المغني لابن قدامةصفحات 323-362
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا

صفحات 323-362
عن هذه الطبعة
عَلَم
المقدسي، موفق الدين
الكتاب
المغني لابن قدامة
المؤلف
أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)
الناشر
مكتبة القاهرة
الطبعة
بدون طبعة
عدد الأجزاء
10تاريخ النشر: 1388هـ - 1968م [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ.
وَصِفَةُ تَقْلِيبِ الرِّدَاءِ أَنْ يَجْعَلَ مَا عَلَى الْيَمِينِ عَلَى الْيَسَارِ، وَمَا عَلَى الْيَسَارِ عَلَى الْيَمِينِ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهِشَامِ بْنِ إسْمَاعِيلَ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَمَالِكٍ.
وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُول بِهِ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: يَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَسْقَى وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ، فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ أَسْفَلَهَا أَعْلَاهَا، فَلَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ جَعَلَ الْعِطَافَ الَّذِي عَلَى الْأَيْسَرِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ، وَاَلَّذِي عَلَى الْأَيْمَنِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَدَلِيلُنَا مَا رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَجَعَلَ عِطَافَهُ الْأَيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ، وَجَعَلَ عِطَافَهُ الْأَيْسَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ» . وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُ ذَلِكَ.
وَالزِّيَادَةُ الَّتِي نَقَلُوهَا، إنْ ثَبَتَتْ، فَهِيَ ظَنُّ الرَّاوِي، لَا يُتْرَكُ لَهَا فِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ نَقَلَ تَحْوِيلَ الرِّدَاءِ جَمَاعَةٌ، لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ جَعَلَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرَكَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ لِثِقَلِ الرِّدَاءِ.

[فَصْلٌ رَفَعَ الْأَيْدِي فِي دُعَاء الِاسْتِسْقَاء]

(1480) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الْأَيْدِي فِي دُعَاءِ الِاسْتِسْقَاءِ؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ، إلَّا الِاسْتِسْقَاءَ، وَأَنَّهُ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إبْطَيْهِ.» وَفِي حَدِيثٍ أَيْضًا لَأَنَسٍ: «فَرَفَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ» .

[مَسْأَلَةٌ يَدْعُو وَيَدْعُونَ وَيُكْثِرُونَ فِي دُعَائِهِمْ الِاسْتِغْفَار فِي صَلَاة الِاسْتِسْقَاء]

(1481) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيَدْعُو، وَيَدْعُونَ، وَيُكْثِرُونَ فِي دُعَائِهِمْ الِاسْتِغْفَارَ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ جَلَسَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَجْلِسْ؛ لِأَنَّ الْجُلُوسَ لَمْ يُنْقَلْ، وَلَا هَاهُنَا أَذَانٌ لِيَجْلِسَ فِي وَقْتِهِ، ثُمَّ يَخْطُبُ خُطْبَةً وَاحِدَةً، يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ، وَبِهَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ كَخُطْبَتَيْ الْعِيدَيْنِ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: صَنَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا صَنَعَ فِي الْعِيدِ.
وَلِأَنَّهَا أَشْبَهَتْهَا فِي التَّكْبِيرِ، وَفِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، فَتُشْبِهُهَا فِي الْخُطْبَتَيْنِ.
وَلَنَا، قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمْ يَخْطُبْ كَخُطْبَتِكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيرِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَا فَصَلَ بَيْنَ ذَلِكَ بِسُكُوتٍ وَلَا جُلُوسٍ.
وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ نَقَلَ الْخُطْبَةَ لَمْ يَنْقُلْ خُطْبَتَيْنِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ إنَّمَا هُوَ دُعَاءُ اللَّهِ تَعَالَى لِيُغِيثَهُمْ، وَلَا أَثَرَ لِكَوْنِهَا خُطْبَتَيْنِ فِي ذَلِكَ، وَالصَّحِيحُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْعِيدِ.
وَلَوْ كَانَ النَّقْلُ كَمَا ذَكَرُوهُ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الصَّلَاةِ، بِدَلِيلِ أَوَّلِ الْحَدِيثِ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَفْتِحَ الْخُطْبَةَ بِالتَّكْبِيرِ، كَخُطْبَةِ الْعِيدِ، وَيُكْثِرَ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَقْرَأَ كَثِيرًا: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: 10] ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: 11] وَسَائِرَ الْآيَاتِ الَّتِي فِيهَا الْأَمْرُ بِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَهُمْ بِإِرْسَالِ الْغَيْثِ إذَا اسْتَغْفَرُوهُ.

وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ خَرَجَ يَسْتَسْقِي، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ، وَقَالَ: لَقَدْ اسْتَسْقَيْت بِمَجَادِيحِ السَّمَاءِ.
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّهُ كَتَبَ إلَى مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ يَقُولُ: قَدْ كَتَبْت إلَى الْبُلْدَانِ أَنْ يَخْرُجُوا إلَى الِاسْتِسْقَاءِ إلَى مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا، وَأَمَرْتُهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَالصَّلَاةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: 14] ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: 15] . وَأَمَرْتهمْ أَنْ يَقُولُوا كَمَا قَالَ أَبُوهُمْ آدَم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23] . وَيَقُولُوا كَمَا قَالَ نُوحٌ: ﴿وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: 47] . وَيَقُولُوا كَمَا قَالَ يُونُسُ: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87] . وَيَقُولُوا كَمَا قَالَ مُوسَى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: 16] . وَلِأَنَّ الْمَعَاصِيَ سَبَبُ انْقِطَاعِ الْغَيْثِ، وَالِاسْتِغْفَارُ وَالتَّوْبَةُ تَمْحُو الْمَعَاصِيَ الْمَانِعَةَ مِنْ الْغَيْثِ، فَيَأْتِي اللَّهُ بِهِ.
وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَدْعُو بِدُعَائِهِ، فَرَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا مَرِيئًا مَرِيعًا نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَرِيعًا يُرْوَى عَلَى وَجْهَيْنِ بِالْيَاءِ وَالْبَاءِ، فَمَنْ رَوَاهُ بِالْيَاءِ جَعَلَهُ مِنْ الْمُرَاعَةِ، يُقَال: أَمْرَعَ الْمَكَانُ: إذَا أَخْصَبَ، وَمَنْ رَوَاهُ مُرْبِعًا، كَانَ مَعْنَاهُ مُنْبِتًا لِلرَّبِيعِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «شَكَا النَّاسُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُحُوطَ الْمَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ فَوُضِعَ لَهُ فِي الْمُصَلَّى، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَبَّرَ، وَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: إنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، وَاسْتِئْخَارَ الْمَطَرِ عَنْ إبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمْ اللَّهُ أَنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 3] ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4] لَا إلَهَ إلَّا هُوَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْت لَنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إلَى حِينٍ.
ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ فِي الرَّفْعِ حَتَّى بَدَا بَيَاضُ إبِطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ وَقَلَبَ أَوْ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَنَزَلَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ» . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرو: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اسْتَسْقَى، قَالَ: اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَك وَبَهَائِمَك، وَانْشُرْ رَحْمَتَك، وَأَحْيِ بَلَدَك الْمَيِّتَ» . رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد.

رَوَى ابْنُ قُتَيْبَةَ، بِإِسْنَادِهِ فِي " غَرِيبِ الْحَدِيثِ "، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَرَجَ لِلِاسْتِسْقَاءِ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، و " سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى "، وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، و " هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ "، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ اسْتَقْبَلَ الْقَوْمَ بِوَجْهِهِ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَكَبَّرَ تَكْبِيرَةً قَبْلَ أَنْ يَسْتَسْقِيَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اسْقِنَا وَأَغِثْنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، وَحَيًّا رَبِيعًا، وَجَدًّا طَبَقًا غَدَقًا مُغْدِقًا مُونِقًا، هَنِيئًا مَرِيئًا مَرِيعًا مَرْبَعًا مَرْتَعًا، سَائِلًا مُسْبِلًا مُجَلِّلًا، دِيَمًا دَرُورًا، نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجِلًا غَيْرَ رَائِثٍ؛ اللَّهُمَّ تُحْيِي بِهِ الْبِلَادَ، وَتُغِيثُ بِهِ الْعِبَادَ، وَتَجْعَلُهُ بَلَاغًا لِلْحَاضِرِ مِنَّا وَالْبَادِ، اللَّهُمَّ أَنْزِلْ فِي أَرْضِنَا زِينَتَهَا، وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا فِي أَرْضِنَا سَكَنَهَا، اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا، فَأَحْيِي بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا، وَأَسْقِهِ مِمَّا خَلَقْت أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا.» قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْمُغِيثُ: الْمُحْيِي بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالْحَيَا: الَّذِي تَحْيَا بِهِ الْأَرْضُ وَالْمَالُ.
وَالْجَدَّا: الْمَطَرُ الْعَامُّ، وَمِنْهُ أُخِذَ جَدَّا الْعَطِيَّةِ، وَالْجَدْوَى مَقْصُورٌ.
وَالطَّبَقُ: الَّذِي يُطْبِقُ الْأَرْضَ.
وَالْغَدَقُ وَالْمُغْدِقُ: الْكَثِيرُ الْقَطْرِ.
وَالْمُونِقُ: الْمُعْجِبُ.
وَالْمَرِيعُ: ذُو الْمَرَاعَةِ وَالْخِصْبِ.
وَالْمَرْبَعُ مِنْ قَوْلِك: رَبَعْت مَكَانَ كَذَا: إذَا أَقَمْت بِهِ.
وَارْبَعْ عَلَى نَفْسِك: اُرْفُقْ.
وَالْمَرْتَعُ: مِنْ رَتَعَتْ الْإِبِلُ، إذَا أَرْعَتْ.
وَالسَّابِلُ: مِنْ السَّبْلِ، وَهُوَ الْمَطَرُ.
يُقَال سَبَلٌ سَابِلٌ، كَمَا يُقَال: مَطَرٌ مَاطِرٌ.
وَالرَّائِثُ: الْبَطِيءُ.
وَالسَّكَنُ: الْقُوَّة، لِأَنَّ الْأَرْضَ تَسْكُنُ بِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا اسْتَسْقَى، قَالَ: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، هَنِيئًا مَرِيعًا، غَدَقًا مُجَلِّلًا، طَبَقًا سَحًّا دَائِمًا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنْ الْقَانِطِينَ، اللَّهُمَّ إنَّ بِالْعِبَادِ وَالْبِلَادِ مِنْ اللَّأْوَاءِ وَالضَّنْكِ وَالْجَهْدِ مَا لَا نَشْكُوهُ إلَّا إلَيْك، اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ، وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ، وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ، وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجَهْدَ وَالْجُوعَ وَالْعُرْيَ، وَاكْشِفْ عَنَّا مِنْ الْبَلَاءِ مَا لَا يَكْشِفُهُ غَيْرُك، اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَغْفِرُك إنَّك كُنْت غَفَّارًا، فَأَرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا»

[فَصْلٌ شَرْط صَلَاة الِاسْتِسْقَاء]

(1482) فَصْلٌ: وَهَلْ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الصَّلَاةِ إذْنُ الْإِمَامِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا، لَا يُسْتَحَبُّ إلَّا بِخُرُوجِ الْإِمَامِ، أَوْ رَجُلٍ مِنْ قِبَلِهِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَإِذَا خَرَجُوا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ دَعَوْا، وَانْصَرَفُوا بِلَا صَلَاةٍ وَلَا خُطْبَةٍ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَعَنْهُ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَيَخْطُبُ بِهِمْ أَحَدُهُمْ.
فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَكُونُ الِاسْتِسْقَاءُ مَشْرُوعًا فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ؛ مُقِيمٍ، وَمُسَافِرٍ، وَأَهْلِ الْقُرَى، وَالْأَعْرَابِ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةُ نَافِلَةٍ، فَأَشْبَهَتْ صَلَاةَ الْكُسُوفِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ بِهَا، وَإِنَّمَا فَعَلَهَا عَلَى صِفَةٍ، فَلَا يَتَعَدَّى تِلْكَ الصِّفَةَ، وَهُوَ أَنَّهُ صَلَّاهَا بِأَصْحَابِهِ، وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَلَا تُشْرَعُ إلَّا فِي مِثْلِ تِلْكَ الصِّفَةِ.

[فَصْلٌ يَسْتَسْقِي بِمِنْ ظُهْر صَلَاحه]

(1483) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسْتَسْقَى بِمَنْ ظَهَرَ صَلَاحُهُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى إجَابَةِ الدُّعَاءِ، فَإِنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ عَمِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: اسْتَسْقَى عُمَرُ عَامَ الرَّمَادَةِ بِالْعَبَّاسِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنَّ هَذَا عَمُّ نَبِيِّك - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَتَوَجَّهُ إلَيْك بِهِ فَاسْقِنَا.
فَمَا بَرِحُوا حَتَّى سَقَاهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
وَرُوِيَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي، فَلَمَّا جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، قَالَ: أَيْنَ يَزِيدُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْجُرَشِيُّ؟ فَقَامَ يَزِيدُ، فَدَعَاهُ مُعَاوِيَةُ، فَأَجْلَسَهُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَشْفِعُ إلَيْك بِخَيْرِنَا وَأَفْضَلِنَا يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ، يَا يَزِيدُ، ارْفَعْ يَدَيْكَ.
فَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى، فَثَارَتْ فِي الْغَرْبِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، وَهَبَّ لَهَا رِيحٌ، فَسُقُوا حَتَّى كَادُوا لَا يَبْلُغُونَ مَنَازِلَهُمْ.
وَاسْتَسْقَى بِهِ الضَّحَّاكُ مَرَّةً أُخْرَى.

[مَسْأَلَةٌ كم مَرَّةً يَخْرُجُونَ لِلِاسْتِسْقَاءِ]

مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (فَإِنْ سُقُوا، وَإِلَّا عَادُوا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ) وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ: لَا يَخْرُجُونَ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَخْرُجْ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَكِنْ يَجْتَمِعُونَ فِي مَسَاجِدِهِمْ، فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ الصَّلَاةِ ذَكَرُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَدَعَوْا، وَيَدْعُو الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَيُؤَمِّنُ النَّاسُ.
وَلَنَا، أَنَّ هَذَا أَبْلَغُ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ» . وَأَمَّا النَّبِيُّ فَلَمْ يَخْرُجْ ثَانِيًا؛ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ الْخُرُوجِ بِإِجَابَتِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَالْخُرُوجُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى آكَدُ مِمَّا بَعْدَهَا؛ لِوُرُودِ السُّنَّةِ بِهِ.

[فَصْلٌ الدُّعَاء عِنْد نُزُول الْغَيْث]

(1485) فَصْلٌ: وَإِنْ تَأَهَّبُوا لِلْخُرُوجِ، فَسُقُوا قَبْلَ خُرُوجِهِمْ، لَمْ يَخْرُجُوا، وَشَكَرُوا اللَّهَ عَلَى نِعْمَتِهِ، وَسَأَلُوهُ الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ، وَإِنْ خَرَجُوا فَسُقُوا قَبْلَ أَنْ يُصَلُّوا، صَلَّوْا شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَحَمِدُوهُ وَدَعَوْهُ.
وَيُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ عِنْدَ نُزُولِ الْغَيْثِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اُطْلُبُوا اسْتِجَابَةَ الدُّعَاءِ عِنْدَ ثَلَاثٍ: عِنْدَ الْتِقَاءِ الْجُيُوشِ، وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَنُزُولِ الْغَيْثِ» . وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا رَأَى الْمَطَرَ، قَالَ: صَيِّبًا نَافِعًا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

[فَصْلٌ يُسْتَحَبّ أَنْ يَقِف فِي أَوَّل الْمَطَر وَيَخْرُج رَحْله لِيُصِيبَهُ الْمَطَر]

(1486) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ فِي أَوَّلِ الْمَطَرِ، وَيُخْرِجَ رَحْلَهُ؛ لِيُصِيبَهُ الْمَطَرُ؛ لِمَا رَوَى أَنَسٌ «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْنَا الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَنْ لِحْيَتِهِ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ إذَا أَمْطَرَتْ السَّمَاءُ قَالَ لِغُلَامِهِ.
أَخْرِجْ رَحْلِي وَفِرَاشِي يُصِبْهُ الْمَطَرُ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْ مَاءِ الْمَطَرِ إذَا سَالَ السَّيْلُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ كَانَ إذَا سَالَ السَّيْلُ يَقُول: اُخْرُجُوا بِنَا إلَى هَذَا الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ طَهُورًا، فَنَتَطَهَّرَ» .

[فَصْلٌ يُسْتَحَبّ أَنْ يَسْتَسْقُوا عَقِيب صَلَوَاتهمْ]

(1487) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَسْقُوا عَقِيبَ صَلَوَاتِهِمْ، وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ يَدْعُو الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَيُؤَمِّنُ النَّاسُ.
قَالَ الْقَاضِي: الِاسْتِسْقَاءِ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ، أَكْمَلُهَا الْخُرُوجُ وَالصَّلَاةُ عَلَى مَا وَصَفْنَا.
وَيَلِيهِ اسْتِسْقَاءُ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ؛ لِمَا رُوِيَ، «أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَائِمًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولُ اللَّهِ، هَلَكَتْ الْأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّه يُغِثْنَا.
فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا» . «قَالَ أَنَسٌ: وَلَا وَاَللَّهِ مَا يُرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةٍ وَلَا شَيْءٍ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ، فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتْ السَّمَاءَ، انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ، فَلَا وَاَللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا، ثُمَّ دَخَلَ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ رَجُلٌ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا، وَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتْ الْمَوَاشِي، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُمْسِكَهَا عَنَّا.
قَالَ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ وَالْآكَامِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ.
قَالَ: فَانْقَطَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالثَّالِثُ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ تَعَالَى عَقِيبَ صَلَوَاتِهِمْ، وَفِي خَلَوَاتِهِمْ.

[فَصْلٌ كُثْر الْمَطَر بَعْد طَلَب الِاسْتِسْقَاء]

(1488) فَصْلٌ: وَإِذَا كَثُرَ الْمَطَرُ بِحَيْثُ يَضُرُّهُمْ أَوْ مِيَاهُ الْعُيُونِ، دَعَوْا اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُخَفِّفَهُ، وَيَصْرِفَ عَنْهُمْ مَضَرَّتَهُ، وَيَجْعَلَهُ فِي أَمَاكِنَ تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، كَدُعَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا، وَلِأَنَّ الضَّرَرَ بِزِيَادَةِ الْمَطَرِ أَحَدُ الضَّرَرَيْنِ، فَيُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ لِإِزَالَتِهِ كَانْقِطَاعِهِ.

[مَسْأَلَةٌ خَرَجَ أَهْل الذِّمَّة لِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاء مَعَ الْمُسْلِمِينَ]

(1489) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ خَرَجَ مَعَهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ لَمْ يُمْنَعُوا وَأُمِرُوا أَنْ يَكُونُوا مُنْفَرِدِينَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ إخْرَاجُ أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْدَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ، وَبَدَّلُوا نِعْمَتَهُ كُفْرًا، فَهُمْ بَعِيدُونَ مِنْ الْإِجَابَةِ، وَإِنْ أُغِيثَ الْمُسْلِمُونَ فَرُبَّمَا قَالُوا: هَذَا حَصَلَ بِدُعَائِنَا وَإِجَابَتِنَا.
وَإِنْ خَرَجُوا لَمْ يُمْنَعُوا؛ لِأَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ أَرْزَاقَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ، فَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُجِيبَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ فِي الدُّنْيَا، كَمَا ضَمِنَ أَرْزَاقَ الْمُؤْمِنِينَ، وَيُؤْمَرُوا بِالِانْفِرَادِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ، فَيَعُمَّ مَنْ حَضَرَهُمْ، فَإِنَّ قَوْمَ عَادٍ اسْتَسْقَوْا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا، فَأَهْلَكَتْهُمْ.
فَإِنْ قِيلَ: فَيَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعُوا الْخُرُوجَ يَوْمَ يَخْرُجُ الْمُسْلِمُونَ؛ لِئَلَّا يَظُنُّوا أَنَّ مَا حَصَلَ مِنْ السُّقْيَا بِدُعَائِهِمْ.
قُلْنَا: وَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَتَّفِقَ نُزُولُ الْغَيْثِ يَوْمَ يَخْرُجُونَ وَحْدَهُمْ، فَيَكُونُ أَعْظَمَ لِفِتْنَتِهِمْ، وَرُبَّمَا افْتَتَنَ غَيْرُهُمْ بِهِمْ.

