَا، فَإِنْ كَانَ لَهَا مِنْهُ وَلَدٌ، أَعْطَاهَا نَفَقَةَ وَلَدِهَا) مَعْنَى النُّشُوزِ مَعْصِيَتُهَا لِزَوْجِهَا فِيمَا لَهُ عَلَيْهَا، مِمَّا أَوْجَبَهُ لَهُ النِّكَاحُ، وَأَصْلُهُ مِنْ الِارْتِفَاعِ، مَأْخُوذٌ مِنْ النَّشْزِ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ، فَكَأَنَّ النَّاشِزَ ارْتَفَعَتْ عَنْ طَاعَةِ زَوْجِهَا، فَسُمِّيَتْ نَاشِزًا فَمَتَى امْتَنَعَتْ مِنْ فِرَاشِهِ، أَوْ خَرَجَتْ مِنْ مَنْزِلِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، أَوْ امْتَنَعَتْ مِنْ الِانْتِقَالِ مَعَهُ إلَى مَسْكَنِ مِثْلِهَا، أَوْ مِنْ السَّفَرِ مَعَهُ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى، فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ الشَّعْبِيُّ، وَحَمَّادٌ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ الْحَكَمُ: لَهَا النَّفَقَةُ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ هَؤُلَاءِ إلَّا الْحَكَمَ، وَلَعَلَّهُ يَحْتَجُّ بِأَنَّ نُشُوزَهَا لَا يُسْقِطُ مَهْرَهَا، فَكَذَلِكَ نَفَقَتُهَا وَلَنَا، أَنَّ النَّفَقَةَ إنَّمَا تَجِبُ فِي مُقَابَلَةِ تَمْكِينِهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَجِبُ قَبْلَ تَسْلِيمِهَا إلَيْهِ، وَإِذَا مَنَعَهَا النَّفَقَةَ كَانَ لَهَا مَنْعُهُ التَّمْكِينَ، فَإِذَا مَنَعَتْهُ التَّمْكِينَ كَانَ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ النَّفَقَةِ، كَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَتُخَالِفُ الْمَهْرَ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَلِذَلِكَ لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَجَبَ الْمَهْرُ دُونَ النَّفَقَةِ فَأَمَّا إذَا كَانَ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ، فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ وَلَدِهِ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ لَهُ، فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُ بِمَعْصِيَتِهَا، كَالْكَبِيرِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهَا إيَّاهَا

إذَا كَانَتْ هِيَ الْحَاضِنَةَ لَهُ، أَوْ الْمُرْضِعَةَ لَهُ، وَكَذَلِكَ أَجْرُ رَضَاعِهَا، يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ أَجْرٌ مَلَكَتْهُ عَلَيْهِ بِالْإِرْضَاعِ، لَا فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ، فَلَا يَزُولُ بِزَوَالِهِ.

[فَصْلٌ سَقَطَتْ نَفَقَةُ الْمَرْأَةِ بِنُشُوزِهَا فَعَادَتْ عَنْ النُّشُوزِ وَالزَّوْجُ حَاضِرٌ]

(6534) فَصْلٌ: وَإِذَا سَقَطَتْ نَفَقَةُ الْمَرْأَةِ بِنُشُوزِهَا، فَعَادَتْ عَنْ النُّشُوزِ وَالزَّوْجُ حَاضِرٌ، عَادَتْ نَفَقَتُهَا؛ لِزَوَالِ الْمُسْقِطِ لَهَا، وَوُجُودِ التَّمْكِينِ الْمُقْتَضِي لَهَا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، لَمْ تَعُدْ نَفَقَتُهَا حَتَّى يَعُودَ التَّسْلِيمُ بِحُضُورِهِ، أَوْ حُضُورِ وَكِيلِهِ، أَوْ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِالْوُجُوبِ إذَا مَضَى زَمَنُ الْإِمْكَانِ وَلَوْ ارْتَدَّتْ امْرَأَتُهُ، سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا، فَإِنْ عَادَتْ إلَى الْإِسْلَامِ، عَادَتْ نَفَقَتُهَا بِمُجَرَّدِ عَوْدِهَا؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّةَ إنَّمَا سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا بِخُرُوجِهَا عَنْ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا عَادَتْ إلَيْهِ، زَالَ الْمَعْنَى الْمُسْقِطُ، فَعَادَتْ النَّفَقَةُ، وَفِي النُّشُوزِ، سَقَطَتْ النَّفَقَةُ بِخُرُوجِهَا عَنْ يَدِهِ، أَوْ مَنْعِهَا لَهُ مِنْ التَّمْكِينِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهَا، وَلَا يَزُولُ ذَلِكَ إلَّا بِعَوْدِهَا إلَى يَدِهِ، وَتَمْكِينِهِ مِنْهَا، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ فِي غَيْبَتِهِ، وَلِذَلِكَ لَوْ بَذَلَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا فِي حَالِ غَيْبَتِهِ، لَمْ تَسْتَحِقَّ النَّفَقَةَ بِمُجَرَّدِ الْبَذْلِ، كَذَا هَاهُنَا، وَاَللَّه أَعْلَمُ.

[بَابُ مَنْ أَحَقُّ بِكَفَالَةِ الطِّفْلِ]

ِ كَفَالَةُ الطِّفْلِ وَحَضَانَتُهُ وَاجِبَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَهْلِكُ بِتَرْكِهِ، فَيَجِبُ حِفْظُهُ عَنْ الْهَلَاكِ، كَمَا يَجِبُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ، وَإِنْجَاؤُهُ مِنْ الْمَهَالِكِ وَيَتَعَلَّقُ بِهَا حَقٌّ لِقَرَابَتِهِ، لِأَنَّ فِيهَا وِلَايَةً عَلَى الطِّفْلِ وَاسْتِصْحَابًا لَهُ، فَتَعَلَّقَ بِهَا الْحَقُّ، كَكَفَالَةِ اللَّقِيطِ وَلَا تَثْبُتُ الْحَضَانَةُ لَطِفْلٍ، وَلَا مَعْتُوهٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى مَنْ يَكْفُلُهُ، فَكَيْفَ يَكْفُلُ غَيْرَهُ، وَلَا فَاسِقٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِهِ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ مِنْ الْحَضَانَةِ، وَلَا حَظَّ لِلْوَلَدِ فِي حَضَانَتِهِ، لِأَنَّهُ يَنْشَأُ عَلَى طَرِيقَتِهِ، وَلَا الرَّقِيقِ وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَقَالَ مَالِكٌ، فِي حُرٍّ لَهُ وَلَدٌ حُرٌّ مِنْ أَمَةٍ: الْأُمُّ أَحَقُّ بِهِ، إلَّا أَنْ تُبَاعَ فَتُنْقَلَ، فَيَكُونَ الْأَبُ أَحَقَّ بِهِ؛ لِأَنَّهَا أُمٌّ مُشْفِقَةٌ، فَأَشْبَهْت الْحُرَّةَ وَلَنَا، أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ مَنَافِعَهَا الَّتِي تَحْصُلُ الْكَفَالَةُ بِهَا، لِكَوْنِهَا مَمْلُوكَةً لِسَيِّدِهَا، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا حَضَانَةٌ، كَمَا لَوْ بِيعَتْ وَنُقِلَتْ وَلَا تَثْبُتُ لَكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَسَوَّارٌ، وَالْعَنْبَرِيُّ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ تَثْبُتُ لَهُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ سِنَانٍ، «أَنَّهُ أَسْلَمَ، وَأَبَتِ امْرَأَتُهُ أَنْ تُسْلِمَ، فَأَتَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: ابْنَتِي وَهِيَ فَطِيمٌ أَوْ شِبْهُهُ، وَقَالَ رَافِعٌ: ابْنَتِي فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اُقْعُدْ نَاحِيَةً، وَقَالَ لَهَا: اُقْعُدِي نَاحِيَةً، وَقَالَ: اُدْعُوَاهَا فَمَالَتْ الصَّبِيَّةُ إلَى أُمِّهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ اهْدِهَا فَمَالَتْ إلَى أَبِيهَا، فَأَخَذَهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَنَا، أَنَّهَا وِلَايَةٌ، فَلَا تَثْبُتُ لَكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ، كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ وَالْمَالِ، وَلِأَنَّهَا إذَا لَمْ تَثْبُتْ لِلْفَاسِقِ، فَالْكَافِرُ أَوْلَى، فَإِنَّ ضَرَرَهُ أَكْثَرُ، فَإِنَّهُ يَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ، وَيُخْرِجُهُ عَنْ الْإِسْلَامِ بِتَعْلِيمِهِ الْكُفْرَ، وَتَزْيِينِهِ لَهُ، وَتَرْبِيَتِهِ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَعْظَمُ الضَّرَرِ وَالْحَضَانَةُ إنَّمَا تَثْبُتُ لَحَظِّ الْوَلَدِ، فَلَا تُشْرَعُ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ فِيهِ هَلَاكُهُ وَهَلَاكُ دِينِهِ فَأَمَّا الْحَدِيثُ، فَقَدْ رُوِيَ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ النَّقْلِ، وَفِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِمَ أَنَّهَا تَخْتَارُ أَبَاهَا بِدَعْوَتِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ خَاصًّا فِي حَقِّهِ فَأَمَّا مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ، فَلَا حَضَانَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا، لِكَوْنِ مَنَافِعِهِ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ، فَقِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ، أَنَّ لَهُ الْحَضَانَةَ فِي أَيَّامِهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: كُلُّ مَا يَتَجَزَّأُ، فَعَلَيْهِ النِّصْفُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا حَضَانَةَ لَهُ لِأَنَّهُ كَالْقِنِّ عِنْدَهُ وَهَذَا أَصْلٌ قَدْ تَقَدَّمَ.

[مَسْأَلَةٌ مَنْ أَحَقُّ بِكَفَالَةِ الطِّفْلِ وَالْمَعْتُوهِ]

(6535) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْأُمُّ أَحَقُّ بِكَفَالَةِ الطِّفْلِ وَالْمَعْتُوهِ، إذَا طَلُقَتْ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا افْتَرَقَا، وَلَهُمَا وَلَدٌ طِفْلٌ أَوْ مَعْتُوهٌ، فَأُمُّهُ أَوْلَى النَّاسِ بِكَفَالَتِهِ إذَا كَمُلَتْ الشَّرَائِطُ فِيهَا، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَهَذَا قَوْلُ يَحْيَى الْأَنْصَارِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَهُمْ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي، وَأَرَادَ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنِّي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَيَرْوِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، حَكَمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِعَاصِمٍ

لِأُمِّهِ أُمِّ عَاصِمٍ، وَقَالَ: رِيحُهَا وَشْمُهَا وَلُطْفُهَا، خَيْرٌ لَهُ مِنْك رَوَاهُ سَعِيدٌ، فِي " سُنَنِهِ " وَلِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَيْهِ، وَأَشْفَقُ عَلَيْهِ، وَلَا يُشَارِكُهَا فِي الْقُرْبِ إلَّا أَبُوهُ، وَلَيْسَ لَهُ مِثْلُ شَفَقَتِهَا، وَلَا يَتَوَلَّى الْحَضَانَةَ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَدْفَعُهُ إلَى امْرَأَتِهِ، وَأُمُّهُ أَوْلَى بِهِ مِنْ امْرَأَةِ أَبِيهِ.

[فَصْلٌ لَمْ تَكُنْ الْأُمُّ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ]

(6536) فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْأُمُّ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، لِفِقْدَانِ الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرْنَا فِيهَا، أَوْ بَعْضِهَا، فَهِيَ كَالْمَعْدُومَةِ، وَتَنْتَقِلُ إلَى مَنْ يَلِيهَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَلَوْ كَانَ الْأَبَوَانِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، انْتَقَلَتْ إلَى مِنْ يَلِيهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا كَالْمَعْدُومَيْنِ.

[فَصْلٌ وَلَا تَثْبُتُ الْحَضَانَةُ إلَّا عَلَى الطِّفْلِ أَوْ الْمَعْتُوهِ]

(6537) فَصْلٌ: وَلَا تَثْبُتُ الْحَضَانَةُ إلَّا عَلَى الطِّفْلِ أَوْ الْمَعْتُوهِ، فَأَمَّا الْبَالِغُ الرَّشِيدُ، فَلَا حَضَانَةَ عَلَيْهِ، وَإِلَيْهِ الْخِيرَةُ فِي الْإِقَامَةِ عِنْدَ مَنْ شَاءَ مِنْ أَبَوَيْهِ، فَإِنْ كَانَ رَجُلًا، فَلَهُ الِانْفِرَادُ بِنَفْسِهِ، لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُمَا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْفَرِدَ عَنْهُمَا، وَلَا يَقْطَعَ بِرَّهُ عَنْهُمَا وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً لَمْ يَكُنْ لَهَا الِانْفِرَادُ وَلِأَبِيهَا مَنْعُهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مَنْ يُفْسِدُهَا، وَيُلْحِقُ الْعَارَ بِهَا وَبِأَهْلِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَبٌ، فَلِوَلِيِّهَا وَأَهْلِهَا مَنْعُهَا مِنْ ذَلِكَ.

[مَسْأَلَةٌ إذَا بَلَغَ الْغُلَامُ سَبْعَ سِنِينَ]

(6538) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا بَلَغَ الْغُلَامُ سَبْعَ سِنِينَ، خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ، فَكَانَ مَعَ مَنْ اخْتَارَ مِنْهُمَا) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْغُلَامَ إذَا بَلَغَ سَبْعًا، وَلَيْسَ بِمَعْتُوهٍ، خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ، إذَا تَنَازَعَا فِيهِ، فَمَنْ اخْتَارَهُ مِنْهُمَا، فَهُوَ أَوْلَى بِهِ قَضَى بِذَلِكَ عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَشُرَيْحٌ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُخَيَّرُ لَكِنْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا اسْتَقَلَّ بِنَفْسِهِ، فَأَكَلَ بِنَفْسِهِ، وَلَبِسَ بِنَفْسِهِ، وَاسْتَنْجَى بِنَفْسِهِ، فَالْأَبُ أَحَقُّ بِهِ وَمَالِكٌ يَقُولُ: الْأُمُّ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُثْغِرَ، وَأَمَّا التَّخْيِيرُ، فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْغُلَامَ لَا قَوْلَ لَهُ، وَلَا يَعْرِفُ حَظَّهُ،

وَرُبَّمَا اخْتَارَ مَنْ يَلْعَبُ عِنْدَهُ وَيَتْرُكُ تَأْدِيبَهُ، وَيُمَكِّنُهُ مِنْ شَهَوَاتِهِ، فَيُؤَدِّي إلَى فَسَادِهِ، وَلِأَنَّهُ دُونَ الْبُلُوغِ، فَلَمْ يُخَيَّرْ، كَمَنْ دُونَ السَّبْعِ وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَيَّرَ غُلَامًا بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ» رَوَاهُ سَعِيدٌ، بِإِسْنَادِهِ وَالشَّافِعِيُّ وَفِي لَفْظٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ سَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ، وَقَدْ نَفَعَنِي فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:» هَذَا أَبُوك، وَهَذِهِ أُمُّك فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْت «فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلِأَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، أَنَّهُ خَيَّرَ غُلَامًا بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَارَةَ الْجَرْمِيُّ، أَنَّهُ قَالَ: خَيَّرَنِي عَلِيٌّ بَيْنَ عَمِّي وَأُمِّيِّ، وَكُنْت ابْنَ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهَذِهِ قِصَصٌ فِي مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ، وَلَمْ تُنْكَرْ، فَكَانَتْ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ التَّقْدِيمَ فِي الْحَضَانَةِ لِحَقِّ الْوَلَدِ، فَيُقَدَّمُ مَنْ هُوَ أَشْفَقُ؛ لِأَنَّ حَظَّ الْوَلَدِ عِنْدَهُ أَكْثَرُ، وَاعْتَبَرْنَا الشَّفَقَةَ بِمَظِنَّتِهَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ اعْتِبَارُهَا بِنَفْسِهَا، فَإِذَا بَلَغَ الْغُلَامُ حَدًّا يُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهِ، وَيُمَيِّزُ بَيْنَ الْإِكْرَامِ وَضِدِّهِ، فَمَالَ إلَى أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرْفَقُ بِهِ، وَأَشْفَقُ عَلَيْهِ، فَقُدِّمَ بِذَلِكَ وَقَيَّدْنَاهُ بِالسَّبْعِ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ حَالٍ أَمَرَ الشَّرْعُ فِيهَا بِمُخَاطَبَتِهِ بِالْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ؛ وَلِأَنَّ الْأُمَّ قُدِّمَتْ فِي حَالِ الصِّغَرِ، لِحَاجَتِهِ إلَى حَمْلِهِ، وَمُبَاشَرَةِ خِدْمَتِهِ، لِأَنَّهَا أَعْرَفُ بِذَلِكَ، وَأَقْوَمُ بِهِ، فَإِذَا اسْتَغْنَى عَنْ ذَلِكَ، تَسَاوَى وَالِدَاهُ، لَقُرْبِهِمَا مِنْهُ، فَرَجَّحَ بِاخْتِيَارِهِ.