[بَابُ الْحُكْمِ فِي مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ]

[مَسْأَلَةٌ تَرَكَ الصَّلَاة وَهُوَ بَالِغ عَاقِل جَاحِدًا لَهَا أَوْ غَيْر جَاحِد]

َ (1490) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ، وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ، جَاحِدًا لَهَا، أَوْ غَيْرَ جَاحِدٍ، دُعِيَ إلَيْهَا فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ صَلَّى، وَإِلَّا قُتِلَ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ لَا يَخْلُو؛ إمَّا أَنْ يَكُونَ جَاحِدًا لِوُجُوبِهَا، أَوْ غَيْرَ جَاحِدٍ، فَإِنْ كَانَ جَاحِدًا لِوُجُوبِهَا نُظِرَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِهِ، وَهُوَ مِمَّنْ يَجْهَلُ ذَلِكَ، كَالْحَدِيثِ الْإِسْلَامِ، وَالنَّاشِئِ بِبَادِيَةٍ، عُرِّفَ وُجُوبَهَا، وَعُلِّمَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَجْهَلُ ذَلِكَ، كَالنَّاشِئِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى، لَمْ يُعْذَرْ، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ادِّعَاءُ الْجَهْلِ، وَحُكِمَ بِكُفْرِهِ؛ لِأَنَّ أَدِلَّةَ الْوُجُوبِ ظَاهِرَةٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالْمُسْلِمُونَ يَفْعَلُونَهَا عَلَى الدَّوَامِ، فَلَا يَخْفَى وُجُوبُهَا عَلَى مَنْ هَذَا حَالُهُ، فَلَا يَجْحَدُهَا إلَّا تَكْذِيبًا لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَهَذَا يَصِيرُ مُرْتَدًّا عَنْ الْإِسْلَامِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ الْمُرْتَدِّينَ، فِي الِاسْتِتَابَةِ وَالْقَتْلِ، وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا.
وَإِنْ تَرَكَهَا لِمَرَضٍ، أَوْ عَجْزٍ عَنْ أَرْكَانِهَا وَشُرُوطِهَا، قِيلَ لَهُ: إنَّ ذَلِكَ لَا يُسْقِطُ الصَّلَاةَ، وَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى حَسَبِ طَاقَتِهِ.
وَإِنْ تَرَكَهَا تَهَاوُنًا أَوْ كَسَلًا، دُعِيَ إلَى فِعْلِهَا، وَقِيلَ لَهُ: إنْ صَلَّيْت، وَإِلَّا قَتَلْنَاكَ.
فَإِنْ صَلَّى، وَإِلَّا وَجَبَ قَتْلُهُ.
وَلَا يُقْتَلُ حَتَّى يُحْبَسَ ثَلَاثًا، وَيُضَيَّقَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَيُدْعَى فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ إلَى فِعْلِهَا، وَيُخَوَّفَ بِالْقَتْلِ، فَإِنْ صَلَّى، وَإِلَّا قُتِلَ بِالسَّيْفِ.
وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَوَكِيعٌ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: يُضْرَبُ وَيُسْجَنُ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، قَالَ: وَلَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إيمَانٍ، أَوْ زِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ، أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهَذَا لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ.
فَلَا يَحِلُّ دَمُهُ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ فَرْعٌ مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ.
فَلَا يُقْتَلُ بِتَرْكِهِ كَالْحَجِّ، وَلِأَنَّ الْقَتْلَ لَوْ شُرِعَ لَشُرِعَ زَجْرًا عَنْ تَرْكِ الصَّلَاةِ، وَلَا يَجُوزُ شَرْعُ زَاجِرٍ تَحَقَّقَ الْمَزْجُورُ عَنْهُ، وَالْقَتْلُ يَمْنَعُ فِعْلَ الصَّلَاةِ دَائِمًا، فَلَا يُشْرَعُ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ تَحْرِيمُ الدَّمِ، فَلَا تَثْبُتُ الْإِبَاحَةُ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ مَعْنَى نَصٍّ.
وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 5] إلَى قَوْله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: 5] .

فَأَبَاحَ قَتْلَهُمْ، وَشَرَطَ فِي تَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ التَّوْبَةَ، وَهِيَ الْإِسْلَامُ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، فَمَتَى تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا لَمْ يَأْتِ بِشَرْطِ تَخْلِيَتِهِ، فَيَبْقَى عَلَى وُجُوبِ الْقَتْلِ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ» . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ قَتْلِهِ، وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَالْكُفْرُ مُبِيحٌ لِلْقَتْلِ، وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ» . فَمَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَ الْمُصَلِّينَ يُبَاحُ قَتْلُهُمْ.
وَلِأَنَّهَا رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ بِنَفْسٍ وَلَا مَالٍ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْتَلَ تَارِكُهُ كَالشَّهَادَةِ، وَحَدِيثُهُمْ حُجَّةٌ لَنَا؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكَهَا كُفْرٌ، وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ اسْتَثْنَى مِنْهُ «إلَّا بِحَقِّهَا» . وَالصَّلَاةُ مِنْ حَقِّهَا.
وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا شَهِدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ، وَآتَوْا الزَّكَاةَ.» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ.
ثُمَّ إنَّ أَحَادِيثَنَا خَاصَّةٌ، فَنَخُصُّ بِهَا عُمُومَ مَا ذَكَرُوهُ، وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى الْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ مُخْتَلَفٌ فِي جَوَازِ تَأْخِيرِهِ، وَلَا يَجِبُ الْقَتْلُ بِفِعْلٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ هَذَا يُفْضِي إلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ بِالْكُلِّيَّةِ.
قُلْنَا: الظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُقْتَلُ إنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ لَا يَتْرُكُهَا، سِيَّمَا بَعْدَ اسْتِتَابَتِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ تَرَكَهَا بَعْدَ هَذَا كَانَ مَيْئُوسًا مِنْ صَلَاتِهِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي بَقَائِهِ، وَلَا يَكُونُ الْقَتْلُ هُوَ الْمُفَوِّتُ لَهُ، ثُمَّ لَوْ فَاتَ بِهِ احْتِمَالُ الصَّلَاةِ، لَحَصَلَ بِهِ صَلَاةُ أَلْفِ إنْسَانٍ، وَتَحْصِيلُ ذَلِكَ بِتَفْوِيتِ احْتِمَالِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ لَا يُخَالِفُ الْأَصْلَ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ قَتْلُهُ بِتَرْكِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِلصَّلَاةِ، فَلَزِمَ قَتْلُهُ، كَتَارِكِ ثَلَاثٍ، وَلِأَنَّ الْأَخْبَارَ تَتَنَاوَلُ تَارِكَ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، لَكِنْ لَا يَثْبُتُ الْوُجُوبُ حَتَّى يَضِيقَ وَقْتُ الَّتِي بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ الْأُولَى لَا يُعْلَمُ تَرْكُهَا إلَّا بِفَوَاتِ وَقْتِهَا، فَتَصِيرُ فَائِتَةً لَا يَجِبُ الْقَتْلُ بِفَوَاتِهَا، فَإِذَا ضَاقَ وَقْتُهَا عُلِمَ أَنَّهُ يُرِيدُ تَرْكَهَا، فَوَجَبَ قَتْلُهُ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجِبُ قَتْلُهُ حَتَّى يَتْرُكَ ثَلَاثَ صَلَوَاتٍ، وَيَضِيقَ وَقْتُ الرَّابِعَةِ عَنْ فِعْلِهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتْرُكُ الصَّلَاةَ وَالصَّلَاتَيْنِ لِشُبْهَةٍ، فَإِذَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ ثَلَاثًا.
تَحَقَّقَ أَنَّهُ تَارِكٌ لَهَا رَغْبَةً عَنْهَا، وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَضِيقَ وَقْتُ الرَّابِعَة عَنْ فِعْلِهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَحَكَى ابْنُ حَامِدٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بْنِ شَاقِلَا، أَنَّهُ إنْ تَرَكَ صَلَاةً لَا تُجْمَعُ إلَى مَا بَعْدَهَا، كَصَلَاةِ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ، وَجَبَ قَتْلُهُ، وَإِنْ تَرَكَ الْأُولَى مِنْ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ، لَمْ يَجِبْ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَيْنِ كَالْوَقْتِ الْوَاحِدِ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ.
وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ.
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ، هَلْ يُقْتَلُ لِكُفْرِهِ، أَوْ حَدًّا؟ فَرُوِيَ أَنَّهُ يُقْتَلُ لِكُفْرِهِ كَالْمُرْتَدِّ، فَلَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُكَفَّنُ، وَلَا يُدْفَنُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَرِثُهُ أَحَدٌ، وَلَا يَرِثُ أَحَدًا، اخْتَارَهَا أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا وَابْنُ حَامِدٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَابْنِ

الْمُبَارَكِ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَإِسْحَاقَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» . وَفِي لَفْظٍ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ تَرْكَ الصَّلَاةِ» . وَعَنْ بُرَيْدَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ تَرْكُ الصَّلَاةِ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» رَوَاهُنَّ مُسْلِمٌ وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَوَّلُ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمْ الْأَمَانَةُ، وَآخِرُ مَا تَفْقِدُونَ الصَّلَاةُ» . قَالَ أَحْمَدُ: كُلُّ شَيْءٍ ذَهَبَ آخِرُهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ.
وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: مَنْ لَمْ يُصَلِّ فَهُوَ كَافِرٌ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ لَمْ يُصَلِّ فَلَا دِينَ لَهُ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ: لَمْ يَكُنْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرَوْنَ شَيْئًا مِنْ الْأَعْمَالِ، تَرْكُهُ كُفْرٌ، غَيْرَ الصَّلَاةِ.
وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يَدْخُلُ بِهَا فِي الْإِسْلَامِ، فَيَخْرُجُ بِتَرْكِهَا مِنْهُ كَالشَّهَادَةِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، يُقْتَلُ حَدًّا، مَعَ الْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ، كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَطَّةَ، وَأَنْكَرَ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يَكْفُر.
وَذَكَرَ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَلَى هَذَا، لَمْ يَجِدْ فِي الْمَذْهَبِ خِلَافًا فِيهِ.
وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَرُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قَالَ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَى مَعَهُمْ مِنْ الْإِسْلَامِ إلَّا قَوْلُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.
فَقِيلَ لَهُ: وَمَا يَنْفَعُهُمْ؟ قَالَ: تُنْجِيهِمْ مِنْ النَّارِ، لَا أَبَا لَكَ.
وَعَنْ وَالَانَ، قَالَ: انْتَهَيْت إلَى دَارِي، فَوَجَدْت شَاةً مَذْبُوحَةً، فَقُلْت: مَنْ ذَبَحَهَا؟ قَالُوا: غُلَامُك.
قُلْت: وَاَللَّهِ إنَّ غُلَامِي لَا يُصَلِّي، فَقَالَ النِّسْوَةُ: نَحْنُ عَلَّمْنَاهُ، يُسَمِّيَ، فَرَجَعْتُ إلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، فَسَأَلْته عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَنِي بِأَكْلِهَا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ» . وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ، إلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» . وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ» . وَعَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: «يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً» . مُتَّفَقٌ عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا، وَمِثْلُهَا كَثِيرٌ.
وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعَبْدِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ، لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ، فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ، إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ» . وَلَوْ كَانَ كَافِرًا لَمْ يُدْخِلْهُ فِي الْمَشِيئَةِ.
وَقَالَ الْخَلَّالُ، فِي " جَامِعِهِ ": ثنا يَحْيَى، ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ، ثنا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي شَمِيلَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إلَى قُبَاءَ فَاسْتَقْبَلَهُ رَهْطٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَحْمِلُونَ جِنَازَةً عَلَى بَابٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا هَذَا؟ قَالُوا: مَمْلُوكٌ لِآلِ فُلَانٍ، كَانَ مِنْ أَمْرِهِ.
قَالَ: أَكَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، وَلَكِنَّهُ كَانَ وَكَانَ.
فَقَالَ لَهُمْ: أَمَا كَانَ يُصَلِّي؟ فَقَالُوا: قَدْ كَانَ يُصَلِّي وَيَدَعُ.
فَقَالَ لَهُمْ: ارْجِعُوا بِهِ، فَغَسِّلُوهُ، وَكَفِّنُوهُ، وَصَلُّوا عَلَيْهِ، وَادْفِنُوهُ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ كَادَتْ الْمَلَائِكَةُ تَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ» . وَرَوَى بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَّوْا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» . وَلِأَنَّ ذَلِكَ إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّا لَا نَعْلَمُ فِي عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ أَحَدًا مِنْ تَارِكِي الصَّلَاةِ تُرِكَ تَغْسِيلُهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَدَفْنُهُ فِي مَقَابِر الْمُسْلِمِينَ، وَلَا مُنِعَ وَرَثَتُهُ مِيرَاثَهُ، وَلَا مُنِعَ هُوَ مِيرَاثَ مُوَرِّثِهِ، وَلَا فُرِّقَ بَيْنَ زَوْجَيْنِ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ مِنْ أَحَدِهِمَا؛ مَعَ كَثْرَةِ تَارِكِي الصَّلَاةِ، وَلَوْ كَانَ كَافِرًا لَثَبَتَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ كُلُّهَا، وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ خِلَافًا فِي أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا، وَلَوْ كَانَ مُرْتَدًّا لَمْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ.
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ فَهِيَ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ، وَالتَّشْبِيهِ لَهُ بِالْكُفَّارِ، لَا عَلَى الْحَقِيقَةِ، كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» . وَقَوْلِهِ: «كُفْرٌ بِاَللَّهِ تَبَرُّؤٌ مِنْ نَسَبٍ وَإِنْ دَقَّ» . وَقَوْلُهُ: «مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ.
فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» . وَقَوْلُهُ: «مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» . قَالَ: «وَمَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ الْكَوَاكِبِ.
فَهُوَ كَافِرٌ بِاَللَّهِ، مُؤْمِنٌ بِالْكَوَاكِبِ» . وَقَوْلُهُ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» . وَقَوْلِهِ: «شَارِبُ الْخَمْرِ كَعَابِدِ وَثَنٍ» . وَأَشْبَاهِ هَذَا مِمَّا أُرِيدَ بِهِ التَّشْدِيدُ فِي الْوَعِيدِ، وَهُوَ أَصْوَبُ الْقَوْلَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ تَرَكَ شَرْطًا مَجْمَعًا عَلَى صِحَّته أَوْ رُكْنًا كَالطَّهَارَةِ وَالرُّكُوع وَالسُّجُود]

(1491) فَصْلٌ: وَمَنْ تَرَكَ شَرْطًا مُجْمَعًا عَلَى صِحَّتِهِ، أَوْ رُكْنًا، كَالطَّهَارَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَهُوَ كَتَارِكِهَا، حُكْمُهُ حُكْمُهُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مَعَ ذَلِكَ وُجُودُهَا كَعَدَمِهَا.
وَإِنْ تَرَكَ مُخْتَلَفًا فِيهِ، كَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةَ، وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَالِاعْتِدَالِ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، أَوْ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، مُعْتَقِدًا جَوَازَ ذَلِكَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ تَرَكَهُ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ، لَزِمَهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ.
وَلَا يُقْتَلُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَأَشْبَهَ الْمُتَزَوِّجَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، وَسَارِقَ مَالٍ لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[كِتَاب الْجَنَائِز]

ِ يُسْتَحَبُّ لِلْإِنْسَانِ ذِكْرُ الْمَوْتِ وَالِاسْتِعْدَادُ لَهُ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ، فَمَا ذُكِرَ فِي كَثِيرٍ إلَّا قَلَّلَهُ، وَلَا فِي قَلِيلٍ إلَّا كَثَّرَهُ» . رَوَى الْبُخَارِيُّ أَوَّلَهُ.
وَإِذَا مَرِضَ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَصْبِرَ، وَيُكْرَهُ الْأَنِينُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ كَرِهَهُ.
وَلَا يَتَمَنَّى الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَلَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي» . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَيُحْسِنُ ظَنَّهُ بِرَبِّهِ تَعَالَى، قَالَ جَابِرٌ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَقُولُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ: لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاَللَّهِ تَعَالَى» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد.
وَقَالَ مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ، إنَّهُ قَالَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ: حَدِّثْنِي بِالرُّخَصِ.

[فَصْلٌ عِيَادَة الْمَرِيض]

(1492) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ، قَالَ الْبَرَاءُ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ.
وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَعُودُ مَرِيضًا مُمْسِيًا، إلَّا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَتَاهُ مُصْبِحًا، خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ.» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَإِذَا دَخَلَ عَلَى الْمَرِيضِ دَعَا لَهُ، وَرَقَاهُ.
قَالَ ثَابِتٌ لَأَنَسٍ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، اشْتَكَيْتُ.
قَالَ أَنَسٌ، أَفَلَا أَرْقِيكَ بِرُقْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: بَلَى.
قَالَ «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، مُذْهِبَ الْبَاسِ، اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» . وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ، قَالَ: «أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اشْتَكَيْتُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيك، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيك، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ وَعَيْنٍ حَاسِدَةٍ اللَّهُ يَشْفِيك» . وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: كِلَا هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ فَنَفِّسُوا لَهُ فِي الْأَجَلِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ شَيْئًا، وَإِنَّهُ يُطَيِّبُ نَفْسَ الْمَرِيضِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَيُرَغِّبُهُ فِي التَّوْبَةِ وَالْوَصِيَّةِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، وَلَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

[فَصْلٌ يُسْتَحَبّ أَنْ يَلِي الْمَرِيض مَرَض الْمَوْت أُرْفِق أَهْله بِهِ وَأَعْلَمهُمْ بِسِيَاسَتِهِ]

(1493) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَلِيَ الْمَرِيضَ أَرْفَقُ أَهْلِهِ بِهِ، وَأَعْلَمُهُمْ بِسِيَاسَتِهِ، وَأَتْقَاهُمْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ لِيُذَكِّرَهُ اللَّهَ تَعَالَى، وَالتَّوْبَةَ مِنْ الْمَعَاصِي، وَالْخُرُوجَ مِنْ الْمَظَالِمِ، وَالْوَصِيَّةَ.
وَإِذَا رَآهُ مَنْزُولًا بِهِ تَعَهَّدَ بَلَّ حَلْقِهِ، بِتَقْطِيرِ مَاءٍ أَوْ شَرَابٍ فِيهِ، وَيُنَدِّي شَفَتَيْهِ بِقُطْنَةٍ، وَيَسْتَقْبِلُ بِهِ الْقِبْلَةَ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خَيْرُ الْمَجَالِسِ مَا اُسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ» . وَيُلَقِّنُهُ قَوْلَ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ "؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَنْ تَمُوتَ يَوْمَ تَمُوتُ وَلِسَانُك رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» . رَوَاهُ سَعِيدٌ.
وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي لُطْفٍ وَمُدَارَاةٍ، وَلَا يُكَرِّرُ عَلَيْهِ، وَلَا يُضَجِّرَهُ، إلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ، فَيُعِيدُ تَلْقِينَهُ؛ لِتَكُونَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ آخِرَ كَلَامِهِ نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ، وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ جَعَلَ رَجُلٌ يُلَقِّنُهُ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " فَأَكْثَرَ عَلَيْهِ؛ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: إذَا قُلْت مَرَّةً فَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مَا لَمْ أَتَكَلَّمْ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّمَا أَرَادَ عَبْدُ اللَّهِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ.
وَرَوَى سَعِيدٌ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، قَالَ: أَجْلِسُونِي.
فَلَمَّا أَجْلَسُوهُ قَالَ: كَلِمَةٌ سَمِعْتهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُنْت أَخْبَؤُهَا، وَلَوْلَا مَا حَضَرَنِي مِنْ الْمَوْتِ مَا أَخْبَرْتُكُمْ بِهَا، سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إلَّا هَدَمَتْ مَا كَانَ قَبْلَهَا مِنْ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبِ، فَلَقِّنُوهَا مَوْتَاكُمْ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ هِيَ لِلْأَحْيَاءِ؟ قَالَ هِيَ أَهْدَمُ وَأَهْدَمُ» . قَالَ أَحْمَدُ: وَيَقْرَءُونَ عِنْدَ الْمَيِّتِ إذَا حَضَرَ، لِيُخَفَّفَ عَنْهُ بِالْقِرَاءَةِ، يُقْرَأُ ﴿يس﴾ [يس: 1] ، وَأَمَرَ بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ.
وَرَوَى سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا فَرْجُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ أَسَدِ بْنِ وَدَاعَةَ، قَالَ: لَمَّا حَضَرَ غُضَيْفَ بْنَ حَارِثٍ الْمَوْتُ، حَضَرَهُ إخْوَانُهُ، فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ يَقْرَأُ سُورَةَ (يس) ؟ قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: نَعَمْ.
قَالَ: اقْرَأْ، وَرَتِّلْ، وَأَنْصِتُوا.
فَقَرَأَ، وَرَتَّلَ.
وَأَسْمَعَ الْقَوْمَ، فَلَمَّا بَلَغَ ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: 83] . خَرَجَتْ نَفْسُهُ.
قَالَ أَسَدُ بْنُ وَدَاعَةَ: فَمَنْ حَضَرَ مِنْكُمْ الْمَيِّتَ، فَشُدِّدَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ، فَلْيَقْرَأْ عِنْدَهُ سُورَةَ (يس) ، فَإِنَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُ الْمَوْتُ.