[فَصْلٌ وَمَتَى اخْتَارَ أَحَدَهُمَا فَسُلِّمَ إلَيْهِ ثُمَّ اخْتَارَ الْآخِرَ رُدَّ إلَيْهِ فِي الْحَضَانَةِ]

(6539) فَصْلٌ: وَمَتَى اخْتَارَ أَحَدَهُمَا فَسُلِّمَ إلَيْهِ، ثُمَّ اخْتَارَ الْآخَرَ، رُدَّ إلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ فَاخْتَارَ الْأَوَّلَ، أُعِيدَ إلَيْهِ، هَكَذَا أَبَدًا كُلَّمَا اخْتَارَ أَحَدَهُمَا صَارَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ اخْتِيَارُ شَهْوَةٍ، لَحَظِّ نَفْسِهِ، فَاتَّبَعَ مَا يَشْتَهِيه، كَمَا يَتَّبِعُ مَا يَشْتَهِيه فِي الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ، وَقَدْ يَشْتَهِي الْمُقَامَ عِنْدَ أَحَدِهِمَا فِي وَقْتٍ، وَعِنْدَ الْآخَرِ فِي وَقْتٍ، وَقَدْ يَشْتَهِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا، وَأَنْ لَا يَنْقَطِعَ عَنْهُمَا وَإِنْ خَيَّرْنَاهُ، فَلَمْ يَخْتَرْ وَاحِدًا مِنْهُمَا، أَوْ اخْتَارَهُمَا مَعًا، قُدِّمَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لَأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ، وَلَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمَا عَلَى حَضَانَتِهِ، فَقُدِّمَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ، فَإِذَا قُدِّمَ بِهَا، ثُمَّ اخْتَارَ الْآخَرَ، رُدَّ إلَيْهِ؛ لِأَنَّنَا قَدَّمْنَا اخْتِيَارَهُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ، فَعَلَى الْقُرْعَةِ الَّتِي هِيَ بَدَلٌ أَوْلَى.

[فَصْلٌ كَانَ الْأَبُ مَعْدُومًا أَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ]

(6540) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الْأَبُ مَعْدُومًا، أَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، وَحَضَرَ غَيْرُهُ مِنْ الْعَصَبَاتِ، كَالْأَخِ وَالْعَمِّ وَابْنِهِ، قَامَ مَقَامَ الْأَبِ فَيُخَيَّرُ الْغُلَامُ بَيْنَ أُمِّهِ وَعَصَبَتِهِ لِأَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَيَّرَ عُمَارَةَ الْجَرْمِيَّ بَيْنَ أُمِّهِ وَعَمِّهِ

وَلِأَنَّهُ عَصَبَةٌ، فَأَشْبَهَ الْأَبَ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْأُمُّ مَعْدُومَةً، أَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، فَسُلِّمَ إلَى الْجَدَّةِ، خُيِّرَ الْغُلَامُ بَيْنهَا وَبَيْنَ أَبِيهِ، أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ الْعَصَبَاتِ، فَإِنْ كَانَ الْأَبَوَانِ مَعْدُومَيْنِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، فَسُلِّمَ إلَى امْرَأَةٍ كَأُخْتِهِ أَوْ عَمَّتِهِ أَوْ خَالَتِهِ، قَامَتْ مَقَامَ أُمِّهِ، فِي التَّخْيِيرِ بَيْنهَا وَبَيْنَ عَصَبَاتِهِ، لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَبَوَيْنِ فَإِنْ كَانَ الْأَبَوَانِ رَقِيقَيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ أَحَدٌ مِنْ أَقَارِبه سِوَاهُمَا، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا حَضَانَةَ لَهُمَا عَلَيْهِ، وَلَا نَفَقَةَ لَهُ عَلَيْهِمَا، وَنَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَيُسَلَّمُ إلَى مِنْ يَحْضُنُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.

[فَصْلٌ يُخَيَّرُ الْغُلَامُ فِي الْحَضَانَة بِشَرْطَيْنِ]

(6541) فَصْلٌ: وَإِنَّمَا يُخَيَّرُ الْغُلَامُ بِشَرْطَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، كَانَ كَالْمَعْدُومِ، وَيُعَيَّنُ الْآخَرُ.
الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ الْغُلَامُ مَعْتُوهًا، فَإِنْ كَانَ مَعْتُوهًا كَانَ عِنْدَ الْأُمِّ، وَلَمْ يُخَيَّرْ؛ لِأَنَّ الْمَعْتُوهَ بِمَنْزِلَةِ الطِّفْلِ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا، وَلِذَلِكَ كَانَتْ الْأُمُّ أَحَقَّ بِكَفَالَةِ وَلَدِهَا الْمَعْتُوهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَلَوْ خُيِّرَ الصَّبِيُّ، فَاخْتَارَ أَبَاهُ، ثُمَّ زَالَ عَقْلُهُ، رُدَّ إلَى الْأُمِّ، وَبَطَلَ اخْتِيَارُهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا خُيِّرَ حِينَ اسْتَقَلَّ بِنَفْسِهِ، فَإِذَا زَالَ اسْتِقْلَالُهُ بِنَفْسِهِ، كَانَتْ الْأُمُّ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا أَشْفَقُ عَلَيْهِ، وَأَقْوَمُ بِمَصَالِحِهِ، كَمَا فِي حَالِ طُفُولِيَّتِهِ.

[مَسْأَلَةٌ بَلَغْت الْجَارِيَةُ سَبْعَ سِنِينَ عَلَى مِنْ الْحَضَانَةِ]

(6542) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا بَلَغْت الْجَارِيَةُ سَبْعَ سِنِينَ، فَالْأَبُ أَحَقُّ بِهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُخَيَّرُ كَالْغُلَامِ؛ لِأَنَّ كُلَّ سِنٍّ خُيِّرَ فِيهِ الْغُلَامُ خُيِّرَتْ فِيهِ الْجَارِيَةُ، كَسِنِّ الْبُلُوغِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْأُمُّ أَحَقُّ بِهَا، حَتَّى تُزَوَّجَ أَوْ تَحِيضَ وَقَالَ مَالِكٌ: الْأُمُّ أَحَقُّ بِهَا حَتَّى تُزَوَّجَ وَيَدْخُلَ بِهَا الزَّوْجُ؛ لِأَنَّهَا لَا حُكْمِ لِاخْتِيَارِهَا، وَلَا يُمْكِنُ انْفِرَادُهَا، فَكَانَتْ الْأُمُّ أَحَقَّ بِهَا، كَمَا قَبْلَ السَّبْعِ وَلَنَا، أَنَّ الْغَرَضَ بِالْحَضَانَةِ الْحَظُّ، وَالْحَظُّ لِلْجَارِيَةِ بَعْدَ السَّبْعِ فِي الْكَوْنِ عِنْدَ أَبِيهَا؛ لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى حِفْظٍ، وَالْأَبُ أَوْلَى بِذَلِكَ، فَإِنَّ الْأُمَّ تَحْتَاجُ إلَى مَنْ يَحْفَظُهَا وَيَصُونُهَا، وَلِأَنَّهَا إذَا بَلَغْت السَّبْعَ، قَارَبَتْ الصَّلَاحِيَةَ لِلتَّزْوِيجِ، وَقَدْ تَزَوَّجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَائِشَةَ، وَهِيَ ابْنَةُ سَبْعٍ، وَإِنَّمَا تُخْطَبُ الْجَارِيَةُ مِنْ أَبِيهَا؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّهَا، وَالْمَالِكُ لِتَزْوِيجِهَا، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْكَفَاءَةِ، وَأُقْدَرُ عَلَى الْبَحْثِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَا يُصَارُ إلَى تَخْيِيرِهَا؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِهِ فِيهَا، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى الْغُلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْحِفْظِ وَالتَّزْوِيجِ، كَحَاجَتِهَا إلَيْهِ، وَلَا عَلَى سِنِّ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا حِينَئِذٍ مُعْتَبَرٌ فِي إذْنِهَا، وَتَوْكِيلِهَا، وَإِقْرَارِهَا، وَاخْتِيَارِهَا، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ مَا بَعْدَ السَّبْعِ عَلَى مَا قَبْلَهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي دَلِيلِنَا.

[فَصْل كَانَتْ الْجَارِيَةُ عِنْدَ الْأُمِّ أَوْ عِنْدَ الْأَبِ]

(6543) فَصْلٌ: إذَا كَانَتْ الْجَارِيَةُ عِنْدَ الْأُمِّ أَوْ عِنْدَ الْأَبِ، فَإِنَّهَا تَكُونُ عِنْدَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا؛ لِأَنَّ تَأْدِيبَهَا وَتَخْرِيجَهَا فِي جَوْفِ الْبَيْتِ، مِنْ تَعْلِيمِهَا الْغَزْلَ وَالطَّبْخَ وَغَيْرَهُمَا، وَلَا حَاجَةَ بِهَا إلَى الْإِخْرَاجِ مِنْهُ، وَلَا يُمْنَعُ أَحَدُهُمَا مِنْ زِيَارَتِهَا عِنْدَ الْآخَرِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْلُوَ الزَّوْجُ بِأُمِّهَا، وَلَا يُطِيلُ، وَلَا يَتَبَسَّطُ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا تَمْنَعُ تَبَسُّطَ أَحَدِهِمَا فِي مَنْزِلِ الْآخَرِ وَإِنْ مَرِضَتْ، فَالْأُمُّ أَحَقُّ بِتَمْرِيضِهَا فِي بَيْتِهَا وَإِنْ كَانَ الْغُلَامُ عِنْدَ الْأُمِّ بَعْدَ السَّبْعِ، لِاخْتِيَارِهِ لَهَا، كَانَ عِنْدَهَا لَيْلًا، وَيَأْخُذُهُ الْأَبُ نَهَارًا لِيُسَلِّمَهُ فِي مَكْتَبٍ، أَوْ فِي صِنَاعَةٍ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ حَظُّ الْغُلَامِ وَحَظُّهُ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْأَبِ، كَانَ عِنْدَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ زِيَارَةِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّ مَنْعَهُ مِنْ ذَلِكَ إغْرَاءٌ بِالْعُقُوقِ، وَقَطِيعَةٌ لِلرَّحِمِ وَإِنْ مَرِضَ، كَانَتْ الْأُمُّ أَحَقَّ بِتَمْرِيضِهِ فِي بَيْتِهَا؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِالْمَرَضِ كَالصَّغِيرِ، فِي الْحَاجَةِ إلَى مَنْ يَقُومُ بِأَمْرِهِ، فَكَانَتْ الْأُمُّ أَحَقَّ بِهِ كَالصَّغِيرِ وَإِنْ مَرِضَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ، وَالْوَلَدُ عِنْدَ الْآخَرِ، لَمْ يُمْنَعْ مِنْ عِيَادَتِهِ، وَحُضُورِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ يَمْنَعُ الْمَرِيضَ مِنْ الْمَشْيِ إلَى وَلَدِهِ، فَمَشْيُ وَلَدِهِ إلَيْهِ أَوْلَى فَأَمَّا فِي حَالِ الصِّحَّةِ، فَإِنَّ الْغُلَامَ يَزُورُ أُمَّهُ؛ لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ، فَسَتْرُهَا أَوْلَى، وَالْأُمُّ تَزُورُ ابْنَتَهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَوْرَةٌ، تَحْتَاجُ إلَى صِيَانَةٍ وَسَتْرٍ، وَسَتْرُ الْجَارِيَةِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْأُمَّ قَدْ تَخَرَّجَتْ وَعَقَلَتْ، بِخِلَافِ الْجَارِيَةِ.

[فَصْلٌ أَيُّ الْأَبَوَيْنِ أَحَقُّ بِحَضَانَةِ الطِّفْلِ إذَا أَرَادَ أَحَدُهُمَا السَّفَرَ]

(6544) فَصْلٌ: وَإِذَا أَرَادَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ السَّفَرَ لَحَاجَةٍ ثُمَّ يَعُودُ، وَالْآخَرُ مُقِيمٌ، فَالْمُقِيمُ أَوْلَى بِالْحَضَانَةِ؛ لِأَنَّ فِي الْمُسَافَرَةِ بِالْوَلَدِ إضْرَارًا بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُنْتَقِلًا إلَى بَلَدٍ لِيُقِيمَ بِهِ، وَكَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفًا أَوْ الْبَلَدُ الَّذِي يَنْتَقِلُ إلَيْهِ مَخُوفًا، فَالْمُقِيمُ أَوْلَى بِالْحَضَانَةِ؛ لِأَنَّ فِي السَّفَرِ بِهِ خَطَرًا بِهِ، وَلَوْ اخْتَارَ الْوَلَدُ السَّفَرَ فِي هَذِهِ الْحَالِ، لَمْ يُجَبْ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا بِهِ وَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ الَّذِي يَنْتَقِلُ إلَيْهِ آمِنًا، وَطَرِيقُهُ آمِنٌ، فَالْأَبُ أَحَقُّ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْمُقِيمَ أَوْ الْمُنْتَقِلَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ قَرِيبٌ، بِحَيْثُ يَرَاهُمْ الْأَبُ كُلَّ يَوْمٍ وَيَرَوْنَهُ، فَتَكُونَ الْأُمُّ عَلَى حَضَانَتِهَا وَقَالَ الْقَاضِي: إذَا كَانَ السَّفَرُ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَهُوَ فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْإِقَامَةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْحُكْمِ، فَكَذَلِكَ فِي هَذَا؛ وَلِأَنَّ مُرَاعَاةَ الْأَبِ لَهُ مُمْكِنَةٌ وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْبُعْدَ الَّذِي يَمْنَعُهُ مِنْ رُؤْيَتِهِ، يَمْنَعُهُ مِنْ تَأْدِيبِهِ، وَتَعْلِيمِهِ، وَمُرَاعَاةِ حَالِهِ، فَأَشْبَهَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَقْدِيمِ الْأَبِ عِنْدَ افْتِرَاقِ الدَّارِ بِهِمَا، قَالَ شُرَيْحٌ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إنْ انْتَقَلَ الْأَبُ، فَالْأُمُّ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ انْتَقَلْت الْأُمُّ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي كَانَ فِيهِ أَصْلُ النِّكَاحِ، فَهِيَ أَحَقُّ، وَإِنْ انْتَقَلَتْ إلَى غَيْرِهِ، فَالْأَبُ أَحَقُّ

وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إنْ انْتَقَلَتْ مِنْ بَلَدٍ إلَى قَرْيَةٍ، فَالْأَبُ أَحَقُّ، وَإِنْ انْتَقَلَتْ إلَى بَلَدٍ آخَرَ، فَهِيَ أَحَقُّ؛ لِأَنَّ فِي الْبَلَدِ يُمْكِنُ تَعْلِيمُهُ وَتَخْرِيجُهُ وَلَنَا، أَنَّهُ اخْتَلَفَ مَسْكَنُ الْأَبَوَيْنِ، فَكَانَ الْأَبُ أَحَقَّ، كَمَا لَوْ انْتَقَلَتْ مِنْ بَلَدٍ إلَى قَرْيَةٍ، أَوْ إلَى بَلَدٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَصْلُ النِّكَاحِ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْأَبَ فِي الْعَادَةِ هُوَ الَّذِي يَقُومُ بِتَأْدِيبِ ابْنِهِ وَتَخْرِيجِهِ وَحِفْظِ نَسَبِهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي بَلَدِهِ ضَاعَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ وَإِنْ انْتَقَلَا جَمِيعًا إلَى بَلَدٍ وَاحِدٍ، فَالْأُمُّ بَاقِيَةٌ عَلَى حَضَانَتِهَا وَكَذَلِكَ إنْ أَخَذَهُ الْأَبُ لِافْتِرَاقِ الْبَلَدَيْنِ، ثُمَّ اجْتَمَعَا، عَادَتْ إلَى الْأُمِّ حَضَانَتُهَا وَغَيْرُ الْأُمِّ مِمَّنْ لَهُ الْحَضَانَةُ مِنْ النِّسَاءِ، يَقُومُ مَقَامَهَا، وَغَيْرُ الْأَبِ مِنْ عَصَبَاتِ الْوَلَدِ، يَقُومُ مَقَامَهُ، عِنْدَ عَدَمِهِمَا، أَوْ كَوْنِهِمَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ.