[مَسْأَلَةٌ التَّوْجِيه إلَى الْقِبْلَة لِلْمَرِيضِ مَرَض الْمَوْت]

(1494) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ: " (وَإِذَا تُيُقِّنَ الْمَوْتُ، وُجِّهَ إلَى الْقِبْلَةِ، وَغُمِّضَتْ عَيْنَاهُ، وَشُدَّ لَحْيَاهُ، لِئَلَّا يَسْتَرْخِيَ فَكُّهُ، وَجُعِلَ عَلَى بَطْنِهِ مِرْآةٌ أَوْ غَيْرُهَا؛ لِئَلَّا يَعْلُوَ بَطْنُهُ)

قَوْله: " إذَا تُيُقِّنَ الْمَوْتُ " يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ حُضُورَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ التَّوْجِيهَ إلَى الْقِبْلَةِ يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْمَوْتِ، وَاسْتَحَبَّهُ عَطَاءٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَهْلُ الشَّامِ، وَإِسْحَاقُ، وَأَنْكَرَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا أَرَادُوا أَنْ يُحَوِّلُوهُ إلَى الْقِبْلَةِ، قَالَ: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: نُحَوِّلُك إلَى الْقِبْلَةِ.
قَالَ: أَلَمْ أَكُنْ عَلَى الْقِبْلَةِ إلَى يَوْمِي هَذَا؟ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ حُذَيْفَةَ قَالَ: وَجِّهُونِي.
وَلِأَنَّ فِعْلَهُمْ ذَلِكَ بِسَعِيدٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَشْهُورًا بَيْنَهُمْ، يَفْعَلُهُ الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ بِمَوْتَاهُمْ، وَلِأَنَّ خَيْرَ الْمَجَالِسِ مَا اُسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْخِرَقِيِّ أَرَادَ تَيَقُّنَ وُجُودِ الْمَوْتِ، لِأَنَّ سَائِرَ مَا ذَكَرَهُ إنَّمَا يُفْعَلُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَهُوَ تَغْمِيضُ الْمَيِّتِ، فَإِنَّهُ يُسَنُّ عَقِيبَ الْمَوْتِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: «إنَّ الرُّوحَ إذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ.
فَضَجَّ النَّاسُ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ: لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ.
ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ الْمُقَرَّبِينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَأَفْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَرَوَى شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا حَضَرْتُمْ مَوْتَاكُمْ، فَأَغْمِضُوا الْبَصَرَ، فَإِنَّ الْبَصَرَ يَتْبَعُ الرُّوحَ، وَقُولُوا خَيْرًا؛ فَإِنَّهُ يُؤَمَّنُ عَلَى مَا قَالَ أَهْلُ الْمَيِّتِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، فِي " الْمُسْنَدِ ". وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ لِابْنِهِ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: اُدْنُ مِنِّي، فَإِذَا رَأَيْت رُوحِي قَدْ بَلَغَتْ لَهَاتِي، فَضَعْ كَفَّك الْيُمْنَى عَلَى جَبْهَتِي، وَالْيُسْرَى تَحْتَ ذَقَنِي، وَأَغْمِضْنِي.
وَيُسْتَحَبُّ شَدُّ لَحْيَيْهِ بِعِصَابَةٍ عَرِيضَةٍ، يَرْبُطُهَا مِنْ فَوْقِ رَأْسِهِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ إذَا كَانَ مَفْتُوحَ الْعَيْنَيْنِ وَالْفَمِ، فَلَمْ يُغَمَّضْ حَتَّى يَبْرُدَ، بَقِيَ مَفْتُوحًا، فَيَقْبُحُ مَنْظَرُهُ، وَلَا يُؤْمَنُ دُخُولُ الْهَوَامِّ فِيهِ، وَالْمَاءِ فِي وَقْتِ غُسْلِهِ.
وَقَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ: وَيَقُولُ الَّذِي يُغَمِّضُهُ: بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَيُجْعَلُ عَلَى بَطْنِهِ شَيْءٌ مِنْ الْحَدِيدِ، كَمِرْآةٍ أَوْ غَيْرِهَا؛ لِئَلَّا يَنْتَفِخَ بَطْنُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ الْحَدِيدِ فَطِينٌ مَبْلُولٌ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَلِيَ ذَلِكَ مِنْهُ أَرْفَقُ النَّاسِ بِهِ، بِأَرْفَقِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: تُغَمِّضُ الْمَرْأَةُ عَيْنَيْهِ إذَا كَانَتْ ذَاتَ مَحْرَمٍ لَهُ.
وَقَالَ: يُكْرَهُ لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ تَغْمِيضُهُ، وَأَنْ تَقْرَبَاهُ.
وَكَرِهَ ذَلِكَ عَلْقَمَةُ.
وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ.
وَكَرِهَ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَعَطَاءٌ، أَنْ يُغَسِّلَ الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ الْمَيِّتَ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ.
وَقَالَ إِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: يُغَسِّلُهُ الْجُنُبُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُؤْمِنُ لَيْسَ بِنَجَسٍ» . وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ

اخْتِلَافًا فِي صِحَّةِ تَغْسِيلِهِمَا وَتَغْمِيضِهِمَا لَهُ، وَلَكِنْ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْمُتَوَلِّي لِأُمُورِهِ، فِي تَغْمِيضِهِ وَتَغْسِيلِهِ، طَاهِرًا لِأَنَّهُ أَكْمَلُ وَأَحْسَنُ

[فَصْلٌ الْمُسَارَعَة إلَى تَجْهِيزه إذَا تَيَقُّن مَوْته]

(1495) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ الْمُسَارَعَةُ إلَى تَجْهِيزِهِ إذَا تُيُقِّنَ مَوْتُهُ؛ لِأَنَّهُ أَصْوَبُ لَهُ، وَأَحْفَظُ مِنْ أَنْ يَتَغَيَّرَ، وَتَصْعُبَ مُعَافَاتُهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: كَرَامَةُ الْمَيِّتِ تَعْجِيلُهُ.
وَفِيمَا رَوَى أَبُو دَاوُد، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنِّي لَأُرَى طَلْحَةَ قَدْ حَدَثَ فِيهِ الْمَوْتُ، فَآذِنُونِي بِهِ، وَعَجِّلُوا فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ» . وَلَا بَأْسَ أَنْ يُنْتَظَرَ بِهَا مِقْدَارُ مَا يَجْتَمِعُ لَهَا جَمَاعَةٌ؛ لِمَا يُؤَمَّلُ مِنْ الدُّعَاءِ لَهُ إذَا صُلِّيَ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ، أَوْ يَشُقَّ عَلَى النَّاسِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَإِنْ اشْتَبَهَ أَمْرُ الْمَيِّتِ، اُعْتُبِرَ بِظُهُورِ أَمَارَاتِ الْمَوْتِ، مِنْ اسْتِرْخَاءِ رِجْلَيْهِ، وَانْفِصَالِ كَفَّيْهِ، وَمَيْلِ أَنْفِهِ، وَامْتِدَادِ جِلْدَةِ وَجْهِهِ، وَانْخِسَافِ صُدْغَيْهِ.
وَإِنْ مَاتَ فَجْأَةً كَالْمَصْعُوقِ، أَوْ خَائِفًا مِنْ حَرْبٍ أَوْ سَبُعٍ، أَوْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ، اُنْتُظِرَ بِهِ هَذِهِ الْعَلَامَاتُ، حَتَّى يُتَيَقَّنَ مَوْتُهُ.
قَالَ الْحَسَنُ فِي الْمَصْعُوقِ: يُنْتَظَرُ بِهِ ثَلَاثًا.
قَالَ أَحْمَدُ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنَّهُ رُبَّمَا تَغَيَّرَ فِي الصَّيْفِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.
قِيلَ: فَكَيْفَ تَقُولُ؟ قَالَ: يُتْرَكُ بِقَدْرِ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ مَيِّتٌ.
قِيلَ لَهُ: مِنْ غَدْوَةٍ إلَى اللَّيْلِ.
قَالَ: نَعَمْ.

[فَصْل يُسَارَعُ فِي قَضَاءِ دَيْنِ الْمَيِّتِ]

(1496) فَصْلٌ: وَيُسَارَعُ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَإِنْ تَعَذَّرَ إيفَاءُ دَيْنِهِ فِي الْحَالِ، اُسْتُحِبَّ لِوَارِثِهِ أَوْ غَيْرِهِ أَنْ يَتَكَفَّلَ بِهِ عَنْهُ، كَمَا فَعَلَ أَبُو قَتَادَةَ لَمَّا أُتِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِجِنَازَةٍ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهَا، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: صَلِّ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَعَلَيَّ دَيْنُهُ.
فَصَلَّى عَلَيْهِ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَيُسْتَحَبُّ الْمُسَارَعَةُ إلَى تَفْرِيقِ وَصِيَّتِهِ؛ لِيُعَجَّلَ لَهُ ثَوَابُهَا بِجَرَيَانِهَا عَلَى الْمُوصَى لَهُ.

[فَصْلٌ خَلَعَ ثِيَاب الْمَيِّت]

(1497) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ خَلْعُ ثِيَابِ الْمَيِّتِ؛ لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ يَفْسُدُ بِهِ، وَيَتَلَوَّثُ بِهَا، إذَا نُزِعَتْ عَنْهُ، وَيُسَجَّى بِثَوْبٍ يَسْتُرُ جَمِيعَهُ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: سُجِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِثَوْبٍ حِبَرَةٍ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلَا يُتْرَكُ الْمَيِّتُ عَلَى الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ أَسْرَعُ لِفَسَادِهِ، وَلَكِنْ عَلَى سَرِيرٍ أَوْ لَوْحٍ، لِيَكُونَ أَحْفَظَ لَهُ.

[مَسْأَلَةٌ تَجْرِيد الْمَيِّت عِنْدَ غَسْلِهِ وَسِتْر عَوْرَته بِمِئْزَرِ]

(1498) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (فَإِذَا أَخَذَ فِي غُسْلِهِ سَتَرَ مِنْ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتَيْهِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ تَجْرِيدُ الْمَيِّتِ عِنْدَ غُسْلِهِ، وَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ بِمِئْزَرٍ.
هَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ عَنْ أَحْمَدَ فَقَالَ: يُغَطِّي مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتَيْهِ.
وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ سِيرِينَ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَرَوَى الْمَرُّوذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: يُعْجِبُنِي أَنْ يُغَسِّلَ الْمَيِّتَ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ يُدْخِلُ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الثَّوْبِ.
قَالَ: وَكَانَ أَبُو قِلَابَةَ إذَا غَسَّلَ مَيِّتًا جَلَّلَهُ بِثَوْبٍ.
قَالَ الْقَاضِي: السُّنَّةُ أَنْ يُغَسَّلَ فِي قَمِيصٍ رَقِيقٍ يَنْزِلُ الْمَاءُ فِيهِ، وَلَا يَمْنَعُ أَنْ يَصِلَ إلَى بَدَنِهِ، وَيُدْخِلُ يَدَهُ فِي كُمِّ الْقَمِيصِ، فَيُمِرُّهَا عَلَى بَدَنِهِ وَالْمَاءُ يُصَبُّ، فَإِنْ كَانَ الْقَمِيصُ ضَيِّقًا فَتَقَ رَأْسَ الدَّخَارِيصِ، وَأَدْخَلَ يَدَهُ مِنْهُ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُسِّلَ فِي قَمِيصِهِ.
وَقَالَ سَعْدٌ اصْنَعُوا بِي كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ أَحْمَدُ غُسِّلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَمِيصِهِ، وَقَدْ أَرَادُوا خَلْعَهُ، فَنُودُوا، أَنْ لَا تَخْلَعُوهُ، وَاسْتُرُوا نَبِيَّكُمْ.
وَلَنَا، أَنَّ تَجْرِيدَهُ أَمْكَنُ لِتَغْسِيلِهِ، وَأَبْلَغُ فِي تَطْهِيرِهِ، وَالْحَيُّ يَتَجَرَّدُ إذَا اغْتَسَلَ، فَكَذَا الْمَيِّتُ، وَلِأَنَّهُ إذَا غُسِّلَ فِي ثَوْبِهِ تَنَجَّسَ الثَّوْبُ بِمَا يَخْرُجُ، وَقَدْ لَا يَطْهُرُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ، فَيَتَنَجَّسَ الْمَيِّتُ بِهِ.
فَأَمَّا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَاكَ خَاصٌّ لَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَالُوا: نُجَرِّدُهُ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا.
كَذَلِكَ رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرّ: رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهَا مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ.
فَالظَّاهِرُ أَنَّ تَجْرِيدَ الْمَيِّتِ فِيمَا عَدَا الْعَوْرَةَ كَانَ مَشْهُورًا عِنْدَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا لِيَخْفَى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ بِأَمْرِهِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْتَهُونَ إلَى رَأْيِهِ، وَيَصْدُرُونَ عَنْ أَمْرِهِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ، وَاتِّبَاعُ أَمْرِهِ وَفِعْلِهِ أَوْلَى مِنْ اتِّبَاعِ غَيْرِهِ.
وَلِأَنَّ مَا يُخْشَى مِنْ تَنْجِيسِ قَمِيصِهِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ كَانَ مَأْمُونًا فِي حَقِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّهُ طَيِّبٌ حَيًّا وَمَيِّتًا، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ سَعْدٌ الْحَدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصُبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَرَادَ الْغُسْلَ فَأَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ.
وَأَمَّا سَتْرُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، فَإِنَّ ذَلِكَ عَوْرَةٌ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ مَأْمُورٌ بِهِ، وَقَدْ «قَالَ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَلِيٍّ: لَا تَنْظُرْ إلَى فَخِذِ حَيٍّ، وَلَا مَيِّتٍ» . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَرُوِيَ: " النَّاظِرُ مِنْ الرِّجَالِ إلَى فُرُوجِ الرِّجَالِ، كَالنَّاظِرِ مِنْهُمْ إلَى فُرُوجِ النِّسَاءِ، وَالْمُتَكَشِّفُ مَلْعُونٌ ".

(1499) فَصْلٌ: قَالَ أَبُو دَاوُد: قُلْت لِأَحْمَدَ الصَّبِيُّ يُسْتَرُ كَمَا يُسْتَرُ الْكَبِيرُ، أَعْنِي الصَّبِيَّ الْمَيِّتَ فِي الْغُسْلِ.
قَالَ: أَيُّ شَيْءٍ يُسْتَرُ مِنْهُ، وَلَيْسَتْ عَوْرَتُهُ بِعَوْرَةٍ وَيُغَسِّلُهُ النِّسَاءُ؟

[مَسْأَلَةٌ يُسْتَحَبّ أَنْ يَغْسِل الْمَيِّت فِي بَيْت وَلَا يُحَضِّرهُ إلَّا مِنْ يُعِين فِي أَمَرَهُ]

(1500) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَالِاسْتِحْبَابُ أَنْ لَا يُغَسَّلَ تَحْتَ السَّمَاءِ، وَلَا يَحْضُرُهُ إلَّا مَنْ يُعِينُ فِي أَمْرِهِ، مَا دَامَ يُغَسَّلُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُغَسَّلَ فِي بَيْتٍ.
وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَكُونَ الْبَيْتُ الَّذِي يُغَسَّلُ فِيهِ مُظْلِمًا.
وَذَكَرَهُ أَحْمَدُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُعِلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ سِتْرًا.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ كَانَ النَّخَعِيُّ يُحِبُّ أَنْ يُغَسَّلَ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ سُتْرَةٌ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ؛ قَالَ: أَوْصَى الضَّحَّاكُ أَخَاهُ سَالِمًا، قَالَ: إذَا غَسَّلْتنِي فَاجْعَلْ حَوْلِي سِتْرًا، وَاجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنَ السَّمَاءِ سِتْرًا.
وَذَكَرَ الْقَاضِي، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: «أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ نُغَسِّلُ ابْنَتَهُ، فَجَعَلْنَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّقْفِ سِتْرًا» . قَالَ: وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ السَّمَاءَ بِعَوْرَتِهِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ أَنْ يَحْضُرَهُ مَنْ لَا يُعِينُ فِي أَمْرِهِ، لِأَنَّهُ يُكْرَهُ النَّظَرُ إلَى الْمَيِّتِ إلَّا لِحَاجَةٍ.
وَيُسْتَحَبُّ لِلْحَاضِرِينَ غَضُّ أَبْصَارِهِمْ عَنْهُ، إلَّا مِنْ حَاجَةٍ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ بِالْمَيِّتِ عَيْبٌ يَكْتُمُهُ، وَيَكْرَهُ أَنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَرُبَّمَا حَدَثَ مِنْهُ أَمْرٌ يَكْرَهُ الْحَيُّ أَنْ يُطَّلَعَ مِنْهُ عَلَى مِثْلِهِ، وَرُبَّمَا ظَهَرَ فِيهِ شَيْءٌ هُوَ فِي الظَّاهِرِ مُنْكَرٌ فَيُحَدَّثُ بِهِ، فَيَكُونُ فَضِيحَةً لَهُ، وَرُبَّمَا بَدَتْ عَوْرَتُهُ فَشَاهَدَهَا، وَلِهَذَا أَحْبَبْنَا أَنْ يَكُونَ الْغَاسِلُ ثِقَةً أَمِينًا صَالِحًا؛ لِيَسْتُرَ مَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ، وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لِيُغَسِّلْ مَوْتَاكُمْ الْمَأْمُونُونَ.» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَرُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا، ثُمَّ لَمْ يُفْشِ عَلَيْهِ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ.» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا.
وَفِي " الْمُسْنَدِ " عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا، فَأَدَّى فِيهِ الْأَمَانَةَ، وَلَمْ يُفْشِ عَلَيْهِ مَا يَكُونُ مِنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» . وَقَالَ: «لِيَلِهِ أَقْرَبُكُمْ مِنْهُ إنْ كَانَ يَعْلَمُ، فَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ فَمَنْ تَرَوْنَ أَنَّ عِنْدَهُ حَظًّا مِنْ وَرَعٍ وَأَمَانَةٍ» . وَقَالَ الْقَاضِي: لِوَلِيِّهِ أَنْ يَدْخُلَ كَيْفَ شَاءَ.
وَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ عَامٌّ فِي الْمَنْعِ، وَلَعَلَّهُ يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ يَنْبَغِي لِلْغَاسِلِ وَلِمَنْ حَضَرَ إذَا رَأَى مِنْ الْمَيِّت شَيْئًا التَّحَدُّث بِهِ]