[مَسْأَلَةٌ لَمْ تَكُنْ أُمٌّ أَوْ تَزَوَّجَتْ الْأُمُّ عَلَى مَنْ الْحَضَانَةُ]

(6545) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ أُمٌّ، أَوْ تَزَوَّجَتْ الْأُمُّ، فَأُمُّ الْأَبِ أَحَقُّ مِنْ الْخَالَةِ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: فَصْلَانِ: (6546) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأُمَّ إذَا تَزَوَّجَتْ، سَقَطَتْ حَضَانَتُهَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَضَى بِهِ شُرَيْحٌ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ، أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِالتَّزْوِيجِ وَنَقَلَ مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ: إذَا تَزَوَّجَتْ الْأُمُّ، وَابْنُهَا صَغِيرٌ، أُخِذَ مِنْهَا قِيلَ لَهُ: فَالْجَارِيَةُ مِثْلُ الصَّبِيِّ؟ قَالَ: لَا، الْجَارِيَةُ تَكُونُ مَعَهَا إلَى سَبْعِ سِنِينَ فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَزُلْ الْحَضَانَةَ عَنْ الْجَارِيَةِ لِتَزْوِيجِ أُمِّهَا، وَأَزَالَهَا عَنْ الْغُلَامِ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ، أَنَّ عَلِيًّا وَجَعْفَرًا وَزَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، تَنَازَعُوا فِي حَضَانَةِ ابْنَةِ حَمْزَةَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: ابْنَةُ عَمِّي، وَأَنَا أَخَذْتُهَا وَقَالَ زَيْدٌ: بِنْتُ أَخِي؛ لِأَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آخَى بَيْنَ زَيْدٍ وَحَمْزَةَ وَقَالَ جَعْفَرٌ: بِنْتُ عَمِّي، وَعِنْدِي خَالَتُهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الْخَالَةُ أُمٌّ» وَسَلَّمَهَا إلَى جَعْفَرٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِنَحْوِ هَذَا الْمَعْنَى، فَجَعَلَ لَهَا الْحَضَانَةَ وَهِيَ مُزَوَّجَةٌ وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى هِيَ الصَّحِيحَةُ قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَعَلَيْهَا الْعَمَلُ؛ «لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمَرْأَةِ: أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ، مَا لَمْ تَنْكِحِي» وَلِأَنَّهَا إذَا تَزَوَّجَتْ، اشْتَغَلَتْ حُقُوقُ الزَّوْجِ عَنْ الْحَضَانَةِ، فَكَانَ الْأَبُ أَحْظَ لَهُ، وَلِأَنَّ مَنَافِعَهَا تَكُونُ مَمْلُوكَةً لِغَيْرِهَا، فَأَشْبَهْت الْمَمْلُوكَةَ فَأَمَّا بِنْتُ حَمْزَةَ، فَإِنَّمَا

قَضَى بِهَا لِخَالَتِهَا؛ لِأَنَّ زَوْجَهَا مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُسَاوِيه فِي الِاسْتِحْقَاقِ إلَّا عَلِيٌّ، وَقَدْ تَرَجَّحَ جَعْفَرٌ بِأَنَّ امْرَأَتَهُ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، فَكَانَ أَوْلَى وَعَلَى هَذَا، مَتَى كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُتَزَوِّجَةً لَرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، كَالْجَدَّةِ تَكُونُ مُتَزَوِّجَةً لِلْجَدِّ، لَمْ تَسْقُطْ حَضَانَتُهَا؛ لِأَنَّهُ يُشَارِكُهَا فِي الْوِلَادَةِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى الْوَلَدِ، فَأَشْبَهَ الْأُمَّ إذَا كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً لِلْأَبِ وَلَوْ تَنَازَعَ الْعَمَّانِ فِي الْحَضَانَةِ، وَأَحَدُهُمَا مُتَزَوِّجٌ لِلْأُمِّ، أَوْ الْخَالَةِ، فَهُوَ أَحَقُّ، لِحَدِيثِ بِنْتِ حَمْزَةَ وَكَذَلِكَ كُلُّ عَصَبَتَيْنِ تَسَاوَيَا، وَأَحَدُهُمَا مُتَزَوِّجٌ بِمَنْ هِيَ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، قُدِّمَ بِهَا لِذَلِكَ وَظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّ التَّزْوِيجَ بِأَجْنَبِيٍّ يُسْقِطُ الْحَضَانَةَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَإِنْ عَرِيَ عَنْ الدُّخُولِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَسْقُطَ إلَّا بِالدُّخُولِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ بِهِ تَشْتَغِلُ عَنْ الْحَضَانَةِ وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، قَوْلُ «النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» وَقَدْ وُجِدَ النِّكَاحُ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلِأَنَّ بِالْعَقْدِ يَمْلِكُ مَنَافِعَهَا، وَيَسْتَحِقُّ زَوْجُهَا مَنْعَهَا مِنْ حَضَانَتِهِ، فَزَالَ حَقُّهَا، كَمَا لَوْ دَخَلَ بِهَا

(6547) الْفَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْأُمَّ إذَا عُدِمَتْ، أَوْ تَزَوَّجَتْ، أَوْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، وَاجْتَمَعَتْ أُمُّ أَبٍ وَخَالَةٍ، فَأُمُّ الْأَبِ أَحَقُّ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْأُخْتَ وَالْخَالَةَ أَحَقُّ مِنْ الْأَبِ فَعَلَى هَذَا، يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْخَالَةُ أَحَقَّ مِنْ أُمِّ الْأَبِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْقَدِيمُ؛ لِأَنَّهَا تُدْلِي بِأُمٍّ، وَأُمُّ الْأَبِ تُدْلِي بِهِ، فَقُدِّمَ مَنْ يُدْلِي بِالْأُمِّ، كَتَقْدِيمِ أُمِّ الْأُمِّ عَلَى أُمِّ الْأَبِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِبِنْتِ حَمْزَةَ لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: «الْخَالَةُ أُمٌّ» وَلَنَا، أَنَّ أُمَّ الْأَبِ جَدَّةٌ وَارِثَةٌ، فَقُدِّمَتْ عَلَى الْخَالَةِ، كَأُمِّ الْأُمِّ، وَلِأَنَّ لَهَا وِلَادَةً وَوِرَاثَةً، فَأَشْبَهَتْ أُمَّ الْأُمِّ فَأَمَّا الْحَدِيثُ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْخَالَةِ حَقًّا فِي الْجُمْلَةِ، وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِيهِ، إنَّمَا النِّزَاعُ فِي التَّرْجِيحِ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ وَقَوْلُهُمْ: تُدْلِي بِأُمٍّ قُلْنَا: لَكِنْ لَا وِلَادَةَ لَهَا، فَيُقَدَّمُ عَلَيْهَا مَنْ لَهُ وِلَادَةٌ، كَتَقْدِيمِ أُمِّ الْأُمِّ عَلَى الْخَالَةِ فَعَلَى هَذَا، مَتَى وُجِدَتْ جَدَّةٌ وَارِثَةٌ، فَهِيَ أَوْلَى مِمَّنْ هُوَ مِنْ غَيْرِ عَمُودِي النَّسَبِ بِكُلِّ حَالٍ وَإِنْ عَلَتْ دَرَجَتُهَا؛ لِفَضِيلَةِ الْوِلَادَةِ وَالْوِرَاثَةِ، فَأَمَّا أُمُّ أَبِي الْأُمِّ فَلَا حَضَانَةَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا تُدْلِي بِأَبِي الْأُمِّ، وَلَا حَضَانَةَ لَهُ، وَلَا مَنْ أَدْلَى بِهِ.

[فَصْلٌ اجْتَمَعَتْ أُمُّ أُمٍّ وَأُمُّ أَبٍ فَأَيُّهُمْ أَحَقُّ بِالْحَضَانَةِ]

(6548) فَصْلٌ: فَإِنْ اجْتَمَعَتْ أُمُّ أُمٍّ وَأُمُّ أَبٍ، فَأُمُّ الْأُمِّ أَحَقُّ، وَإِنْ عَلَتْ دَرَجَتُهَا؛ لِأَنَّ لَهَا وِلَادَةً، وَهِيَ تُدْلِي بِالْأُمِّ الَّتِي تُقَدَّمُ عَلَى الْأَبِ، فَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهَا، كَتَقْدِيمِ الْأُمِّ عَلَى الْأَبِ وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّ أُمَّ الْأَبِ أَحَقُّ وَهُوَ قِيَاسُ

قَوْلِ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُ قَدَّمَ خَالَةَ الْأَبِ عَلَى خَالَةِ الْأُمِّ، وَخَالَةُ الْأَبِ أُخْتُ أُمِّهِ، وَخَالَةُ الْأُمِّ أُخْتُ أُمِّهَا، فَإِذَا قَدَّمَ أُخْتَ أُمِّ الْأَبِ، دَلَّ عَلَى تَقْدِيمِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا تُدْلِي بِعَصَبَةٍ، مَعَ مُسَاوَاتِهَا لِلْأُخْرَى فِي الْوِلَادَةِ فَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا، كَتَقْدِيمِ الْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ عَلَى الْأُخْتِ مِنْ الْأُمِّ، وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ الْأُمُّ عَلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّهَا أُنْثَى تَلِي الْحَضَانَةَ بِنَفْسِهَا، فَكَذَلِكَ أُمُّهُ، فَإِنَّهَا أُنْثَى تَلِي بِنَفْسِهَا، فَقُدِّمَتْ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.

[مَسْأَلَةٌ عَدَمُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْحَضَانَةَ مِنْ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَإِنْ عَلَوْا]

(6549) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْأُخْتُ مِنْ الْأَبِ أَحَقُّ مِنْ الْأُخْتِ مِنْ الْأُمِّ، وَأَحَقُّ مِنْ الْخَالَةِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا عُدِمَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْحَضَانَةَ، مِنْ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَإِنْ عَلَوْا، انْتَقَلَتْ إلَى الْأَخَوَاتِ، وَقُدِّمْنَ عَلَى سَائِرِ الْقَرَابَاتِ، كَالْخَالَاتِ وَالْعَمَّاتِ وَغَيْرِهِنَّ؛ لِأَنَّهُنَّ شَارَكْنَ فِي النَّسَبِ، وَقُدِّمْنَ فِي الْمِيرَاثِ، وَلِأَنَّ الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ إنَّمَا يُدْلِينَ بِأُخُوَّةِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَلَا مِيرَاثَ لَهُنَّ مَعَ ذِي فَرْضٍ وَلَا عَصَبَةٍ، فَالْمُدْلِي إلَى نَفْسِ الْمَكْفُولِ وَيَرِثُهُ أَقْرَبُ وَأَشْفَقُ، فَكَانَ أَوْلَى وَأَوْلَى الْأَخَوَاتِ مَنْ كَانَ لِأَبَوَيْنِ، لِقُوَّةِ قَرَابَتِهَا، ثُمَّ مَنْ كَانَ لِأَبٍ، ثُمَّ مَنْ كَانَ لِأُمٍّ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْأُخْتُ مِنْ الْأُمِّ أَوْلَى مِنْ الْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيّ، وَابْنِ سُرَيْجٍ لِأَنَّهَا أَدْلَتْ بِالْأُمِّ، فَقُدِّمَتْ عَلَى الْمُدْلِيَةِ بِالْأَبِ، كَأُمِّ الْأُمِّ مَعَ أُمِّ الْأَبِ وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ تُقَدَّمُ الْخَالَةُ عَلَى الْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ؛ لِذَلِكَ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ رِوَايَتَانِ وَلَنَا، أَنَّ الْأُخْتَ مِنْ الْأَبِ أَقْوَى فِي الْمِيرَاثِ، فَقُدِّمَتْ، كَالْأُخْتِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ، وَلَا تَخْفَى قُوَّتُهَا، فَإِنَّهَا أُقِيمَتْ مُقَامَ الْأُخْتِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ عِنْدَ عَدَمِهَا، وَتَكُونُ عَصَبَةٌ مَعَ الْبَنَاتِ وَتُقَاسِمُ الْجَدَّ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْإِدْلَاءِ لَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّ الْأُخْتَ تُدْلِي بِنَفْسِهَا؛ لِكَوْنِهِمَا خُلِقَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ، وَلَهُمَا تَعْصِيبٌ، فَكَانَتْ أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ عُدِمَتْ الْأُمَّهَاتُ وَالْآبَاءُ وَالْأَخَوَاتُ عَلَى مَنْ تَكُونُ الْحَضَانَةُ]

(6550) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَخَالَةُ الْأَبِ أَحَقُّ مِنْ خَالَةِ الْأُمِّ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا عُدِمَتْ الْأُمَّهَاتُ وَالْآبَاءُ وَالْأَخَوَاتُ، انْتَقَلْت الْحَضَانَةُ إلَى الْخَالَاتِ، وَيُقَدَّمْنَ عَلَى الْعَمَّاتِ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَيَحْتَمِلُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ تَقْدِيمَ الْعَمَّاتِ؛ لِأَنَّهُ قَدَّمَ خَالَةَ الْأَبِ، وَهِيَ أُخْتُ أُمِّهِ، عَلَى خَالَةِ الْأُمِّ، وَهِيَ أُخْتُ أُمِّهَا، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى تَقْدِيمِ قَرَابَةِ الْأَبِ عَلَى قَرَابَةِ الْأُمِّ، وَلِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِعَصَبَةٍ، فَقُدِّمْنَ، كَتَقْدِيمِ الْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ عَلَى الْأُخْتِ مِنْ الْأُمِّ وَقَالَ الْقَاضِي: مُرَادُ الْخِرَقِيِّ بِقَوْلِهِ: خَالَةُ الْأَبِ أَيْ الْخَالَةُ مِنْ الْأَبِ تُقَدَّمُ عَلَى الْخَالَةِ مِنْ الْأُمِّ، كَتَقْدِيمِ الْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ عَلَى الْأُخْتِ مِنْ الْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْخَالَاتِ أَخَوَاتُ الْأُمِّ، فَيَجْرِينَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَالتَّقْدِيمِ فِيمَا

بَيْنَهُنَّ مَجْرَى الْأَخَوَاتِ الْمُفْتَرِقَاتِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْعَمَّاتِ الْمُفْتَرِقَاتِ فَإِنْ قُلْنَا بِتَقْدِيمِ الْخَالَاتِ، فَإِذَا انْقَرَضْنَ فَالْعَمَّاتُ بَعْدَهُنَّ، وَإِنْ قُلْنَا بِتَقْدِيمِ الْعَمَّاتِ، فَالْخَالَاتُ بَعْدَهُنَّ، فَإِذَا عُدِمْنَ، انْتَقَلَتْ إلَى خَالَاتِ الْأَبِ، عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ، إلَى خَالَاتِ الْأُمِّ وَهَلْ يُقَدَّمُ خَالَاتُ الْأَبِ عَلَى عَمَّاتِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْخَالَاتِ وَالْعَمَّاتِ فَأَمَّا عَمَّاتُ الْأُمِّ، فَلَا حَضَانَةَ لَهُنَّ؛ لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِأَبِي الْأُمِّ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ، لَا حَضَانَةَ لَهُ، وَلَا لِمَنْ أَدْلَى بِهِ.

[فَصْلٌ وَلِلرِّجَالِ مِنْ الْعَصَبَاتِ مَدْخَلٌ فِي الْحَضَانَةِ]

(6551) فَصْلٌ: وَلِلرِّجَالِ مِنْ الْعَصَبَاتِ مَدْخَلٌ فِي الْحَضَانَةِ، وَأَوْلَاهُمْ الْأَبُ، ثُمَّ الْجَدُّ أَبُو الْأَبِ وَإِنْ عَلَا، ثُمَّ الْأَخُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ الْأَخُ مِنْ الْأَبِ، ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا، عَلَى تَرْتِيبِ الْمِيرَاثِ، ثُمَّ الْعُمُومَةُ، ثُمَّ بَنُوهُمْ كَذَلِكَ، ثُمَّ عُمُومَةُ الْأَبِ، ثُمَّ بَنُوهُمْ وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: لَا حَضَانَةَ لِغَيْرِ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُمْ بِالْحَضَانَةِ، وَلَا لَهُمْ وِلَايَةٌ بِأَنْفُسِهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَضَانَةٌ، كَالْأَجَانِبِ وَلَنَا، أَنَّ عَلِيًّا وَجَعْفَرًا اخْتَصَمَا فِي حَضَانَةِ ابْنَةِ حَمْزَةَ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ادِّعَاءَ الْحَضَانَةِ وَلِأَنَّ لَهُمْ وِلَايَةً وَتَعْصِيبًا بِالْقَرَابَةِ، فَتَثْبُتُ لَهُمْ الْحَضَانَةُ، كَالْأَبِ وَالْجَدِّ، وَفَارَقَ الْأَجَانِبَ؛ فَإِنَّهُمْ لَيْسَتْ لَهُمْ قَرَابَةٌ وَلَا شَفَقَةٌ، وَلِأَنَّ الْأَجَانِبَ تَسَاوَوْا فِي عَدَمِ الْقَرَابَةِ، فَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ مِنْ الْآخَرِ، وَالْعَصَبَاتِ لَهُمْ قَرَابَةٌ يَمْتَازُونَ بِهَا، وَأَحَقُّهُمْ بِالْحَضَانَةِ أَحَقُّهُمْ بِالْمِيرَاثِ بَعْدَ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ، وَيَقُومُونَ مَقَامَ الْأَبِ فِي التَّخْيِيرِ لِلصَّبِيِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأُمِّ، أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّنْ لَهُ الْحَضَانَةُ مِنْ النِّسَاءِ، وَيَكُونُونَ أَحَقَّ بِالْجَارِيَةِ إذَا بَلَغَتْ سَبْعًا، إلَّا ابْنَ الْعَمِّ فَإِنَّ الْجَارِيَةَ لَا تُسَلَّمُ إلَيْهِ إذَا بَلَغَتْ سَبْعًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ لَهَا.