(1501) فَصْلٌ: وَيَنْبَغِي لِلْغَاسِلِ، وَلِمَنْ حَضَرَ، إذَا رَأَى مِنْ الْمَيِّتِ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَمِمَّا يُحِبُّ الْمَيِّتُ سَتْرَهُ، أَنْ يَسْتُرَهُ، وَلَا يُحَدِّثَ بِهِ؛ لِمَا رَوَيْنَاهُ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ مُسْلِمٍ، سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» . وَإِنْ رَأَى حَسَنًا مِثْلَ أَمَارَاتِ الْخَيْرِ، مِنْ وَضَاءَةِ الْوَجْهِ، وَالتَّبَسُّمِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، اُسْتُحِبَّ إظْهَارُهُ، لِيَكْثُرَ التَّرَحُّمُ عَلَيْهِ، وَيَحْصُلَ الْحَثُّ عَلَى مِثْلِ طَرِيقَتِهِ، وَالتَّشَبُّهُ بِجَمِيلِ سِيرَتِهِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ مَغْمُوصًا عَلَيْهِ فِي الدِّينِ وَالسُّنَّةِ، مَشْهُورًا بِبِدْعَتِهِ، فَلَا بَأْسَ بِإِظْهَارِ الشَّرِّ عَلَيْهِ، لِتُحْذَرَ طَرِيقَتُهُ.
وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكْتُمَ مَا يَرَى عَلَيْهِ مِنْ أَمَارَاتِ الْخَيْرِ؛ لِئَلَّا يَغْتَرَّ مُغْتَرٌّ بِذَلِكَ، فَيَقْتَدِيَ بِهِ فِي بِدْعَتِهِ.
(1502) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَتُلَيَّنُ مَفَاصِلُهُ إنْ سَهُلَتْ عَلَيْهِ، وَإِلَّا تَرَكَهَا) مَعْنَى تَلْيِينِ الْمَفَاصِل هُوَ أَنْ يَرُدَّ ذِرَاعَيْهِ إلَى عَضُدَيْهِ، وَعَضُدَيْهِ إلَى جَنْبَيْهِ، ثُمَّ يَرُدَّهُمَا، وَيَرُدّ سَاقَيْهِ إلَى فَخِذَيْهِ، وَفَخِذَيْهِ، إلَى بَطْنِهِ، ثُمَّ يَرُدُّهَا، لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْقَى لِلِينِهِ، فَيَكُون ذَلِكَ أَمْكَنَ لِلْغَاسِلِ، مِنْ تَكْفِينِهِ، وَتَمْدِيدِهِ، وَخَلْعِ ثِيَابِهِ، وَتَغْسِيلِهِ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ، عَقِيبَ مَوْتِهِ قَبْلَ قَسْوَتِهَا بِبُرُودَتِهِ، وَإِذَا أَخَذَ فِي غُسْلِهِ.
وَإِنْ شَقَّ ذَلِكَ لِقَسْوَةِ الْمَيِّتِ أَوْ غَيْرِهَا، تَرَكَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ تَنْكَسِرَ أَعْضَاؤُهُ، وَيَصِيرَ بِهِ ذَلِكَ إلَى الْمُثْلَةِ.

[مَسْأَلَةٌ كَيْفِيَّة غَسَلَ الْمَيِّت]

(1503) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ (وَيَلُفُّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً، فَيُنَقِّي مَا بِهِ مِنْ نَجَاسَةٍ، وَيَعْصِرُ بَطْنَهُ عَصْرًا رَفِيقًا) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُغَسَّلَ الْمَيِّتُ عَلَى سَرِيرٍ، يُتْرَكُ عَلَيْهِ مُتَوَجِّهًا إلَى الْقِبْلَةِ مُنْحَدِرًا نَحْوَ رِجْلَيْهِ، لِيَنْحَدِرَ الْمَاءُ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ، وَلَا يَرْجِعَ إلَى جِهَةِ رَأْسِهِ، وَيَبْدَأُ الْغَاسِلُ، فَيَحْنِي الْمَيِّتَ حَنْيًا رَفِيقًا، لَا يَبْلُغُ بِهِ قَرِيبًا مِنْ الْجُلُوسِ، لِأَنَّ فِي الْجُلُوسِ أَذِيَّةً لَهُ، ثُمَّ يُمِرُّ يَدَهُ عَلَى بَطْنِهِ، يَعْصِرُهُ عَصْرًا رَفِيقًا؛ لِيُخْرِج مَا مَعَهُ مِنْ نَجَاسَةٍ، لِئَلَّا يَخْرُجَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ حِينَ يُمِرُّ يَدَهُ صَبًّا كَثِيرًا، لِيُخْفِيَ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ، وَيَذْهَبُ بِهِ الْمَاءُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِهِ مِجْمَرٌ فِيهِ بَخُورٌ حَتَّى لَا يَظْهَرَ مِنْهُ رِيحٌ.
وَقَالَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا يَعْصِرُ بَطْنَ الْمَيِّتِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، وَلَكِنْ فِي الثَّانِيَةِ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: يَعْصِرُ بَطْنَهُ فِي الثَّالِثَةِ، يَمْسَحُ مَسْحًا رَفِيقًا مَرَّةً وَاحِدَةً.
وَقَالَ أَيْضًا: عَصْرُ بَطْنِ الْمَيِّتِ فِي الثَّانِيَةِ أَمْكَنُ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَلِينُ حَتَّى يُصِيبَهُ الْمَاءُ.
وَيَلُفُّ الْغَاسِلُ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً خَشِنَةً، فَيُنْجِيهِ بِهَا؛ لِئَلَّا يَمَسَّ عَوْرَتَهُ، لِأَنَّ النَّظَرَ إلَى الْعَوْرَةِ حَرَامٌ، فَاللَّمْسُ أَوْلَى، وَيُزِيلُ مَا عَلَى بَدَنِهِ مِنْ نَجَاسَةٍ؛ لِأَنَّ الْحَيَّ يَبْدَأُ بِذَلِكَ فِي اغْتِسَالِهِ مِنْ الْجَنَابَةِ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَمَسَّ بَقِيَّةَ بَدَنِهِ إلَّا بِخِرْقَةٍ.
قَالَ الْقَاضِي: يُعِدُّ الْغَاسِلُ خِرْقَتَيْنِ، يَغْسِلُ بِإِحْدَاهُمَا

السَّبِيلَيْنِ، وَبِالْأُخْرَى سَائِرَ بَدَنِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ امْرَأَةً حَامِلًا لَمْ يَعْصِرْ بَطْنَهَا، لِئَلَّا يُؤْذِيَ الْوَلَدَ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الْخَلَّالُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا تُوُفِّيَتْ الْمَرْأَةُ، فَأَرَادُوا غَسْلَهَا، فَلْيَبْدَأْ بِبَطْنِهَا، فَلْيَمْسَحْ مَسْحًا رَفِيقًا إنْ لَمْ تَكُنْ حُبْلَى، فَإِنْ كَانَتْ حُبْلَى فَلَا يُحَرِّكْهَا.»

[مَسْأَلَةٌ يُوَضِّئ الْمَيِّت وُضُوءُهُ لِلصَّلَاةِ وَلَا يَدْخُل الْمَاء فِي فِيهِ وَلَا فِي أَنْفه]

(1504) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيُوَضِّئُهُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، وَلَا يُدْخِلُ الْمَاءَ فِي فِيهِ، وَلَا فِي أَنْفِهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمَا أَذَى أَزَالَهُ بِخِرْقَةِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَنْجَاهُ، وَأَزَالَ عَنْهُ النَّجَاسَةَ، بَدَأَ بَعْدَ ذَلِكَ فَوَضَّأَهُ وُضُوءَ الصَّلَاةِ، فَيَغْسِلُ كَفَّيْهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ خِرْقَةً خَشِنَةً فَيَبُلُّهَا وَيَجْعَلُهَا عَلَى أُصْبُعِهِ، فَيَمْسَحُ أَسْنَانَهُ وَأَنْفَهُ، حَتَّى يُنَظِّفَهُمَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي رِفْقٍ، ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ، وَيُتِمُّ وُضُوءَهُ، لِأَنَّ الْوُضُوءَ يُبْدَأُ بِهِ فِي غُسْلِ الْحَيِّ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلنِّسَاءِ اللَّاتِي غَسَّلْنَ ابْنَتَهُ: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ: «فَإِذَا فَرَغْتِ مِنْ غَسْلِ سُفْلَتِهَا غَسْلًا نَقِيًّا بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، فَوَضِّئِيهَا وُضُوءَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ اغْسِلِيهَا» وَلَا يُدْخِلُ الْمَاءَ فَاهُ، وَلَا مَنْخَرَيْهِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
كَذَلِكَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُمَضْمِضُهُ وَيُنَشِّقُهُ كَمَا يَفْعَلُ الْحَيُّ.
وَلَنَا، أَنَّ إدْخَالَ الْمَاءِ فَاهُ وَأَنْفَهُ لَا يُؤْمَنُ مَعَهُ وُصُولُهُ إلَى جَوْفِهِ، فَيُفْضِي إلَى الْمُثْلَةِ بِهِ، وَلَا يُؤْمَنُ خُرُوجُهُ فِي أَكْفَانِهِ.

[مَسْأَلَةٌ يَبْدَأ فِي غَسَلَ الْمَيِّت بِمَيَامِنِهِ وَيُقَلِّبهُ عَلَى جَنْبَيْهِ لِيَعُمّ الْمَاء سَائِر جِسْمه]

(1505) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ، فَيَبْدَأُ بِمَيَامِنِهِ، وَيَقْلِبُهُ عَلَى جَنْبَيْهِ، لِيَعُمَّ الْمَاءُ سَائِرَ جِسْمِهِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا وَضَّأَهُ بَدَأَ بِغَسْلِ رَأْسِهِ، ثُمَّ لِحْيَتِهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
فَيَضْرِبُ السِّدْرَ فَيَغْسِلُهُمَا بِرَغْوَتِهِ، وَيَغْسِلُ وَجْهَهُ، وَيَغْسِلُ الْيَدَ الْيُمْنَى مِنْ الْمَنْكِبِ إلَى الْكَفَّيْنِ وَصَفْحَةَ عُنُقِهِ الْيُمْنَى، وَشِقَّ صَدْرِهِ وَجَنْبَيْهِ وَفَخِذَهُ وَسَاقَهُ، يَغْسِلُ الظَّاهِرَ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ مُسْتَلْقٍ، ثُمَّ يَصْنَعُ ذَلِكَ بِالْجَانِبِ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ يَرْفَعُهُ مِنْ جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ، وَلَا يَكُبُّهُ لِوَجْهِهِ، فَيَغْسِلُ الظَّهْرَ وَمَا هُنَاكَ مِنْ وَرِكِهِ وَفَخِذِهِ وَسَاقِهِ، ثُمَّ يَعُودُ فَيُحَرِّفهُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ، وَيَغْسِلُ شِقَّهُ الْأَيْسَرَ كَذَلِكَ.
هَكَذَا ذَكَرَهُ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالْقَاضِي.
وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى مُوَافَقَةِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا» . وَهُوَ أَشْبَهُ بِغُسْلِ الْحَيِّ.

[مَسْأَلَةٌ الْمَيِّت يَغْسِل بِمَاءِ وَسِدْر]

(1506) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيَكُونُ فِي كُلِّ الْمِيَاهِ شَيْءٌ مِنْ السِّدْرِ، وَيَضْرِبُ السِّدْرَ فَيَغْسِلُ بِرَغْوَتِهِ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ) . هَذَا الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ صَالِحٌ: قَالَ أَبِي: الْمَيِّتُ يُغَسَّلُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، ثَلَاثَ غَسَلَاتٍ، قُلْت: فَيَبْقَى عَلَيْهِ؟ قَالَ: أَيُّ شَيْءٍ يَكُونُ هُوَ أَنْقَى لَهُ.
وَذُكِرَ عَنْ عَطَاءٍ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ قَالَ لَهُ: إنَّهُ يَبْقَى عَلَيْهِ السِّدْرُ إذَا غُسِّلَ بِهِ كُلَّ مَرَّةٍ.
فَقَالَ عَطَاءٌ: هُوَ طَهُورٌ.
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَحْمَدَ، قَالَ: قُلْت، يَعْنِي لِأَحْمَدَ: أَفَلَا تَصُبُّونَ مَاءً قَرَاحًا يُنَظِّفُهُ؟ قَالَ: إنْ صَبُّوا فَلَا بَأْسَ.
وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ «، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ قَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إنْ رَأَيْتُنَّ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ: «ثُمَّ اغْسِلِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ.» وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ، إلَى أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ مَعَ الْمَاءِ سِدْرًا يُغَيِّرُهُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُطْرَحُ فِي كُلِّ الْمِيَاهِ شَيْءٌ يَسِيرٌ مِنْ السِّدْرِ لَا يُغَيِّرُهُ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ، وَيَكُونَ الْمَاءُ بَاقِيًا عَلَى طَهُورِيَّته.
وَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ: يُغَسَّلُ أَوَّلَ مَرَّةٍ بِالسِّدْرِ، ثُمَّ يُغَسَّلُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ، فَيَكُونُ الْجَمِيعُ غَسْلَةً وَاحِدَةً، وَيَكُونُ الِاعْتِدَادُ بِالْآخِرِ دُونَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، شَبَّهَ غُسْلَهُ بِغُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَلِأَنَّ السِّدْرَ إنْ غَيَّرَ الْمَاءَ سَلَبَهُ وَصْفَ الطَّهُورِيَّة، وَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْهُ فَلَا فَائِدَةَ فِي تَرْكِ يَسِيرٍ لَا يُؤَثِّرُ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ الْأَوَّلُ.
وَيَكُونُ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ دَالًّا عَلَى أَنَّ تَغَيُّرَ الْمَاءِ بِالسِّدْرِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ طَهُورِيَّته.
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَتَّخِذُ الْغَاسِلُ ثَلَاثَةَ أَوَانٍ؛ آنِيَةً كَبِيرَةً يَجْمَعُ فِيهَا الْمَاءَ الَّذِي يُغَسِّلُ بِهِ الْمَيِّتَ يَكُونُ بِالْبُعْدِ مِنْهُ، وَإِنَاءَيْنِ صَغِيرَيْنِ يَطْرَحُ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الْمَيِّتِ، وَالثَّالِثَ يَغْرِفُ بِهِ مِنْ الْكَبِيرِ فِي الصَّغِيرِ الَّذِي يُغَسِّلُ بِهِ الْمَيِّتَ، لِيَكُونَ الْكَبِيرُ مَصُونًا، فَإِذَا فَسَدَ الْمَاءُ الَّذِي فِي الصَّغِيرِ، وَطَارَ فِيهِ مِنْ رَشَّاش الْمَاءِ، كَانَ مَا بَقِيَ فِي الْكَبِيرِ كَافِيًا، وَيَضْرِبُ السِّدْرَ، فَيَغْسِلُ بِرَغْوَتِهِ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ، وَيُبْلِغُهُ سَائِرَ بَدَنِهِ، كَمَا يَفْعَلُ الْحَيُّ إذَا اغْتَسَلَ.
(1507) فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ السِّدْرَ غَسَّلَهُ بِمَا يَقُومُ مَقَامَهُ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ، كَالْخَطْمِيِّ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ مِنْهُ، وَإِنْ غَسَّلَهُ بِذَلِكَ مَعَ وُجُودِ السِّدْرِ جَازَ، لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِهَذَا لِمَعْنًى مَعْقُولٍ، وَهُوَ التَّنْظِيفُ، فَيَتَعَدَّى إلَى كُلِّ مَا وُجِدَ فِيهِ الْمَعْنَى.

[مَسْأَلَةٌ الرِّفْق بِالْمَيِّتِ فِي تَقْلِيبه وَعْرك أَعْضَائِهِ]

(1508) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيَسْتَعْمِلُ فِي كُلِّ أُمُورِهِ الرِّفْقَ بِهِ) وَيُسْتَحَبُّ الرِّفْقُ بِالْمَيِّتِ فِي تَقْلِيبِهِ، وَعَرْكِ أَعْضَائِهِ، وَعَصْرِ بَطْنِهِ، وَتَلْيِينِ مَفَاصِلِهِ، وَسَائِرِ أُمُورِهِ، احْتِرَامًا لَهُ؛ فَإِنَّهُ مُشَبَّهٌ بِالْحَيِّ فِي حُرْمَتِهِ، وَلَا يَأْمَنُ إنْ عَنُفَ بِهِ أَنْ يَنْفَصِلَ مِنْهُ عُضْوٌ، فَيَكُونَ مُثْلَةً بِهِ، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ» . وَقَالَ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ» .

[مَسْأَلَةٌ الْمَاء الْحَارّ وَالْأُشْنَان وَالْخِلَال يَسْتَعْمِل إنَّ اُحْتِيجَ إلَيْهِ فِي غَسَلَ الْمَيِّت]

(1509) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ (وَالْمَاءُ الْحَارُّ وَالْأُشْنَانُ، وَالْخِلَالُ، يُسْتَعْمَلُ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ) هَذِهِ الثَّلَاثَةُ تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا، مِثْلُ أَنْ يُحْتَاجَ إلَى الْمَاءِ الْحَارِّ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ، أَوْ لَوَسَخٍ لَا يَزُولُ إلَّا بِهِ، وَكَذَا الْأُشْنَانُ يُسْتَعْمَلُ إذَا كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ وَسَخٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا طَالَ ضَنَى الْمَرِيضِ غُسِّلَ بِالْأُشْنَانِ.
يَعْنِي أَنَّهُ يَكْثُرُ وَسَخُهُ، فَيَحْتَاجُ إلَى الْأُشْنَانِ لِيُزِيلَهُ.
وَالْخِلَالُ: يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِإِخْرَاجِ شَيْءٍ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَجَرَةٍ لَيِّنَةٍ كَالصَّفْصَافِ وَنَحْوِهِ، مِمَّا يُنَقِّي وَلَا يَجْرَحُ، وَإِنْ لَفَّ عَلَى رَأْسِهِ قُطْنًا، فَحَسَنٌ.
وَيَتَتَبَّعُ مَا تَحْتَ أَظْفَارِهِ حَتَّى يُنَقِّيَهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُسْتَحَبَّ اسْتِعْمَالُهُ.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْمُسَخَّنُ أَوْلَى بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ يُنَقِّي مَا لَا يُنَقِّي الْبَارِدُ.
وَلَنَا، أَنَّ الْبَارِدَ يُمْسِكُهُ وَالْمُسَخَّنَ يُرْخِيهِ، وَلِهَذَا يُطْرَحُ الْكَافُورُ فِي الْمَاءِ لِيَشُدَّهُ وَيُبَرِّدَهُ، وَالْإِنْقَاءُ يَحْصُلُ بِالسِّدْرِ إذَا لَمْ يَكْثُرْ وَسَخُهُ، فَإِنْ كَثُرَ وَلَمْ يَزُلْ إلَّا بِالْحَارِّ صَارَ مُسْتَحَبًّا.