[فَصْلٌ الرِّجَالُ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ لَا حَضَانَةَ لَهُمْ مَعَ وُجُودِ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ سِوَاهُمْ]

(6552) فَصْلٌ: فَأَمَّا الرِّجَالُ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ، كَالْخَالِ، وَالْأَخِ مِنْ الْأُمِّ، وَأَبِي الْأُمِّ، وَابْنِ الْأُخْتِ، فَلَا حَضَانَةَ لَهُمْ مَعَ وُجُودِ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ سِوَاهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِامْرَأَةٍ يَتَوَلَّى الْحَضَانَةَ، وَلَا لَهُ قُوَّةُ قَرَابَةٍ كَالْعَصَبَاتِ، وَلَا حَضَانَةَ إلَّا يُدْلِي بِهِمْ، كَأُمِّ أَبِي الْأُمِّ، وَابْنَةِ الْخَالِ، وَابْنَةِ الْأَخِ مِنْ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِمَنْ لَا حَضَانَةَ لَهُ، فَإِذَا لَمْ تَثْبُتْ لِلْمُدْلِي، فَلِلْمُدْلِينَ بِهِ أَوْلَى فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَيْرُهُمْ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا:، هُمْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ لَهُمْ رَحِمًا وَقَرَابَةً يَرِثُونَ بِهَا عِنْدَ عَدَمِ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُمْ، كَذَلِكَ الْحَضَانَةُ تَكُونُ لَهُمْ عِنْدَ عَدَمِ مَنْ هُوَ أَوْلَى بِهَا مِنْهُمْ وَالثَّانِي، لَا حَقَّ لَهُمْ فِي الْحَضَانَةِ، وَيَنْتَقِلُ الْأَمْرُ إلَى الْحَاكِمِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.

[فَصْلٌ بَيَانِ الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ]

(6553) فَصْلٌ: فِي بَيَانِ الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، عِنْدَ اجْتِمَاعِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ أَوْلَى الْكُلِّ بِهَا الْأُمُّ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا وَإِنْ عَلَوْنَ، يُقَدَّمُ مِنْهُنَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ؛ لِأَنَّهُنَّ نِسَاءٌ وِلَادَتُهُنَّ مُتَحَقِّقَةٌ، فَهِيَ فِي مَعْنَى الْأُمِّ وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ أُمَّ الْأَبِ وَأُمَّهَاتِهَا مُقَدَّمَاتٌ عَلَى أُمِّ الْأُمِّ فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، يَكُونُ الْأَبُ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ؛ لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِهِ، فَيَكُونُ الْأَبُ بَعْدَ الْأُمِّ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ وَالْأُولَى هِيَ الْمَشْهُورَةُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَإِنَّ الْمُقَدَّمَ الْأُمُّ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا، ثُمَّ الْأَبُ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ، ثُمَّ الْجَدُّ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ، ثُمَّ جَدُّ الْأَبِ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ وَإِنْ كُنَّ غَيْرَ وَارِثَاتٍ؛ لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِعَصَبَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، بِخِلَافِ أُمِّ أَبِي الْأُمِّ وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى؛ أَنَّ الْأُخْتَ مِنْ الْأُمِّ وَالْخَالَةَ أَحَقُّ مِنْ الْأَبِ فَتَكُونُ الْأُخْتُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ أَحَقَّ مِنْهُ وَمِنْهُمَا وَمِنْ جَمِيعِ الْعَصَبَاتِ وَالْأُولَى هِيَ الْمَشْهُورَةُ فِي الْمَذْهَبِ فَإِذَا انْقَرَضَ الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ، انْتَقَلْت الْحَضَانَةُ إلَى الْأَخَوَاتِ، وَتُقَدَّمُ الْأُخْتُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ الْأُخْتُ مِنْ الْأَبِ، ثُمَّ الْأُخْتُ مِنْ الْأُمِّ، وَتُقَدَّمُ الْأُخْتُ عَلَى الْأَخِ؛ لِأَنَّهَا امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، فَقُدِّمَتْ عَلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهَا مِنْ الرِّجَالِ، كَالْأُمِّ تُقَدَّمُ عَلَى الْأَبِ، وَأُمِّ الْأَبِ عَلَى أَبِي الْأَبِ، وَكُلُّ جَدَّةٍ فِي دَرَجَةِ جَدٍّ تُقَدَّمُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا تَلِي الْحَضَانَةَ بِنَفْسِهَا، وَالرَّجُلُ لَا يَلِيهَا بِنَفْسِهِ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ عَصَبَةٌ بِنَفْسِهِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَفِي تَقْدِيمِ الْأُخْتِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ، أَوْ مِنْ الْأَبِ عَلَى الْجَدِّ، وَجْهَانِ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ أُخْتٌ، فَالْأَخُ لِلْأَبَوَيْنِ أَوْلَى، ثُمَّ الْأَخُ لِلْأَبِ، ثُمَّ أَبْنَاؤُهُمَا، وَلَا حَضَانَةَ لِلْأَخِ لِلْأُمِّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فَإِذَا عُدِمُوا، صَارَتْ الْحَضَانَةُ لِلْخَالَاتِ، عَلَى الصَّحِيحِ، وَتَرْتِيبُهُنَّ فِيهَا كَتَرْتِيبِ الْأَخَوَاتِ وَلَا حَضَانَةَ لِلْأَخْوَالِ، فَإِذَا عُدِمْنَ صَارَتْ لِلْعَمَّاتِ، وَيُقَدَّمْنَ عَلَى الْأَعْمَامِ، كَتَقْدِيمِ الْأَخَوَاتِ عَلَى الْإِخْوَةِ، ثُمَّ لِلْعَمِّ لِلْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ لِلْعَمِّ لِلْأَبِ، وَلَا حَضَانَةَ لِلْعَمِّ مِنْ الْأُمِّ، ثُمَّ أَبْنَاؤُهُمَا، ثُمَّ إلَى خَالَاتِ الْأَبِ، عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ، إلَى خَالَاتِ الْأُمِّ، ثُمَّ إلَى عَمَّاتِ الْأَبِ، وَلَا حَضَانَةَ لِعَمَّاتِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِأَبِي الْأُمِّ، وَلَا حَضَانَةَ لَهُ وَإِنْ اجْتَمَعَ شَخْصَانِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ فِي دَرَجَةٍ، قُدِّمَ الْمُسْتَحِقُّ مِنْهُمْ بِالْقُرْعَةِ.

[فَصْلٌ تَرَكْت الْأُمُّ الْحَضَانَةَ مَعَ اسْتِحْقَاقِهَا لَهَا]

(6554) فَصْلٌ: وَإِنْ تَرَكْت الْأُمُّ الْحَضَانَةَ مَعَ اسْتِحْقَاقِهَا لَهَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، تَنْتَقِلُ إلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّ أُمَّهَاتِهَا فَرْعٌ عَلَيْهَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، فَإِذَا أَسْقَطَتْ حَقَّهَا، سَقَطَ فُرُوعُهَا وَالثَّانِي: تَنْتَقِلُ إلَى أُمِّهَا وَهُوَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْأَبَ أَبْعَدُ، فَلَا تَنْتَقِلُ الْحَضَانَةُ إلَيْهِ مَعَ وُجُودِ أَقْرَبَ مِنْهُ،

كَمَا لَا تَنْتَقِلُ إلَى الْأُخْتِ، وَكَوْنُهُنَّ فُرُوعًا لَهَا، لَا يُوجِبُ سُقُوطَ حُقُوقِهِنَّ بِسُقُوطِ حَقِّهَا، كَمَا لَوْ سَقَطَ حَقُّهَا لِكَوْنِهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، أَوْ لِتَزَوُّجِهَا وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْأَبِ إذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ، هَلْ يَسْقُطُ حَقُّ أُمَّهَاتِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ أُخْتٌ مِنْ أَبَوَيْنِ، وَأُخْتٌ مِنْ أَبٍ، فَأَسْقَطَتْ الْأُخْتُ مِنْ الْأَبَوَيْنِ حَقَّهَا، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهَا مِنْ غَيْرِ جِهَتِهَا، وَلَيْسَتْ فَرْعًا عَلَيْهَا.

[مَسْأَلَةٌ أُخِذَ الْوَلَدُ مِنْ الْأُمِّ إذَا تَزَوَّجَتْ ثُمَّ طَلُقَتْ هَلْ تَرْجِعُ حَضَانَتُهَا]

(6555) مَسْأَلَةٌ:؛ قَالَ: (وَإِذَا أُخِذَ الْوَلَدُ مِنْ الْأُمِّ إذَا تَزَوَّجَتْ، ثُمَّ طَلُقَتْ، رَجَعَتْ عَلَى حَقِّهَا مِنْ كَفَالَتِهِ) وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِّي قَالَا: إنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا، لَمْ يَعُدْ حَقُّهَا؛ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ قَائِمَةٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَتْ فِي صُلْبِ النِّكَاحِ وَلَنَا، أَنَّهَا مُطْلَقَةٌ، فَعَادَ حَقُّهَا مِنْ الْحَضَانَةِ، كَالْبَائِنِ وَقَوْلُهُمْ: إنَّهَا زَوْجَةٌ قُلْنَا: إلَّا أَنَّهُ قَدْ عَزَلَهَا عَنْ فِرَاشِهِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهَا عَلَيْهِ قَسْمٌ، وَلَا لَهَا بِهِ شُغْلٌ، وَعُقِدَ سَبَبُ زَوَالِ نِكَاحِهَا، فَأَشْبَهَتْ الْبَائِنَ فِي عِدَّتِهَا وَيُخَرَّجُ عِنْدَنَا مِثْلُ قَوْلِهِمَا، لِكَوْنِ النِّكَاحِ قَبْلَ الدُّخُولِ مُزِيلًا لِحَقِّ الْحَضَانَةِ، مَعَ عَدَمِ الْقَسْمِ وَالشُّغْلِ بِالزَّوْجِ.

[فَصْلٌ مَا يَمْنَعُ الِاسْتِحْقَاقَ بِالْحَضَانَةِ]

(6556) فَصْلٌ: وَكُلُّ قَرَابَةٍ تُسْتَحَقُّ بِهَا الْحَضَانَةُ، مَنَعَ مِنْهَا مَانِعٌ، كَرِقٍّ، أَوْ كُفْرٍ، أَوْ فُسُوقٍ، أَوْ جُنُونٍ، أَوْ صِغَرٍ، إذَا زَالَ الْمَانِعُ، مِثْلُ أَنْ عَتَقَ الرَّقِيقُ، وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ، وَعَدَلَ الْفَاسِقُ، وَعَقَلَ الْمَجْنُونُ، وَبَلَغَ الصَّغِيرُ، عَادَ حَقُّهُمْ مِنْ الْحَضَانَةِ؛ لِأَنَّ سَبَبهَا قَائِمٌ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَتْ لِمَانِعٍ، فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ، عَادَ الْحَقُّ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ الْمُلَازِمِ، كَالزَّوْجَةِ إذَا طَلُقَتْ.

[مَسْأَلَةٌ تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ فَهَلْ لِزَوْجِهَا مَنَعَهَا مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا]

(6557) مَسْأَلَةٌ:؛ قَالَ: (وَإِذَا تَزَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ، فَلِزَوْجِهَا أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا، إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَيْهَا، وَيُخْشَى عَلَيْهِ التَّلَفُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ لِلزَّوْجِ مَنْعَ امْرَأَتِهِ مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَمِنْ رَضَاعِ وَلَدِ غَيْرِهَا، إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ يَقْتَضِي تَمْلِيكَ الزَّوْجِ الِاسْتِمْتَاعَ فِي كُلِّ الزَّمَانِ، مِنْ كُلِّ الْجِهَاتِ، سِوَى أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ، وَالرَّضَاعُ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاعَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، فَكَانَ لَهُ الْمَنْعُ كَالْخُرُوجِ مِنْ مَنْزِله فَإِنْ اُضْطُرَّ الْوَلَدُ، بِأَنْ لَا تُوجَدَ مُرْضِعَةٌ سِوَاهَا، أَوْ لَا يَقْبَلُ الْوَلَدُ الِارْتِضَاعَ مِنْ غَيْرِهَا، وَجَبَ التَّمْكِينُ مِنْ إرْضَاعِهِ؛ لِأَنَّهَا حَالُ ضَرُورَةٍ، وَحِفْظٌ لِنَفْسِ وَلَدِهَا، فَقُدِّمَ عَلَى حَقِّ الزَّوْجِ، كَتَقْدِيمِ الْمُضْطَرِّ عَلَى الْمَالِكِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمَالِكِ مِثْلُ ضَرُورَتِهِ.

[فَصْلٌ فَإِنْ أَرَادَتْ إرْضَاعَ وَلَدِهَا مِنْهُ هَلْ لِلزَّوْجِ مَنْعُهَا]

(6558) فَصْلٌ: فَإِنْ أَرَادَتْ إرْضَاعَ وَلَدِهَا مِنْهُ، فَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ لَهُ مَنْعَهَا مِنْ رَضَاعِهِ؛ لِعُمُومِ لَفْظِهِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِاسْتِمْتَاعِهِ مِنْهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ الْوَلَدُ مِنْ غَيْرِهِ وَالثَّانِي، لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا؛ فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ أَرَادَتْ رَضَاعَ وَلَدِهَا بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا، فَهِيَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِبَالِ الزَّوْجِ أَوْ مُطَلَّقَةً، وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: 233] وَهَذَا خَبَرٌ يُرَادُ بِهِ أَمْرٌ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ وَالِدَةٍ، وَلَا يَصِحُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ حَمْلُهُ عَلَى الْمُطَلَّقَاتِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُنَّ رِزْقَهُنَّ وَكِسْوَتَهُنَّ، وَهُمْ لَا يُجِيزُونَ جَعْلَ ذَلِكَ أَجْرَ الرَّضَاعِ وَلَا غَيْرَهُ، وَقَوْلُنَا، فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: إنَّهُ يُخِلُّ بِاسْتِمْتَاعِهِ قُلْنَا: وَلَكِنْ لِإِيفَاءِ حَقٍّ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا، كَمَا أَنَّ قَضَاءَ دَيْنِهِ بِدَفْعِ مَالِهِ فِيهِ وَاجِبٌ، لَا سِيَّمَا إذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْوَلَدِ، فِي كَوْنِهِ مَعَ أُمِّهِ، وَحَقُّ الْأُمِّ فِي الْجَمْعِ بَيْنهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا وَهَذَا الْوَجْهُ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى.

[فَصْلٌ وَإِنْ أَجَّرَتْ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا لِلرَّضَاعِ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ]

(6559) فَصْلٌ: وَإِنْ أَجَّرَتْ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا لِلرَّضَاعِ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ، صَحَّ النِّكَاحُ، وَلَمْ يَمْلِكْ الزَّوْجُ فَسْخَ الْإِجَارَةِ، وَلَا مَنْعَهَا مِنْ الرَّضَاعِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهَا مُلِكَتْ بِعَقْدٍ سَابِقٍ عَلَى نِكَاحِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى أَمَةً مُسْتَأْجَرَةً، أَوْ دَارًا مَشْغُولَةً فَإِنْ نَامَ الصَّبِيُّ، أَوْ اشْتَغَلَ بِغَيْرِهَا، فَلِلزَّوْجِ الِاسْتِمْتَاعُ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الصَّبِيِّ مَنْعُهُ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ وَطْؤُهَا إلَّا بِرِضَاءِ الْوَلِيِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنْقِصُ اللَّبَنَ وَلَنَا، أَنَّ وَطْءَ الزَّوْجِ مُسْتَحَقٌّ بِالْعَقْدِ، فَلَا يَسْقُطُ بِأَمْرٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ، كَمَا لَوْ أَذِنَ الْوَلِيُّ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْوَطْءُ مَعَ إذْنِ الْوَلِيِّ، فَجَازَ مَعَ عَدَمِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ الْإِذْنُ فِيمَا يَضُرُّ الصَّبِيَّ، وَيُسْقِطُ حُقُوقَهُ.

[فَصْلٌ أَجَّرَتْ الْمَرْأَةُ الْمُزَوِّجَة نَفْسَهَا لِلرَّضَاعِ بِإِذْنِ زَوْجِهَا]

(6560) فَصْلٌ: وَإِنْ أَجَّرَتْ الْمَرْأَةُ الْمُزَوَّجَةُ نَفْسَهَا لِلرَّضَاعِ، بِإِذْنِ زَوْجِهَا، جَازَ، وَلَزِمَ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، وَلَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا وَإِنْ أَجَرَتْهَا بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِمَا يَتَضَمَّنُ مِنْ تَفْوِيتِ حَقِّ زَوْجِهَا، وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَالْآخَرُ، يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ تَنَاوَلَ مَحِلًّا غَيْرَ مَحَلِّ النِّكَاحِ، لَكِنْ لِلزَّوْجِ فَسْخُهُ؛ لِأَنَّهُ يَفُوتُ بِهِ الِاسْتِمْتَاعُ وَيَخْتَلُّ وَلَنَا، أَنَّهُ عَقْدٌ يَفُوتُ بِهِ حَقُّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ الْحَقُّ بِعَقْدٍ سَابِقٍ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَإِجَارَةِ الْمُسْتَأْجَرِ.

فصول الكتاب · 5 فصل · 621 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المغني لابن قدامة · 621 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
ُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ،
باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
جارٍ التحميل