[مَسْأَلَةٌ يَغْسِل الْمَيِّت الْمَرَّة الثَّالِثَة بِمَاءِ فِيهِ كَافُور وَسِدْر]

(1510) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيُغَسَّلُ الثَّالِثَةَ بِمَاءٍ فِيهِ كَافُورٌ وَسِدْرٌ، وَلَا يَكُونُ فِيهِ سِدْرٌ صِحَاحٌ) الْوَاجِبُ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ غُسْلٌ وَاجِبٌ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ أَصَابَتْهُ، فَكَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً، كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُغَسَّلَ ثَلَاثًا، كُلُّ غَسْلَةٍ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ، عَلَى مَا وَصَفْنَا، وَيُجْعَلَ فِي الْمَاءِ كَافُورٌ فِي الْغَسْلَةِ الثَّالِثَةِ؛ لِيَشُدَّهُ وَيُبَرِّدَهُ وَيُطَيِّبَهُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلنِّسَاءِ اللَّاتِي غَسَّلْنَ ابْنَتَهُ: «اغْسِلْنَهَا بِالسِّدْرِ وِتْرًا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيْتُنَّ، وَاجْعَلْنَ فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ كَافُورًا» . وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ: «فَإِذَا كَانَ فِي آخِرِ غَسْلَةٍ مِنْ الثَّالِثَةِ أَوْ غَيْرِهَا، فَاجْعَلِي مَاءً فِيهِ شَيْءٌ مِنْ كَافُورٍ، وَشَيْءٌ مِنْ سِدْرٍ، ثُمَّ اجْعَلِي ذَلِكَ فِي جَرَّةٍ جَدِيدَةٍ، ثُمَّ أَفْرِغِيهِ عَلَيْهَا، وَابْدَئِي بِرَأْسِهَا حَتَّى يَبْلُغَ رِجْلَيْهَا» . وَلَا يُجْعَلُ فِي الْمَاءِ سِدْرٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، لِأَنَّ السِّدْرَ إنَّمَا أُمِرَ بِهِ

لِلتَّنْظِيفِ، وَالْمُعَدُّ لِلتَّنْظِيفِ إنَّمَا هُوَ الْمَطْحُونُ، وَلِهَذَا لَا يَسْتَعْمِلُهُ الْمُغْتَسِلُ بِهِ مِنْ الْأَحْيَاءِ إلَّا كَذَلِكَ.
قَالَ أَبُو دَاوُد: قُلْت لِأَحْمَدَ إنَّهُمْ يَأْتُونَ بِسَبْعِ وَرَقَاتٍ مِنْ سِدْرٍ، فَيُلْقُونَهَا فِي الْمَاءِ فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ.
فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُعْجِبْهُ، وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْغَسْلَةِ الثَّالِثَةِ لَمْ يُمِرَّ يَدَهُ عَلَى بَطْنِ الْمَيِّتِ، لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَيَقَعَ فِي أَكْفَانِهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: وَيُوَضَّأُ الْمَيِّتُ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْغَسْلَةِ الْأُولَى.
وَمَا سَمِعْنَا إلَّا أَنَّهُ يُوَضَّأُ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَمَتَى خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ، أَعَادَ وُضُوءَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مِنْ الْحَيِّ وَيُوجِبُهُ، وَإِنْ رَأَى الْغَاسِلُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى ثَلَاثٍ، لِكَوْنِهِ لَمْ يُنَقَّ بِهَا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، غَسَلَهُ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا، وَلَمْ يَقْطَعْ إلَّا عَلَى وِتْرٍ.
قَالَ أَحْمَدُ وَلَا يُزَادُ عَلَى سَبْعٍ وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا» لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ وَجَعَلَ جَمِيعَ مَا أَمَرَ بِهِ وَتْرًا وَقَالَ أَيْضًا: " اغْسِلْنَهَا وِتْرًا " وَإِنْ لَمْ يُنَقَّ بِسَبْعٍ فَالْأَوْلَى غَسْلُهُ حَتَّى يُنَقَّى، وَلَا يُقْطَعُ إلَّا عَلَى وَتْرٍ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيْتُنَّ ". وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ إنَّمَا كَانَتْ لِلْإِنْقَاءِ، وَلِلْحَاجَةِ إلَيْهَا، فَكَذَلِكَ فِيمَا بَعْدَ السَّبْعِ.
وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ يَزِيدُ عَلَى سَبْعٍ.

[مَسْأَلَةٌ خَرَجَتْ نَجَاسَة مِنْ قَبْل الْمَيِّت أَوْ دُبْره وَهُوَ عَلَى مُغْتَسَله بَعْد الثَّلَاث]

(1511) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: " فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ غَسَلَهُ إلَى خَمْسٍ، فَإِنْ زَادَ فَإِلَى سَبْعٍ " يَعْنِي إنْ خَرَجَتْ نَجَاسَةٌ مِنْ قُبُلِهِ أَوْ دُبُرِهِ، وَهُوَ عَلَى مُغْتَسَلِهِ بَعْدَ الثَّلَاثِ، غَسَلَهُ إلَى خَمْسٍ، فَإِنْ خَرَجَ بَعْدَ الْخَامِسَةِ، غَسَلَهُ إلَى سَبْعٍ وَيُوَضِّئُهُ فِي الْغَسْلَةِ الَّتِي تَلِي خُرُوجَ النَّجَاسَةِ.
قَالَ صَالِحٌ: قَالَ أَبِي: يُوَضَّأُ الْمَيِّتُ مَرَّةً وَاحِدَةً، إلَّا أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ، فَيُعَادُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ، وَيَغْسِلُهُ إلَى سَبْعٍ.
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ، وَإِسْحَاقَ.
وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ يَغْسِلُ مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ، وَيُوَضَّأُ، وَلَا يَجِبُ إعَادَةُ غُسْلِهِ.
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ مِنْ الْحَيِّ بَعْدَ غُسْلِهِ لَا يُبْطِلُهُ، فَكَذَلِكَ الْمَيِّتُ.
وَعَنْ الشَّافِعِيَّ كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْقَصْدَ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ أَنْ يَكُونَ خَاتِمَةُ أَمْرِهِ الطَّهَارَةَ الْكَامِلَةَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَوْتَ جَرَى مَجْرَى زَوَالِ الْعَقْلِ فِي حَقِّ الْحَيِّ، وَقَدْ أُوجِبَ الْغُسْلُ فِي حَقِّ الْحَيِّ، فَكَذَلِكَ هَذَا، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا، إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» . (1512) فَصْلٌ: وَإِنْ خَرَجَتْ مِنْهُ نَجَاسَةٌ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ.
فَقَالَ أَحْمَدُ فِيمَا رَوَى أَبُو دَاوُد: الدَّمُ أَسْهَلُ مِنْ الْحَدَثِ.
وَمَعْنَاهُ أَنَّ الدَّمَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَنْفِهِ أَسْهَلُ مِنْ الْحَدَثِ فِي أَنْ لَا يُعَادَ لَهُ الْغُسْلُ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ بِالِاتِّفَاقِ، وَيُسَوَّى بَيْنَ كَثِيرِهِ وَقَلِيلِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْغُسْلَ لَا يُعَادُ مِنْ يَسِيرِهِ، كَمَا لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، بِخِلَافِ الْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ.

[مَسْأَلَةٌ إذَا خَرَجَتْ مِنْ الْمَيِّت نَجَاسَة بَعْد السَّبْع لَمْ يَعُدْ إلَى الْغُسْل]

(1513) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (فَإِنْ زَادَ حَشَاهُ بِالْقُطْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ فَبِالطِّينِ الْحُرِّ) . وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا خَرَجَتْ مِنْهُ نَجَاسَةٌ بَعْدَ السَّبْعِ لَمْ يَعْدُ إلَى الْغُسْلِ.
قَالَ أَحْمَدُ مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا لَمْ يُغَسِّلْهُ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعٍ، لَا يُجَاوِزُهُ، خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ.
قِيلَ لَهُ: فَنُوَضِّئُهُ إذَا خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ السَّبْعِ؟ قَالَ: لَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَا أَمَرَ، ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا، فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ، وَلِأَنَّ زِيَادَةَ الْغُسْلِ وَتَكْرِيرَهُ عِنْدَ كُلِّ خَارِجٍ يُرْخِيهِ، وَيُفْضِي إلَى الْحَرَجِ، لَكِنَّهُ يَغْسِلُ النَّجَاسَةَ، وَيَحْشُو مَخْرَجَهَا بِالْقُطْنِ.
وَقِيلَ: يُلَجِّمُ بِالْقُطْنِ كَمَا تَفْعَلُ الْمُسْتَحَاضَةُ، وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، فَإِنْ لَمْ يُمْسِكْهُ ذَلِكَ حُشِيَ بِالطِّينِ الْحُرِّ، وَهُوَ الْخَالِصُ الصُّلْبِ الَّذِي لَهُ قُوَّةٌ تُمْسِكُ الْمَحَلَّ.
وَقَدْ ذَكَرَ أَحْمَدُ أَنَّهُ لَا يُوَضَّأُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُوَضَّأُ وُضُوءَ الصَّلَاةِ، كَالْجُنُبِ إذَا أَحْدَثَ بَعْدَ غُسْلِهِ، وَهَذَا أَحْسَنُ.

[فَصْلٌ الْحَائِض وَالْجَنْب إذَا مَاتَا كَغَيْرِهِمَا فِي الْغُسْل]

(1514) فَصْلٌ: وَالْحَائِضُ وَالْجُنُبُ إذَا مَاتَا كَغَيْرِهِمَا فِي الْغُسْلِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هَذَا قَوْلُ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: مَا مَاتَ مَيِّتٌ إلَّا جُنُبٌ.
وَقِيلَ عَنْ الْحَسَنِ: إنَّهُ يُغَسَّلُ الْجُنُبُ لِلْجَنَابَةِ، وَالْحَائِضُ لِلْحَيْضِ، ثُمَّ يُغَسَّلَانِ لِلْمَوْتِ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُمَا خَرَجَا مِنْ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِمَا عِبَادَةٌ وَاجِبَةٌ، وَإِنَّمَا الْغُسْلُ لِلْمَيِّتِ تَعَبُّدٌ، وَلِيَكُونَ فِي حَالِ خُرُوجِهِ مِنْ الدُّنْيَا عَلَى أَكْمَلِ حَالٍ مِنْ النَّظَافَةِ وَالنَّضَارَةِ، وَهَذَا يَحْصُلُ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، وَلِأَنَّ الْغُسْلَ الْوَاحِدَ يُجْزِئُ مَنْ وُجِدَ فِي حَقِّهِ مُوجِبَانِ لَهُ، كَمَا لَوْ اجْتَمَعَ الْحَيْضُ وَالْجَنَابَةُ.

[فَصْلٌ الْوَاجِب فِي غَسَلَ الْمَيِّت]

(1515) فَصْلٌ: وَالْوَاجِبُ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ النِّيَّةُ، وَالتَّسْمِيَةُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَغَسْلُهُ مَرَّةً وَاحِدَةً، لِأَنَّهُ غُسْلُ تَعَبُّدٍ عَنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ أَصَابَتْهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، فَوَجَبَ ذَلِكَ فِيهِ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَقَدْ شَبَّهَ أَحْمَدُ غُسْلَهُ بِغُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَلَمَّا تَعَذَّرَتْ النِّيَّةُ وَالتَّسْمِيَةُ مِنْ الْمَيِّتِ اُعْتُبِرَتْ فِي الْغَاسِلِ، لِأَنَّهُ الْمُخَاطَبُ بِالْغُسْلِ.
قَالَ عَطَاءٌ يُجْزِئُهُ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ إنْ أَنْقَوْهُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُغَسَّلَ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا» . وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الْكَرَاهَةِ دُونَ الْإِجْزَاءِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» . وَلَمْ يَذْكُرْ عَدَدًا.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا تُعْتَبَرَ النِّيَّةُ، لِأَنَّ الْقَصْدَ التَّنْظِيفُ، فَأَشْبَهَ غَسْلَ النَّجَاسَةِ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا وَجَبَ غَسْلُ مُتَنَظِّفٍ، وَلَجَازَ غَسْلُهُ بِمَاءِ الْوَرْدِ وَسَائِرِ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّنْظِيفُ، وَإِنَّمَا هُوَ غُسْلُ تَعَبُّدٍ، أَشْبَهَ غُسْلَ الْجَنَابَةِ.

[مَسْأَلَةٌ إذَا فَرَغَ الْغَاسِل مِنْ غَسَلَ الْمَيِّت نَشْفِهِ بِثَوْبِ]

(1516) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيُنَشِّفُهُ بِثَوْبٍ، وَيُجَمِّرُ أَكْفَانَهُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا فَرَغَ الْغَاسِلُ مِنْ غَسْلِ الْمَيِّتِ، نَشَّفَهُ بِثَوْبِ لِئَلَّا يَبُلَّ أَكْفَانَهُ، وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ: " فَإِذَا فَرَغْتِ مِنْهَا، فَأَلْقِي عَلَيْهَا ثَوْبًا نَظِيفًا ". وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي غُسْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فَجَفَّفُوهُ بِثَوْبٍ.
وَمَعْنَى تَجْمِيرِ أَكْفَانِهِ تَبْخِيرُهَا بِالْعُودِ، وَهُوَ أَنْ يُتْرَكَ الْعُودُ عَلَى النَّارِ فِي مِجْمَرٍ، ثُمَّ يُبَخَّرُ بِهِ الْكَفَنُ حَتَّى تَعْبَقَ رَائِحَتُهُ، وَيَطِيبَ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يُرَشَّ عَلَيْهِ مَاءُ الْوَرْدِ، لِتَعْلَقَ الرَّائِحَةُ بِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا جَمَّرْتُمْ الْمَيِّتَ فَجَمِّرُوهُ ثَلَاثًا» وَأَوْصَى أَبُو سَعِيدٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ أَنْ تُجَمَّرَ أَكْفَانُهُمْ بِالْعُودِ.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يُجَمَّرُ الْمَيِّتُ.
وَلِأَنَّ هَذَا عَادَةُ الْحَيِّ عِنْدَ غُسْلِهِ، وَتَجْمِيرِ ثِيَابِهِ، أَنْ يُجَمِّرَ بِالطِّيبِ وَالْعُودِ، فَكَذَلِكَ الْمَيِّتُ.

[مَسْأَلَةٌ يُكَفَّنُ الرَّجُل فِي ثَلَاثِ لَفَائِف بِيض]

(1517) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيُكَفَّنُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ، يُدْرَجُ فِيهَا إدْرَاجًا، وَيُجْعَلُ الْحَنُوطُ فِيمَا بَيْنَهَا) الْأَفْضَلُ عِنْدَ إمَامِنَا، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، أَنْ يُكَفَّنَ الرَّجُلُ فِي ثَلَاثِ لَفَائِفَ بِيضٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ، وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْهَا.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَلُ عَلَيْهَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهِمْ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُ الْكَفَنِ أَبْيَضَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ.
وَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبِيضَ، فَإِنَّهُ أَطْهَرُ وَأَطْيَبُ، وَكَفِّنُوا فِيهِ مَوْتَاكُمْ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُكَفَّنَ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَقَمِيصٍ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ الْمُغَفَّلِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كُفِّنَ فِي قَمِيصِهِ.
وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلْبَسَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قَمِيصَهُ، وَكَفَّنَهُ بِهِ.
رَوَاهُ النَّسَائِيّ.
وَلَنَا، قَوْلُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَهُوَ أَصَحُّ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي كَفَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَائِشَةُ أَقْرَبُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَعْرَفُ بِأَحْوَالِهِ وَلِهَذَا لَمَّا ذُكِرَ لَهَا قَوْلُ النَّاسِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُفِّنَ فِي بُرْدٍ، قَالَتْ: قَدْ أُتِيَ بِالْبُرْدِ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُكَفِّنُوهُ فِيهِ، فَحَفِظَتْ مَا أَغْفَلَهُ غَيْرُهَا.
وَقَالَتْ أَيْضًا: «أُدْرِجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حُلَّةٍ يَمَنِيَّةٍ كَانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ نُزِعَتْ عَنْهُ، فَرَفَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْحُلَّةَ، وَقَالَ: أُكَفَّنُ فِيهَا.
ثُمَّ قَالَ: لَمْ يُكَفَّنْ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأُكَفَّنُ فِيهَا فَتَصَدَّقَ بِهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلِأَنَّ حَالَ الْإِحْرَامِ أَكْمَلُ أَحْوَالِ الْحَيِّ وَهُوَ لَا يَلْبَسُ الْمَخِيطَ، وَكَذَلِكَ حَالَةُ الْمَوْتِ أَشْبَهُ بِهَا.
وَأَمَّا إلْبَاسُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قَمِيصَهُ، فَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ تَكْرِمَةً لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وَإِجَابَةً لِسُؤَالِهِ حِين سَأَلَهُ ذَلِكَ؛ لِيَتَبَرَّكَ بِهِ أَبُوهُ، وَيَنْدَفِعَ عَنْهُ الْعَذَابُ بِبَرَكَةِ قَمِيصِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقِيلَ: إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ جَزَاءً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ عَنْ كُسْوَتِهِ الْعَبَّاسَ قَمِيصَهُ يَوْمَ بَدْرٍ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصْل الزِّيَادَة عَلَى ثَلَاثَة أَثْوَاب فِي الْكَفَن]

فَصْلٌ: وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤْخَذَ أَحْسَنُ اللَّفَائِفِ وَأَوْسَعُهَا، فَيُبْسَطَ أَوَّلًا؛ لِيَكُونَ الظَّاهِرُ لِلنَّاسِ أَحْسَنَهَا، فَإِنَّ هَذَا عَادَةُ الْحَيِّ، يَجْعَلُ الظَّاهِرَ أَفْخَرَ ثِيَابِهِ، وَيَجْعَلُ عَلَيْهَا حَنُوطًا، ثُمَّ يَبْسُطُ الثَّانِيَةَ الَّتِي تَلِيهَا فِي الْحُسْنِ وَالسَّعَةِ عَلَيْهَا، وَيَجْعَلُ فَوْقَهَا حَنُوطًا وَكَافُورًا، ثُمَّ يَبْسُطُ فَوْقَهُمَا الثَّالِثَةَ، وَيَجْعَلُ فَوْقَهَا حَنُوطًا وَكَافُورًا، وَلَا يُجْعَلُ عَلَى وَجْهِ الْعُلْيَا، وَلَا عَلَى النَّعْشِ شَيْءٌ مِنْ الْحَنُوطِ؛ لِأَنَّ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: لَا تَجْعَلُوا عَلَى أَكْفَانِي حَنُوطًا.
ثُمَّ يُحْمَلُ الْمَيِّتُ مَسْتُورًا بِثَوْبٍ فَيُوضَعُ فِيهَا مُسْتَلْقِيًا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ لِإِدْرَاجِهِ فِيهَا، وَيُجْعَلُ مَا عِنْدَ رَأْسِهِ أَكْثَرَ مِمَّا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَيُجْعَلُ مِنْ الطِّيبِ عَلَى وَجْهِهِ وَمَوَاضِعِ سُجُودِهِ وَمَغَابِنِهِ؛ لِأَنَّ الْحَيَّ يَتَطَيَّبُ هَكَذَا، وَيُجْعَلُ بَقِيَّةُ الْحَنُوطِ وَالْكَافُورِ فِي قُطْنٍ، وَيُجْعَلُ مِنْهُ بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ بِرِفْقٍ، وَيُكْثِرُ ذَلِكَ لِيَرُدَّ شَيْئًا إنْ خَرَجَ مِنْهُ حِينَ تَحْرِيكِهِ، وَيَشُدُّ فَوْقَهُ خِرْقَةً مَشْقُوقَةَ الطَّرَفِ كَالتُّبَّانِ، وَهُوَ السَّرَاوِيلُ بِلَا أَكْمَامٍ، وَيَجْعَلُ الْبَاقِيَ عَلَى مَنَافِذِ وَجْهِهِ، فِي فِيهِ، وَمَنْخِرَيْهِ، وَعَيْنَيْهِ؛ لِئَلَّا يَحْدُثَ مِنْهُنَّ حَادِثٌ.
وَكَذَلِكَ فِي الْجِرَاحِ النَّافِذَةِ، وَيَتْرُكُ عَلَى مَوَاضِعِ السُّجُودِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا أَعْضَاءٌ شَرِيفَةٌ، ثُمَّ يَثْنِي طَرَفَ اللِّفَافَةِ الْعُلْيَا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ يَرُدُّ طَرَفَهَا الْآخَرَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ، وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِئَلَّا يَسْقُطَ عَنْهُ الطَّرَفُ الْأَيْمَنُ إذَا وُضِعَ عَلَى يَمِينه فِي الْقَبْرِ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ كَذَلِكَ، ثُمَّ يَجْمَعُ مَا فَضَلَ عِنْدَ رَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ، فَيُرَدَّ عَلَى وَجْهِهِ وَرِجْلَيْهِ، وَإِنْ خَافَ انْتِشَارَهَا عَقَدَهَا، وَإِذَا وُضِعَ فِي الْقَبْرِ حَلَّهَا، وَلَمْ يَخْرِقْ الْكَفَنَ.

(1519) فَصْل: وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ فِي الْكَفَنِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ، وَقَدْ نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَحْرُمُ تَرْكُ شَيْءٍ مَعَ الْمَيِّتِ مِنْ مَالِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، إلَّا مِثْلَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ تُرِكَ تَحْتَهُ قَطِيفَةٌ فِي قَبْرِهِ، فَإِنْ تُرِكَ نَحْوُ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ.

[مَسْأَلَةٌ التَّكْفِين فِي الْقَمِيص وَالْمِئْزَر وَاللِّفَافَة]

(1520) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ (وَإِنْ كُفِّنَ فِي قَمِيصٍ وَمِئْزَرٍ وَلِفَافَةٍ جُعِلَ الْمِئْزَرُ مِمَّا يَلِي جِلْدَهُ، وَلَمْ يُزَرَّ عَلَيْهِ الْقَمِيصُ) . التَّكْفِينُ فِي الْقَمِيصِ وَالْمِئْزَرِ وَاللِّفَافَةِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ، وَإِنَّمَا الْأَفْضَلُ الْأَوَّلُ، وَهَذَا جَائِزٌ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلْبَسَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قَمِيصَهُ لَمَّا مَاتَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
فَيُؤْزَرُ بِالْمِئْزَرِ، وَيُلْبَسُ الْقَمِيصَ، ثُمَّ يُلَفُّ بِاللِّفَافَةِ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: إنْ جَعَلُوهُ قَمِيصًا فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ قَمِيصِ الْحَيِّ، لَهُ كُمَّانِ وَدَخَارِيصُ وَأَزْرَارٌ، وَلَا يُزَرُّ عَلَيْهِ الْقَمِيصُ.

[فَصْلٌ يَتَّخِذ الرَّجُل كَفَنه يُصَلِّي فِيهِ أَيَّامًا أَوْ يُحْرِم فِيهِ ثُمَّ يَغْسِلهُ وَيَضَعهُ لِكَفَنِهِ]

(1521) فَصْلٌ: قَالَ أَبُو دَاوُد: قُلْت لِأَحْمَدَ: يَتَّخِذُ الرَّجُلُ كَفَنَهُ يُصَلِّي فِيهِ أَيَّامًا، أَوْ قُلْت: يُحْرِمُ فِيهِ، ثُمَّ يَغْسِلُهُ وَيَضَعُهُ لِكَفَنِهِ؟ فَرَآهُ حَسَنًا.
قَالَ: يُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ جَدِيدًا أَوْ غَسِيلًا وَكَرِهَ أَنْ يَلْبَسَهُ حَتَّى لَا يُدَنِّسَهُ.

[فَصْلٌ التَّكْفِين فِي ثَوْبَيْنِ]

(1522) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ التَّكْفِينُ فِي ثَوْبَيْنِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَكَانَ سُوَيْد بْنُ غَفَلَةَ يَقُولُ: يُكَفَّنُ فِي ثَوْبَيْنِ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يُجْزِئُ ثَوْبَانِ، وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ يَسْتُرُ جَمِيعَهُ.
«قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: لَمَّا فَرَغْنَا.
يَعْنِي مِنْ غُسْلِ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلْقَى إلَيْنَا حَقْوَهُ، فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إيَّاهُ.
وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ: مَعْنَى أَشْعِرْنَهَا إيَّاهُ اُلْفُفْنَهَا فِيهِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْعَوْرَةُ الْمُغَلَّظَةُ يَسْتُرُهَا ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَجَسَدُ الْمَيِّتِ أُولَى.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهَا.
وَيُرْوَى مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَوْ جَازَ أَقَلُّ مِنْهَا لَمْ يَجُزْ التَّكْفِينُ بِهَا فِي حَقِّ مَنْ لَهُ أَيْتَامٌ، احْتِيَاطًا لَهُمْ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي لَا يَصِحُّ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّكْفِينُ بِالْحَسَنِ مَعَ حُصُولِ الْإِجْزَاءِ بِمَا دُونَهُ.

[فَصْل يُكَفِّن الصَّبِيّ فِي خِرْقَة]

(1523) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: يُكَفَّنُ الصَّبِيُّ فِي خِرْقَةٍ، وَإِنْ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةٍ فَلَا بَأْسَ.
وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ وَنَحْوُهُ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَغَيْرُهُمْ.
لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ ثَوْبًا يُجْزِئُهُ، وَإِنْ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةٍ فَلَا بَأْسَ، لِأَنَّهُ ذَكَرٌ فَأَشْبَهَ الرَّجُلَ.

[فَصْلٌ لَمْ يُوجَد ثَوْبًا يَسْتُر جَمِيع الْمَيِّت]

(1524) فَصْلٌ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الرَّجُلُ ثَوْبًا يَسْتُرُ جَمِيعَهُ، سَتَرَ رَأْسَهُ، وَجَعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ حَشِيشًا أَوْ وَرَقًا، كَمَا رُوِيَ عَنْ خَبَّابٍ، «أَنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ شَيْءٌ يُكَفَّنُ فِيهِ، إلَّا نَمِرَةً.
فَكُنَّا إذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رَأْسِهِ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ، وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنْ الْإِذْخِرِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ سَتَرَهَا؛ لِأَنَّهَا أَهَمُّ فِي السَّتْرِ، بِدَلِيلِ حَالَةِ الْحَيَاةِ.
فَإِنْ كَثُرَ الْقَتْلَى، وَقَلَّتْ الْأَكْفَانُ، كُفِّنَ الرَّجُلَانِ وَالثَّلَاثَةُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، كَمَا صُنِعَ بِقَتْلَى أُحُدٍ.
قَالَ أَنَسٌ: كَثُرَتْ قَتْلَى أُحُدٍ، وَقَلَّتْ الثِّيَابُ.
قَالَ: فَكُفِّنَ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ وَالثَّلَاثَةُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، ثُمَّ يُدْفَنُونَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.

[مَسْأَلَةٌ يَتْبَع مَغَابِن الْمَيِّت وَمَرَافِقه بِالْمِسْكِ]

(1525) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيَجْعَلُ الذَّرِيرَةَ فِي مَفَاصِلِهِ، وَيَجْعَلُ الطِّيبَ فِي مَوَاضِعِ السُّجُودِ وَالْمَغَابِنِ، وَيُفْعَلُ بِهِ كَمَا يُفْعَلُ بِالْعَرُوسِ) الذَّرِيرَةُ هِيَ الطِّيبُ الْمَسْحُوقُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجْعَلَ فِي مَفَاصِلِ الْمَيِّتِ وَمَغَابِنِهِ، وَهِيَ الْمَوَاضِعُ الَّتِي تَنْثَنِي مِنْ الْإِنْسَانِ، كَطَيِّ الرُّكْبَتَيْنِ، وَتَحْتَ الْإِبْطَيْنِ، وَأُصُولِ الْفَخِذَيْنِ؛ لِأَنَّهَا مَوَاضِعُ الْوَسَخِ، وَيَتْبَعُ بِإِزَالَةِ الْوَسَخِ وَالدَّرَنِ مِنْهَا مِنْ الْحَيِّ، وَيَتْبَعُ بِالطِّيبِ مِنْ الْمِسْكِ وَالْكَافُورِ مَوَاضِعَ السُّجُودِ؛ لِأَنَّهَا أَعْضَاءٌ شَرِيفَةٌ، وَيُفْعَلُ بِهِ كَمَا يُفْعَلُ بِالْعَرُوسِ؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اصْنَعُوا بِمَوْتَاكُمْ كَمَا تَصْنَعُونَ بِعَرَائِسِكُمْ» . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَتْبَع مَغَابِنَ الْمَيِّتِ وَمَرَافِقَهُ بِالْمِسْكِ.
قَالَ أَحْمَدُ يُخْلَطُ الْكَافُورُ بِالذَّرِيرَةِ.
وَقِيلَ لَهُ: يُذَرُّ الْمِسْكُ عَلَى الْمَيِّتِ أَوْ يُطْلَى بِهِ؟ قَالَ: لَا يُبَالِي، قَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ذَرَّ عَلَيْهِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ مَسَحَهُ بِالْمِسْكِ مَسْحًا، وَابْنُ سِيرِينَ طَلَى إنْسَانًا بِالْمِسْكِ مِنْ قَرْنِهِ إلَى قَدَمِهِ.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: يُوضَعُ الْحَنُوطُ عَلَى أَعْظُمِ السُّجُودِ، الْجَبْهَةِ، وَالرَّاحَتَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَصُدُورِ الْقَدَمَيْنِ.

(1526) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يَجْعَلُ فِي عَيْنَيْهِ كَافُورًا) إنَّمَا كُرِهَ هَذَا لِأَنَّهُ يُفْسِدُ الْعُضْوَ وَيُتْلِفُهُ، وَلَا يُصْنَعُ مِثْلُهُ بِالْحَيِّ.
قَالَ أَحْمَدُ: مَا سَمِعْنَا إلَّا فِي الْمَسَاجِدِ.
وَحُكِيَ لَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ، فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ فَعَلَهُ، وَكَرِهَ ذَلِكَ.

[مَسْأَلَةٌ خُرُوج شَيْء يَسِير مِنْهُ بَعْد وَضَعَهُ فِي أَكْفَانه]

(1527) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ يَسِيرٌ بَعْدَ وَضْعِهِ فِي أَكْفَانِهِ، لَمْ يُعَدْ إلَى الْغُسْلِ، وَحُمِلَ) لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا خِلَافًا.
وَالْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ إعَادَةَ الْغُسْلِ فِيهَا مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى إخْرَاجِهِ، وَإِعَادَةِ غُسْلِهِ وَغَسْلِ أَكْفَانِهِ، وَتَجْفِيفِهَا أَوْ إبْدَالِهَا، ثُمَّ لَا يُؤْمَنُ مِثْلُ هَذَا فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ، فَسَقَطَ لِذَلِكَ، وَلَا يَحْتَاجُ أَيْضًا إلَى إعَادَةِ وُضُوئِهِ، وَلَا غَسْلِ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ، دَفْعًا لِهَذِهِ الْمَشَقَّةِ، وَيُحْمَلُ بِحَالِهِ.
وَيُرْوَى عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ ابْنَةً لَهُ لَمَّا لُفَّتْ فِي أَكْفَانِهَا.
بَدَا مِنْهَا شَيْءٌ، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: ارْفَعُوا.
فَأَمَّا إنْ كَانَ الْخَارِجُ كَثِيرًا فَاحِشًا فَمَفْهُومُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا أَنَّهُ يُعَادُ غُسْلُهُ إنْ كَانَ قَبْلَ تَمَامِ السَّبْعَةِ؛ لِأَنَّ الْكَثِيرَ يَتَفَاحَشُ، وَيُؤْمَنُ مِثْلُهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، لِتَحَفُّظِهِمْ، بِالشَّدِّ وَالتَّلَجُّمِ وَنَحْوِهِ.
وَرَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ.
قَالَ الْخَلَّالُ: وَخَالَفَهُ أَصْحَابُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، كُلُّهُمْ رَوَوْا عَنْهُ: لَا يُعَادُ إلَى الْغُسْلِ بِحَالٍ.
قَالَ: وَالْعَمَلُ عَلَى مَا اُتُّفِقَ عَلَيْهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَشَقَّةِ فِيهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُحْمَلَ الرِّوَايَتَانِ عَلَى حَالَتَيْنِ، فَالْمَوْضِعُ الَّذِي قَالَ لَا يُعَادُ غُسْلُهُ إذَا كَانَ يَسِيرًا وَيَخْفَى عَلَى الْمُشَيِّعِينَ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي أَمَرَ بِإِعَادَتِهِ إذَا كَانَ يَظْهَرُ لَهُمْ وَيَفْحُشُ.

[مَسْأَلَةٌ أَحَبَّ أَهْلُ الْمَيِّت أَنْ يَرَوْهُ]

(1528) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِنْ أَحَبَّ أَهْلُهُ أَنْ يَرَوْهُ لَمْ يُمْنَعُوا) وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ «جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ أَبِي جَعَلْت أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ وَأَبْكِي، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَنْهَانِي.» وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَبِّلُ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيِّتٌ، حَتَّى رَأَيْت الدُّمُوعَ تَسِيلُ» . وَقَالَتْ: أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَتَيَمَّمَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُسَجَّى بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ بَكَى.
فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْك مَوْتَتَيْنِ.
وَهَذِهِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ.

[مَسْأَلَةٌ تُكَفِّن الْمَرْأَة فِي خَمْسَة أَثْوَاب]

(1529) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَالْمَرْأَةُ تُكَفَّنُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ: قَمِيصٍ، وَمِئْزَرٍ، وَلِفَافَةٍ، وَمُقَنَّعَةٍ، وَخَامِسَةٍ تُشَدُّ بِهَا فَخِذَاهَا) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَكْثَرُ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَى أَنْ تُكَفَّنَ الْمَرْأَةُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ، وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَزِيدُ فِي حَالِ حَيَاتِهَا عَلَى الرَّجُلِ فِي السَّتْرِ لِزِيَادَةِ عَوْرَتِهَا عَلَى عَوْرَتِهِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَمَّا كَانَتْ تَلْبَسُ الْمَخِيطَ فِي إحْرَامِهَا، وَهُوَ أَكْمَلُ أَحْوَالِ الْحَيَاةِ، اُسْتُحِبَّ إلْبَاسُهَا إيَّاهُ بَعْدَ

مَوْتِهَا، وَالرَّجُلُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَافْتَرَقَا فِي اللُّبْسِ بَعْدَ الْمَوْتِ، لِافْتِرَاقِهِمَا فِيهِ فِي الْحَيَاةِ، وَاسْتَوَيَا فِي الْغُسْلِ بَعْدَ الْمَوْتِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِيهِ فِي الْحَيَاةِ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ عَنْ لَيْلَى بِنْتِ قَانِفٍ الثَّقَفِيَّة، قَالَتْ: كُنْت فِي مَنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ وَفَاتِهَا، فَكَانَ أَوَّلُ مَا أَعْطَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَقْوَ، ثُمَّ الدِّرْعَ، ثُمَّ الْخِمَارَ، ثُمَّ الْمِلْحَفَةَ، ثُمَّ أُدْرِجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الثَّوْبِ الْآخِرِ.
قَالَتْ: وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ الْبَابِ مَعَهُ كَفَنُهَا، يُنَاوِلُنَاهَا ثَوْبًا ثَوْبًا.
إلَّا أَنَّ الْخِرَقِيِّ إنَّمَا ذَكَرَ لِفَافَةً وَاحِدَةً، فَعَلَى هَذَا تُشَدُّ الْخِرْقَةُ عَلَى فَخِذَيْهَا أَوَّلًا، ثُمَّ تُؤْزَرُ بِالْمِئْزَرِ، ثُمَّ يُلْبَسُ الْقَمِيصُ، ثُمَّ تُخَمَّرُ بِالْمُقَنَّعَةِ، ثُمَّ تُلَفُّ بِلِفَافَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ: تُخَمَّرُ، وَيُتْرَكُ قَدْرُ ذِرَاعٍ، يُسْدَلُ عَلَى وَجْهِهَا، وَيُسْدَلُ عَلَى فَخِذَيْهَا الْحَقْوُ.
وَسُئِلَ عَنْ الْحَقْوِ؟ فَقَالَ: هُوَ الْإِزَارُ.
قِيلَ: الْخَامِسَةُ.
قَالَ: خِرْقَةٌ تُشَدُّ عَلَى فَخِذَيْهَا.
قِيلَ لَهُ: قَمِيصُ الْمَرْأَةِ؟ قَالَ: يُخَيَّطُ.
قِيلَ: يُكَفُّ وَيُزَرُّ؟ قَالَ: يُكَفُّ وَلَا يُزَرُّ عَلَيْهَا.
وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ، أَنَّ الْأَثْوَابَ الْخَمْسَةَ إزَارٌ، وَدِرْعٌ، وَخِمَارٌ، وَلِفَافَتَانِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِحَدِيثِ لَيْلَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَلِمَا رَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاوَلَهَا إزَارًا، وَدِرْعًا، وَخِمَارًا، وَثَوْبَيْنِ.

[فَصْلٌ فِي كَمْ تُكَفِّن الْجَارِيَة إذَا لَمْ تَبْلُغ]

فَصْلٌ: قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: فِي كَمْ تُكَفَّنُ الْجَارِيَةُ إذَا لَمْ تَبْلُغْ؟ قَالَ: فِي لِفَافَتَيْنِ، وَقَمِيصٍ، لَا خِمَارَ فِيهِ.
وَكَفَّنَ ابْنُ سِيرِينَ بِنْتًا لَهُ قَدْ أَعْصَرَتْ فِي قَمِيصٍ وَلِفَافَتَيْنِ.
وَرُوِيَ فِي بَقِيرٍ وَلِفَافَتَيْنِ.
قَالَ أَحْمَدُ: الْبَقِيرُ الْقَمِيصُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ كُمَّانِ.
وَلِأَنَّ غَيْرَ الْبَالِغِ لَا يَلْزَمُهَا سَتْرُ رَأْسِهَا فِي الصَّلَاةِ.
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة عَنْ أَحْمَدَ فِي الْحَدِّ الَّذِي تَصِيرُ بِهِ فِي حُكْمِ الْمَرْأَةِ فِي الْكَفَنِ، فَرُوِيَ عَنْهُ: إذَا بَلَغَتْ.
وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» مَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَهَا لَا تَحْتَاجُ إلَى خِمَارٍ فِي صَلَاتِهَا، فَكَذَلِكَ فِي كَفَنِهَا.
وَلِأَنَّ ابْنَ سِيرِينَ كَفَّنَ ابْنَتَهُ، وَقَدْ أَعْصَرَتْ أَيْ قَارَبَتْ الْمَحِيضَ بِغَيْرِ خِمَارٍ.
وَرَوَى عَنْ أَحْمَدَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ: إذَا كَانَتْ بِنْتَ تِسْعٍ يُصْنَعُ بِهَا مَا يُصْنَعُ بِالْمَرْأَةِ.
وَاحْتُجَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ» . وَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: إذَا بَلَغْت الْجَارِيَةُ تِسْعًا فَهِيَ امْرَأَةٌ.

[فَصْلٌ تَكْفِينَ الْمَرْأَة بِالْحَرِيرِ]

(1531) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ لَا يُعْجِبُنِي أَنْ تُكَفَّنَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحَرِيرِ.
وَكَرِهَ ذَلِكَ الْحَسَنُ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَإِسْحَاقُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَا أَحْفَظُ مِنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ.
وَفِي جَوَازِ تَكْفِينِ الْمَرْأَةِ بِالْحَرِيرِ احْتِمَالَانِ؛ لِأَنَّ أَقْيَسَهُمَا الْجَوَازُ، لِأَنَّهُ مِنْ لِبَاسِهَا فِي حَيَاتِهَا، لَكِنْ كَرِهْنَاهُ لَهَا، لِأَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا مَحَلًّا لِلزِّينَةِ وَالشَّهْوَةِ، وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ تَكْفِينُهَا بِالْمُعَصْفَرِ، وَنَحْوِهِ؛ لِذَلِكَ.
قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا يُكَفَّنُ الْمَيِّتُ فِي الثِّيَابِ الْمُصْبَغَةِ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ الْعَصْبِ، يَعْنِي مَا صُنِعَ بِالْعَصْبِ، وَهُوَ نَبْتٌ يَنْبُتُ بِالْيَمَنِ.

[مَسْأَلَةٌ يُضَفَّر شَعْر الْمَيِّتَة ثَلَاثَة قُرُون وَيَسْدُل مِنْ خَلْفهَا]

(1532) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيُضَفَّرُ شَعْرُهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، وَيُسْدَلُ مِنْ خَلْفِهَا) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ شَعْرَ الْمَيِّتَةِ يُغْسَلُ، وَإِنْ كَانَ مَعْقُوصًا نُقِضَ، ثُمَّ غُسِلَ، ثُمَّ ضُفِّرَ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، قَرْنَيْهَا، وَنَاصِيَتَهَا، وَيُلْقَى مِنْ خَلْفِهَا.
وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يُضَفَّرُ، وَلَكِنْ يُرْسَلُ مَعَ خَدَّيْهَا، مِنْ بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ، ثُمَّ يُرْسَلُ عَلَيْهِ الْخِمَارُ؛ لِأَنَّ ضُفْرَهُ يَحْتَاجُ إلَى تَسْرِيحِهَا، فَيَنْقَطِعُ، شَعْرُهَا وَيُنْتَفُ.
وَلَنَا، مَا رَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: «ضَفَّرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، وَأَلْقَيْنَاهُ خَلْفهَا.
يَعْنِي بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِمُسْلِمٍ: فَضَفَّرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ؛ قَرْنَيْهَا، وَنَاصِيَتَهَا.
وَلِلْبُخَارِيِّ: جَعَلْنَ رَأْسَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، نَقَضْنَهُ، ثُمَّ غَسَلْنَهُ، ثُمَّ جَعَلْنَهُ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ.
وَإِنَّمَا غَسَلْنَهُ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَعْلِيمِهِ.
وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَاضْفِرْنَ شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ؛ قُصَّةٍ، وَقَرْنَيْنِ، وَلَا تُشَبِّهْنَهَا بِالرِّجَالِ» . فَأَمَّا التَّسْرِيحُ فَكَرِهَهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: عَلَامَ تَنُصُّونَ مَيِّتَكُمْ؟ قَالَ: يَعْنِي لَا تُسَرِّحُوا رَأْسَهُ بِالْمُشْطِ.
وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَقْطَعُ شَعْرَهُ وَيَنْتِفُهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: مَشَطْنَاهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: إنَّمَا ضَفَّرْنَ.
وَأَنْكَرَ الْمُشْطَ.
فَكَأَنَّهُ تَأَوَّلَ قَوْلَهَا: مَشَطْنَاهَا.
عَلَى أَنَّهَا أَرَادَتْ ضَفَّرْنَاهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ الْإِسْرَاع بِالْجِنَازَةِ]

(1533) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: " وَالْمَشْيُ بِالْجِنَازَةِ الْإِسْرَاعُ " لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ، - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -، فِي اسْتِحْبَابِ الْإِسْرَاعِ بِالْجِنَازَةِ، وَبِهِ وَرَدَ النَّصُّ، وَهُوَ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُنْ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا تَبِعَ الْجِنَازَةَ قَالَ: انْبَسِطُوا بِهَا، وَلَا تَدِبُّوا دَبِيبَ الْيَهُودِ بِجَنَائِزِهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، فِي " الْمُسْنَدِ ". وَاخْتَلَفُوا فِي الْإِسْرَاعِ الْمُسْتَحَبِّ، فَقَالَ الْقَاضِي: الْمُسْتَحَبُّ إسْرَاعٌ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ.
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَخُبُّ، وَيَرْمُلُ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ.
قَالَ: «كُنَّا فِي جِنَازَةِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ فَكُنَّا نَمْشِي مَشْيًا خَفِيفًا، فَلَحِقَنَا أَبُو بَكْرٍ؛ فَرَفَعَ سَوْطَهُ، فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَرْمُلُ رَمْلًا» . وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّهُ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ تَمْخُضُ مَخْضًا، فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ فِي جَنَائِزِكُمْ» . مِنْ " الْمُسْنَدِ ". وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «سَأَلْنَا نَبِيَّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْمَشْيِ بِالْجِنَازَةِ.
فَقَالَ: مَا دُونَ الْخَبَبِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَقَالَ: يَرْوِيهِ أَبُو مَاجِدٍ، وَهُوَ مَجْهُولٌ.
وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «انْبَسِطُوا بِهَا، وَلَا تَدِبُّوا دَبِيبَ الْيَهُودِ» . يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ إسْرَاعٌ يَخْرُجُ بِهِ عَنْ شِبْهِ مَشْيِ الْيَهُودِ بِجَنَائِزِهِمْ، وَلِأَنَّ الْإِسْرَافَ فِي الْإِسْرَاعِ يَمْخُضُهَا، وَيُؤْذِي حَامِلِيهَا وَمُتَّبِعِيهَا، وَلَا يُؤْمَنُ عَلَى الْمَيِّتِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فِي جِنَازَةِ مَيْمُونَةَ: لَا تُزَلْزِلُوا، وَارْفُقُوا، فَإِنَّهَا أُمُّكُمْ.

[فَصْلٌ اتِّبَاع الْجَنَائِز]

(1534) فَصْلٌ: وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ سُنَّةٌ.
قَالَ الْبَرَاءُ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ» . وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا، أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ.
قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: إذَا صَلَّيْت فَقَدْ قَضَيْت الَّذِي عَلَيْك.
وَقَالَ أَبُو دَاوُد: رَأَيْت أَحْمَدَ مَا لَا أُحْصِي صَلَّى عَلَى جَنَائِزَ، وَلَمْ يَتْبَعْهَا إلَى الْقَبْرِ، وَلَمْ يَسْتَأْذِنْ.
الثَّانِي، أَنْ يَتْبَعَهَا إلَى الْقَبْرِ، ثُمَّ يَقِفَ حَتَّى تُدْفَنَ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ شَهِدَ الْجِنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ.
قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الثَّالِثُ، أَنْ يَقِفَ بَعْدَ الدَّفْنِ، فَيَسْتَغْفِرَ لَهُ، وَيَسْأَلَ اللَّهَ لَهُ التَّثْبِيتَ، وَيَدْعُوَ لَهُ بِالرَّحْمَةِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ إذَا دَفَنَ مَيِّتًا وَقَفَ، وَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لَهُ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ لَهُ التَّثْبِيتَ؛ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ عِنْدَهُ بَعْدَ الدَّفْنِ أَوَّلَ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتَهَا.

(1535) فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ لِمُتَّبِعِ الْجِنَازَةِ أَنْ يَكُونَ مُتَخَشِّعًا، مُتَفَكِّرًا فِي مَآلِهِ، مُتَّعِظًا بِالْمَوْتِ، وَبِمَا يَصِيرُ إلَيْهِ الْمَيِّتُ، وَلَا يَتَحَدَّثُ بِأَحَادِيثِ الدُّنْيَا، وَلَا يَضْحَكُ، قَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: مَا تَبِعْت جِنَازَةً فَحَدَّثْت نَفْسِي بِغَيْرِ مَا هُوَ مَفْعُولٌ بِهَا.
وَرَأَى بَعْضُ السَّلَفِ رَجُلًا يَضْحَكُ فِي جِنَازَةٍ، فَقَالَ: أَتَضْحَكُ وَأَنْتَ تَتْبَعُ الْجِنَازَةَ؟ لَا كَلَّمْتُك أَبَدًا.

[مَسْأَلَةٌ فَصْلٌ الْمَاشِي خَلَف الْجِنَازَة]

(1536) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: " وَالْمَشْيُ أَمَامَهَا أَفْضَلُ " أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ الْفَضِيلَةَ لِلْمَاشِي أَنْ يَكُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَبِي قَتَادَةَ، وَأَبِي أُسَيْدَ، وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَشُرَيْحٍ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: الْمَشْيُ خَلْفَهَا أَفْضَلُ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الْجِنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ، وَلَا تُتْبَعُ، لَيْسَ مِنْهَا مَنْ تَقَدَّمَهَا» . وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «فَضْلُ الْمَاشِي خَلْفَ الْجِنَازَةِ عَلَى الْمَاشِي قُدَّامَهَا، كَفَضْلِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى التَّطَوُّعِ، سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . وَلِأَنَّهَا مَتْبُوعَةٌ فَيَجِبُ أَنْ تُقَدَّمَ كَالْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً ". وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَعَنْ أَنَسٍ نَحْوُهُ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، كَانُوا يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ.
وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ، وَلِأَنَّهُمْ شُفَعَاءُ لَهُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَا مِنْ مَيِّتٍ تُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، يَبْلُغُونَ مِائَةً، كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ، إلَّا شُفِّعُوا فِيهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَالشَّفِيعُ يَتَقَدَّمُ الْمَشْفُوعَ لَهُ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ يَرْوِيه أَبُو مَاجِدٍ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، قِيلَ لِيَحْيَى: مَنْ أَبُو مَاجِدٍ هَذَا؟ قَالَ: طَائِرٌ طَارَ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ يُضَعِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ.
وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ لَمْ يَذْكُرْهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ.
وَقَالُوا: هُوَ ضَعِيفٌ.
ثُمَّ نَحْمِلُهُ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَهَا إلَى مَوْضِعِ الصَّلَاةِ أَوْ الدَّفْنِ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهَا.
وَقِيَاسُهُمْ يَبْطُلُ بِسُنَّةِ الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ، فَإِنَّهَا تَابِعَةٌ لَهُمَا، وَتَتَقَدَّمُهُمَا فِي الْوُجُودِ.

[فَصْلٌ الرُّكُوب فِي اتِّبَاع الْجَنَائِز]

(1537) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ الرُّكُوبُ فِي اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ.
قَالَ ثَوْبَانُ: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جِنَازَةٍ، فَرَأَى نَاسًا رُكْبَانًا، فَقَالَ: أَلَا تَسْتَحْيُونَ؟ إنَّ مَلَائِكَةَ اللَّهِ عَلَى أَقْدَامِهِمْ، وَأَنْتُمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
فَإِنْ رَكِبَ فِي جِنَازَةٍ فَالسُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ خَلْفَهَا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الرَّاكِبِ: لَا أَعْلَمُهُمْ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ يَكُونُ خَلْفَهَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الرَّاكِبُ يَسِيرُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ، وَالْمَاشِي يَمْشِي خَلْفَهَا وَأَمَامَهَا، وَعَنْ يَمِينهَا وَعَنْ يَسَارِهَا، قَرِيبًا مِنْهَا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ، وَلَفْظُهُ: «الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ، وَالْمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا، وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ» . وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَلِأَنَّ سَيْرَ الرَّاكِبِ أَمَامَهَا يُؤْذِي الْمُشَاةَ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ مَشْيِهِمْ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، فَأَمَّا الرُّكُوب فِي الرُّجُوعِ مِنْهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ.
قَالَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ: «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اتَّبَعَ جِنَازَةَ ابْنِ الدَّحْدَاحِ مَاشِيًا، وَرَجَعَ عَلَى فَرَسٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.

[فَصْلٌ رَفَعَ الصَّوْت عِنْد الْجِنَازَة]

(1538) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ عِنْدَ الْجِنَازَةِ؛ لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُتْبَعَ الْجِنَازَةُ بِصَوْتٍ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: رَوَيْنَا عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَكْرَهُونَ رَفْعَ الصَّوْتِ؛ عِنْدَ ثَلَاثٍ؛ عِنْدَ الْجَنَائِزِ، وَعِنْدَ الذِّكْرِ، وَعِنْدَ الْقِتَالِ وَذَكَرَ الْحَسَنُ، عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ خَفْضَ الصَّوْتِ عِنْدَ ثَلَاثٍ.
فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وَكَرِهَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيّ، وَإِمَامُنَا وَإِسْحَاقُ، قَوْلَ الْقَائِلِ خَلْفَ الْجِنَازَةِ: اسْتَغْفِرُوا لَهُ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ بِدْعَةٌ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: مُحْدَثَةٌ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّب فِي مَرَضِهِ: إيَّايَ وَحَادِيهمْ، هَذَا الَّذِي يَحْدُو لَهُمْ، يَقُولُ: اسْتَغْفِرُوا لَهُ، غَفَرَ اللَّهُ لَكْم.
وَقَالَ فُضَيْلٍ بْنُ عَمْرٍو: بَيْنَا ابْنُ عُمَرَ فِي جِنَازَةٍ، إذْ سَمِعَ قَائِلًا يَقُولُ: اسْتَغْفِرُوا لَهُ، غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ.
فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ.
رَوَاهُمَا سَعِيدٌ.
قَالَ أَحْمَدُ وَلَا يَقُولُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ: سَلِّمْ رَحِمَك اللَّهُ.
فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ.
وَلَكِنْ يَقُول: بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَيَذْكُرُ اللَّهَ إذَا تَنَاوَلَ السَّرِيرَ.

[فَصْلٌ مَسَّ الْجِنَازَة بِالْأَيْدِي وَالْأَكْمَام وَالْمَنَادِيل]

فَصْلٌ: وَمَسُّ الْجِنَازَةِ بِالْأَيْدِي وَالْأَكْمَامِ وَالْمَنَادِيلِ مُحْدَثٌ مَكْرُوهٌ، وَلَا يُؤْمَنُ مَعَهُ فَسَادُ الْمَيِّتِ، وَقَدْ

مَنَعَ الْعُلَمَاءُ مَسَّ الْقَبْرِ، فَمَسُّ الْجَسَدِ مَعَ خَوْفِ الْأَذَى أَوْلَى بِالْمَنْعِ.

[فَصْلٌ اتِّبَاع الْمَيِّت بِنَارِ]

(1540) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ اتِّبَاعُ الْمَيِّتِ بِنَارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: يَكْرَهُ ذَلِكَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ.
رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، وَمَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَعَائِشَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُمْ وَصَّوْا أَنْ لَا يُتْبَعُوا بِنَارٍ.
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ، أَنَّ أَبَا مُوسَى حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ: «لَا تَتْبَعُونِي بِمِجْمَرٍ.
قَالُوا لَهُ: أَوَسَمِعْت فِيهِ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ، مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . وَرَوَى أَبُو دَاوُد، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُتْبَعُ الْجِنَازَةُ بِصَوْتٍ وَلَا نَارٍ» . فَإِنْ دُفِنَ لَيْلًا فَاحْتَاجُوا إلَى ضَوْءٍ، فَلَا بَأْسَ بِهِ، إنَّمَا كُرِهَ الْمَجَامِرُ فِيهَا الْبَخُورُ.
وَفِي حَدِيثٍ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ قَبْرًا لَيْلًا، فَأُسْرِجَ لَهُ سِرَاجٌ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.

[فَصْلٌ اتِّبَاع النِّسَاء الْجَنَائِز]

(1541) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ اتِّبَاعُ النِّسَاءِ الْجَنَائِزَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَكَرِهَ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو أُمَامَةَ، وَعَائِشَةُ، وَمَسْرُوقٌ، وَالْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ، فَإِذَا نِسْوَةٌ جُلُوسٌ، قَالَ مَا يُجْلِسُكُنَّ؟ قُلْنَ: نَنْتَظِرُ الْجِنَازَةَ.
قَالَ: هَلْ تُغَسِّلْنَ؟ قُلْنَ: لَا.
قَالَ: هَلْ تَحْمِلْنَ؟ قُلْنَ: لَا.
قَالَ: هَلْ تُدْلِينَ فِي مَنْ يُدْلِي؟ قُلْنَ: لَا.
قَالَ فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقِيَ فَاطِمَةَ، فَقَالَ: مَا أَخْرَجَك يَا فَاطِمَةُ مِنْ بَيْتِك؟ . قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَيْت أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ، فَرَحِمْت إلَيْهِمْ مَيِّتَهُمْ، أَوْ عَزَّيْتُهُمْ بِهِ.
قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَلَعَلَّك بَلَغْت مَعَهُمْ الْكُدَى؟ . قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ، وَقَدْ سَمِعْتُك تَذْكُرُ فِيهَا مَا تَذْكُرُ.
قَالَ: لَوْ بَلَغْت مَعَهُمْ الْكُدَى.
فَذَكَرَ تَشْدِيدًا.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

[فَصْلٌ كَانَ مَعَ الْجِنَازَة مُنْكَر يَرَاهُ أَوْ يَسْمَعهُ]

(1542) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ مَعَ الْجِنَازَةِ مُنْكَرٌ يَرَاهُ أَوْ يَسْمَعُهُ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى إنْكَارِهِ وَإِزَالَتِهِ، أَزَالَهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إزَالَتِهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يُنْكِرُهُ وَيَتْبَعُهَا، فَيَسْقُطُ فَرْضُهُ بِالْإِنْكَارِ، وَلَا يَتْرُكُ حَقًّا لِبَاطِلٍ.
وَالثَّانِي، يَرْجِعُ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى اسْتِمَاعِ مَحْظُورٍ وَرُؤْيَتِهِ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ.
وَأَصْلُ هَذَا فِي الْغُسْلِ، فَإِنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ، فَيُخَرَّجُ فِي اتِّبَاعِهَا وَجْهَانِ.

[مَسْأَلَةٌ حَمَلَ الْمَيِّت]

(1543) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَالتَّرْبِيعُ أَنْ يُوضَعَ عَلَى الْكَتِفِ الْيُمْنَى إلَى الرِّجْلِ، ثُمَّ الْكَتِفِ الْيُسْرَى إلَى الرِّجْلِ) التَّرْبِيعُ هُوَ الْأَخْذُ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ الْأَرْبَعِ، وَهُوَ سُنَّةٌ فِي حَمْلِ الْجِنَازَةِ لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «إذَا تَبِعَ أَحَدُكُمْ جِنَازَةً، فَلْيَأْخُذْ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ الْأَرْبَعِ، ثُمَّ لْيَتَطَوَّعْ بَعْدُ أَوْ لِيَذَرْ، فَإِنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ» . رَوَاهُ سَعِيدٌ، فِي " سُنَنِهِ ". وَهَذَا يَقْتَضِي سُنَّةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَصِفَةُ التَّرْبِيعِ الْمَسْنُونِ أَنْ يَبْدَأَ فَيَضَعَ قَائِمَةَ السَّرِيرِ الْيُسْرَى عَلَى كَتِفِهِ الْيُمْنَى، مِنْ عِنْدِ رَأْسِ الْمَيِّتِ، ثُمَّ يَضَعَ الْقَائِمَةَ الْيُسْرَى مِنْ عِنْدِ الرِّجْلِ عَلَى الْكَتِفِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَعُود أَيْضًا إلَى الْقَائِمَةِ الْيُمْنَى مِنْ عِنْدِ رَأْسِ الْمَيِّتِ فَيَضَعَهَا عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَنْتَقِلَ إلَى الْيُمْنَى مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَعَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، أَنَّهُ يَدُورُ عَلَيْهَا فَيَأْخُذُ بَعْدَ يَاسِرَةِ الْمُؤَخِّرَةِ يَامِنَةَ الْمُؤَخِّرَةِ ثُمَّ الْمُقَدِّمَةَ وَهُوَ مَذْهَبُ إِسْحَاقُ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَيُّوبَ وَلِأَنَّهُ أَخَفُّ وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ فِيهِ بِمُقَدَّمِهِ كَالْأَوَّلِ.
فَأَمَّا الْحَمْلُ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ، فَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ رَوَيْنَا عَنْ عُثْمَانَ وَسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمْ حَمَلُوا بَيْنَ عَمُودَيْ السَّرِيرِ.
وَقَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَكَرِهَهُ النَّخَعِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَإِسْحَاقُ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، قَدْ فَعَلُوهُ، وَفِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ لَيْسَ فِي حَمْلِ الْمَيِّتِ تَوْقِيتٌ يَحْمِلُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ.
وَنَحْوُهُ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاتِّبَاعُ الصَّحَابَةِ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فِيمَا فَعَلُوهُ وَقَالُوهُ، أَحْسَنُ وَأَوْلَى

[فَصْل إذَا مَرَّتْ بِهِ جِنَازَة لَمْ يُسْتَحَبّ لَهُ الْقِيَام لَهَا]

(1544) فَصْلٌ: إذَا مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ الْقِيَامُ لَهَا؛ لِقَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَعَدَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَالَ إِسْحَاقُ مَعْنَى قَوْل عَلِيٍّ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَأَى جِنَازَةً قَامَ، ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ بَعْدُ.
قَالَ أَحْمَدُ: إنْ قَامَ لَمْ أَعِبْهُ، وَإِنْ قَعَدَ فَلَا بَأْسَ وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى،

وَالْقَاضِي، أَنَّ الْقِيَامَ مُسْتَحَبٌّ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا رَأَى أَحَدُكُمْ الْجِنَازَةَ فَلْيَقُمْ حِينَ يَرَاهَا، حَتَّى تَخْلُفَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا: أَنَّ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرْكُ الْقِيَامِ لَهَا، وَالْأَخْذُ بِالْآخِرِ مِنْ أَمْرِهِ أَوْلَى، فَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ «أَنَّ يَهُودِيًّا رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ لِلْجِنَازَةِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ: هَكَذَا نَصْنَعُ.
فَتَرَكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقِيَامَ لَهَا»

[فَصْلٌ مِنْ يَتْبَع الْجِنَازَة اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ لَا يَجْلِس حَتَّى تُوضَع]

(1545) فَصْلٌ: وَمَنْ يَتَّبِعُ الْجِنَازَةَ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ لَا يَجْلِسَ حَتَّى تُوضَعَ، مِمَّنْ رَأَى أَنْ لَا يَجْلِسَ حَتَّى تُوضَعَ عَنْ أَعْنَاقِ الرِّجَالِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا رَوَى مُسْلِمٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا اتَّبَعْتُمْ الْجِنَازَةَ فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ» وَرَأَى الشَّافِعِيُّ أَنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ وَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ قَوْلَ عَلِيٍّ يَحْتَمِلُ مَا ذَكَرَهُ إِسْحَاقُ وَالسَّبَبَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِيهِ، وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ عُمُومٌ، فَيَعُمُّ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا، فَلَمْ يَجُزْ النَّسْخُ بِأَمْرِ مُحْتَمَلٍ، وَلِأَنَّ قَوْلَ عَلِيٍّ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَعَدَ.
يَدُلُّ عَلَى ابْتِدَاءِ فِعْلِ الْقِيَامِ، وَهَا هُنَا إنَّمَا وُجِدَتْ مِنْهُ الِاسْتِدَامَةُ، إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَأَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ أُرِيدَ بِالْوَضْعِ وَضْعُهَا عَنْ أَعْنَاقِ الرِّجَالِ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ.
وَقَدْ رَوَى الثَّوْرِيُّ الْحَدِيثَ: «إذَا اتَّبَعْتُمْ الْجِنَازَةَ فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ بِالْأَرْضِ» وَرَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ «حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ» وَحَدِيثُ سُفْيَانَ أَصَحُّ.
فَأَمَّا مَنْ تَقَدَّمَ الْجِنَازَةَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْلِسَ قَبْلَ أَنْ تَنْتَهِيَ إلَيْهِ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَقَدَّمُونَ الْجِنَازَةَ، فَيَجْلِسُونَ قَبْلَ أَنْ تَنْتَهِيَ إلَيْهِمْ، فَإِذَا جَاءَتْ الْجِنَازَةُ لَمْ يَقُومُوا لَهَا.
لِمَا تَقَدَّمَ.

[مَسْأَلَةٌ أَحَقّ النَّاس بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّت]

(1546) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَأَحَقُّ النَّاسِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ مَنْ أَوْصَى لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ) هَذَا مَذْهَبُ أَنَسٍ، وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَأَبِي بَرْزَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَابْنِ سِيرِينَ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: الْوَلِيُّ أَحَقُّ، لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ تَتَرَتَّبُ بِتَرَتُّبِ الْعَصَبَاتِ، فَالْوَلِيُّ فِيهَا أَوْلَى، كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ.
وَلَنَا، إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عُمَرُ قَالَهُ أَحْمَدُ قَالَ:

وَعُمَرُ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ صُهَيْبٌ وَأُمُّ سَلَمَةَ أَوْصَتْ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ وَأَبُو بَكْرَةَ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ أَبُو بَرْزَةَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: عَائِشَةُ أَوْصَتْ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ مَسْعُودٍ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ، وَيُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَأَبُو سَرِيحَةَ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ فَجَاءَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ وَهُوَ أَمِيرُ الْكُوفَةَ لِيَتَقَدَّمَ فَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ.
فَقَالَ ابْنُهُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ إنَّ أَبِي أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ فَقَدَّمَ زَيْدًا وَهَذِهِ قَضَايَا انْتَشَرَتْ، فَلَمْ يَظْهَرْ مُخَالِفٌ، فَكَانَ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْمَيِّتِ، فَإِنَّهَا شَفَاعَةٌ لَهُ، فَتُقَدَّمُ وَصِيَّتُهُ فِيهَا كَتَفْرِيقِ ثُلُثِهِ، وَوِلَايَةُ النِّكَاحِ يُقَدَّمُ فِيهَا الْوَصِيُّ أَيْضًا، فَهِيَ كَمَسْأَلَتِنَا، وَإِنْ سُلِّمَتْ فَلَيْسَتْ حَقًّا لَهُ، إنَّمَا هِيَ حَقٌّ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَمِيرَ يُقَدَّمُ فِي الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ، وَلِأَنَّ الْغَرَضَ فِي الصَّلَاةِ الدُّعَاءُ، وَالشَّفَاعَةُ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَالْمَيِّتُ يَخْتَارُ لِذَلِكَ مَنْ هُوَ أَظْهَرُ صَلَاحًا، وَأَقْرَبُ إجَابَةً فِي الظَّاهِرِ، بِخِلَافِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ (1547) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الْوَصِيُّ فَاسِقًا، أَوْ مُبْتَدِعًا، لَمْ تُقْبَلْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ جَهِلَ الشَّرْعَ فَرَدَدْنَا وَصِيَّتَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ الْوَصِيُّ ذِمِّيًّا، فَإِنْ كَانَ الْأَقْرَبُ إلَيْهِ كَذَلِكَ لَمْ يُقَدَّمْ، وَصَلَّى غَيْرُهُ، كَمَا يُمْنَعُ مِنْ التَّقْدِيمِ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ

[مَسْأَلَةٌ تَقْدِيمُ الْأَمِيرِ عَلَى الْأَقَارِبِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ]

(1548) مَسْأَلَةٌ قَالَ: " ثُمَّ الْأَمِيرُ " أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ تَقْدِيمَ الْأَمِيرِ عَلَى الْأَقَارِبِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: يُقَدَّمُ الْوَلِيُّ، قِيَاسًا عَلَى تَقْدِيمِهِ فِي النِّكَاحِ، بِجَامِعِ اعْتِبَارِ تَرْتِيبِ الْعَصَبَاتِ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُؤَمُّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ» . وَحَكَى أَبُو حَازِمٍ قَالَ: شَهِدْت حُسَيْنًا حِينَ مَاتَ الْحَسَنُ، وَهُوَ يَدْفَعُ فِي قَفَا سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَيَقُول: تَقَدَّمْ، لَوْلَا السُّنَّةُ مَا قَدَّمْتُك وَسَعِيدٌ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ وَهَذَا يَقْتَضِي سُنَّةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَمَّارٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ قَالَ: شَهِدْت جِنَازَةَ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عَلِيٍّ، وَزَيْدِ بْنِ عُمَرَ فَصَلَّى عَلَيْهَا سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ وَكَانَ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ وَخَلْفَهُ يَوْمئِذٍ ثَمَانُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِمْ ابْنُ عُمَرَ، وَالْحَسَنُ

وَالْحُسَيْنُ وَسَمَّى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ.
وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْإِمَامُ أَحَقُّ مَنْ صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُ ذَلِكَ.
وَهَذَا اشْتَهَرَ فَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ شُرِعَتْ فِيهَا الْجَمَاعَةُ، فَكَانَ الْإِمَامُ أَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ فِيهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي عَلَى الْجَنَائِزِ، مَعَ حُضُورِ أَقَارِبِهَا، وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ وَلَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا أَنَّهُمْ اسْتَأْذَنُوا أَوْلِيَاءَ الْمَيِّتِ فِي التَّقَدُّمِ عَلَيْهَا.
(1549) فَصْلٌ: وَالْأَمِيرُ هَاهُنَا الْإِمَامُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْأَمِيرُ مِنْ قِبَلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالنَّائِبُ مِنْ قِبَلِهِ فِي الْإِمَامَةِ، فَإِنَّ الْحُسَيْنَ قَدَّمَ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، وَإِنَّمَا كَانَ أَمِيرًا مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْحَاكِمُ

[مَسْأَلَةٌ أَوْلَى النَّاسِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ]

مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (ثُمَّ الْأَبُ وَإِنْ عَلَا، ثُمَّ الِابْنُ وَإِنْ سَفَلَ، ثُمَّ أَقْرَبُ الْعَصَبَةِ) الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ مَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ فِي أَنَّ أَوْلَى النَّاسِ بَعْدَ الْأَمِيرِ الْأَبُ، ثُمَّ الْجَدُّ أَبُو الْأَبِ وَإِنْ عَلَا، ثُمَّ الِابْنُ، ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ نَزَلَ، ثُمَّ الْأَخُ الَّذِي هُوَ عَصَبَةٌ، ثُمَّ ابْنُهُ، ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ الْعَصَبَاتِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إذَا اجْتَمَعَ جَدٌّ وَأَخٌ، فَفِيهِ قَوْلَانِ وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الِابْنَ أَحَقُّ مِنْ الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى تَعْصِيبًا مِنْهُ، بِدَلِيلِ الْإِرْثِ، وَالْأَخَ أَوْلَى مِنْ الْجَدِّ؛ لِأَنَّهُ يُدْلِي بِالْبُنُوَّةِ وَالْجَدَّ يُدْلِي بِالْأُبُوَّةِ.
وَلَنَا، أَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْإِدْلَاءِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُدْلِي بِنَفْسِهِ، وَالْأَبُ أَرْأَفُ وَأَشْفَقُ، وَدُعَاؤُهُ لِأَبْنِهِ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ، فَكَانَ أَوْلَى، كَالْقَرِيبِ مَعَ الْبَعِيدِ، إذْ كَانَ الْمَقْصُودُ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ وَالشَّفَاعَةَ لَهُ، بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ

[فَصْلٌ اُجْتُمِعَ زَوْج الْمَرْأَة الْمَيِّتَة وَعُصْبَتهَا فِي الصَّلَاة عَلَيْهَا]

(1551) فَصْلٌ: وَإِنْ اجْتَمَعَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ وَعَصَبَتُهَا فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ تَقْدِيمُ الْعَصَبَاتِ، وَهُوَ أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَبُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُقَدِّمُ زَوْجَ الْمَرْأَةِ عَلَى ابْنِهَا مِنْهُ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ تَقْدِيمُ الزَّوْجِ عَلَى الْعَصَبَاتِ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ صَلَّى عَلَى امْرَأَتِهِ، وَلَمْ يَسْتَأْذِنْ إخْوَتَهَا وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَعَطَاءٍ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَإِسْحَاقَ، وَلِأَنَّهُ أَحَقُّ بِالْغُسْلِ، فَكَانَ أَحَقَّ بِالصَّلَاةِ، كَمَحَلِّ الْوِفَاقِ وَلَنَا، أَنَّهُ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ لِأَهْلِ امْرَأَتِهِ: أَنْتُمْ أَحَقُّ بِهَا وَلِأَنَّ الزَّوْجَ قَدْ زَالَتْ زَوْجِيَّتُهُ بِالْمَوْتِ فَصَارَ أَجْنَبِيًّا، وَالْقَرَابَةُ لَمْ تَزُلْ، فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَصَبَاتٌ، فَالزَّوْجُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ لَهُ سَبَبًا وَشَفَقَةً، فَكَانَ أَوْلَى مِنْ الْأَجْنَبِيِّ

[فَصْلٌ اُجْتُمِعَ أَخ مِنْ الْأَبَوَيْنِ وَأَخ مِنْ أَب فِي الصَّلَاة عَلَى الْمَيِّت]

(1552) فَصْلٌ: فَإِنْ اجْتَمَعَ أَخٌ مِنْ الْأَبَوَيْنِ، وَأَخٌ مِنْ أَبٍ فَفِي تَقْدِيمِ الْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ، أَوْ التَّسْوِيَةِ، وَجْهَانِ، أَخْذًا مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ، وَالْحُكْمُ فِي أَوْلَادِهِمَا، وَفِي الْأَعْمَامِ وَأَوْلَادِهِمْ، كَالْحُكْمِ فِيهِمَا سَوَاءٌ.
فَإِنْ انْقَرَضَ الْعَصَبَةُ مِنْ النَّسَبِ فَالْمَوْلَى الْمُنْعِمُ، ثُمَّ أَقْرَبُ عَصَبَاتِهِ، ثُمَّ الرَّجُلُ مِنْ ذَوِي أَرْحَامِهِ، الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، ثُمَّ الْأَجَانِبُ

[فَصْل اسْتَوَى وَلِيَّانِ فِي دَرَجَة وَاحِدَة فِي الصَّلَاة عَلَى الْمَيِّت]

(1553) فَصْلٌ: فَإِنْ اسْتَوَى وَلِيَّانِ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَوْلَاهُمَا أَحَقُّهُمَا بِالْإِمَامَةِ فِي الْمَكْتُوبَاتِ لِعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» قَالَ الْقَاضِي: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَدَّمَ لَهُ الْأَسَنُّ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى إجَابَةِ الدُّعَاءِ، وَأَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ قَدْرًا.
وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَفَضِيلَةُ السِّنِّ مُعَارَضَةٌ بِفَضِيلَةِ الْعِلْمِ، وَقَدْ رَجَّحَهَا الشَّارِعُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، مَعَ أَنَّهُ يُقْصَدُ فِيهَا إجَابَةُ الدُّعَاءِ وَالْحَظُّ لِلْمَأْمُومِينَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «أَئِمَّتُكُمْ شُفَعَاؤُكُمْ» وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَسَنَّ الْجَاهِلَ أَعْظَمُ قَدْرًا مِنْ الْعَالِمِ، وَلَا أَقْرَبُ إجَابَةً فَإِنْ اسْتَوَوْا وَتَشَاحُّوا، أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، كَمَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ

[فَصْلٌ وَمِنْ قَدِمَهُ الْوَلِيّ فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهِ فِي الصَّلَاة عَلَى الْمَيِّت]

(1554) فَصْلٌ: وَمَنْ قَدَّمَهُ الْوَلِيُّ فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهِ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ تَثْبُتُ لَهُ، فَكَانَتْ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ فِيهَا، وَيُقَدَّمُ نَائِبُهُ فِيهَا عَلَى غَيْرِهِ، كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ.

[فَصْلٌ الْحُرّ الْبَعِيد أَوْلَى مِنْ الْعَبْد الْقَرِيب فِي الصَّلَاة عَلَى الْمَيِّت]

(1555) فَصْلٌ: وَالْحُرُّ الْبَعِيدُ أَوْلَى مِنْ الْعَبْدِ الْقَرِيبِ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا وِلَايَة لَهُ، وَلِهَذَا لَا يَلِي فِي النِّكَاحِ وَلَا الْمَالِ فَإِنْ اجْتَمَعَ صَبِيٌّ وَمَمْلُوكٌ وَنِسَاءٌ فَالْمَمْلُوكُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ تَصِحُّ إمَامَتُهُ بِهِمَا.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا نِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّ أَحَدُ الْجِنْسَيْنِ الْآخَرَ، وَيُصَلِّي كُلُّ نَوْعٍ لَأَنْفُسِهِمْ وَإِمَامُهُمْ مِنْهُمْ، وَيُصَلِّي النِّسَاءُ جَمَاعَةً إمَامَتُهُنَّ فِي وَسَطِهِنَّ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُصَلِّينَ مُفْرَدَاتٍ، لَا يَسْبِقُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا، وَإِنْ صَلَّيْنَ جَمَاعَةً جَازَ.
وَلَنَا، أَنَّهُنَّ مِنْ أَهْلِ الْجَمَاعَةِ، فَيُصَلِّينَ جَمَاعَةً كَالرِّجَالِ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ كَوْنِهِنَّ مُنْفَرِدَاتٍ، لَا يَسْبِقُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا، تَحَكُّمٌ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ، وَقَدْ صَلَّى أَزْوَاجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

[فَصْلٌ اُجْتُمِعَ جَنَائِز فَتَشَاحَّ أَوْلِيَاؤُهُمْ فِي مِنْ يَتَقَدَّم لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ]

(1556) فَصْلٌ: فَإِنْ اجْتَمَعَ جَنَائِزُ، فَتَشَاحَّ أَوْلِيَاؤُهُمْ فِي مَنْ يَتَقَدَّمُ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ، قُدِّمَ أَوْلَاهُمْ بِالْإِمَامَةِ فِي الْفَرَائِضِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُقَدَّمُ السَّابِقُ، يَعْنِي مَنْ سَبَقَ مَيِّتُهُ.
وَلَنَا، أَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فَأَشْبَهُوا الْأَوْلِيَاءَ إذَا تَسَاوَوْا فِي الدَّرَجَةِ، مَعَ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ» وَإِنْ أَرَادَ وَلِيُّ كُلِّ مَيِّتٍ إفْرَادَ مَيِّتِهِ بِصَلَاةٍ جَازَ.

[مَسْأَلَةٌ كَيْفِيَّة صَلَاة الْجِنَازَة]

(1557) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، يُكَبِّرُ، وَيَقْرَأُ الْحَمْدَ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ سُنَّةَ التَّكْبِيرِ عَلَى الْجِنَازَةِ أَرْبَعٌ، وَلَا تُسَنُّ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا، وَلَا يَجُوزُ النَّقْصُ مِنْهَا، فَيُكَبِّرُ الْأُولَى، ثُمَّ يَسْتَعِيذُ، وَيَقْرَأُ الْحَمْدَ، وَيَبْدَؤُهَا بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَلَا يُسَنُّ الِاسْتِفْتَاحُ.
قَالَ أَبُو دَاوُد سَمِعْت أَحْمَدَ يُسْأَلُ عَنْ الرَّجُلِ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ بِسُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك؟ قَالَ: مَا سَمِعْت قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ كَانَ الثَّوْرِيُّ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُسْتَفْتَحَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَلَمْ نَجِدْهُ فِي كُتُبِ سَائِرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مِثْلُ قَوْلِ الثَّوْرِيِّ لِأَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ فِيهَا مَشْرُوعَةٌ فَسُنَّ فِيهَا الِاسْتِفْتَاحُ، كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ.
وَلَنَا، أَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ شُرِعَ فِيهَا التَّخْفِيفُ، وَلِهَذَا لَا يُقْرَأُ فِيهَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ بِشَيْءٍ، وَلَيْسَ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ، وَالتَّعَوُّذُ سُنَّةٌ لِلْقِرَاءَةِ مُطْلَقًا فِي الصَّلَاةِ، وَغَيْرِهَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98] إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ وَاجِبَةٌ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَقْرَأُ فِيهَا بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُوَقِّتْ فِيهَا قَوْلًا وَلَا قِرَاءَةً.
وَلِأَنَّ مَا لَا رُكُوعَ فِيهِ لَا قِرَاءَةَ فِيهِ، كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَلَنَا، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَقَالَ: إنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ.
أَوْ: مِنْ تَمَامِ السُّنَّةِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُمِّ شَرِيكٍ قَالَتْ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَقْرَأَ عَلَى الْجِنَازَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» . وَرَوَى الشَّافِعِيُّ، فِي " مُسْنَدِهِ " بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ عَلَى الْجِنَازَةِ أَرْبَعًا، وَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى ثُمَّ هُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ» وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ يَجِبُ فِيهَا الْقِيَامُ، فَوَجَبَتْ فِيهَا الْقِرَاءَةُ، كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَإِنْ صَحَّ مَا رَوَوْهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فَإِنَّمَا قَالَ: لَمْ يُوَقِّتْ.
أَيْ لَمْ يُقَدِّرْ.
وَلَا يَدُلُّ هَذَا عَلَى نَفْيِ أَصْلِ الْقِرَاءَةِ وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ،

فصول الكتاب · 5 فصل · 621 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول المغني لابن قدامة · 621 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
ُ -: بَابُ مَا تَكُونُ بِهِ الطَّهَارَةُ مِنْ الْمَاءِ،
باب ما يبطل الصلاة إذا تركه عامدا أو ساهيا
َّ شُرُوطَ الْإِيلَاءِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَضَاعَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ وَحْدَهُ،
جارٍ التحميل